Verse. 4807 (AR)

٥٣ - ٱلنَّجْم

53 - An-Najm (AR)

اِنْ ہِىَ اِلَّاۗ اَسْمَاۗءٌ سَمَّيْتُمُوْہَاۗ اَنْتُمْ وَاٰبَاۗؤُكُمْ مَّاۗ اَنْزَلَ اللہُ بِہَا مِنْ سُلْطٰنٍ۝۰ۭ اِنْ يَّتَّبِعُوْنَ اِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَہْوَى الْاَنْفُسُ۝۰ۚ وَلَقَدْ جَاۗءَہُمْ مِّنْ رَّبِّہِمُ الْہُدٰى۝۲۳ۭ
In hiya illa asmaon sammaytumooha antum waabaokum ma anzala Allahu biha min sultanin in yattabiAAoona illa alththanna wama tahwa alanfusu walaqad jaahum min rabbihimu alhuda

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن هي» أي ما المذكورات «إلا أسماء سميتموها» أي سميتم بها «أنتم وآباؤكم» أصناما تعبدونها «ما أنزل الله بها» أي بعبادتها «من سلطان» حجة وبرهان «إن» ما «يتبعون» في عبادتها «إلا الظن وما تهوى الأنفس» مما زين لهم الشيطان من أنها تشفع لهم عند الله تعالى «ولقد جاءهم من ربهم الهدى» على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بالبرهان القاطع فلم يرجعوا عما هم عليه.

23

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ } وفيه مباحث تدق عن إدراك اللغوي إن يكن عنده من العلوم حظ عظيم، ولنذكر ما قيل فيه أولاً فنقول قيل معناه: إن هي إلا أسماء، أي كونها إناثاً وكونها معبودات أسماء لا مسمى لها فإنها ليست بإناث حقيقة ولا معبودات، وقيل أسماء أي قلتم بعضها عزى ولا عزة لها، وقيل قلتم إنها آلهة وليست بآلهة، والذي نقوله هو أن هذا جواب عن كلامهم، وذلك على ما بينا أنهم قالوا نحن لا نشك في أن الله تعالى لم يلد كما تلد النساء ولم يولد كما تولد الرجال بالمجامعة والإحبال، غير أنا رأينا لفظ الولد مستعملاً عند العرب في المسبب تقول: بنت الجبل وبنت الشفة لما يظهر منهما ويوجد، لكن الملائكة أولاد الله بمعنى أنهم وجدوا بسببه من غير واسطة فقلنا إنهم أولاده، ثم إن الملائكة فيها تاء التأنيث فقلنا هم أولاد مؤنثة، والولد المؤنث بنت، فقلنا لهم بنات الله، أي لا واسطة بينهم وبين الله تعالى في الإيجاد كما تقول الفلاسفة، فقال تعالى: هذه الأسماء استنبطتموها أنتم بهوى أنفسكم وأطلقتم على الله ما يوهم النقص وذلك غير جائز، وقوله تعالى: {أية : يٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ } تفسير : [الزمر: 56] وقوله (بيده الخير) أسماء موهمة غير أنه تعالى أنزلها، وله أن يسمي نفسه بما اختار وليس لأحد أن يسمى بما يوهم النقص من غير ورود الشرع به، ولنبين التفسير في مسائل: المسألة الأولى: {هِىَ } ضمير عائد إلى ماذا؟ نقول الظاهر أنها عائدة إلى أمر معلوم وهو الأسماء كأنه قال ما هذه الأسماء التي وضعتموها أنتم وهو المشهور، ويحتمل أن يقال هي عائدة إلى الأصنام بأنفسها أي ما هذه الأصنام إلا أسماء، وعلى هذا فهو على سبيل المبالغة والتجوز، يقال لتحقير إنسان ما زيد إلا اسم وما الملك إلا اسم إذا لم يكن مشتملاً على صفة تعتبر في الكلام بين الناس، ويؤيد هذا القول قوله تعالى: {أية : مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء } تفسير : [يوسف: 40] أي ما هذه الأصنام إلا أسماء. المسألة الثانية: ما الفائدة في قوله {سَمَّيْتُمُوهَا } مع أن جميع الأسماء وضعوها أو بعضها هم وضعوها ولم ينكر عليهم؟ نقول المسألة مختلف فيها ولا يتم الذم إلا بقوله تعالى: {مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ } وبيانه هو أن الأسماء إن أنزلها الله تعالى فلا كلام فيها، وإن وضعها للتفاهم فينبغي أن لا يكون في ضمن تلك الفائدة مفسدة أعظم منها لكن إيهام النقص في صفات الله تعالى أعظم منها، فالله تعالى ما جوّز وضع الأسماء للحقائق إلا حيث تسلم عن المحرم، فلم يوجد في هذه الأسماء دليل نقلي ولا وجه عقلي، لأن ارتكاب المفسدة العظيمة لأجل المنفعة القليلة لا يجوزه العاقل، فإذاً {مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ } ووضع الاسم لا يكون إلا بدليل نقلي أو عقلي، وهو أنه يقع خالياً عن وجوه المضار الراجحة. المسألة الثالثة: كيف قال: {سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ } مع أن هذه الأسامي لأصنامهم كانت قبلهم؟ نقول فيه لطيفة وهي أنهم لو قالوا ما سميناها، وإنما هي موضوعة قبلنا، قيل لهم كل من يطلق هذه الألفاظ فهو كالمبتدىء الواضع، وذلك لأن الواضع الأول لهذه الأسماء لما لم يكن واضعاً بدليل عقلي لم يجب اتباعه فمن يطلق اللفظ لأن فلاناً أطلقه لا يصح منه كما لا يصح أن يقول أضلني الأعمى ولو قاله لقيل له بل أنت أضللت نفسك حيث اتبعت من عرفت أنه لا يصلح للاقتداء به. المسألة الرابعة: الأسماء لا تسمى، وإنما يسمى بها فكيف قال: {سَمَّيْتُمُوهَا }؟ نقول عنه جوابان أحدهما: لغوي وهو أن التسمية وضع الاسم فكأنه قال أسماء وضعتموها فاستعمل سميتموها استعمال وضعتموها، ويقال سميته زيداً وسميته يزيد فسميتموها بمعنى سميتم بها وثانيهما: معنوي وهو أنه لو قال أسماء سميتم بها لكان هناك غير الاسم شيء يتعلق به الباء في قوله {بِهَا } لأن قول القائل سميت به يستدعي مفعولاً آخر تقول سميت بزيد ابني أو عبدي أو غير ذلك فيكون قد جعل للأصنام اعتباراً وراء أسمائها، وإذا قال: {إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا } أي وضعتموها في أنفسها لا مسميات لها لم يكن ذلك فإن قيل هذا باطل بقوله تعالى: {أية : وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } تفسير : [آل عمران: 36] حيث لم يقل وإني سميتها بمريم ولم يكن ما ذكرت مقصوداً وإلا لكانت مريم غير ملتفت إليها كما قلت في الأصنام؟ نقول بينهما بون عظيم وذلك لأن هناك قال: {سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } فذكر المفعولين فاعتبر حقيقة مريم بقوله {سَمَّيْتُهَا } واسمها بقوله {مَرْيَمَ } وأما ههنا فقال: {إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا } أي ما هناك إلا أسماء موضوعة فلم تعتبر الحقيقة ههنا واعتبرت في مريم. المسألة الخامسة: {مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ } على أي وجه استعملت الباء في قوله {بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ }؟ نقول كما يستعمل القائل ارتحل فلان بأهله ومتاعه، أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع كذا ههنا. ثم قال تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ ٱلْهُدَىٰ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء {إِن تَتَّبِعُونَ } بالتاء على الخطاب، وهو ظاهر مناسب لقوله تعالى: {أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمُ } على المغايبة وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون الخطاب معهم لكنه يكون التفاتاً كأنه قطع الكلام معهم، وقال لنبيه: إنهم لا يتبعون إلا الظن، فلا تلتفت إلى قولهم ثانيهما: أن يكون المراد غيرهم وفيه احتمالان أحدهما: أن يكون المراد آباءهم وتقديره هو أنه لما قال: {سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ } كأنهم قالوا هذه ليست أسماء وضعناها نحن، وإنما هي كسائر الأسماء تلقيناها ممن قبلنا من آبائنا فقال وسماها آباؤكم وما يتبعون إلا الظن، فإن قيل كان ينبغي أن يكون بصيغة الماضي، نقول وبصيغة المستقبل أيضاً كأنه يفرض الزمان بعد زمان الكلام كما في قوله تعالى: {أية : وَكَلْبُهُمْ بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ } تفسير : [الكهف: 18]. ثانيهما: أن يكون المراد عامة الكفار كأنه قال: إن يتبع الكافرون إلا الظن. المسألة الثانية: ما معنى الظن وكيف ذمهم به وقد وجب علينا اتباعه في الفقه وقال صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى: «حديث : أنا عند ظن عبدي بي»تفسير : ؟ نقول أما الظن فهو خلاف العلم وقد استعمل مجازاً مكان العلم والعلم مكانه، وأصل العلم الظهور ومنه العلم والعالم وقد بينا في تفسير العالمين أن حروف ع ل م في تقاليبها فيها معنى الظهور، ومنها لمع الآل إذا ظهر وميض السراب ولمع الغزال إذا عدا وكذا النعام وفيه الظهور وكذلك علمت، والظن إذا كان في مقابلة العلم ففيه الخفاء ومنه بئر ظنون لا يدري أفيها ماء أم لا، ومنه الظنين المتهم لا يدري ما يظن، نقول يجوز بناء الأمر على الظن الغالب عند العجز عن درك اليقين والاعتقاد ليس كذلك لأن اليقين لم يتعذر علينا وإلى هذا إشارة بقول {أية : وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [النجم: 23] أي اتبعوا الظن، وقد أمكنهم الأخذ باليقين وفي العمل يمتنع ذلك أيضاً. المسألة الثالثة: {مَا } في قوله تعالى: {وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ } خبرية أو مصدرية؟ نقول فيه وجهان أحدهما: مصدرية كأنه قال: إن يتبعون إلا الظن وهوى الأنفس، فإن قيل ما الفائدة في العدول عن صريح المصدر إلى الفعل مع زيادة ما وفيه تطويل؟ نقول فيه فائدة، وإنها في أصل الوضع ثم نذكرها هنا فنقول إذا قال القائل أعجبني صنعك يعلم من الصيغة أن الإعجاب من مصدر قد تحقق وكذلك إذا قال أعجبني ما تصنع يعلم أن الإعجاب من مصدر هو فيه فلو قال أعجبني صنعك وله صنع أمس وصنع اليوم لا يعلم أن المعجب أي صنع هو إذا علمت هذا فنقول ههنا قوله {وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ } يعلم منه أن المراد أنهم يتبعون ما تهوى أنفسهم في الحال والاستقبال إشارة إلى أنهم ليسوا بثابتين على ضلال واحد وما هوت أنفسهم في الماضي شيئاً من أنواع العبادة فالتزموا به وداموا عليه بل كل يوم هم يستخرجون عبادة، وإذا انكسرت أصنامهم اليوم أتوا بغيرها غداً ويغيرون وضع عبادتهم بمقتضى شهوتهم اليوم ثانيهما: أنها خبرية تقديره، والذي تشتهيه أنفسهم والفرق بين المصدرية والخبرية أن المتبع على الأول الهوى وعلى الثاني مقتضى الهوى كما إذا قلت أعجبني مصنوعك. المسألة الرابعة: كيف قال: {وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ } بلفظ الجمع مع أنهم لا يتبعون ما تهواه كل نفس فإن من النفوس ما لا تهوى ما تهواه غيرها؟ نقول هو من باب مقابلة الجمع بالجمع معناه اتبع كل واحد منهم ما تهواه نفسه يقال خرج الناس بأهليهم أي كل واحد بأهله لا كل واحد بأهل الجمع. المسألة الخامسة: بيّن لنا معنى الكلام جملة، نقول قوله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ } أمران مذكوران يحتمل أن يكون ذكرهما لأمرين تقدير بين يتبعون الظن في الاعتقاد ويتبعون ما تهوى الأنفس في العمل والعبادة وكلاهما فاسد، لأن الاعتقاد ينبغي أن يكون مبناه على اليقين، وكيف يجوز اتباع الظن في الأمر العظيم، وكلما كان الأمر أشرف وأخطر كان الاحتياط فيه أوجب وأحذر، وأما العمل فالعبادة مخالفة الهوى فكيف تنبىء على متابعته، ويحتمل أن يكون في أمر واحد على طريقة النزول درجة درجة فقال: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ } أي وما دون الظن لأن القرونة تهوى ما لا يظن به خير وقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ ٱلْهُدَىٰ } إشارة إلى أنهم على حال لا يعتد به لأن اليقين مقدور عليه وتحقق بمجيء الرسل والهدى فيه وجوه ثلاثة الأولى: القرآن الثاني: الرسل الثالث: المعجزات.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ} أي ما هي يعني هذه الأوثان {إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ} يعني نحتموها وسميتموها آلهة. {أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم} أي قلدتموهم في ذلك. {مَّآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} أي ما أنزل الله بها من حجة ولا برهان. {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} عاد من الخطاب إلى الخبر أي ما يتبع هؤلاء إلى الظن. {وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ} أي تميل إليه. وقراءة العامة {يَتَّبِعُونَ} بالياء. وقرأ عيسى بن عمر وأيوب وٱبن السَّمَيْقَع «تَتَّبِعُونَ» بالتاء على الخطاب. وهي قراءة ٱبن مسعود وٱبن عباس. {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ} أي البيان من جهة الرسول أنها ليست بآلهة. {أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ} أي ٱشتهى أي ليس ذلك له. وقيل: {أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ} من البنين؛ أي يكون له دون البنات. وقيل: {أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ} من غير جزاء! ليس الأمر كذلك. وقيل: {أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ} من النبوّة أن تكون فيه دون غيره. وقيل: {أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ} من شفاعة الأصنام؛ نزلت في النضر بن الحرث. وقيل: في الوليد بن المغيرة. وقيل: في سائر الكفار. {فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ} يعطي من يشاء ويمنع من يشاء لا ما تمنى أحد. قوله تعالى: {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ} هذا توبيخ من الله تعالى لمن عبد الملائكة والأصنام، وزعم أن ذلك يقرّبه إلى اللَّه تعالى، فأعلم أن الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتهم على الله لا تشفع إلا لمن أذن أن يشفع له. قال الأخفش: الملَك واحد ومعناه جمع؛ وهو كقوله تعالى: {أية : فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}تفسير : [الحاقة: 47]. وقيل: إنما ذكر ملَكاً واحداً، لأن كَمْ تدل على الجمع.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنْ هِىَ } أي ما المذكورات {إِلاَّ أَسْمآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ} أي سميتم بها {أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم } أصناماً تعبدونها {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا } أي بعبادتها {مِّن سُلْطَٰنٍ } حجة وبرهان {إِن } ما {يَتَّبِعُونَ } في عبادتها {إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ } مما زين لهم الشيطان من أنها تشفع لهم عند الله تعالى {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ } على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بالبرهان القاطع فلم يرجعوا عما هم عليه.

النسفي

تفسير : {إِنْ هِىَ} ما الأصنام {إِلاَّ أَسْمَاء } ليس تحتها في الحقيقة مسميات لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها وأشذ منافاة لها {سَمَّيْتُمُوهَا} أي سميتم بها يقال سميته زيداً وسميته بزيد {أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ } حجة {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } إلا توهم أن ما هم عليه حق {وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ} وما تشتهيه أنفسهم {وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ ٱلْهُدَىٰ } الرسول والكتاب فتركوه ولم يعملوا به {أَمْ لِلإنسَـٰنِ مَا تَمَنَّىٰ } هي «أم» المنقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي ليس للإنسان يعني الكافر ما تمنى من شفاعة الأصنام أو من قوله: {أية : وَلَئِن رُّجّعْتُ إِلَىٰ رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ }تفسير : [فصلت: 50]. وقيل: هو تمني بعضهم أن يكون هو النبي {فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ } أي هو مالكهما وله الحكم فيهما يعطى النبوة والشفاعة من شاء وارتضى لا من تمني. {وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَىٰ } يعني أن أمر الشفاعة ضيق فإن الملائكة مع قربتهم وكثرتهم لو شفعوا بأجمعهم لأحد لم تغن شفاعتهم شيئاً قط، ولا تنفع إلا إذا شفعوا من بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة لمن يشاء الشفاعة له ويرضاه ويراه أهلاً لأن يشفع له فكيف تشفع الأصنام إليه لعبدتهم {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ } أي كل واحد منهم {تَسْمِيَةَ ٱلأُنثَىٰ } لأنهم إذا قالوا للملائكة بنات الله فقد سموا كل واحد منهم بنتاً وهي تسمية الأنثى. {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ } أي بما يقولون وقرىء بها أي بالملائكة أو التسمية {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } هو تقليد الآباء {وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئاً } أي إنما يعرف الحق الذي هو حقيقة الشيء وما هو عليه بالعلم والتيقن لا بالظن والتوهم {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا } فأعرض عمن رأيته معرضاً عن ذكر الله أي القرآن {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا * ذٰلِكَ } أي اختيارهم الدنيا والرضا بها {مَبْلَغُهُمْ مّنَ ٱلْعِلْمِ } منتهى علمهم {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ } أي هو أعلم بالضال والمهتدي ومجازيهما. {وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَٰئُواْ بِمَا عَمِلُواْ } بعقاب ما عملوا من السوء أو بسبب ما عملوا من السوء {وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى } بالمثوبة الحسنى وهي الجنة أو بسبب الأعمال الحسنى، والمعنى أن الله عز وجل إنما خلق العالم وسوى هذه الملكوت ليجزي المحسن من المكلفين والمسيء منهم إذ الملك أهل لنصر الأولياء وقهر الأعداء {ٱلَّذِينَ } بدل أو في موضع رفع على المدح أي هم الذين {يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإثْمِ } أي الكبائر من الإثم لأن الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر والكبائر الذنوب التي يكبر عقابها، {كَبِيرٌ } حمزة وعلي أي النوع الكبير منه {وَٱلْفَوٰحِشَ } ما فحش من الكبائر كأنه قال: والفواحش منها خاصة. قيل: الكبائر ما أوعد الله عليه النار والفواحش ما شرع فيها الحد {إِلاَّ ٱللَّمَمَ } أي الصغائر والاستثناء منقطع لأنه ليس من الكبائر والفواحش وهو كالنظرة والقبلة واللمسة والغمزة {إِنَّ رَبَّكَ وٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ } فيغفر ما يشاء من الذنوب من غير توبة {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ } أي أباكم {مّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ } جمع جنين {فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } فلا تنسبوها إلى زكاء العمل وزيادة الخير والطاعات، أو إلى الزكاة والطهارة من المعاصي ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم الله الزكي منكم والتقي أولاً وآخراً قبل أن يخرجكم من صلب آدم عليه السلام، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم. وقيل: كان ناس يعملون أعمالاً حسنة ثم يقولون صلاتنا وصيامنا وحجنا فنزلت. وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء لا على سبيل الاعتراف بالنعمة فإنه جائز لأن المسرة بالطاعة طاعة وذكرها شكر {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ } فاكتفوا بعلمه عن علم الناس وبجزائه عن ثناء الناس. {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ } أعرض عن الإيمان. {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ } قطع عطيته وأمسك، وأصله إكداء الحافر وهو أن تلقاه كدية وهي صلابة كالصخرة فيمسك عن الحفر. عن ابن عباس رضي الله عنهما: فيمن كفر بعد الإيمان. وقيل: في الوليد بن المغيرة وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض الكافرين وقال له: تركت دين الأشياخ وزعمت أنهم في النار. قال: إني خشيت عذاب الله. فضمن له إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله ففعل وأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ} فهو يعلم أن ما ضمنه من عذاب الله حق {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ } يخبر {بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ } أي التوراة {وَإِبْرٰهِيمَ } أي وفي صحف إبراهيم {ٱلَّذِى وَفَّىٰ } أي وفر وأتم كقوله {أية : فَأَتَمَّهُنَّ }تفسير : [البقرة: 124] وإطلاقه ليتناول كل وفاء وتوفية. وقرىء مخففاً والتشديد مبالغة في الوفاء. وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به، وعن عطاء بن السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقاً فلما قذف في النار قال له جبريل: ألك حاجة؟ فقال أما إليك فلا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار وهي صلاة الضحى» تفسير : ورُوي «حديث : ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى؟ كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} إلى {حِينٍ تُظْهِرُونَ} [الروم: 18]» تفسير : وقيل: وفي سهام الإسلام وهي ثلاثون: عشرة في «التوبة» {أية : ٱلتَّـٰئِبُونَ }تفسير : [التوبة: 112]، وعشرة في «الأحزاب» {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ }تفسير : [الآية: 35] وعشرة في «المؤمنين» {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ }تفسير : [المؤمنون: 1] ثم أعلم بما في صحف موسى وإبراهيم فقال {أَلاَّ تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تزر من وزر يزر إذا اكتسب وزراً وهو الإثم، و «إن» مخففة من الثقيلة والمعنى أنه لا تزر والضمير ضمير الشأن ومحل «أن» وما بعدها الجر بدلاً من {مَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ } أو الرفع على هو أن لا تزر كأن قائلاً قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقيل: {أَلاَّ تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } أي لا تحمل نفس ذنب نفس.

البقاعي

تفسير : ولما أفهم هذا الإنكار بطلان قولهم هذا، حصر القول الحق فيها فقال مستأنفاً: {إن} أي ما {هي} أي هذه الأصنام {إلا أسماء} أي لا حقائق لها، فما ادعيتم لها من الإلهية ليس لها من ذلك إلا الأسماء، وأكد ذلك بقوله مبيناً: {سميتموها} أي ابتدعتم تسميتها أنتم، واجتث قولهم من أصله فقال: {أنتم وآباؤكم} أي لا غير بمجرد الهوى لم تروا منها آية ولا كلمتكم قط كلمة تعتدونها، وعلى تقدير أن تتكلم الشياطين على ألسنتها فأي طريقة قويمة شرعت لكم وأي كلام مليح أو بليغ وصل إليكم وأي آية كبرى أرتكموها - انتهى. ولما علم بهذا أن الله تعالى لم يأمرهم بشيء من ذلك، صرح به نافياً أن يدل على ما وسموه به دليل فقال: {ما} ولما قدم في الأعراف ترك النافي للتدريج لما تقدم بما اقتضاه، نفى هنا الإفعال النافي لأصل الفعل سواء كان بالتدريج أو غيره لأن المفصل لباب القرآن فهو للمقاصد، وذلك كاف في ذم الهوى الذي هو مقصود السورة فقال: {أنزل الله} الذي له جميع صفات الكمال {بها} أي بالاستحقاق للأسماء ولا لما وسمتموها به من الإلهية، وأعرق في النفي بقوله: {من سلطان} أي حجة تصلح مسلطاً على ما يدعي فيها. ولما كان هذا النفي المستغرق موجباً للخصم إيساع الحيلة في ذكر دليل على أي وجه كان، وكان هؤلاء قد أبلسوا عند سماع هذا الكلام ولم يجدوا ما يقولون ولا يجدوا، فكان من حقهم أن يرجعوا فلم يرجعوا، أعرض عنهم إيذاناً بشديد الغبن قائلاً: {إن} أي ما {يتبعون} أي في وقت من الأوقات في أمر هذه الأوثان بغاية جهدهم من أنها آلهة، وأنها تشفع لهم أو تقربهم من الله {إلا الظن} أي غاية أمرهم لمن يحسن الظن بهم، فالظن ترجيح أحد الجائزين على رغم الظان. ولما كان الظن قد يكون موافقاً للحق مخالفاً للهوى قال: {وما تهوى الأنفس} أي تشتهي، وهي - لما لها من النقص - لا تشتهي أبداً إلا بما يهوي بها عن غاية أوجها إلى أسفل حضيضها، وأما المعالي وحسن العواقب فإنما تشوق إليها العقل، قال القشيري: فالظن الجميل بالله فليس من هذا الباب، والتباس عواقب الشخص عليه ليس من هذه الجملة بسبيل، إنما الظن المعلول في الله وصفاته وأحكامه. {ولقد} أي العجب أنهم يفعلون ذلك والحال أنه قد {جاءهم من ربهم} أي المحسن إليهم {الهدى *} أي الكامل في بابه إلى الدين الحق الناطق بالكتاب الناطق بالصواب على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، والرأي يقتضي أن من رأى الهدى تبعه ولو أتاه به عدوه، فكيف إذا أتاه به من هو أفضل منه من عند من إحسانه لم ينقطع عنه قط. ولما كان التقدير: أعليهم أن يتركوا أهويتهم ويهتدوا بهدى ربهم الذي لا ملك لهم معه {أم} لهم ما تمنوا - هكذا كان الأصل، ولكنه ذكر الأصل الموجب لاتباع الهوى فقال: {للإنسان} أي الآنس بنفسه المحسن لكل ما يأتي وما يذر {ما تمنى *} أي من اتباع ما يشتهي من جاه ومال وطول عمر ورفاهية عيش ومن كفره وعناده، وقوله{أية : لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى}تفسير : [فصلت: 50]. ولما كان الاستفهام إنكارياً، كان المعنى: ليس له ما تمنى، وكان ذلك دليلاً قطعياً على أنه مربوب مقهور ممن له الأمر كله، فسبب عنه قوله: {فللّه} أي الملك الأعظم وحده. ولما كانت الأخرى دار اللذات وبلوغ جميع الأماني وحرمانها، وكانوا يدعون فيها على تقدير كونها جميع ما يتمنون من شفاعة آلهتهم وإجابتها إلى إسعادهم ونحو ذلك، قدم قوله: {الآخرة} فهو لا يعطي الأماني فيها إلا لمن تبع هداه وخالف هواه {والأولى *} فهو لا يعطي جميع الأماني فيها لأحد أصلاً كما هو مشاهد، فمن ترك هواه فيها نال أمانيه في الآخرة، فلهذا قدمها لا للفاصلة فإنه لو قيل "الأخرى" لصلحت للفاصلة. ولما كان التقدير: فكم من شخص ترونه في الأرض مع أنه في غاية المكنة فيما يظهر لكم لا يصل إلى ربع ما يتمناه، عطف عليه قوله، مظهراً لضخامة ملكه وأنه لا يبالي بأحد، دالاً على الكثرة: {وكم من ملك} أي مقرب، ودل على زيادة قربه بشرف مسكنه فقال: {في السماوات} أي وهم في الكرامة والزلفى {لا تغني} أي لا تجزي وتسد وتكفي، ولما كان رد الجمع لحال اجتماعهم أدل على العظمة، عبر بما يحتمل ذلك فقال: {شفاعتهم} أي عن أحد من الناس {شيئاً} فقصر الأمر ورده بحذافيره إليه بقوله: {إلا} ودل باثبات الجار على أنه مع ما يحده سبحانه لا مطلقاً فقال: {من بعد أن يأذن} أي يمكن ويريد {الله} أي الذي لا أمر لأحد أصلاً معه، وعبر بأن والفعل دلالة على أنه لا عموم بعد الإذن بجميع الأوقات، وإنما ذلك يجدد بعد تجدد الإذن على حينه وقبل الأمر الباب؟ لعموم العظمة بقوله: {لمن يشاء} أي بتجدد تعلق مشيئته به لأن يكون مشفوعاً أو شافعاً. ولما كان الملك قد يأذن في الشفاعة وهو كاره، قال معلماً أنه ليس كأولئك: {ويرضى *} فحينئذ تغني شفاعتهم إذا كانوا من المأذون لهم - كل هذا قطعاً لأطماعهم وعن قولهم بمجرد الهوى أي آلهتهم تشفع لهم. ولما أخبر باتباعهم للهوى ونفى أن يكون لهم من ذلك ما يتمنونه دل على اتباعهم للهوى بقوله موضع {أنهم}: {إن الذين} وأكد تنبيهاً على أنه قول بالغ في العجب الغاية فلا يكاد يصدق أن عاقلاً بالآخرة يقوله بما جرى لهم على قولهم ذلك وأمثاله بقوله: {لا يؤمنون} أي لا يصدقون ولا هم يقرون {بالآخرة} ولذلك أكد قوله: {ليسمون الملائكة} أي كل واحد وهم رسل الله {تسمية الأنثى} بأن قالوا: هي بنات الله، كما يقال في جنس الأنثى: بنات {وما} أي والحال أنهم ما {لهم به} أي بما سموهم به، وأعرق في النفي بقوله: {من علم} ولما نفى علمهم تشوف السامع إلى الحامل لهم على ذلك فقال: {إن} أي ما {يتبعون} أي بغاية ما يكون في ذلك وغيره {إلا الظن}. ولما كانوا كالقاطعين بأن ذلك ينفعهم، أكد قوله: {وإن الظن} أي مطلقاً في هذا وغيره، ولذلك أظهر في موضع الإضمار {لا يغني} إغناءً مبتدئاً {من الحق} أي الأمر الثابت في نفس الأمر الذي هو حقيقة الشيء وذاته بحيث يكون الظن بدله، والظن إنما يعبر به في العمليات لا العلميات ولا سيما الأصولية {شيئاً} من الإغناء عن أحد من الخلق فإنه لا يؤدي أبداً إلى الجزم بالعلم بالشيء على ما هو عليه في نفس الأمر فهو ممنوع في أصول الدين، فإن المقصود بتحقق الأمر على ما هو عليه في الواقع، وأما الفروع فإن المكلف به فيها هو الظن لكن بشرطه المأذون فيه، وهو رده إلى الأصول المستنبط منها لعجز الإنسان على القطع في جميع الفروع، تنبيهاً على عجزه وافتقاره إلى الله ليقبل عليه ويتبرأ من حوله وقوته ليكشف له من الأحقاف.

ابو السعود

تفسير : {إِنْ هِىَ} الضميرُ للأصنامِ أيْ ما الأصنامُ باعتبار الألوهيةِ التي يدَّعُونها {إِلاَّ أَسْمَاء} محضةٌ ليسَ تحتَها مما تنبىءُ هي عنْهُ من معَنْى الألوهيةِ شيءٌ ما أصلاً. وقوله تعالى {سَمَّيْتُمُوهَا} صفة لأسماء وضميرها لها لا للأصنام والمعَنْى جعلتمُوها أسماءً لا جعلتُم لها أسماءً فإنَّ التسميةَ نسبةً بـين الاسمِ والمُسمَّى فإذا قيستْ إلى الإسمِ فمعناهَا جعلُه إسماً للمسمَّى وإن قيستْ إلى المسمَّى فمعناهَا جعلُه مسمَّى للإسمِ، وإنما اختيرَ ههنا المعَنْى الأولُ من غيرِ تعرضٍ للمسمَّى لتحقيق أن تلكَ الأصنامَ التي يسمُّونها آلهةً أسماءً مجردةٌ ليسَ لها مسمياتٌ قطعاً كما في قولِه تعالى: {أية : مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا }تفسير : [سورة يوسف، الآية 40] الآيةَ لا أنَّ هناكَ مسمياتٍ لكنَّها لا تستحقُ التسميةَ وقيلَ هي للأسماءِ الثلاثةِ المذكورةِ حيثُ كانُوا يطلقونَها على تلك الأصنامِ لاعتقادِهم أنَّها تستحقُّ العكوفَ على عبادتِها والإعزازَ والتقربَ إليها بالقرابـينِ وأنتَ خبـيرٌ بأنَّه لو سُلِّم دلالةُ الأسماءِ المذكورةِ على ثبوبِ تلك المعانِي الخاصَّةِ للأصنامِ فليسَ في سلبِها عنها مزيدُ فائدةٍ بل إنَّما هي في سلبِ الألوهيةِ عنها كما هو زعمُهم المشهورُ في حقِّ جميعِ الأصنامِ على وجهٍ برهانيَ، فإنَّ انتفاءَ الموصوفِ يقتضِي انتفاءَ الوصفِ بطريقِ الأولويةِ أيْ ما هيَ إلا أسماءٌ خاليةٌ عنِ المسمياتِ وضعتُموها {أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمُ} بمقتضَى أهوائِكم الباطلةِ {مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ} برهانٍ تتعلقونَ به {إِن يَتَّبِعُونَ} التفاتٌ إلى الغَيبةِ للإيذانِ بأنَّ تعدادَ قبائحِهم اقتضَى الإعراضَ عنهم وحكايةَ جناياتِهم لغيرِهم أي ما يتبعونَ فيما ذُكرَ من التسميةِ والعملِ بموجِبها {إِلاَّ ٱلظَّنَّ} إلا توهَم أَن ما هُم عليهِ حقٌّ توهماً باطلاً {وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ} أي تشتهيِه أنفسُهم الأمارةُ بالسُّوءِ {وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ ٱلْهُدَىٰ} قيلَ هي حالٌ من فاعلِ يتبعونَ أو اعتراضٌ وأياً ما كان ففيهِ تأكيدٌ لبطلانِ اتباعِ الظنِّ وهو النفسُ وزيادةُ تقبـيحٍ لحالِهم فإنَّ ابتاعَهما من أيِّ شخصٍ كان قبـيحٌ وممن هداهُ الله تعالَى بإرسالِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم وإنزالِ الكتابِ أقبحُ. {أَمْ لِلإنسَـٰنِ مَا تَمَنَّىٰ} أمْ منقطعةٌ وما فيَها من بلْ للانتقالِ من بـيانِ أنَّ ما هُم عليهِ غيرُ مستندٍ إلا إلى توهمِهم وهَوَى أنفسِهم إلى بـيانِ أنَّ ذلكَ ممَّا لا يُجدي نفعاً أصلاً. والهمزةُ للإنكارِ والنَّفي، أي ليسَ للإنسانِ كلُّ ما يتمنَّاهُ وتشتهيِه نفُسه من الأمورِ التي من جُمْلتِها أطماعُهم الفارغةُ في شفاعةِ الآلهةِ ونظائرِها التي لا تكادُ تدخلُ تحتَ الوجودِ {فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ} تعليلٌ لانتفاءِ أنْ يكونَ للإنسانِ ما يتمنَّاهُ حتماً فإنَّ اختصاصَ أمورِ الآخرةِ والأُولى جميعاً بهِ تعالى مقتضٍ لانتفاءِ أن يكونَ له أمرٌ من الأمور.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ} [الآية: 23]. قال الجنيد: رأيت سبعين عارفاً قد هلكوا بالتوهم أى توهموا أنهم عرفوه وهو قوله: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ}. قال الشبلى: من تحقق فى حقيقة الحق فهو نفس الحقيقة لأن الله يقول: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ}.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ}. أنتم ابتدعتُم هذه الأسماءَ من غير أنْ يكونَ اللَّهُ أَمَركم بهذا، أو أذِن لكم به. فأنتم تتبعون الظنَّ، {وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً}. {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ}: فأعرضوا عنه، وكما أنَّ ظنَّ الكفار أوْجبَ لهم الجهلَ والحَيْرةَ والحُكْمَ بالخطأ - فكذلك في هذه الطريقة: مَنْ عَرَّجَ على أوصاف الظنِّ لا يَحْظَى بشيءٍ من الحقيقة؛ فليس في هذا الحديث إلا القطعُ والتحقُّق، فنهارُهم قد مَتَعَ، وشمسُهم قد طلعت، وعلومُهم أكثرها صارت ضرورية. أمَّا الظنُّ الجميلُ بالله فليس من هذا الباب، والتباسُ عاقبةِ الرجلِ عليه ليس أيضاً من هذه الجملة ذات الظن المعلول في الله، وفي صفاته وأحكامه. قوله جلّ ذكره: {أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ}. أي ليس للإِنسان ما يتمنَّاه؛ فإنَّه يتمنى طولَ الحياةِ والرفاهيةَ وخِصْبَ العَيْشِ... وما لا نهاية له، ولكنَّ أحداً لا يبلغ ذلك بتمامه. ويقال: ما يتمنَّاه الإنسانُ أنْ يرتفعَ مرادُه واجباً في كل شيء - وأَن يَرتْفعَ مرادُ عَبْدٍ واجباً في كل شيءٍ ليس من صفات الخَلْقِ بل هو الله، الذي له ما يشاء: {فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ}. له الآخرةُ والأُولى خَلْقاً ومِلْكاً، فهو المَلِكُ المالك صاحبُ المُلْكِ التام. فأمَّا المخلوقُ فالنقصُ لازِمٌ للكُلِّ. قوله جلّ ذكره: {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ}. وهذا ردٌّ عليهم حيث قالوا: إنَّ الملائكةَ شفعاؤنا عند الله. قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً}. هذه التَّسْمِيةُ من عندهم، وهم لا يتبعون فيها علماً أو تحقيقاً... بل ظَنًّا - والظنُّ لا يفيد شيئاً.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ} يا عاقل احذر مما يغوى اهل العزة بالله من اشكال المخاييل التى تبدوا فى غواشى دمعتهم وهم يحسبون انها مكاشفات الغيوب ونوادرات القلوب ويدعون انها عالم الملكوت وانوار الجبروت وما تبعون الاهوسات انفسهم ومخاييل شياطينهم التى تصور عندهم اشكالا وتمثالا ويزيزنها لهم انها الحق والحق منزه عن الاشكال والتمثال اياك يا صاحبى وصحبة السالوسين الجاهلية بالحق الذين يدعون فى زماننا بمشاهدة الله مشاهدة حقا لاولياء وليس مكشوفه للاعداء قال الجنيد رايت سبعين عارفا قد هلكوا بالتوهم اى توهموا انهم عرفوه وهو وقله ان يتبعون الا الظن وقال الشبلى من تحقق فى حقيقة الحق فهو نفس الحقيقة لان الله يقول ان يتبعون الا الظن افهم يا صاحبى ان اشارة حقيقة هذه الأية تؤل الى الكل اذا الكل مغرولون عن ادراك حقيقة الحق وما ادركوا فهو اقدارهم وجل قدر الحق عن اقدارهم وادراكهم قال الله سبحانه وما قدروا الله حق قدره ولذلك اجترئ الواسطى فى حق سلطان العارفين ابى يزيد البسطامى قدس الله روحه بقوله كلهم ماتوا على التوهم حتى ابو يزيد مات على التوهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان هى} الضمير للاصنام اى ماالاصنام باعتبار الالوهية التى تدعونها اى باعتبار اطلاق اسم الاله {الا اسماء} اى اسماء محضة ليس تحتها مسميات اى ماتبنىء هى عنه من معنى الألوهية شىء مااصلا كما اذا أردت ان تحقر من هو ملقب بما يشعر بالمدح وفخامة الشان تقول ماهو الاسم (قال المولى الجامى) شعر : مرد جاهل جاه كيتى را لقب دولت نهد همجنان آماس بيند طفل كويد فربهست تفسير : (وقال فى ذم ابناء الزمان) شعر : شكل ايشان شكل انسان فعل شان فعل سباع هم ذئاب فى ثياب او ثياب فى ذئاب تفسير : ويجوز الحمل على الادعاء {سيمتموها} صفة لاسماء وضميرها لها لا للاصنام والمعنى جعلتموها اسماء لا جعلتم لها اسماء فان التسمة نسبة بين الاسم والمسمى فاذا قيست الى الاسم فمعناها جعله اسماء للمسمى واذا قيست الى المسمى فمعناها جعله مسمى للاسم وانما اختير ههنا المعنى الاول من غير تعرض للمسمى لتحقيق ان تلك الاصنام التى يسمونها آلهة اسماء مجردة ليس لها مسميات قطعا كما فى قوله تعالى {ماتعبدون من دونه الا اسماء سميتموها} لا ان هناك مسميات لكنها لاتستحق التسمية اى ماهى الا اسماء خالية من المسميات وضعتموها {انتم وآباؤكم} بمقتضى اهوآئكم الباطلة {ما انزل الله بها} اى بصحة تسميتها {من سلطان} برهان تتعلقون به جميع القرءآن انزل بالالف الى فى الاعراف فانه نزل بالتشديد {ان يتبعون} التفات الى الغيبة للايذان بأن تعداد قبائحهم اقتضى الاعراض عنهم وحكاية جناياتهم لغيرهم مايتبعون فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها{الا الظن} الا توهم ان ماهم عليه حق توهما باطلا {وما تهوى الانفس} اى تشتهيه انفسهم الا مارة بالسوء فما موصولة ويجوز كونها مصدرية والالف واللام بدل الاضافة وهو معطوف على الظن. وفى التأويلات النجمية يقول ليست هذه الاصنام التى تعبدونها بضلالة نفوسكم الدنية الشهوانية وجهالة عقولكم السخيفة الهيولانية الا اسماء صور وهمية لامسميات لها اوجدتها اوهامكم الضعيفة وادركتها عقولكم المريضة المشوبة بالوهم والخيال التى هى بمرتبة آبائكم ليس لها عند اصحاب الطلب وارباب الكشف والقرب وجود ولا نمو بل هى خشب مسندة ماجعل الله فى تلك الاصنام النفسية والهوآئية والدنيوية ولا ركب فيها التصرف فى الاشياء فى الايجاد والاعدام والقهر واللطف والنفع والضر والاشياء علويها وسفليها جمادها ونباتها حيوانها وانسانها كلها مظاهر الاسماء الالهية ومجالى الصفات الربانية الجمالية والجلالية اى اللطيفة والقهرية تجلى الحق فى الكل بحسب الكل لابحسبه الا الانسان الكامل فانه تجلى فيه بحسب الكلية المجموعية وصار خليفة الله فى الارض وانتم ايها الجهلة الظلمة ماتتبعون تلك الصفات الالهية وماتشهدون فى الاشياء تلك الحقائق الروحانية والاسرار الربانية المودعة فى كل حجر ومدر بل اعرضتم باتباع الشهوات الحيوانية وملازمة الجسمانية الظلمانية عن ادراك تلك اللطائف الروحانية وشهود تلك العواطف الرحمانية واتبعتم مظنونات ظنكم الفاسد وموهومات وهمكم الكاسد واثرتم هوى النفس المشئومة على رضى الحق وذلك هو الخسران المبين وان الظن لايغنى من الحق شيأ انتهى وقال الجنيد قدس سره رأيت سبعين عارفا قد هلكوا بالتوهم اى توهموا انهم عرفوه تعالى فالكل معزولون عن ادراك حقيقة الحق وما ادركوا فهو اقدارهم وجل قدر الحق عن ادراكهم قال تعالى {أية : وما قدروا الله حق قدره}تفسير : ولذلك اجترأ الواسطى رحمه الله فى حق سلطان العارفين ابى يزيد البسطامى قدس سره بقوله كلهم ماتوا على التوهم حتى ابو زيد مات على التوهم وقال البقلى ياعاقل احذر مما يغوى اهل الغرة بالله من الاشكال والمخاييل التى تبدوا فى غواشى ادمغتهم وهم يحسبون انها مكاشفات الغيوب ونوادر القلوب ويدعون انها عالم الملكوت وانوار الجبروت وما يتبعون الا اهوآء نفوسهم ومخاييل شياطينهم التى تصور عندهم اشكالا وتمثالا ويزينون لهم انها الحق والحق منزه عن الاشكال والتمثال اياك ياصاحبى وصحبة الجاهلين الحق الذين يدعون فى زماننا مشاهدة الله ومشاهدة الله حق للانبياء وليست بمكشوفة للاعدآء {ولقد جاءهم من ربهم الهدى} حال من فاعل يتبعون او اعتراض وايا ما كان ففيه تأكيد لبطلان اتباع الظن وهوى النفس وزيادة تقبيح لحالهم فان اتباعهما من اى شخص كان قبيح وممن هداه الله بارسال الرسول وانزال الكتاب اقبح فالهدى القرءآن والرسول ولم يهتدوا بهما وفيه اشارة الى افساد استعدادهم الفطرى الغير المجعول بواسطة تلبسهم بملابس الصفات الحيوانية العنصرية وانهماكهم فى الغواشى الظلمانية الطبيعية فانهم مع ان جاءهم من ربهم اسباب الهدى وموجباته وهو النبى عليه السلام والقرءآن وسائر المعجزات الظاهرة والخوارق الباهرة الدالة على صدق نبوته وصحة رسالته اشتغلوا بمتابعة النفس وموافقة الهوى واعرضوا عن التوجه الى الولى والمولى وذلك لان هداهم ماجاءهم الا فى يوم الدنيا لافى يوم الازل ومن لم يجعل الله له نورا فى يوم الازل فما له من نور الى يوم الابد. واعلم ان الهدى ضد الهوى فلا بد من المتابعة للهدى قال بعض الكبار ليس لولى كرامة الا بحكم الارث لمن ورثه من الانبياء عليهم السلام ولذلك لم يقدر من هو وارث عيسى عليه السلام ان يمشى فى الهواء والماء ومن هو وارث لمحمد عليه السلام له المشى على الهوآء والماء لعموم مقامه وفى الحديث "حديث : لو ازداد عيسى يقينا لمشى فى الهوآء"تفسير : اى بموجب قوة يقينة لا بموجب صدق اتباعى ولا نشك ان عيسى عليه السلام اقوى يقينا من سائر الاولياء الذين يمشون فى الهوآء بما لايتقارب فانه من اولى العزم من الرسل فعلمنا قطعا ان مشى الولى منا فى الهوآء انما هو بحكم صدق التبعية لا بزيادة اليقين على يقين عيسى عليه السلام وعيسى اصدق فى تبعيته لمحمد عليه السلام من جميع الاولياء فله القدرة بذلك على المشى على الهوآء وان ترك ذلك من نفسه وبالجملة فلا يمشى فى الهوآء الا من ترك الهوى شعر : هوى وهوس را نماند ستيز جو بيند سر بنجه عقل تيز

الجنابذي

تفسير : {إِنْ هِيَ} اى الاصنام {إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} قد سبق الآية فى سورة الاعراف مع تفاوتٍ يسيرٍ فى اللّفظ وقد سبق تحقيق لها هناك وفى سورة البقرة ايضاً عند قوله تعالى: {أية : وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} تفسير : [البقرة:31] {إِن يَتَّبِعُونَ} فى جعل هذه الاسماء الّتى ليست لها حكم فضلاً عن ان تكون معبودات مسمّياتٍ وفى النّظر اليها والسّجدة لها، وقرئ تتّبعون بالخطاب وبالغيبة {إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ} عطف على الظّنّ ويجوز ان يكون ما نافية او استفهاميّة {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ} ما به الهدى واليقين فأعرضوا عنه واتّبعوا الظّنّ وما به الضّلالة والمراد بالهدى الرّسول وكتابه وشريعته.

اطفيش

تفسير : {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَيتُمُوَهَآ} أى ما الاصنام المذكورة باعتبار الالوهية إلا أسماء تذكورنها وتطلقونها ليس تحتها في الحقيقة مسميات لانكم تدعون الالوهية لما هو ابعد شيء منها ويجوز عود الضمير للاسماء التي قولهم اللات والعزى ومناة أي ما هذه الاسماء إلا أسماء سميتموها بهواكم لا ببرهان وكانوا يطلقون اللات باعتبار استحقاقها للعكوف عليها والعزى لعزتها ومناة لاعتقادهم استحقاقها التقرب إليها بالقربان ولسن أهلا لذلك فأسماء بلا مسمى ويجوز عوده للصفات التي يصفونها بها من كونها آلهة وبنات وشفعاء وقيل سميتموها أصله سميتموا بها. {أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنَزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلطَانٍ} من حجة على انها آلهة. {إِن يَتَّبِعُونَ} أي ما يتبعون {إِلا الظَّنَّ} إلا توهم إنما هم عليه حق تقليدا توهما باطلا وقرىء تتبعون بتاءين. {وَمَا تَهوَى} تشتهي. {الأَنْفُسُ} وزينه الشيطان فعادتهم بمقتضى شهواتهم حديث : روي ان النبي صلى الله عليه وسلم كان في المسجد الحرام يصلي بالسورة ولما قرأ الثالثة الأُخرى أُلقى الشيطان على لسانه أَنهن لم الغرانيق العلى وأَن شفاعتهن لترتجي فاعجب ذلك المشركين ولما ختمها سجد المؤمنون والمشركون والجن والانس معه فنزل وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا اذ تمنىتفسير : ....الخ وقيل حدث نفسه فى الصلاة ولما بلغ ذلك القى الشيطان ما ذكر على لسانه بتذكير الضمير جمعا أو تانيثه افرادا وعنى الملائكة وروى مع بدل من فقالوا ذكر آلهتنا بخير فقال صلى الله عليه وسلم والله ما كذلك نزلت فنزل جبريل فاخبره النبي صلى الله عليه وسلم فقال والله ما هكذا علمتك ما جئت بها هكذا فنزل وما ارسلنا....الخ وقيل نزل واذا ذكر الله وحده اشمأزت.....الخ. {وَلَقَد جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدًى} على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بالبرهان القاطع فلم يرجعوا عما هم عليه من الشرك.

اطفيش

تفسير : {إنْ هِيَ} أى ما الأصنام باعتبار نسبة الألوهية إليها {إلاَّ أسْماء} ليس فيها من معنى الألوهية شىء {سَمَّيتمُوها أنتُم وآباؤكُم} بالهوى الباطل، والجملة نعت للأسماء وها للأسماء، والتسمية بالنسبة الى الاسم جعله اسما للمسمى، والى المسمى جعله مسمى للاسم أو التسمية، ذكر الاسم والمراد هنا الأول لتحقيق أن تسمية تلك الأصنام آلهة أمر باطل لم يصادفها، إذ لا حظ لها فى الألوهية، قال الله جل وعلا: "أية : ما تعبدون من دونه إلاَّ أسماء" تفسير : [يوسف: 40] كمن سمى النار ماء فهن مسميات بما ليس فيها، وقيل: قوله: هى للأسماء الثلاثة التى أطلقوها على تلك الأصنام لاستحقاقها مفهومات تلك الأسماء عندهم، ورد بأنه ليس فى سلب مفهوماتها من العزة والعكوف ولت السويق، ونحو ذلك كما من فى اللات، والتقرب والتقدير ونحو مما مر فى مناة مزيد فائدة، وانما الفائدة فى سلب الألوهية عنها. {ما أنْزل اللَّهُ بهَا من سلطان} حجة مصدقة لهم {إنْ يتَّبعُون} فى تلك التسمية والعمل بمقتضاها {إلاَّ الظنَّ} التوهم الباطل فى نفس الأمر، ولو كان عندهم ترجيحا {وما تَهْوى} تشتهى {الأَنْفُس} أنفسهم الأمارة بالسوء، ويجوز أن تكون مصدرية، وأل عوض عن الضمير المضاف اليه، أو للجنس، فان النفس مطلقا تميل الى ما تستلذه طاعة أو متاحا أو معصية، وانما ترد عن المعاصى بالعقل، ومقتضى الظاهر تتبعون بالمشاة للخطاب وانما كان بالغيبة، لأن تعداد قبائحهم بلغ الى أن يعرض عنهم، وتذكر لغيرهم، وقد قرأ ابن عباس، وابن مسعود بالخطاب. {ولَقَد جاءهُم مِن ربِّهم الهُدى} اللام للابتداء شبه الجملة المبدوءة بقد بالجملة الاسمية فى التحقيق مع عدم بدئها بالفعل، ألا ترى أنها تقرن بفاء الجواب كالاسمية، أو هى لام تأكيد مطلقا، والعطف على {إنْ يتبعون إلاَّ الظن} عطف قصة على أخرى، وأولى من ذلك أن تكون حالا من واو يتبعون، وان جعلنا اللام للقسم المحذوف لم يصح أن تكون الجملة وحدها حالا، لأنها جواب لقسم،ولا مع القسم، لأن القسم انشاء فيكون هو وجوابه معطوفين على يتبعون عطف انشاء على اخبار، وقصة على أخرى، والهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما هو البينة فى قوله تعالى: "أية : حتى تأتيهم البينة" تفسير : [البينة: 1] وذلك مبالغة، وانما أريد بالمبالغة فى حق الله تعالى تأكيد، أو يقدر بالهادى أو بذو الهدى أو الهدى القرآن.

الالوسي

تفسير : {إِنْ هِىَ } الضمير للأصنام أي ما الأصنام باعتبار الألوهية التي تدعونها {إِلاَّ أَسْمَاء } محضة ليس فيها شيء مّا أصلاً من معنى الألوهية؛ وقوله تعالى: {سَمَّيْتُمُوهَا } صفة للأسماء وضميرها لها لا للأصنام، والمعنى جعلتموها أسماء فإن التسمية نسبة بين الاسم والمسمى فإذا قيست إلى الاسم فمعناها جعله اسماً للمسمى وإن قيست إلى المسمى فمعناها جعله مسمى للاسم وإنما اختير هٰهنا / المعنى الأول من غير تعرض للمسمى لتحقيق أن تلك الأصنام التي يسمونها آلهة أسماء مجردة ليس لها مسميات قطعاً كما في قوله سبحانه: { أية : مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء } تفسير : [يوسف: 40] الآية لا أن هناك مسميات لكنها لا تستحق التسمية، وقيل: هي للأسماء الثلاثة المذكورة حيث كانوا يطلقونها على تلك الأصنام لاعتقادهم أنها تستحق العكوف على عبادتها والإعزاز والتقرب إليها بالقرابين. وتعقب بأنه لو سلم دلالة الأسماء المذكورة على ثبوت تلك المعاني الخاصة للأصنام فليس في سلبها عنها مزيد فائدة بل إنما هي في سلب الألوهية عنها كما هو زعمهم المشهور في حق جميع الأصنام على وجه برهاني فإن انتفاء الوصف بطريق الأولوية أي ما هي شيء من الأشياء إلا أسماء خالية عن المسميات وضعتموها {أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمُ } بمقتضى الأهواء الباطلة {مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ } برهان يتعلقون به. {إِن يَتَّبِعُونَ } أي ما يتبعون فيما ذكر من التسمية والعمل بها {إِلاَّ ٱلظَّنَّ } إلا توهم أن ما هم عليه حق توهماً باطلاً، فالظن هنا مراد به التوهم وشاع استعماله فيه، ويفهم من كلام الراغب أن التوهم من أفراد الظن {وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ } أي والذي تشتهيه أنفسهم الأمارة بالسوء على أن {مَا } موصولة وعائدها مقدر ـ وأل ـ في الأنفس للعهد، أو عوض عن المضاف إليه، وجوز كون {مَا } مصدرية وكذا جوز كون ـ أل ـ للجنس والنفس من حيث هي إنما تهوى غير الأفضل لأنها مجبولة على حب الملاذ وإنما يسوقها إلى حسن العاقبة العقل. والالتفات في {يَتَّبِعُونَ } إلى الغيبة للإيذان بأن تعداد قبائحهم اقتضى الإعراض عنهم، وحكاية جناياتهم لغيرهم. وقرأ ابن عباس وابن مسعود وابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى بن عمر ـ تتبعون ـ بتاء الخطاب. {وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ ٱلْهُدَىٰ } حال من ضمير {يَتَّبِعُونَ } مقررة لبطلان ما هم عليه من اتباع الظن والهوى. والمراد بالهدى الرسول صلى الله عليه وسلم أو القرآن العظيم على أنه بمعنى الهادي أو جعله هدى مبالغة أي ما يتبعون إلا ذلك، والحال لقد جاءهم من ربهم جل شأنه ما ينبغي لهم معه تركه واتباع سبيل الحق. وحاصله: يتبعون ذلك في حال ينافيه، وجوز أن تكون الجملة معترضة وهي أيضاً مؤكدة لبطلان ذلك.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 23- ما الأصنام إلا مجرد أسماء ليس فيها شئ من معنى الألوهية، سميتموها أنتم وآباؤكم بمقتضى أهوائكم الباطلة، ما أنزل الله بها من حُجَّة تُصدق دعواكم فيها، ما يتبعون إلا الظن وما تهواه النفوس المنحرفة عن الفطرة السليمة، ولقد جاءهم من ربهم ما فيه هدايتهم لو اتبعوه. 24، 25- بل ليس للإنسان ما تمناه من شفاعة هذه الأصنام أو غير ذلك مما تشتهيه نفسه، فلله - وحده - أمر الآخرة والدنيا جميعاً. 26- وكثير من الملائكة فى السموات مع علو منزلتهم لا تغنى شفاعتهم شيئاً - ما - إلا بعد إذنه تعالى للشفيع ورضاه عن المشفوع له. 27- إن الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة ليصفون الملائكة بالأنوثة، فيقولون: الملائكة بنات الله. 28- وما لهم بهذا القول من علم، ما يتبعون فيه إلا ظنهم الباطل، وإن الظن لا يغنى من الحق شيئاً. 29- فانصرف عن هؤلاء الكافرين الذين أعرضوا عن القرآن ولم يكن همهم إلا الحياة الدنيا جاهدين فيما يصلحها. 30- ذلك الذي يتبعونه فى عقائدهم وأعمالهم منتهى ما وصلوا إليه من العلم، إن ربك هو أعلم بمن أصر على الضلال، وهو أعلم بمن شأنه قبول الاهتداء.

د. أسعد حومد

تفسير : {آبَآؤُكُم} {سُلْطَانٍ} (23) - وهذِهِ الأَصْنَامُ التِي يَعْبُدُها هؤلاءِ المُشْرِكُونَ مَا هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ لا حَقِيقَةَ لَها، سَمَّوْهَا هُمْ وَآبَاؤُهم، وَجَعَلُوها آلِهةً لَهُمْ، عَكَفُوا عَلَى عِبَادَتِها، وَلَيسَ لَهُمْ مِنْ دَليلٍ وَلاَ بُرْهَانٍ عَلَى صِحَّةِ مَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أُلُوهِيَّتِها، وَإِنما هُمْ يَتَّبِعُونَ في ذَلِكَ الظَنَّ والتَّخْمِينَ وَهَوى الأَنْفُسِ، وَتَقْلِيدَ الآبَاءِ، واعتِقَادَهُمْ أَنَّ الآباءَ لاَ يُمْكِنَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى ضَلالٍ، وََلَقَد اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم، وَقَلَّدُوا آبَاءَهُمْ وَثَابَرُوا عَلَى عِبَادَةِ هذهِ الأَصْنَامِ، مَعَ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَ إليهم الرَّسُولَ بالهُدَى والحَقِّ، وَالدَّلِيلِ القَاطِعِ، عَلَى وُجُودِ اللهِ ووحْدَانِيّتِه، وأنه لاَ إله إِلا هُوَ، فَكَانَ عَلَيهم أنْ يَتَّعِظُوا بِما جَاءَهُمْ، وأَنْ يُقْلِعُوا عَنِ الشِّرْكِ وَعَنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَأَنْ يَتَّبِعُوا رَسُولَ اللهِ حَقّاً وَصِدْقاً، وَلكِنَّهُمْ أَعْرَضُوا وَتَوَلَّوا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ما زال الكلام موصولاً عن الأصنام: اللات والعزى ومناة، فيخبر عنها الحق سبحانه {إِنْ هِيَ ..} [النجم: 23] أي: ما هذه الأصنام {إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ..} [النجم: 23] أسماء من تأليفكم لأصنام من صُنْع أيديكم. ومعلوم أن الاسم يُوضع ليدل على مُسمّى، أما هذه الأصنام فأسماء دون مُسمّى فهي باطلة، قلتم آلهة وهي حجارة لا تضر ولا تنفع. {سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم ..} [النجم: 23] لأنهم ورثوها عن الآباء والأجداد كما حكى عنهم: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}تفسير : [الزخرف: 23] إذن: أقرُّوا بخطأ آبائهم، وأنهم سائرون على منهجهم. ثم يُبيِّن لهم بُطْلان معتقداتهم {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ..} [النجم: 23] أي: هي من عند أنفسكم ليست من عند الله، ولا برهانَ ولا دليلَ على صدقها، وأنتم وآباؤكم لستم مُشرِّعين. فالتشريع والأمور العقدية لا تُؤخذ عن البشر، إنما تُؤخذ عن الله، وهؤلاء لا يتبعون هدى الله، إنما {إِن يَتَّبِعُونَ ..} [النجم: 23] إن نافية بمعنى: ما يتبعون {إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ ..} [النجم: 23] لا يتبعون حقائق ولا واقع. الظنّ نسبة من النسب الكلامية الست التي سبق أنْ بيَّناها، وهي: العلم والجهل والتقليد والشك والظن والوهم، فالنسبة الكلامية إنْ كان لها واقع مجزوم به ويمكن إقامة الدليل عليها فهي علم، وإنْ كان لها واقع مجزوم به وليس عليها دليل فهي تقليد. فإنْ كانت النسبة الكلامية ليس لها واقع فهي جهل، هذا في النسبة المجزوم بها، فإنْ كانت النسبة الكلامية غيرَ مجزوم بها يعني تحدث أو لا تحدث، فإذا تساوتْ الكِفّتان فهذا الشك، فإنْ كان الوقوع راجحاً فهو الظن، وإنْ كان الوقوع مرجوحاً فهو الوهم. والظن يمكن العمل به في الأمور العادية، فلو أردنا مثلاً السفر إلى الإسكندرية فقلت لصاحبي: هذا الطريق سهل وعليه متطلبات السفر، فقال: الطريق الآخر أظن أنه أفضل لأنه حديث وكذا وكذا، فيجوز أنْ أترك اليقين الذي أعلمه عن الطريق وأسلك الطريق الآخر المظنون، لأن الاختيار لو كان خطأ فالضرر الحاصل به قليل. أما في مسائل الدين والعقيدة فيجب الأخذ باليقين لا بالظن، والحق سبحانه يخبر عن هؤلاء أنهم اتبعوا الظن في أمور العبادة، فقالوا: إن لله تعالى جلالاً وكبرياء، ولا نقدر أنْ نلتحم به ونعبده، ولكن نعبد شيئاً آخر يُوصِّلنا إليه ويشفع لنا عنده. إذن: قوله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ ..} [النجم: 23] أي: في العقيدة {وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ ..} [النجم: 23] في السلوك والعمل يتبعون هوى النفس، والهوى يُطلق على ما يُذم من مطلوبات النفس. {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ} [النجم: 23] اللام للتوكيد، و(قد) حرف تحقيق. يريد سبحانه أنْ يؤكد على هذه الحقيقة، وهي أن هدى الله جاءهم وبلغهم رسول الله منهج الله، ومع ذلك تركوا الحق واليقين، واتبعوا الظن وما تهوى الأنفس، ولو اتبعوا الظن والهوى قبل أنْ يأتيهم منهج الحق لكان لهم عُذر، أما وقد فعلوا ذلك بعد أنْ جاءهم الهدى من الله فلا عذرَ لهم ولا حجة.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} معناه من حُجةٍ. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ} معناه البيانُ.