٥٣ - ٱلنَّجْم
53 - An-Najm (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإثْمِ وَٱلْفَوٰحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ } (الذين) يحتمل أن يكون بدلاً عن الذين أحسنوا وهو الظاهر، وكأنه تعالى قال ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أحسنوا، ويتبين به أن المحسن ليس ينفع الله بإحسانه شيئاً وهو الذي لا يسيء ولا يرتكب القبيح الذي هو سيئة في نفسه عند ربه فالذين أحسنوا هم الذين اجتنبوا ولهم الحسنى، وبهذا يتبين المسيء والمحسن لأن من لا يجتنب كبائر الإثم يكون مسيئاً والذي يجتنبها يكون محسناً، وعلى هذا ففيه لطيفة وهو أن المحسن لما كان هو من يجتنب الآثام فالذي يأتي بالنوافل يكون فوق المحسن، لكن الله تعالى وعد المحسن بالزيادة فالذي فوقه يكون له زيادات فوقها وهم الذين لهم جزاء الضعف، ويحتمل أن يكون ابتداء كلام تقديره الذين يجتنبون كبائر الإثم يغفر الله لهم والذي يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ وٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ } وعلى هذا تكون هذه الآية مع ما قبلها مبينة لحال المسيء والمحسن وحال من لم يحسن ولم يسيء وهم الذين لم يرتكبوا سيئة وإن لم تصدر منهم الحسنات، وهم كالصبيان الذين لم يوجد فيهم شرائط التكليف ولهم الغفران وهو دون الحسنى، ويظهر هذا بقوله تعالى بعده: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ } أي يعلم الحالة التي لا إحسان فيها ولا إساءة، كما علم من أساء وضل ومن أحسن واهتدى، وفيه مسائل: المسألة الأولى: إذا كان بدلاً عن الذين أحسنوا فلم خالف ما بعده بالمضي والاستقبال حيث قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } تفسير : [النجم: 31] وقال: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ } ولم يقل اجتنبوا؟ نقول: هو كما يقول القائل الذين سألوني أعطيتهم، الذين يترددون إلى سائلين أي الذين عادتهم التردد والسؤال سألوني وأعطيتهم فكذلك ههنا قال: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ } أي الذين عادتهم ودأبهم الاجتناب لا الذين اجتنبوا مرة وقدموا عليها أخرى، فإن قيل: في كثير من المواضع قال في الكبائر {أية : وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } تفسير : [الشورى: 37] وقال في عباد الطاغوت: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُواْ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [الزمر: 17] فما الفرق؟ نقول: عبادة الطاغوت راجعة إلى الاعتقاد والاعتقاد إذا وجد دام ظاهراً فمن اجتنبها اعتقد بطلانها فيستمر، وأما مثل الشرب والزنا أمر يختلف أحوال الناس فيه فيتركه زماناً ويعود إليه ولهذا يستبرأ الفاسق إذا تاب ولا يستبرأ الكافر إذا أسلم، فقال في الآثام: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ } دائماً، ويثابرون على الترك أبداً، وفي عبادة الأصنام: {ٱجْتَنَبُواْ } بصيغة الماضي ليكون أدل على الحصول، ولأن كبائر الإثم لها عدد أنواع فينبغي أن يجتنب عن نوع ويجتنب عن آخر ويجتنب عن ثالث ففيه تكرر وتجدد فاستعمل فيه صيغة الاستقبال، وعبادة الصنم أمر واحد متحد، فترك فيه ذلك الاستعمال وأتى بصيغة الماضي الدالة على وقوع الاجتناب لها دفعة. المسألة الثانية: الكبائر جمع كبيرة وهي صفة فما الموصوف؟ نقول: هي صفة الفعلة كأنه يقول: الفعلات الكبائر من الإثم، فإن قيل: فما بال اختصاص الكبيرة بالذنوب في الاستعمال، ولو قال قائل: الفعلة الكبيرة الحسنة لا يمنعه مانع؟ نقول: الحسنة لا تكون كبيرة لأنها إذا قوبلت بما يجب أن يوجد من العبد في مقابلة نعم الله تعالى تكون في غاية الصغر، ولولا أن الله يقبلها لكانت هباء لكن السيئة من العبد الذي أنعم الله عليه بأنواع النعم كبيرة، ولولا فضل الله لكان الاشتغال بالأكل والشرب والإعراض عن عبادته سيئة، ولكن الله غفر بعض السيئات وخفف بعضها. المسألة الثالثة: إذا ذكر الكبائر فما الفواحش بعدها؟ نقول: الكبائر إشارة إلى ما فيها من مقدار السيئة، والفواحش إشارة إلى ما فيها من وصف القبح كأنه قال: عظيمة المقادير قبيحة الصور، والفاحش في اللغة مختص بالقبيح الخارج قبحه عن حد الخفاء وتركيب الحروف في التقاليب يدل عليه فإنك إذا قلبتها وقلت: حشف كان فيه معنى الرداءة الخارجة عن الحد، ويقال: فشحت الناقة إذا وقفت على هيئة مخصوصة للبول فالفحش يلازمه القبح، ولهذا لم يقل: الفواحش من الإثم وقال في الكبائر: {كَبَـٰئِرَ ٱلإثْمِ } لأن الكبائر إن لم يميزها بالإضافة إلى الإثم لما حصل المقصود بخلاف الفواحش. المسألة الرابعة: كثرت الأقاويل في الكبائر والفواحش، فقيل: الكبائر ما أوعد الله عليه بالنار صريحاً وظاهراً، والفواحش ما أوجب عليه حداً في الدنيا، وقيل: الكبائر ما يكفر مستحله، وقيل: الكبائر مالا يغفر الله لفاعله إلا بعد التوبة وهو على مذهب المعتزلة، وكل هذه التعريفات تعريف الشيء بما هو مثله في الخفاء أو فوقه، وقد ذكرنا أن الكبائر هي التي مقدارها عظيم، والفواحش هي التي قبحها واضح فالكبيرة صفة عائدة إلى المقدار، والفاحشة صفة عائدة إلى الكيفية، كما يقال مثلاً: في الأبرص علته بياض لطخة كبيرة ظاهرة اللون فالكبيرة لبيان الكمية والظهور لبيان الكيفية وعلى هذا فنقول على ما قلنا: إن الأصل في كل معصية أن تكون كبيرة، لأن نعم الله كثيرة ومخالفة المنعم سيئة عظيمة، غير أن الله تعالى حط عن عباده الخطأ والنسيان لأنهما لا يدلان على ترك التعظيم، إما لعمومه في العباد أو لكثرة وجوده منهم كالكذبة والغيبة مرة أو مرتين والنظرة والقبائح التي فيها شبهة، فإن المجتنب عنها قليل في جميع الأعصار، ولهذا قال أصحابنا: إن استماع الغناء الذي مع الأوتار يفسق به، وإن استمعه من أهل بلدة لا يعتدون أمر ذلك لا يفسق فعادت الصغيرة إلى ما ذكرنا من أن العقلاء إن لم يعدوه تاركاً للتعظيم لا يكون مرتكباً للكبيرة، وعلى هذا تختلف الأمور باختلاف الأوقات والأشخاص فالعالم المتقي إذا كان يتبع النساء أو يكثر من اللعب يكون مرتكباً للكبيرة، والدلال والباعة والمتفرغ الذي لا شغل له لا يكون كذلك، وكذلك اللعب وقت الصلاة، واللعب في غير ذلك الوقت، وعلى هذا كل ذنب كبيرة إلا ما علم المكلف أو ظن خروجه بفضل الله وعفوه عن الكبائر. المسألة الخامسة: في اللمم وفيه أقوال: أحدها: ما يقصده المؤمن ولا يحققه وهو على هذا القول من لم يلم إذا جمع فكأنه جمع عزمه وأجمع عليه وثانيها: ما يأتي به المؤمن ويندم في الحال وهو من اللمم الذي هو مس من الجنون كأنه مسه وفارقه ويؤيد هذا قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 135] ثالثها: اللمم الصغير من الذنب من ألم إذا نزل نزولاً من غير لبث طويل، ويقال: ألم بالطعام إذا قلل من أكله، وعلى هذا فقوله: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ } يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون ذلك استثناء من الفواحش وحينئذ فيه وجهان: أحدهما: استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش وثانيهما: غير منقطع لما بينا أن كل معصية إذا نظرت إلى جانب الله تعالى وما يجب أن يكون عليه فهي كبيرة وفاحشة، ولهذا قال الله تعالى: {أية : وَإِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً } تفسير : [الأعراف: 28] غير أن الله تعالى استثنى منها أموراً يقال: الفواحش كل معصية إلا ما استثناه الله تعالى منها ووعدنا بالعفو عنه ثانيها: {إِلا } بمعنى غير وتقديره والفواحش غير اللمم وهذا للوصف إن كان للتمييز كما يقال: الرجال غير أولي الإربة فاللمم عين الفاحشة، وإن كان لغيره كما يقال الرجال غير النساء جاؤوني لتأكيد وبيان فلا وثالثها: هو استثناء من الفعل الذي يدل عليه قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ } لأن ذلك يدل على أنهم لا يقربونه فكأنه قال: لا يقربونه إلا مقاربة من غير مواقعة وهو اللمم. ثم قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ وٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ } وذلك على قولنا: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ } ابتداء الكلام في غاية الظهور، لأن المحسن مجزى وذنبه مغفور، ومجتنب الكبائر كذلك ذنبه الصغير مغفور، والمقدم على الكبائر إذا تاب مغفور الذنب، فلم يبق ممن لم تصل إليهم مغفرة إلا الذين أساؤا وأصروا عليها، فالمغفرة واسعة وفيه معنى آخر لطيف، وهو أنه تعالى لما أخرج المسيء عن المغفرة بين أن ذلك ليس لضيق فيها، بل ذلك بمشيئة الله تعالى، ولو أراد الله مغفرة كل من أحسن وأساء لفعل، وما كان يضيق عنهم مغفرته، والمغفرة من الستر، وهو لا يكون إلا على قبيح، وكل من خلقه الله إذا نظرت في فعله، ونسبته إلى نعم الله تجده مقصراً مسيئاً، فإن من جازى المنعم بنعم لا تحصى مع استغنائه الظاهر، وعظمته الواضحة بدرهم أو أقل منه يحتاج إلى ستر ما فعله. ثم قال تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَـاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَقَى} وفي المناسبة وجوه أحدها: هو تقرير لما مر من قوله: {أية : هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ } تفسير : [النجم: 30] كأن العامل من الكفار يقول: نحن نعمل أموراً في جوف الليل المظلم، وفي البيت الخالي فكيف يعلمه الله تعالى؟ فقال: ليس عملكم أخفى من أحوالكم وأنتم أجنة في بطون أمهاتكم، والله عالم بتلك الأحوال ثانيها: هو إشارة إلى الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله، فإن الحق علم أحوالهم وهم في بطون الأمهات، فكتب على البعض أنه ضال، والبعض أنه مهتد ثالثها: تأكيد وبيان للجزاء، وذلك لأنه لما قال: {أية : لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ } تفسير : [النجم: 31] قال الكافرون: هذا الجزاء لا يتحقق إلا بالحشر، وجمع الأجزاء بعد تفرقها وإعادة ما كان لزيد من الأجزاء في بدنه من غير اختلاط غير ممكن، فقال تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ } فيجمعها بقدرته على وفق علمه كماأنشأكم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: العامل في: {إِذْ } يحتمل أن يكون ما يدل عليه: {أَعْلَمُ } أي علمكم وقت الإنشاء، ويحتمل أن يكون اذكروا فيكون تقريراً لكونه عالماً ويكون تقديره: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ } وقد تم الكلام، ثم يقول: إن كنتم في شك من علمه بكم فاذكروا حال إنشائكم من التراب. المسألة الثانية: ذكرنا مراراً أن قوله: {مّنَ ٱلأَرْضِ } من الناس من قال آدم فإنه من تراب، وقررنا أن كل أحد أصله من التراب، فإنه يصير غذاء، ثم يصير نطفة. المسألة الثالثة: لو قال قائل: لا بد من صرف {إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ } إلى آدم، لأن {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ } عائد إلى غيره، فإنه لم يكن جنيناً، ولو قلت بأن قوله تعالى {إِذْ أَنشَأَكُمْ } عائد إلى جميع الناس، فينبغي أن يكون جميع الناس أجنة في بطون الأمهات، وهو قول الفلاسفة؟ نقول ليس كذلك، لأنا نقول: الخطاب مع الموجودين حالة الخطاب، وقوله تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ } خطاب مع كل من بعد الإنزال على قول، ومع من حضر وقت الإنزال على قول، ولا شك أن كل هؤلاء من الأرض وهم كانوا أجنة. المسألة الرابعة: الأجنة هم الذين في بطون الأمهات، وبعد الخروج لا يسمى إلا ولداً أو سقطاً، فما فائدة قوله تعالى: {فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ }؟ نقول: التنبيه على كمال العلم والقدرة، فإن بطن الأم في غاية الظلمة، ومن علم بحال الجنين فيها لا يخفى عليه ما ظهر من حال العباد. المسألة الخامسة: لقائل أن يقول: إذا قلنا إن قوله {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ } تقرير لكونه عالماً بمن ضل، فقوله تعالى: {فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } تعلقه به ظاهر، وأما إن قلنا إنه تأكيد وبيان للجزاء، فإنه يعلم الأجزاء فيعيدها إلى أبدان أشخاصها، فكيف يتعلق به {فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ }؟ نقول: معناه حينئذ فلا تبرئوا أنفسكم من العذاب، ولا تقولوا تفرقت الأجزاء فلا يقع العذاب، لأن العالم بكم عند الإنشاء عالم بكم عند الإعادة، وعلى هذا قوله: {أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ } أي يعلم أجزاءه فيعيدها إليه، ويثيبه بما أقدم عليه. المسألة السادسة: الخطاب مع من؟ فيه ثلاثة احتمالات الأول: مع الكفار، وهذا على قولنا إنهم قالوا كيف يعلمه الله، فرد عليهم قولهم الثاني كل من كان زمان الخطاب وبعده من المؤمنين والكفار الثالث هو مع المؤمنين، وتقريره: هو أن الله تعالى لما قال: {أية : فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا } تفسير : [النجم: 29] قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: قد علم كونك ومن معك على الحق، وكون المشركين على الباطل، فأعرض عنهم ولا تقولوا: نحن على الحق وأنتم على الضلال، لأنهم يقابلونكم بمثل ذلك، وفوض الأمر إلى الله تعالى، فهو أعلم بمن اتقى ومن طغى، وعلى هذا فقول من قال: {فَأَعْرَضَ } منسوخ أظهر، وهو كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدِىَ أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [سبأ: 24] والله أعلم بجملة الأمور، ويحتمل أن يقال: على هذا الوجه الثالث إنه إرشاد للمؤمنين، فخاطبهم الله وقال: هو أعلم بكم أيها المؤمنون، علم ما لكم من أول خلقكم إلى آخر يومكم، فلا تزكوا أنفسكم رياء وخيلاء، ولا تقولوا لآخر أنا خير منك وأنا أزكى منك وأتقى، فإن الأمر عند الله، ووجه آخر وهو إشارة إلى وجوب الخوف من العاقبة، أي لا تقطعوا بخلاصكم أيها المؤمنون، فإن الله يعلم عاقبة من يكون على التقي، وهذا يؤيد قول من يقول: أنا مؤمن إن شاء الله للصرف إلى العاقبة.
المحلي و السيوطي
تفسير : وبين المحسنين بقوله {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَٰئِرَ ٱلإثْمِ وَٱلْفَوٰحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ } هو صغار الذنوب كالنظرة والقبلة واللمسة فهو استثناء منقطع، والمعنى لكن اللمم يغفر باجتناب الكبائر {إِنَّ رَبَّكَ وٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ } بذلك وبقبول التوبة، ونزل فيمن كان يقول صلاتنا صيامنا حجنا:{هُوَ أَعْلَمُ } أي عالم {بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ } أي خلق أباكم آدم من التراب {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ } جمع جنين {فِى بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } لا تمدحوها أي على سبيل الإِعجاب، أما على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن {هُوَ أَعْلَمُ } أي عالم {بِمَنِ ٱتَّقَىٰ }.
ابن عطية
تفسير : قوله: {الذين} نعت لـ {أية : الذين}تفسير : [النجم: 31] المتقدم قبله، و: {يجتنبون} معناه: يدعون جانباً. وقرأ جمهور القراء والناس: "كبائر الإثم" وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى وحمزة والكسائي: "كبير الإثم" على الإفراد الذي يراد به الجمع وهذا كقوله: {أية : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} تفسير : [الشعراء: 100]، وكقوله: {أية : وحسن أولئك رفيقاً} تفسير : [النساء: 69] ونحو هذا. واختلف الناس في الكبائر ما هي؟ فذهب الجمهور إلى أنها السبع الموبقات التي وردت في الأحاديث وقد مضى القول في ذكرها واختلاف الأحاديث فيها في سورة النساء. وتحرير القول في الكبائر أنها كل معصية يوجد فيها حد في الدنيا، أو توعد بنار في الآخرة، أو لعنة ونحو هذا خاصاً بها فهي كثيرة العدد، ولهذا قال ابن عباس حين قيل له أسبع هي؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. وقال زيد بن أسلم: "كبير الإثم" هنا يراد به: الكفر. و {الفواحش} هي المعاصي المذكورة. وقوله: {إلا اللمم} هو استثناء يصح أن يكون متصلاً، وإن قدرته منقطعاً ساغ ذلك، واختلف في معنى {اللمم} فقال ابن عباس وابن زيد معناه: ما ألموا به من الشرك والمعاصي في الجاهلية قبل الإسلام. قال الثعلبي عن ابن عباس وزيد بن ثابت وزيد بن أسلم وابنه: إن سبب الآية أن الكفار قالوا للمسلمين: قد كنتم بالأمس تعملون أعمالنا، فنزلت الآية وهي مثل قوله تعالى: {أية : وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} تفسير : [النساء: 23] وقال ابن عباس وغيره: ما ألموا من المعاصي الفلتة والسقطة دون دوام ثم يتوبون منه، ذكر الطبري عن الحسن أنه قال في اللمة: من الزنا والسرقة والخمر ثم لا يعود. قال القاضي أبو محمد: وهذا كالذي قبله، فكأن هذا التأويل يقتضي الرفق بالناس في إدخالهم في الوعد بالحسنى، إذ الغالب في المؤمنين مواقعة المعاصي، وعلى هذا أنشدوا وقد تمثل به النبي صلى الله عليه وسلم: [الرجز] شعر : إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما تفسير : وقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي وغيرهم: {اللمم} صغار الذنوب التي بين الحدين الدنيا والآخرة وهي ما لا حد فيه ولا وعيد مختصاً بها مذكوراً لها، وإنما يقال صغار بالإضافة إلى غيرها، وإلا فهي بالإضافة إلى الناهي عنها كبائر كلها، ويعضد هذا القول، قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا لا محالة، فزنى العين: النظر، وزنى اللسان: المنطق، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه فإن تقدم فرجه فهو زان، وإلا فهو اللمم"تفسير : . وروي أن هذه الآية نزلت في نبهان التمار فالناس لا يتخلصون من مواقعة هذه الصغائر ولهم مع ذلك الحسنى إذا اجتنبوا التي هي في نفسها كبائر. وتظاهر العلماء في هذا القول، وكثر المائل إليه. وذكر الطبري عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه قال: {اللمم} ما دون الشرك، وهذا عندي لا يصح عن عبد الله بن عمرو. وذكر المهدوي عن ابن عباس والشعبي: {اللمم} ما دون الزنا. وقال نفطويه: {اللمم} ما ليس بمعتاد. وقال الرماني: {اللمم} الهم بالذنب وحديث النفس به دون أن يواقع. وحكى الثعلبي عن سعيد بن المسيب: أنه ما خطر على القلب، وذلك هو لمة الشيطان. قال الزهراوي وقيل: {اللمم} نظرة الفجأة، وقاله الحسين بن الفضل. ثم أنس تعالى بعد هذا بقوله: {إن ربك واسع المغفرة}. وقوله تعالى: {هو أعلم بكم} الآية، روي عن عائشة أنها نزلت بسبب قوم من اليهود كانوا يعظمون أنفسهم ويقولون للطفل إذا مات لهم هذا صديق عند الله، ونحو هذا من الأقاويل المتوهمة، فنزلت الآية فيهم، ثم هي بالمعنى عامة جميع البشر، وحكى الثعلبي عن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في قوم من المؤمنين فخروا بأعمالهم، وقوله: {أعلم بكم} قال مكي بن أبي طالب في المشكل معناه: هو عالم بكم. وقال جمهور أهل المعاني: بل هو التفضيل بالإطلاق، أي هو أعلم من الموجودين جملة، والعامل في {إذ} {أعلم}، وقال بعض النحاة العامل فيه فعل مضمر تقديره: اذكروا إذ، والمعنى الأول أبين، لأن تقديره: فإذا كان علمه قد أحاط بكم وأنتم في هذه الأحوال فأحرى أن يقع بكم وأنتم تعقلون وتجترحون، والإنشاء من الأرض: يراد به خلق آدم عليه السلام، ويحتمل أن يراد به إنشاء الغذاء. و: {أجنة} جمع جنين. وقوله: {فلا تزكوا أنفسكم} ظاهره النهي عن أن يزكي نفسه، ويحتمل أن يكون نهياً عن أن يزكي بعض الناس بعضاً وإذا كان هذا فإنما ينهى عن تزكية السمعة والمدح للدنيا والقطع بالتزكية، ومن ذلك الحديث في عثمان بن مظعون عند موته. وأما تزكية الإمام والقدرة أحداً ليؤتم به أوليتهم الناس بالخير فجائز، وقد زكى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أبا بكر وغيره، وكذلك تزكية الشهود في الحقوق جائزة للضرورة إليها، وأصل التزكية إنما هو التقوى، والله تعالى هو أعلم بتقوى الناس منكم. وقوله تعالى: {أفرأيت الذي تولى} الآية، قال مجاهد وابن زيد وغيرهما نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي وذلك أنه سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وجلس إليه ووعظه رسول الله، فقرب من الإسلام، وطمع النبي عليه السلام فيه، ثم إنه عاتبه رجل من المشركين وقال له: أتترك ملة آبائك؟ ارجع إلى دينك واثبت عليه وأنا أتحمل لك بكل شيء تخافه في الآخرة، لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عما هم به من الإسلام وضل ضلالاً بعيداً، وأعطى بعض ذلك المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح، فنزلت الآية فيه. وذكر الثعلبي عن قوم أنها نزلت في عثمان بن عفان في قصة جرت له مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح وذلك كله عندي باطل، وعثمان رضي الله عنه منزه عن مثله، وقال السدي: نزلت في العاصي بن وائل، فقوله: {وأعطى قليلاً وأكدى}، وعلى هذا القول في المال، وقال مقاتل بن حيان في كتاب الثعلبي المعنى: وأعطى من نفسه قليلاً من قربه من الإيمان ثم {أكدى} أي انقطع ما أعطى، وهذا بين من اللفظ، والآخر يحتاج إلى رواية. و: {تولى} معناه: أدبر وأعرض ومعناه عن أمر الله. {وأكدى} معناه: انقطع عطاؤه وهو مشبه بالحافر في الأرض، فإذا انتهى إلى كدية، وهي ما صلب من الأرض وقف وانقطع حفره، وكذلك أجبل الحافر إذ انتهى إلى جبل، ثم قيل لمن انقطع عمله: أكدى وأجبل. وقوله تعالى: {أعنده علم الغيب فهو يرى} معناه: أعلم من الغيب أن من تحمل ذنوب آخر فإن المتحمل عنه ينتفع بذلك، فهو لهذا الذي علمه يرى الحق وهو له فيه بصيرة أم هو جاهل لم ينبأ أي يعلم ما في صحف موسى وهي التوراة وفي صحف إبراهيم وهي كتب نزلت عليه من السماء من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، أي لا تحمل حاملة حمل أخرى، وإنما يؤخذ كل واحد بذنوب نفسه، أي فلما كان جاهلاً بهذا وقع في عطاء ماله للذي قال له: إني أتحمل عنك درك الآخرة. واختلف المفسرون في معنى قوله: {وفى} ما هو الموفى؟ فقال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي في القتل ونحوه فوفى إبراهيم وبلغ هذا الحكم من أنه {لا تزر وازرة وزر أخرى}، وقال ابن عباس ايضاً والربيع: وفى طاعة الله في أمر ذبح ابنه. وقال الحسن وابن جبير وقتادة وغيره، وفي تبليغ رسالته والظاهر في ذات ربه، وقال عكرمة، وفي هذه العشر الآيات، {ألا تزر} وما بعدها، وقال ابن عباس وقتادة وغيره {وفى} ما افترض عليه من الطاعات على وجهها وتكلمت له شعب الإيمان والإسلام فأعطاه الله براءته من النار. قال ابن عباس: وفي شرائع الإسلام ثلاثين سهماً. وقال أبو أمامة ورفعه إلى النبي عليه السلام {وفى} أربع صلوات في كل يوم، والأقوى من هذه الأقوال كلها القول العام لجميع الطاعات المستوفية لدين الإسلام، فروي أنها لم تفرض على أحد مكملة فوفاها الأعلى وإبراهيم ومحمد عليهما السلام ومن الحجة لذلك قوله تعالى: {أية : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} تفسير : [البقرة: 124]. وقرأ ابن جبير وأبو مالك وابن السميفع: "وفى" مخففة الفاء، والخلاف فيما وفى به كالخلاف فيما وفاه على القراءة الأولى التي فسرنا، ورويت القراءة عن النبي عليه السلام، وقرأها أبو أمامة. والوزر: الثقل، وأنث الوازرة إما لأنه أراد النفس وإما أراد المبالغة كعلامة ونسابة وما جرى مجراها و "أن" في قوله: {ألا تزر} مخففة من الثقيلة، وتقديرها أنه لا تزر، وحسن الحائل بينها وبين الفعل ان بقي الفعل مرتفعاً، فهي كقوله: {أية : أن سيكون منكم مرضى} تفسير : [المزمل: 20] ونحوه، و "أن" في موضع رفع أو خفض، كلاهما مرتب.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَبَآئِرَ الإِثْمِ} الشرك، أو ما زجر عنه بالحد، أو ما لا يكفر إلا بالتوبة، أو ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم أن تدعو لله نداً أو تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك وأن تزاني حليلة جارك، أو كبائر الإثم ما لم يستغفر منه {وَالْفَوَاحِشَ} الربا، أو جميع المعاصي {اللَّمَمَ} ما ألموا به في الجاهلية من إثم وفاحشة عفي عنه في الإسلام، أو أن يلم بها ويفعلها ثم يتوب، أو يعزم على المواقعة ثم يقلع عنها قال الرسول صلى الله عليه وسلم: شعر : إن تغفر اللهم تغفر جمَّا وأي عبد لك لا ألمَّا تفسير : أو ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة، أو صغائر الذنوب، أو ما لا حد عليه في الدنيا ولا عذاب في الآخرة "ع"، أو النظرة الأولى فإن عاد فليس بلمم جعله ما لم يتكرر من الذنوب، أو النكاح قيل: نزلت في نبهان التمار أتته امرأة تشتري تمراً فقال إن داخل الدكان ما هو خير من هذا فلما دخلت راودها عن نفسها فأبت وندم نبهان وأتى الرسول صلى الله عليه سلم فقال: ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع فقال: لعل زوجها غازٍ فنزلت {أَنشَأكُمْ مِّنَ الأَرْضِ} آدم عليه الصلاة والسلام {فَلا تُزَكُّواْ} لا تمادحوا، أو لا تعملوا بالمعاصي وتقولون نعمل بالطاعة، أو إذا عملت خيراً فلا تقل عملت كذا أو كذا.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله {الذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش} قال: الكبائر ما سمى الله فيه النار {والفواحش} ما كان فيه حد في الدنيا. قوله تعالى: {إلا اللمم} . أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردوية والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود في قوله {إلا اللمم} قال: زنا العينين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه، فإن تقدم بفرجه كان زانياً وإلا فهو اللمم. وأخرج مسدد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنه سئل عن قوله {إلا اللمم} قال: هي النظرة والغمزة والقبلة والمباشرة فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل وهو الزنا. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير قال: اللمم ما بين الحدين. وأخرج سعيد بن منصور والترمذي وصححه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله {إلا اللمم} قال: هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب منها، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن تغفر اللهم تغفر جماً وأيّ عبد لك لا ألمّا ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إلا اللمم} يقول: إلا ما قد سلف. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: قال المشركون: إنما كانوا بالأمس يعملون معنا فأنزل الله {إلا اللمم} ما كان منهم في الجاهلية قبل الإِسلام، وغفرها لهم حين أسلموا. وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في قوله {الذين يجتنبون كبائر الإِثم} قال: الشرك {والفواحش} قال: الزنا تركوا ذلك حين دخلوا في الإِسلام، وغفر الله لهم ما كانوا ألموا به وأصابوا من ذلك قبل الإِسلام. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أراه رفعه في قوله {إلا اللمم} قال: اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود، قال: فتلك الإِلمام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله {إلا اللمم} قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: هو الرجل يصيب اللمة من الزنا واللمة من شرب الخمر فيجتنبها أو يتوب منها. وأخرج ابن مردوية عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتدرون ما اللمم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هو الذي يلم بالخطرة من الزنا ثم لا يعود، ويلم بالخطرة من شرب الخمر ثم لا يعود، ويلم بالسرقة ثم لا يعود ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {إلا اللمم} قال: يلم بها في الحين ثم يتوب. وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح قال: سئلت عن اللمم، فقلت: هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب، وأخبرت بذلك ابن عباس، فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم. وأخرج البخاري في تاريخه عن الحسن في قوله {إلا اللمم} قال: الزنية في الحين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح في قوله {إلا اللمم} قال: الوقاعة من الزنا لا يعود لها. وأخرج ابن المنذر عن عطاء في قوله {إلا اللمم} قال: هو ما دون الجماع. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة أنه ذكر له قول الحسن في اللمم في الخطرة من الزنا، فقال: لا ولكنها الضمة والقبلة والشمة. وأخرج ابن جرير عن ابن عمرو قال: اللمم ما دون الشرك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال: اللمم كل شيء بين الحدين حد الدنيا وحد الآخرة يكفره الصلاة، وهو دون كل موجب، فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا، وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار، وأخر عقوبته إلى الآخرة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {إلا اللمم} قال: اللمم ما بين الحدين ما لم يبلغ حد الدنيا ولا حد الآخرة موجبة قد أوجب الله لأهلها النار أو فاحشة يقام عليه الحد في الدنيا. وأخرج ابن جرير عن محمد بن سيرين قال: سأل رجل زيد بن ثابت عن هذه الآية {الذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش إلا اللمم} فقال: حرم الله عليك الفواحش ما ظهر منها وما بطن. قوله تعالى: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} . أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في المعرفة وابن مردويه والواحدي عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال: حديث : كانت اليهود إذا هلك لهم صبي صغير قالوا: هذا صديق، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمها إلا أنه شقي أو سعيد" فأنزل الله عند ذلك {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} الآية كلها . تفسير : وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} قال: هو كنحو قوله {وهو أعلم بالمهتدين}. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة} قال: حين خلق الله آدم من الأرض ثم خلقكم من آدم. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في قوله {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} قال: علم الله من كل نفس ما هي عاملة وما هي صانعة وما هي إليه صائرة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن زيد بن أسلم في قوله {فلا تزكوا أنفسكم} قال: لا تبرئوا أنفسكم. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله {فلا تزكوا أنفسكم} قال: لا تعملوا بالمعاصي وتقولون: نعمل بالطاعة. وأخرج ابن سعد وأحمد ومسلم وأبو داود وابن مردويه حديث : عن زينب بنت أبي سلمة أنها سميت برة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " {فلا تزكوا أنفسكم} الله أعلم بأهل البر منكم سموها زينب" . تفسير : وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن جده عبد الله بن مصعب قال: قال أبو بكر الصديق لقيس بن عاصم: صف لنا نفسك. فقال: إن الله يقول {فلا تزكوا أنفسكم} فلست ما أنا بمزك نفسي، وقد نهاني الله عنه، فأعجب أبا بكر ذلك منه.
ابو السعود
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإثْمِ} بدلٌ من الموصولِ الثَّانِي. وصيغةُ الاستقبال في صلتِه للدلالةِ على تجددِ الاجتناب واستمرارِه، أو بـيانٌ أو نعتٌ أو منصوبٌ على المدحِ، وكبائرُ الإثمِ ما يكبرُ عقابُه من الذنوبِ وهو ما رتبَ عليه الوعيدُ بخصوصِه. وقُرِىءَ كبـيرَ الإثمِ، على إرادةِ الجنسِ أو الشركِ {وَٱلْفَوٰحِشَ} وما فُحش من الكبائِر خُصُوصاً {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} أي إلا ما قلَّ وصغُرَ فإنَّه مغفورٌ ممَّن يجتنبُ الكبائرَ قيلَ هي النظرةُ والغمزةُ والقبلةُ وقيلَ هي الخطرةُ من الذنبِ وقيلَ كلُّ ذنبٍ لم يذكرِ الله عليهِ حدَّاً ولا عذاباً، وقيلَ عادةُ النفسِ الحينِ بعد الحين والاستثناءُ منقطعٌ {إِنَّ رَبَّكَ وٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ} حيث يغفرُ الصغائرَ باجتنابِ الكبائرِ، فالجملةُ تعليلٌ لاستثناءِ اللممِ وتنبـيهٌ على أنَّ إخراجَهُ عن حُكمِ المؤاخذةِ به ليسَ لخلوهِ عن الذنبِ في نفسِه بل لسَعةِ المغفرةِ الربانَّيةِ وقيلَ المَعْنى له أن يغفرَ لمن يشاءُ من المؤمنينَ ما يشاءُ من الذنوبِ صغيرِها وكبـيرِها، ولعلَّ تعقيبَ وعيدِ المسيئينَ ووعدِ المحسنينَ بذلكَ حينئذٍ لئلاَّ يـيأسَ صاحبُ الكبـيرةِ من رحمتِه تعالى ولا يتوهَم وجوبَ العقابِ عليه تعالى. {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ} أي بأحوالِكم يعلمُها {إِذْ أَنشَأَكُمْ} في ضمنِ إنشاءِ أبـيكم آدمَ عليهِ السَّلامُ {مّنَ ٱلأَرْضِ} إنشاءً إجمالياً حسبَما مرَّ تقريرُه مراراً {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ} أي ووقتَ كونِكم أجنةً {فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ} على أطوارٍ مختلفةٍ مترتبةٍ لا يخفى عليه حالٌ من أحوالِكم وعملٌ من أعمالِكم التي منْ جُملتِها اللممُ الذي لولا المغفرةُ الواسعةُ لأصابكُم وبالُه فالجملةُ استئنافٌ مقررٌ لما قبلَها والفاءُ في قولِه تعالى {فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ} لترتيبِ النَّهي عن تزكيةِ النفسِ على ما سبقَ منْ أنَّ عدمَ المؤاخذةِ باللممِ ليسَ لعدمِ كونِه من قبـيلِ الذنوبِ بلْ لمحضِ مغفرتِه تعالى مع علمِه بصدورِه عنكُم أي إذَا كانَ الأمرُ كذلكَ فلا تُثنوا عليها بالطهارةِ عن المعاصِي بالكليةِ أو بما يستلزمُها من زكاءِ العملِ ونماءِ الخير بلِ اشكرُوا الله تعالى على فضلهِ ومغفرتِه. {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} المعاصيَ جميعاً، وهو استئنافٌ مقررٌ للنَّهي ومشعرٌ بأنَّ فيهم منْ يتقيها بأسرِها، وقيلَ كانَ ناسٌ يعملونَ أعمالاً حسنةً ثم يقولونَ صلاتُنا وصيامُنا وحجُّنا فنزلتْ وهَذا إذا كانَ بطريقِ الإعجابِ أو الرياءِ فأمَّا منِ اعتقدَ أنَّ ما عملَهُ من الأعمالِ الصالحةِ من الله تعالى وبتوفيقِه وتأيـيدهِ ولم يقصدْ بهِ التمدحَ لم يكنْ من المزكينَ أنفسَهُم فإن المسرةَ بالطاعةِ طاعةٌ وذكرَهَا شكرٌ. {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ} أي عنِ اتباعِ الحقِّ والثباتِ عليهِ {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً} أي شيئاً قليلاً أو إعطاءً قليلاً {وَأَكْدَىٰ} أي قطعَ العطاءَ من قولِهم أكدَى الحافرُ إذا بلغَ الكُديةَ أي الصَّلابةَ كالصَّخرةِ فلا يمكنه أنْ يحفرَ قالُوا نزلتْ في الوليدِ بنِ المغيرةَ كانَ يتبعُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيَّره بعضُ المشركينَ، وقالَ له تركتَ دينَ الأشياخِ وضلَّلتَهم فقالَ أخشَى عذابَ الله فضمن أنْ يتحملَ عنه العذابَ إن أعطاهُ بعضَ مالِه فارتدَّ وأعطاهُ بعضَ المشروطِ وبخلَ بالباقِي وقيلَ نزلتْ في العاصِ بنِ وائلٍ السَّهميِّ لما أنَّه كانَ يوافقُ النبـيَّ صلى الله عليه وسلم في بعضِ الأمورِ، وقيلَ في أبـي جهلٍ كان رُبَّما يوافقُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم في بعضِ الأمورِ، وكان يقولُ والله ما يأمرُنا محمدٌ إلا بمكارمِ الأخلاقِ وذلكَ قولُه تعالى: {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ} والأولُ هو الأشهرُ المناسبُ لما بعدَهُ من قولِه تعالى: {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ} الخ أي أعندَهُ علمٌ بالأمورِ الغيبـيةِ التي منْ جُملتِها تحمّلُ صاحبِه عنه يومَ القيامةِ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ} [الآية: 32]. قال ذو النون: ذكر الفاحشة من العارف كفعلها من غيره. قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ} [الآية: 32]. {وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ} لمن استغفره ورأى تقصيره بالقيام بواجب أمره. قوله تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} [الآية: 32]. قال جعفر: أعلم بكم لأنه خلقكم وقدر عليكم السعادة والشقاء قبل إيجادكم فإنكم ستقبلون فى ما جرى عليكم فى السبق من الأجل والرزق والسعادة والشقاوة ولا تستجلب الطاعات سعادة ولا المخالفات ولكن سابق المقدور هو الذى يحتم بما بدأ به. قوله تعالى: {فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} [الآية: 32]. قال أبو عثمان رحمة الله عليه: من علم أين هو وإلى أين هو فى الوقت علم أنه ليس بمحل التزكية ومع هذا هو مخاطب بقوله: {فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} وبماذا يزكى نفسه أبأخلاقه أم أفعاله أم أقواله أم أحواله؟ كلا لكن نفسه هى الأمارة بالسوء التى إلى أى جانب أبصر رأى نفص الرق وذل العبودية.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ}. الذنوبُ كلُّها كبائر لأنها مخالِفةٌ لأمر الله، ولكن بعضَها أكبرُ من بعضٍ. ولا شيءَ أعظمُ من الشِّرك. {وَٱلْفَوَاحِشَ} المعاصي. {إِلاَّ ٱللَّمَمَ}: تكلموا فيه، وقالوا: إنه استثناء منقطع، واللمم ليس بإثم ولا من جملة الفواحش. ويقال: اللمم من جملة الفواحش ولكن فيها اشتباهاً - فأخبر أنه يغفرها. ويقال: اللمم هو أن يأتيَ المرءُ ذلك ثم يُقْلِعَ عنه بالتوبة. وقال بعضُ السَّلَفِ: هو الوقعة من الزِّنا تحصل مرةً ثم لا يعود إليها، وكذلك شرب الخمر، والسرقة... وغير ذلك، ثم لا يعود إليها. ويقال: هو أن يهم بالزَّلَّة ثم لا يفعلها. ويقال: هو النَّظَر. ويقال: ما لا حدَّ عليه من المعاصي، وتُكَفِّر عنه الصلوات. (والأصحُّ أنه استثناء منقطع وأن اللمم ليس من جملة المعاصي). قوله جلّ ذكره: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ}. {إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ}: يغني خَلْقَ آدم. ويقال: تزكيةُ النَّفْسِ من علامات كَوْنَ المرءِ محجوباً عن الله؛ لأنَّ المجذوب إلى الغاية والمستغرق في شهود ربِّه لا يُزكِّي نفسه. {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ}: لأنه أعلمُ بكم منكم. ويقال: مَنْ اعتقد أنَّ على البسيطة أحداً شرٌّ منه فهو مُتَكَبِّرٌ. ويقال: المسلمُ يجب أنْ يكونَ بحيث يرى كلَّ مسلمٍ خيراً منه: فإن رأى شيخاً، قال: هو أكثرُ منِّي طاعةً وهو أفضلُ منِّي، وإنْ رأى شاباً قال: هو أفضلُ مني لأنه أقلُّ منِّي ذَنْباً.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين يجتنبون كبائر الاثم} صفة للذين احسنوا او بدل منه لكن قال سعدى المفتى لاحسن فى جعل الذين الخ مقصودا بالنسبة وجعل الذين احسنوا فى حكم المتروك ولو كان النظم على العكس لكان لها وجه انتهى يقول الفقير الاجتناب من باب التخلية بالمعجمة وهى اقدم فلذا جعلت مقصودة بالنسبة وصيغة الاستقبال فى صلته دون صلة الموصوف او المبدل منه للدلالة على تجدد الاجتناب واستمراره يعنى للاشعار بأن ترك المعصية سوآء كانت بارتكاب المحرمات او بترك الواجبات ينبغى أن يستمر عليه المؤمن ويجعل الاجتناب عنها دأبا له وعادة حتى يستحق المثوبة الحسنى فان من اجتنب عنها مرة وانهمك عليها فى باقى الازمان لايستحقها بخلاف الحسنات المتطوع بها فان من أتى بها ولو مرة يؤجر عليها وكبائر الاثم مايكبر عقابه من الذنوب وهو مارتب عليه الوعيد بخصوصه كالشرك والزنى مطلقا خصوصا بحليلة جاره وقتل النفس مطلقا لاسيما الاولاد وهى الموؤودة وقال ابن جبير هى مالا يستغفر منه لقوله عليه السلام "حديث : لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع اصرار"تفسير : وفى الحديث "حديث : اياكم والمحقرات من الذنوب"تفسير : قال ابن عباس رضى الله عنهما هى الى سبعين اقرب وتمام التفضيل سبق فى حمعسق فى نظير الآية {والفواحش} وما فحش من الكبائر خصوصا الزنى والقتل بغير حق وغيرهما فهو من قبيل التخصيص بعد التعميم قال الراغب الفحش والفحشاء والفاحشة ماعظم قبحه من الافعال الاقوال {الا اللمم} اللمم مقاربة المعصية ويعبر به عن الصغيرة من قولك الممت بكذا اى نزلت به وقاربته من غير مواقعة وألم الغلام قارب البلوغ والاستثناء منقطع لان المراد باللمم الصغائر وهى لاتدخل فى الكبائر والمعنى الا ماقل و صغر فانه مغفور ممن يجتنب الكبائر يعنى ان الصلوات الخمس والجمعة الى الجمعة ورمضان الى رمضان مكفرات لما بينهن اذا اجتنب الكبائر قال تعالى {أية : ان الحسنات يذهبن السيئات}تفسير : وقال ان تجتنبوا كبائر ماتنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وقيل هى النظر بلا تعمد فان أعاد النظر فليس بلمم وهو مذنب والغمزة والقبلة كما روى ان نبهان التمار أتته امرأة لتشترى التمر فقال لها ادخلى الحانوت فعانقها وقبلها فقالت المرأة خنت اخاك ولم تصب حاجتك فندم وذهب الى رسول الله عليه السلام فنزلت وقيل هى الخطرة من الذنب اى ماخطره من الذنب على القلب بلا عزم. وازقوت بفعل نيابد. وقيل كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا ولا عذابا وقال بعضهم اللمم والالمام مايعمله الانسان الحين بعد الحين ولايكون له عادة ولا اقامة عليه قال محمد بن الحنفية كل ماهممت به من خير وشر فهو لمم دليله قوله عليه السلام "حديث : ان للشيطان وللملك لمة فلمة الشيطان الوسوسة ولمة الملك الالهام"تفسير : وقال ابن عباس رضى الله عنهما معناه ا لا أن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب ولم يثبت عليها فان الله يقبل توبته ويؤيده قوله عليه السلام "حديث : ان تغفر اللهم فاغفر جما واى عبد لك لا الما"تفسير : فالاستثناء على هذا متصل وقال ابن عباس رضى الله عنهما ما رأيت اشبه باللمم مما نقله ابو هريرة رضى الله عن رسول الله عليه السلام "حديث : ان الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق وزنى الشفتين القبلة وزنى اليدين البطش وزنى الرجلين المشى والنفس تتمنى وتشتهى والفرج يصدق ذلك كله او يكذبه فان تقدم فرجه كان زانيا والا فهو اللمم"تفسير : وفى الاسئلة المقحمة الذنوب كلها كبائر على الحقيقة لان الكل تتضمن مخالفة امر الله تعالى لكن بعضها اكبر من بعض عند الاضافة ولا كبيرة اعظم من الشرك واما اللمم فهو من جملة الكبائر والفواحش ايضا الا ان الله تعالى أراد باللمم الفاحشة التى يتوب عنها مرتكبها ومجترحها وهو قول مجاهد والحسن وجماعة من الصحابة منهم ابو هريرة رضى الله عنه {ان ربك واسع المغفرة} حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر فالجملة تعليل لاستثناء اللمم وتنبيه على ان اخراجه من حكم المؤاخذة به ليس لخلوه عن الذنب فى نفسه بل لسعة المغفرة الربانية. وفى التأويلات النجمية كبائر الاثم ثلاث مراتب محبة النفس الامارة بالسوء ومحبة الهوى النافخ فى نيران النفس ومحبة الدنيا التى هى رأس كل خطيئة ولكل واحدة من هذه المحبات الثلاث فاحشة لازمة غير منفكة عنها اما فاحشة محبة النفس الامارة بالسوء فماوفقة الطبيعة ومخالفة الشريعة واما فاحشة محبة الهوى فحب الدنيا وشهواتها واما فاحشة محبة الدنيا فالاعراض عن الله والاقبال على ماسواه قوله الا اللمم اى الميل اليسير الى النفس والهوى والدنيا بحسب الضرورة البشرية من استراحة البدن ونيل قليل من حظوظ الدنيا بحسب الحقوق لابحسب الحظوظ فان مباشر الحقوق مغفور ومبادر الحظوظ مغرور كما قال ان ربك واسع المغفرة ومن سعة غفرانه ستر ظلمة الوجود المجازى بنور الوجود الحقيقى بالفناء عن ناسوتيته والبقاء بلا هوتيته انتهى قال بعض الكبار من استرقه الكون بحكم مشروع كالسعى فى مصالح العباد والشكر لاحد من المخلوقين من جهة نعمة اسداها اليه فهو لم يبرح عن عبوديته لله تعالى لانه فى ادآء واجب اوجبه الحق عليه واما تعبد العبد فمخلوق عن امر الله لايقدح فى العبودية بخلاف من استرقه الكون لغرض نفسى ليس للحق فيه رآئحة ا مر فان ذلك يقدح فى عبوديته لله تعالى ويجب عليه الرجوع الى الحق تعالى وقال بعض العارفين من المحال ان يأتى مؤمن معصية توعد ا لله عليها بالعقوبة فيفرغ منها الا ويجد فى نفسه الندم على وقوعها منه وقد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الندم توبة"تفسير : وقد قام بهذا المؤمن الندم فهو تائب بلا شك فسقط حكم الوعيد لهذا الندم فانه لابد للمؤمن أن يكره المخالفة ولا يرضى بها فهو من كونه كارها لها ومؤمنا بأنها معصية ذو عمر صالح وهو من كونه فاعلا لها ذو عمل سيىء فهو من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وقد قال تعالى فيهم عسى الله أن يتوب عليهم يعنى ليتوبوا والله غفور رحيم انتهى فعلى العاقل أن يندم على المعاصى الواقعة منه ولا يغتر بالرب الكريم وان كان الله واسع المغفرة فانه تعالى شديد البطش والاخذ نسأل الله العفو والعافية فى الدين والدنيا والآخرة {هو} تعالى {اعلم} منكم {بكم} اى بأحوالكم يعلمها {اذ أنشأكم} اى خلقكم فى ضمن انشاء أبيكم آدم عليه السلام {من الارض} انشاء اجماليا {واذا أنتم اجنة} ووقت كونكم اجنة {أية : فى بطون امهاتكم}تفسير : على اطوار مختلفة مترتبة لايخفى عليه حال من أحوالكم وعمل من أعمالكم التى من جملتها اللمم الذى لولا المغفرة الواسطة لاصابكم وباله وضروره والاجنة جمع جنين مثل اسرة وسرير والجنين الولد مادام فى البطن وهو فعيل بمعنى مفعول اى مدفون مستتر والجنين الدفين فى الشىء المستتر فيه من جنة اذا ستره واذا خرج من بطن امه لايسمى الا ولدا او سقطا وفى الاشباه هو جنين مادام فى بطن امه فاذا انفصل ذكرا فصبى ويسمى رجلا كما فى آية الميراث الى البلوغ فغلام الى تسعة عشر فشاب الى أربعة وثلاثين فكهل الى احد وخمسين فشيخ الى آخر عمره هذا فى اللغة وفى الشرع يسمى غلاما الى البلوغ وبعده شابا وفتى الى ثلاثين فكهل الى خمسين وشيخ وتمامه فى ايمان البزازية فان قيل الجنين اذا كان اسما له مادام فى البطن فما فائدة قوله تعالى فى بطون امهاتكم قلنا فائدته المبالغة فى بيان كمال علمه وقدرته فان بطون الامهات فى غاية الظلمة ومن علم حال الجنين فيها لايخفى عليه شىء من أحواله {فلا تزكوا أنفسكم} الفاء لترتيب النهى عن تزكية النفس على ماسبق من أن عدم المؤآخذة باللمم ليس لعدم كونه من قبيل الذنوب بل لمحض مغفرته تعالى مع علمه بصدوره عنكم اى اذا كان الامر كذلك فلا تثنوا عليها بالطهارة من المعصية بالكلية او بما يستلزمها من زكاء العمل ونماء الخير بل اشكروا الله تعالى على فضله ومغفرته وبالفارسية بس ستايش مكنيد نفسهاى خودرا به بى كناهى وبسيارى خيروخوبى اوصاف. وقال الحسن رحمه ا لله علم الله من كل نفس ماهى صانعة والى ماهى صائرة فلا تزكوا أنفسكم ولا تطهروها من الآثام ولا تمدحوها بحسن الاعمال لان كل واحد من التخلية والتحلية انما يعتد به اذا كان خالصا لله تعالى واذا كان هو أعلم بأحوالكم منكم فأى حاحة الى التزكية شعر : همان به كرآبستن كوهرى كه همجون صدف سر بخود در برى اكر مسك خالص ندارى مكوى وكرهست خود فاش كردد ببوى منه آب زر جان من بربشيز كه صراف دانا نكيرد بجيز تفسير : واما من زكاه الغير ومدحه فقد ورد فيه (احثوا فى جه المداحين) اى الذين يمدحون بما ليس فى الممدوح (التراب) على حقيقته او هو مجاز عن ردهم عن المدح لئلا يغتر الممدوح فيتجبر وقيل المراد به أن لا يعطوهم شيأ لمدحهم او معناه الامر بدفع المال اليهم لينقطع لسانهم ولا يشتغلوا بالهجو وفيه اشارة الى أن المال حقير فى الواقع كالتراب قال ابو الليث فى تفسير المدح على ثلاثة اوجه الاول أن يمدحه فى وجهه فهو الذى نهى عنه والثانى أن يمدحه بغير حضرة ويعلم انه يبلغ فهذا ايضا ينهى عنه ومدح فى حال غيبته وهو لايبالى بلغه او لم يبلغه ومدح يمدحه بما هو فيه فلا بأس بهذا انتهى (وفى المثنوى) شعر : خلق مادر صورت خود كرد حق وصف مااز وصف او كيرد سبق جونكه آن خلاق شكر وحمد جوست آدمى را مدح جويى نيز خوست خاصه مرد حق كه در فضلست جست برشود زان باد جون خيك درست ور نه باشد اهل زان باد دروغ خيك بدريدست كى كيرد فروغ تفسير : واما المدح بعد الموت فلا بأس به اذا لم يجاوز الحد كالروافض فى مدح اهل البيت {هو اعلم بمن اتقى} المعاصى جميعا وهو استئناف مقرر للنهى ومشعر تأن فيهم من يتقيها بأسرها وقيل كان ناس يعملون اعمالا حسنة ثم يقولون صلاتنا وصيامنا وحجنا فنزلت وهذا اذا كان بطريق الاعجاب او الرياء فأما من اعتقد أن ماعمله من الاعمال الصالحة من الله تعالى وبتوفيقه وتأييده ولم يقصد به التمدح لم يكن من المزكين أنفسهم فان المسرة بالطاعة طاعة وذكرها شكر وفى التأويلات النجمية يشير به الى أن علم الانسان بنفسه علم اجمالى وعلمه تعالى به تفصيلى والعلم التفصيلى اكمل واشمل من العلم الاجمالى و ايضا علم الانسان بنفسه علم مقيد قواه البشرية وهو متناه بحسب تناهى قواه البشرية وعلمه تعالى به علم مطلق اذ علمه عين ذاته فى مقام الواحدية غير ذاته فى مقام الواحدية والعلم المطلق أحوط وأجمع من العلم المقيد وايضا الانسان مخلوق على صورة الله كما قال عليه السلام "حديث : ان الله خلق آدم على صورته"تفسير : وفى رواية اخرى على صورة الرحمن والله تعالى عالم بصورته المنزهة عن الشكل المقدسة عن الهيئة والانسان غير عالم بها على كيفية علم الله اذلا يعلم الله الا الله كما قال {أية : وما قدروا الله حق قدره}تفسير : اللهم الا أن يفنى عن علمه المقيد ويبقى بعلمه المطلق هذا هو تحقيق اعلمية الحق تعالى وقوله {أية : وهو اعلم بمن اتقى}تفسير : اى بمن اتقى بالله عما سواه بحيث جعل الله تعالى وقاية نفسه لينسب كل مايصدر عنه من العلم والعمل اليه فانه هو المؤثر فى الوجود ومنه كل فيض وفضل وخير وجود
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ} صفة او بدل من الّذين احسنوا او خبر مبتدء محذوف او مبتدء خبره جملة انّ ربّك واسع المغفرة بتقدير العائد، او الخبر محذوف بقرينة انّ ربّك واسع المغفرة اى مفغورٌ لهم، ويكون قوله: انّ ربّك واسع المغفرة تعليلاً له وقد مضى بيان الكبيرة والصّغيرة فى سورة النّساء عند قوله تعالى: ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه {وَٱلْفَوَاحِشَ} عطف على كبائر الاثم او على الاثم، والفاحشة اقبح الاثم او هو الزّنا {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} اللّمم محرّكة صغار الذّنوب الّتى يتنزّل الانسان عن مقامه عليها ولم يكن مقامه مقام تلك الصّغار من الذّنوب، فانّه قد مضى فى بيان الكبائر انّه اذا لم يكن الانسان متمكّناً فى طريق النّفس فكلّما صدر منه من الآثام كان صغيرة، ولم يكن مقام ذلك الانسان مقام تلك الصّغيرة {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ} جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ فى مقام التّعليل لقوله تعالى ليجزى الّذين اساؤا {إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} تعليلٌ لقوله اعلم بكم او ظرف له يعنى ان كان اعلم بكم فى وقت انشائكم من الارض فكيف لا يعلم حالكم حين حياتكم الدّنيويّة او حين بعثكم {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} يعنى لا تظهروا طهارة انفسكم ولا تمدحوها عند الله وعند رسوله فانّه اعلم بحالكم منكم بل اتّقوا سخط الله، او اتّقوا الشّرك، او اتّقوا الشّرك بالولاية عند انفسكم فلا تظهروا تقويكم فانّه اعلم بتقويكم.
فرات الكوفي
تفسير : {الّذينَ يَجْتَنِبونَ كَبائِرَ الإثْمِ وَالفَواحِش} فرات قال: حدثنا علي بن عتاب معنعناً: عن جابر قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن تفسير هذه الآية: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش} قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: نزلت في آل محمد [ص. أ] وشيعتهم [الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش. أ، ب].
الهواري
تفسير : قوله: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاّّ اللَّمَمَ}. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين. قال عز وجل: (أية : إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهُوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) تفسير : [النساء: 31]. ذكروا عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الكبائر تسع: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وعقوق الوالدين المسلمين، وقذف المحصنات، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والسحر، والفرار من الزحف، واستحلال البيت الحرام، قبلتكم التي توجهون إليها . تفسير : ذكروا عن الحسن قال: كان الفرار من الزحف يوم بدر من الكبائر خاصة. قال بعضهم: ويحدثون أن الفرار من الزحف يوم ملحمة الروم الكبرى من الكبائر لأن المسلمين مجتمعون يومئذ كما كانوا يوم بدر. ذكروا عن الحسن قال: ذكرت الكبائر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أين تجعلون اليمين الغموس؟. ذكروا عن عوف قال: مر بنا أبو العالية الرياحي فقال: اتقوا كبائر تسعاً، إني إراها تسعاً وتسعاً وتسعاً، حتى عدَّ أربعين أو أكثر. غير واحد من العلماء المأخوذ عنهم، والمقبول منهم قال: كل ما أوجب الله عليه الحد في الدنيا وأوعد عليه وعيداً في الآخرة فهو كبيرة. وقال: وكل ما عذب الله عليه عذاباً في الدنيا أو في الآخرة فليس بصغيرة. ذكروا عن قيس بن سعد أن ابن عباس قال: كل ذنب تاب منه العبد فليس بكبيرة، وكل ذنب أقام عليه العبد حتى يموت فهو كبيرة. وقال بعضهم: كان يقال: لا قليل مع الإصرار، ولا كبير مع توبة واستغفار. والاستغفار مكنسة للذنوب. وقوله عز وجل: (أية : وَاسْتَغْفِرُوا الله) تفسير : [البقرة:199] أي: لا تعودوا. تأويل هذا الحديث: إذا كان ذنب فيما بين العبد وبين الله فالتوبة إلى الله والاستغفار يجزيانه باللسان. وإن كان ذنب فيما بينه وبين الناس من القتل وذهاب الأموال فلا يجزيه إلا القَوَد من نفسه والانتصال من أموال الناس إذا كان يقدر على ردّ أموالهم. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوماً: حديث : ما تعدون الزنا والسرقة وشرب الخمر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: كبائر وفواحش، وفيهن العقوبة. ثم قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بحقها، وعقوق الوالدين. وكان متكئاً فجلس، ثم قال: ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وإن لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة بقدر غدرته يركز عند مقعدته، ألا ولا غدرة أكبر من غدرة أمير عامةً . تفسير : ذكروا عن سعيد مولى ابن عباس، أنه ذكرت عنده الخمر فقال: ليست من الكبائر. فقال ابن عباس: بل هي أكبر الكبائر، إنه إذا شرب زنى، وفعل، وفعل. وقوله عز وجل: (إِلاَّ اللَّمَمَ): ذكروا عن عكرمة قال: ما دون الحدين [كل ذنب ليس فيه حد في الدنيا ولا عذاب في الأخرة فهو اللمم]. وقال الحسن: اللمم ما يُلِمّ به من الزنا والسرقة وشرب الخمر، ثم لا يعود. تأويل حديث الحسن: أن يلمّ بشيء من هذا أن يفعله ولا يفعله ثم لا يعود أن يلم بها. ذكروا عن أبي هريرة في اللمم أنه قال: العين تزني، وزناها النظر, واليد تزني وزناها اللمس، والرجل تزني وزناها المشي، والنفس تهوى وتحدث، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج. ذكروا عن أبي هريرة [عن النبي صلى الله عليه وسلم] قال: حديث : كل بني آدم قد أصاب من الزنا لا محالة؛ فالعين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها اللمس، والرجل تزني وزناها المشي، والنفس تهوى وتحدث، ويصدق ذلك كله ويكذبه الفرج . تفسير : ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر . تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} أي: يغفر ما دون الكبائر أي: يكفرها بالصلوات الخمس. قال غير واحد من العلماء: إن ما دون الكبائر مكفر محطوط، شرط من الله وثيق، وهو قوله: (أية : إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهُوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) تفسير : [النساء:31]. فإن اجتنبت الكبائر كانت هذه السيئات مُكَفِّرَة مغفورة، محطوطة باجتناب الكبائر. ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : مثل الصلوات الخمس كمثل رجل على بابه نهر جار عذب ينغمس فيه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقى من درنهتفسير : . وتفسير درنه إثمه. قوله عز وجل: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ} أي: خلقكم من الأرض {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} والأجنة من باب الجنين في بطن أمه. قال تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}. ذكروا عن الحسن عن أبي بكر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يقولن أحد إني قمت رمضان كله. فالله أعلم أكان يخشى التزكية على أمته. أم يقول لا بد من رقاد وغفلة . تفسير : ذكروا عن الأعمش عن بعض أصحابه أن رجلاً قال لأصحاب عبد الله بن مسعود: لقد قرأت البارحة كذا وكذا سورة. فذكروا ذلك لعبد الله بن مسعود فقال: أخبروه أن حظه من ذلك الذي تكلم به. وذكروا عن بعضهم قال: كانت اليهود تقدم أولادها فيصلون بهم، وقالوا ليست لهم ذنوب، فأنزل الله تعالى: (أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم) تفسير : [النساء:49]. وذكر بعضهم عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال: كانت اليهود تقول لأولادها [إذا هلك صبيّ صغير: هذا] صديق. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمها إلا أنه شقي أو سعيد تفسير : . فأنزل الله عند ذلك هذه الآية: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}. وتفسير الكلبي: ألا يزكي بعضكم بعضاً. قال بعض العلماء: فإذا زكى نفسه زكى أشد.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ} نعت الذين أو بدل أو بيان أو خبر لمحذوف أي الممدوحون أو مفعول أي أمدح. {يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ} وقرأ حمزة والكسائي كبير الاثم علي ارادة الجنس فهي كقراءة الجمهور في المعنى وقيل على ارادة الشرك والكلام على الكبيرة في سورة النساء والاثم قيل الكبائر فلاضافة للبيان والحق انه الذنب مطلقاً والفاحشة ما عظم قبحه من الكبائر واللمم الصغائر وليست معلومة عند جمهور اصحابنا لئلا يجترىء عليها لأنها تغفر باجتناب الكبيرة وعد بعضهم منها كشف العورة ليلا وكشفها نهارا حيث لا ترى والدخول بغير إذن والتبسم غير المباح والهم بالمعصية ونيتها وقيد بعضهم التعري ليلا بحيث لا أحد. قيل: وقول {أف} قال ابن محبوب: والغمزة والنظرة قال والقبلة ونحو ذلك مما هو دون الزنا من مقدماته والحق انها كبيرة ولعل المراد النظرة الاولى قال بعضهم والدفعة لا بعنف والركدة والكذبة على غير الله ورسوله حيث لا ضربها على احد والرضى بالمعصية والامر بها ما لم تفعل قيل واخذ حبة أو حطبة أو خلال أو نباته من مال الغير ولبس ثوبه وركوب دابته واستعمال خادمة يسيرا أو معارا فى غير ما استعير له ووطىء حرثه وقعوده على سريره أو حصيرة وكتابة من ادواته أو بقلمه أو في قطعة قرطاس له وسقى بدلوه وزجر على دابته وشرب من انائه. وقال ابن محبوب الصغيرة كل ما قام بالقلب من ذكر المعصية والهم بها ونيتها وما دان بالتوبة منه ولا ظلم فيه قيل واللطمة، إن لم توجب تلف مال أو نفس أو دم وعن المحلي سرقة الشيء القليل صغيرة إلا إذا كان المسروق منه مسكينا لا غنى به عن ذلك فكبيرة وقال ايضا قذف الصغيرة والمملوكة والحرة المتهتكة كبيرة قال ابن عبد السلام: قذف المحصن في خلوة بحيث لا يسمع أحد إلا الله والحفظة صغيرة قال قوم وشرب مالا يسكر لقلته من الخمر صغيرة وقال بعض اصحابنا لا صغير لو حمل القول بعدم علمها على هذا القول لصح لان السالبة عند المناطقة تصدق بنفي الموضوع والاستثناء منقطع وقيل الاستثناء متصل واللمم من الكبائر والفواحش أي إلا ان يلم بالفاحشة ويتوب. وعليه أبو هريرة والحسن ومجاهد وعن ابي صالح قلت لابن عباس هي ان يلم بالذنب ولا يعود اليه فقال اعانك عليها ملك كريم أي وان عاد وتاب غفر له وكان صلى الله عليه وسلم يتمثل بقوله شعر : ان تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا الما تفسير : وقيل اللمم ما فعلوا في الجاهلية قال زيد بن ثابت وزيد بن اسلم كان المشركون يقولون للمؤمنين انكم بالامس تعملون معنا فنزلت وروي عنه صلى الله عليه وسلم كتب على ابن ادم حظه من الزنا، فزنا العين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تتمنى وزنا الأذنين السمع وزنا اليد المس وزنا الرجل الخطا فقالوا ان ذلك صغائر قال والفرج يكذب ويصدق وقال الكلبي: الصغيرة كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا ولا عذابا والاصرار علي الصغيرة كبيرة. {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المَغفِرَةِ} لمن تاب من الكبائر والفواحش ويغفر الصغيرة باجتناب الكبائر وقال هذا لئلا ييأس صاحب الكبيرة والله لا يخلف وعيده. {هُوَ أَعْلَمُ بِكُم} باحوالكم منكم وذل أنهم عالمون بأحوال انفسهم بل ببعضها بعد خلقهم وتمكنهم من العلم والله اعلم منهم وقت الانشاء كما قال {إِذ أَنشَأَكُم} تقول زيدا علم في كل وقت منك حال تمكنك من العلم والله أعلم في كل وقت ويجوز كون اذ تعليلية وقيل عالم بمعنى عالم والمعنى اذ خلق آباءكم. {مِّنَ الأَرْضِ} فانتم مخلوقون من الارض بواسطة خلق ابيكم منها ويقوى الظرفية قوله {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} جمع جنين وهو الصغير في البطن سمي لاستتاره فهو عالم بكم حين ابتدأ خلقكم وحين تصويركم في الارحام وان جعلنا اذ الأولى تعليليه فهذه مفعول لمحذوف أي واذكروا وقت استقراركم في الارحام قيل: اذ الأولى ويجوز ان يريد انشأكم من الارض انشاء غذاءكم منها. {فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ} لا تمدحوا انفسكم بزكاء العمل وزيادة الخير أو بالطهارة عن المعاصي ولو عند انفسكم. {هُوَ} لا غيره اي الله. {أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} قيل ان يخلقكم وبعده فاتقى بمعنى يتقي أو المراد المضي اخبار بالعلم وقت التقى نزلت في ناس يعملون اعمالا حسنة ثم يقولون صلاتنا وصيامنا وحجنا وقيل لا تقولوا انا خير منك فان الله هو العالم بالخاتمة والتقاء الطاعة والاخلاص وترك المعاصي وفي الحديث "حديث : لا يقولن احدكم أني قائم رمضان كله"تفسير : والله أعلم. قال ذلك خوف التزكية ام لانه لابد من رقاد وغفلة وقال رجل لاصحاب ابن مسعود لقد قرأت البارحة كذا وكذا سورة فذكروه لابن مسعود فقال اخبروه ان حظه من ذلك الذي تكلم به قال الشيخ هود رضي الله عنه عن بعض كانت اليهود تقدم اولادها فيصلون بهم يقولون لا ذنوب لهم فنزل {أية : الم ترى إلى الذين يزكون أنفسهم...}تفسير : وعن ثابت بن الحارث الانصارى كانت اليهود تقول لاولادها صديق فقال صلى الله عليه وسلم كذبت اليهود ما من نسمة يخلقها الله إلا وهو شقي او سعيد فنزل {هُوَ أَعْلَمُ بِكُم} الخ... وقال الكلبي لا يزك بعض الناس بعضا وهذا في التزكية لغير الله اما تزكية الامام والقدوة مثل احد ليؤتم به اوليتهم الناس بالخير فجائز وليس من مدح النفس ذكر العمل سرورا به لا رياء وعجبا لان السرور بالطاعة طاعة وليس منه ذكر العمل ليتبع فيه واعرف الناس بربه اشدهم ايقاعا بنفسه واعرفهم بها واشدهم تهمة لها واجهلهم من زكاها واحسن بها ظنه لانها مقبلة على عاجل حظوظها معرضة عن الاستعداد لاخرتها واصل كل معصية الرضى عنها واص كل طاعة عدم الرضى عنها وكان عثمان بن عفان كثير الصدقة فقال له اخوه من الرضاع عبدالله بن السرح بن أبي سرح يوشك ان لا يبقى لك شيء فقال عثمان إن لي ذنوبا اطلب بالصدقة العفو عنها فقال عبدالله اعطني ناقتك برحلها واتحمل ذنوبك كلها وقيل من يومك الى يوم تموت فاعطاه واشهد عليه وامسك عن العطاء أو عن بعضه فنزل {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى} ادبر عن الصدقة واعانة المجاهدين يوم احد فعاد عثمان الى احسن ما كان واجمل.
اطفيش
تفسير : {الَّذينَ} نعت للذين قبله، لقيامه مقام ما ينعت أو بدله {يجْتَنبُون} المضارع للتجدد لا يزالون يجتنبونه {كبائر} كمطلق الزنى {الإثْم} اضافة خاص لعام هو الاثم {والفَواحشَ} عطف خاص على عام، هو كبائر لأن الفاحشة ما اشتد قبحه من الكبائر كالزنى بحليلة الجار، أو بحليلة الساكن معه فى الدار، أو بالحرمة، أو بحائض أو نفساء، وقيل: الفواحش والكبائر مترادفان، وذكرا معا نظراً الى تغاير مفهوميهما، فمفهوم الفحش القبح، ومفهوم الكبيرة استعظام الذنب، وكل فاحشة كبيرة، وكل كبيرة فاحشة. {إلاَّ اللَّمَم} الذنب الصغير، والاسثناء منقطع لأن لفظ الكبائر الفواحش لا يشمله، وعند سيبويه أن اللو ما بعده نعت لكبائر والفواحش، ولم يشترط كما اشترط ابن الحجاب لذلك أن يكون المنعوت جمعا منكرا غير محصور، قلنا: لا داعى الى النعت فى الآية، وأصله ما قل من الشىء، كما يقال: لمة الشعر لأنها دون الوفرة، إلا أنه كل ما ظنه صغيرة، لا ندرى لعله كبيرة أخفاها لئلا يجترأ عليها، لأنها تغفر باجتناب الكبائر وبالوضوء، وبالصلاة، وبرمضان، وبالجملة، وظاهر القرآن والأحاديث والأخبار ما ذكر، لا كما قيل: كل ذنب كبير وان الصغر، والكبر بالنسبة، ولنا أن نقول مع ذلك إجلالا له تعالى: ليس فيما يعصى الله به صغير، وذكر بعض: أن الصغائر تعرف، وعن أبى سعيد الخدرى: أنها مثل النظرة والغمزة والقبلة، قلت: هى كبائر ألا ترى أنهن ينقضن الوضوء والصوم، وأنه يكحل عين الناظر بالنار. وفى البخارى ومسلم، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن الله تعالى كتب عن ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" تفسير : فسمى كل ذلك زنى، إلا أن زنى أكبر من زنى، والأكبر يكون بالفرج، وفى مسلم حديث : كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى، مدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما البطش، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه . تفسير : وعن بعض أنها الهمُّ بالذنب بلا فعل له، وقد قيل: انه يكتب عليه الاهتمام اذا اشتد، ولا يكتب أنه فعل، ولا يكتب عليه إذا خطر فى قلبه ولم يدم عليه، وعن ابن عباس: كل ما نهى الله عنه أو عصى به، فهو كبير، ومعناه اعتبار عظمة الله سبحانه لا نفى الصغيرة، وأخطأ من قال: اللمس والمفاخذة صغيرتان، لأنهما زنى، وغير حفظ للفرج وللعورة، فكيف يكونان صغيرتين، وليست الكبائر محصورة فى القرآن ولا فى السنة ولا فى الاجماع، بل تعرف بالذوق الصحيح، وكم كبيرة لا توجب الحد، ولم يذكر فيها لعن ولا وعيد، وكيف يحصر ما لا مطمع فى ضبطه. قال ابن عباس لمن قال: سبع هن الى سبعمائة: أقرب منها الى سبع، لكن لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الاصرار، ولا يقال: الكبيرة كل ذنب يؤذن بقلة الاكتراث بالدين، فكم صغيرة حسة تؤذن بها، وقيل: الهمّ فى الآية ما فعله فى الجاهلية من إشراك وما دونه، فالاستثناء متصل وليس كذلك. {إنَّ ربَّك واسعٌ المغفِرة} إذ كان يغفر الصغائر لمن لم يصر، ويغفر الكبائر لمن لم يصر، فلا ييأس الذين أساءوا أو من فعل كبيرة ولم يعتقد أن يعود اليها، ولا أن لا يتوب منها، وقد كان يستغفر فى الجملة كفاه ذلك فى قول، وتغفر أيضا بالمصائب فى قول، وقيل: تغفر بأداء الفرائض، ولا بد من أداء المخلوق فيها، ولو مما يلزم للفقراء، كالكفارة، وعن عمر وابن عباس: لا كبيرة فى الاسلام، أى يتوب المسلم فيغفر له، بخلاف المشرك فلا تنجيه توبته من الذنوب ما دام مشركا. {هو أعْلم بكُم} بأحْوالكم، وأعلم خارج عن التفضيل بمعنى عالم، لأن غيره تعالى لا علم له وقت انشاء الخلق من الأرض، ولا بأحوالهم وقت كونهم فى البطون، وقد قال الله تعالى: {إذْ أنْشأكُم مِن الأرض وإذْ أنتُم أجنَّةٌ في بطُونِ أمَّهاتكم} وقد يقال: هو باق على التفضيل باعتبار أن للملائكة بعض علم فى ذلك وقد يقال: ان المتبادر أن المراد أن الناس لا يعلمون، وليس المراد أنى أعلم من الملائكة، وعلى كل حال ليس الحصر مراد، فانه كما هو عالم وقت الانشاء ووقت الكون فى البطون، عالم فى غير ذلك، وعلمه واحد، ولا إشكال البتة اذا جعلنا إذ مفعولا به لا ذكر، لكنه وجه ضعيف فى الآية، ومعنى الانشاء من الأرض إذ تولدت مما هو من الأرض أو يقدر مضاف، أى أنشأ أباكم، وأنشأكم من نطفة تولدت من الأرض وأجنة جمع جنين، والمراد الاخبار بأنه أعلم بما فى ظلمة البطن، وظلمة المشيمة، وظلمة الرحم، والتلويح الى قدرته على خلق الأطوار والعلم بها، فكيف يخفى عليه كبائركم وفواحشكم ولممكم، وأعظم من ذلك علمه بما فى القلب من التكييفات. {فَلا تُزكُّوا أنْفَسكُم} اذا كان الأمر كذلك فلا تثنوا على أنفسكم بالطهارة من الذنوب، بزكاة العمل، وزيادة الخير، واشكروه على فضله ومغفرته تعالى، أو المعنى لا يزك بعضكم بعضا، أو كل ذلك، والنهى فيما هو رياء أو اعجاب أو غرض دنيوى، أو على سبيل القطع والأمن من مكر الله، وقيل: نزل قوله تعالى: {هو أعلم بكم} الى {اتقى} فى قول اليهود فى الصبى اذا مات ان صديق لله، وقد مرّ هذا مع كلام فيه، وجازت التسمية بالاسم الحسن، كالحسن والحسين وسعيد، وكان لعمر بنت اسمها عاصية، فسماها صلى الله عليه وسلم جميلة، وغيَّر صلى الله عليه وسلم برة بنت أبى سلمة، وبرة بنت جحش الى زينب، وقرأ: {فلا تزكوا} الخ، وذلك كراهة لا تحريماً، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لئن عشت لأنهين عن التسمية بنافع وأفلح" تفسير : أى نهى تحريم. {هُو أعْلمُ} من غيره {بمَنِ اتَّقى} حذر الاشراك وما دونه من المعاصى، وقيل اتقى شيئا من المعاصى فانه عز وجل يثيبه على اتقائه، وقيل: نزلت فى المؤمنين قائلين صلاتنا وصومنا وحَجُّنا نهاهم أن يعجبوا أو أن يراءوا إما فرحا بالطاعة، أو دعاء اليها، فجائز، وقد صح أن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ}تفسير : [الشورى: 37]. قوله تعالى: {إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُم}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء: 49]، وفي غير ذلك من المواضع.
د. أسعد حومد
تفسير : {كَبَائِرَ} {ٱلْفَوَاحِشَ} {وَاسِعُ} {أُمَّهَاتِكُمْ} (32) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالى في هذِهِ الآيةِ الكَريمةِ أَوْصَافَ المُحْسِنينَ الذينَ يَجْزِيهِمْ في الآخِرَةِ بالحُسْنى فَيَقُولُ: مِنْ صِفَاتِ هؤُلاءِ المُحْسِنينَ أنَّهم يَبْتَعِدُونَ عَنْ كَبَائِرِ الإِثْمِ، وَعَنِ الفَوَاحِشِ، وَلا يَجْتَرِحُونَ السَّيِّئاتِ، وَلاَ يَرْتَكِبُونَ المُحرَّمَاتِ وَالكَبَائِرَ (كَالقَتْلِ وَالزِّنا وَأكْلِ الرِّبا وَأَكلِ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفِ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاتِ). وَإِذا وَقَعَتْ مِنْهُمْ بَعْضُ صَغَائِرِ الذُّنُوبِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالى وَاسعُ المَغْفِرَةِ يَغْفِرُها لَهُم لِقَولِهِ تَعَالى (أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ). تفسير : وَاللهُ تَعَالى بَصِيرٌ بأَحْوالِ العِبَادِ، عَلِيمٌ بِأَقْوالِهِمْ وَأَفْعَالِهم، وَحِينَ ابتَدأ اللهُ تَعَالى خَلْقَهُمْ وَهُمْ أَجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ علمَ مَا سَيَكُونُ عَلَيهِ حَالُهُمْ في الحَيَاةِ الدُّنيا، وَمَنْ سَيكُونُ مِنْهُمْ مُحْسِناً صَالحاً، وَمَنْ سَيَكُونُ مُسِيئاً. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ العِبَادَ بألاَّ يُزَكُّوا، أَنْفُسَهُم، وَلا يُثْنُوا عَلَيها، وَلاَ يَمْدَحُوها، لأِنَّ اللهَ تَعَالى وَحْدَهُ العَالِمُ مَنْ هُوَ البَرُّ التَّقِيُّ الصَّالحُ، وَمَنْ هُوَ الفَاجِرُ الشَّقِيُّ السَّيِّئُ. (حديث : وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَمْدَحَ أَحَدٌ صَاحِبَهُ أمَامَ آخَرِينَ، وَأَنْ يَكْتَفِيَ بِالقَوْلِ: أَحْسَبُ أَنَّ فُلاناً واللهُ حَسِيبُهُ، وَلا أُزكِّي أَحَداً عَلَى اللهِ، أَحْسَبُه كَذا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ)تفسير : . الفَواحِشَ - مَا عَظُمَ قُبْحُهُ مِنَ الكَبَائِرِ. اللَّمَمَ - صَغَائِرَ الذُّنُوبِ. فَلا تُزَكُّو أَنْفُسَكُمْ - فَلا تَمْدَحُوها بِحُسْنِ الأَعْمَالِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فمن صفات الذين أحسنوا أنهم {يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ ..} [النجم: 32] أي: يتركون بالكلية الكبائر من الذنوب ولا يقتربون من هذه المنطقة المحرمة {إِلاَّ ٱللَّمَمَ ..} [النجم: 32] وهو صغائر الذنوب. فكأنَّ الله تعالى من رحمته بخلقه تكفّل لنا بالصغائر أنْ يمحوها، وجعل لها (أستيكة) أي ممحاة تزيلها وهي الصلوات الخمس، شريطة أنْ نجتنب الكبائر. وفي الحديث: "حديث : الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهنَّ إذا اجتُنِبَتْ الكبائر"تفسير : فمَنْ فعل ذلك وسار على هذا المنهج كانت له الحسنى، وكان من أهل الإحسان. إذن: الإثم والفواحش هي الذنوب الكبيرة التي توعَّد الله مرتكبيها، والفواحش ما فَحُش من الكبائر وعظم، وقد جعل الله له عقوبة وحَداً. أما (اللمم) الذي استثناه الله وعفا عنه فهو لمم. يعني: صغائر هيِّنة لا يترتب عليها كبيرُ ضرر، وهذه آيضاً مشروطة بعدم الاجتراء عليها أو المبالغة فيها حتى تصير لك عادة. وإذا عاملك الله تعالى بهذه المنطق فاستح منه سبحانه أنْ تتجرأ عليه ولو بالصغائر، لأن الصغيرة إذا أضيفت إلى الصغيرة وكان في الأمر مداومة وإصرار صارتْ كبيرة، ثم للعاقل أنْ ينظر في حَقِّ مَنْ هذه الصغيرة، إنها في حق الله، إذن: فاقصر. قلنا: إن الكبائر جمع كبيرة ما توعد الله عليه بالعذاب في الآخرة، أو أقام عليه الحدَّ في الدنيا، وهذا فيما يتعلق بحقوق العباد، فالله سبحانه قدَّم حقَّ العباد على حقِّه تعالى، وجعل له القصاص العادل في الدنيا. ألا ترون أن الله جعل أداء الدَّيْن مقدَّم على أداء فريضة الحج؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُصل على جنازة أحد الصحابة لأن عليه ديناً، وحثَّهم على قضاء دينه أولاً. حتى أنهم قالوا في معنى "حديث : مَنْ حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه"تفسير : قالوا: هذا فيما يتعلق بحقِّ الله، أما حقوق العباد فتظل كما هي، إلى أنْ يكون الأداء أو القصاص، ذلك يُحدِثُ الردع ولا يجترئ الناس على التعدِّي وانتهاك الحرمات. وقد علّمنا رسول الله هذا الدرس في دعائه: "حديث : اللهم ما كان لك منها فاغفره لي، وما كان لعبادك فتحمله عني"تفسير : يعني: إنْ لم أقدر على الوفاء به. لذلك قلنا في السارق الذي أسرف على نفسه وتمادى في هذه الجريمة، ثم أراد أنْ يتوب ماذا يفعل؟ لا بدّ أنْ يجهد في إعادة الحقوق إلى أصحابها، فإذا لم يقدر يحسب جملة ما سلبه من خَلْق الله ويتصدّق به بنية صاحبه، وحين يعلم الله منه صدق التوبة، فقد يتحمل عنه هذه الحقوق رحمة به. نلاحظ أن الآية عطفت {وَٱلْفَوَاحِشَ ..} النجم: 32] على {كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ ..} [النجم: 32] لأنها كلها كبائر، لكن الفواحش تضيف إلى الكبيرة صفة الفحش والقبح، فهي أعظم وأشدّ إثماً من الكبائر، لأنها منكر مستبشع. وقد تكلم العلماء في الكبائر وربطوا بينها وبين الجوارح التي تُؤدَّى بها، فعمرو بن عبيد كان عالماً ورعاً يتجنب ما يفعله غيره من العلماء والشعراء من الدخول على الملوك والأمراء لنيْل عطاياهم، حتى قال فيه الشاعر، وذلك في العصر العباسي: شعر : كلُّهُمْ طَالِبُ صَيْد غَيْر عَمْرو بن عُبَيْد تفسير : عمرو بن عبيد وقف عند مسألة الكبائر هذه، وأراد أنْ يسأل عنها أعلم أهل زمانه بالكتاب والسنة، فلم يجد أعلم من سيدنا جعفر الصادق بن سيدنا محمد الباقر بن سيدنا علي زين العابدين بن سيدنا الحسين بن سيدنا علي بن أبي طالب من السيدة فاطمة الزهراء. وكان جعفر الصادق كثير البحث في آيات القرآن واستيعاب أسراره والتفتيش عن كنوزه، وكان يستنبط المعاني ويأتي بالدليل عليها. ومن ذلك قوله: عجبتُ لمن خاف ولم يفزع إلى قوله تعالى: {أية : حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} تفسير : [آل عمران: 173] فإني سمعتُ بعقبها يقول: {أية : فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ ..}تفسير : [آل عمران: 174]. وعجبت لمن اغتمّ ولم يفزع إلى قوله تعالى: {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 87] فإني سمعتُ الله بعقبها يقول: {أية : فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأنبياء: 88]. وعجبتُ لمن مُكرَ به ولم يفزع إلى قوله تعالى: {أية : وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ}تفسير : [غافر: 44] فإني سمعتُ الله بعقبها يقول: {أية : فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ ..}تفسير : [غافر: 45]. وعجبتُ لمن طلب الدنيا ولم يفزع إلى قوله تعالى: {أية : مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ ..}تفسير : [الكهف: 39] فإني سمعتُ الله بعقبها يقول: {أية : فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ ..}تفسير : [الكهف: 40]. فهذه (روشتة) وضعها سيدنا جعفر، أخذها بالدليل من كتاب الله وتشمل كلَّ ما يطرأ على العبد من أحوال. وراح عمرو بن عبيد يسأل سيدنا جعفر عن الكبائر، كل كبيرة بحسب الجارحة التي تؤديها. فقال: القلب مطلوب منه ألاَّ يشرك بالله، وألاّ ييأس من رَوْح الله، وألا يأمن مكر الله. ثم أتى بالدليل من كتاب الله على كل واحدة، ففي مسألة الشرك {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ..}تفسير : [النساء: 48] وفي اليأس من روح الله {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الزمر: 53] وهكذا. وكبائر اللسان: شهادة الزور {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً}تفسير : [الفرقان: 72] وقذْف المحصنات المؤمنات الغافلات، واليمين الغموس وهو الحلف على شيء مضى وتعمد مخالفة الواقع، كذلك من كبائر اللسان السحر. أما البطن فيتعلق بها شُرب الخمر والعياذ بالله، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا. والفرج يتعلَّق به الزنا. واليدان السرقة والقتل. والرِّجْلان الفرار من الزحف. ولكل من هذه الكبائر دليلها الواضح من كتاب الله. ومن الكبائر ترك الصلاة وهي كبيرة، يشترك فيها جوارح كثيرة، وتَرْكها كبيرة لأنها فُرضَت كما قلنا من الله مباشرة لرسوله، فهي لا تسقط عن المسلم بحال، لذلك قُلْنا عنها أنها ركنٌ من اركان الإسلام، وكذلك هي ركن من أركان المسلم، لأنها ملازمة له لا تسقط عنه. أما اللمم فهو ما دون الكبائر من الذنوب، وتُسمَّى الصغائر مثل النظرة، لذلك قالوا: لك الأولى وليس لك الثانية، لأن النظرة الأولى طرأتْ عليك وبها تتعرَّف على الأشخاص. أما النظرة الثانية ففيها قصد للتمادي، وهذا يجرُّنا إلى النظرة المحرمة، فالذي يطيل النظرة الأولى ليقول أنها الأولى التي رخص فيها عليه أنْ يحذر، لأن المراقب للنظرة هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وحتى النظرة الأولى في الواقع ليست لك، لكنك معذور فيها، لأنها طرأتْ عليك، فهي تلقائية ليس فيها قصد. وكذلك من الصغائر الضربة الخفيفة التي لا تؤذي، أو أنْ تعيب على غيرك صفة من صفاته، أو خُلْقاً من خُلقه، إلى غير هذا من الأمور، لذلك سماها الله (اللمم)، وهذا السجل سرعان ما يُغفر بالاستغفار وفعل الطاعات اليومية. لذلك يقول الحق سبحانه بعدها: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ ..} [النجم: 32]. نعم واسع المغفرة. أي: كثير المغفرة، لأنه تعالى خلق الإنسان ويعلم مناطق الضعف فيه، ولما كلَّفه لم يُضيِّق عليه ولم يشقّ عليه، بل كلّفه على قدر الاستطاعة، ولم يكلفه إلا بعد سِنِّ البلوغ، فيظل يرتع في الكون دون تكليف أكثر من عشر سنوات. ثم بعد أنْ يكلَّف يتحمل عنه الصغائر، ويُبيِّن له عاقبة الكبائر حتى لا يقربها، وهذه رحمة من الله بعبده، لذلك قال في موضع آخر: {أية : وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ..}تفسير : [المائدة: 15] فالله واسع المغفرة، كثير العفو، سبقتْ رحمته غضبه، وسبق عفوه عقابه. ثم تأتي التوبة الكبيرة: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [الأحقاف: 15]. لذلك الذي يعصي ربه عز وجل بعد سنِّ الأربعين يكون (بايخ)، نعم لأنه وصل لِلسنِّ التي لا عذر له في أنْ يتجرأ على الله بالمعصية فإذا ما بلغ المسلم في الإسلام الكِبَر والشيخوخة استحى الله أنْ يعذبه، وقد شاب في الإسلام. وقوله سبحانه وتعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ..} [النجم: 32] نعم النشأة الأولى للإنسان لا يعلمها إلا الله {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ..}تفسير : [الكهف: 51]. ومعنى {أَنشَأَكُمْ ..} [النجم: 32] خلقكم بداية من طين الأرض، والمراد خلق آدم عليه السلام وما دُمْنا من الأرض نشأة وهي البداية والأم، فالابن متعلق بأمه ومردّه إليها. ثم يذكر سبحانه طَوْراً آخر من أطوار الخلق {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ..} [النجم: 32] فإذا كان أدم خُلِق من طين الأرض فنسلُه جاء من التزاوج الذي تنشأ عنه الأجنة في بطون الأمهات. {فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ ..} [النجم: 32] تزكية النفس يعني: مدحها وادعاء الصلاح {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} [النجم: 32] أي: أن الله تعالى أعلم بخفيِّ الأمور وحقيقتها، أعلم بكم من ساسكم لرأسكم، ولا يخفى عليه منكم شيء، فلا مجال إذن لتزكية النفس. حتى في حالة مدح الآخرين والثناء عليهم علّمنا أنْ نقول: ولا نُزكي على الله أحداً، لأن الله تعالى هو الذي يُزكِّي، وهو أعلم بأهل الطاعة وبأهل التقوى الحقيقية. ثم يقول الحق سبحانه: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ} معناه أن يَلمَ بالذَّنبِ ثم يتوبَ منهُ. وقوله تعالى: {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} معناه أولادٌ في بطونِهُنَّ. واحدُها جَنينٌ. وقوله تعالى: {فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} معناه لا تُبرِّئوها.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ} [النجم: 32] يحذرون من الكفر بالله والشرك به؛ لأنها من الكبائر، وترك طاعته كسالة ورجاء المغفرة وهو من الفواحش، إلا اللمم إذ الإنسان خلق من الأضداد فلا يمكن له الاحتراز عن اللمم، وهو لمة تلم به من تلك الأضداد عند انبعاث قوتها، ونرجو من الله أن يعفو عنا كل ما يطرأ علينا من غير انخرام النية على إباحته خاصة على ما ندم صاحبه من الملامة به، ومن ارتكابه تلك اللمة، وهو الغفور العفو الرءوف يغفر ويعفو ويرأف على عبده المبتلي بالأضداد في دار الابتلاء، النادم بقلبه على ذنبه المستغفر من ربه، {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ} [النجم: 32]، واسمه الغفور يدل على أنه واسع المغفرة، وبه يغفر الذنوب الذاتية جميعها، كما يغفر باسم غافريته الذنوب الصفاتية، وبغفاريته الذنوب الأفعالية، وبعفويته الذنوب الآثارية، وإن لم يتب من نسيان وغفلة منها فباسم غفوريته يغفر إذا تاب من الفواحش، وشرح غفرويته بما يتعلق بمطلع القرآن، ومما يطوي سره لا مما يروي حقيقة، {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} [النجم: 32] يعني: بما حصل لكم من القوى المعدنية السفلية الخبيثة، {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النجم: 32]؛ يعني: بما لكم من القوى النباتية والحيوانية الفاسدة التابعة للهوى، المقبلة على الرديء المعرضة عن المولى، {فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} [النجم: 32]، إذ نفسكم غير زكية بما حصل لها من القوى المعدنية الأرضية، والقوى النباتية والحيوانية، {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} [النجم: 32]؛ يعني: الله أعلم من وفق؛ لأن يبقى في القوى التابعة للهوى، ويجتهد في تزكية نفسه من الأخلاق الردية الحاصلة له من السفليات. {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ} [النجم: 33] عن الحق، {وَأَعْطَىٰ} [النجم: 34] الحظ للقوى السفلية، {قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ} [النجم: 34] على القوى العلوية حقها؛ يعني: منع الحق عنها، {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ} [النجم: 35]؛ أي: عنده علم ما أودعناه يوم الجزاء لمن يعطي الحظ للقوى السفلية، ويمنع الحق عن القوى العلوية، فهو يرى ذلك الجزاء. {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} [النجم: 36-37]؛ اي: أم لم يخبر بما في الصحف اللطيفة السرية والقلبية المبلغة لطائفها إلى أمم القوى بالتمام والكمال، {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [النجم: 38]؛ يعني: لا يحمل وزر قوة نفسية على قوة قالبية، {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} [النجم: 39]؛ يعني: أبلغي أيتها اللطيفة الخفية إليهم أن ليس في الدار الآخرة لأحد إلا ما سعى في دار دنياه خيراً كان أم شراً.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} [32] 564 - أخبرنا محمد بن رافعٍ، قال: حدثنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن طاووسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: ما رأيتُ شيئاً أشبه باللَّممِ ممَّا قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، "حديث : إن الله (تبارك وتعالى) كتب على ابن آدم حظهُ من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزِنا اليدين البطشُ، وزِنا اللِّسانِ النُّطقُ، والنفسُ تمنَّى وتشتهي، والفرجُ يُصدقُ ذلك ويُكذبهُ ".
همام الصنعاني
تفسير : 3054- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن سليمان الأعمش، عن أبي الضحى أن ابن مَسْعودٍ قال: قوله: {إِلاَّ ٱللَّمَمَ}: [الآية: 32]، قال: العينين النظرُ، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين اللَّمْس، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك كله ويكذبه الفرج، فإن تقدم بفرجه كان زانياً، وإلا فهو اللَّمَمَ. 3055- معمر: وكَانَ الحسن يَقُول: تَكُونُ اللَّمَةُ من الرَّجُلِ، بالفاحشةِ، ثم يتوب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):