Verse. 4814 (AR)

٥٣ - ٱلنَّجْم

53 - An-Najm (AR)

ذٰلِكَ مَبْلَغُہُمْ مِّنَ الْعِلْمِ۝۰ۭ اِنَّ رَبَّكَ ہُوَاَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيْلِہٖ۝۰ۙ وَہُوَاَعْلَمُ بِمَنِ اہْتَدٰى۝۳۰
Thalika mablaghuhum mina alAAilmi inna rabbaka huwa aAAlamu biman dalla AAan sabeelihi wahuwa aAAlamu bimani ihtada

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك» أي طلب الدنيا «مبلغهم من العلم» أي نهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة «إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى» عالم بهما فيجازيهما.

30

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ مبلغهم من العلم} {ذٰلِكَ } فيه وجوه الأول: أظهرها أنه عائد إلى الظن، أي غاية ما يبلغون به أنهم يأخذون بالظن وثانيها: إيثار الحياة الدنيا مبلغهم من العلم، أي ذلك الإيثار غاية ما بلغوه من العلم ثالثها: {أية : فَأَعْرَضَ عن من تَوَلَّىٰ } تفسير : [النجم: 29] وذلك الإعراض غاية ما بلغوه من العلم، والعلم على هذا يكون المراد منه العلم بالمعلوم، وتكون الألف واللام للتعريف، والعلم بالمعلوم هو ما في القرآن، وتقرير هذا أن القرآن لما ورد بعضهم تلقاه بالقبول وانشرح صدره فبلغ الغاية القصوى، وبعضهم قبله من حيث إنه معجزة، واتبع الرسول فبلغ الدرجة الوسطى، وبعضهم توقف فيه كأبي طالب، وذلك أدنى المراتب، وبعضهم رده وعابه، فالأولون لم يجز الإعراض عنهم، والآخرون وجب الإعراض عنهم، وكان موضع بلوغه من العلم أنه قطع الكلام معه الإعراض عنه، وعليه سؤال وهو: أن الله تعالى بين أن غايتهم ذلك: ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها والمجنون الذي لا علم له، والصبي لا يؤمر بما فوق احتماله فكيف يعاقبهم الله؟. نقول ذكر قبل ذلك أنهم تولوا عن ذكر الله، فكأن عدم علمهم لعدم قبولهم العلم، وإنما قدر الله توليهم ليضاف الجهل إلى ذلك فيحقق العقاب، قال الزمخشري: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مّنَ ٱلْعِلْمِ } كلام معترض بين كلامين، والمتصل قوله تعالى: {أية : فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا } تفسير : [النجم: 29] {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} وعلى ما ذكرنا المقصود لا يتم إلا به، يكون كأنه تعالى قال: أعرض عنهم فإن ذلك غايتهم، ولا يوجد وراء ما ظهر منهم شيء، وكأن قوله: {عن من تَوَلَّىٰ } إشارة إلى قطع عذرهم بسبب الجهل، فإن الجهل كان بالتولي وإيثار العاجل. ثم ابتدأ وقال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ } وفي المناسبة وجوه الأول: أنه تعالى لما قال: للنبي صلى الله عليه وسلم، أعرض وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الميل إلى إيمان قومه وكان ربما هجس في خاطره، أن في الذكرى بعد منفعة، وربما يؤمن من الكافرين قوم آخرون من غير قتال فقال له: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ } علم أنه يؤمن بمجرد الدعاء أحد من المكلفين، وإنما ينفع فيهم أن يقع السيف والقتال فأعرض عن الجدال وأقبل على القتال، وعلى هذا فقوله: {بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ } أي علم في الأزل، من ضل في تقديره ومن اهتدى، فلا يشتبه عليه الأمران، ولا يأس في الإعراض ويعد في العرف مصلحة ثانيها: هو على معنى قوله تعالى: {أية : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [سبأ: 24] وقوله تعالى: {أية : يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا } تفسير : [الأعراف: 87] ووجهه أنهم كانوا يقولون: نحن على الهدى وأنتم مبطلون وأقام النبي صلى الله عليه وسلم الحجة عليهم فلم ينفعهم، فقال تعالى: أعرض عنهم وأجرك وقع على الله، فإنه يعلم أنكم مهتدون، ويعلم أنهم ضالون، والمتناظران إذا تناظرا عند ملك قادر مقصودهم ظهور الأمر عند الملك فإن اعترف الخصم بالحق فذاك، وإلا فغرض المصيب يظهر عند الملك فقال تعالى: جادلت وأحسنت، والله أعلم بالمحق من المبطل ثالثها: أنه تعالى لما أمر نبيه بالإعراض وكان قد صدر منهم إيذاء عظيم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتحمله رجاء أن يؤمنوا، فنسخ جميع ذلك فلما لم يؤمنوا فكأنه قال: سعيي وتحملي لإيذائهم وقع هباء، فقال الله تعالى: إن الله يعلم حال المضلين والمهتدين: لله ما في السموات والأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا من المهتدين. وفيه مسائل: المسألة الأولى: {هُوَ } يسمى عماداً وفصلاً، ولو قال: إن ربك أعلم لتمَّ الكلام، غير أن عند خلو الكلام عن هذا العماد ربما يتوقف السامع على سماع ما بعده، ليعلم أن: {أَعْلَمُ } خبر: {رَبَّكَ } أو هو مع شيء آخر خبر، مثاله لو قال: إن زيداً أعلم منه عمرو يكون خبر زيد الجملة التي بعده، فإن قال: {هُوَ أَعْلَمُ } إنتفى ذلك التوهم. المسألة الثانية: {أَعْلَمُ } يقتضي مفضلاً عليه يقال: زيد أعلم من عمرو، والله أعلم ممن؟ نقول: أفعل يجيء كثيراً بمعنى عالم لا عالم مثله، وحينئذ إن كان هناك عالم فذلك مفضل عليه وإن لم يكن ففي الحقيقة هو العالم لا غير، وفي كثير من المواضع أفعل في صفات الله بذلك المعنى يقال: الله أكبر وفي الحقيقة لا كبير مثله ولا أكبر إلا هو، والذي يناسب هذا أنه ورد في الدعوات يا أكرم الأكرمين كأنه قال: لا أكرم مثلك، وفي الحقيقة لا أكرم إلا هو وهذا معنى قول من يقول: {أَعْلَمُ } بمعنى عالم بالمهتدي والضال، ويمكن أن يقال: أعلم من كل عالم بفرض عالم غيره. المسألة الثالثة: علمته وعلمت به مستعملان، قال الله تعالى في الأنعام: {أية : هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ } تفسير : [الأنعام: 117] ثم ينبغي أن يكون المراد من المعلوم العلم إذا كان تعلقه بالمعلوم أقوى، إما لقوة العلم وإما لظهور المعلوم وإما لتأكيد وجوب العلم به، وإما لكون الفعل له قوة، أما قوة العلم فكما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ } تفسير : [المزمل: 20] وقال: {أية : أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ } تفسير : [العلق: 14] لما كان علم الله تعالى تاماً شاملاً علقه بالمفعول الذي هو حال من أحوال عبده الذي هو بمرأى منه من غير حرف، ولما كان علم العبد ضعيفاً حادثاً علقه بالمفعول الذي هو صفة من صفات الله تعالى الذي لا يحيط به علم البشر بالحرف أو لما كان كون الله رائياً لم يكن محسوساً به مشاهداً علق الفعل به بنفسه وبالآخر بالحرف، وأما ظهور المعلوم فكما قال تعالى: {أية : أَوَ لَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [الزمر: 52] وهو معلوم ظاهر وأما تأكيد وجوب العلم به كما في قوله تعالى {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلا ٱللَّهِ } تفسير : [محمد: 19] ويمكن أن يقال: هو من قبيل الظاهر، وكذلك قوله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 2] وأما قوة الفعل فقال تعالى: {أية : عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ } تفسير : [المزمل: 20] وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ } لما كان المستعمل صفة الفعل علقه بالمفعول بغير حرف وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن } كما كان المستعمل اسماً دالاً على فعل ضعف عمله لتعلقه بالمفعول. المسألة الرابعة: قدم العلم بمن ضل على العلم بالمهتدي في كثير من المواضع منها في سورة الأنعام ومنها في سورة: {ن } ومنها في السورة، لأن في المواضع كلها المذكور نبيه صلى الله عليه وسلم والمعاندون، فذكرهم أولاً تهديداً لهم وتسلية لقلب نبيه عليه الصلاة والسلام. المسألة الخامسة: قال في موضع واحد من المواضع: {أية : هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ } تفسير : [الأنعام: 117] وفي غيره قال: {بِمَن ضَلَّ } فهل عندك فيه شيء؟ قلت: نعم، ونبين ذلك ببحث عقلي وآخر نقلي: أما العقلي: فهو أن العلم القديم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه، إن وجد أمس علم أنه وجد أمس في نهار أمس، وليس مثل علمنا حيث يجوز أن يتحقق الشيء أمس، ونحن لا نعلمه إلا في يومنا هذا بل: {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } ولا يتأخر الواقع عن علمه طرفة عين وأما النقلي: فهو أن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل إذا كان بمعنى المستقبل ولا يعمل عمله إذا كان ماضياً فلا تقول: أنا ضارب زيداً أمس، والواجب إن كنت تنصب أن تقول: ضربت زيداً وإن كنت تستعمل اسم الفاعل فالواجب الإضافة تقول: ضارب زيد أمس أنا ويجوز أن يقال: أنا غداً ضارب زيداً والسبب فيه أن الفعل إذا وجد فلا تجدد له في (غير) الاستقبال، ولا تحقق له في الحال فهو عدم وضعف عن أن يعمل، وأما الحال وما يتوقع فله وجود فيمكن إعماله. إذا ثبت هذا فنقول: لما قال {ضَلَّ } كان الأمر ماضياً وعلمه تعلق به وقت وجوده فعلم، وقوله {أَعْلَمُ } بمعنى عالم فيصير كأنه قال: عالم بمن ضل فلو ترك الباء لكان إعمالاً للفاعل بمعنى الماضي، ولما قال: {يُضِلَّ } كان يعلم الضلال عند الوقوع وإن كان قد علم في الأزل أنه سيضل لكن للعلم بعد ذلك تعلق آخر سيوجد، وهو تعلقه بكون الضلال قد وقع وحصل ولم يكن ذلك في الأزل، فإنه لا يقال: إنه تعالى علم أن فلاناً ضل في الأزل، وإنما الصحيح أن يقال: علم في الأزل، فإنه سيضل، فيكون كأنه يعلم أنه يضل فيكون اسم الفاعل بمعنى المستقبل وهو يعمل عمل الفعل، فلا يقال: زيد أعلم مسألتنا من عمرو، وإنما الواجب أن يقال: زيد أعلم بمسألتنا من عمرو، ولهذا قالت النحاة في سورة الأنعام {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ } يعلم من يضل وقالوا: {أَعْلَمُ } للتفضيل لا يبنى إلا من فعل لازم غير متعد، فإن كان متعدياً يرد إلى لازم. وقولنا: علم كأنه من باب علم بالضم وكذا في التعجب إذا قلنا: ما أعلمه بكذا كأنه من فعل لازم. وأما أنا فقد أجبت عن هذا بأن قوله: {أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ } معناه عالم، وقد قدمنا ما يجب أن يعتقد في أوصاف الله في أكثر الأمر أن معناه أنه عالم ولا عالم مثله فيكون أعلم على حقيقته وهو أحسن من أن يقال: هو بمعنى عالم لا غير، فإن قيل: فلم قال ههنا: {بِمَن ضَلَّ } وقال هناك: {يُضِلَّ }؟ قلنا: لأن ههنا حصل الضلال في الماضي وتأكد حيث حصل يأس الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر بالإعراض، وأما هناك فقال تعالى من قبل: {أية : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِهِ } تفسير : [الأنعام: 116]. ثم قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن يُضِلَّ } بمعنى إن ضللت يعلمك الله فكان الضلال غير حاصل فيه فلم يستعمل صيغة الماضي. المسألة السادسة: قال في الضلال عن سبيله وهو كاف في الضلال لأن الضلال لا يكون إلا في السبيل، وأما بعد الوصول فلا ضلال أو لأن من ضل عن سبيله لا يصل إلى المقصود سواء سلك سبيلاً أو (لم) يسلك وأما من اهتدى إلى سبيل فلا وصول إن لم يسلكه، ويصحح هذا أن من ضل في غير سبيله فهو ضال ومن اهتدى إليها لا يكون مهتدياً إلا إذا اهتدى إلى كل مسألة يضر الجهل بها بالإيمان فكان الاهتداء اليقيني هو الاهتداء المطلق فقال {بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ } وقال {أية : بِٱلْمُهْتَدِينَ } تفسير : [القلم: 7]

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكَ } أي طلب الدنيا {مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ } أي نهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ } أي عالم بهما فيجازيهما.

ابو السعود

تفسير : {ذٰلِكَ} أي ما أدَّاهم فيهِ من التولِّي وقصْرِ الإرادةِ على الحياةِ الدُّنيا {مَبْلَغُهُمْ مّنَ ٱلْعِلْمِ} لا يكادونَ يجاوزونَهُ إلى غيرهِ حتَّى تُجديهم الدعوةُ والإرشادُ وجمعُ الضميرِ في مبلغُهم باعتبارِ مَعْنى مَنْ كَما أنَّ إفراده فيمَا سبقَ باعتبارِ لفظِها، والمرادُ بالعلمِ مطلقُ الإدراكِ المنتظمِ للظنِّ الفاسدِ والجملةُ اعتراضٌ مقررٌ لمضمونِ ما قبلَها من قصرِ الإرادةِ على الحياةِ الدُّنيا. وقولُه تعالَى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ} تعليلٌ للأمرِ بالإعراضِ وتكريرُ قولِه تعالى هو أعلمُ لزيادةِ التقريرِ والإيذانِ بكمالِ تباينِ المعلومَينِ والمرادُ بمَنْ ضَلَّ منْ أصرَّ عليهِ ولم يرجعُ إلى الهُدَى أصلاً وبمَنْ اهتدَى مَنْ شأنُه الاهتداءُ في الجملةِ أي هو المبالغُ في العلمِ بمن لا يرعوِي عنِ الضلالِ أبداً وبمن يقبلُ الاهتداءَ في الجملةِ لا غيرُه فلا تُتعبْ نفسَك في دعوتِهم فإنَّهم من القبـيلِ الأولِ، وفي تعليلِ الأمرِ بإعراضِه عليهِ السلامُ عن الاعتناءِ بأمرِهم باقتصارِ العلمِ بأحوالِ الفريقينِ عليهِ تعالَى رمزٌ إلى أنَّه تعالَى يعاملُهم بموجبِ علمِه بهم فيجزى كلاً منْهم بما يليقُ بهِ من الجزاءِ ففيهِ وعيدٌ ووعدٌ ضِمناً كما سيأتي صَريحاً. {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي خَلقاً ومُلكاً لا لغيرِه أصلاً لا استقلالاً ولا اشتراكاً. وقوله تعالى: {لِيَجْزِىَ} الخ متعلقٌ بما دلَّ عليهِ أعلمُ الخ وما بـينهما اعتراضٌ مقررٌ لما قبلَهُ فإنَّ كونَ الكُلِّ مخلوقاً له تعالى ممَّا يقررُ علمَهُ تعالَى بأحوالِهم {أية : ألا يعلمُ منْ خلقَ} تفسير : [سورة الملك، الآية 14] كأنَّه قيلَ فيعلمُ ضلالَ من ضلَّ واهتداءَ من اهتدَى ويحفظُهما ليجزيَ {ٱلَّذِينَ أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ} أي بعقابِ ما عملُوا من الضلالِ الذي عبَّر عنْهُ بالإساءةِ بـياناً لحالهِ أو بسببِ ما عملوا. {وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} أي اهتدوا {بِٱلْحُسْنَى} أي بالمثوبةِ الحْسْنَى التي هي الجنةُ أو بسببِ أعمالِهم الحُسْنَى، وقيلَ متعلقٌ بما دلَّ عليهِ قولُه تعالى: {أية : وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [سورة آل عمران، الآيات 109 و129 وسورة النساء، الآيات 126 و131] كأنَّه قيلَ خلقَ ما فيهمَا ليجزيَ الخ، وقيلَ: متعلقٌ بضلَّ واهتدَى على أن اللامَ للعاقبةِ أي هُو أعلمُ بمن ضلَّ ليؤولَ أمرُه إلى أنْ يجزيَهُ الله تعالى بعملِه وبمنِ اهتدَى ليؤولَ أمرُهُ إلى أنْ يجزيَهُ بالحُسْنَى وفيهِ من البُعدِ ما لا يَخْفى، وتكريرُ الفعلِ لإبرازِ كمالِ الاعتناءِ بأمرِ الجزاءِ والتنبـيهِ على تباينِ الجزاءينِ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك} اى امر الدنيا وفى بحر العلوم اى ارادة الدنيا وايثارها على الآخرة وفى الارشاد اى ماأداهم الى ماهم فيه من التولى وقصر الارادة على الحياة الدنيا {مبلغهم من العلم} لايكادون يجاوزونه الىغيره حتى يجديهم الدعوة والارشاد كقوله تعالى {أية : يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون}تفسير : فمبلغ اسم مكان وجمع الضمير فى مبلغهم باعتباره معنى من كما ان افراده فيما سبق باعتبار لفظها والمراد بالعلم مطلق الادراك المنتظم للظن الفاسد والجلمة اعتراض مقرر لقصر همتهم على الدنيا الدنية التى هى ابغض الخلق الى الله تعالى بشهادة قوله عليه السلام "حديث : ان الله لم يخلق خلقا هو ابغض اليه من الدنيا ومانظر اليها منذ خلقها بغضا لها"تفسير : رواه ابو هريرة رضى الله عنه ومعنى هو ان الدنيا على الله سبحانه انه تعالى لم يجعلها مقصودة لنفسه بل جعلها طريقا موصلة الى ماهو المقصود لنفسه ولذلك قال عليه السلام "حديث : الدنيا قنطرة فاعبروها لا تعمروها"تفسير : فما ورد من اباحة لعن الدنيا فباعتبار ماكان منها مبعدا عن الله تعالى وشاغلا عنه كما قال بعض اهل الحقيقة ماالهاك عن مولاك فهو دنياك ومشئوم عليك واما مايقرب الى الله ويعين الى عبادته فممدوح كما قال عليه السلام "حديث : لاتسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر ان العبد اذا قال لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله اعصانا لربه"تفسير : (وفى المثنوى) شعر : جيست دنيا از خدا غافل بدن نى قماش ونقره وميزان و زن مال را كزبهر دين باشى حمول نعم مال صالح خواندش رسول آب در كشتى هلاك كشتى است آب اند زير كشتى بشتى است جونكه مال وملك را ازدل براند زان سليمان خويش جرسكين نخواند تفسير : قال بعض الكبار من ذم الدنيا فقد عق امه لان جميع الانكاد والشرور التى ينسبها الناس الى الدنيا ليس هو فعلها وانما هو فعل اولادها لان الشر فعل المكلف لافعل الدنيا فهى مطية العبد عليها يبلغ الخير وبها ينجوا من الشر فهى تحب ان لايشقى احد من اولادها لانها كثيرة الحنو عليهم وتخاف أن تأخذهم الضرة الاخرى على غير اهبة مع كونها ما ولدتهم ولا تعبث فى تربيتهم فمن عقوق اولادها كونهم ينسبون جميع افعال الخير الى الآخرة ويقولون اعمال الآخرة والحال انهم ما عملوا تلك الاعمال الا فى الدنيا فللدنيا اجر المصيبة التى فى اولادها ومن اولادها فما انصف من ذمها بل هو جاهل بحق امه ومن كان كذلك فهو بحق الآخرة اجهل انتهى. واعلم ان الارادة والنية واحد وهو قصد قلبى ينبعث الى قلب الانسان بالبعث الالهى فهذا البعث الالهى ان كان بالفجور على ماقال تعالى {أية : فألهمها فجورها وتقواها}تفسير : فهو من اسم المضل وقبضة الجلال ويد القهر وسادنه هو الشيطان وان كان بالتقوى فهو من اسم الهادى وقبضة الجمال ويد اللطف وسادنه هو الملك والاول من عالم العدل والثانى من علام الفضل وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ثم ان نية الانسان لاتخلو اما أن يكون متعلقا فى لسانه وجنانه هو الدنيا فهو سيىء نية وعملا واما أن يكون متعلقها فى لسانه هو الآخرة وفى جنانه هو الدنيا فهو اسوء نية وعملا واما أن يكون متعلقها فى لسانه وجنانه هو الآخرة فهو حسن نية وعملا واما أن يكون متعلقها فى لسانه وجنانه هو وجه الله فهو احسن نية وعملا فالاول حال الكفار والثانى حال المنافقين والثالث حال الابرار والرابع حال المقربين وقد أشار الحق سبحانه وتعالى الى احوال المقربين عبارة والى احوال غيرهم اشارة فى قوله تعالى {أية : انا جعلنا ماعلى الارض زينة لها لنبلوهم أيهم احسن عملا}تفسير : والمقربون قد فروا الى الله من جميع ما فى ارض الوجود ولم يلتفتوا الى شىء سوى وجهه الكريم ولم يريدوا من المولى غير المولى فكانوا احسن نية وعملا هذا صراط مستقيم اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين {ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بمن اهتدى} تعليل للامر بالاعراض وتكرير قوله وهو اعلم لزيادة التقرير والايذان بكمال تباين المعلومين والمراد بمن ضل من اصر عليه ولم يرجع الى الهدى اصلا وبمن اهتدى من من شأنه الاهتدآء فى الجملة اى هو المبالغ فى العلم بمن لا يرعوى عن الضلال ابدا وبمن يقبل الاهتدآء فى الجملة لا غير فلا تتعب نفسك فى دعوتهم فانه من القبيل الاول وفيه اشارة الى النفس الكافرة ويهود صفاتها فانهم لايقبلون الدعوة لانتفاء استعدادهم لقبولها فمن كان مظهر القهر فى الازل لايكون مظهر اللطف فى الابد وبالعكس وفى الحديث القدسي "حديث : خلقت الجنة وخلقت لها اهلا وخلقت النار وخلقت لها اهلا فطوبى لمن جعلته اهلا للجنة وويل لمن جعلته اهلا للنار"تفسير : قال بعض الكبار النفس لاتفعل الشر الا لجاجة من القرين واللجاج ممن لا قدرة على منعه ومخالفته بمنزلة الاكراه والمكره غير مؤاخذ بالشرع والعقل ولذا قال عليه السلام الخير عادة والشر لجاجة فهو بشارة عظيمة من العالم بالامور عليه السلام فانه اخبر ان النفس خيرة بالذات لان اباها الروح القدسى الطاهر وما تقبل الشر الا لجاجة من القرين فلم يجعل عليه السلام الشر من ذاتها

الجنابذي

تفسير : {ذَلِكَ} المبلغ اى الحياة الدّنيا، او طلب الحياة الدّنيا {مَبْلَغُهُمْ} محلّ بلوغهم او بلوغهم {مِّنَ ٱلْعِلْمِ} لا يتجاوز علمهم عنها الى الآخرة {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ} جوابُ سؤالٍ فى مقام التّعليل لقوله اعرض.

اطفيش

تفسير : {ذَلِكَ} أي امر الدنيا وكونه شهوة واختيار على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله يشفعون لهم. {مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ} نهاية علمهم وقيل رايهم ومبلغ اسم مكان والجملة قيل معترضة بين اعرض وتعليله الذي هو قوله {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} فيجازي الضال والمهتدي ولست تعلمهم انت فلا تتعب نفسك في دعوتهم بعدما دعوت وبلغت وهذا وعيد لهم وتسلية له صلى الله عليه وسلم.

اطفيش

تفسير : {ذلك} المذكور من التولى عن ذكرنا، والاقتصار على الحياة الدنيا، وهذا أولى من كون الاشارة لأمر الحياة الدنيا، ومن كونها للظن الذى يتبعونه، ومن كونها للقول بأن الملائكة بنات الله عز وجل، والأخيران أشد ضعفا، وما قبل الأخير أشد ضعفا، إذ فيه جعل الظن علما، ويجوز أن تكون الاشارة الى ذلك كله {مَبلغُهم مِن العِلْم} أى موضع بلُوغِهم منه، لا علم لهم فوقه، فمبلغ اسم مكان، ومن العلم نعته، ومن للتبعيض، وسمى ذلك علما بالنظر الى دعواهم الفاسدة، أو العلم مطلق الاعتقاد استعمل للمقيد فى المطلق، أو استعارة تصريحية، وضمير الجمع مراعاة لمعنى من بعد الافراد مراعاة للفظها، وعلل قوله: "أعرض" تعليلا بقوله: {إنَّ ربَّك هو أعْلم بمَن ضلَّ عن سبِيله} من أول تكليفه وأصر، أو بعد اسلامه بأن ارتد، والهاء لربك، ويجوز عوده الى من بمعنى أنه ضل عن الدين الذى وجب أن يتخذه سبيلا، وينسب اليه. {وهُو أعْلم بمَن اهْتَدى} ودام من أول تكليفه أو بعد ضلال وهكذا قضى ربك بالضلال والهدى، فلا تبالغ فى الحرص على الهدى، ولعلك باخع نفسك عليه.

الالوسي

تفسير : قوله تعالى: {ذٰلِكَ } أي أمر الحياة الدنيا المفهوم من الكلام ولذا ذكر اسم الإشارة، وقيل: أي ما أداهم إلى ما هم فيه من التولي وقصر الإرادة على الحياة الدنيا، وقيل: {ذٰلِكَ } إشارة إلى الظن الذي يتبعونه، وقيل: إلى جعلهم الملائكة بنات الله سبحانه وكلا القولين كما ترى {مَبْلَغُهُمْ مّنَ ٱلْعِلْمِ } أي منتهى علمهم لا علم لهم فوقه، اعتراض مقرر لمضمون ما قبلها من قصر الإرادة على الحياة الدنيا. والمراد بالعلم مطلق الإدراك المنتظم للظن الفاسد، وضمير {مَبْلَغُهُمْ } ـ لمن ـ وجمع باعتبار معناه كما أن إفراده قبل باعتبار لفظه. وقوله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ } تعليل للأمر بالإعراض. وتكرير قوله تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ } لزيادة التقرير والإيذان بكمال تباين المعلومين، والمراد بمن ضل من أصر على الضلال ولم يرجع إلى الهدى أصلاً، وبمن اهتدى من شأنه الاهتداء في الجملة، أي هو جل شأنه المبالغ في العلم بمن لا يرعوي عن الضلال أبداً، وبمن يقبل الاهتداء في الجملة لا غيره سبحانه فلا تتعب نفسك في دعوتهم ولا تبالغ في الحرص عليها فإنهم من القبيل الأول.

د. أسعد حومد

تفسير : (30) - وَذِلكَ الذِي يَتْبَعُونَه في عَقَائِدِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ هُوَ مُنْتَهَى مَا وَصَلُوا إِليهِ مِنَ العِلْمِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُفَكِّرُونَ في شَأْنٍ مِنْ شُؤُونِ الآخِرَةِ، وَإِنَّما جَعَلُوا الدُّنيا أَكْبَرَ هَمِّهِمْ، وَاللهُ تَعَالى هُوَ الخَالِقُ لِلْخَلْقِ، وَهُوَ العَليمُ بِأَحْوالِهِم وَأَفْعَالِهم وَمَصَالِحهم، وَهُوَ الذِي يَهدي مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ العليمُ بِمَنْ جَعَلَ العَمَلَ لِلآخِرَةِ هَمَّهُ، وَسَعى لَها سَعْيَها، وَمَنْ جَعَلَ الدُّنيا هَمَّهُ، وَسَعَى في طَلَبِها مِنْ كُلِّ بَابٍ، وَسَيَجْزِي كُلَّ وَاحِدٍ بِمَا يَسْتَحِقُّ مِنَ الجَزاءِ.