٥٣ - ٱلنَّجْم
53 - An-Najm (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : وقد بينا ذلك في سورة الطور واستدللنا بهذه الآية ونذكر ما يقرب منه ههنا فنقول {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ } هم الذين لا يؤمنون بالرسل ولا يتبعون الشرع، وإنما يتبعون ما يدعون أنه عقل فيقولون أسماء الله تعالى ليست توقيفية، ويقولون الولد هو الموجود من الغير ويستدلون عليه بقول أهل اللغة: كذا يتولد منه كذا، يقال الزجاج يتولد من الآجر بمعنى يوجد منه، وكذا القول في بنت الكرم وبنت الجبل، ثم قالوا الملائكة وجدوا من الله تعالى فهم أولاده بمعنى الإيجاد ثم إنهم رأوا في الملائكة تاء التأنيث وصح عندهم أن يقال سجدت الملائكة فقالوا: بنات الله، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنثَىٰ } أي كما سمي الإناث بنات. وفيه مسائل: المسألة الأولى: كيف يصح أن يقال إنهم لا يؤمنون بالآخرة مع أنهم كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وكان من عادتهم أن يربطوا مركوباً على قبر من يموت ويعتقدون أنه يحشر عليه؟ فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أنهم لما كانوا لا يجزمون به كانوا يقولون لا حشر، فإن كان فلنا شفعاء يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجّعْتُ إِلَىٰ رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ } تفسير : [فصلت: 50] ثانيهما: أنهم ما كانوا يعترفون بالآخرة على الوجه (الحق) وهو ما ورد به الرسل. المسألة الثانية: قال بعض الناس أنثى فعلى من أفعل يقال في فعلها آنث ويقال في فاعلها آنث يقال حديد ذكر وحديد أنيث، والحق أن الأنثى يستعمل في الأكثر على خلاف ذلك بدليل جمعها على إناث. المسألة الثالثة: كيف قال تسمية الأنثى ولم يقل تسمية الإناث؟ نقول عنه جوابان أحدهما: ظاهر والآخر دقيق، أما الظاهر فهو أن المراد بيان الجنس، وهذا اللفظ أليق بهذا الموضع لما جاء على وفقه آخر الآيات. والدقيق هو أنه لو قال يسمونهم تسمية الإناث كان يحتمل وجهين: أحدهما: البنات وثانيهما: الأعلام المعتادة للإناث كعائشة وحفصة، فإن تسمية الإناث كذلك تكون فإذا قال تسمية الأنثى تعين أن تكون للجنس وهي البنت والبنات، ومناسبة هذه الآية لما قبلها هي أنهم لما قيل لهم إن الصنم جماد لا يشفع وبيّن لهم إن أعظم أجناس الخلق لا شفاعة لهم إلا بالإذن قالوا نحن لا نعبد الأصنام لأنها جمادات وإنما نعبد الملائكة بعباتها فإنها على صورها وننصبها بين أيدينا ليذكرنا الشاهد والغائب، فنعظم الملك الذي ثبت أنه مقرب عظيم الشأن رفيع المكان فقال تعالى رداً عليهم كيف تعظمونهم وأنتم تسمونهم تسمية الأنثى، ثم ذكر فيه مستندهم في ذلك وهو لفظ الملائكة، ولم يقل إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى بل قال: {لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ } فإنهم اغتروا بالتاء واغترارهم باطل لأن التاء تجيء لمعان غير التأنيث الحقيقي والبنت لا تطلق إلا على المؤنث الحقيقي بالإطلاق والتاء فيها لتأكيد معنى الجمع كما في صياقلة وهي تشبه تلك التاء، وذلك لأن الملائكة في المشهور جمع ملك، والملك اختصار من الملأك بحزف الهمزة، والملأك قلب المألك من الألوكة وهي الرسالة، فالملائكة على هذا القول مفاعلة، والأصل مفاعل ورد إلى ملائكة في الجمع فهي تشبه فعائل وفعائلة، والظاهر أن الملائكة فعائل جمع مليكي منسوب إلى المليك بدليل قوله تعالى: {عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } في وعد المؤمن، وقال في وصف الملائكة {أية : ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ } تفسير : [الأعراف: 206] وقال أيضاً في الوعد {أية : وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ } تفسير : [صۤ: 40] وقال في وصف الملائكة {أية : وَلاَ ٱلْمَلَـئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } تفسير : [النساء: 172] فهم إذن عباد مكرمون اختصهم الله بمزيد قربه {أية : وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : [النحل: 50] كأمر الملوك والمستخدمين عند السلاطين الواقفين بأبوابهم منتظرين لورود أمر عليهم، فهم منتسبون إلى المليك المقتدر في الحال فهم مليكيون وملائكة فالتاء للنسبة في الجمع كما في الصيارفة والبياطرة. فإن قيل هذا باطل من وجوه الأول: أن أحداً لم يستعمل لواحد منهم مليكي كما استعمل صيرفي والثاني: أن الإنسان عندما يصير عند الله تعالى يجب أن يكون من الملائكة، وليس كذلك لأن المفهوم من الملائكة جنس غير الآدمي الثالث: هو أن فعائلة في جمع فعيلى لم يسمع وإنما يقال فعيلة كما يقال جاء بالتميمة والحقيبة الرابع: لو كان كذلك لما جمع ملك؟ نقول: الجواب عن الأول: أما عدم استعمال واحده فمسلم وهو لسبب وهو أن الملك كلما كان أعظم كان حكمه وخدمه وحشمه أكثر، فإذا وصف بالعظمة وصف بالجمع فيقال صاحب العسكر الكثير ولا يوصف بواحد وصف تعظيم، وأما ذلك الواحد فإن نسب إلى المليك عين للخبر بأن يقال هذا مليكي وذلك عندما تعرف عينه فتجعله مبتدأ وتخبر بالمليكي عنه، والملائكة لم يعرفوا بأعيانهم إلا قليلاً منهم كجبريل وميكائيل، وحينئذ لا فائدة في قولنا جبريل مليكي، لأن من عرف الخبر ولا يصاغ الحمل إلا لبيان ثبوت الخبر للمبتدأ فلا يقال للإنسان حيوان أو جسم لأنه إيضاح واضح، اللّهم إلا أن يستعمل ذلك في ضرب مثال أو في صورة نادرة لغرض، وأما أن ينسب إلى المليك وهو مبتدأ فلا، لأن العظمة في أن يقول واحد من الملائكة فنبه على كثرة المقربين إليه كما تقول واحد من أصحاب الملك ولا تقول صاحب الملك، فإذا أردت التعظيم البالغ فعند الواحد استعمل اسم الملك غير منسوب بل هو موضوع لشدته وقوته كما قال تعالى: {أية : ذُو مِرَّةٍ } تفسير : [النجم: 6] و {أية : ذِى قُوَّةٍ } تفسير : [التكوير: 20] فقال: {أية : شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } تفسير : [النجم: 5] و م ل ك تدل على الشدة في تقاليبها على ما عرف وعند الجمع استعمل الملائكة للتعظيم، كما قاله تعالى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } تفسير : [المدثر: 31]. الجواب عن الثاني: نقول قد يكون الاسم في الأول لوصف يختص ببعض من يتصف به وغيره لو صار متصفاً بذلك الوصف لا يسمى بذلك الاسم كالدابة فاعلة من دب، ولا يقال للمرأة ذات الدب دابة اسماً وربما يقال لها صفة عند حالة ما تدب بدب مخصوص غير الدب العام الذي في الكل كما لو دبت بليل لأخذ شيء أو غيره، أو يقال إنما سميت الملائكة ملائكة لطول انتسابهم من قبل خلق الآدمي بسنين لا يعلم عددها إلا الله، فمن لم يصل إلى الله ويقوم ببابه لا يحصل له العهد والانتساب فلا يسمى بذلك الاسم. الجواب عن الثالث: نقول الجموع القياسية لا مانع لها كفعال في جمع فعل كجال وثمار وأفعال كأثقال وأشجار وفعلان وغيرها، وأما السماع وإن لم يرد إلا قليلاً فاكتفى بما فيه من التعظيم من نسبة الجمع إلا باب الله ويكون من باب المرأة والنساء. الجواب عن الرابع: فالمنع ولعل هذا منه أو نقول حمل فعيلى على فعيل في الجمع كما حمل فيعل في الجمع على فعيل فقيل في جمع جيد جياد ولا يقال في فعيل أفاعل، ويؤيد ما ذكرنا أن إبليس عندما كان واقفاً بالباب كان داخلاً في جملة الملائكة، فنقول قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ } تفسير : [الكهف: 50] عندما صرف وأبعد خرج عنهم وصار من الجن. وأما ما قاله بعض أهل اللغة من أن الملائكة جمع ملأك، وأصل ملأك مألك من الألوكة وهي الرسالة ففيه تعسفات أكثر مما ذكرنا بكثير، منها أن الملك لا يكون فعل بل هو مفعل وهو خلاف الظاهر، ولم لم يستعمل مآلك على أصله كمآرب ومآثم ومآكل وغيرها مما لا يعد إلا بتعسف؟ ومنها أن ملكاً لم جعل ملأك ولم يفعل ذلك بأخواته التي ذكرناها؟ ومنها أن التاء لم ألحقت بجمعه ولم لم يقل ملائك كما في جمع كل مفعل؟ والذي يرد قولهم قوله تعالى: {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } تفسير : [فاطر: 1] فهي غير الرسل فلا يصح أن يقال جعلت الملائكة رسلاً كما لا يصح جعلت الرسل مرسلين وجعل المقترب قريباً، لأن الجعل لا بد فيه من تغيير ومما يدل على خلاف ما ذكروا أن الكل منسوبون إليه موقوفون بين يديه منتظرون أمره لورود الأوامر عليهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} هم الكفار الذين قالوا الملائكة بنات الله والأصنام بنات الله. {لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ} أي كتسمية الأنثى، أي يعتقدون أن الملائكة إناث وأنهم بنات الله. {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ} أي إنهم لم يشاهدوا خلقه الملائكة، ولم يسمعوا ما قالوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يروه في كتاب. {إِن يَتَّبِعُونَ} أي ما يتبعُونَ {إِلاَّ ٱلظَّنَّ} في أن الملائكة إناث. {وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً}. قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَمَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا} يعني القرآن والإيمان. وهذا منسوخ بآية السيف. {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} نزلت في النَّضر. وقيل: في الوليد. {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} أي إنما يبصرون أمر دنياهم ويجهلون أمر دينهم. قال الفراء: صغّرهم وٱزدرى بهم؛ أي ذلك قدر عقولهم ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة. وقيل: أن جعلوا الملائكة والأصنام بنات الله. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} أي حاد عن دينه {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ} فيجازي كُلاًّ بأعمالهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منكراً على المشركين في تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى، وجعلهم لها أنها بنات الله، تعالى الله عن ذلك؛ كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْـئَلُونَ} تفسير : [الزخرف: 19] ولهذا قال تعالى: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ} أي ليس لهم علم صحيح يُصَدِّق ما قالوه، بل هو كذب وزور، وافتراء وكفر شنيع.{إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} أي: لا يجدي شيئاً، ولا يقوم أبداً مقام الحق، وقد ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث»تفسير : وقوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا} أي: أعرض عن الذي أعرض عن الحق، واهجره. وقوله: {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} أي: وإنما أكثر همه ومبلغ علمه الدنيا، فذاك هو غاية ما لا خير فيه، ولهذا قال تعالى: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} أي: طلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا إليه. وقد روى الإمام أحمد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له» تفسير : وفي الدعاء المأثور: «حديث : اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا» تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ} أي: هو الخالق لجميع المخلوقات، والعالم بمصالح عباده، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وذلك كله عن قدرته وعلمه وحكمته، وهو العادل الذي لا يجور أبداً، لا في شرعه، ولا في قدره.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَٰئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأَنثَىٰ } حيث قالوا هم بنات الله.
الشوكاني
تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلآنثَىٰ } أي: أن هؤلاء الذين لا يؤمنون بالبعث، وما بعده من الدار الآخرة، وهم الكفار يضمون إلى كفرهم مقالة شنعاء، وجهالةً جهلاء، وهي أنهم يسمون الملائكة المنزهين عن كل نقص تسمية الأنثى، وذلك أنهم زعموا أنها بنات الله، فجعلوهم إناثاً، وسموهم بنات {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ } هذه الجملة في محل نصب على الحال، أي: يسمونهم هذه التسمية، والحال أنهم غير عالمين بما يقولون، فإنهم لم يعرفوهم، ولا شاهدوهم، ولا بلِّغ إليهم ذلك من طريق من الطرق التي يخبر المخبرون عنها، بل قالوا ذلك جهلاً وضلالةً وجرأة. وقرىء (ما لهم بها) أي: بالملائكة، أو التسمية {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } أي: ما يتبعون في هذه المقالة إلاّ مجرّد الظنّ، والتوهم. ثم أخبر سبحانه عن الظنّ وحكمه، فقال: {وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئاً } أي: إن جنس الظنّ لا يغني من الحق شيئًا من الإغناء، والحقّ: هنا العلم. وفيه دليل على أن مجرّد الظن لا يقوم مقام العلم، وأن الظانّ غير عالم. وهذا في الأمور التي يحتاج فيها إلى العلم، وهي المسائل العلمية؛ لا فيما يكتفي فيه بالظنّ، وهي المسائل العملية، وقد قدّمنا تحقيق هذا. ولا بدّ من هذا التخصيص، فإن دلالة العموم والقياس وخبر الواحد، ونحو ذلك ظنية، فالعمل بها عمل بالظن، وقد وجب علينا العمل به في مثل هذه الأمور، فكانت أدلة وجوبه العمل به فيها مخصصة لهذا العموم، وما ورد في معناه من الذمّ؛ لمن عمل بالظن؛ والنهي عن اتباعه. {فَأَعْرَضَ عمن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا } أي: أعرض عن ذكرنا، والمراد بالذكر هنا: القرآن، أو ذكر الآخرة، أو ذكر الله على العموم، وقيل: المراد بالذكر هنا: الإيمان، والمعنى: اترك مجادلتهم، فقد بلغت إليهم ما أمرت به، وليس عليك إلاّ البلاغ، وهذا منسوخ بآية السيف {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } أي: لم يرد سواها، ولا طلب غيرها بل قصر نظره عليها، فإنه غير متأهل للخير، ولا مستحقّ للاعتناء بشأنه. ثم صغر سبحانه شأنهم وحقر أمرهم، فقال: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مّنَ ٱلْعِلْمِ } أي: إن ذلك التولي وقصر الإرادة على الحياة الدنيا هو مبلغهم من العلم ليس لهم غيره، ولا يلتفتون إلى سواه من أمر الدين. قال الفرّاء: أي: ذلك قدر عقولهم، ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة، وقيل: الإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى جعلهم للملائكة بنات الله، وتسميتهم لهم تسمية الأنثى، والأوّل أولى. والمراد بالعلم هنا: مطلق الإدراك الذي يندرج تحته الظنّ الفاسد، والجملة مستأنفة لتقرير جهلهم، واتباعهم مجرّد الظن، وقيل: معترضة بين المعلل والعلة وهي قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ }، فإن هذا تعليل للأمر بالإعراض، والمعنى: أنه سبحانه أعلم بمن حاد عن الحق، وأعرض عنه، ولم يهتد إليه، وأعلم بمن اهتدى، فقبل الحق، وأقبل إليه، وعمل به، فهو مجاز كل عامل بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشرّ. وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإرشاد له بأن لا يتعب نفسه في دعوة من أصرّ على الضلالة، وسبقت له الشقاوة، فإن الله قد علم حال هذا الفريق الضال، كما علم حال الفريق الراشد. ثم أخبر سبحانه عن سعة قدرته، وعظيم ملكه، فقال: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ } أي: هو المالك لذلك، والمتصرّف فيه لا يشاركه فيه أحد، واللام في: {لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ } متعلقة بما دلّ عليه الكلام، كأنه قال: هو مالك ذلك يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء ليجزي المسيء بإساءته، والمحسن بإحسانه. وقيل: إن قوله: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ } معترضة، والمعنى: إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى ليجزي، وقيل: هي لام العاقبة، أي: وعاقبة أمر الخلق الذين فيهم المحسن والمسيء أن يجزي الله كلاً منهما بعمله. وقال مكي: إن اللام متعلقة بقوله: {لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ} وهو بعيد من حيث اللفظ، ومن حيث المعنى. قرأ الجمهور: {ليجزي} بالتحتية. وقرأ زيد بن عليّ بالنون، ومعنى {بِٱلْحُسْنَى } أي: بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، أو بسبب أعمالهم الحسنى. ثم وصف هؤلاء المحسنين، فقال: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإثْمِ وَٱلْفَوٰحِشَ } فهذا الموصول في محل نصب على أنه نعت للموصول الأوّل في قوله: {ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } وقيل: بدل منه، وقيل: بيان له، وقيل: منصوب على المدح بإضمار أعني، أو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين يجتنبون كبائر الإثم. قرأ الجمهور {كبائر} على الجمع. وقرأ حمزة، والكسائي، والأعمش، ويحيى بن وثاب: {كبير} على الإفراد، والكبائر: كل ذنب توعد الله عليه بالنار، أو ذمّ فاعله ذماً شديداً، ولأهل العلم في تحقيق الكبائر كلام طويل. وكما اختلفوا في تحقيق معناها وماهيتها اختلفوا في عددها، والفواحش جمع فاحشة: وهي ما فحش من كبائر الذنوب كالزنا، ونحوه. وقال مقاتل: كبائر الإثم كل ذنب ختم بالنار، والفواحش: كل ذنب فيه الحد، وقيل: الكبائر: الشرك، والفواحش: الزنا، وقد قدّمنا في سورة النساء ما هو أبسط من هذا، وأكثر فائدة، والاستثناء بقوله: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ } منقطع، وأصل اللمم في اللغة: ما قلّ وصغر، ومنه ألمّ بالمكان: قلّ لبثه فيه، وألمّ بالطعام: قل أكله منه. قال المبرد: أصل اللمم أن تلمّ بالشيء من غير أن تركبه يقال: ألم بكذا: إذا قاربه ولم يخالطه. قال الأزهري: العرب تستعمل الإلمام في معنى الدنوّ والقرب، ومنه قول جرير: شعر : بنفسي من تجنبه عزيز عليّ ومن زيارته لمام تفسير : وقول الآخر:شعر : متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطباً جزلاً وناراً تأججاً تفسير : قال الزجاج: أصل اللمم والإلمام: ما يعمله الإنسان المرّة بعد المرّة، ولا يتعمق فيه، ولا يقيم عليه، يقال: ألممت به: إذا زرته، وانصرفت عنه، ويقال: ما فعلته إلاّ لماماً وإلماماً، أي: الحين بعد الحين، ومنه إلمام الخيال. قال الأعشى:شعر : ألمّ خيال من قبيلة بعد ما وهَى حبلها من حبلنا فتصرّما تفسير : قال في الصحاح: ألمّ الرجل من ألمم وهو صغائر الذنوب، ويقال: هو مقاربة المعصية من غير مواقعة، وأنشد غيره:شعر : بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب وقلّ أن تملينا فما ملك القلب تفسير : وقد اختلفت أقوال أهل العلم في تفسير هذا اللمم المذكور في الآية، فالجمهور على أنه صغائر الذنوب، وقيل: هو ما كان دون الزنا من القبلة، والغمزة، والنظرة، وقيل: هو الرجل يلم بذنب، ثم يتوب، وبه قال مجاهد، والحسن، والزهري، وغيرهم، ومنه:شعر : إن تغفر اللَّهم تغفر جمّا وأيّ عبد لك إلاّ ألمّا تفسير : اختار هذا القول الزجاج، والنحاس، وقيل: هو ذنوب الجاهلية، فإن الله لا يؤاخذ بها في الإسلام، وقال نفطويه: هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة. قال: والعرب تقول: ما تأتينا إلاّ إلماماً، أي: في الحين بعد الحين، قال: ولا يكون أن يلمّ ولا يفعل؛ لأن العرب لا تقول: ألمّ بنا إلاّ إذا فعل، لا إذا همّ ولم يفعل، والراجح الأول، وجملة: {إِنَّ رَبَّكَ وٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ } تعليل لما تضمنه الاستثناء، أي: إن ذلك وإن خرج عن حكم المؤاخذة، فليس يخلو عن كونه ذنباً يفتقر إلى مغفرة الله، ويحتاج إلى رحمته، وقيل: إنه سبحانه يغفر لمن تاب عن ذنبه. ثم ذكر سبحانه إحاطة علمه بأحوال عباده، فقال: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ ٱلأرْضِ } أي: خلقكم منها في ضمن خلق أبيكم آدم. وقيل: المراد آدم، فإنه خلقه من طين {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ } أي: هو أعلم بأحوالكم وقت كونكم أجنة، والأجنة جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن سمي بذلك لاجتنانه، أي: استتاره، ولهذا قال: {فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ } فلا يسمى من خرج عن البطن جنيناً، والجملة مستأنفة؛ لتقرير ما قبلها {فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } أي: لا تمدحوها ولا تبرئوها عن الآثام ولا تثنوا عليها، فإن ترك تزكية النفس أبعد من الرياء، وأقرب إلى الخشوع، وجملة {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ }: مستأنفة مقررة للنهي، أي: هو أعلم بمن اتقى عقوبة الله، وأخلص العمل له. قال الحسن: وقد علم سبحانه من كل نفس ما هي عاملة، وما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة. ثم لما بيّن سبحانه جهالة المشركين على العموم خصّ بالذمّ بعضهم فقال: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ } أي: تولى عن الخير، وأعرض عن اتباع الحق {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ } أي: أعطى عطاءً قليلاً، أو أعطى شيئًا قليلاً، وقطع ذلك وأمسك عنه، وأصل أكدى من الكدية وهي الصلابة، يقال لمن حفر بئراً ثم بلغ فيها إلى حجر لا يتهيأ له فيه حفر: قد أكدى، ثم استعملته العرب لمن أعطى فلم يتمّ، ولمن طلب شيئًا فلم يبلغ آخره، ومنه قول الحطيئة:شعر : فأَعطى قليلاً ثم أكْدَى عطاؤه ومن يَبْذُلِ المعروف في الناس يحمد تفسير : قال الكسائي، وأبو زيد، ويقال: كديت أصابعه: إذا محلت من الحفر، وكدت يده: إذا كلت، فلم تعمل شيئًا، وكدت الأرض: إذا قل نباتها، وأكديت الرجل عن الشيء رددته، وأكدى الرجل: إذا قلّ خيره. قال الفراء: معنى الآية: أمسك من العطية وقطع. وقال المبرد: منع منعاً شديداً. قال مجاهد، وابن زيد، ومقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دينه، فعيره بعض المشركين، فترك ورجع إلى شركه. قال مقاتل: كان الوليد مدح القرآن، ثم أمسك عنه، فأعطى قليلاً من لسانه من الخير ثم قطعه. وقال الضحاك: نزلت في النضر بن الحارث. وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في أبي جهل {أعنده عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ} الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والمعنى: أعند هذا المكدي علم ما غاب عنه من أمر العذاب، فهو يعلم ذلك {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ } أي: ألم يخبر، ولم يحدّث بما في صحف موسى، يعني: أسفاره، وهي التوراة، وبما في صحف إبراهيم، الذي وفى أي: تمم وأكمل ما أمر به. قال المفسرون: أي: بلغ قومه ما أمر به وأدّاه إليهم، وقيل: بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه، ثم بيّن سبحانه ما في صحفهما، فقال: {أَلاَّ تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } أي: لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى، ومعناه: لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، وأن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن مقدّر، وخبرها الجملة بعدها، ومحل الجملة الجرّ على أنها بدل من صحف موسى، وصحف إبراهيم، أو الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، وقد مضى تفسير هذه الآية في سورة الأنعام {وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } عطف على قوله: {أَلاَّ تَزِرُ } وهذا أيضاً مما في صحف موسى، والمعنى: ليس له إلاّ أجر سعيه، وجزاء عمله، ولا ينفع أحداً عمل أحد، وهذا العموم مخصوص بمثل قوله سبحانه: {أية : أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ }تفسير : [الطور: 21]، وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء، والملائكة للعباد، ومشروعية دعاء الأحياء للأموات، ونحو ذلك، ولم يصب من قال: إن هذه الآية منسوخة بمثل هذه الأمور، فإن الخاصّ لا ينسخ العام بل يخصصه، فكل ما قام الدليل على أن الإنسان ينتفع به وهو من غير سعيه، كان مخصصاً لما في هذه الآية من العموم: {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ } أي: يعرض عليه ويكشف له يوم القيامة {ثُمَّ يُجْزَاهُ } أي: يجزى الإنسان سعيه، يقال: جزاه الله بعمله، وجزاء على عمله، فالضمير المرفوع عائد إلى الإنسان، والمنصوب إلى سعيه. وقيل: إن الضمير المنصوب راجع إلى الجزاء المتأخر وهو قوله: {ٱلْجَزَاء ٱلأوْفَىٰ } فيكون الضمير راجعاً إلى متأخر عنه هو مفسر له، ويجوز أن يكون الضمير المنصوب راجعاً إلى الجزاء الذي هو مصدر يجزاه، ويجعل الجزاء الأوفى تفسيراً للجزاء المدلول عليه بالفعل، كما في قوله: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ }تفسير : [المائدة: 8] قال الأخفش: يقال: جزيته الجزاء، وجزيته بالجزاء سواءً لا فرق بينهما. {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } أي: المرجع والمصير إليه سبحانه لا إلى غيره، فيجازيهم بأعمالهم. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإثْمِ وَٱلْفَوٰحِشَ } قال: الكبائر: ما سمى الله فيه النار، والفواحش: ما كان فيه حدّ الدنيا. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدّق ذلك، أو يكذبه»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود في قوله: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ } قال: زنا العينين: النظر، وزنا الشفتين: التقبيل، وزنا اليدين: البطش، وزنا الرجلين: المشي، ويصدّق ذلك الفرج، أو يكذبه، فإن تقدم بفرجه كان زانياً، وإلاّ فهو اللمم. وأخرج مسدد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنه سئل عن قوله: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ } قال: هي: النظرة، والغمزة، والقبلة، والمباشرة، فإذا مسّ الختان الختان، فقد وجب الغسل، وهو الزنا. وأخرج سعيد بن منصور، والترمذي وصححه، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال في قوله: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ } هو: الرجل يلم بالفاحشة، ثم يتوب منها. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:شعر : إن تغفر اللَّهم تغفر جما وأيّ عبد لك لا ألما تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {اللمم} يقول: إلاّ ما قد سلف. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة في قوله: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ } قال: اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود، فذلك الإلمام. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس قال: اللمم كل شيء بين الحدّين حدّ الدنيا وحدّ الآخرة يكفره الصلاة، وهو دون كلّ موجب، فأما حدّ الدنيا، فكلّ حدّ فرض الله عقوبته في الدنيا؛ وأما حدّ الآخرة، فكلّ شيء ختمه الله بالنار، وأخر عقوبته إلى الآخرة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال: كانت اليهود إذا هلك لهم صبيّ صغير قالوا: هو صدّيق، فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : كذبت يهود ما من نسمة يخلقها في بطن أمها إلاّ أنه شقيّ، و سعيد»تفسير : ، فأنزل الله عند ذلك {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ ٱلأرْضِ } الآية كلها. وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود عن زينب بنت أبي سلمة أنها سميت برّة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البرّ منكم، سموها زينب»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ } قال: قطع، نزلت في العاص بن وائل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال: أطاع قليلاً ثم انقطع. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والشيرازي في الألقاب، والديلمي قال السيوطي: بسند ضعيف عن أبي أمامة عن النبيّ قال: «حديث : أتدرون ما قوله: {وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ }؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:« حديث : وفّى عمل يومه بأربع ركعات كان يصليهنّ، وزعم أنها صلاة الضحى»تفسير : ، وفي إسناده جعفر بن الزبير، وهو ضعيف. وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال: سهام الإسلام ثلاثون سهماً لم يتممها أحد قبل إبراهيم عليه السلام قال الله: {وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ }. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: يقول إبراهيم الذي استكمل الطاعة فيما فعل بابنه حين رأى الرؤيا، والذي في صحف موسى، {أَلاَّ تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ }إلى آخر الآية [الروم: 17] »تفسير : ، وفي إسناده ابن لهيعة. وأخرج عبد بن حميد، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس. قال: لما نزلت: {وَٱلنَّجْمِ } فبلغ: {وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ } قال: وفّى {أَلاَّ تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } إلى قوله: {مّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأوْلَىٰ }. وأخرج أبو داود، والنحاس كلاهما في الناسخ، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عنه قال: {وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } فأنزل الله بعد ذلك: {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ } تفسير : [الطور: 21]، فأدخل الله الأبناء الجنة بصلاح الآباء. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ: {وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَاء ٱلأوْفَىٰ } استرجع واستكان. وأخرج الدارقطني في الأفراد، والبغوي في تفسيره عن أبيّ بن كعب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } قال:«حديث : لا فكرة في الرب».
الماوردي
تفسير : {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ الَّلمَمَ} أما كبائر الإثم ففيها. خمسة أقاويل؛ أحدها: أنه الشرك بالله، حكاه الطبري. الثاني: أنه ما زجر عنه بالحد، حكاه بعض الفقهاء. الثالث: ما لا يكفر إلا بالتوبة، حكاه ابن عيسى. الرابع: ما حكاه شرحبيل عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكبائر فقال: "حديث : أن تدعو لله نداً وهو خلقك وأن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك وأن تزاني حليلة جارك " تفسير : الخامس: ما روى سعيد بن جبير أن رجلاً سأل ابن عباس عن الكبائر أسبع هي؟ قال: إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبعة، لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار، فكأنه يذكر أن كبائر الإثم ما لم يستغفر منه. وأما الفواحش ففيها قولان: أحدهما: أنها جميع المعاصي. الثاني: أنها الزنى. وأما اللمم المستثنى ففيه ثمانية أقاويل: أحدها: إلا اللمم الذي ألموا به في الجاهلية من الإثم والفواحش فإنه معفو عنه في الإسلام، قاله ابن زيد بن ثابت. الثاني: هو أن يلم بها ويفعلها ثم يتوب منها، قاله الحسن ومجاهد. الثالث: هو أن يعزم على المواقعة ثم يرجع عنها مقلعاً وقد روى عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: شعر : إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمْ تغفر جَمَّاً وَأَي عَبْدٍ لَّكَ لاَ أَلَمَّا تفسير : الرابع: أن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة، قاله ابن مسعود، روى طاووس عن ابن عباس قال: ما رأيت أشبه باللمم من قول أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كَتَبَ اللَّهُ عَلَى كلِّ نَفْسٍ خَطَّهَا مِن الزّنَى أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، فَزِنَى الْعَيْنَينِ النَّظَرُ وَزِنَى الِلَّسَانِ المَنطِقُ وَهِيَ النَّفْسُ تُمَنّي وَتَشْتَهِى، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوُ يُكَذِّبُه " تفسير : الخامس: أن اللمم الصغائر من الذنوب. السادس: أن اللمم ما لم يجب عليه حد في الدنيا ولم يستحق عليه في الآخرة عذاب، قاله ابن عباس، وقتادة. السابع: أن اللمم النظرة الأولى فإن عاد فليس بلمم، قاله بعض التابعين، فجعله ما لم يتكرر من الذنوب، واستشهد بقول الشاعر: شعر : وما يستوي من لا يرى غير لمة ومن هو ناو غيرها لا يريمها تفسير : والثامن: أن اللمم النكاح، وهذا قول أبي هريرة. وذكر مقاتل بن سليمان أن هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمار كان له حانوت يبيع فيه تمراً، فجاءته امرأة تشتري منه تمراً، فقال لها: إن بداخل الدكان ما هو خير من هذا، فلما دخلت راودها عن نفسها، فأبت وانصرفت، فندم نبهان وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع، فقال: "حديث : لَعَلَّ زَوْجَهَا غَازٍ" تفسير : فنزلت هذه الآية. {وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ} يعني أنشأ آدم. {وَإذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} قال مكحول: في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط، وكنا فيمن بقي، ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقي، ثم صرنا شباباً فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي، ثم صرنا شيوخاً لا أبالك فما بعد هذا تنتظر؟ {فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني لا تمادحوا، قاله ابن شوذب. الثاني: لا تعملوا بالمعاصي وتقولوا نعمل بالطاعة، قاله ابن جريج. الثالث: إذا عملت خيراً فلا تقل عملت كذا وكذا. ويحتمل رابعاً: لا تبادلوا قبحكم حسناً ومنكركم معروفاً. ويحتمل خامساً: لا تراؤوا بعملكم المخلوقين لتكونوا عندهم أزكياء. {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} قال الحسن: قد علم الله كل نفس ما هي عاملة وما هي صانعة وإلى ما هي صائرة.
ابن عطية
تفسير : {الذين لا يؤمنون بالآخرة} هم كفار العرب، وقوله: {ليسمون الملائكة} معناه: ليصفون الملائكة بأوصاف الأنوثة وأخبر تعالى عنهم أنهم لا علم لهم بذلك، وإنما هي ظنون منهم لا حجة لهم عليها وقرأ ابن مسعود: "من علم إلا اتباع الظن". وقوله: {إن الظن لا يغني من الحق شيئاً} أي في المعتقدات المواضع التي يريد الإنسان أن يحرر ما يعقل ويعتقد فإنها مواضع حقائق لا تنفع الظنون فيها، وأما في الأحكام وظواهرها فيجتزى فيها بالظنونات، ثم سلى تعالى نبيه وأمره بالإعراض عن هؤلاء الكفرة، وما في الآية من موادعتهم منسوخ بآية السيف. وقوله: {ولم يرد إلا الحياة الدنيا} معناه لا يصدق بغيرها، فسعيه كله وعمله إنما هو لدنياه. وقوله تعالى: {ذلك مبلغهم من العلم} معناه هنا انتهى تحصيلهم من المعلومات، وذلك أن المعلومات منها ما هي معقولات نافعة في الآخرة، ومنها ما هي أمور فانية وأشخاص بادية كالفلاحة وكثير من الصنائع وطلب الرئاسة على الناس بالمخرقة، فكلها معلومات ولها علم ومبلغ الكفرة إنما هو في هذه الدنياويات. وقوله تعالى: {إن ربك هو أعلم} الآية تصل بمعنى التسلية في قوله: {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا}، وقوله: {إن ربك هو أعلم} الآية، ووعيد للكفار ووعد للمؤمنين، وأسند الضلالة والهدى إليهم بكسبهم وإن كان الجميع خلقاً له واختراعاً، واللام في قوله: {ليجزي} متعلقة بقوله: {ضل} وبقوله: {اهتدى} فكأنه قال: ليصير أمرهم جميعاً إلى أن يجزى. وقوله: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} اعتراض بين الكلام بليغ، وقال بعض النحويين اللام متعلقة بما في المعنى من التقدير، لأن تقديره: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} يضل من يشاء ويهدي من يشاء {ليجزي} والنظر الأول أقل تكلفاً من هذا الإضمار. وقال قوم: اللام متعلقة في أول السورة: {أية : إن هو إلا وحي يوحى} تفسير : [النجم: 4] وهذا بعيد، و: {الحسنى} هي الجنة ولا حسنى دونها.
اسماعيل حقي
تفسير : {إن الذين لايؤمنون بالآخرة} وبما فيها من العقاب على مايتعاطونه من الكفر والمعاصى {ليسمون الملائكة} المنزهين عن سمات النقصان على الاطلاق اى كل يسمون كل واحد منهم {تسمية الانثى} منصوب على انه صفة مصدر محذوف اى تسمية مثل تسمية الانثى فان قولهم الملائكة بنات الله قول منهم بان كلا منهم بنته سبحانه وهى التسمية بالانثى فاللام فى الملائكة للتعريف الاستغراقى وفى تعليقها بعدم الايمان بالآخرة اشعار بأنها فى الشناعة والفظاعة واستتباع العقوبة فى الاخرة بحيث لايجترى عليها الا من لايؤمن بها رأسا قال ابن الشيخ فان قيل كيف يصح أن يقال انهم لايؤمنون بالآخرة مع انهم كانوا يقولون هؤلاء شفعاؤنا عندالله وكان من عادتهم أن يربطوا مركوب الميت على قبره ويعتقدون انه يحشر عليه اجيب بأنهم ماكانوا يجزمون به بل كانوا يقولون لانحشر فان كان فلنا شفعاء بدليل ماحكى الله عنهم وما اظن الساعة قائمة ولئن رجعت الى ربى ان لى عنده للحسنى وايضا ماكانوا يعترفون بالآخرة على وجه الذى ورد به الرسل فهم لايؤمنون بها على وجهها. واعلم ان الملائكة ليسوا بذكور ولااناث وفى الحديث "حديث : جبرآئيل اتانى فى اول ماأوحى الى فعلمنى الوضوء والصلاة فلما فرغ من الوضوء اخذ غرفة من الماء فنضح بها فرجه"تفسير : اى رش بها فرجه اى محل الفرج من الانسان بناء على انه لافرج له وكون الملك لافرج له لو تصور بصورة الانسان دليل على انه ليس ذكرا ولا انثى وفيه نظر لانه يجوز ان يكون له آلة ليست كآلة الذكر وكآلة الانثى كما قيل بذلك فى الخنثى ويقال ذلك فرج بعضهم حمل الفرج على مايقابل الفرج من الازار
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ} فيقولون: انّ الملائكة بنات الله.
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنثَى وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ} أي بأنهم إناث ولا بأنهم بنات الله. {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} أي إن ذلك منهم ظن. قال: {وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا} أي: تغنيهم. وهي منسوخة، نسختها آية القتال، هي قوله: (أية : فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمَوهُمْ) تفسير : [التوبة:5]. قال: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ} أي إن علمهم لم يبلغ الآخرة. كقوله عز وجل: (أية : بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ في شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ)تفسير : [النمل:66]. وقال مجاهد: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ} أي: [مبلغ] رأيهم. قوله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} أي: إن المشركين هم الذين ضلوا عن سبيله {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} أي: إن النبي والمؤمنين هم المهتدون. {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَآءُوا} أي: أشركوا {بِمَا عَمِلُوا} أي: ليجزيهم النار {وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا} أي آمنوا {بِالْحُسْنَى} أي: الجنة.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ} وهم المشركون تنكروا البعث. {لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى} يقولون بنات الله والانثى الجنس واختاره عن الاناث للمفاضلة أو باعتبار كل ملك فانهم سموا كل ملك بالانثى يقولون كل واحد بنت.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذين لا يُؤمنون بالآخِرة} بالحياة الآخرة، أو الدار الآخرة، أو النشأة الآخرة، أو هو اسم ذلك بلا تقدير موصوف، أو لما فيها من العقاب على الكفر وسائر المعاصى {ليُسمُّونَ الملائكة} أى يسمون كل واحد، ولهذا المعنى قال: {تَسْميَة الأنثى} بالافراد للفاصــلة وللتلويح، بأن لكل فرد منهم هذا اللفظ، لفظ أنثى، ولفظ بنت، فلم يقل تسميات الاناث، على أنه لو قيل هذا لكان من تقسيم الجمع على الجمع، وذلك يكون حيث لا لُبس فى الافراد نحو: كسانا الأمير حلة، أى كل واحد منــــا، لأن الحلة الواحدة لا يكساها متعدد، وان شئت فتسمية مصدر يصلح للكثير، وأل فى الأنثى للجنس العددى، وكأنه قيل الاناث أو للحقيقة، فــان اسم الأنثى الواحدة وهو بنت يصلح لهن كلهن، وفى ذلك كله غنى عن تقدير الطائفة الأنثى، وتسمية مفعول مطلق لا على طريقة السببية أما على طريقه فهو مغن عن تلك الأوجه كلها راجحها ومرجوحها، إلا أنه لا بد أن المراد كل فرد من أفراد الملائكة، فان هذا لا بد منه فى كل وجه. والموصول وصلته كالاسم المشتق فى تعليق الحكم فمضمون المشتق يؤذن بعلية معنى المشتق، فتسميتهم الملائكة باسم الأنثى وهو بنت ناشىء عن كفرهم بالآخرة، فانه لا يجترىء على تلك التسمية من آمن بها، واستعمل عقله أوسمعه للزواجر، فان القديم لا يتصف بصفة الحادث، والملائكة منزهون عن النقض بالأنوثة أو غيرها.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ} وبما فيها من العقاب على ما يتعاطونه من الكفر والمعاصي {لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ} المنزهين عن سمات النقصان على الإطلاق {تَسْمِيَةَ ٱلأُنثَىٰ } فإنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عما يقولون، والملائكة في معنى استغراق المفرد فيكون التقدير ليسمون كل واحد من الملائكة تسمية الأنثى أي يسمونه بنتاً، لأنهم إذا قالوا ذلك فقد جعلوا كل واحد منهم بنتاً، فالكلام على وزان كسانا الأمير حلة أي كسا كل واحد منا حلة. والإفراد لعدم اللبس، ولذا لم يقل تسمية الإناث فلا حاجة إلى تأويل الأنثى بالإناث ولا إلى كون المراد الطائفة الأنثى، وما ذكر أولاً قيل: مبني على أن تسمية الأنثى في النظم الجليل ليس نصباً على التشبيه وإلا فلا حاجة إليه أيضاً. وفي تعليق التسمية بعدم الإيمان بالآخرة إشعار بأنها في الشناعة والفظاعة واستتباع العقوبة في الآخرة بحيث لا يجترىء عليها إلا من لا يؤمن بها رأساً.
ابن عاشور
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنثَىٰ وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ}. اعتراض واستطراد لمناسبة ذكر الملائكة وتبعاً لما ذكر آنفاً من جعل المشركين اللاّت والعُزى ومناة بناتٍ لله بقوله: {أية : أفرأيتم اللات والعزى} تفسير : [النجم: 19] إلى قوله: {أية : ألكم الذكر وله الأنثى}تفسير : [النجم: 21] ثُنِّيَ إليهم عنان الرد والإِبطال لزعمهم أن الملائكة بنات الله جمعاً بين ردّ باطلين متشابهين، وكان مقتضى الظاهر أن يعبر عن المردود عليهم بضمير الغيبة تبعاً لقوله: {أية : إن يتبعون إلا الظن}تفسير : [النجم: 28]، فعدل عن الإِضمار إلى الإِظهار بالموصولية لما تؤذن به الصلة من التوبيخ لهم والتحقير لعقائدهم إذ كفروا بالآخرة وقد تواتر إثباتها على ألسنة الرسل وعند أهل الأديان المجاورين لهم من اليهود والنصارى والصابئة، فالموصولية هنا مستعملة في التحقير والتهكم نظير حكاية الله عنهم: {أية : وقالوا يا أيها الذي نزِّل عليه الذكر إنك لمجنون}تفسير : [الحجر: 6] إلا أن التهكم المحكي هنالك تهكم المبطل بالمحق لأنهم لا يعتقدون وقوع الصلة، وأما التهكم هنا فهو تهكم المحق بالمبطل لأن مضمون الصلة ثابت لهم. والتسمية مطلقة هنا على التوصيف لأن الاسم قد يطلق على اللفظ الدال على المعنى وقد يطلق على المدلول المسمى ذاتاً كان أو معنى كقول لبيد:شعر : إلى الحول ثم اسمُ السلام عليكما تفسير : أي السُلام عليكما، وقوله تعالى: {أية : سَبِّح اسم ربك الأعلى}تفسير : [الأعلى: 1] وقوله تعالى: {أية : عيناً فيها تسمى سلسبيلاً}تفسير : [الإنسان: 18] أي توصف بهذا الوصف في حسن مآبها، وقوله تعالى: {أية : هل تعلم له سَمِيّاً}تفسير : [مريم: 65]، أي ليس لله مثيل. وقد مرّ بيانه مستوفى عند تفسير {أية : بسم اللَّه الرحمٰن الرحيم} تفسير : في أول الفاتحة (1). والمعنى: أنهم يزعمون الملائكة إناثاً وذلك توصيف قال تعالى: {أية : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمٰن إناثاً}تفسير : [الزخرف: 19]، وكانوا يقولون الملائكة بنات الله من سروات الجن قال تعالى: {أية : وقالوا اتخذ الرحمٰن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون}تفسير : [الأنبياء: 26] وقال: {أية : وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً}تفسير : [الصافات: 158]. والتعريف في {الأنثى} تعريف الجنس الذي هو في معنى المتعدد والذي دعا إلى هذا النظم مراعاةُ الفواصل ليقع لفظ {الأنثى} فاصلة كما وقع لفظ {الأولى} ولفظ {يرضَى} ولفظ {شيئاً}. وجملة {وما لهم به من علم} حال من ضمير {يسمون}، أي يثبتون للملائكة صفات الإِناث في حال انتفاء علم منهم بذلك وإنما هو تخيل وتوهم إذ العلم لا يكون إلا عن دليل لهم فنفي العلم مراد به نفيه ونفي الدليل على طريقة الكناية. {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئًا}. موقع هذه الجملة ذو شعب: فإن فيها بياناً لجملة {وما لهم به من علم} وعوداً إلى جملة {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس}، وتأكيداً لمضمونها وتوطئة لتفريع {أية : فأعرض عن مَّن تولى عن ذكرنا}تفسير : [النجم: 29]. واستعير الاتّباع للأخذ بالشيء واعتقاد مقتضاه أي ما يأخذون في ذلك إلا بدليل الظن المخطىء. وأطلق الظن على الاعتقاد المخطىء كما هو غالب إطلاقه مع قرينة قوله عقبه {وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً} وتقدم نظيره آنفاً. وأظهر لفظ {الظن} دون ضميره لتكون الجملة مستقلة بنفسها فتسير مسير الأمثال. ونفي الإِغناء معناه نفي الإِفادة، أي لا يفيد شيئاً من الحق فحرف {مِن} بيان وهو مقدم على المبينَّ أعني شيئاً. و{شيئاً} منصوب على المفعول به لــــ {يغني}. والمعنى: أن الحق حقائق الأشياء على ما هي عليه وإدراكها هو العلم (المعرف بأنه تصور المعلوم على ما هو عليه) والظن لا يفيد ذلك الإِدراك بذاته فلو صادف الحق فذلك على وجه الصدفة والاتفاق، وخاصة الظن المخطىء كما هنا.
الشنقيطي
تفسير : وقد قدمنا الآيات الموضحة في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً}تفسير : [الزخرف: 19]، وفي غير ذلك من المواضع.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة: أي إن الذين لا يؤمنون بالبعث والحياة الآخرة. ليسمون الملائكة تسمية الأنثى: أي ليطلقون على الملائكة أسماء الإِناث إذ قالوا بنات الله. وما لهم به من علم: أي وليس لهم بذلك علم من كتاب ولا هدى من نبي ولا عقل سوى. إن يتبعون إلا الظن: أي في تسميتهم الملائكة إناثاً إلا مجرد الظن، والظن لا تقوم به حجة ولا يعطى به حق. فأعرض عمن تولى عن ذكرنا: أي القرآن وعبادتنا. ولم يرد إلا الحياة الدنيا: ولم يرد من قوله ولا عمله إلا ما يحقق رغائبه من الدنيا. ذلك مبلغهم من العلم: أي ذلك الطلب للدنيا نهاية علمهم إذ آثروا الدنيا على الآخرة. معنى الآيات: لما ندد تعالى بالمشركين الذين جعلوا من الأصنام والأوهام والأماني آلهة وجادلوا دونها وجالدوا ذكر ما هو علة ذلك التخبط والضلال فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} دار السعادة الحقة أو الشقاء {لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ} فلو آمنوا بالآخرة لما سموا الملائكة بنات الله لأن المؤمن بالآخرة يحاسب نفسه على كل قول وعمل له تبعة يخشى أن يؤخذ بها بخلاف الذي لا يؤمن بالآخرة فإنه يقول ويفعل ما يشاء لعدم شعوره بالمسئولية والتبعة التي قد يؤخذ بها فيهلك ويخشى كل شيء وهو تعليل سليم حكيم. وقوله تعالى: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ} أي ليس لهم في ادعائهم أن الملائكة بنات الله أي علم يعتد به إن يتبعون فيه إلا الظن والظن أكذب الحديث، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً وبناء على هذا أمر الله تعالى رسوله أن يعرض عمن تولى منهم عن الحق بعد معرفته وعن الهدى بعد مشاهدته فقال تعالى {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا} أي القرآن والإِيمان والتوحيد والطاعة، ولم يرد بقوله وعمله واعتقاده إلا الحياة الدنيا إذ هو لا يؤمن بالآخرة فلذا هو قد كيَّف حياته بحسب الدنيا فكل تفكيره في الدنيا، وكل عمله لها فيصبح بذلك أشبه بالآلة منه بالحيوان. وتصبح الحياة معه عقيمة الفائدة فلذا يجب الإِعراض عنه وتركه إلى أن يأذن الله فيه بشيء. وقوله تعالى {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} أي هذا الطلب للدنيا هوما انتهى إليه علمهم فلذا هم آثروها عن الآخرة التي لم يعلموا عنها شيئاً. وقوله تعالى في خطاب رسوله {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ} أي إن ربك أيها الرسول هو أعلم منك ومن غيرك بمن ضل عن سبيله قدراً وأزلاً فضل في الحياة الدنيا أيضاً، وهو أعلم بمن اهتدى، قضاء وقدراً وواقعاً في الحياة الدنيا وسيجزى كلاً بما عمل من خير أو شر فلا تأس يا رسولنا ولا تحزن وفوّض الأمر إلينا فإنا عالمون ومجازون كل عامل بما عمل في دار الجزاء. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- أكثر الأمراض مردها إلى قلب لا يؤمن بالآخرة. 2- أكثر الفساد في الأرض هو نتيجة الجهل وعدم العلم اليقيني. 3- التحذير من الماديين فإنهم شر وخطر وواجب الإِعراض عنهم لأنهم شر الخليقة.
القطان
تفسير : مبلغهم من العلم: منتهى علمهم. كبائر الإثم: الجرائم الكبرى كالقتل والسرقة وما يترتب عليه حد. والفواحش: ايضا من الكبائر وهي ما عظُم قبحها. اللّمم: مقاربة الذنب والدنو منه، او ما صغُر من الذنوب. أنشأكم: خلقكم. أجنّة: جمع جنين، وهو الولد ما دام في بطن أمه. بعد ان عاب الله عبادةَ الأصنام التي لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا شفاعة، وكرر هنا تسفيه أحلامهم بأنهم سمّوا الملائكة بناتِ الله، فمن أين أتاهم ان الله له اولاد هي الملائكة!؟ إنه تعالى غني عن المساعدة وعن الصاحبة والولد، وكلامهم هذا كله دعوى من غير دليل، {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً}. فأعرِض أيها الرسول عن هؤلاء الذين لا همَّ لهم الا جمع حطام الدنيا، لأن ذلك الذي يتبعونه هو منتَهى ما وصلوا اليه من العلم، {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ} فهؤلاء قومٌ لا تجدي فيهم الذكرى ولا تؤثر فيهم الموعظة، فلا تبتئس بإنكارهم وكفرهم، اللهُ أعلمُ بهم. ثم بين بعد ذلك ان الله تعالى هو مالك هذا الكون المتصرفُ فيه، ولذلك فهو القادرُ على الجزاء. وهو عادلٌ يحب العدل، ولذلك يبيّن جزاء الذين أساؤا والذين أحسنوا. وقد بيّن أوصافَ المحسِنين بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ} يعني ان المحسنين هم الذين يبتعدون عن كبائرِ المعاصي والفواحش، فإذا وقعوا في معصيةٍ وتابوا فَـ {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ} يغفر كل ذنب كما قال تعالى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الزمر: 53]. وعلى هذا يكون اللَّمَمُ هو الإتيان بالمعصِية (من أيّ نوعٍ) ثم يتوب عنها. ولذلك ختم الآية بان هذا الجزاء، بالسُّوءى والحسنى، مستند الى علم الله بحقيقة دخائل الناس فقال: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} فهو أعلمُ بأحوالكم، وعندَه الميزانُ الدقيق، وجزاؤه العدْل، واليه المرجع والمآل. ويرى كثير من المفسرين ان الآية تعني أن الذي يجتنب الكبائرَ يكفِّر الله عنه الصغائرَ، كما قال تعالى: {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} تفسير : [النساء: 31]، وهذه الآية مدنية. وعلى كل حالٍ فالله تعالى واسعُ المغفرة، رؤوف بعباده حليم كريم. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وخلف: الذين يجتنبون كبير الإثم بالافراد، والباقون: كبائر الاثم بالجمع.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمَلاَئِكَةَ} (27) - يُنكِرُ اللهُ تَعَالى عَلَى المُشْرِكِينَ جَعْلَ المَلاَئِكَةِ إِناثاً، وَتَسْمِيَتَهُمْ بِأَسْماءِ الإِنَاثِ، تَعَالى اللهُ عَنْ كُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ، وَتَنَزَّهَ تَعَالى عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالوَلَدِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه يفضح اعتقادهم الكاذب في قولهم {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ..}تفسير : [الزمر: 3] وفي اعتبارهم الملائكة شفعاءَ لهم عند الله، فهذا مجرد كلام وحجج واهية لأنهم في الأصل لا يؤمنون بالآخرة، فكيف يتحدَّثون عن الشفاعة؟ {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ..} [النجم: 27] أي: الكفار {لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ} [النجم: 27] أي: يدَّعون أن الملائكة بنات الله {وَمَا لَهُم بِهِ ..} [النجم: 28] ما لهم بهذا القول {مِنْ عِلْمٍ ..} [النجم: 28]. وفي موضع آخر قال سبحانه: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً}تفسير : [الكهف: 51]. إذن: لا علمَ عندهم بخلق الملائكة، فهم في هذا الادعاء كاذبون يقولون ما لا يعلمون، والمسألة أنهم يتبعون في هذه القضية ظنهم الباطل، ظنوا الملائكة إناثاً لوجود تاء التأنيث في الملائكة. {وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} [النجم: 28] أي: أن ظنهم هذا ظنٌّ باطل لا يمتُّ إلى الحقيقة بصلة ولا يغني عنها، والحق في هذه المسألة ما أخبرنا الله به، لأنه خالقهم والأعلم بهم، فالظن لا يحلُّ أبداً محلّ العلم القاطع البَيِّن.
الجيلاني
تفسير : وبالجملة: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ} كل واحد منهم ظلماً وزوراً {تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ} [النجم: 27] أي: يسمونهم بنات الله ظلماً على الله، بإثبات الولد له وعليهم نقص الأنوية إياهم. {وَ} الحال أنه {مَا لَهُم بِهِ} أي: بقولهم هذا {مِنْ عِلْمٍ} لا يقين ولا ظن، ولا سند من عقل ونقل، بل {إِن يَتَّبِعُونَ} أي: ما يتبعون في قولهم هذا {إِلاَّ ٱلظَّنَّ} والتخمين الناشئ من تقليد آبائهم، المنتسبين إلى الجهل والعناد {وَإِنَّ ٱلظَّنَّ} المستند إلى الجهل والتقليد {لاَ يُغْنِي} ويفيد {مِنَ ٱلْحَقِّ} الحقيق بالاتباع {شَيْئاً} [النجم: 28] من الإغناء والإفادة. وبعدما سمعت حالهم وقولهم: {فَأَعْرِضْ} يا أكمل الرسل وانصرف {عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا} الصارف له عن أمثال هذه الهذيانات الباطلة، ولا تبالِ بشأنه، ولا تبالغ في دعوته من غاية إعراضه وانصرافه {وَلَمْ يُرِدْ} من السعادات المنتظرة، والكرامات الموعودة للإنسان {إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} [النجم: 29] ولذاتها وشهواتها، ولم يهتم إلا بشأنها، واقتصر على مزخرفاتها مع كمال غفلة، وذهول تام عن الكرامات الروحانية، واللذات الأخروية. {ذَلِكَ} الذي سمعت يا أكمل الرسل من ميلهم إلى الدنيا {مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} اللذني الفائض لهم من حضرة العلم الإلهي، فعليك يا أكمل الرسل أن تعرض عنهم وعن دعوتهم وإرشادهم، بعدما أمرت به حسب العقل الفطري الموهوب لهم من المبدأ الفياض، وبالغت في تبليغ المأمور. وبالجملة: {إِنَّ رَبَّكَ} الذي رباك بكمال كرامته، واصطفاط لرسالته ونيابته {عَن سَبِيلِهِ} بعلمه الحضوري {هُوَ أَعْلَمُ} وانحرف {بِمَن ضَلَّ} من عباده، ومال عن جادة توحيده {وَهُوَ أَعْلَمُ} أيضاً {بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ} [النجم: 30] منهم بهدايتك وإرشادك. {وَ} كيف لا يعلم سبحانه المضلين والمهتدين من عباده؛ إذ {لِلَّهِ} ملكاً وتصرفاً، وإحاطة وشمولاً مظاهر {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} وما بينهما من الكوائن والفواسد {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ} بأعمالهم وأقوالهم {بِمَا عَمِلُواْ} أي: بمقتضى عملهم على مقتضى عدله سبحانه، بلا زيادة ولا نقصان {وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} أيضاً كذلك {بِٱلْحُسْنَى} [النجم: 31] أي: أزيد مما استحقوا بصوالح أعمالهم وحسنات أخلاقهم، تفضلاً عليهم وامتناناً. والمحسنون هم: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ} أي: يحترزون عن الآثام الكبيرة، المستجلبة لغضب الله، المستتبعة لعذابه ونكاله في النشأة الأخرى، المستلزمة للحدود والكفارات بحسب الشرع الشريف {وَٱلْفَوَاحِشَ} أي: يحفظون نفوسهم أيضاً عن الفواحش المسقطة للمروءات الجالبة لأنواع النكبات، والوعيدات الهائلة الإلهية المقتضية للخلود في دركات النيران {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} الطارئ عليهم من صغائر الذنوب هفوة، فجبروه بالتوبة دفعة، فإنه معفو عن مجتنبي الكبائر والفواحش، قبل التوبة أيضاً. وكيف لا يغفر سبحانه لأصحاب اللمم {إِنَّ رَبَّكَ} يا أكمل الرسل {وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ} سريع العفو، شامل الرحمة {هُوَ} سبحانه {أَعْلَمُ بِكُمْ} منكم، وبعموم أحوالكم وأطواركم أيها المجبولون على فطرة التكليف، وكيف لا يعلم سبحانه أحوالكم! {إِذْ أَنشَأَكُمْ} وأظهركم {مِّنَ ٱلأَرْضِ} بمقتضى سعة علمه وجوده {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ} لا شعور لكم محبوسون {فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} يعلم سبحانه منكم جميع أحوالكم، وأطواركم وعمو حوائجكم الماضية والآتية، وبالجملة: {فَلاَ تُزَكُّوۤاْ} ولا تنزهوا وتطهروا {أَنفُسَكُمْ} إذ لا علم لكم بتفاصيل أحوالكم وأعمالكم مطلقاً، بل {هُوَ} سبحانه {أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} [النجم: 32] وحفظ نفسه عن مساخطه سبحانه، واحترز عن منهياته. ثم قال سبحانه عبرة على المستبصرين وتوبيخاً على المستكبرين: {أَفَرَأَيْتَ} أيها المعتبر الرائي الطاغي {ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ} [النجم: 33] وأعرض عن اتباع الحق، وأصر على الباطل عناداً ومكابرةً، بعدما وعد الحق التصدق من ماله كفارة لذنوبه، {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً} مع سمعة ورياء {وَأَكْدَىٰ} [النجم: 34] وقطع عطاء الباقي بعد ذلك، فما وفَّى ووفر جميع ما وعد، ثم ارتد - العياذ بالله - وندم عما تصدق قبل، فأصر على ما كان من الكفر والجحود، ومع ذلك يزعم أنه قد برئ من الذنوب بتصديقه. نزلت في الوليد بن المغيرة كان يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيَّره بعض المشركين، وقال: تركت دين الأشياخ، وضللتهم، فقال: أخشى عذاب الله، فضمن أن يتحمل عنه العذاب، إن أغطى بعض ماله من المشروط، ولم يتم ومع ذلك يزعم البراءة عن الذنوب لذلك، ثم بخل بالباقي، وبعدما أعطى بعض المشروط، ارتد - العياذ بالله - عن الدين ومتابعة الرسول الأمين. عيره سبحانه بقوله: {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ} [النجم: 35] بأن التصدق وتحمل الغير وتضمنه يدفع عنه العذاب. {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ} ولم يخبر {بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ} [النجم: 36] وهي ألواح التوراة المنصوصة فيه بخلاف ذلك. {وَ} لم ينبأ أيضاً بما في صحف {إِبْرَاهِيمَ} الذي يدعي متابعته والتدين بدينه، مع أن إبراهيم {ٱلَّذِي وَفَّىٰ} [النجم: 37] ووفر وأتم بجميع ما التزمه وأمر به، وبالغ في وفاء ما عاهد والتزم طلباً لمرضاة ربه، وهو يدعي متابعته، ولم يوفِ بما التزم من العهود. وكيف يحمل الغير عنه وزره أو يسقطه الصدقة، مع أن مضمون ما في عموم كلتا الصحفين هو هذا {أَلاَّ تَزِرُ} أي: أنه لا تحمل {وَازِرَةٌ} أي: نفس آثمة {وِزْرَ أُخْرَىٰ} [النجم: 38] أي: ذنبها، ولا يؤخذ هي عليها، بل كل نفس من النفوس الخيرة والشريرة، رهينة بما كسبت، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. {وَ} كذا منصوص في الصحفين أن {لَّيْسَ لِلإِنسَانِ} المجبول على فطرة العرفان؛ أي: لكل واحد من أشخاصه {إِلاَّ مَا سَعَىٰ} [النجم: 39] واقترف لنفسه وأعد لمعاشه ومعاده. {وَ} كذا ثبت فيما {أَنَّ سَعْيَهُ} أي: سعي كل واحد من أفراد الإنسان خيراً كان أو شراً {سَوْفَ يُرَىٰ} [النجم: 40] في النشأة الأخرى، مصورة بالصور الحسنة والقبيحة من الدرجات العلية الجنانية، أو الدركات الهوية النيرانية. {ثُمَّ} بعدما حوسب عليه عموم مساعيه أعماله {يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ} [النجم: 41] أي: يوفر عليه من الجزاء على مقتضى سعيه في أعمالها، خيراً كان أو شراً. {وَ} أيضاً مثبتاً فيهما {أَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} [النجم: 42] أي: منتهى الكل إلى الله، كما أن مبدأه منه؛ إذ ليس وراءه مرمى ومنتهى. {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ} من أضحك {وَأَبْكَىٰ} [النجم: 43] من أبكى. {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} [النجم: 44] إذ لا قادر على الإماتة والإحياء غيره سبحانه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ} [النجم: 27]، لكن نظرهم مقصوراً على صورها وقلة عقلهم بمعناها، يزعمون أن القوى واللطائف بنات الله، {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ} [النجم؛ 28]؛ أي غير متيقن بما يزعمون {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} [النجم: 28]؛ يعني: لا يصل الظن إلى حد يحكم عليه بخفية الشيء المظنون؛ لأن فوق الظن العلم، وفوق العلم الصحيح السماعي علم اليقين المكاشفي، وفوق علم اليقين المكاشفي عين اليقين وهو العلم المشاهدي، وفوق عين اليقين المشاهدي حق اليقين مما يتعلق بالوصول، وفوقه حقيقة حق اليقين مما يتعلق بالذوق، ومثاله في عالم الشهادة علمك بأن هذه الشجرة تحمل رماناً فيه حياة مثل العسل، ولكل حبة نبت خاص وطعم حلو كأنه سكر معقود وشراب مروق، والشجرة كانت شجرة رمان، فاعتقادك بما يخرج عن هذه كما سمعت عن الدهقان؛ هو اعتقاد صحيح علمي، فإذا أخضرت الشجرة وأزهرت فشاهدتها زاد علمك السماعي وتبدل بعلم اليقين، وإذا انتشرت الزهرات خرج منها درج الرمان، وشاهدته تبدل علمك علم اليقين الكشفي بعين اليقين، كمال حده واقتطفته وشققته وشاهدت حباته، والبيوت التي وصفها الدهان لكل حبة صار عين اليقين، فإذا أكلته وذقته ووصل إلى حلقك حلاوته، واختلط بوجودك شرابه، وصار هو أنت ولطيفتك المدركة هو، فصار حق اليقين في هذا المقام حقيقة حق اليقين. {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا} [النجم: 29]؛ يعني: لا يصل إلى مرتبة علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وحقيقة حق اليقين إحد إلا بذكرنا، فمن كان معرضاً عن ذكرنا فهو صاحب ظن وتخمين، فأعرض عنه ولا تسمع كلامه؛ لأنه لا يقول إلا ظناً {أية : لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً}تفسير : [يونس: 36]، وإعراضه عن ذكرها فأعرض عن قولي: {عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} [النجم: 29-30]؛ لأنهم ما وصلوا إلى حقيقة العلم لكون نظرهم مقصوراً على ظاهر الحياة الدنيا؛ التي هي متاع قليل من الحياة الأخروية التي هي الحياة بالحقيقة؛ لأنها دائمة ليس لحالها ماض ولا مستقبل، {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ} [النجم: 30]؛ يعني: هو أعلم بالقوة الضالة عن سبيل الهدى، وأعلم بالقوة المهتدية إلى الصراط المستقيم، وهو يجازيهم بما عملوا في دار الكسب، {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [النجم: 31] من القوى القالبية والنفسية، والقلبية والروحية، {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ} [النجم: 31]، يعني: بالقوى السفلية العاجزة القالبية والنفسية، والقلبية والروحية يجزيهم الله بالقوى الأرضية الدركات وما فيها، {وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى} [النجم: 31]؛ أي: يجزي القوى العلوية بما أحسنوا من الإيمان بالله ورسوله وبآياته البينات بالحسنى؛ التي هي جزاء أعمالهم الحسنة، التي هم كسبوها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يعني أن المشركين بالله المكذبين لرسله، الذين لا يؤمنون بالآخرة، وبسبب عدم إيمانهم بالآخرة تجرأوا على ما تجرأوا عليه، من الأقوال، والأفعال المحادة لله ولرسوله، من قولهم: " الملائكة بنات الله " فلم ينزهوا ربهم عن الولادة، ولم يكرموا الملائكة ويجلوهم عن تسميتهم إياهم إناثا، والحال أنه ليس لهم بذلك علم، لا عن الله، ولا عن رسوله، ولا دلت على ذلك الفطر والعقول، بل العلم كله دال على نقيض قولهم، وأن الله منزه عن الأولاد والصاحبة، لأنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وأن الملائكة كرام مقربون إلى الله، قائمون بخدمته {أية : لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : والمشركون إنما يتبعون في ذلك القول القبيح، وهو الظن الذي لا يغني من الحق شيئا، فإن الحق لا بد فيه من اليقين المستفاد من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة. ولما كان هذا دأب هؤلاء المذكورين أنهم لا غرض لهم في اتباع الحق، وإنما غرضهم ومقصودهم، ما تهواه نفوسهم، أمر الله رسوله بالإعراض عمن تولى عن ذكره، الذي هو الذكر الحكيم، والقرآن العظيم، والنبأ الكريم، فأعرض عن العلوم النافعة، ولم يرد إلا الحياة الدنيا، فهذا منتهى إرادته، ومن المعلوم أن العبد لا يعمل إلا للشيء الذي يريده، فسعيهم مقصور على الدنيا ولذاتها وشهواتها، كيف حصلت حصلوها، وبأي: طريق سنحت ابتدروها، { ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ } أي: هذا منتهى علمهم وغايته، وأما المؤمنون بالآخرة، المصدقون بها، أولو الألباب والعقول، فهمتهم وإرادتهم للدار الآخرة، وعلومهم أفضل العلوم وأجلها، وهو العلم المأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه، ممن لا يستحق ذلك فيكله إلى نفسه، ويخذله، فيضل عن سبيل الله، ولهذا قال تعالى: { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى } فيضع فضله حيث يعلم المحل اللائق به.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):