Verse. 4813 (AR)

٥٣ - ٱلنَّجْم

53 - An-Najm (AR)

فَاَعْرِضْ عَنْ مَّنْ تَوَلّٰى۝۰ۥۙ عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ اِلَّا الْحَيٰوۃَ الدُّنْيَا۝۲۹ۭ
FaaAArid AAan man tawalla AAan thikrina walam yurid illa alhayata alddunya

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فأعرض عن من تولى عن ذكرنا» أي القرآن «ولم يُرد إلا الحياة الدنيا» وهذا قبل الأمر بالجهاد.

29

Tafseer

الرازي

تفسير : أي اترك مجادلتهم فقد بلغت وأتيت بما كان عليك، وأكثر المفسرين يقولون: بأن كل ما في القرآن من قوله تعالى: {فَأَعْرَضَ } منسوخ بآية القتل وهو باطل، فإن الأمر بالإعراض موافق لآية القتال، فكيف ينسخ به؟ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة، فلما عارضوه بأباطيلهم قيل له {أية : وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [النحل: 125] ثم لما لم ينفع، قال له ربه: فأعرض عنهم ولا تقابلهم بالدليل والبرهان، فإنهم لا يتبعون إلا الظن، ولا يتبعون الحق، وقابلهم بالإعراض عن المناظرة بشرط جواز المقابلة، فكيف يكون منسوخاً، والإعراض من باب أشكاه والهمزة فيه للسلب، كأنه قال: أزل العرض، ولا تعرض عليهم بعد هذا أمراً، وقوله تعالى: {عن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا } لبيان تقديم فائدة العرض والمناظرة، لأن من لا يصغي إلى القول كيف يفهم معناه؟ وفي {ذِكْرِنَا } وجوه الأول: القرآن الثاني: الدليل والبرهان الثالث: ذكر الله تعالى، فإن من لا ينظر في الشيء كيف يعرف صفاته؟ وهم كانوا يقولون: نحن لا نتفكر في آلاء الله لعدم تعلقنا بالله، وإنما أمرنا مع من خلقنا، وهم الملائكة أو الدهر على اختلاف أقاويلهم وتباين أباطيلهم، وقوله تعالى: {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } إشارة إلى إنكارهم الحشر، كما قالوا {أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } تفسير : [المؤمنون: 37] وقال تعالى: {أية : أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [التوبة: 38] يعني لم يثبتوا وراءها شيئاً آخر يعملون له، فقوله {عن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا } إشارة إلى إنكارهم الحشر، لأنه إذا ترك النظر في آلاء الله تعالى لا يعرفه فلا يتبع رسوله فلا ينفعه كلامه. وإذا لم يقل بالحشر والحساب لا يخاف فلا يرجع عما هو عليه، فلا يبقى إذن فائدة في الدعاء، واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان طبيب القلوب، فأتى على ترتيب الأطباء، وترتيبهم أن الحال إذا أمكن إصلاحه بالغذاء لا يستعملون الدواء، وما أمكن إصلاحه بالدواء الضعيف لا يستعملون الدواء القوي، ثم إذا عجزوا عن المداواة بالمشروبات وغيرها عدلوا إلى الحديد والكي وقيل آخر الدواء الكي، فالنبي صلى الله عليه وسلم أولاً أمر القلوب بذكر الله فحسب فإن بذكر الله تطمئن القلوب كما أن بالغذاء تطمئن النفوس، فالذكر غذاء القلب، ولهذا قال أولاً: قولوا لا إلٰه إلا الله أمر بالذكر لمن انتفع مثل أبي بكر وغيره ممن انتفع، ومن لم ينتفع ذكر لهم الدليل، وقال: {أية : أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ } تفسير : [الأعراف: 184] {أية : قُلِ ٱنظُرُواْ } تفسير : [يونس: 101] {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ } تفسير : [الغاشيه: 17] إلى غير ذلك، ثم أتى بالوعيد والتهديد، فلما لم ينفعهم قال: أعرض عن المعالجة، واقطع الفاسد لئلا يفسد الصالح.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا } أي القرآن {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } وهذا قبل الأمر بالجهاد.

البقاعي

تفسير : ولما كانوا بعد مجيء الهدى قد أصبروا على الهوى، وكانت هذه السورة في أوائل ما نزل، والمؤمنون قليل، سبب عن ذلك: {فأعرض عن من تولى *} أي كلف نفسه خلاف ما يدعو إليه العقل والفطرة من ولى {عن ذكرنا} أي ذكره إيانا، فأعرض عن الذكر الذي أنزلناه فلم ينله ولم يتدبر معانيه فلا يلتفت إلى شيء علمه فإنه مطموس على قلبه ولو كان ذهنه أرق من الشعر فإنه لا يؤول إلا إلى شر{أية : ولا تذهب نفسك عليهم حسرات}تفسير : [فاطر: 8] فإنه ما عليك إلا البلاغ. ولما كان المعرض في وقت قد يقبل في آخر، دل على دوامه على وجه بليغ بقوله: {ولم يرد} أي في وقت من الأوقات {إلا الحياة الدنيا *} أي الحاضرة ليقصده بالمحسوسات كالبهائم في العمى عن دناءتها وحقارتها، ثم ترجم جملتي الإعراض والإرادة بقوله: {ذلك} أي الأمر المتناهي في الجهل والقباحة {مبلغهم} أي نهاية بلوغهم وموضع بلوغهم والحاصل لهم، وتهكم بهم بقوله: {من العلم} أنه لا علم لهم لأن عيون بصائرهم عمي، ومرائبها كثيفة مظلمة لا تكشف عن نظر الآخرة التي هي أصل العلوم كلها، ثم علل هذه الجملة بقوله مؤكداً قطعاً لطمع من يظن أن وعظه وكلامه يرد أحداً من غيه وإن أبلغ في أمره ودعائه في سره وجهره، وإعلاماً بأن ذلك إنما هو من الله، فمن وعظ له سبحانه راجياً منه في إيمانه أوشك أن ينفع به كما فعل في وعظ مصعب بن عمير رضي الله عنه فصغى له أسيد بن حضير وسعد بن معاذ رضي الله عنهما في ساعة واحدة كما هو مشهور {إن ربك} أي المحسن إليك بالإرسال وغيره {هو} أي وحده {أعلم بمن ضل عن سبيله} ضلالاً مستمراً، فلا تعلق أملك بأن يصل علمه إلى ما وراء الدنيا، وعبر بالرب إشارة إلى أن ضلال هذا من الإحسان إليه صلى الله عليه وسلم لأنه لو دخل في دنيه لأفسد أكثر مما يصلح كما قال تعالى: {أية : ولا أوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم}تفسير : [التوبة: 47] وذلك لأنه جبل جبلة غير قابلة للخير {وهو} أي وحده {أعلم بما اهتدى *} أي ظاهراً وباطناً. ولما كان هذا ربما أوهم أن من ضل على هذه الحالة ليس في قبضه، قال نافعاً لهذا الإبهام مبيناً أن له الأسماء الحسنى ومقتضياتها في العالم موضع "والحال أنه له" أو عطفاً على ما تقديره: فللّه من في السماوات ومن في الأرض: {ولله} أي الملك الأعظم وحده {ما في السماوات} من الذوات والمعاني فيشمل ذلك السماوات والأراضي، فإن كل سماء في التي تليها، والأرض في السماء {وما في الأرض} وكذلك الأراضي والكل في العرش وهو ذو العرش العظيم. ولما أمره صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وسلاه وأعلمه أن الكل في ملكه، فلو شاء لهداهم ورفع النزاع، ولكنه له في ذلك حكم تحار فيها الأفكار، علل الإعراض كما تقدم في الجاثية في قوله:{أية : قل للذين آمنوا يغفروا}تفسير : [الجاثية: 14] بقوله: {ليجزي} أي يعاقب هو سبحانه كافياً لك ما أهمك من ذلك، ويجوز أن يكون التقدير: وكما أنه سبحانه مالك ذلك فهو ملكه ليحكم بجزاء كل على حسب ما يستحق، فإن الحكم نتيجة الملك {الذين أساؤوا} بالضلال {بما عملوا} أي بسببه وبحسبه إما بواسطتك وبسيوفك وسيوف أتباعك إذا أذنت لكم في القتال، وإما بغير ذلك بالموت حتف الأنف بضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، ثم بعذاب الآخرة على جميع ذنوبهم من غير أن يكون عجل لهم في الدنيا شيء ينقص بسببه عذاب الآخرة {ويجزي} أي يثبت ويكرم {الذين أحسنوا} أي على ثباتهم على الدين وصبرهم عليه وعلى أذى أعدائهم {بالحسنى *} أي الثبوت الذي هو في غاية الحسن ما بعدها غاية، فإن الحسنى تأنيث الأحسن. ولما وعد الذين وقع منهم الإحسان، وصفهم فقال: {الذين يجتنبون} أي يكلفون أنفسهم ويجهدونها على أن يتركوا {كبائر الإثم} أي ما عظم الشارع إثمه بعد تحريمه بالوعيد والحد، وعطف على {كبائر الإثم} قوله: {والفواحش} والفاحشة من الكبائر ما يكرهه الطبع وينكره العقل ويستخسّه. ولما أفهم هذا التقييد أن من خالط ما دون كان مغفوراً له، صرح به فقال: {إلا} أي لكن {اللمم} معفو، فمن خالطه لا يخرج عن عداد من أحسن، فهو استثناء منقطع، ولعله وضع فيه {إلا} موضع {لكن} إشارة إلى الصغير يمكن أن يكون كبيراً باستهانته مثلاً كما قال تعالى{أية : وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم}تفسير : [النور: 15] واللمم هو صغار الذنوب، والمراد هنا ما يحصل منها في الأحيان كأنه وقع في صحابه فلتة بغير اختيار منه، لا ما يتخذ عادة أو يكثر حتى يصير كالعادة، قال الرازي في اللوامع: وأصله مقاربة الذنب ثم الامتناع منه قبل الفعل، قال ذو النون: ذكر الفاحشة من العارف كفعلها من غيره - انتهى. يقال: وألم بالمكان - إذا قل لبثه فيه، وقال البغوي: قال السدي: قال أبو صالح أنه سئل عن اللمم فقال: هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده، قال: فذكرت ذلك لابن عباس رضي الله عنهما فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم، ثم قال البغوي: فأصل الملم والإلمام ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين، ولا يكون له إعادة ولا إقامة عليه - انتهى - وعلى هذا يصح أن يكون الاستثناء متصلاً. ولما كان الملوك لا يغفرون لمن تكررت ذنوبه إليهم وإن صغرت، فكان السامع يستعظم أن يغفر ملك الملوك سبحانه مثل هذا، علل ذلك بقوله: {إن ربك} أي المحسن إليك بإرسالك رحمة للعالمين والتخفيف عن أمتك {واسع المغفرة} فهو يغفر الصغائر حقاً أوجبه على نفسه ويغفر الكبائر إن شاء بخلاف غيره من الملوك فإنه لو أراد ذلك ما أمكنه اتباعه، ولو جاهد حتى تمكن من ذلك في وقت فسدت مملكته فأدى ذلك إلى زوال الملك من يده أو اختلاله. ولما وصف الذين أحسنوا فكان ربما وقع في وهم أنه لا يعلمهم سبحانه إلا بأفعالهم، وربما قطع من عمل بمضمون الآية أنه ممن أحسن، قال نافياً لذلك: {هو أعلم بكم} أي بذواتكم وأحوالكم منك بأنفسكم {إذ} أي حين {أنشاكم} ابتداء {من الأرض} التي طبعها طبع الموت: البرد واليبس بإنشاء أبيكم آدم عليه السلام منها وتهيئتكم للتكوين بعد أن لم يكن فيكم تقوية قريبة ولا بعيدة أصلاً يميز الثواب الذي يصلح لتكونكم منه والذي لا يصلح {وإذ} أي حين {أنتم أجنة} أي مستورون. ولما كان البشر قد يكون في بطن الأرض وإن كان الجنين معروفاً للطفل في البطن، حقق معناه بقوله: {في بطون أمهاتكم} بعد أن مزج بذلك التراب البارد اليابس الماء والهواء، فنشأت الحرارة والرطوبة، فكانت هذه الأربعة الأخلاط الزكية والدنية، ولكن لا علم لكم أصلاً، فهو يعلم إذ ذاك ما أنتم صائرون إليه من خير وشر وإن عملتم مدة من العمر بخلاف ذلك فإنه يعلم ما جبلكم عليه من ذلك وأنتم لا تعلمون إلا ما يكون في أنفسكم حال كونه أنكم لا تحيطون به إذ ذاك علماً. ولما كان من عادة من سلم من الذنوب أن يفتخر على من قارفها لما بني الإنسان عليه من محبة الفخر لما جبل عليه من النقصان، وكان حاله قد يتبدل فيسبق عليه الكتاب فيشقى، سبب عن ذلك قوله: {فلا تزكوا} أي تمدحوا بالزكاة وهو البركة والطهارة عن الدناءة {أنفسكم} أي حقيقة بان يثني على نفسه فإن تزكيته لنفسه من علامات كونه محجوباً عن الله - قال القشيري - أو مجازاً بأن يثني على غيره من إخوانه فإنه كثيراً ما يثني بشيء فيظهر خلافه، وربما حصل له الأذى بسببه"حديث : وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع"تفسير : الحديث، ولذلك علل بقوله: {هو أعلم} أي منكم ومن جميع الخلق {بمن اتقى} أي جاهد نفسه حتى حصل فيه تقوى، فهو يوصله فوق ما يؤمل من الثواب في الدارين، فكيف بمن صارت له التقوى وصفاً ثابتاً.

السلمي

تفسير : قوله تعالى ذكره: {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا} [الآية: 29]. قال بعضهم: ضيّع وقته من اشتغل بموعظة طالبى الدنيا والراغبين فيها لأن أحداً لا يقبل على الدنيا إلا بعد الإعراض عن الله قال الله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا}.

القشيري

تفسير : أي أَعْرِض عمَّن أَعرض عن القرآنِ والإيمان به وتدَبُّرِ معانيه، ولم يُرِدْ إِلا الحياةَ الدنيا. ذلك مبلغهم من العلم؛ وإنما رضوا بالدنيا لأنهم لم يعلموا حديث الآخرة، وإِنَّ ربَّك عليمٌ بالضالِّ، عليمٌ بالمهتدِي... وهو يجازي كلاًّ بما يستحق.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا} اى فاعرض عن الجاهلين بنا والمعرضين عنا والشاغلين بغيرنا فان يبلغ علومهم الظنون الكاذبة والاوهام الزائغة قال بعضهم ضيع وقته من اشتغل بموعظة طالب الدنيا والراغبين فيها لان احدا لا يقبل على الدنيا الا بعد الاعراض عن الله قال الله فاعرض عن من تولى عن ذكرنا.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاعرض عمن تولى عن ذكرنا} اى فاعرض يا محمد عن دعوة من اعرض عن ذكرنا المفيد للعلم اليقينى ولم يؤمن به وهو القرءآن المنطوى على علوم الاولين والآخرين المذكر لأمور الآخرة ولاتتهالك على اسلامه وعن ذكرنا كما ينبغى فان ذلك مستتبع لذكر الآخرة ومافيها من الامور المرغوب فيها والمهروب عنها {ولم يرد الا الحياة الدنيا} راضيا بها قاصرا نظره على جمع حطامها وجلب منافعها فالمراد النهى عن دعوته والاعتناء بشأنه فان من اعرض عما ذكر وانهمك فى الدنيا بحيث كانت منتهى همته وقصارى سعيه لاتزيده الدعوة الى خلافها الاعنادا واصرارا على الباطل النهى عن الدعوة لايستلزم نهى الآية بآية القتال بل الاعراض عن الجواب والمناظرة شرط الجواز المقاتلة فيكف يكون منسوخا بها فالمعنى اعرض عنهم ولا تشتغل باقامة الدليل والبرهان فانهم لاينتفعون به وقاتلهم واقطع دابرهم قال بعضهم ضيع وقته من اشتغل بموعظة طالبى الدنيا والراغبين فيها لان احدا لايقبل على الدنيا الا بعد الاعراض عن الله شعر : باسيه دل جه سود كفتن وعظ نرود ميخ آهنين درسنك تفسير : قال ابن الشيخ اعلم ان النبى عليه السلام كالطبيب للقلوب فأمره الله تعالى فى معالجة القلوب بما عليه الاطباء فى معالجة المرضى فان المرض اذا امكن علاجه بالغذآء لايستعملون فى ازالته الدوآء واذا امكن ازالته بالدوآء الضعيف لايستعملون الدوآء القوى والكى فلذلك امر عليه السلام بالذكر الذى هو غذآء القلوب حيث قال "حديث : قولوا لا اله الا الله فان بذكر الله تطمئن القلوب"تفسير : كما ان بالغذآء تطمئن النفوس فانتفع به ابو بكر ومن كان مثله رضى الله عنهم ومن لم ينتفع بالحمل على الذكر والامر به ذكر لهم الدليل وقال اولم يتفكروا قل انظروا افلا ينظرون فلما لم ينتفعوا أتى بالوعيد والتهديد فلما لم ينفعهم قال اعرض عن المعالجة واقطع الفاسد لئلا يفسد الصالح فقوله عمن تولى الخ اشارة الى ماقلنا فان التولى عن ذكره كناية عن ملزمه الذى هو ترك النظر فى دلائل وجوده ووحدته وسائر صفاته وقوله ولم يرد الخ اشارة الى انكارهم الحشر ومن لم يقل بالحشر والحساب لايخاف ولا يرجع عما هو عليه ترك النظر فى دلائل الله لايعرفه فلا يتبع رسوله فلا ينفعه كلامه فلا يبقى فى الدعاء فائدة فلم يبق الا ترك المعالجة والمسارعة الى المقاتلة انتهى كلامه. ثم اعلم ان كل مايبعد العبد عن حضرة سيده فهو من الحياة الدنيا فمن قصد بالزهد والورع والتقى والكشف والكرامات وخوارق العادات قبول الناس والشهرة عندهم وحصول الجاه والمال فهو ممن لم يرد الا الحياة الدنيا فضاع جميع احواله وكسد جملة اقواله وافعاله اذ لاربح له عند الله ولا ثمرة شعر : زعمرو اى بسر جشم اجرت مدار جو درخانه زيد باشى بكار تفسير : ولايغترن هذا بحصول بعض الكشوف واقبال اهل الدنيا عليه فانه ثمرة عاجلة ماله فى الآخرة من خلاق ألا ترى ان ابليس عبد الله تعالى تسعة آلاف سنة لما كفر وقال انظرنى الى يوم يبعثون امهله الله تعالى فكانت تلك المهلة ثمرة عاجلة له فى حياته الدنيوية

الجنابذي

تفسير : {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا} لمّا ذكر حال المشركين وانّهم اعرضوا عن اليقين وتمسّكوا بالظّنّ والتّخمين قال: اذا كان حالهم على هذا ولم يتوجّهوا اليك والى ما به اليقين، او لم يتوجّهوا الى علىٍّ (ع) الّذى بالتّوجّه اليه يحصل اليقين، فأعرض عن مجادلتهم وعن النّصح والتّذكير لهم، او اعرض عن مكافاتهم على سوء فعالهم، والمراد بالذّكر هو ما به ذكر الله للعباد وهو العقل والقلب الّذى هو طريق العقل والقرآن والرّسول وصاحب الولاية وجملة الآيات الآفاقيّة والانفسيّة، او المراد ما به ذكر العباد لله وهو المذكورات مع الاذكار اللّسانيّة والقلبيّة لكنّ المنظور الاعراض عمّن انكر الولاية فانّه المستحقّ للاعراض سواء كان قابلاً للرّسالة او لم يكن {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} فانّ من اعرض عن القلب وصاحبه لا يكون له ارادة من جملة افعاله واقواله وعلومه الاّ الانتفاع فى جهة الحياة الدّنيا فانّه ان صلّى صلّى لئلاّ يحدث له حادثة تضرّه فى حياته، وان صام فكذلك، وان حصل له علمٌ لا يكون وجه علمه الاّ الى الدّنيا فيكون علمه جهلاً مشابهاً للعلم.

اطفيش

تفسير : {فَأعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا} أي القرآن وقيل الايمان نسخت بآية السيف ونقول يصح ان يراد بالاعراض ان انذارك لا يفيدهم فكف فقد بلغت فلا نسخ. {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَٰوةَ الدُّنْيَا} فهي منتهى همته فلا يزيده الانذار إلا عنادا أو لا يريدون الآخرة فيعملوا لها.

اطفيش

تفسير : {فأعْرض} الخ لا تبالغ فى الحرص على ايمانهم، أو لا تجازهم على اساءتهم واصبر {عمَّن تولَّى عَن ذِكْرنا} أى أعْرض عنهم برد الضمير اليهم، ولكن أظهر ليصفهم بالتولى، وإرادة الدنيا فقط، قيل: وفى مثل هذا فى جميع القرآن قد يقال: يجوز أن يضمر ويأتى بالوصف على طريق الحال مثلا، مثل فأعرض عنهم متولين عن ذكرنا، ومقتصرين على الحياة الدنيا، فنقول لم نرد أنه لا سبيل الى ذلك إلا الاظهار، بل نقول: انه طريق فى ذلك، والذكر القرآن يفيد سامعه مواعظ، وأحكام الشرع والاخبار، والترهيب والترغيب والتولى عنه ترك الأخذ به، وترك الاعتناء به، وقيل: الذكر قول: لا إله إلا الله، وقول: سبحان الله ونحو ذلك من الأذكار، واستحضار أن الله ناه عن المعصية، وآمر بالطاعة، ومعاقب ومثيب ويقال: عجب الملائكة ممن ذكر عنده لا إله إلا الله ولم يذكره، ومن ذكر عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليه، وممن مرّ على أخيه ولم يسلم عليه، وقيل: الذكر الرسول صلى الله عليه وسلم، تولوا عن الايمان به، وبما جاء به، وقيل الذكر الايمان. {ولَم يُرد إلاَّ الحياة الدنيْا} اقتصر همه على البقاء فيها ولذاتها، وجاهها ومالها، وما نحن منها.

الالوسي

تفسير : {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا } أي عنهم. ووضع الموصول موضع ضميرهم للتوسل به إلى وصفهم بما في حيز صلته من الأوصاف القبيحة، وتعليل الحكم بها أي فأعرض عمن أعرض عن ذكرنا المفيد للعلم الحق وهو القرآن العظيم، المنطوي على بيان الاعتقادات الحقة، المشتمل على علوم الأولين والآخرين، المذكر للآخرة وما فيها من الأمور المرغوب فيها والمرهوب عنها، والمراد بالإعراض عنه ترك الأخذ بما فيه وعدم الاعتناء به، وقيل: المراد بالذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وبالإعراض عنه ترك الأخذ بما جاء به، وقيل: المراد به الإيمان، وقيل: هو على ظاهره والإعراض عنه كناية عن الغفلة عنه عز وجل. {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَٰوةَ ٱلدُّنْيَا } راضياً بها قاصراً نظره عليها جاهداً فيما يصلحها كالنضر بن الحرث والوليد بن المغيرة، والمراد من الأمر المذكور النهي عن المبالغة في الحرص على هداهم كأنه قيل: لا تبالغ في الحرص على هدي من تولى عن ذكرنا وانهمك في الدنيا بحيث كانت منتهى همته وقصارى سعيه.

ابن عاشور

تفسير : {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَٰوةَ ٱلدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ}. بعد أن وصف مداركهم الباطلة وضلالهم فَرَّع عليه أمرَ نبيه صلى الله عليه وسلم بالإِعراض عنهم ذلك لأن ما تقدم من وصف ضلالهم كان نتيجة إعراضهم عن ذكر الله وهو التولّي عن الذكر فحق أن يكون جزاؤهم عن ذلك الإِعراض إعراضاً عنهم فإن الإِعراض والتولي مترادفان أو متقاربان فالمراد بــــ {من تولى} الفريق الذين أعرضوا عن القرآن وهم المخاطبون آنفاً بقوله: {أية : ما ضل صاحبكم وما غوى}تفسير : [النجم: 2] وقوله: {أية : أفرأيتم اللات والعزى}تفسير : [النجم: 19] والمخبر عنهم بقوله: {أية : إن يتبعون إلا الظن}تفسير : [النجم: 28] الخ وقوله: {أية : إن الذين لا يؤمنون بالآخرة}تفسير : [النجم: 27] الخ. والإِعراض والتولي كلاهما مستعمل هنا في مجازه؛ فأما الإِعراض فهو مستعار لترك المجادلة أو لترك الاهتمام بسلامتهم من العذاب وغضب الله، وأما التولي فهو مستعار لعدم الاستماع أو لعدم الامتثال. وحقيقة الإِعراض: لفت الوجه عن الشيء لأنه مشتق من العارض وهو صفحة الخد لأن الكاره لشيء يصرف عنه وجهه. وحقيقة التولي: الإِدبار والإِنصراف، وإعراض النبي صلى الله عليه وسلم عنهم المأمور به مراد به عدم الاهتمام بنجاتهم لأنهم لم يقبلوا الإِرشاد وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بإدامة دعوتهم للإِيمان فكما كان يدعوهم قبل نزول هذه الآية فقد دعاهم غير مرة بعد نزولها، على أن الدعوة لا تختص بهم فإنها ينتفع بها المؤمنون، ومن لم يسبق منه إعراض من المشركين فإنهم يسمعون ما أنذر به المعرضون ويتأملون فيما تصفهم به آيات القرآن، وبهذا تعلم أن لا علاقة لهذه الآية وأمثالها بالمتاركة ولا هي منسوخة بآيات القتال. وقد تقدم الكلام على ذلك في قوله: {أية : فأعرض عنهم وعظهم} تفسير : في سورة النساء (63) وقوله: {أية : وأعرض عن المشركين} تفسير : في سورة الأنعام (106)، فضُم إليه ما هنا. وما صدَقُ {من تولى} القوم الذين تولوا وإنما جرى الفعل على صيغة المفرد مراعاة للفظ {مَن} ألا ترى قوله: {ذلك مبلغهم} بضمير الجمع. وجيء بالاسم الظاهر في مقام الإِضمار فقيل {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا} دون: فأعرض عنهم لما تؤذن به صلة الموصول من علة الأمر بالإِعراض عنهم ومن ترتب توليهم عن ذكر الله على ما سبق وصفه من ضلالهم إذ لم يتقدم وصفهم بالتولّي عن الذكر وإنما تقدم وصف أسبابه. والذكر المضاف إلى ضمير الجلالة هو القرآن. ومعنى {ولم يرد إلا الحياة الدنيا} كناية عن عدم الإِيمان بالحياة الآخرة كما دل عليه قوله: {ذلك مبلغهم من العلم} لأنهم لو آمنوا بها على حقيقتها لأرادُوها ولو ببعض أعمالهم. وجملة {ذلك مبلغهم من العلم} اعتراض وهو استئناف بياني بيِّن به سبب جهلهم بوجود الحياة الآخرة لأنه لغرابته مما يسأل عنه السائل وفيه تحقير لهم وازدراء بهم بقصور معلوماتهم. وهذا الاستئناف وقع معترضاً بين الجمل وعلتها في قوله: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} الآية. وأعني حاصل قوله: {ولم يرد إلا الحياة الدنيا}. وقوله: {ذلك} إشارة إلى المذكور في الكلام السابق من قوله: {ولم يرد إلا الحياة الدنيا} استعير للشيء الذي لم يعلموه اسم الحد الذي يبلغ إليه السائر فلا يعلم ما بعده من البلاد. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى}. تعليل لجملة {فأعرض عن من تولى} وهو تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والخبر مستعمل في معنى أنه متولي حسابهم وجزائهم على طريقة الكناية، وفيه وعيد للضالّين. والتوكيد المفاد بــــ {إنَّ} وبضمير الفصل راجع إلى المعنى الكنائي، وأما كونه تعالى أعلم بذلك فلا مقتضى لتأكيدها لما كان المخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: هو أعلم منك بحالهم. وضمير الفصل مفيد القصر وهو قصر حقيقي. والمعنى: أنت لا تعلم دخائلهم فلا تتحسر عليهم. وجملة {وهو أعلم بمن اهتدى} تتميم، وفيه وعد للمؤمنين وبشارة للنبي صلى الله عليه وسلم والباء في بـــ {من ضل} وفي بـــ {من اهتدى} لتعدية صفتي {أعلم} وهي للملابسة، أي هو أشد علماً ملابساً لمن ضل عن سبيله، أي ملابساً لحال ضلاله، وتقديم ذكر {من ضل} على ذكر {من اهتدى} لأن الضالّين أهمّ في هذا المقام، وأما ذكر المهتدين فتتميمِ.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْحَيَاةَ} (29) - فَأَعْرِضْ عَنْ مِثْلِ هؤُلاءِ الذِينَ أَعْرَضُوا عَنِ القُرآنِ وَمَا فِيهِ مِنَ الحَقِّ والهُدَى، وَجَعَلُوا هَمَّهُمُ الدُّنيا وَمَا فِيها مِنْ مُتَعٍ وَمَلَذَّاتٍ، وَاهْجُرْهُمْ وَلاَ تَهْتَمَّ بِمَصِيرِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أنْ بيَّن الحق سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم موقف خصومه، وكيف أنهم لا يريدون الحق، بل يريدون الهوى والظن والشهوات، يقول له: يا محمد أرح نفسك من هؤلاء، فلا فائدة منهم. وقد كان سيدنا رسول الله حريصاً كلّ الحرص على هداية قومه، وكان يُحمِّل نفسه في سبيل دعوتهم إلى الحق فوق ما تحتمل، لذلك خاطبه سبحانه بقوله: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً}تفسير : [الكهف: 6] وقال له: {أية : إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ..}تفسير : [الشورى: 48]. وقد بيّنا أن الله تعالى لا يريد منهم قوالب تأتي راغمة، إنما يريد قلوباً تأتي إليه طواعية واختياراً. لذلك يقول سبحانه لنبيه: {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا ..} [النجم: 29] فأعرض: أمر من الفعل عَرَض عارض، وأعرض مُعرض. والهمزة هنا تُسمّى همزة الإزالة. أي: إزالة العرض، تعرفون المعرض الدولي الذي نعرض فيه المنتجات، فصاحب المنتج عارض يعرضه على الناس، ويُبيِّن لهم مزاياه فهو عارض. وهكذا كان سيدنا رسول الله يعرض الهدى ومنهج الحق على قومه، ويُبيِّن لهم أهدافه ومزاياه، فلم يكْن منهم إلا الصبر والأذى والإعراض عنه والانصراف. وظل كذلك ألى أنْ أمره ربه بالإعراض عنهم، فقال له: {فَأَعْرِضْ ..} [النجم: 29] من أعرض، وهو عكس عرض، وهمزة الإزالة تُحوِّل الفعل إلى ضده، فكما انصرفوا عنك فانصرف عنهم، أعرضوا عنك فأعرض عنهم. وهمزة الإزالة في أعرض مثل أعجم. نقول: أعجم الكتاب. أي: أزال عُجْمته ومنه معجم، وهو الكتاب الذي يُزيل غموض الألفاظ، كذلك أعرض أي: أزال العرض. {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا ..} [النجم: 29] إذن: هم البادئون بالإعراض عن ذكر الله، أي: عن القرآن وعن المنهج لأنه يُقيِّد حريتهم في الشهوات، المنهج تكليف، وهم لا يريدون تكليفاً، يريدون الانطلاق خلف شهواتهم وملذاتهم دون رقيب. ولو تأمل هؤلاء المعرضون منهم الله لعرفوا أنه في صالحهم، لأنه مثلاً حين ينهاك عن السرقة وأنت فرد ينهى الناس جميعاً أنْ يسرقوا منك، كفَّ يدك وكفّ أيدي الملايين عنك. إذن: قبل أنْ تنظر إلى مشقة التكاليف انظر إلى عطائها. تذكرون الصحابي الشاب الذي أتى سيدنا رسول الله وقال له:يا رسول الله إئذن لي بالزنا، تصوروا ماذا كان ردّ فعل رسول الله على هذا المطب الغريب؟ لم ينهره بل أدناه منه وتبسَّم في وجهه وقال له: يا أخا العرب أتحبه لأختك؟ فيقول: لا يا رسول الله جُعلْتُ فداك، فيقول: أتحبه لأمك؟ أتحبه لابنتك؟. يقول الراوي: حتى ذكر العمة والخالة، والرجل يقول: لا يا رسول الله جُعلْتُ فداك، ثم يقول له سيدنا رسول الله: كذلك الناس يا أخا العرب لا يحبونه لأخواتهم ولا لأمهاتهم ولا لبناتهم. فيقول الشاب: فانصرفت من عند رسول الله، وليس شيء أبغض إليَّ من الزنا، وما هممتُ بشيء إلا تذكرت أختي وأمي وابنتي. لذلك الحق سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة يقول عن المتقين: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [البقرة: 5] فالتكاليف الدينية والمنهج ليس عبئاً عليك، إنما هو دابة تحملك وتُوصِّلك إلى غايتك، فهم على الهواء و(على) تفيد الاستعلاء، فالمنهج هو الذي يحملك، وهو الذي يساعدك ويُسعدك. وقوله تعالى: {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} [النجم: 29] أي: هي غايتهم، فلا يعملون إلا لها وقد أقروا بذلك فقالوا: {أية : مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ..}تفسير : [الجاثية: 24] فالآخرة ليست في حساباتهم. لذلك الحق سبحانه وتعالى يُسفه هذا الرأي ويقول: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ ..} [النجم: 30] أقصى ما وصلوا إليه من العلم الذاتي فقد وقف بهم عند هذا الحد. والعجيب أنهم أغلقوا آذانهم وصَمُّوا أسماعهم عن الهدى، فلم يأخذوا بعلم الله الذي أنزله عليهم {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ} [النجم: 30]. نقف أولاً عند أسلوب القصر {هُوَ أَعْلَمُ ..} [النجم: 30] حيث قصر العلم على الله وحده، لأن الهداية والضلال أمر في غالبه غيبي لا يطلع عليه إلا عالم السر وأخفى، ثم إن الجميع يدَّعي أنه على الهدى، وأن غيره على الضلال، لذلك اختصَّ الله بهذا العلم نفسه سبحانه. وقد جاءت هذه الآية {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ} [النجم: 30] بعد قوله تعالى لنبيه: {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا ..} [النجم: 29] فهنا تناسب بين الآيتين، لأن الله تعالى سبق علمه بخَلْقه مَنْ يضل ومَنْ يهتدي، مَنْ سيُقبل على الدعوة، ومَنْ سيعرض عنها. لذلك قال لنبيه أرح نفسك {أية : إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ..}تفسير : [الشورى: 48] والحق سبحانه وتعالى أخبر رسوله بمَنْ سيهتدي وبمَنْ سيظل على ضلاله، فأبو لهب وأبو سفيان وعمرو وخالد بن الوليد كانوا جميعاً في خندق واحد ضد الإسلام، فشاء الله أنْ يؤمن أبو سفيان وخالد وعمرو. أما أبو لهب فقد ظلَّ على كفره، حتى بعد أنْ نزلت فيه {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ}تفسير : [المسد: 1-3].