٥٣ - ٱلنَّجْم
53 - An-Najm (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
الرازي
تفسير : إشارة إلى كمال غناه وقدرته ليذكر بعد ذلك ويقول: إن ربك هو أعلم من الغني القادر لأن من علم ولم يقدر لا يتحقق منه الجزاء فقال: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الزمخشري: ما يدل على أنه يعتقد أن اللام في قوله: {لِيَجْزِىَ } كاللام في قوله تعالى: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا } تفسير : [النحل: 8] وهو جرى في ذلك على مذهبه فقال: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } معناه خلق ما فيهما لغرض الجزاء وهو لا يتحاشى مما ذكره لما عرف من مذهب الاعتزال، وقال الواحدي: اللام للعاقبة كما في قوله تعالى: {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً } تفسير : [القصص: 8] أي أخذوه وعاقبته أنه يكون لهم عدواً، والتحقيق فيه وهو أن حتى ولام الغرض متقاربان في المعنى، لأن الغرض نهاية الفعل، وحتى للغاية المطلقة فبينهما مقاربة فيستعمل أحدهما مكان الآخر، يقال: سرت حتى أدخلها ولكي أدخلها، فلام العاقبة هي التي تستعمل في موضع حتى للغاية، ويمكن أن يقال: هنا وجه أقرب من الوجهين وإن كان أخفى منهما وهو أن يقال: إن قوله: {لِيَجْزِىَ } متعلق بقوله: ضل واهتدى لا بالعلم ولا بخلق ما في السموات، تقديره كأنه قال: هو أعلم بمن ضل واهتدى: {لِيَجْزِىَ } أن من ضل واهتدى يجزي الجزاء، والله أعلم به، فيصير قوله: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأًرْضِ } كلاماً معترضاً، ويحتمل أن يقال: هو متعلق بقوله تعالى: {أية : فَأَعْرَضَ } تفسير : [النجم: 29] أي أعرض عنهم ليقع الجزاء، كما يقول المريد فعلاً لمن يمنعه منه زرني لأفعله، وذلك لأن ما دام النبي صلى الله عليه وسلم لم ييأس ما كان العذاب ينزل والإعراض وقت اليأس، وقوله تعالى: {وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى } حينئذ يكون مذكوراً ليعلم أن العذاب الذي عند إعراضه يتحقق ليس مثل الذي قال تعالى فيه: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } تفسير : [الأنفال: 25] بل هو مختص بالذين ظلموا وغيرهم لهم الحسنى، وقوله تعالى في حق المسيء {بِمَا عَمِلُواْ } وفي حق المحسن {بِٱلْحُسْنَى } فيه لطيفة لأن جزاء المسيء عذاب فنبه على ما يدفع الظلم فقال: لا يعذب إلا عن ذنب، وأما في الحسنى فلم يقل: بما عملوا لأن الثواب إن كان لا على حسنة يكون في غاية الفضل فلا يخل بالمعنى هذا إذا قلنا الحسنى هي المثوبة بالحسنى، وأما إذا قلنا الأعمال الحسنى ففيه لطيفة غير ذلك، وهي أن أعمالهم لم يذكر فيها التساوي، وقال في أعمال المحسنين {ٱلْحُسْنَىٰ } إشارة إلى الكرم والصفح حيث ذكر أحسن الإسمين والحسنى صفة أقيمت مقام الموصوف كأنه تعالى قال بالأعمال الحسنى كقوله تعالى: {أية : ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الأعراف: 180] وحينئذ هو كقوله تعالى: {أية : لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [العنكبوت: 7] أي يأخذ أحسن أعمالهم ويجعل ثواب كل ما وجد منهم لجزاء ذلك الأحسن أو هي صفة المثوبة، كأنه قال: ويجزي الذين أحسنوا بالمثوبة الحسنى أو بالعاقبة الحسنى أي جزاؤهم حسن العاقبة وهذا جزاء فحسب، وأما الزيادة التي هي الفضل بعد الفضل فغير داخلة فيه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى} اللام متعلقة بالمعنى الذي دلّ عليه {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} كأنه قال: هو مالك ذلك يهدي من يشاء ويضل من يشاء ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. وقيل: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} معترض في الكلام؛ والمعنى: إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن ٱهتدى ليجزي. وقيل: هي لام العاقبة، أي ولله ما في السموات وما في الأرض؛ أي وعاقبة أمر الخلق أن يكون فيهم مسيء ومحسن؛ فللمسيء السوءى وهي جهنم، وللمحسن الحسنى وهي الجنة. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ} هذا نعت للمحسنين؛ أي هم لا يرتكبون كبائر الإثم وهو الشرك؛ لأنه أكبر الآثام. وقرأ الأعمش ويحيـى بن وثّاب وحمزة والكسائي «كَبيرَ» على التوحيد وفسره ٱبن عباس بالشرك. {وَٱلْفَوَاحِشَ} الزنى: وقال مقاتل: {كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ} كل ذنب ختم بالنار. {وَٱلْفَوَاحِشَ} كل ذنب فيه الحدّ. وقد مضى في «النساء» القول في هذا. ثم ٱستثنى ٱستثناءً منقطعاً وهي: المسألة الثانية: فقال: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه. وقد ٱختلف في معناها؛ فقال أبو هريرة وٱبن عباس والشعبي: «اللَّمَمُ» كل ما دون الزنى. وذكر مقاتل بن سليمان: حديث : أن هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمار؛ كان له حانوت يبيع فيه تمراً فجاءته امرأة تشتري منه تمراً فقال لها: إن داخل الدكان ما هو خير من هذا، فلما دخلت راودها فأبت وٱنصرفت فندم نبهان؛ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع؛ فقال: «لعل زوجها غازٍ» تفسير : فنزلت هذه الآية، وقد مضى في آخر «هود» وكذا قال ٱبن مسعود وأبو سعيد الخُدري وحذيفة ومسروق: إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة. وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: زنى العينين النظر، وزنى اليدين البطش، وزنى الرِّجلين المشي، وإنما يصدِّق ذلك أو يكذِّبه الفرج؛ فإن تقدّم كان زنًى وإن تأخر كان لمَمَاً. وفي صحيح البخاري ومسلم عن ٱبن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله كتب على ابن آدم حظّه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدِّق ذلك أو يكذِّبه»تفسير : . والمعنى: أن الفاحشة العظيمة والزنى التام الموجب للحدّ في الدنيا والعقوبة في الآخرة هو في الفرج وغيرهُ له حظٌّ من الإثم. والله أعلم. وفي رواية أبي صالح (عن أبي هريرة) عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كُتِب على ٱبن آدم نصيبه من الزنى مُدْركٌ لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرِّجل زناها الخُطَا والقلب يَهْوَى ويتمنى ويصدِّق ذلك الفرج ويكذِّبه»تفسير : . خرجه مسلم. وقد ذكر الثعلبي حديث طاوس عن ٱبن عباس فذكر فيه الأُذن واليد والرِّجل، وزاد فيه بعد العينين واللسان: «وزنى الشفتين القُبلة». فهذا قول. وقال ٱبن عباس أيضاً: هو الرجل يُلِمُّ بذنب ثم يتوب. قال: ألم تسمع النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول:شعر : إن يَغفر اللَّهُ يغفر جَمّا وأيُّ عبدٍ لكَ لا ألَمَّا تفسير : رواه عمرو بن دينار عن عطاء عن ٱبن عباس. قال النحاس: هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسناداً. وروى شعبة عن منصور عن مجاهد عن ٱبن عباس في قول الله عز وجل «إِلاَّ اللَّمَمَ» قال: هو أن يلمّ العبد بالذنب ثم لا يعاوده؛ قال الشاعر:شعر : إن تَغفِرِ اللهم تغفر جَمَّا وأيُّ عبدٍ لكَ لا أَلَمَّا تفسير : وكذا قال مجاهد والحسن: هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعاوده، ونحوه عن الزهري، قال: اللمم أن يزني ثم يتوب فلا يعود، وأن يسرق أو يشرب الخمر ثم يتوب فلا يعود. ودليل هذا التأويل قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 135] الآية. ثم قال: {أية : أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} تفسير : [آل عمران: 136] فضمن لهم المغفرة؛ كما قال عقيب اللمم: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ} فعلى هذا التأويل يكون {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} ٱستثناء متصل. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. وقيل: اللمم الذنب بين الحدّين وهو ما لم يأت عليه حدّ في الدنيا، ولا تُوعِّد عليه بعذاب في الآخرة تكفِّره الصلوات الخمس. قاله ابن زيد وعكرمة والضحاك وقتادة. ورواه العوفي والحكم بن عتيبة عن ٱبن عباس. وقال الكلبي: اللمم على وجهين: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدّاً في الدنيا ولا عذاباً في الآخرة؛ فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش. والوجه الآخر هو الذنب العظيم يلمّ به الإنسان المرة بعد المرة فيتوب منه. وعن ٱبن عباس أيضاً وأبي هريرة وزيد بن ثابت: هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به. وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنما كنتم بالأمس تعملون معنا فنزلت وقاله زيد بن أسلم وٱبنه؛ وهو كقوله تعالى: {أية : وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}تفسير : [النساء: 23]. وقيل: اللّمم هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة؛ قاله نفطويه. قال: والعرب تقول ما يأتينا إلاَّ لِمَاماً؛ أي في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون أن يلمّ ولا يفعل، لأن العرب لا تقول ألمّ بنا إلا إذا فعل الإنسان لا إذا همّ ولم يفعله. وفي الصحاح: وألمّ الرجل من اللمم وهو صغائر الذنوب، ويقال: هو مقاربة المعصية من غير مواقعة. وأنشد غير الجوهري:شعر : بِزينَب أَلْمِمْ قَبْلَ أن يَرْحَلَ الرَّكبُ وقُلْ إِنْ تَمَلِّينَا فما مَلَّكِ الْقَلْبُ تفسير : أي ٱقرب. وقال عطاء بن أبي رباح: اللّمم عادة النفس الحين بعد الحين. وقال سعيد بن المسيّب: هو ما ألمّ على القلب؛ أي خطر. وقال محمد بن الحنفية: كلّ ما هممت به من خير أو شر فهو لَمَم. ودليل هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن للشيطان لَمّة وللملَك لَمَّة» تفسير : الحديث. وقد مضى في «البقرة» عند قوله تعالى: {أية : ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ}تفسير : [البقرة: 286]. وقال أبو إسحاق الزجاج: أصل اللّمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه؛ يقال: ألممت به إذا زرته وٱنصرفت عنه، ويقال: ما فعلته إلا لمَمَاً وإلماماً؛ أي الحين بعد الحين. وإنما زيارتك إلمام، ومنه إلمام الخيال؛ قال الأعشى:شعر : أَلَمّ خَيَالٌ مِن قُتَيْلَةَ بَعْدَمَا وَهَى حَبْلُها مِن حَبْلِنَا فَتَصَرَّمَا تفسير : وقيل: إلا بمعنى الواو. وأنكر هذا الفرّاء وقال: المعنى إلا المتقارب من صغار الذنوب. وقيل: الَّلمم النظرة التي تكون فجأة. قلت: هذا فيه بعدٌ إذ هو معفوّ عنه ٱبتداء غير مؤاخذ به؛ لأنه يقع من غير قصد وٱختيار، وقد مضى في «النور» بيانه. والّلمم أيضاً طرف من الجنون، ورجل ملموم أي به لَمَمٌ. ويقال أيضاً: أصابت فلان لمّةٌ من الجنّ وهي المسّ والشيء القليل؛ قال الشاعر:شعر : فإذا وذَلِك يا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ كَلَمَّةِ حالِمٍ بِخَيالِ تفسير : الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ} لمن تاب من ذنبه وٱستغفر؛ قاله ٱبن عباس. وقال أبو ميسرة عمرو بن شَرَحْبيل وكان من أفاضل أصحاب ٱبن مسعود: رأيت في المنام كأني دخلت الجنة فإذا قِباب مضروبة، فقلت: لمن هذه؟ فقالوا: لذي الكَلاَع وحَوْشَب، وكانا ممن قتل بعضهم بعضاً، فقلت: وكيف ذلك؟ فقالوا: إنهما لقيا الله فوجداه واسع المغفرة. فقال أبو خالد: بلغني أن ذا الكَلاَع أعتق ٱثني عشر ألف بنت. قوله تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ} من أنفسكم {إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} يعني أباكم آدم من الطين وخرج اللفظ على الجمع. قال الترمذيّ أبو عبد الله: وليس هو كذلك عندنا، بل وقع الإنشاء على التربة التي رفعت من الأرض، وكنا جميعاً في تلك التربة وفي تلك الطينة، ثم خرجت من الطينة المياه إلى الأصلاب مع ذَرْوِ النفوس على ٱختلاف هيئتها، ثم ٱستخرجها من صُلْبها على ٱختلاف الهيئات؛ منهم كالدرّ يتلألأ، وبعضهم أنور من بعض، وبعضهم أسود كالحُمَمَة، وبعضهم أشدّ سواداً من بعض؛ فكان الإنشاء واقعاً علينا وعليه. حدّثنا عيسى بن حماد العسقلاني قال: حدّثنا بِشر بن بَكرٍ، قال: حدّثنا الأوزاعي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «عُرض عليّ الأوّلون والآخرون بين يدي حجرتي هذه الليلة» فقال قائل: يا رسول الله! وَمن مضى من الخلق؟ قال:«نعم عُرض عليّ آدم فمن دونه فهل كان خُلِقَ أحد» قالوا: ومن في أصلاب الرجال وبطون الأمهات؟ قال: «نعم مثلوا في الطين فعرفتهم كما علم آدم الأسماء كلها». تفسير : قلت: وقد تقدّم في أوّل «الأنعام» أن كل إنسان يخلق من طين البقعة التي يدفن فيها. {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ} جمع جَنِين وهو الولد ما دام في البطن، سمي جنِيناً لاجتنانه وٱستتاره. قال عمرو بن كُلْثوم:شعر : هِجانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا تفسير : وقال مكحول: كنا أجنّة في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط وكنا فيمن بقي، ثم صرنا رُضَّعاً فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي، ثم صرنا يَفَعةً فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقي، ثم صرنا شباباً فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي، ثم صرنا شيوخاً ـ لا أبالك! ـ فما بعد هذا ننتظر؟! وروى ٱبن لهيعة عن الحرث بن يزيد عن ثابت بن الحرث الأنصاري قال: حديث : كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبيّ صغير: هو صِدِّيق؛ فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد» تفسير : فأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} إلى آخرها. ونحوه عن عائشة: «كان اليهود». بمثله. {أية : فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [النجم: 32] أي لا تمدحوها ولا تثُنوا عليها، فإنه أبعد من الرياء وأقرب إلى الخشوع. {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} أي أخلص العمل وٱتقى عقوبة الله؛ عن الحسن وغيره. قال الحسن: قد علم الله سبحانه كل نفس ما هي عاملة، وما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة. وقد مضى في «النساء» الكلام في معنى هذه الآية عند قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} فتأمله هناك. وقال ٱبن عباس: ما من أحد من هذه الآمة أزكّيه غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى: أنه مالك السموات والأرض، وأنه الغني عما سواه، الحاكم في خلقه بالعدل، وخلق الخلق بالحق {لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى} أي: يجازي كلاً بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ثم فسر المحسنين بأنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، أي: لا يتعاطون المحرمات الكبائر، وإن وقع منهم بعض الصغائر، فإنه يغفر لهم، ويستر عليهم؛ كما قال في الآية الأخرى: {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً} تفسير : [النساء: 31] وقال ههنا: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ} وهذا استثناء منقطع، لأن اللمم من صغائر الذنوب، ومحقرات الأعمال. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن ثور، حدثنا معمر عن الأعمش عن أبي الضحى: أن ابن مسعود قال: زنا العينين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه، فإن تقدم بفرجه كان زانياً، وإلا فهو اللمم، وكذا قال مسروق والشعبي. وقال عبد الرحمن بن نافع الذي يقال له: ابن لبابة الطائفي قال: سألت أبا هريرة عن قول الله: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} قال: القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة، فإذا مس الختان الختان، فقد وجب الغسل، وهو الزنا. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} إلا ما سلف، وكذا قال زيد بن أسلم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد ابن جعفر، حدثنا شعبة عن منصور عن مجاهد: أنه قال في هذه الآية: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} قال: الذي يلم بالذنب، ثم يدعه، قال الشاعر:شعر : إِنْ تَغْفِرِ اللُّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وأَيُّ عَبْدٍ لَكَ ما أَلَمَّا! تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد في قول الله تعالى: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} قال: الرجل يلم بالذنب، ثم ينزع عنه. قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون:شعر : إِنْ تَغْفِرِ اللّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وأَيُّ عَبْدٍ لَكَ ما أَلَمَّا! تفسير : وقد رواه ابن جرير وغيره مرفوعاً، قال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ} قال: هو الرجل الذي يلم بالفاحشة، ثم يتوب، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:شعر : إِنْ تَغْفِرِ اللّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وأَيُّ عَبْدٍ لَكَ ما أَلَمَّا! تفسير : وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن عثمان أبي عثمان البصري عن أبي عاصم النبيل ثم قال: هذا حديث صحيح حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق، وكذا قال البزار: لا نعلمه يروى متصلاً إلا من هذا الوجه، وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل، وإنما ذكره البغوي في تفسير سورة تنزيل، وفي صحته مرفوعاً نظر. ثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله ابن بزيغ، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا يونس عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه، أراه رفعه، في: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ} قال: اللمة من الزنا، ثم يتوب ولا يعود. واللمم من السرقة، ثم يتوب ولا يعود، واللمة من شرب الخمر، ثم يتوب ولا يعود، قال: فذلك الإلمام، وحدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ} قال: اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر، ثم لا يعود إليه. وحدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن أبي رجاء عن الحسن في قول الله: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ} قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: هو الرجل يصيب اللمة من الزنا واللمة من شرب الخمر، فيجتنبها ويتوب منها. وقال ابن جرير عن عطاء عن ابن عباس: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} يلم بها في الحين، قلت: الزنا؟ قال: الزنا، ثم يتوب. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه قال: اللمم: الذي يلم المرّة. وقال السدي: قال أبو صالح: سئلت عن اللمم، فقلت: هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب، وأخبرت بذلك ابن عباس، فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم، حكاه البغوي. وروى ابن جرير من طريق المثنى بن الصباح ــــ وهو ضعيف ــــ عن عمرو بن شعيب أن عبد الله بن عمرو قال: اللمم: ما دون الشرك، وقال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن عطاء عن ابن الزبير: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} قال: ما بين الحدين: حد الدنيا، وعذاب الآخرة، وكذا رواه شعبة عن الحكم عن ابن عباس مثله سواء. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} كل شيء بين الحدين: حد الدنيا، وحد الآخرة، تكفره الصلوات، فهو اللمم، وهو دون كل موجب، فأما حد الدنيا، فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا، وأما حد الآخرة، فكل شيء ختمه الله بالنار، وأخر عقوبته إلى الآخرة. وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك. وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ} أي: رحمته وسعت كل شيء، ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها؛ كقوله تعالى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الزمر: 53] وقوله تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي: هو بصير بكم، عليم بأحوالكم وأفعالكم وأقوالكم التي ستصدر عنكم، وتقع منكم حين أنشأ أباكم من الأرض، واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذر، ثم قسمهم فريقين: فريقاً للجنة، وفريقاً للسعير. وكذا قوله: {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ} قد كتب الملك الذي يوكل به رزقه وأجله، وعمله وشقي أم سعيد؟ قال مكحول: كنا أجنة في بطون أمهاتنا، فسقط منا من سقط، وكنا فيمن بقي، ثم كنا مراضع، فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقي، ثم صرنا يفعة، فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقي، ثم صرنا شباباً، فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقي، ثم صرنا شيوخاً لا أباً لك، فماذا بعد هذا ننتظر؟ رواه ابن أبي حاتم عنه. وقوله تعالى: {فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} أي: تمدحوها وتشكروها، وتَمُنوا بأعمالكم {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} تفسير : [النساء: 49]. وقال مسلم في صحيحه: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي برة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم، وسميت برة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تزكوا أنفسكم، إن الله أعلم بأهل البر منكم» تفسير : فقالوا: بمَ نسميها؟ قال: «حديث : سموها زينب» تفسير : وقد ثبت أيضاً في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: مدح رجل رجلاً عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ويلك قطعت عنق صاحبك ــــ مراراً ــــ إذا كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة، فليقل: أحسب فلاناً والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً، أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك» تفسير : ثم رواه عن غندر عن شعبة عن خالد الحذاء به، وكذا رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه من طرق عن خالد الحذاء به. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا: أخبرنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن همام بن الحارث قال: جاء رجل إلى عثمان، فأثنى عليه في وجهه، قال: فجعل المقداد ابن الأسود يحثو في وجهه التراب، ويقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب. ورواه مسلم وأبو داود من حديث الثوري عن منصور به.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أي هو مالك لذلك ومنه الضال والمهتدي يُضِلّ من يشاء ويهدي من يشاء {لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَئُواْ بِمَا عَمِلُواْ } من الشرك وغيره {وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } بالتوحيد وغيره من الطاعات {بِٱلْحُسْنَى } أي الجنة.
الخازن
تفسير : {ولله ما في السموات وما في الأرض} وهذه إشارة إلى كمال قدرته وغناه وهو معترض بين الآية الأولى وبين قوله {ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا}. والمعنى: إذا كان أعلم بهم جازى كل أحد بما يستحقه فيجزي الذين أساؤوا أي أشركوا بما عملوا من الشرك {ويجزي الذين أحسنوا} أي وحدوا ربهم {بالحسنى} يعني الجنة وإنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان كثير الملك كامل القدرة فلذلك قال ولله ما في السموات وما في الأرض ثم وصف المحسنين فقال عز وجل: {الذين يجتنبون كبائر الإثم} قيل: الإثم، الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب وقيل: هو اسم للأفعال المبطئة عن الثواب، وقيل: هو فعل ما لا يحل وقيل: الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر وجمعه آثام والكبيرة متعارفة في كل ذنب تعظم عقوبته وجمعه كبائر {والفواحش} جمع فاحشة، وهي ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال وقيل: هي ما فحش من الكبائر {إلا اللمم} أي إلا ما قل وصغر من الذنوب وقيل: هي مقاربة المعصية من قولك ألممت بكذا إذا قاربته من غير مواقعة واختلفوا في معنى الآية فقيل هذا استثناء صحيح واللمم من الكبائر والفواحش ومعنى الآية: إلا إن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب أو يقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي هريرة ومجاهد والحسن ورواية عن ابن عباس. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. وقال أبو صالح: سئلت عن قول الله عز وجل إلا اللمم فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده فذكرت ذلك لابن عباس فقال: أعانك عليها ملك كريم. عن ابن عباس في قوله عز وجل: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم}. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن تغفر اللهم تغفر جماً وأي عبد لك لا ألما" تفسير : أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب وقيل: أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين ولا يكون له إعادة ولا إقامة وقيل: هو استثناء منقطع مجازه لكن اللمم ولم يجعل اللمم من الكبائر والفواحش ثم اختلفوا في معناه فقيل هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به في الإسلام وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنهم كانوا بالأمس يعملون معنا فأنزل الله عز وجل هذه الآية وهذا قول زيد بن ثابت وزيد بن سلم. وقيل: اللمم هو صغار الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة ونحو ذلك مما هو دون الزنى وهو قول ابن مسعود وأبي هريرة ومسروق والشعبي والرواية الأخرى عن ابن عباس (ق) عن ابن عباس قال ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله عز وجل كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ". تفسير : ولمسلم قال: "حديث : كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه" تفسير : وقيل: اللمم على وجهين، أحدهما أنه كل ذنب لم يذكر الله تعالى عليه حداً في الدنيا ولا عذاباً في الآخرة فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس وصوم رمضان ما لم يبلغ الكبائر والفواحش. والوجه الثاني: هو الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة فيتوب منه وقيل: هو ما لم على القلب أي خطر وقيل: اللمم النظرة من غير عمد فهو مغفور فإن أعاد النظر فليس بلمم فهو ذنب والله سبحانه وتعالى أعلم. (فصل: في بيان الكبيرة وحدها وتمييزها عن الصغيرة) قال العلماء: أكبر الكبائر الشرك بالله وهو ظاهر لا خفاء به لقوله تعالى: {أية : إن الشرك لظلم عظيم} تفسير : [لقمان: 13] ويليه القتل بغير حق فأما ما سواهما من الزنا واللواط وشرب الخمر وشهادة الزور وأكل مال اليتيم بغير حق والسحر وقذف المحصنات وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وأكل الربا وغير ذلك من الكبائر التي ورد بها النص فلها تفاصيل وأحكام تعرف بها مراتبها ويختلف أمرها باختلاف الأحوال والمفاسد المرتبة عليها. فعلى هذا يقال في كل واحدة منها، هي من أكبر الكبائر بالنسبة إلى ما دونها. وقد جاء عن ابن عباس أنه سئل عن الكبائر أسبع هي قال هي إلى السبعين أقرب. وفي وراية إلى سبعمائة أقرب وقد اختلف العلماء في حد الكبيرة وتمييزها عن الصغيرة فجاء عن ابن عباس: كل شيء نهى الله عنه فهو كبيرة. وبهذا قال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني وحكاه القاضي عياض عن المحققين واحتج القائلون بهذا بأن كل مخالفة فهي بالنسبة إلى جلال الله كبيرة وذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر وقد تظاهرت على ذلك دلائل الكتاب والسنة واستعمال سلف الأئمة. وإذا ثبت انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، فقد اختلف في ضبطها، فروي عن ابن عباس أنه قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب وعن الحسن نحو هذا وقيل: هي ما وعد الله عليه بنار في الآخرة وأحد في الدنيا. وقال الغزالي: في البسيط الضابط الشامل في ضبط الكبيرة أن كل معصية يقدم عليها المرء من غير استشعار خوف أو استحداث ندم كالمتهاون في ارتكابها والمستجرىء عليها اعتياداً فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة وما تحمل عليه فلتات النفس وفترة مراقبة التقوى ولا ينفك عن ندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية فهذا لا يمنع العدالة وليس بكبيرة. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في كتابه القواعد: إذا أردت معرفة الفرق بين الكبيرة والصغيرة فأعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو زادت عليه فهي من الكبائر فمن أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها أو أمسك مسلماً لمن يقتله فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم ممن أكل درهماً من مال اليتيم مع كونه من الكبائر. وكذلك لو دل الكفار على عورة المسلمين مع علمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته فإن تسببه إلى هذه المفسدة أعظم من توليه يوم الزحف بغير عذر مع كونه من الكبائر وكذلك لو كذب على إنسان كذباً يعلم أنه يقتل بسببه. ولو كذب على إنسان كذباً يعلم أنه يؤخذ منه ثمرة بسبب كذبه لم يكن ذلك من الكبائر. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه الكبيرة: كل ذنب كبر وعظم عظماً بحيث يصح معه أنه يطلق عليه اسم الكبيرة ويوصف بكونه عظيماً على الإطلاق فهذا حد الكبيرة ولها أمارات منها الحد ومنها الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب أو السنة ومنها ما وصف فاعلها بالفسق أو يضاف إليه اللعن كلعن الله من غير منار الأرض ونحو ذلك والله أعلم. وقوله تعالى: {إن ربك واسع المغفرة} قال ابن عباس: لمن فعل ذلك ثم تاب وأناب. وروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس قالا: لا كبيرة في الإسلام أي لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار معناه أن الكبيرة أيضاً تمحى بالاستغفار والتوبة والصغيرة تصير كبيرة بالإصرار وقيل في حد الإصرار هو أن يتكرر منه الصغيرة تكراراً يشعر بقلة مبالاته بذنبه وتم الكلام على قوله إن ربك واسع المغفرة ثم ابتدأ فقال تعالى: {هو أعلم بكم} أي قبل أن يخلقكم وهو قوله: {إذ أنشأكم من الأرض} يعني خلق أباكم آدم من التراب {وإذ أنتم أجنة} جمع جنين {في بطون أمهاتكم} سمي جنيناً لاستتاره في بطن أمه {فلا تزكوا أنفسكم} قال ابن عباس: لا تمدحوها. وقال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة فلا تزكوا أنفسكم فلا تبرئوها من الآثام ولا تمدحوها بحسن الأعمال. وقيل في معنى الآية: هو أعلم بكم أيها المؤمنون علم حالكم من أول خلقكم إلى آخر يومكم فلا تزكوا أنفسكم رياء وخيلاء ولا تقولوا لمن لم تعرفوا حقيقته أنا خير منك أو أنا أزكى منك أو أتقى منك فإن العلم عند الله وفيه إشارة إلى وجوب خوف العاقبة فإن الله يعلم عاقبة من هو على التقوى وهو قوله تعالى: {هو أعلم بمن اتقى} يعني بمن بر وأطاع وأخلص العمل وقيل في معنى الآية فلا تزكوا أنفسكم يعني لا تنسبوها إلى زكاء العلم وزيادة الخير والطاعات وقيل لا تنسبوها إلى الزكاة والطهارة من المعاصي ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم الله الزكي منكم والتقي أولاً وآخراً قبل أن يخرجكم من صلب أبيكم آدم وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم. قيل: نزلت من ناس كانوا يعملون أعمالاً حسنة ثم يقولون صلاتنا وصيامنا وحجنا فأنزل الله فيهم هذه الآية.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} وهذا معترض بين الآية الأولى وبين قوله: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ}. واللام في قوله: "لِيَجْزِي" فيها أوجه: أحدها: أن يتعلق بقوله: {أية : لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ} تفسير : [النجم: 26] ذكره مكّي. وهو بعيد من حيثُ اللَّفْظ ومن حيث المعنى. الثاني: أن يتعلق بما دل عليه قوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} أي له ملكهما يضلّ من يشاء ويهدِي من يشاء ليجزي المُحْسِنَ والْمُسِيءَ. الثالث: أن يتعلق بقوله: "بِمَنْ ضَلَّ، وَبِمَن اهْتَدَى" واللام للصيرورة أي عاقبة أمرهم جميعاً للجزاء بما عملوا. قال معناه الزمخشري. الرابع: أن يتعلق بما دل عليه قوله: {أية : أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ} تفسير : [النجم: 30] أي حفظ ذلك لِيَجْزِيَ. قاله أبو البقاء. وقرأ زيد بن علي: لِنَجْزِي بنون العظمة والباقون بياء الغيبة. وقوله: "الَّذِينَ أحْسَنُوا" وحَّدُوا ربهم "بالْحُسْنَى" بالْجَنَّة. وإنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان مالكاً فلذلك قال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}. قوله: "الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ" يجوز أن يكون منصوباً بدلاً أو بياناً أو نعتاً "لِلَّذِينَ [(أحْسَنُوا)". فإن قيل: إذا كان بدلاً عن "الَّذِينَ] أحْسَنُوا" فَلِمَ خالف ما بعده بالمُضِيِّ والاستقبال حيث قال "الَّذِين أحْسَنُوا" وقال: "الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ" ولم يقل: اجْتَنَبُوا؟ فالجواب: هو كقول القائل: الَّذِينَ سَأَلُونِي أعْطَيْتُهُم الذين يترددون إليَّ سائلين أي الذين عادتهم التَّرداد للسؤال سألوني وأعطيتهم فكذلك ههنا أي الذين عادتهم ودأبهم الاجتناب لا الذين اجتنبوا مرة واحدة. ويجوز أن يكون الموصول منصوباً بإضمار "أَعْنِي"، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي هم الذين، وهذا نعت للمحسنين. وقد تقدم الكلام في كبائر وكبير الإثْم. قوله: "إلاَّ اللَّمَمَ" فيه أوجه: أحدها: أنه استثناء منقطع؛ لأن اللمم الصغائر فلم يندرج فيما قبلها. وهذا هو المشهور. الثاني: أنه صفة، و "إلاَّ" بمنزلة غير كقوله: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22] أي كبائر الإثم والفواحش غيرَ اللَّمم. الثالث: أنه متصل. وهذا عند من يفسر اللّمم بغير الصغائر، قالوا: إن اللَّمَمَ من الكبائر والفواحش قالوا: معنى الآية إلا أن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب وتقع الواقعة ثم ينتهي. وهو قول أبي هريرةَ ومجاهدٍ والْحَسَن ورواية عطاء عن ابْن عَبَّاس، قال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللَّمم ما دون الشرك. قال السدي: قال أبو صالح: سئلت عن قول الله عزّ وجلّ: إلاَّ اللَّمم فقلت: هو الرجل يلم الذنب ثم لا يُعَاودُه، فذكرت ذلك لابن عباس فقال: أعانك عليها ملكٌ كريمٌ. وروى ابن عباس -(رضي الله عنهما) في قوله: إلاَّ اللمم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: شعر : 4562- إنْ تَغْفِر اللَّهُمّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لاَ أَلَمَّا؟ تفسير : وأصل اللمم ما قلَّ وصَغُر، ومنه اللَّمَمُ وهو المسُّ من الجُنُون وألمَّ بالمكان قَلَّ لَبْثُهُ فيه، وأَلَمَّ بالطعام أي قل أكلُهُ منه. وقال أبو العباس: أصل اللَّمَم أن يلمَّ بالشيء من غير أن يَرْكَبَهُ فقال: أَلَمَّ بكَذَا إذا قاربه، ولم يخالطه. وقال الأزهري: العرب تستعمل الإلمام في معنى الدُّنُوّ والقرب، وقال جرير: (رضي الله عنه وأرْضَاهُ): شعر : 4563- بنَفْسِي مَنْ تَجَنِّيهِ عَزِيزٌ عَلَيَّ وَمَنْ زِيَارَتُهُ لِمَامُ تفسير : وقال آخر: شعر : 4564- مَتَى تَأتِنَا تَلْمُمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا تفسير : وقال آخر: شعر : 4565- لِقَاء أَخْلاَءِ الصَّفَا لِمَامُ ....................... تفسير : ومنه أيضاً لمّة الشعر لما دون الوَفْرة. فصل قال ابن الخطيب: الكبائر إشارة لما فيها من مقدار السيئة. والفواحش في اللغة مختصة بالقبح الخارج قبحه عن حد الخفاء وتركيب الحروف في التأليف يدل عليه، فإنك إذا قلبتها وقلت: حَشَفَ كان فيه معنى الزيادة الخارجة عن الحد، فَإن الحَشَفَ أرذلُ التَّمر، وكذلك فَشَحَ يَدُلُّ عَلَى حَالَة رَديئةٍ، يُقَال: فَشَحَت النَّاقَةُ إذَا وَقَفَتْ على هيئةٍ مخصوصةٍ للبَوْلِ فالفُحْش يلازمه القبح، ولهذا لم يقل الفواحش من الإثم، وقال في الكبائر من الإثم؛ لأن الكبائر إن لم يميزها بالإضافة في قوله: كَبَائِر الإثم لما حصل المقصود بخلاف الفواحش. واختلفوا في الكبائر والفواحش؟ فقيل: الكبائر ما وعد الله عليه بالنار صريحاً وظاهراً والفواحش ما أوجب عليه حدًّا في الدنيا. وقيل: الكبائر: ما يُكَفَّرُ مستحلُّها. وقيل: الكبائر ما لا يغفر الله لفاعله إلا بعد التوبة وهو مذهب المعتزلة. قال ابن الخطيب: كل هذه التعريفات تعريف للشيء بما هو مثله في الخفاء أو فوقه. وقد ذكرنا أن الكبائر هي التي مقدارها عظيم والفواحش هي التي قبحها واضح، فالكبيرة صفة عائدة إلى المقدار والفاحشة صفة عائدة إلى الكيفية. فصل اختلفوا في معنى الآية، فقال بعضهم: ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم الله به وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنهم كانوا بالأمس يعملون معاً فأنزل الله هذه الآية. وهذا قول زيدِ بنِ ثابت وزيدِ بن أسلم. وقيل: هو صغار الذنوب كالنَّظرة والغَمْزَة، والقُبْلَة وما كان دون الزنا. وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة ومسروقٍ، والشَّعْبي ورواية طاوس عن ابن عباس قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إنَّ اللَّهَ كَتَبَ علَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْن النَّظَرُ، وزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ، والنَّفْسُ تَتَمَنَّى وتَشتهِي والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ"تفسير : . وفي رواية: "حديث : والأُذُنَانِ زِنَاهُما الاسْتِمَاعُ، واليَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ والرِّجْلُ زِناها الخُطَى ". تفسير : وقال الكلبي: اللمم على وجهين: [الأوّل]: كل ذنب لم يذكر الله عليه حداً في الدنيا ولا عذاباً في الآخرة فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائرَ والفواحشَ. والوجه الآخر: هو الذنب العظيم يلمُّ به المسلم المرة بعد المرة فيتوب منه. وقال سعيد بن المسيب: هو ما لَمَّ على القلب أي خَطَرَ. وقال الحُسَيْنُ بن الفضل: اللَّمَمُ النظرةُ عن غير تعمد فهو مغفورٌ، فإن أعاد النظر فليس بلَمَم بل هُو ذنبٌ. قوله: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ}، قال ابن عباس - (رضي الله عنه) - لمن يفعل ذلك وتاب. وههنا تَمَّ الكلام. قوله: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} في تعلق الآية وجوه: أحدها: هو تصوير لما قال من قبل، فإنه لو قال: هو أعلم بمن فعل كان القائل من الكفار يقول: نحن نعلم أموراً في جوفِ الليل المُظْلمِ، وفي البيت الخالي فكيف يعلمه الله؟ قال: ليس علمكم أخفى من أحوالِكم وأنتم أَجِنَّة في بطون أمهاتكم، فإنّ الله عالمٌ بتلك الأحوال. الثاني: أنه إشارة إلى أن الضالَّ والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله فإنه عَلِمَ الحق وأنتم في بطون الأمهات فكتب على البعض أنه ضال، وكتب على البعض أنه مُهْتَد. الثالث: أنه تأكيد لبيان الجزاء، لأنه لما قال: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ} قال الكافرون هذا الجزاء لا يستحق إلا بالحشر وجمع الأجزاء بعد تفرقها وإعادة ما كان لزيدٍ من الأجزاء في بدنه من غير اختلاط، وذلك غير ممكن فقال تعالى هو عالم مماذا أنشأكم فيجمعها بعد ذلك على وفق علمه كما أنشأكم. فصل العامل في (قوله): "إذْ" يحتمل أن يكون "اذْكُرْ" فيكون هذا تقريراً لكونه عالماً ويكون تقديره هو أعلم بكم. وقد تم الكلام ثم يقول: إن كنتم في شك من علمه بكم فاذكروا حال إنشائكم من التراب. وقد تقدم الكلام على قوله: {خلقكم من تراب} بأن كل أحد أصله من التراب، فإنَّه يصير غذاء، ثم يصير دماً ثم يصير نطفة. فإن قيل: لا بدّ من صرف قوله {إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} إلى آدم، لأن قوله: {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} عائد إلى غيره، فإنه لم يكنْ جنيناً. وإن قلت بأن قوله تعالى: {إِذْ أَنشَأَكُمْ} عائد إلى جميع الناس فينبغي أن يكون جميع الناس أجنة في بطون الأمهات وهو قول الفلاسفة؟ فالجواب: ليس كذلك، لأنا نقول: الخطاب مع الموجودين حالة الخطاب، فقوله: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ} خطاب مع من حَضَر (وقت) الإنزال وهم كانوا أجنَّةً، وخلقوا من الأرض على ما قررناه. قوله: "أجنة" جمع جنين وهو الحمل في البطن لاستتاره. و "جَنِينٌ، وأَجِنَّة" كسَرِيرٍ وأَسِرَّةٍ. فإن قيل: الأجنة هم الذين في بطون الأمهات وبعد الخروج لا يسمى إلا ولداً أو سَقْطاً، فما فائدة قوله تعالى: {فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ}؟ فالجواب: أن ذلك تنبيه على كمال العلم والقدرة، فإن بطون الأمهات في غاية الظُّلْمَةِ ومن علم حالَ الجنين فيها لا يخفى عليه ما يظهر من حال العِبَادِ. قوله: {فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} قال ابن عباس - (رضي الله عنهما) -: لا تمدحوها. وقال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة {فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تُبَرِّئُوها عن الآثَام ولا تمدحوها بحسن أعمالها. وقال الكلبي ومقاتل: كان الناس يعملون أعمالاً حسنة ثم يقولون: صلاتُنا وصيامُنا وحَجُّنا فأنزل الله هذه الآية. ثم قال: {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} أيَ برَّ وأَطَاعَ وأَخْلَصَ الْعَمَلَ. فصل يحتمل أن يكون هذا خطاباً مع الكفار، فإنهم قالوا: كيف يعلمنا الله؟ فرد عليهم قولهم ويحتمل أن يكون خطاباً مع كل من كان في زمن الخطاب وبعده من المؤمنين والكفار، ويحتمل أن يكون خطاباً مع المؤمنين وتقريره أن الله تعالى لما قال فَأَعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا قال لنبيه - عليه الصلاة والسلام - قد علم كونك ومن تَبِعَك على الحق وكون الكفار على الباطل فأعرض عنهم ولا تقولوا نحن على الحق وأنتم على الضلال؛ لأنهم يقابلونكم بمثل ذلك وفوض الأمر إلى الله، فهو أعلم بمن اتقى ومن طغى. وعلى هذا قول من قال: "فأعرض" منسوخٌ أظهر، وهو كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24] يعني الله أعلم بجملة الأمر.
القشيري
تفسير : يجزي الذين أساؤوا بالعقوبات، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولله مافى السموات وما فى الارض} اى خلقا وملكا لا لغيره اصلالا استقلالا ولا اشتراكا {ليجزى} الخ متعلق بما دل عليه اعلم الخ وما بينهما اعتراض مقرر لما قبله فان كون الكل مخلوقا له تعالى مما يقرر علمه تعالى بأحوالهم ألا يعلم من خلق كأنه قيل فيعلم ضلال من ضل واهتدآء من اهتدى ويحفظهما ليجزى {الذين اساؤا} بد كردند {بما عملوا} اى بعقاب ماعلموا من الضلال الذى عبر عنه بالاساءة بيانا لحاله او بسبب ماعملوا شبه نتيجة علمه بكل واحد من الفريقين وهى مجازاته على حسب حالته بعلته الغائبة فأدخل لام العلة عليها وصح بذلك تعلقها بقوله اعلم شعر : هين مراقب باش كردل بايدت كزبى هر فعل جيزى زايدت تفسير : {ويجزى الذين احسنوا} اى اهتدوا {بالحسنى} اى بالمثوبة الحسنى التى هى الجنة فالحسنى للزيادة المطلقة والباء لتعدية الجزآء او بسبب اعمالهم الحسنى فالباء للسببية والمقابلة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} خَلقاً وملِكاً، لا لغيره، لا استقالاً ولا اشتراكاً، {ليَجزي الذين أساؤوا بما عمِلوا} بعقاب ما عملوا من السوء، أو: بسبب ما عملوا، {ويجزَي الذين أحسنوا بالحسنى} بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والمعنى: أن الله تعالى إنما خلق هذا العالم والعلوي والسفلي، وتصرّف فيه بقدرته بين جلاله وجماله، ليجزي المحسن من المكلّفين، والمسيء منهم؛ إذ من شأن الملك أن ينصر أولياءه ويُكرمهم، ويقهر أعدائه ويُهينهم. وقال الطيبي: "ليجزي" راجع لقوله: {هو أعلم بمَن ضَلَّ...} الآية، والمعنى: إنَّ ربك هو أعلم بمَن ضلّ وبمَن اهتدى ليجزي كل واحد بما يستحقه، يعني: أنه عالم، كامل العلم، قادر، تام القدرة، يعلم أحوال المُكلَّفين فيُجازيهم، لا يمنعه أحدٌ مما يريده؛ لأنَّ كل شيء من السموات والأرض ملكه، وتحت قهره وسلطانه، فقوله: {ولله ما في السماوات وما في الأرض}: جملة معترضة، توكيد للاقتدار وعدم المعارض. هـ. {الذين يجتنبون كبائِرَ الإثم}: بدل من الموصول الثاني، أو: رفع على المدح، أي: هم الذين يجتنبون. والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدُّد الاجتناب واستمراره. وكبائر الإثم: ما يكبر عقابه من الذنوب، وهو ما رتّب عليه الوعيد بخصوصه. قال ابن عطية: وتحرير القول في الكبائر: إنها كل معصية يُوجد فيها حَدّ في الدنيا، أو توعّد عليها بنار في الآخرة، أو بلَعنةٍ ونحوها. وقرأ الأخوان: (كبير الإثم) على إرادة الجنس، أو الشرك، {و} يجتنبون {الفواحشَ} وهو ما فَحُشَ من الكبائر، كأنه قيل: يجتنبون الكبائر وما فحش منها خصوصاً، فيحتمل أن يريد بالكبائر: ما فيه حق الله وحده، والفواحش منها: ما فيه حق الله وحق عباده، {إِلا اللممَ} أي: إلا ما قَلَّ وصَغُر، فإنه مغفور لمَن يجتنب الكبائر، وقيل: هي النظرة والغمزة والقُبلة، وقيل: الخطرة من الذنب، وقيل: كل ذنب لم يجعل الله فيه حَدّاً ولا عذاباً. والاستثناء منقطع؛ لأنه ليس من الكبائر ولا من الفواحش. {إِنَّ ربك واسِعُ المغفرة} حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، أو: حيث يغفر ما يشاء من الذنوب من غير توبة، وهذا أحسن، {هو أعلم بكم إِذا أنشأكم} في ضمن إنشاء أبيكم آدم عليه السلام {من الأرض} إنشاءً إجمالياً، حسبما مرّ تحقيقه مراراً، {وإِذا أنتم أَجِنةٌ} أي: يعلم وقت كونكم أجنّة {في بُطون أمهاتكم} على أطوار مختلفة، لا يخفى عليه حالٌ مِن أحوالكم، ولا عمل من أعمالكم. {فلا تُزكُّوا أنفسكم} فلا تنسبوها إلى زكاء الأعمال، وزيادة الخير والطاعات، أو: إلى الزكاة والطهارة من المساوئ، ولا تُثنوا عليها، واهضموها، فقد علم اللّهُ الزكيَّ منكم والتقِيّ، قبل أن يُخرجكم من صُلب آدم، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم. وقيل: كان ناس يعملون أعمالاً حسنة، ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجّنا، فنزلت. وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء، لا على سبيل الاعتراف بالنعمة، والتحدُّث بها، فإنه جائز؛ لأن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكرها. والأحسن في إيراد الاعتراف والشكر أن يُقدم ذكر نقصه، فيقول مثلاً: كنا جُهالاً فعلَّمنا الله، وكنا ضُلاَّلاً فهدانا الله، وكنا غافلين فأيقظنا الله، وهكذا نحن اليوم كذا وكذا. قال ابن عطية: ويُحتمل أن يكون نهياً عن أن يُزَكِّي بعضُ الناس بعضاً، وإذا كان هذا، فإنما ينهى عن تزكية السَّمع، أو القطع بالتزكية، ومن ذلك الحديث في "عثمان بن مظعون" عند موته، وأما تزكية القدوة أو الإمام، أو أحداً، ليؤتم به أو لِيَتَهَمَّمَ الناس بالخير، فجائز، وقد زكَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وغيره، وكذلك تزكية الشهود في الحقوق جائزة؟ للضرورة إليها، وأصل التزكية: التقوى، والله تعالى أعلم بتقوى الناس منكم. هـ. وقال في القوت: هذه الذنوب تدخل على النفوس من معاني صفاتها، وغرائز جبلاتها، وأول إنشائها من نبات الأرض، وتركيب الأطوار في الأرحام، خَلْقٍ مِن بعد خلقٍ، ومن اختلاط الامشاج بعضها مع بعض، ولذلك عقبه بقوله: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم...} الآية. هـ. ثم قال تعالى: {هو أعلم بمن اتقى} فاكتفوا بعلمه عن علم الناس، وبجزائه عن ثناء الناس. وبالله التوفيق. الإشارة: ولله ما في سموات الأرواح من أنوار الشهود، وما في أرض النفوس من آداب العبودية، رتَّب ذلك ليجزي الذين أساؤوا بوقوفهم مع أرض النفوس في العالم المحسوس، ويجزي الذين آمنوا بترقيهم إلى مقام الإحسان، بالحسنى، وهي المعرفة، حيث ترقّوا من أرض الأشباح إلى عالم سماء الأرواح،، وهم الذين يجتنبون كبائر الإثم وهو شهود وجودهم مع وجود الحق محبوبهم، ووقوفهم مع عالم الحس، والفواحش، وهو اعتراضهم على الله فيما يبرز من عُنصر قدرته، وتصغيرهم شيئاً مما عظَّم الله، إلا اللمم؛ خواطر تخطر ولا تثبت. قال القشيري: كبائر الإثم ثلاث: محبة النفس الأمّارة، ومحبة الهوى النافخ في نيران النفس، ومحبة الدنيا، التي هي رأس كل خطيئة، ولكل واحدة من هذه الثلاث فاحشة لازمة لها، أما فاحشة محبة النفس: فموافقة الطبيعة ومخالفة الشريعة، وأما فاحشة محبة الهوى: فحُب الدنيا وشهواتها، وأما فاحشة محبة الدنيا فالإعراض عن الله، والإقبال على ما سواه. وقوله {إلا اللمم} أي: الميل اليسير إلى الهوى والنفس والدنيا، بحسب ضرورته البشرية؛ مِن استراحة البدن، ونيل قليل من حظوظ الدنيا، بحسب الحقوق، لا بحسب الحظوظ، فإنَّ مباشر الحقوق مغفور، ومباشر الحظوظ مغرور. هـ. {إِنَّ ربك واسعُ المغفرة} يستر العيوب، ويُوصل إلى حضرة الغيوب. هو أعلم بكم إذ أنشأكم من أرض البشرية، ورقّاكم إلى عالم الروحانية، وإذ أنتم أَجنة في أول بدايتكم في بطون أمهاتكم، في بطون الهوى والغفلة، ودائرة الكون، فأخرجكم منها بمحض فضله، فلا تُزكُّوا أنفسكم، فتنظروا إليها بعين الرضا، أو تنسبوا إليها شيئاً من الكمالات قبل صفائها. قال القشيري: تزيكة المرء نفسه علامة كونه محجوباً؛ لأنَّ المجذوب عن بقائه، المستغرق في شهود ربِّه، لا يُزكِّي نفسه. هـ. قلت: هذا ما دام في السير، وأما إن حصل له الوصول؛ فلا نفس له، وإنما يُزكّي ربه إذا زكّاها، هو أعلم بمَن اتقى ما سواه. ثم ذكر وبال مَن زكى نفسه، فقال: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ}.
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا عاصماً {كبير الإثم} على لفظ الواحد. الباقون بلفظ الجمع {كبائر} وقد بيناه في سورة {حم عسق}. هذا اخبار من الله بأن له ملك {ما في السماوات} وملك {وما في الأرض} من جميع الاجناس بالحق {ليجزى الذين اساؤا} أي يعاقبهم {بما عملوا} من المعاصي {ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} أى يثيبهم على طاعاتهم بنعيم الجنة والخلود فيها. ثم وصف الذين احسنوا فقال هم {الذين يجتنبون كبائر الإثم} أى عظائم الذنوب {والفواحش}. والمعاصي - عندنا - كلها كبائر غير ان بعضها اكبر من بعض، فقد تكون المعصية كبيرة بالاضافة إلى ما دونها، وقد تكون صغيرة بالاضافة إلى ما هو اكبر منها. والفواحش جمع فاحشة وهي أقبح الذنوب وأفحشها، والاساءة مضرة يستحق بها الذم، ولا يستحق الذم إلا مسيء، وذم من ليس بمسيء قبيح، كذم المحسن بالقبيح، والاحسان فعل ما هو نفع فى نفسه أو هو سبب للنفع ليستحق به الحمد، ولا يستحق الحمد إلا محسن. والكبير من الذنوب هو الذي يعظم به الزجر إلى حد لا يكفره إلا التوبة منه - عند من لم يحسن إسقاط العقاب تفضلا - والصغير هو الذي يخف فيه الزجر إلى حد يصح تكفيره من غير توبة - عند من قال بالصغائر - وقوله {إلا اللمم} قال قوم: هو الهم بالمعصية من جهة مقاربتها في حديث النفس بها من غير مواقعتها ولا عزم عليها، لان العزم على الكبير كبيرة. ولكن يقرب من مكانها لشهوته لها غير عازم عليها. وقال قوم {إلا اللمم} استثناء منقطع، لأنه ليس من الكبائر ولا الفواحش، كما قال الشاعر: شعر : وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس تفسير : واليعفور من الظباء الأحمر والاعيس الابيض. وقيل {اللمم} مقاربة الشيء من غير دخول فيه، يقال: ألمّ بالشيء يلم إلماماً إذا قاربه. وقيل {اللمم} الصغير من الذنوب، كما قال {أية : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم} تفسير : ذهب اليه ابن عباس وابن مسعود. وقيل {اللمم} اتيان الشيء من غير اقامة عليه قال الحسن: هو إصابة الفاحشة من غير إقامة للمبادرة بالتوبة. ثم أخبر عن نفسه تعالى بأنه واسع المغفرة للمذنبين بقوله {إن ربك} يا محمد {واسع المغفرة هم أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} يعني أنشأ أباكم آدم من أديم الأرض. وقال البلخي: يجوز ان يكون المراد به جميع الخلق، من حيث خلقهم الله تعالى من الطبائع الاربع على حسب ما أجرى العادة من خلق الاشياء عند ضرب من تركيبها، وخلق الحيوان عند تناول أغذية مخصوصة خلقها الله من الأرض، فكأنه تعالى أنشأهم منها. وقوله {وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} أي هو أعلم بكم في هذه الأحوال كلها لم يخف عليه من أحوالكم شيء منها. ثم نهاهم تعالى فقال {فلا تزكوا أنفسكم} أي لا تعظموها ولا تمدحوها بما ليس لها، فاني أعلم بها {هو أعلم بمن اتقى} معاصيه وفعل طاعاته والفرق بينه وبين من خالفه. وقال قوم: نهاهم أن يزكوا انفسهم بفعل الواجبات، وفعل المندوبات، وترك القبائح لانه اقرب إلى النسك والخشوع. والأجنة جمع جنين. وهو الدفين فى الشيء قال الحارث: شعر : ولا شمطاء لم تترك شفاها لها من تسعة إلا جنينا تفسير : أي إلا دفينا فى قبره، ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله {أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى} قال مجاهد: نزلت فى الوليد ابن المغيرة وكان أعطى قليلا من ماله لمن يتحمل عنه العذاب فى الآخرة. ثم منع ما ضمن له. وقيل: إن {الذي أعطى قليلا وأكدى} هو المنافق الذي يعطي قليلا فى المعونة على الجهاد ثم يمنع وقال ابن عباس ومجاهد: معنى {وأكدى} قطع العطاء، كما يقطع البئر الماء واشتقاق (اكدى) من كدية الركية، وهي صلابة تمنع الماء إذا بلغ الحافر اليها يئس من الماء، فيقول بلغنا كديتها أي صلابتها التي تويئس من الماء، يقال: اكدى يكدي إكداء إذا منع الخير، وكديت اظفاره إذا غلظت، وكديت أصابعه إذا كلت، فلم تعمل شيئاً، وكدى النبت إذا قل ريعه، والاصل واحد. وقيل: الكدية صخرة يبلغ اليها حافر البئر فلا يمكنه الحفر. وقوله {أعنده علم الغيب فهوى يرى} إنكار على من ذكره، وهو الذي تولى واعطى قليلا من ماله ليتحمل عنه خطأه، فقال {أعنده علم الغيب فهو يرى} أي يعلم صدق الذي وعده ليتحمل خطاياه؟!
الجنابذي
تفسير : {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} اى لله السّماوات والارض وما فيهما كما مرّ مراراً {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ} علّة غائيّة لا عرض يعنى انّك ما دمت مقبلاً عليهم لم يعذّب الله احداً منهم فاعرض عنهم حتّى يجزى الّذين اساؤا {بِمَا عَمِلُواْ} او غاية لقوله: {هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} او علّة لاثبات قوله {هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} يعنى قلنا انّه اعلم لما ترى انّه يجزى الّذين اساؤا او غاية لقوله {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}، او علّة لاثباته {وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى} بالخصلة او العاقبة او النّعمة الحسنى.
اطفيش
تفسير : {وللهِ مَا فِي السَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} خلقا وملكا ويهدي من يشاء ويضل من يشاء فهو لكمال قدرته وسعة ملكه يجازي كلا بما عمل كما قال. {لِيَجْزِيَ} متعلق باعلم أو بمحذوف أي خلق الخلق للجزاء أو ميز الضال والمهتدي وحفظ احوالهم للجزاء وقرىء بالنون. {الَّذِينَ أَسَاءُواْ} أشركوا وهو المراد بمن ضل أو أراد اصحاب الكبائر مطلقا. {بِمَا عَمِلُواْ} بعقاب ما عملوا من السوء وبمثله أو بسبب ما عملوا. {الَّذِين} نعت الذين أوبدل او بيان أو خبر لمحذوف اي الممدوحون أو مفعول أي أمدح. {وَيِجْزِيَ} بالياء. {الَّذِينَ أَحْسَنُواْ} آمنوا وعملوا {بِالْحُسْنَى} الجنة أو ما حسن من اعمالهم أو بسبب الاعمال الحسنى.
اطفيش
تفسير : {ولله} وحده لا مع غيره، ولا لغيره، وهكذا تقول فى مثل هذا من القرآن وغيره، والاظهار فى مقام الاضمار، لزيادة بيان القدرة بذكر أكمل الأسماء {ما في السَّماوات وما في الأرض} من أجسام وأفعال، وسائر أعراض، وشمل ذلك أبعاضهن والضلال والاهتداء {ليجْزى} متعلق بما تعلق به لله على حد ما مر مرارا بمعنى أنهم فى ملكه لا يفوته عقابهم، أو بمحذوف تقديره خلق ما فيهما ليجزى، أو يضل أو اهتدى، واللام للعاقبة، أو متعلق بيكلف محذوفا، أى كلف الناس ليجزى، فيكون للتعليل، وما أذكر نكتة من فضائل خط المغاربة مطلقا على خط المشرقة التى لا ينكرها الا معاند، وهى أن الياء المتحركة تنبسط الى قدام بالتواء كياء يجزى بعد الزاى، دلالة على تحركها، والساكنة سكونا ميتا أو حيا تجر إلى وراء دلالة على عدم تحركها كياء فى، وأما فى القرآن فظاهر كالشمس، كما تراهم يكتبون الميم فوق النون الساكنة قبل الباء تقرأ ميما، وكما تراهم يكتبونه كما فى الامام، وما لم يكتب فيه يكتبونه بالأحمر أو الأصفر وهكذا. {الَّذين أسَاءوا} بالإشراك وما دونه {بمَا عَملوا} الباء سببية، أى ليجزيهم بالنار بسب ما عملوه، أوبسبب عملهم من اشراك وما دونه، ولا صغائر للكفار لأنهم أصروا، أو غير سببية، فالمعنى بجزاء ما عملوا من العقاب، أو ماعملوا بمعنى العقاب تسمية للمسببب بلفظ السبب {ويَجْزي الَّذين أحْسنُوا} بالتوحيد وما يستتبعه {بالحُسْنى} بالجنَّة فهو اسم للجنة أو صفة أى الدار الحسنى، أو الباء سببية أى لأعمالهم الحسنة، فلك يا محمد وأتباعك الحسنى، ولأعدائك السوأى، اللهم اجعلنا من أهل الحسنى: شعر : إن جاها قد عم كل الباريا جل عن أن يضيق عن أمثالى يا رسول الإله إنى عبيد بك قد لذت من عظيم فعالى فأغشنى بنظرة هى حسى فى مرامى وسائر الأحوال وأصلى عليك ما أمك الركــــ ـــــب ولى من شاسعات الجبال وعلى الآل والصحابة طراً من رقوا أشرف الذمُّرا للمعال
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أي له ذلك على الوجه الأتم أي خلقاً وملكاً لا لغيره عز وجل أصلاً لا استقلالاً ولا اشتراكاً، ويشعر بفعل يتعلق به / قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ} أي خلق ما فيهما ليجزي الضالين بعقاب ما عملوا من الضلال الذي عبر عنه بالإساءة بياناً لحاله؛ أو بمثل ما عملوا، أو بسبب ما عملوا على أن الباء صلة الجزاء بتقدير مضاف أو للسببية بلا تقدير. {وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } أي اهتدوا {بِٱلْحُسْنَى } أي بالمثوبة الحسنى التي هي الجنة، أو بأحسن من أعمالهم أو بسبب الأعمال الحسنى تكميل لما قبل لأنه سبحانه لما أمره عليه الصلاة والسلام بالإعراض نفى توهم أن ذلك لأنهم يتركون سدى. وفي العدول عن ضمير ربك إلى الاسم الجامع ما ينبـىء عن زيادة القدرة وأن الكلام مسوق لوعيد المعرضين وأن تسوية هذا الملك العظيم لهذه الحكمة فلا بدّ من ضال ومهتد، وَمِن أن يلقى كل ما يستحقه، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم يلقى الحسنى جزاءاً لتبليغه وهم يلقون السوأى جزاءاً لتكذيبهم. وكرر فعل الجزاء لإبراز كمال الاعتناء به والتنبيه على تباين الجزاءين. وجوز أن يكون معنى { أية : فَأَعْرِضْ } تفسير : [النجم: 29] الخ لا تقابلهم بصنيعهم وكلهم إلى ربك إنه أعلم بك وبهم فيجزي كلاً ما يستحقه، ولا يخفى ما في العدول عن الضميرين في {بِمَن ضَلَّ } { أية : بِمَن ٱهْتَدَىٰ } تفسير : [النجم: 30] وجعل قوله تعالى: {لِيَجْزِىَ } على هذا متعلقاً بما يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ } الخ أي ميز الضال عن المهتدي وحفظ أحوالهم ليجزي الخ، وقوله سبحانه: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } جملة معترضة تؤكد حديث أنهم يجزون البتة ولا يهملون كأنه قيل: هو سبحانه أعلم بهم وهم تحت ملكه وقدرته، وجوز على ذلك المعنى أن يتعلق {لِيَجْزِىَ } بقوله تعالى: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } كما تقدم على تأكيد أمر الوعيد، أي هو أعلم بهم وإنما سوى هذا الملك للجزاء، ورجح بعضهم ذلك المعنى بالوجهين المذكورين على ما مرّ. وجوز في جملة {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } كونها حالاً من فاعل {أَعْلَمُ} سواء كان بمعنى عالم أو لا، وفي {لِيَجْزِىَ } تعلقه بضل واهتدى على أن اللام للعاقبة أي هو تعالى أعلم بمن ضل ليؤول أمره إلى أن يجزيه الله تعالى بعمله، وبمن اهتدى ليؤول أمره إلى أن يجزيه بالحسنى، ولا يخفى بعده، وأبعد منه بمراحل تعلقه بقوله سبحانه: { أية : لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ } تفسير : [النجم: 26] كما ذكره مكي. وقرأ زيد بن علي ـ (لنجزي) ـ (ونجزي) بالنون فيهما. {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإثْمِ} بدل من الموصول الثاني. وصيغة الاستقبال في صلته للدلالة على تجدد الاجتناب واستمراره أو بيان أو نعت أو منصوب على المدح أو مرفوع على أنه خبر محذوف. و {ٱلإِثْمِ } الفعل المبطىء عن الثواب وهو الذنب، وكبائره ما يكبر عقابه، وقرأ حمزة والكسائي وخلف (كبير الإثم) على إرادة الجنس أو الشرك {وَٱلْفَوٰحِشَ } ما عظم قبحه من الكبائر فعطفه على ما تقدم من عطف الخاص على العام، وقيل: الفواحش والكبائر مترادفان {إِلاَّ ٱللَّمَمَ } ما صغر من الذنوب وأصله ما قل قدره، ومنه لمَةُ الشعر لأنها دون الوفرة، وفسره أبو سعيد الخدري بالنظرة والغمزة والقبلة وهو من باب التمثيل، وقيل: معناه الدنو من الشيء دون ارتكاب له من ألممت بكذا أي نزلت به وقاربته من غير مواقعة وعليه قول الرماني هو الهمّ بالذنب وحديث النفس دون أن يواقع، وقول ابن المسيب: ما خطر على القلب، وعن ابن عباس وابن زيد هو ما ألموا به من الشرك والمعاصي في الجاهلية قبل الإسلام. والآية نزلت لقول الكفار للمسلمين قد كنتم بالأمس تعملون أعمالنا فهي مثل قوله تعالى: { أية : وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [النساء: 23] على ما في «البحر»، وقيل: هو مطلق الذنب. / وفي رواية عن ابن عباس أنه ما يلم به المرء في الحين من الذنوب ثم يتوب، والمعظم على تفسيره بالصغائر. والاستثناء منقطع، وقيل: إنه لا استثناء فيه أصلاً، و {إِلا } صفة بمعنى غير إما لجعل المضاف إلى المعرف باللام الجنسية أعني {كَبَـٰئِرَ ٱلإثْمِ} في حكم النكرة، أو لأن غير وإِلا التي بمعناها قد يتعرفان بالإضافة كما في { أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ } تفسير : [الفاتحة: 7] وتعقبه بعضهم بأن شرط جواز وقوع إِلا صفة كونها تابعة لجمع منكر غير محصور ولم يوجد هنا، ورد بأن هذا ما ذهب إليه ابن الحاجب، وسيبويه يرى جواز وقوعها صفة مع جواز الاستثناء فهو لا يشترط ذلك، وتبعه أكثر المتأخرين، نعم كونها هنا صفة خلاف الظاهر ولا داعي إلى ارتكابه. والآية عند الأكثرين دليل على أن المعاصي منها كبائر ومنها صغائر، وأنكر جماعة من الأئمة هذا الانقسام وقالوا: سائر المعاصي كبائر، منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين في «الإرشاد»، وتقي الدين السبكي وابن القشيري في «المرشد» بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة، واختاره في «تفسيره» فقال: معاصي الله تعالى كلها عندنا كبائر وإنما يقال لبعضها صغيرة وكبيرة بالإضافة، وحكى الانقسام عند المعتزلة، وقال: إنه ليس بصحيح، وقال القاضي عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال في معصية إنها صغيرة إلا على معنى أنها تصغر باجتناب الكبائر ويوافق ذلك ما رواه الطبراني عن ابن عباس لكنه منقطع أنه ذُكر عنده الكبائر فقال: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو كبيرة، وفي رواية كل شيء عصي الله تعالى فيه فهو كبيرة، والجمهور على الانقسام قيل: ولا خلاف في المعنى، وإنما الخلاف في التسمية، والإطلاق لإجماع الكل على أن من المعاصي ما يقدح في العدالة ومنها ما لا يقدح فيها وإنما الأولون فروا من التسمية فكرهوا تسمية معصية الله تعالى صغيرة نظراً إلى عظمة الله عز وجل وشدة عقابه سبحانه وإجلالاً له جل شأنه عن تسمية معصيته صغيرة لأنها بالنظر إلى باهر عظمته كبيرة وأيّ كبيرة، ولم ينظر الجمهور إلى ذلك لأنه معلوم؛ وقسموها إلى ما ذكر لظواهر الآيات والأحاديث ولذلك قال الغزالي: لا يليق إنكار الفرق بين الكبائر والصغائر وقد عرفنا من مدارك الشرع. ثم القائلون بالفرق اختلفوا في حد الكبيرة فقيل: هي ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة وهي عبارة كثير من الفقهاء، وقيل: كل معصية أوجبت الحدّ ـ وبه قال البغوي وغيره، والأول أوفق لما ذكروه في تفصيل الكبائر إذ عدوا الغيبة والنميمة والعقوق وغير ذلك منها ولا حدّ فيه فهو أصح من الثاني وإن قال الرافعي: إنهم إلى ترجيحه أميل، وقد يقال: يرد على الأول أيضاً أنهم عدوا من الكبائر ما لم يرد فيه بخصوصه وعيد شديد. وقيل: هي كل ما نص الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حدّ، وترك فريضة تجب فوراً والكذب في الشهادة والرواية واليمين، زاد الهروي وشريح وكل قول خالف الإجماع العام، وقيل: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة وهو المحكي عن إمام الحرمين، ورجحه جمع لما فيه من حسن الضبط، وتعقب بأنه بظاهره يتناول صغيرة الخسة، والإمام ـ كما قال الأذرعي ـ إنما ضبط به ما يبطل العدالة من المعاصي الشاملة لذلك لا الكبيرة فقط، نعم هو أشمل من التعريفين الأولين، وقيل: هي ما أوجب الحدّ أو توجه إليه الوعيد ذكره الماوردي في «فتاويه»، وقيل: كل محرم لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه فإن فعله على وجه يجمع وجهين أو وجوهاً من التحريم كان فاحشة، فالزنا كبيرة وبحليلة الجار فاحشة والصغيرة تعاطي ما تنقص رتبته عن رتبته المنصوص عليه أو تعاطيه على وجه دون المنصوص عليه فإن تعاطاه على وجه يجمع وجهين أو أكثر من التحريم / كان كبيرة، فالقبلة واللمس والمفاخذة صغيرة، ومع حليلة الجار كبيرة كذا نقله ابن الرفعة وغيره عن القاضي حسين عن الحليمي، وقيل: هي كل فعل نص الكتاب على تحريمه أي بلفظ التحريم وهو أربعة أشياء، أكل الميتة، ولحم الخنزير، ومال اليتيم، والفرار من الزحف وَرُدَّ بمنع الحصر، وقيل: إنها كل ذنب قرن به حدّ أو وعيد أو لعن بنص كتاب أو سنة أو علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به ذلك أو أكثر أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها بذلك كما لو قتل من يعتقده معصوماً فظهر أنه مستحق لدمه أو وطىء امرأة ظاناً أنه زان بها فإذا هي زوجته أو أمته، وإليه ذهب شيخ الإسلام البارزي وقال: هو التحقيق؛ وقيل: غير ذلك. واعتمد الواحدي أنها لا حدّ لها يحصرها فقال: الصحيح أن الكبيرة ليس لها حدّ يعرفها العباد به وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها ولكن الله تعالى أخفى ذلك عنهم ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاء أن تجتنب الكبائر، ونظير ذلك إخفاء الاسم الأعظم والصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الإجابة، وقال العلامة ابن حجر الهيتمي: كل ما ذكر من الحدود إنما قصد به التقريب فقط وإلا فهي ليست بحدود جامعة، وكيف يمكن ضبط ما لا مطمع في ضبطه؟ وذهب جمع إلى تعريفها بالعدّ، فعن ابن عباس أنها ما ذكره الله تعالى في أول سورة النساء إلى قوله سبحانه: { أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } تفسير : [النساء: 31]. وقيل: هي سبع وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وعطاء وعبيد بن عمير، واستدل له بما في «الصحيحين» « حديث : اجتنبوا السبع الموبقات: الإشراك بالله تعالى والسحر وقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات » تفسير : وقيل: خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة، وقيل: أربع، وعن ابن مسعود ثلاث، وفي رواية أخرى عشرة، وقال شيخ الإسلام العلائي: المنصوص عليه في الأحاديث أنه كبيرة خمس وعشرون، وتعقبه ابن حجر بزيادة على ذلك، وقال أبو طالب المكي: هي سبع عشرة أربع في القلب: الشرك والإصرار على المعصية والقنوط والأمن من المكر، وأربع في اللسان: القذف وشهادة الزور والسحر، وهو كل كلام يغير الإنسان أو شيئاً من أعضائه، واليمين الغموس وهي التي تبطل بها حقاً أو تثبت بها باطلاً، وثلاث في البطن: أكل مال اليتيم ظلماً وأكل الربا وشرب كل مسكر، واثنان في الفرج: الزنا واللواط، واثنتان في اليد القتلة والسرقة، وواحدة في الرجل الفرار من الزحف، وواحدة في جميع الجسد عقوق الوالدين، وفيه ما فيه. وروى الطبراني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رجلاً قال له: كم الكبائر سبع هي؟ فقال هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار. وقد ألف فيها غير واحد من العلماء، وفي كتاب «الزواجر» تأليف العلامة ابن حجر ما فيه كفاية فليراجع، والله تعالى الموفق وإنا لنستغفره ونتوب إليه. {إِنَّ رَبَّكَ وٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ } حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، فالجملة تعليل لاستثناء اللمم، وتنبيه على أن إخراجه عن حكم المؤاخذة ليس لخلوه عن الذنب في نفسه بل لسعة المغفرة الربانية، وجوز أن يكون المعنى له سبحانه أن يغفر لمن يشاء من المؤمنين ما يشاء من الذنوب صغيرها وكبيرها، ولعل تعقيب وعيد المسيئين ووعد المحسنين بذلك حينئذٍ لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته تعالى ولا يتوهم وجوب العقاب عليه عز وجل. وزعم بعض جواز كون الموصول مبتدأ وهذه الجملة خبره والرابط محذوف أي: واسع المغفرة لهم ليس بشيء كما لا يخفى. {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ } أي بأحوالكم من كل أحد {إِذْ أَنشَأَكُمْ } في ضمن إنشاء أبيكم آدم عليه السلام / {مّنَ ٱلأَرْضِ } إنشاءاً إجمالياً حسبما مر تحقيقه، وقيل: إنشاؤهم من الأرض باعتبار أن المني الذي يتكونون منه من الأغذية التي منشؤها من الأرض، وأياً مّا كان ـ فإذاـ ظرف ـ لأعلم ـ وهو على بابه من التفضيل. وقال مكي: هو بمعنى عالم إذ تعلق علمه تعالى بأحوالهم في ذلك الوقت لا مشارك له تعالى فيه. وتعقب بأنه قد يتعلق علم من أطلعه الله تعالى من الملائكة عليه، وقيل: {إِذْ } منصوب بمحذوف، والتقدير اذكروا إذ أنشأكم وهو كما ترى {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ } ووقت كونكم أجنة {فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ } على أطوار مختلفة مترتبة لا يخفى عليه سبحانه حال من أحوالكم وعمل من أعمالكم التي من جملتها اللمم الذي لولا المغفرة الواسعة لأصابكم وباله، فالجملة استئناف مقرر لما قبلها وذكر {فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ } مع أن الجنين ما كان في البطن للإشارة إلى الأطوار كما أشرنا إليه، وقيل: لتأكيد شأن العلم لما أن بطن الأم في غاية الظلمة. ((والفاء في قوله تعالى: {فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } لترتيب النهي عن تزكية النفس على ما سبق من أن عدم المؤاخذة باللمم ليس لعدم كونه من قبيل الذنوب بل لمحض مغفرته تعالى مع علمه سبحانه بصدوره عنكم أي إذا كان الأمر كذلك فلا تثنوا على أنفسكم بالطهارة عن المعاصي بالكلية أو بزكاء العمل وزيادة الخير بل اشكروا الله تعالى على فضله ومغفرته جل شأنه {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ } المعاصي جميعاً وهو استئناف مقرر للنهي ومشعر بأن فيهم من يتقيها بأسرها)) كذا في «الإرشاد»، وقيل: اتقى الشرك، وقيل: اتقى شيئاً من المعاصي. والآية نزلت على ما قيل: في قوم من المؤمنين كانوا يعملون أعمالاً حسنة ثم يقولون صلاتنا وصيامنا وحجنا وهذا مذموم منهي عنه إذا كان بطريق الإعجاب أو الرياء، أما إذا لم يكن كذلك فلا بأس به ولا يعد فاعله من المزكين أنفسهم، ولذا قيل: المسرة بالطاعة طاعة وذكرها شكر، ولا فرق في التزكية بين أن تكون عبارة وأن تكون إشارة وعدّ منها التسمية بنحو برّة، أخرج أحمد ومسلم وأبو داود وابن مردويه وابن سعد « حديث : عن زينب بنت أبـي سلمة أنها سميت برّة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم سموها زينب » تفسير : وكذا غَيَّرَ عليه الصلاة والسلام إلى ذلك اسم برة بنت جحش، وتغيير مثل ذلك مستحب وكذا ما يوقع نفيه بعض الناس في شيء من الطيرة كبركة ويسار، والنهي عن التسمية به للتنزيه وقوله صلى الله عليه وسلم كما روى جابر: « حديث : إن عشت إن شاء الله أنهى أمتي أن يسموا نافعاً وأفلح وبركة » تفسير : محمول كما قال النووي على إرادة أنهى نهي تحريم، والظاهر أن كراهة ما يشعر بالتزكية مخصوصة بما إذا كان الإشعار قوياً كما إذا كان الاسم قبل النقل ظاهر الدلالة على التزكية مستعملاً فيها فلا كراهة في التسمية بما يشعر بالمدح إذا لم يكن كذلك كسعيد وحسن، وقد كان لعمر رضي الله تعالى عنه ابنة يقال لها: عاصية فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جميلة كذا قيل، والمقام بعد لا يخلو عن بحث فليراجع، وقيل: معنى لا تزكوا أنفسكم: لا يزكي بعضكم بعضاً، والمراد النهي عن تزكية السمعة أو المدح للدنيا، أو تزكية على سبيل القطع، وأما التزكية لإثبات الحقوق ونحوه فهي جائزة. وذهب بعضهم إلى أن الآية نزلت في اليهود. أخرج الواحدي وابن المنذر وغيرهما عن ثابت بن الحرث الأنصاري قال: « حديث : كانت اليهود إذا هلك لهم صبـي صغير قالوا: هو صِدِّيق فبلغ ذلك النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله تعالى في بطن أمها إلا يعلم سعادتها أو شقاوتها » تفسير : فأنزل الله سبحانه عند ذلك {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ } الآية.
ابن عاشور
تفسير : {وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ}. عطف على قوله: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} الخ فبعد أن ذكر أن لله أمور الدارين بقوله: {أية : فللَّه الآخرة والأولى}تفسير : [النجم: 25] انتقل إلى أهم ما يجري في الدارين من أحوال الناس الذين هم أشرف ما على الأرض بمناسبة قوله: {أية : إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله}تفسير : [النجم: 30] المراد به الإِشارة إلى الجزاء وهو إثبات لوقوع البعث والجزاء. فالمقصود الأصلي من هذا الكلام هو قوله: {وما في الأرض} لأن المهم ما في الأرض إذ هم متعلق الجزاء، وإنما ذكر معه ما في السماوات على وجه التتميم للإِعلام بإحاطة ملك الله لما احتوت عليه العوالم كلها ونكتة الابتداء بالتتميم دون تأخيره الذي هو مقتضى ظاهر في التتميمات هي الاهتمام بالعالم العلوي لأنه أوسع وأشرف وليكون المقصود وهو قوله: {ليجزى الذين أساءوا بما عملوا} الآية مقترناً بما يناسبه من ذكر ما في الأرض لأن المجزيين هم أهل الأرض، فهذه نكتة مخالفة مقتضى الظاهر. فيجوز أن يتعلق قوله: {ليجزى} بما في الخبر من معنى الكون المقدَّر في الجار والمجرور المخبر به عن {ما في السمٰوات وما في الأرض} أي كائن ملكاً لله كوناً علته أن يجزي الذين أساءوا والذين أحسنوا من أهل الأرض، وهم الذين يصدر منهم الإِساءة والإِحسان فاللام في قوله: {ليجزي} لام التعليل، جعل الجزاء علة لثبوت ملك الله لما في السمٰوات والأرض. ومعنى هذا التعليل أنّ من الحقائق المرتبطة بثبوت ذلك الملك ارتباطاً أوَّليًّا في التعقل والاعتبار لا في إيجاد فإن ملك الله لما في السماوات وما في الأرض ناشىء عن إيجاد الله تلك المخلوقات والله حين أوجدها عالم أن لها حياتين وأن لها أفعالاً حسنة وسيئة في الحياة الدنيا وعالم أنه مجزيها على أعمالها بما يناسبها جزاء خالداً في الحياة الآخرة فلا جرم كان الجزاء غايةً لإِيجاد ما في الأرض فاعتبر هو العلة في إيجادهم وهي علة باعثة يحتمل أن يكون معها غيرُها لأن العلة الباعثة يمكن تعددها في الحكمة. ويجوز أن يتعلق بقوله: {أعلم} من قوله: {أية : هو أعلم بمن ضل عن سبيله}تفسير : [النجم: 30]، أي من خصائص علمه الذي لا يعزب عنه شيء أن يكون علمه مرتباً عليه الجزاءُ. والباءانِ في قوله: {بما عملوا} وقوله: {بالحسنى} لتعدية فعْلي {ليجزي} و{يجزي} فما بعد الباءَيْن في معنى مفعول الفعلين، فهما داخلتان على الجزاء، وقوله: {بما عملوا} حينئذٍ تقديره: بمثل ما عملوا، أي جزاء عادلاً مماثلاً لما عملوا، فلذلك جعل بمنزلة عين ما عملوه على طريقة التشبيه البليغ. وقوله: {بالحسنى} أي بالمثوبة الحسنى، أي بأفضل مما عملوا، وفيه إشارة إلى مضاعفة الحسنات كقوله: {أية : من جاء بالحسنة فله خير منها}تفسير : [النمل: 89]. والحسنى: صفة لموصوف محذوف يدل عليه {يجزي} وهي المثوبة بمعنى الثواب. وجاء ترتيب التفصيل لجزاء المسيئين والمحسنين على وفق ترتيب إجماله الذي في قوله: {أية : إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى}تفسير : [النجم: 30] على طريقة اللف والنشر المرتب. وقوله: {الذين يجتنبون كبائر الإثم} الخ صفة لـــ {الذين أحسنوا}، أي الذين أحسنوا واجتنبوا كبائر الإِثم والفواحش، أي فعلوا الحسنات واجتنبوا المنهيات، وذلك جامع التقوى. وهذا تنبيه على أن اجتناب ما ذكر يعُدّ من الإِحسان لأن فعل السيئات يُنافي وصفهم بالذين أحسنوا فإنهم إذا أتوا بالحسنات كلها ولم يتركوا السيئات كان فعلهم السيئات غير إحسان ولو تركوا السيئات وتركوا الحسنات كان تركهم الحسنات سيئات. وقرأ الجمهور {كبائر الإثم} بصيغة جمع (كبيرة). وقرأ حمزة والكسائي {كبيرَ الإِثم} بصيغة الإِفراد والتذكير لأن اسم الجنس يستوي فيه المفرد والجمع. والمراد بكبائر الإِثم: الآثام الكبيرة فيما شرع الله وهي ما شدد الدين التحذير منه أو ذكر له وعيداً بالعذاب أو وصف على فاعله حداً. قال إمام الحرمين: «الكبائر كل جريمة تؤذن بقلة اكتراثِ مرتكبها بالدين وبرقة ديانته». وعطف الفواحش يقتضي أن المعطوف بها مغاير للكبائر ولكنها مغايرة بالعموم والخصوص الوجهي، فالفواحش أخص من الكبائر وهي أقوى إثماً. والفواحش: الفعلات التي يعد الذي فعلها متجاوزاً الكبائر مثل الزنى والسرقة وقتل الغيلة، وقد تقدم تفسير ذلك في سورة الأنعام عند قوله تعالى: {أية : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن}تفسير : [الأعراف: 33] الآية وفي سورة النساء (31) في قوله: {أية : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه}.تفسير : واستثناء اللمم استثناء منقطع لأن اللمم ليس من كبائر الإِثم ولا من الفواحش. فالاستثناء بمعنى الاستدراك. ووجهه أن ما سمي باللمم ضرب من المعاصي المحذر منها في الدين، فقد يظن الناس أن النهي عنها يلحقها بكبائر الإِثم فلذلك حق الاستدراك، وفائدة هذا الاستدراك عامة وخاصة: أما العامة فلكي لا يعامِل المسلمون مرتكب شيء منها معاملة من يرتكب الكبائر، وأما الخاصة فرحمة بالمسلمين الذين قد يرتكبونها فلا يَقُل ارتكابها من نشاط طاعة المسلم، ولينصرف اهتمامه إلى تجنب الكبائر. فهذا الاستدراك بشارة لهم، وليس المعنى أن الله رخص في إتيان اللمم. وقد أخطأ وضاح اليَمن في قوله الناشىء عن سوء فهمه في كتاب الله وتطفله في غير صناعته:شعر : فما نوَّلَتْ حتى تضرعتُ عندها وأنبأتُها ما رَخَّص الله في اللَّمم تفسير : واللمم: الفعل الحرام الذي هو دون الكبائر والفواحش في تشديد التحريم، وهو ما يندر ترك الناس له فيكتفى منهم بعدم الإكثار من ارتكابه. وهذا النوع يسميه علماء الشريعة الصغائر في مقابلة تسمية النوع الآخر بالكبائر. فمثلوا اللمم في الشهوات المحرمة بالقبلة والغمزة. سمي: اللمم، وهو اسم مصدر أَلمَّ بالمكان إلماماً إذا حلّ به ولم يُطل المكث، ومن أبيات الكتاب:شعر : قريشي منكمُ وَهَوَايَ مَعْكُم وإن كانت زيارتكم لِمامَا تفسير : وقد قيل إن هذه الآية نزلت في رجل يسمى نَبْهان التَمَّار كان له دُكان يبيع فيه تمراً (أي بالمدينة) فجاءته امرأة تشتري تمراً فقال لها: إنّ داخل الدُكان ما هو خير من هذا، فلما دخلت راودها على نفسها فأبت فندم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته (أي غصباً عليها) إلا الجماع"، فنزلت هذه الآية، أي فتكون هذه الآية مدنية أُلحقت بسورة النجم المكية كما تقدم في أول السورة. والمعنى: أن الله تجاوز له لأجل توبته. ومن المفسرين من فسر اللَّمم بِالهَمّ بالسيئة ولا يفعل فهو إلمام مجازي. وقوله: {إن ربك واسع المغفرة} تعليل لاستثناء اللمم من اجتنابهم كبائر الإِثم والفواحش شرطاً في ثبوت وصف {الذين أحسنوا} لهم. وفي بناء الخبر على جعل المسند إليه {ربُّك} دون الاسم العلم إشعار بأن سعة المغفرة رفق بعباده الصالحين شأن الرب مع مربوبه الحق. وفي إضافة (رب) إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم دون ضمير الجماعة إيماء إلى أن هذه العناية بالمحسنين من أمته قد حصلت لهم ببركته. والواسع: الكثير المغفرة، استعيرت السعة لكثرة الشمول لأن المكان الواسع يمكن أن يحتوي على العدد الكثير ممن يحلّ فيه قال تعالى: {أية : ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً}، تفسير : وتقدم في سورة غافر (7). {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى}. الخطاب للمؤمنين، ووقوعه عقب قوله: {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} ينبىء عن اتصال معناه بمعنى ذلك فهو غير مُوجه لليهود كما في «أسباب النزول» للواحدي وغيره. وأصله لعبد الله بن لهيعة عن ثابت بن حارث الأنصاري. قال: «حديث : كانت اليهود إذا هلك لهم صبي صغير يقولون: هو صدِّيق، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت يهود، ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد»تفسير : ، فأنزل الله هذه الآية. وعبد الله بن لهيعة ضَعفه ابن معين وتَركه وكيع ويحيى القطان وابن مهدي. وقال الذهبي: العَمل على تضعيفه، قلت: لعل أحد رواة هذا الحديث لم يضبط فقال: فأنزل الله هذه الآية، وإنما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذاً بعموم قوله: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} الخ، حجة عليهم، وإلاّ فإن السورة مكية والخوض مع اليهود إنما كان بالمدينة. وقال ابن عطية: حكى الثعلبي عن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في قوم من المؤمنين فخروا بأعمالهم. وكأنَّ الباعث على تطلب سبب لنزولها قصد إبداء وجه اتصال قوله: {فلا تزكوا أنفسكم} بما قبله وما بعده وأنه استيفاء لمعنى سعة المغفرة ببيان سعة الرحمة واللطف بعباده إذْ سلك بهم مسلك اليسر والتخفيف فعفا عمّا لو آخذهم به لأحرجهم فقوله: {هو أعلم بكم} نظير قوله: {أية : الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً}تفسير : [الأنفال: 66] الآية ثم يجيء الكلام في التفريع بقوله: {فلا تزكوا أنفسكم}. فينبغي أن تحل جملة {هو أعلم بكم} إلى آخرها استئنافاً بيانياً لجملة {إن ربك واسع المغفرة} لما تضمنته جملة {إن ربك واسع المغفرة} من الامتنان، فكأن السامعين لما سمعوا ذلك الامتنان شكروا الله وهجس في نفوسهم خاطر البحث عن سبب هذه الرحمة بهم فأجيبوا بأن ربهم أعلم بحالهم من أنفسهم فهو يدبر لهم ما لا يخطر ببالهم، ونظيره ما في الحديث القدسي قال الله تعالى: «حديث : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر خيراً من بَلْه ما أطَّلَعتم عليه»تفسير : . وقوله: {إذ أنشأكم} ظرف متعلق بــــ (أعلم)، أي هو أعلم بالناس من وقت إنشائه إياهم من الأرض وهو وقت خلق أصلهم آدم. والمعنى: أن إنشاءهم من الأرض يستلزم ضعف قدرهم عن تحمل المشاق مع تفاوت أطوار نشأة بني آدم، فالله علم ذلك وعلم أن آخر الأمم وهي أمة النبي صلى الله عليه وسلم أضعف الأمم. وهذا المعنى هو الذي جاء في حديث الإِسراء من قول موسى لمحمد عليهما الصلاة والسلام حين فرض الله على أمته خمسين صلاة «إن أمتك لا تطيق ذلك وإني جربت بني إسرائيل» أي وهم أشد من أمتك قوة، فالمعنى أن الضعف المقتضي لسعة التجاوز بالمغفرة مقرر في علم الله من حين إنشاء آدم من الأرض بالضعف الملازم لجنس البشر على تفاوت فيه قال تعالى: {أية : وخلق الإِنسان ضعيفاً}تفسير : [النساء: 28]، فإن إنشاء أصل الإِنسان من الأرض وهي عنصر ضعيف يقتضي ملازمة الضعف لجميع الأفراد المنحدرة من ذلك الأصل. ومنه قوله النبي: «حديث : إن المرأة خُلقت من ضِلَع أعوج»تفسير : . وقوله: {وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} يختص بسعة المغفرة والرفق بهذه الأمة وهو متقضى قوله تعالى: {أية : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}تفسير : [البقرة: 185]. والأجنة: جمع جنين، وهو نسل الحيوان ما دام في الرحم، وهو فعيل بمعنى مفعول لأنه مستور في ظلمات ثلاث. وفي {بطون أمهاتكم} صفة كاشفة إذ الجنين لا يقال إلا على ما في بطن أمه. وفائدة هذا الكشف أن فيه تذكيراً باختلاف أطوار الأجنة من وقت العلوق إلى الولادة، وإشارة إلى إحاطة علم الله تعالى بتلك الأطوار. وجملة {فلا تزكوا أنفسكم} اعتراض بين جملة {هو أعلم بكم} وجملة {أية : أفرأيت الذي تولى}تفسير : [النجم: 33] الخ، والفاء لتفريع الاعتراض، وهو تحذير للمؤمنين من العُجب بأعمالهم الحسنة عجباً يحدثه المرء في نفسه أو يدخله أحدٌ على غيره بالثناء عليه بعمله. و{تزكوا} مضارع زكى الذي هو من التضعيف المراد منه نسبة المفعول إلى أصل الفعل نحو جَهَّله، أي لا تنسبوا لأنفسكم الزكاة. فقوله: {أنفسكم} صادق بتزكية المرء نفسه في سره أو علانيته فرجع الجمع في قوله: {فلا تزكوا} إلى مقابلة الجمع بالجمع التي تقتضي التوزيع على الآحاد مثل: ركب القوم دوابهم. والمعنى: لا تحسبوا أنفسكم أزكياء وابتغوا زيادة التقرب إلى الله أولاً تثقوا بأنكم أزكياء فيدخلكم العجب بأعمالكم ويشمل ذلك ذكر المرء أعماله الصالحة للتفاخر بها، أو إظهارها للناس، ولا يجوز ذلك إلا إذا كان فيه جلب مصلحة عامة كما قال يوسف: {أية : اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظٌ عليم}تفسير : [يوسف: 55]. وعن الكلبي ومقاتل: كان ناس يعملون أعمالاً حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا وجهادنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ويشمل تزكية المرء غيره فيرجع {أنفسكم} إلى معنى قَومكم أو جماعتكم مثل قوله تعالى: {أية : فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم}تفسير : [النور: 61] أي ليسلم بعضكم على بعض. والمعنى: فلا يثني بعضكم على بعض بالصلاح والطاعة لئلا يغيرُه ذلك. وقد ورد النهي في أحاديث عن تزكية الناس بأعمالهم. ومنه حديث حديث : أم عطية حين مات عثمان بن مظعون في بيتها ودخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أم عطية: «رحمةُ الله عليك أبا السائب (كنية عثمان بن مظعون) فشهادتي عليك لقد أكرمكَ الله فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يُدريك أن الله أكرمه، فقالت: إذا لم يُكرمه الله فمنْ يكرمهُ الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هو فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير وإني والله ما أدري وأنا رسولُ الله ما يُفعل بي»تفسير : . قالت أم عطية: فلا أزكي أحداً بعدَ ما سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شاع من آداب عصر النبوة بين الصحابة التحرز من التزكية وكانوا يقولون إذا أثنوا على أحد لا أعلم عليه إلا خيراً ولا أزكي على الله أحداً. وروى مسلم حديث : عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: «سميت ابنتي بَرة فقالت لي زينب بنت بن سلمة إن رسول الله نهى عن هذا الاسم، وسُمِّيتُ برة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزكوا أنفسكم إن الله أعلم بأهل البر منكم، قالوا: بم نسميها؟ قال: سموها زينب»تفسير : . وقد ظهر أن النهي متوجه إلى أن يقول أحد ما يفيد زكاء النفس، أي طهارتها وصلاحها، تفويضاً بذلك إلى الله لأن للناس بواطن مختلفةَ الموافقةِ لظواهرهم وبين أنواعها بَون. وهذا من التأديب على التحرز في الحكم والحيطة في الخِبرة واتهام القرائن والبوارق. فلا يدخل في هذا النهي الإِخبارُ عن أحوال الناس بما يعلم منهم وجربوا فيه من ثقة وعدالة في الشهادة والرواية وقد يعبر عن التعديل بالتزكية وهو لفظ لا يراد به مثل ما أريد من قوله تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم} بل هو لفظ اصطلح عليه الناس بعد نزول القرآن ومرادهم منه واضح. ووقعت جملة {هو أعلم بمن اتقى} موقع البيان لسبب النهي أو لأهمِّ أسبابه، أي فوضوا ذلك إلى الله إذ هو أعلم بمن اتقى، أي بحال من اتقى من كمال تقوى أو نقصها أو تزييفها. وهذا معنى ما ورد في الحديث أن يقول من يخبر عن أحد بخير: «حديث : لا أزكي على الله أحداً»تفسير : أي لا أزكى أحداً معتلياً حق الله، أي متجاوزاً قدري.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى {أية : مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًى}تفسير : [الأحقاف: 3]، وفي سورة الذاريات في الكلام على قوله تعالى {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 31- ولله - وحده - ما فى السموات وما فى الأرض خلقاً وتدبيراً، ليجزى الضالين المسيئين بعملهم، ويجزى المهتدين المحسنين بالمثوبة الحسنى. 32- الذين يجتنبون ما يكبر عقابه من الذنوب وما يعظم قبحه منها، لكن الصغائر من الذنوب يعفو الله عنها، إن ربك عظيم المغفرة، هو أعلم بأحوالكم، إذ خلقكم من الأرض، وإذ أنتم أجنة فى بطون أمهاتكم فى أطواركم المختلفة، فلا تصفوا أنفسكم بالتزكى تمدحاً وتفاخراً، هو أعلم بمن اتقى، فزكت نفسه حقيقة بتقواه. 33، 34، 35- أتأملت فرأيت الذى أعرض عن اتباع الحق، وأعطى شيئاً قليلاً من المال، وقطع العطاء؟! أعنده علم الغيب فهو منكشف له عما يدفعه إلى التولى عن الحق والبخل بالمال؟ 36، 37، 38- بل ألم يخبَر بما فى صحف موسى وإبراهيم الذى بلغ الغاية فى الوفاء بما عاهد الله عليه: أنه لا تحمل نفس إثم نفس أخرى؟! 39- وأنه ليس للإنسان إلا جزاء عمله. 40- وأن عمله سوف يعلن، فيُرى يوم القيامة تشريفاً للمحسن وتوبيخاً للمسئ. 41- ثم يجزى الإنسان على عمله الجزاء الأوفر.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولله ما في السماوات وما في الأرض: أي خلقاً وملكاً وتصرفاً. ليجزي الذين أساءوا بما عملوا: ليعاقب الذين أساءوا بما عملوا من الشرك والمعاصي. ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى: ويثيب الذين أحسنوا في إيمانهم وعملهم الصالح بالجنة. الذين يجتنبون كبائر الإِثم: أي يتجنبون كبائر الذنوب وهو كل ذنب وُضع له حد أو لعن فاعله أو تُوعد عليه بالعذاب في الآخرة. والفواحش إلا اللمم: أي الذنوب القبيحة كالزنا واللواط وقذف المحصنات والبخل واللمم صغائر الذنوب التي تكفر باجتناب كبائرها. هو أعلم بكم إذا أنشأكم من الأرض: أي خلق أباكم آدم من تراب الأرض. وإذا أنتم أجنة في بطون أمهاتكم: أي وأنتم في أرحام أمهاتكم لم تولدوا بعد. فلا تزكوا أنفسكم: أي فلا تمدحوها على سبيل الفخر والإِعجاب. هو أعلم بمن اتقى: أي منكم بمن اتقى منكم وبمن فجر فلا حاجة إلى ذكر ذلك منكم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير ربوبيته تعالى المطلقة لكل شيء إذ تقدم في السياق قوله تعالى: {أية : فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ} تفسير : [الآية: 25] وهنا قال عز من قائل {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} خلقاً وملكاً وتصرفاً وتدبيراً فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء هداية تابعة لحكمة وإضلال كذلك يدل عليه قوله تعالى {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ} أي إلى أنفسهم بما عملوا من الشرك والمعاصي يجزيهم بالسوء وهي جهنم {وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} إلى أنفسهم فزكوها وطهروها بالإِيمان والعمل الصالح يجزيهم بالحسنى التي هي الجنة وقوله {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ} بيّن فيه وجه إحسان المحسنين إلى أنفسهم حين طهروها بالإِيمان وصالح الأعمال ولم يلوثوها بأوضار كبائر الإِثم من كل ما تُوعد فاعله بالنار أو بلَعْنٍ أو إقامة حدٍ، أو غضب الرب. والفواحش من زنا ولواط وبخل وقوله {إِلاَّ ٱللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ} أي لكن اللمم يتجاوز عنه وهو ما ألم به المرء وتاب منه أو فعله في الجاهلية ثم أسلم، وما كان من صغائر الذنوب كالنظرة والكلمة والتمرة. وقد فسر بقول الرسول صلى الله عليه وسلم حديث : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدركه ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا اللسان المنطق والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه. فمغفرة الله واسعة تشمل كل ذنب تاب منه فاعله كما تشمل كل ذنب من الصغائر . تفسير : وقوله تعالى {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} أعلم بضعفنا وغرائزنا وحاجاتنا وعجزنا مِنّا نحن بأنفسنا ولذا تجاوز لنا عن اللمم الذي نُلِمُّ به بحكم العجز والضعف، فله الحمد والمنة، وقوله: {فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} ينهى الرب تعالى عباده المؤمنين عن تزكية المرء نفسه بإدعاء الكمال والطهر الأمر الذي يكون فخراً وإعجاباً والإِعجاب بالنفس محبط للعمل كالرياء والشرك فقوله {فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} أي لا تشهدوا عليها بأنها زكية بريئة من الذنوب والمعاصي وقوله {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} أي أن الله أعلم بمن اتقى منكم ربه فخاف عقابه فأدى الفرائض واجتنب المحرمات منا ومن المتقى نفسه فلذا لا تمدحوا أنفسكم له فإنه أعلم بكم من أنفسكم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير ربوبية الله تعالى لكل شيء وهي مستلزمة لإِلوهيته. 2- تقرير حرية إرادة الله يهدي من يشاء ويضل ويعذب من شاء ويرحم إلا أن ذلك تابع لحكم عالية. 3- تقرير قاعدة الجزاء من جنس العمل. 4- تقرير قاعدة أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر. 5- حرمة تزكية النفس وهي مدحها والشهادة عليها بالخير والفضل والكمال والتفوق.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {أَسَاءُواْ} (31) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى عِبَادَه بِأَنَّه خَالِقُ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَمَا فِيهما، وَأَنَّ جَميعَ مَا فِي الوُجُودِ مُلْكُهُ وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ بِما في النُّفُوسِ والصُّدُورِ، وَقَدْ خَلَقَ الخَلْقَ بِالحقِّ وَالعَدْلِ، وَأَمَرَ الخَلقَ بِعبادَتِهِ وَالإِخلاصِ فِيها، وَنَهَاهُم عَنِ الكُفْرِ وَالمَعَاصِي، وَهُوَ لَنْ يُهمِلَ أَمْرَ الخَلقِ، وَسَيُجَازي كُلَّ وَاحِدٍ بِعَمَلِهِ: السَّيِّئَ عَلَى إِسَاءَتِهِ وَالمُحْسِنَ عَلَى إِحْسَانِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا أيضاً أسلوب قصر بتقديم الخبر. أي: لله وحده. وفي آية أخرى قال تعالى: {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..}تفسير : [الشورى: 49] فالسماوات والأرض عجيبة في ذاتها، والذي فيها أعجب {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} [النجم: 31] وقال {أية : وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..}تفسير : [النحل: 77]. فهذه مراحل ثلاث في مُلك الله، يملك سبحانه الظرف السماوات والأرض، ويملك المظروف أي: ما في السماوات وما في الأرض وكل منهما عجيب ويملك الأعجب من ذلك، وهو ما خفي عنا في ملكوت السماوات والأرض. وهذا يعني أنك أيها الإنسان لا تزهد في الاستنباط، فالكون مليء بما تعلمه وما لا تعلمه من الآيات والعجائب، وفيه عطاءات لا تتناهى ولا تنفد، ما دامت السماوات والأرض، فإذا نفدت العجائب والأسرار بنفاد الدنيا جاءت عجائب وأسرار الآخرة. ثم يُبيِّن سبحانه أن هذه الملك في السماوات والأرض يترتب عليه الجزاء في الآخرة، لأن الملك ملكُ الله، والخَلْق خَلْق الله، والرسل رسل الله، والمنهج منهج الله، فأمامك أيها الإنسان الكون الفسيح وما فيه من آيات كونية تدل على قدرة الخالق سبحانه فاستدل بالخلق على الخالق. ثم أرسل لك الرسل وأنزل الكتب وشرَّع الشرائع وبيَّن الحلال والحرام، وبيَّن الحدود، وبيَّن الجزاء، فلا بد أنْ ينتهي مُلْك السماوات والأرض إلى الجزاء، والجزاء لا بد وأنْ يكون من جنس العمل {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى} [النجم: 31]. والآيات ثلاث كما قلنا: آيات كونية تدل على قدرة الله، وآيات معجزات تدل على صدق الرسول في البلاغ عن الله، وآيات الأحكام التي يضمها القرآن الكريم، فمَنْ لم يعتبر بهذه الآيات ولم يحسن استقبالها فقد أساء فيُجزي بإساءته. ومن أحسن استقبالها يُجزى بإحسانه وكأنه حيا المكلِّف سبحانه وتعالى بالطاعة فيُحييه الله بأحسن منها {وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى} [النجم: 31] أي: بالأحسن مما قدَّموا، فإذا كنا قد أمرنا في الدنيا بأنْ نرد التحية بأحسن منها، فالله أوْلى بذلك. وتأمل هنا اللياقة في التعبير والدقة في الأداء، فلم يقُلْ: ليجزي الذين أساءوا بالسوء، ولكن {بِمَا عَمِلُواْ ..} [النجم: 31] فلم يواجههم بكلمة السوء، ولكن وضع أمامهم العمل الذي قدَّموه. وفي هذا إشارة إلى عدل الله {أية : وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}تفسير : [آل عمران: 117]. ثم يقدم جزاء أهل السوء على جزاء أهل الإحسان، ليكون الجزاء بالحسنى هو آخر ما يباشر أسماعنا. ثم تشرح الآيات وتُفصِّل القول في الذين أحسنوا، ما وجوه الإحسان في أعمالهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه مالك الملك، المتفرد بملك الدنيا والآخرة، وأن جميع من في السماوات والأرض ملك لله، يتصرف فيهم تصرف الملك العظيم، في عبيده ومماليكه، ينفذ فيهم قدره، ويجري عليهم شرعه، ويأمرهم وينهاهم، ويجزيهم على ما أمرهم به ونهاهم [عنه]، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي، ليجزي الذين أساؤوا العمل السيئات من الكفر فما دونه بما عملوا من أعمال الشر بالعقوبة البليغة. { وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا } في عبادة الله تعالى، وأحسنوا إلى خلق الله، بأنواع المنافع { بِالْحُسْنَى } أي: بالحالة الحسنة في الدنيا والآخرة، وأكبر ذلك وأجله رضا ربهم، والفوز بنعيم الجنة. ثم ذكر وصفهم فقال: { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ } أي: يفعلون ما أمرهم الله به من الواجبات، التي يكون تركها من كبائر الذنوب، ويتركون المحرمات الكبار، كالزنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، والقتل، ونحو ذلك من الذنوب العظيمة، { إِلا اللَّمَمَ } وهي الذنوب الصغار، التي لا يصر صاحبها عليها، أو التي يلم بها العبد، المرة بعد المرة، على وجه الندرة والقلة، فهذه ليس مجرد الإقدام عليها مخرجا للعبد من أن يكون من المحسنين، فإن هذه مع الإتيان بالواجبات وترك المحرمات، تدخل تحت مغفرة الله التي وسعت كل شيء، ولهذا قال: { إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ } فلولا مغفرته لهلكت البلاد والعباد، ولولا عفوه وحلمه لسقطت السماء على الأرض، ولما ترك على ظهرها من دابة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر" تفسير : [وقوله:] { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ } أي: هو تعالى أعلم بأحوالكم كلها، وما جبلكم عليه، من الضعف والخور، عن كثير مما أمركم الله به، ومن كثرة الدواعي إلى بعض المحرمات، وكثرة الجواذب إليها، وعدم الموانع القوية، والضعف موجود مشاهد منكم حين أنشاكم الله من الأرض، وإذ كنتم في بطون أمهاتكم، ولم يزل موجودا فيكم، وإن كان الله تعالى قد أوجد فيكم قوة على ما أمركم به، ولكن الضعف لم يزل، فلعلمه تعالى بأحوالكم هذه، ناسبت الحكمة الإلهية والجود الرباني، أن يتغمدكم برحمته ومغفرته وعفوه، ويغمركم بإحسانه، ويزيل عنكم الجرائم والمآثم، خصوصا إذا كان العبد مقصوده مرضاة ربه في جميع الأوقات، وسعيه فيما يقرب إليه في أكثر الآنات، وفراره من الذنوب التي يتمقت بها عند مولاه، ثم تقع منه الفلتة بعد الفلتة، فإن الله تعالى أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين أرحم بعباده من الوالدة بولدها، فلا بد لمثل هذا أن يكون من مغفرة ربه قريبا وأن يكون الله له في جميع أحواله مجيبا، ولهذا قال تعالى: { فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ } أي: تخبرون الناس بطهارتها على وجه التمدح. { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } [فإن التقوى، محلها القلب، والله هو المطلع عليه، المجازي على ما فيه من بر وتقوى، وأما الناس، فلا يغنون عنكم من الله شيئا].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):