Verse. 4810 (AR)

٥٣ - ٱلنَّجْم

53 - An-Najm (AR)

وَكَمْ مِّنْ مَّلَكٍ فِي السَّمٰوٰتِ لَا تُغْـنِيْ شَفَاعَتُہُمْ شَـيْــــًٔــا اِلَّا مِنْۢ بَعْدِ اَنْ يَّاْذَنَ اللہُ لِمَنْ يَّشَاۗءُ وَيَرْضٰى۝۲۶
Wakam min malakin fee alssamawati la tughnee shafaAAatuhum shayan illa min baAAdi an yathana Allahu liman yashao wayarda

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(وكم من ملك) أي وكثير من الملائكة (في السماوات) وما أكرمهم عند الله (لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله) لهم فيها (لمن يشاء) من عباده (ويرضى) عنه لقوله "" ولا يشفعون إلا لمن ارتضى "" ومعلوم أنها لا توجد منهم إلا بعد الإذن فيها "" من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ".

26

Tafseer

الرازي

تفسير : وقد علم وجه تعلقها بما قبلها في الوجوه المتقدمة في قوله تعالى: {أية : فَلِلَّهِ ٱلأَخِرَةُ } تفسير : [النجم: 25] إن قلنا إن معناه أن اللات والعزى وغيرهما ليس لهم من الأمر شيء {فَلِلَّهِ ٱلأَخِرَةُ وٱلأُولَىٰ } فلا يجوز إشراكهم فيقولون نحن لا نشرك بالله شيئاً، وإنما نقول هؤلاء شفعاؤنا فقال كيف تشفع هذه ومن في السمٰوات لا يملك الشفاعة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: {كَمْ } كلمة تستعمل في المقادير، إما لاستبانتها فتكون استفهامية كقولك كم ذراعاً طوله وكم رجلاً جاءك أي كم عدد الجائين تستبين المقدار وهي مثل كيف لاستبانة الأحوال وأي الاستبانة الأفراد، وما لاستبانة الحقائق، وإما لبيانها على الإجمال فتكون خبرية كقولك كم رجل أكرمني أي كثير منهم أكرموني غير أن عليه أسئلة الأول: لم لم يجز إدخال من على الاستفهامية وجاز على الخبرية الثاني: لم نصب مميز الاستفهامية وجر الذي للخبرية الثالث: هي تستعمل في الخبرية في مقابلة رب فلم جعل اسماً مع أن رب حرف، أما الجواب عن الأول فهو أن من يستعمل في الموضع المتعين بالإضافة تقول خاتم من فضة كما تقول خاتم فضة، ولما لم تضف في الاستفهامية لم يجز استعمال ما يضاهيه وسنبين هذا الجواب، والجواب عن السؤال الثاني هو أن نقول إن الأصل في المميز الإضافة، وعن الثالث هو أن كم يدخل عليه حرف الجر فتقول إلى كم تصبر، وفي كم يوم جئت، وبكم رجل مررت ومن حيث المعنى إن كم إذا قرن بها من وجعل مميزه جمعاً كما في قول القائل كم من رجال خدمتهم ويكون معناه كثير من الرجال خدمتهم ورب وإن كانت للتقليل لكن لا تقوم مقام القليل، فلا يمكن أن يقال في رب إنها عبارة عن قليل كما قلنا في كم إنه عبارة عن كثير. المسألة الثانية: قال شفاعتهم على عود الضمير إلى المعنى، ولو قال شفاعته لكان العود إلى اللفظ فيجوز أن يقال كم من رجل رأيته، وكم من رجل رأيتهم، فإن قلت هل بينهما فرق معنوي؟ قلت نعم، وهو أنه تعالى لما قال:{لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ } [النجم: 26] يعني شفاعة الكل، ولو قال شفاعته لكان معناه كثير من الملائكة كل واحد لا تغني شفاعته فربما كان يخطر ببال أحد أن شفاعتهم تغني إذا جمعت، وعلى هذا ففي الكلام أمور كلها تشير إلى عظم الأمر أحدها: كم فإنه للتكثير ثانيها: لفظ الملك فإنه أشرف أجناس المخلوقات ثالثها: في السمٰوات فإنها إشارة إلى علو منزلتهم ودنو مرتبتهم من مقر السعادة رابعها: اجتماعهم على الأمر في قوله {شَفَـٰعَتُهُمْ } وكل ذلك لبيان فساد قولهم إن الأصنام يشفعون أي كيف تشفع مع حقارتها وضعفها ودناءة منزلتها فإن الجماد أخس الأجناس والملائكة أشرفها وهم في أعلى السمٰوات ولا تقبل شفاعة الملائكة فكيف تقبل شفاعة الجمادات. المسألة الثالثة: ما الفائدة في قوله تعالى: {وَكَمْ مّن مَّلَكٍ } بمعنى كثير من الملائكة مع أن كل من في السمٰوات منهم لا يملك الشفاعة؟ نقول المقصود الرد عليهم في قولهم هذه الأصنام تشفع، وذلك لا يحصل ببيان أن ملكاً من الملائكة لا تقبل شفاعته فاكتفى بذكر الكثيرة، ولم يقل ما منهم أحد يملك الشفاعة لأنه أقرب إلى المنازعة فيه من قوله كثير مع أن المقصود حاصل به، ثم ههنا بحث وهو أن في بعض الصور يستعمل صيغة العموم والمراد الكثير، وفي البعض يستعمل الكثير والمراد الكل وكلاهما على طريقة واحد، وهو استقلال الباقي وعدم الاعتداد، ففي قوله تعالى: {أية : تُدَمّرُ كُلَّ شَىْء } تفسير : [الأحقاف: 25] كأنه يجعل الخارج عن الحكم غير ملتفت إليه، وفي قوله تعالى: {وَكَمْ مّن مَّلَكٍ } وقوله {أية : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [النحل: 75] وقوله {أية : أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } تفسير : [سبأ: 41] يجعل المخرج غير ملتفت إليه فيجعل كأنه ما أخرجه كالأمر الخارج عن الحكم كأنه ما خرج، وذلك يختلف بختلاف المقصود من الكلام، فإن كان الكلام مذكوراً لأمر فيه يبالغ يستعمل الكل، مثاله يقال للملك كل الناس يدعون لك إذا كان الغرض بيان كثرة الدعاء له لا غير، وإن كان الكلام مذكوراً لأمر خارج عنه لا يبالغ فيه لأن المقصود غيره فلا يستعمل الكل، مثاله إذا قال الملك لمن قال له اغتنم دعائي كثير من الناس يدعون لي، إشارة إلى عدم احتياجه إلى دعائه لا لبيان كثرة الدعاء له، فكذلك ههنا. المسألة الرابعة: قال: {لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ } ولم يقل لا يشفعون مع أن دعواهم أن هؤلاء شفعاؤنا لا أن شفاعتهم تنفع أو تغني وقال تعالى في مواضع أخرى {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } تفسير : [البقرة: 255] فنفى الشفاعة بدون الإذن وقال: {أية : مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ } تفسير : [السجدة: 4] نفى الشفيع وههنا نفى الإغناء؟ نقول هم كانوا يقولون هؤلاء شفعاؤنا وكانوا يعتقدون نفع شفاعتهم، كما قال تعالى: {أية : لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } تفسير : [الزمر: 3] ثم نقول نفي دعواهم يشتمل على فائدة عظيمة، أما نفي دعواهم لأنهم قالوا الأصنام تشفع لنا شفاعة مقربة مغنية فقال: {لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ } بدليل أن شفاعة الملائكة لا تغني، وأما الفائدة فلأنه لما استثنى بقوله {إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ } أي فيشفع ولكن لا يكون فيه بيان أنها تقبل وتغني أو لا تقبل، فإذا قال: {لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ } ثم قال: {إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ } فيكون معناه تغني فيحصل البشارة، لأنه تعالى قال: {أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [غافر: 7] وقال تعالى: {أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الشورى: 5] والاستغفار شفاعة. وأما قوله {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } تفسير : [البقرة: 255] فليس المراد نفي الشفاعة وقبولها كما في هذه الآية حيث رد عليهم قولهم وإنما المراد عظمة الله تعالى، وأنه لا ينطق في حضرته أحد ولا يتكلم كما في قوله تعالى: {أية : لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } تفسير : [النبأ: 38]. المسألة الخامسة: اللام في قوله {لِمَن يَشَاء وَيَرْضَىٰ } تحتمل وجهين أحدهما: أن تتعلق بالإذن وهو على طريقين أحدهما: أن يقال إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء من الملائكة في الشفاعة لمن يشاء الشفاعة ويرضى الثاني: أن يكون الإذن في المشفوع له لأن الإذن حاصل للكل في الشفاعة للمؤمنين لأنهم جميعهم يستغفرون لهم فلا معنى للتخصيص، ويمكن أن ينازع فيه وثانيهما: أن تتعلق بالإغناء يعني إلا من بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة فتغني شفاعتهم لمن يشاء ويمكن أن يقال بأن هذا بعيد، لأن ذلك يقتضي أن تشفع الملائكة، والإغناء لا يحصل إلا لمن يشاء، فيجاب عنه بأن التنبيه على معنى عظمة الله تعالى فإن الملك إذا شفع فالله تعالى على مشيئته بعد شفاعتهم يغفر لمن يشاء. المسألة السادسة: ما الفائدة في قوله تعالى: {وَيَرْضَىٰ }؟ نقول فيه فائدة الإرشاد، وذلك لأنه لما قال: {لِمَن يَشَاء } كان المكلف متردداً لا يعلم مشيئته فقال: {وَيَرْضَىٰ } ليعلم أنه العابد الشاكر لا المعاند الكافر، فإنه تعالى قال: {أية : إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ } تفسير : [الزمر: 7] فكأنه قال: {لِمَن يَشَاء } ثم قال: {وَيَرْضَىٰ } بياناً لمن يشاء، وجواب آخر على قولنا: لا تغني شفاعتهم شيئاً ممن يشاء، هو أن فاعل يرضى المدلول عليه لمن يشاء كأنه قال ويرضى هو أي تغنيه الشفاعة شيئاً صالحاً فيحصل به رضاه كما قال: ويرضى هو أي تغنيه الشفاعة وحينئذ يكون يرضى للبيان لأنه لما قال: {لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ } إشارة إلى نفي كل قليل وكثير كان اللازم عنده بالاستثناء أن شفاعتهم تغني شيئاً ولو كان قليلاً ويرضى المشفوع له ليعلم أنها تغني أكثر من اللازم بالاستثناء، ويمكن أن يقال {وَيَرْضَىٰ } لتبيين أن قوله {يَشَاء } ليس المراد المشيئة التي هي الرضا، فإن الله تعالى إذا شاء الضلالة بعبد لم يرض به، وإذا شاء الهداية رضي فقال: {لِمَن يَشَاء وَيَرْضَىٰ } ليعلم أن المشيئة ليست هي المشيئة العامة، إنما هي الخاصة.

البيضاوي

تفسير : {وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً } وكثير من الملائكة لا تغني شفاعتهم شيئاً ولا تنفع. {إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ} في الشفاعة. {لِمَن يَشَاء } من الملائكة أن يشفع أو من الناس أن يشفع له. {وَيَرْضَىٰ} ويراه أهلاً لذلك فكيف تشفع الأصنام لعبدتهم. {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ } أي كل واحد منهم. {تَسْمِيَةَ ٱلأُنثَىٰ} بأن يسموه بنتاً. {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ } أي بما يقولون، وقرىء بها أي بالملائكة أو بالتسمية. {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئًا} فإن الحق الذي هو حقيقة الشيء لا يدرك إلا بالعلم، والظن لا اعتبار له في المعارف الحقيقية، وإنما العبرة به في العمليات وما يكون وصلة إليها. {فَأَعْرَضَ عَمَّنْ تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } فأعرض عن دعوته والاهتمام بشأنه فإن من غفل عن الله وأعرض عن ذكره. وانهمك في الدنيا بحيث كانت منتهى همته ومبلغ علمه لا تزيده الدعوة إلا عناداً وإصراراً على الباطل. {ذٰلِكَ} أي أمر الدنيا أو كونها شهية. {مَبْلَغُهُمْ مّنَ ٱلْعِلْمِ } لا يتجاوزه علمهم والجملة اعتراض مقرر لقصور هممهم بالدنيا وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ} تعليل للأمر بالإِعراض أي إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب فلا تتعب نفسك في دعوتهم إذ ما عليك إلا البلاغ وقد بلغت. {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} خلقاً وملكاً. {لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أساؤوا بِمَا عَمِلُواْ } بعقاب ما عملوا من السوء أو بمثله أو بسبب ما عملوا من السوء، وهو بمثله دل عليه ما قبله أي خلق العالم وسواه للجزاء، أو ميز الضال عن المهتدي وحفظ أحوالهم لذلك {وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى } بالمثوبة الحسنى وهي الجنة، أو بأحسن من أعمالهم أو بسبب الأعمال الحسنى. {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإثْمِ } ما يكبر عقابه من الذنوب وهو ما رتب عليه الوعيد بخصوصه. وقيل ما أوجب الحد. وقرأ حمزة والكسائي وخلف كبير الإِثم على إرادة الجنس أو الشرك. {وَٱلْفَوٰحِشَ} ما فحش من الكبائر خصوصاً. {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} إلا ما قل وصغر فإنه مغفور من مجتنبي الكبائر، والاستثناء منقطع ومحل {ٱلَّذِينَ} النصب على الصفة أو المدح أو الرفع على أنه خبر محذوف. {إِنَّ رَبَّكَ وٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ} حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، أو له أن يغفر ما شاء من الذنوب صغيرها وكبيرها، ولعله عقب به وعيد المسيئين ووعد المحسنين لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته ولا يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى. {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ } أعلم بأحوالكم منكم. {إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ } علم أحوالكم ومصارف أموركم حين ابتدأ خلقكم من التراب بخلق آدم وحينما صوركم في الأرحام. {فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ} فلا تثنوا عليها بزكاء العمل وزيادة الخير، أو بالطهارة عن المعاصي والرذائل. {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} فإنه يعلم التقي وغيره منكم قبل أن يخرجكم من صلب آدم عليه السلام. {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ} عن اتباع الحق والثبات عليه. {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ} وقطع العطاء من قولهم أكدى الحافر إذا بلغ الكدية وهي الصخرة الصلبة فترك الحفر. والأكثر على أنها نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض المشركين وقال: تركت دين الأشياخ وضللتهم قال أخشى عذاب الله تعالى فضمن أن يتحمل عنه العقاب إن أعطاه بعض ماله فارتد وأعطى بعض المشروط ثم بخل بالباقي. {أَعْنْدَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ} يعلم أن صاحبه يتحمل عنه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ } أي وكثير من الملائكة {فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ } وما أكرمهم عند الله {لاَ تُغْنِى شَفَٰعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ } لهم فيها {لِمَن يَشَاءُ } من عباده {وَيَرْضَىٰ } عنه لقوله { أية : وَلاَ يَشْفَعُون إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى } تفسير : [28:21] ومعلوم أنها لا توجد منهم إلا بعد الإِذن فيها « أية : مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ }تفسير : [255:2].

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ...} الآية: رَدٌّ على قريش في قولهم: الأوثان شفعاؤنا، {وَكَمْ} للتكثير، وهي في موضع رفع بالابتداء، والخبر {لاَ تُغْنِى} والغِنَى جَلْبُ النفع ودَفْعُ الضُّرِّ بحسب الأمر الذي يكون فيه الغناء. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ} يعني: كُفَّارَ العرب. وقوله: {وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} أي: في المُعْتَقَدَاتِ، والمواضع التي يريد الإنسانُ أَنْ يُجَرِّرَ ما يَعْقِلُ ويعتقد؛ فَإنَّهَا مواضع حقائق، لا تنفعُ الظنونُ فيها، وَأَمَّا في الأحكام وظواهرها فيجتزىءُ فيها بالمظنونات. ثم سَلَّى سبحانه نَبِيَّه وأمره بالإعراض عن هؤلاء الكَفَرَةِ. وقوله: {عَن ذِكْرِنَا} قال الثعلبيُّ: يعني القرآن. وقوله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} الآية متصلة في معنى التسلية، ومتضمنة وعيداً للكافرين، ووعداً للمؤمنين، والحُسْنَى: الجنة ولا حسنى دونها، وقد تقدم نقلُ الأقوال في الكبائر في سورة النساء وغيرها، وتحريرُ القول في الكبائر أَنَّها كُلُّ معصيةٍ يوجد فيها حَدٌّ في الدنيا أو تَوَعُّدٌ عليها بِالنَّارِ في الآخرة، أو لعنة، ونحو هذا. وقوله: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} هو استثناء يَصِحُّ أنْ يكونَ مُتَّصِلاً، وإنْ قدرته مُنْقَطِعاً ساغ ذلك، وبِكُلٍّ قد قيل، واخْتُلِفَ في معنى {ٱللَّمَمَ} فقال أبو هريرة، وابن عباس، والشَّعْبِيُّ، وغيرهم: اللمم: صِغَارُ الذنوب التي لا حَدَّ فيها ولا وَعِيدَ عليها؛ لأَنَّ الناسَ لا يتخلَّصُونَ من مُوَاقَعَةِ هذه الصغائر، ولهم مع ذلك الحُسْنَى إذا اجتنبوا الكبائر، وتظاهر العلماءُ في هذا القول، وكَثُرَ المائِلُ إليه، وحُكِيَ عن ابن المُسَيِّبِ أَنَّ اللمم: ما خطر على القلب، يعني بذلك لمَّةَ الشيطان، وقال ابن عباس: معناه: إلاَّ ما أَلَمُّوا به من المعاصي الفَلْتَةُ والسَّقْطَةُ دون دوام ثم يتوبون منه، وعنِ الحسن بن أبي الحسن أَنَّهُ قال: في اللَّمَّةِ من الزنا، والسَّرِقَةِ، وشرب الخمر ثم لا يعود، قال * ع *: وهذا التأويلُ يقتضي الرِّفْقَ بالناس في إدخالهم في الوعد بالحسنى؛ إذِ الغالب في المؤمنين مواقعةُ المعاصي، وعلى هذا أنشدوا، وقد تَمَثَّلَ به النبي صلى الله عليه وسلم: [الرجز] شعر : إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لاَ أَلَمَّا تفسير : وقوله سبحانه: {إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} يريد: خلق أبيهم آدم، ويحتمل أَنْ يرادَ به إنشاء الغذاء، وأجِنَّةٌ: جمع جنين. وقوله سبحانه: {فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ} ظاهره النهيُ عن تزكية الإنسانِ نَفْسَهُ، ويحتمل أَنْ يكونَ نهياً عن أنْ يُزَكِّيَ بعضُ الناسِ بعضاً، وإذا كان هذا، فَإنَّما يُنْهَى عن تزكية السمعة والمدح للدنيا أو القطع بالتزكية، وأَمَّا تزكيةُ الإمامِ والقُدْوَةِ أحداً لِيُؤْتَمَّ به أو ليتهمم الناسَ بالخير، فجائز، وفي الباب أحاديثُ صحيحة، وباقي الآية بَيِّنٌ. * ت *: قال صاحِبُ «الكَلِمِ الفارِقِيَّةِ»: أَعْرَفُ الناسِ بنفسه أَشَدُّهُمْ إيقاعاً للتهمة بِها في كل ما يبدو ويظهرُ له منها، وأجهلهم بمعرفتها وخفايا آفاتها وكوامن مكرها مَنْ زَكَّاها، وأَحْسَنَ ظَنَّهُ بها؛ لأَنَّها مُقْبِلَةٌ على عاجل حظوظها، مُعْرِضَةٌ عنِ الاستعداد لآخرتها، انتهى، وقال ابن عطاء اللَّه: أَصْلُ كل معصيةٍ وغفلة، وشهوة الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة، ويقظة، وعِفَّةٍ ـــ عَدَمُ الرضا منك عنها؛ قال شارحه ابن عُبَّاد: الرضا عن النفس: أصل جميع الصفات المذمومة، وعَدَمُ الرضا عنها أصلُ الصفات المحمودة، وقدِ اتَّفق على هذا جميعُ العارفين وأرباب القلوب؛ وذلك لأَنَّ الرضا عن النفس يوجب تغطيةَ عيوبِهَا ومساويها، وعَدَمَ الرضا عنها على عكس هذا؛ كما قيل: [الطويل] شعر : وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا تفسير : انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ} "كم" هنا خبرية تفيد التكثير، ومحلها الرفع على الابتداء. و {لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ} هو الخبر. والعامة على إفراد الشفاعة. وجُمعَ الضمير اعتباراً بمعنى "ملك" وبمعنى "كم". وزيد بن عليّ شَفَاعَتُهُ بإفرادها اعتبر لفظ "كم وملك". وابن مِقْسِم شَفَاعَاتُهُم بجمعِهَا. و "شَيْئاً" مصدر أي شيئاً من الإغْنَاء. فصل المعنى وكم من ملك في السموات ممن يعبدهُمْ هؤلاء الكفار ويرجون شفاعَتَهم عند الله لا تغني شفاعَتُهُمْ شيئاً إلاَّ من بعد أن يأذن الله في الشفاعة {لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ} أي من أهل التوحيد. قال ابن عباس - رضي الله عنهما - يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه. وجمع الكناية في قوله: "شفاعتهم" والملك واحد؛ لأن المراد من قوله: {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ} الكثرة، فهو كقوله تعالى: {أية : فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} تفسير : [الحاقة: 47]. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنثَىٰ} اعلم أن المراد بالذين لا يؤمنون بالآخرة هم الذين لا يؤمنون بالرسل، لأن كل من آمن بالرسل اعترف بالحشر، وذلك أنهم كانوا يقولون: الملائكة وجدوا من الله فهم أولاده بمعنى الإيجاد، ثم رأوا في الملائكة تاء التأنيث، وصحَّ عندهم أن يقال: سَجَدَت الملائكة، فقالوا: بنات الله فسمَّوهُمْ تسميةَ الإناث. فإن قيل: كيف يصح أن يقال: إنهم لا يؤمنون بالآخرة مع أنهم كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤُنَا عند الله وكان من عادتهم أن يربطوا مركوباً على قبر مَنْ يموت، ويعتقدون أنه يحشر عليه؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنهم ما كانوا يجزمون به، بل كانوا يقولون: إنه لا حشر، فإن كان فلنا شفعاءُ بدليلِ ما حكى الله عنهم {أية : وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} تفسير : [فصلت: 50]. الثاني: أنهم ما كانوا يعترفون بالآخرة على الوجه الذي ورد به الرسل. فصل وأما مناسبة هذه الآية لما قبلها فهي أنهم لما قيل لهم: إنَّ الصَّنَمَ جمادٌ لا يشفع، وبين لهم أن أعظمَ أجناس الخلق لا شفاعة لهم إلا بالإذن قالوا: نَحْنُ لا نَعْبُدُ الأصنام لأنها جمادات وإنما نعبد الملائكة بعبادتها فإنها على صورها ونضعها بين أيدينا لنذكر بالشاهد الغائب فنعظم الملك المقرب فرد الله عليهم بهذه الآية أي كيف تعظموهم وأنتم تسموهم تسمية الإناث؟ فإن قيل: كيف قال تسمية الأنثى ولم يقل: تسمية الإناث؟ فالجواب: أن المراد بيان الجنس وهذا اللفظ أليق بهذا الموضع لمؤاخاة رؤوس الآية. أو يقال: إنه لو قال الإناث لأوهم أعلام الإناث، كعائشةَ وفاطمةَ. والمراد إنما هو البنات. وقد تقدمت شبهتهم. قوله: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ} قال الزمخشري: الضمير في (به) يعود إلى ما كانوا يقولون. وقيل يعود إلى ما تقدم من عدم قَبُول الشفاعة. وقيل: يعود إلى الله أي ما لهم بالله من علم فيُشْرِكُونَ. وقال مكي: الهاء تعود على الاسم لأن التسمية والاسم بمعنًى. وقرأ أبيّ: بِهَا أي بالآخرة أي ما لهم بالآخرة مِنْ علمٍ. وقيل: بالملائكة. وقيل: بالتسمية. وهذا يقوِّي قول مَكِّيٍّ. فإن قلنا: ما لهم بالآخرة فهو جواب كما قلنا: إنهم وإن كانوا يقولون: إن الأصنام شفعاؤنا عند الله، وكانوا يربطون الإبل على قبور الموتى ليركبوها لكن ما كانوا يقولون به عَنْ عِلْمٍ. وإنْ قُلْنا بالتسمية ففيه إشكال، وهو أن العلم بالتسمية حاصل لهم فإنهم يعلمون أنَّهم "لَيْسُوا في شكٍّ". والجواب: أن التسمية قد يكون واضعها الأول عالماً بأنه وضع، وقد يكون استعمالاً معنوياً يتطرق إليه الصدق والكذب والعِلْم. فمثال الصدق مَنْ وَضَعَ أولاً اسم السماء لموضوعها وقال: هذا سماءٌ، ومثال الكذب إذا قلنا بعد ذلك للماء والحَجَر: هذا سماء، فإنه كذب ومن اعتقد فهو جَاهِل وكذلك قولهم في الملائكة: إنَّهم بنات الله لم تكن تسميةً وضعيةً، وإنما أرادوا به أنهم موصوفون باسم يجب به استعمال لفظ البنات فيهم، وذلك كذب ومعتَقده جاهلٌ، فالمراد التسمية التي هي عن وصفٍ حقيقي لا التسمية الوضْعيَّة؛ لأنهم عالمون بها فهذا هو المراد. قاله ابن الخطيب. وقوله: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} تقدم الكلام عليه. وقوله: {إِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} قيل: الحق بمعنى العلم أي لا يقوم الظنّ مَقَام العلم. وقيل: الحق بمعنى العذاب، أي إنّ ظنهم لا يُنْقِذُهُمْ من الْعَذَابِ. قال ابن الخطيب: المراد منه أن الظن لا يُغْني في الاعتقادات شيئاً وأما الأفعال العُرْفية أو الشرعية فإنه يتبع عند عدم الوصول إلى اليقين. ويحتمل أن يقال: المراد من الحق هو الله والمعنى أن الظن لا يفيد شيئاً من الله أي أن الأوصافَ الإلهيَّة لا تستخرج بالظنون بدليل قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} تفسير : [لقمان: 30]. فإن قيل: أليس الظن قد يصيب فكيف يحكم عليه بأنه لا يغني أصلاً؟ فالجواب: أن المكلف لا يحتاج إلى مميز يُمَيّز الحقَّ من الباطل؛ ليعتقد الحق ويميز الخير من الشر ليفعل الخير لكن في الحق ينبغي أن يكون جازماً لاعتقاد مُطَابَقَتِهِ، والظَّانّ لا يكون جازماً وفي الخير ربما يعتبر الظن في مَواضِعَ. فصل اعلم أن الله تعالى منع من الظن في ثلاثة مواضع: أحدها: قوله تعالى: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} تفسير : [النجم: 23]. وثانيها: هذه الآية. ثالثها: في الحجرات وهي قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [الحجرات: 11] إلى قوله: {أية : ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ} تفسير : [الحجرات: 12] فالأول: كان المنع عقيب التسمية، والثاني: عقيب الدعاء بالألقاب وكل ذلك دليل على أن حفظ اللسان أولى من حفظ غيره من الأركان وأن الكذب أقبح من السيئات الظاهرة من الأيدي والأرجل. فهذه المواضع الثلاثة دلت على أن الظن فيها مذمومٌ أحدها: مدح ما لا يستحق المدح كاللاَّتِ والعُزَّى من العزة، وثانيها: ذمّ من لا يستحق الذم وهم الملائكة الذين هم عِبَاد الرَّحْمَن يُسَمُّونَهُمْ تسمية الأنثى، وثالثها: ذمّ من لم يعلم حاله، وأما مدح من يُعْلَمُ حاله فلم يقَلْ فيه: لا يتبعون الظن بل الظن معتبر فيه والأخذ بظاهر حال العاقل واجب. قوله: {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا} يعني القرآن. وقيل: الإيمان؛ أي اترك مجادلتهم فقد بلَّغت وأتيت بما عليك. قال ابن الخطيب: وأكثر المفسرين يقولون: كل ما في القرآن من قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ} منسوخ بآية القتال، وهو باطل؛ لأن الأمر بالإعراض موافق لآية القتال فكيف ينسخ به؟ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأول كان مأموراً بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة فلما عارضوه بأباطيلهم أُمر بإزالة شبههم والجواب عن أباطيلهم، وقيل له: {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [النحل: 125] ثم لَمّا لم ينفع قال له ربه: أعْرِضْ عنْهُمْ ولا تقل لهم بالدليل والبرهان فإنهم لا ينتفعون به ولا يتبعون الحق وقاتلهم، فالإعراض عن المناظرة شرط لجواز المُقَاتَلَةِ فكيف يكون منسوخاً بها؟ قوله: {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} إشارة إلى إنكارهم الحشر كقوله تعالى عنهم: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الأنعام: 29] وقوله: {أية : أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [التوبة: 38] وذلك أنه إذا تَرَكَ النظر في آلاء الله لا يعرفُهُ فلا يتبع رسوله فلا ينفعه كلامه، وإذا لم يقل بالحشر والحساب لا يخاف فلا يرجع عما هو عليه فلا يبقى في الدعاء فائدة. واعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كالطبيب للقلوب، فأتى على ترتيب الأَطِبَّاء في أن المرض إذا أمكن إصلاحُهُ بالغذاء لا يستعملون الدواء القوي، ثم إذا عجز عن المداواة بالمشروبات وغيرها عدلوا إلى الحَدِيد والكَيّ كما قيل: "آخِرُ الدَّوَاءِ الكَيُّ"، فالنبي - عليه الصلاة والسلام - أولاً أمر القلوب بذكر الله حَسْب، فإن بذكْرِ الله تطمئن القلوب، كما أن بالغذاء تطمئن النفوس فالذكر غذاء القلب ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام - أولاً: "قُولُوا لاَ إلَه إلاَّ اللَّهُ" أمر بالذكر، فانتفع مثلُ أبي بكر - رضي الله عنه - ومن لم ينتفع ذكر لهم الدليلَ وقال {أية : أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ} تفسير : [الأعراف: 184] {أية : قُلِ ٱنظُرُواْ} تفسير : [يونس: 101] {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ} تفسير : [الغاشية: 17] إلى غير ذلك فلما لم ينتفعوا أتى بالوعيد والتهديد فلما لم ينتفعوا قال: أعْرِضْ عن المعالجة واقطع الفاسد لئلا يفسد الصَّالح. قوله: "ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ" قال الزمخشري: هو اعتراض (أي فأعرض عنه ولا تُعَامِلْهُ إنَّ رَبَّكَ هُو أَعْلَمُ. قال أبو حيَّان: كأنه يقول: هو اعتراض) بين "فَأَعْرِضْ" وبين: "إِنَّ رَبَّكَ" ولا يظهر هذا الذي يقوله من الاعتراض. قال شهاب الدين: كيف يقول: كأنه يقول: هو اعتراض وما معنى الشبيه وهو قد نصَّ عليه وصرح به فقال: أي فأعرض عنه ولا تعامله إنَّ رَبَّكَ. وقوله "وَلاَ يَظْهَرْ" ما أدري عدم الظهر مع ظهور أن هذا علة لذاك أي قوله: "إنَّ رَبَّكَ" علة لقوله "فَأَعْرِضْ" والاعتراض بين العلَّة والمعلول ظاهر وإذا كانوا يقولون: هذا معترض فيما يجيء في أثناء قصَّة فكيف بما بين علة ومعلول؟ فصل "ذَلِكَ" إشارة إلى نهاية عِلْمهم وقدر عقولهم إن آثروا الدنيا على الآخرة. وقيل: إشارة إلى الظن أي لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكةَ بناتُ الله وأنها تشفع لهم، واعتمدوا على ذلك وأعرضُوا عن القرآن. وقيل: إشارة إلى الإعراض أي فأعرضْ عمَّن تولى؛ وذلك لأن الإعراض غاية ما بلغوه من العلم وعلى هذا يكون المراد من العِلْم المَعْلُوم وتكون الألف واللام للتعريف والعلم المعلوم هو ما في القرآن. فإن قيل: إنَّ الله تعالى بين أن غايتهم ذلك في العلم ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها والمجنون الذي لا علم له أو الصبي لا يؤمر بما فوق احتماله فكيف يعاقبهم الله؟ فالجواب: أنه ذكر قبل ذلك أنهم تَوَلَّوْا عن ذكر الله فكان عدم علمهم لعدم قبولهم العلم وإنما قدر الله توليهم ليُضَاف الجَهْلُ إلى ذلك فيتحقق العِقَابُ. قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ} جوز مَكِّيٌّ أن يكون على بابه من التفضيل أي هو أعلم من كل أحدٍ بهذين الوصفين وبغيرهما، وأن يكون بمعنى عالِمٍ، وتقدم ذلك مراراً. فصل المعنى أن الله عالم بالفريقين فيجازيهم. ووجه المناسبة أن الله تعالى لَمَّا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أعرض وكان النبي - عليه الصلاة والسلام - شديد الميل إلى إيمان قومه كأنه هجس في خَاطِرِه أن في ذكراهم منفعة، وربما يؤمن من الكفار قومٌ آخرون من غير قتال، فقال له: "ربك أعلم بمن ضل عن سبيله" أي لا يؤمن بمجرد الدعاء أحد المتخلفين وإنما ينفع فيهم وَقْع السيف والقتال فأعرض عن الجدال، وأقبل على القتال. وعلى هذا فقوله: "بِمَنِ اهْتَدَى" أي علم في الأزل من ضل ومن اهتدى فلا يشتبه عليه الأمر، ولا بأسَ في الإعراض. فإن قيل: قال في الضلال عن سبيله ولم يقل في الاهتداء إلى سبيله. فالجواب: أنَّ الضلال عن السبيل هو الضلال وهو كافٍ في الضَّلال، لأن الضّلال لا يكون إلاَّ في السبيل وأما بعد الوصول فلا ضلالَ، أو لأن من ضلَّ عن سبيله لا يصل إلى المقصود سواء سلك سبيلاً أو لم يَسْلُكْهُ وأما من اهتدى إلى سبيل فلا وصول له إن لم يسلكه فقال من اهتدى إلى السبيل وسلوكه.

ابو السعود

تفسير : وقولُه تعالى: {وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً} إقناطٌ لهم عمَّا علَّقُوا به أطماعَهم من شفاعةِ الملائكةِ لهم موجبٌ لإقناطِهم من شفاعةِ الأصنامِ بطريقِ الأولويةِ وكم خبريةٌ مفيدةٌ للتكثيرِ محلُّها الرفعُ على الابتداءِ، والخبرُ هي الجملةُ المنفيةُ وجمعُ الضميرِ في شفاعتِهم مع إفرادِ المَلكِ باعتبارِ المَعْنى أي وكثيرٌ من الملائكةِ لا تُغني شفاعتُهم عند الله تعالى شيئاً من الإغناءِ في وقتٍ من الأوقاتِ {إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ} لهمُ في الشفاعةِ {لِمَن يَشَاء} إنْ يشفعوا له {وَيَرْضَىٰ} ويراهُ أهلاً للشفاعةِ من أهلِ التوحيدِ والإيمانِ، وأمَّا من عداهُم من أهلِ الكفرِ والطغيانِ فهمُ من إذنِ الله تعالى بمعزلٍ من الشفاعةِ بألفِ منزلٍ، فإذا كانَ حالُ الملائكةِ في بابِ الشفاعةِ كما ذُكِرَ فما ظنُّهم بحالِ الأصنامِ {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} وبما فيها من العقابِ على ما يتعاطَونه من الكفرِ والمعاصي {لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ} المنزهينَ عن سماتِ النقصانِ على الإطلاقِ أي يسمون كلَّ واحدٍ منهم {تَسْمِيَةَ ٱلأُنثَىٰ} فإن قولَهم الملائكةُ بناتُ الله قولُ منهُم بأنَّ كلاً منهم بنتُه سبحانَهُ، وهي التسميةُ بالأُنثى، وفي تعليقِها بعدمِ الإيمانِ بالآخرةِ إشعارٌ بأنَّها في الشناعةِ والفظاعةِ واستتباعِ العقوبةِ في الآخرةِ بحيثُ لا يجترىءُ عليها إلا مَنْ لا يؤمنُ بَها رأساً. وقولُه تعالى: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ} حالٌ من فاعِل يسمُّون أي يسمونَهم والحالُ أنَّه لا علمَ لهم بما يقولونَ أصلاً. وقُرىءَ بَها أي بالملائكةِ أو بالتسميةِ. {إِن يَتَّبِعُونَ} في ذلكَ {إِلاَّ ٱلظَّنَّ} الفاسدَ {وَإِنَّ ٱلظَّنَّ} أي جنسَ الظنِّ كما يلوحُ به الإظهارُ في موقعِ الإضمارِ {لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئًا} من الإغناءِ، فإن الحقَّ الذي هو عبارةٌ عن حقيقةِ الشيءِ لا يُدرك إلا بالعلمِ، والظنُّ لا اعتدادَ به في شأنِ المعارفِ الحقيقيةِ وإنما يعتدُّ به في العملياتِ وما يؤدِّي إليها. {فَأَعْرَضَ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا} أي عنْهم. ووضعُ الموصولِ موضعَ ضميرِهم للتوسلِ بهِ، أي وصفُهم بما في حيزِ صلتِه من الأوصافِ القبـيحةِ وتعليلِ الحكمِ بهَا أيْ فأعرضْ عمَّن أعرضَ عن ذكرِنا المفيدِ للعلمِ اليقينيِّ وهو القُرآنُ المُنطوي عَلى علومِ الأولينَ والآخرينَ المذكرِ لأمورِ الآخرةِ أو عن ذكرِنا كما ينبغِي فإنَّ ذلكَ مستتبعٌ لذكرِ الآخرة وما فيها من الأمور المرغوبِ فيها والمرهوبِ عنَها. {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} راضياً بها قاصراً نظرَهُ عليها، والمرادُ النهيُ عن دعوتِه والاعتناءُ بشأنِه فإنَّ من أعرضَ عمَّا ذُكرَ وانهمكَ في الدُّنيا بحيثُ كانتْ هي مُنتهَى همتِه وقُصارَى سعيِه لا تزيدُه الدعوةُ إلى خلافِها إلا عناداً وإصراراً على الباطلِ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكم من ملك فى السموات لاتغنى شفاعتهم شيئا} اقناط لهم مما علقوا به اطماعهم من شفاعة الملائكة لهم موجب لاقناطهم عن شفاعة الاصنام بطريق الاولوية وكم خبرية مفيدة للتكثير محلها الرفع على الابتدآء والخبر هى الجملة المنفية وجمع الضمير فى شفاعتهم مع افراد الملك باعتبار المعنى اى وكثير من الملائكة لا تغنى شفاعتهم عند الله شيأ من الاغناء فى وقت من الاوقات اى لاتنفع شيأ من النفع وهو القليل منه او شيأ اى احدا وليس المعنى انهم يشفعون فلا تنفع شفاعتهم بل معناه انهم لايشفعون لانه لايؤذن لهم كا قال تعالى {الا من بعد أن يأذن الله} لهم فى الشفاعة {لمن يشاء} أن يشفعون له {ويرضى} ويراه اهلا للشفاعة من اهل التوحيد والايمان واما من عداهم من اهل الكفر والطغيان فهم من اذن الله بمعزل ومن الشفاعة بألف منزل فاذا كان حال الملائكة فى باب الشفاعة كما ذكر فما ظنهم بحال الاصنام وفى الآية اشارة الى ان ملك الروح يشفع فى حق النفس الامارة بالسوء رجاء الانسلاخ عن اوصافها الذميمة والترقى الى مقام الفناء والبقاء ولكن لاتنفع شفاعته فى حقها لعلمه القديم الازلى بعدم استعدادها للترقى من مقامها اللهم الا ان تقبل شفاعته فى حق نفس رقيق الحجاب مستعد لقبول الفيض الالهى لصفاء فطرته الاولى وبقاء قابليته الكبرى للترقى فى المقامات العلية بالخروج من موافقة الطبع ومخالفة الشرع والدخول فى موافقة الشريعة ومخالفة الطبيعة

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {كم}: خبرية، تفيد التكثير، ومحلها: رفع بالابتداء، والجملة المنفية: خبر، وجمع الضمير في {شفاعتهم} لأن النكرة المنفية نعم. يقول الحق جلّ جلاله: {وكم من ملكٍ في السماوات} أي: كثير من الملائكة {لا تُغني شفاعتُهم} عند الله تعالى {شيئاً} من الإغناء في وقت من الأوقات، {إِلا مِن بعد أن يأذن اللّهُ} لهم في الشفاعة {لمَن يشاء} أن يشفعوا له، {ويرضَى} ويراه أهلاً للشفاعة من أهل التوحيد والإيمان، وأما مَنْ عداهم من أهل الكفر والطغيان فيهم عن إذن الله بمعزلٍ، وعن الشفاعة بألف معزلٍ، فإذا كان حال الملائكة في باب الشفاعة كما ذكر، فما ظنهم بحال الأصنام؟! ثم شنَّع عليهم في اعتقادهم الفاسد في الملائكة، فقال: {إِنَّ الذين لا يؤمنون بالآخرة} وما فيها من العقاب على ما يتعاطونه من الكفر والمعاصي {ليُسمُّون الملائكةَ} المنزّهين عن سمات النقص {تسميةَ الأنثى} فإن قولهم: الملائكة بنات الله، قول منهم بأن كُلاً منهم بنته - سبحانه، وهي التسمية بالأنثى، وفي تعليقها بعدم الإيمان بالآخرة إشعار بأنهم في الشناعة واستتباع العقوبة بحيث لا يجترئ عليها إلا مَن لا يؤمن رأساً. {وما لهم به من علم} أي: بما يقولون. وقرىء "بها" أي" بالتسمية، أو بالملائكة. {إِن يتبعونَ إِلا الظن} وهو تقليد الآباء، {وإن الظن} أي: جنس الظن، ولذلك أظهر في موضع الإضمار، {لا يُغني من الحق شيئاً} من الإغناء؛ لأن الحق عبارة عن حقيقة الشيء، وهو لا يُدرك إلا بالعلم، والظن لا اعتداد به في باب المعارف الحقيقية، وإنما يُعتد به في العمليات وما يؤدي إليها. {فأعْرِضْ عَمَّن تولى عن ذِكْرِنا} أي: عنهم، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتوصل إلى وصفهم بما في حيز الصلة من الأوصاف القبيحة، ولتعليل الحكم، أي: فأعرض عمن تولى عن ذكرنا المفيد للعلم اليقيني، وهو القرآن المنطوي على علوم الأولين والآخرين، المذكِّر بالأمور الآخرة، أو: عن ذكرنا كما ينبغي، فإن ذلك يستتبع ذكر الآخرة وما فيها من الأمور المرغوب فيها والمرهوب عنها، قال الطيبي: أعرِضْ عن دعوة مَن تدعوه إلى لقاء ربه والدار الآخرة، وهو يقول: {ماهي إلا حياتنا الدنيا...} الخ، {ولم يُرِدْ إِلاَّ الحياةَ الدنيا} وزخارفها، قاصراً نظره إليها، والمراد بالإعراض عنه: إهماله والغيبة عنه، فإنَّ مَن أعرض عن الذكر، وانهمك في الدنيا، بحيث كانت هي منتهى همته، وقصارى سعيه، لا تزيده الدعوة إلى خلافها إلا عناداً، وإصراراً على الباطل. {ذلك} أي: ما هم فيه من التولِّي، وقصر الإرادة على الحياة الدنيا؛ هو {مبلغُهم من العلم} أي: منتهى علمهم، لا يكادون يُجاوزونه إلى غيره، فلا تُجدي فيهم الدعوة والإرشاد شيئاً. وجمع الضمير بعد أن أفرده باعتبار معنى "مَن" ولفظها، والمراد بالعلم: مطلق الإدراك الشامل للظن الفاسد. {إِنَّ ربك هو أعلم بمَن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بمَن اهتدى} أي: هو أعلم بالضال والمهتدي ومجازاتهما، وهو تعليل الأمر بالإعراض، وتكرير "هو أعلم" لزيادة التقرير، وللإيذان بكمال تباين المعلومين، أي: هو المبالغ في العلم بمَن لا يرعوي عن الضلال، ومَن يَقبل الاهتداء في الجملة، فلا تتعب نفسك في دعوتهم، فإنهم من القبيل الأول. الإشارة: شفاعة كل أحد على قدر جاهه وتمكُّنه من الله، فقد يشفع الوليّ في أهل زمانه، كما تقدّم في مريم. والاعتقاد في الملائكة: أنهم أنوار لطيفة من تجليات الحق، اللطافة فيهم أغلب، لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، يتشكلون كيف شاؤوا. وقوله تعالى: {فأعْرِض عن من تولى عن ذكرنا...} الآية، فيه تحذير من مخالطة الغافلين والصحبة لهم، فإنَّ صُحبتهم سُم قاتل، والجلوس معهم تضييع وبطالة، إلا أن يستولي نورُ مَن يصحبهم على ظلمتهم، فيجرّهم إلى الله، فهذا جلوسه معهم كمال، وقال بعضهم: الوحدة أفضل من الجلوس مع العامة، والجلوس مع الخاصة أفضل من العزلة، إلا مَن تحقق كماله، فلا كلام معه. إشارة أخرى: {وكم من ملك...} الخ، أي: كثير من الأرواح الصافية السماوية لا تُغني شفاعتها في الأنفس الظلمانية الطبيعية، لتنقلها من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، إلا مِن بعد أنْ يأذن اللّهُ لمَن يشاء انتقاله وعروجه إلى سماء الأرواح، ويرضى أن يُسكنه في الحضرة القدسية. إن الذين لا يؤمنون بالحالة الآخرة، هي الانتقال من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، ويُنكرون على مَن يُوصل إليها، لَيُسَمُّون الخواطر القلبية بتسمية الخواطر النفسانية، أي: لا يُميِّزون بينهما، لجهلهم بأحوال القلوب، ما لهم به - أي: بهذا التمييز - من علم، إن يتبعون في جُلّ اعتقاداتهم إلا الظن القوي، وإنَّ الظن لا يُغني عن الحق شيئاً، فلا ينفع مقام الإيمان إلا الجزم عن دليل وبرهان، ولا في مقام الإحسان إلا شهود الحق بالعيان، فمَن لم يحصل هذا فهو غافل عن ذكر الله الحقيقي، يجب الإعراض عنه، قال تعالى: {فأعْرِضْ عن من تولى عن ذكرنا ولم يُرد إلا الحياة الدنيا} وزخارفها، ذلك مبلغهم من العلم، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون. وقال اللجائي، في قطبه: وإياك أن تكون دنياك إرادة قلبك تبعاً لشهوات نفسك، أو تكون دنياك أحب إليك من آخرتك، وقلبك من ذكر مولاك خالياً معرضاَ، فإنها صفة الهالكين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {فأعْرِض عن من تولى عن ذكرنا...} الآية. وقيل لأبي الحسن الشاذلي: يا سيدي، بمَ فُقْتَ أهلَ عصرك، ولم نرَ كل كبير عمل؟ فقال: بخصلة، أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وتمسكتُ بها أنا، وهي الإعراض عنكم وعن دنياكم. هـ. إن ربك هو أعلم بمَن ضَلَّ عن طريق الوصول إليه، وهو أعلم بمن اهتدى إليها، فيُعينه، ويجذبه إلى حضرته، فإن الأمر كله بيده، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}.

الطوسي

تفسير : خمس آيات كوفي وأربع في ما عداه، عدّ الشاميون {فأعرض عن من تولى} ولم يعده الباقون. وعد الكوفيون {من الحق شيئاً} ولم يعده الباقون وعد الكل {الحياة الدنيا} إلا الشاميون، فانهم عدّوا آخر الآية {اهتدى}. يقول الله تعالى مخبراً بان كثيراً من ملائكة السموات {لا تغني شفاعتهم} أي لا تنفع شفاعتهم فى غيرهم باسقاط العقاب عنهم {شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء} ان يشفعوا فيه ويطلق لهم ذلك {ويرضى} ذلك، وقيل: إن الغرض بذلك الانكار على عبدة الاوثان وقولهم: إنها تشفع لأن الملك إذا لم تغن شفاعته شيئاً فشفاعة من دونة أبعد من ذلك. وفي ذلك التحذير من الاتكال على الشفاعة، لانه إذا لم يغن شفاعة الملائكة كان شفاعة غيرهم أبعد من ذلك. ولا ينافي ما نذهب اليه من أن النبي صلى الله عليه وآله والائمة والمؤمنين يشفعون في كثير من أصحاب المعاصي، فيسقط عقابهم لمكان شفاعتهم، لان هؤلاء - عندنا - لا يشفعون إلا باذن من الله ورضاه، ومع ذلك يجوز أن لا يشفعوا فيه فالزجر واقع موقعه. ثم أخبر الله تعالى {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي لا يصدقون بالبعث ولا بالثواب ولا بالعقاب {يسمون الملائكة تسمية الأنثى} قال الحسن كانوا يسمون الملائكة بنات الله. ثم قال {وما لهم به من علم} أي بما يقولونه ويسمونه {من علم} أي ليسوا عالمين بذلك {إن يتبعون إلا الظن} أي ليس يتبعون في قولهم ذلك إلا الظن الذي يجوز أن يخطىء ويصيب، وليس معهم شيء من العلم. وقوله {إن الظن لا يغني من الحق شيئاً} معناه إن الظن لا يغني من العلم لأنه لا بد من علم يحسن الفعل حتى يجوز أن يفعل، وإن كان الظن فى بعض الاشياء علامة للحسن، فما أغنى عن العلم. ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله {فأعرض} يا محمد {عمن تولى عن ذكرنا} ولم يقر بتوحيدنا وجحد نبوتك ومال إلى الدنيا ومنافعها {ولم يرد إلا الحياة الدنيا} والتمتع فيها أي لا تقابلهم على أفعالهم واحتملهم، ولم ينهه عن تذكيرهم ووعظهم. ثم قال {ذلك مبلغهم من العلم} ومعناه إن علمهم انتهى إلى نفع الدنيا دون نفع الآخرة، وهو صغير حقير فى نفع الآخرة، فطلبوا هذا وتركوا ذلك جهلا به. ثم قال {إن ربك} يا محمد {هو أعلم} منك ومن جميع الخلق {بمن ضل عن سبيله} أي بمن جار وعدل عن طريق الحق الذي هو سبيله {وهو أعلم بمن اهتدى} اليها فيجازي كل واحد على حسب ذلك إن عملوا طاعة أثابهم عليها وإن عملوا معصية عاقبهم عليها.

الجنابذي

تفسير : {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً} من الاغناء، او شيئاً من عذاب الله {إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ} لهم فى الشّفاعة {لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ} ومن يشاء ويرضى ليس الاّ من تولّى عليّاً (ع) فانّ ما به الرّضا هو اِنْفَحَّة الولاية فما لهم يعبدون الملائكة من دون الله ويسمّون الملائكة بما لا يرضاه الله.

الأعقم

تفسير : {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلاَّ من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} يعني لا يشفع أحد إلا بعد إذن من الله {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة} البعث والجزاء {ليسمّون الملائكة تسمية الأنثى} قيل: قالوا: هم بنات الله {وما لهم به من علم} أي لا يقولون ذلك عن علم {إن يتّبعون} في ذلك {إلاَّ الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً} {فأعرض عن من تولَّى} قيل: أعرض عن مكافأته {عن ذكرنا} قيل: القرآن {ولم يرد إلاَّ الحياة الدنيا} {ذلك مبلغهم من العلم} أي نهاية قدر علمهم حيث آثروا الدنيا على الآخرة {إن ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله} أي دينه {وهو أعلم بمن اهتدى} فيجازي كل أحد بعمله {ولله ما في السماوات وما في الأرض} ملكاً وخلقاً {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} ثم وصف الذين أحسنوا فقال سبحانه: {الذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش} قيل: ان أكثر ما يزيد عقابه على ثواب فاعله كالقتل والزنا ونحو ذلك، وقيل: لا يكفره إلا بالتوبة والفواحش كل قبيح فاحشة، وقيل: الزنا {إلا اللمم} قيل: الصغائر من الذنوب عمداً وسهواً ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} تفسير : [النساء: 31] وهو قول أبي علي وأبو مسلم والقاضي، وقيل: هو ما ألمَّ على القلب أي خطر، وهو حديث النفس بشيء من غير عزم لأن العزم على الكبير كبيرة، فعلى هذا يكون إلاّ بمعنى لكن اللمم، وقيل: إلا بمعنى الواو {إن ربك واسع المغفرة} أي كثير المغفرة يكفر الصغائر باجتناب الكبائر بالتوبة {هو أعلم بكم} بأحوالكم، وقيل: هو أعلم بتفاصيل أموركم وأعمالكم فيجازيكم بها {إذ أنشأكم من الأرض} أي خلق آباءكم آدم من التراب {وإذ أنتم أجنّة في بطون أمّهاتكم} حين الولد في البطن أخذ من الستر، يعني من علم بتفاصيل الجنين وكيفيته لا يخفى عليه شيء من أعمالكم {فلا تزكوا أنفسكم} قيل: لا تمدحوها، وقيل: لا تزكوا أنفسكم بما ليس فيها وهو أحسن ما قيل: فأما تزكية النفس على وجه الاستطالة فلا يجوز {هو أعلم بمن اتقى} الشرك والكبائر، قيل: عمل حسنة وارتدع عن السيئة عن علي (عليه السلام).

اطفيش

تفسير : {وَكَم مِّن مَّلِكٍ} أي كثير {فِي السَّمَٰوَاتِ} لهم الزامي {لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُم} في أقل شيء ولو اجتمعوا عليه {شَيْئاً} من الاغناء {إِلاَّ مِن بَعدِ أَن يَأذَنَ اللهُ} في الشفاعة. {لِمَن يَشَآءُ} من الملائكة أو الناس ان يشفع. {وَيَرضَى} يراه اهلا لذلك فكيف تشفع الاصنام لعبادها فذلك رد على قريش وانما الشفاعة للمسلمين في المسلمين.

اطفيش

تفسير : {وكم مِنْ مَلكٍ في السَّماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً} كم تكثيرية ومن للبيان اى كثير جدا كل منهم ملك لا يشفعون شفاعة ما، أو لا يدفعون ضراً ما، فشيئا مفعول به، أو مفعول مطلق، فالمراد نفى الشفاعة عن الملائكة لا ثبوتها، وعدم نفعها كقوله: شعر : لا ترى الضب ينجحر تفسير : أى فى أرض لا ضب فيها، فضلا عن أن يكون له جحر فيها. وقوله: شعر : على لا حب لا يهتدى بمناره تفسير : أى لا منار فيه، ومن ملك نعت، وفى السماوات نعت ثان، أو نعت لملك، وجملة لا تغنى خبر المبتدأ وهو كم، وإذا لم تغن شفاعة الملائكة فأولى أن لا تغنى شفاعة المعبودات غير الله عز وجل، وضمير الجمع باعتبار معنى كم {إلاَّ من بَعْد أنْ يَأذن الله} لهم فى أن يشفعوا {لِمَن يَشاءُ} أن يشفعوا له {ويَرضَى} أى يرضاه ويراه أهلا للشفاعة من الموحدين العاملين لا للمشركين والفساق، أو المراد إلا من بعد ان يأذن الله عزَّ وجلَّ لمن يشاء من الملائكة أن يكون شفيعا، ويرضاه للشفاعة، وظاهر هذا أن من الملائكة من لا يرضاه الله عز وجل شفيعاً، وكلهم أولياؤه، ولله أن يفعل ما يشاء ويعتبر ما شاء.

الالوسي

تفسير : / {وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً } وإقناطهم عما طمعوا به من شفاعة الملائكة عليهم السلام موجب لإقناطهم عن شفاعة الأصنام بطريق الأولوية {وَكَمْ } خبرية مفيدة للتكثير محلها الرفع على الابتداء، والخير الجملة المنفية، وجمع الضمير في (شفاعتهم) مع إفراد الملك باعتبار المعنى أي وكثير من الملائكة لا تغني شفاعتهم عند الله تعالى شيئاً من الإغناء في وقت من الأوقات. {إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ } لهم في الشفاعة {لِمَن يَشَاء } أن يشفعوا له {وَيَرْضَىٰ } ويراه سبحانه أهلاً للشفاعة من أهل التوحيد والإيمان، وأما من عداهم من أهل الكفر والطغيان فهم من إذن الله تعالى بمعزل وعنه بألف ألف منزل، وجوز أن يكون المراد إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء من الملائكة بالشفاعة ويراه عز وجل أهلاً لها، وأياً مّا كان فالمعنى على أنه إذا كان حال الملائكة في باب الشفاعة كما ذكر فما ظنهم بحال الأصنام، والكلام قيل من باب: شعر : على لاحب لا يهتدى بمناره تفسير : فحاصله لا شفاعة لهم ولا غناء بدون أن يأذن الله سبحانه الخ، وقيل: هو وارد على سبيل الفرض فلا يخالف قوله تعالى: { أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } تفسير : [البقرة: 255]. وقرأ زيد بن علي (شفاعته) بإفراد الشفاعة والضمير، وابن مقسم (شفاعاتهم) بجمعهما وهو اختيار صاحب «الكامل» أبـي القاسم الهذلي، وأفردت الشفاعة في قراءة الجمهور قال أبو حيان: لأنها مصدر ولأنهم لو شفع جميعهم لواحد لم تغن شفاعتهم عنه شيئاً.

ابن عاشور

تفسير : لما بين الله أن أمور الدارين بيد الله تعالى وأن ليس للإِنسان ما تمنّى، ضَرب لذلك مِثالاً من الأماني التي هي أعظم أمانيّ المشركين وهي قولهم في الأصنام {أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه زلفى}تفسير : [الزمر: 3]، وقولهم: {أية : هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه}تفسير : [يونس: 18]، فبينّ إبطال قولهم بطريق فحوى الخطاب وهو أن الملائكة الذين لهم شرف المنزلة لأن الملائكة من سكان السماوات (فهم لا يستطيعون إنكار أنهم أشرف من الأصنام) لا يملكون الشفاعة إلا إذا أذن الله أن يشفع إذا شاء أن يقبل الشفاعة في المشفوع له، فكيف يكون للمشركين ما تمنوا من شفاعة الأصنام للمشركين الذين يقولون {هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه} وهي حجارة في الأرض وليست ملائكة في السماوات، فثبت أن لا شفاعة إلا لمن شاء الله، وقد نفى الله شفاعة الأصنام فبطل اعتقاد المشركين أنهم شفعاؤهم، فهذه مناسبة عطف هذه الجملة على جملة {أية : أم للإنسان ما تمنى}تفسير : [النجم: 24]. وليس هذا الانتقال اقتضاباً لبيان عظم أمر الشفاعة. و{كم} اسم يدل على كثرة العدد وهو مبتدأ والخبر {لا تغني شفاعتهم}. وقد تقدم الكلام على {كم} في قوله تعالى: {أية : سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة} تفسير : في سورة البقرة (211)، وقوله: {أية : وكم من قرية أهلكناها} تفسير : في الأعراف (4). و{في السموات} صفة لـــ {ملك}. والمقصود منها بيان شرفهم بشرف العالم الذي هم أهله، وهو عالم الفضائل ومنازل الأسرار. وجملة {لا تغني شفاعتهم} الخ، خبر عن {كم}، أي لا تغني شفاعة أحدهم فهو عام لوقوع الفعل في سياق النفي، ولإِضافة شفاعة إلى ضميرهم، أي جميع الملائكة على كثرتهم وعلوّ مقدارهم لا تغني شفاعة واحد منهم. و{شيئاً} مفعول مطلق للتعميم، أي شيئاً من الإِغناء لزيادة التنصيص على عموم نفي إغناء شفاعتهم. ولما كان ظاهر قوله: {لا تغني شفاعتهم} يوهم أنهم قد يشفعون فلا تقبل شفاعتهم، وليس ذلك مراداً لأن المراد أنهم لا يجْرَأون على الشفاعة عند الله فلذلك عقب بالاستثناء بقوله: {إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى}، وذلك ما اقتضاه قوله: {أية : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى}تفسير : [الأنبياء: 28] وقوله: {أية : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}تفسير : [البقرة: 225] أي إلا من بعد أن يأذن الله لأحدهم في الشفاعة ويرضى بقبولها في المشفوع له. فالمراد بــــ {لمن يشاء} من يشاؤه الله منهم، أي فإذا أذن لأحدهم قبلت شفاعته. واللام في قوله: {لمن يشاء} هي اللام التي تدخل بعد مادة الشفاعة على المشفوع له فهي متعلقة بشفاعتهم على حد قوله تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى}، وليست اللامُ متعلقة بــــ {يأذن الله}. ومفعول {يأذن} محذوف دل عليه قوله: {لا تغني شفاعتهم}، وتقديره: أن يأذنهم الله. ويجوز أن تكون اللام لتعدية {يأذن} إذا أريد به معنى يستمع، أي أن يُظهر لمن يشاء منهم أنه يقبل منه. ومعنى ذلك أن الملائكة لا يزالون يتقربون بطلب إلحاق المؤمنين بالمراتب العليا كما دل عليه قوله تعالى:{أية : ويستغفرون للذين آمنوا}تفسير : [غافر: 7] وقوله: {أية : ويستغفرون لمن في الأرض}تفسير : [الشورى: 5] فإن الاستغفار دعاء والشفاعة توجه أَعلى، فالملائكة يعلمون إذا أراد الله استجابة دعوتهم في بعض المؤمنين أذن لأحدهم أن يشفع له عند الله فيشفع فتقبل شفاعته، فهذا تقريب كيفية الشفاعة. ونظيره ما ورد في حديث شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في موقف الحشر. وعُطف {ويرضى} على {لمن يشاء} للإِشارة إلى أن إذن الله بالشفاعة يجري على حسب إرادته إذا كان المشفوع له أهلاً لأن يُشفع له. وفي هذا الإِبهام تحريض للؤمنين أن يجتهدوا في التعرض لرضَى الله عنهم ليكونوا أهلاً للعفو عما فرطوا فيه من الأعمال.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}تفسير : [البقرة: 48] الآية، وفي غير ذلك من المواضع.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {شَفَاعَتُهُمْ} (26) - وَكَثيرٌ مِنَ المَلاَئِكَةِ لا تُفيدُ شَفَاعَتُهُمْ شَيئاً إِلاَّ إِذا أَذِنَ لَهُمُ اللهُ تَعَالى بالشَّفَاعَةِ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى عَنْهُمْ. وَإِذا كَانَ هذا حَالَ المَلاَئِكَةِ المُقَرَّبينَ مِنَ اللهِ تَعَالى، فَكَيفَ يَرْجُو هؤُلاءِ الجَاهِلُونَ شَفَاعَةَ أَصْنَامٍ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ، وَهِيَ حِجَارَةٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ؟ لاَ تُغْنِي - لاَ تَدْفَعُ وَلاَ تَنْفَعُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لما اعتقدوا في الأصنام أنها تشفع لهم عند الله، وقال: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ..}تفسير : [الزمر: 3] فردّ الله عليهم بما يُبيِّن بطلان اعتقادهم، فكيف تنتظرون شفاعة الأصنام عند الله، والملائكة المقربون والعباد المكرمون عنده سبحانه ليس لهم شفاعة إلا بإذنه سبحانه. قوله تعالى: {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ ..} [النجم: 26] أي: كثير من الملائكة، فكم هنا خبرية تفيد الكثرة، لأنها تسأل عن عدد لا حصر له {لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ} [النجم: 26]. إذن: هنا شرطان لقبول شفاعة الملائكة، الشرط الأول: أنْ يأذن الله للملَك أنْ يشفع، الثاني: أنْ يرضى عن المشفوع له، ولا يرضى الله إلا عن أهل التوحيد الخالص، فهذه كرامة للشافع، وكرامة للمشفوع فيه. يقول تعالى في آية الكرسي {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ..}تفسير : [البقرة: 255]. فإذا كان هذا حال الملائكة في قبول الشفاعة وهم عباد مُكرمون لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون، وقال عنهم {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [التحريم: 6] فكيف إذن بشفاعة الأصنام؟ ونلاحظ على الأداء القرآني في هذه الآية أن كلمة {مَّلَكٍ ..} [النجم: 26] جاءت بصيغة المفرد، ثم أخبر عن المفرد بصيغة الجمع، فقال {لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ ..} [النجم: 26] ولم يقل شفاعته. قالوا: لأن كم الخبرية تفيد الكثرة، فلما اجتمعت مع المفرد أعطتْه معنى الجمع، فالمعنى {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ ..} [النجم: 26] كثير من الملائكة، والمناسب أن يقول شفاعتهم، بصيغة الجمع.

الأندلسي

تفسير : {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} الآية كم خبرية ومعناها هنا التكثير وهي في موضع رفع الابتداء والخبر لا تغني والغنى جلب النفع ودفع الضر بحسب الأمر الذي يكون فيه الغنى وكم لفظها مفرد ومعناها جمع ولذلك جاء. {لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ} ومعنى. {تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ} كونهم يقولون انهم بنات الله تعالى. {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} بالآخرة هم العرب منكروا البعث. {وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي} ما مدركه العلم لا ينفع فيه الظن وإنما يدرك بالعلم والتيقن. {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ} موادعة منسوخة بآية السيف. {وَلَمْ يُرِدْ} أي لم تتعلق إرادته بغيرها فليس له فكر في سواها. {ذَلِكَ} إشارة إلى تعلقهم بالدنيا وتحصيلها. {مَبْلَغُهُمْ} غايتهم منتهاهم. {مِّنَ ٱلْعِلْمِ} وهو ما تعلقت به علومهم من مكاسب الدنيا كالعلاقة والصنائع كقوله تعالى: {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [الروم: 7] ولما ذكر ما هم عليه أخبر تعالى أنه عالم بالضال والمهتدي هو مجازيهما واللام في {لِيَجْزِيَ} متعلقة بما دل عليه معنى الملك أي يضل ويهدي ليجزي بما عملوا أي بعقاب ما عملوا والحسنة الجنة والكبائر تقدم الكلام عليها. {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} استثناء منقطع لأنه لم يدخل تحت ما قبله وهو صغار الذنوب كالنظرة والقبلة وغير ذلك. {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ} حيث يكفر الصغائر باجتناب الكبائر. {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ} الظاهر أنه خطاب عام وأعلم على بابها من التفضيل والظاهر أن المراد بإِنشائكم أنشأ أصلكم وهو آدم عليه السلام من الأرض. {فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} فلا تنسبوها إلى زكاء العمل والطهارة من المعاصي ولا تنثوا عليها واهضموها فقد علم الله منكم الزكي والتقي والجنين ما كان في البطن فإِذا خرج سمي ولداً أو سقطاً وقوله في بطون أمهاتكم تنبيه على كمال العلم والقدرة فإِن بطن الأم في غاية الظلمة ومن علم حاله وهو مجن لا يخفى عليه حاله وهو ظاهر. {بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} قيل الشرك وقال علي كرم الله وجهه عمل حسنة وارعوى عن معصية. {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ} الآية، قال مقاتل وغيره: نزلت في الوليد بن المغيرة كان قد سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أنه جلس إليه ووعظه فقرب من الإِسلام وطمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أنه عاتبه رجل من المشركين وقال: أتترك ملة آبائك إرجع إلى دينك واثبت عليه وأنا أتحمل عنك بكل شىء تخافه في الآخرة لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال فوافقه الوليد على ذلك ورجع عما هم به من الإِسلام وضل ضلالاً بعيداً وأعطى بعض ذلك المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح. أكدى أصله من الكدية يقال لمن حفر بئراً ثم وصل إلى حجر لا يتهيأ له فيه حفر قد أكدى ثم استعملته العرب لمن أعطى ولم يتمم ولمن طلب شيئاً فلم يبلغ آخره وأفرأيت هنا بمعنى أخبرني ومفعولها الأول موصول والثاني الجملة الاستفهامية وهي أعنده علم الغيب وتتولى أعرض عن الإِسلام. {أَعِندَهُ} إستفهام فيه تهكم إذ ليس عنده شىء من علم الغيب. {فَهُوَ يَرَىٰ} أي الأجزاء. {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ} أي بل ألم يخبر. {بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ} وهي التوراة. {وَإِبْرَاهِيمَ} أي وفي صحف إبراهيم التي نزلت عليه وخص هذين النبيين عليهما السلام قيل لأنه ما بين نوح وإبراهيم كانوا يأخذون الرجل بابنه وأبيه وعمه وخاله والزوج بامرأته والعبد بسيده فأول من خالفهم إبراهيم عليه السلام ومن شريعته عليه السلام إلى شريعة موسى كانوا لا يأخذون الرجل بجريرة غيره وإبراهيم. {ٱلَّذِي وَفَّىٰ} بتبليغ الرسالة والاستقلال بأعبائها والصبر على ذبح ولده وعلى فراق إسماعيل وأمه وعلى نار نمرود وقيامه بإِكرام أضيافه وخدمته إياهم بنفسه وكان يمشي كل يوم فرسخاً يرتاد ضيفاً فإِن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم وإن هي المخففة من الثقيلة وهي بدل من ما في قوله بما في صحف. {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ} الظاهر ان الإِنسان يشمل المؤمن والكافر وان الحصر في السعي فليس له سعي غيره وسأل والي خراسان عبد الله بن طاهر الحسين بن الفضل عن هذه الآية مع قوله والله يضاعف لمن يشاء فقال ليس له بالعدل إلا ما سعى وله بالفضل ما شاء الله فقبل عبد الله رأى الحسين والسعي التكسب ويرى مبني للمفعول أي سوف يراه حاضراً يوم القيامة وفي عرض الأعمال تشريف للمحسنين وتوبيخ للمسيئين والضمير المرفوع في يجزاه عائد على الإِنسان والمنصوب عائد على السعي والجزاء مصدر. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون الضمير للجزاء ثم فسره بقوله: الجزاء الأوفى أو أبدله من كقوله: {أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تفسير : [الأنبياء: 3] "انتهى". وقوله: ثم فسره بقوله الجزاء وإذا كان تفسيراً للضمير المنصوب في يجزاه فعلى ماذا انتصابه وأما إذا كان بدلاً فهو من باب بدل الظاهر من المضمر الذي يفسره الظاهر وهي مسألة خلاف والصحيح المنع. {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي إلى أجزاء ربك. {ٱلْمُنتَهَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} الظاهر حقيقة الضحك والبكاء. {وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ} أي المصطحبين من رجل وامرأة وغيرهما من الحيوان. {مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ} أي إذا تدفق وهو المني يقال أمنى الرجل ومني. {وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ} أي إعادة الأجسام إلى الحشر بعد البلى وجاء بلفظ عليه المشعرة بالتحتم لوجود الشىء لما كانت هذه النشأة ينكرها الكفار بولغ بقوله عليه بوجودها لا محالة وكأنه تعالى أوجب ذلك على نفسه. {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ} أي أكسب الغنية يقال: قنيت المال أي كسبته وأقنيته إياه أي أكسبته إياه ولم يذكر متعلق أغنى وأقنى لأن المقصود نسبة هذين الفعلين له تعالى والشعري التي عبدت هي العبور قال السدي: كانت تعبدها حمير وخزاعة وهي تقطع السماء طولاً والنجوم كلها تقطعها عرضاً. {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ} جاء بين أن وخبرها لفظ هو وذلك في قوله: وأنه هو أضحك وأنه هو أمات وأنه هو أغنى وأنه هو رب الشعرى ففي الثلاثة الأول لما كان قد يدعي ذلك بعض الناس كقول نمروذ أنا أحيي وأميت احتيج إلى تأكيد في أن ذلك هو الله لا غيره فهو الذي يضحك ويبكي وهو المميت المحيي والمغني والمقني حقيقة ان أدعى ذلك أحد فلا حقيقة له وأما وأنه هو رب الشعرى فلأنها لما عبدت من دون الله تعالى نص على أنه تعالى هو ربها وموجدها ولما كان خلق الزوجين والإِنشاء الأخير وإهلاك عاد ومن ذكر لا يمكن أن يدعي ذلك أحد لم يحتج إلى تأكيد ولا تنصيص أنه تعالى هو فاعل ذلك وعاد الأولى هم قوم هود وعاد الأخرى إرم. {وَقَوْمَ نُوحٍ} أي كانوا أكفر من قريش. {وَأَطْغَىٰ} وفي ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يجوز أن يكون تأكيداً للضمير المنصوب ويجوز أن يكون فصلاً لأنه واقع بين معرفة وافعل التفضيل وحذف المفضول بعد الواقع خبراً لكن لأنه جار مجرى خبر المبتدأ وحذفه فصيح فيه فكذلك في خبر كان. {وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ} هي مدائن قوم لوط بإِجماع من المفسرين. وسميت بذلك لأنها انقلبت ومنه الأفك لأنه قلب الحق كذباً أفكه فائتفك والظاهر أن أهوى ناصب للمؤتفكة وأخر العامل لكونه فاصلة. {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ} فيه تهويل للعذاب الذي حل بهم لما قبلها جبريل عليه السلام اتبعت حجارة غشيتهم والتضعيف في غشاها للتعدية فتكون ما مفعولة والفاعل ضمير عائد على الله تعالى. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكَ} الباء ظرفية والخطاب للسامع. و{تَتَمَارَىٰ} تتشكك وهو استفهام في معنى الإِنكار أي آلاؤه وهي النعم لا يتشكك فيها سامع وقد سبق ذكر نعم ونقم وأطلق عليها كلها آلاء لما في النقم من الزجر والوعظ لمن اعتبر. وقرأ يعقوب: ربك تمارى بتاء واحدة مشدّدة. {هَـٰذَا نَذِيرٌ} الاشارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح أول السورة به واختتم آخرها به ولما ذكر إهلاك من تقدم ذكره وذكر قوله هذا نذير ذكر أن الذي أنذر به قريب الوقوع فقال: {أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ} أي قربت الموصوفة بالقرب في قوله اقتربت الساعة وهي القيامة. {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ} أي نفس كاشفة تكشف وقتها وتعلمه لا يعلم ذلك إلا الله تعالى. {أَفَمِنْ هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} هو القرآن تعجبون فتنكرون وتضحكون مستهزئين {وَلاَ تَبْكُونَ} جزعاً من وعيده. {وَأَنتُمْ سَامِدُونَ} أي لاهون روي أنه صلى الله عليه وسلم لم ير ضاحكاً بعد نزولها. {فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ} أي صلوا له. {وَٱعْبُدُواْ} أفردوه بالعبادة ولا تعبدوا اللات والعزى ومناة والشعرى وغيرها من الأصنام.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى منكرا على من عبد غيره من الملائكة وغيرهم، وزعم أنها تنفعه وتشفع له عند الله يوم القيامة: { وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ } من الملائكة المقربين، وكرام الملائكة، { لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا } أي: لا تفيد من دعاها وتعلق بها ورجاها، { إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى } أي: لا بد من اجتماع الشرطين: إذنه تعالى في الشفاعة، ورضاه عن المشفوع له. ومن المعلوم المتقرر، أنه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجه الله، موافقا فيه صاحبه الشريعة، فالمشركون إذا لا نصيب لهم من شفاعة الشافعين، وقد سدوا على أنفسهم رحمة أرحم الراحمين.