Verse. 4817 (AR)

٥٣ - ٱلنَّجْم

53 - An-Najm (AR)

اَفَرَءَيْتَ الَّذِيْ تَوَلّٰى۝۳۳ۙ
Afaraayta allathee tawalla

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أفرأيت الذي تولى» عن الإيمان ارتد لما عير به وقال إني خشيت عقاب الله فضمن له المعير له أن يحمل عنه عذاب الله إن رجع إلى شركه وأعطاه من ماله كذا فرجع.

33

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعض المفسرين: نزلت الآية في الوليد بن المغيرة جلس عند النبي صلى الله عليه وسلم وسمع وعظه، وأثرت الحكمة فيه تأثيراً قوياً، فقال له رجل: لم تترك دين آبائك، ثم قال له: لا تخف وأعطني كذا وأنا أتحمل عنك أوزارك، فأعطاه بعض ما التزمه، وتولى عن الوعظ وسماع الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: نزلت في عثمان رضي الله عنه، كان يعطي ماله عطاء كثيراً، فقال له أخوه من أمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح: يوشك أن يفنى مالك فأمسك، فقال له عثمان: إن لي ذنوباً أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء، فقال له أخوه: أنا أتحمل عنك ذنوبك إن تعطي ناقتك مع كذا، فأعطاه ما طلب وأمسك يده عن العطاء، فنزلت الآية، وهذا قول باطل لا يجوز ذكره، لأنه لم يتواتر ذلك ولا اشتهر، وظاهر حال عثمان رضي الله عنه يأبى ذلك، بل الحق أن يقال: إن الله تعالى لما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم من قبل {أية : فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [النجم: 29] وكان التولي من جملة أنواعه تولي المستغني، فإن العالم بالشيء لا يحضر مجالس ذكر ذلك الشيء، ويسعى في تحصيل غيره، فقال {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ } عن استغناء، أعلم بالغيب؟. المسألة الثانية: الفاء تقتضي كلاماً يترتب هذا عليه، فماذا هو؟ نقول: هو ما تقدم من بيان علم الله وقدرته، ووعده المسيء والمحسن بالجزاء وتقديره هو أن الله تعالى لما بين أن الجزاء لا بد من وقوعه على الإساءة والإحسان، وأن المحسن هو الذي يجتنب كبائر الإثم، فلم يكن الإنسان مستغنياً عن سماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه، فبعد هذا من تولى لا يكون توليه إلا بعد غاية الحاجة ونهاية الافتقار. المسألة الثالثة: {ٱلَّذِى } على ما قال بعض المفسرين عائد إلى معلوم، وهو ذلك الرجل وهو الوليد، والظاهر أنه عائد إلى مذكور، فإن الله تعالى قال من قبل {فَأَعْرَضَ عن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا } وهو المعلوم لأن الأمر بالإعراض غير مختص بواحد من المعاندين فقال: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ } أي الذي سبق ذكره، فإن قيل: كان ينبغي أن يقول الذين تولوا، لأن (من) في قوله: {ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ } للعموم؟ نقول: العود إلى اللفظ كثير شائع قال تعالى: {أية : مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ } تفسير : [القصص: 84] ولم يقل فلهم. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً } ما المراد منه؟ نقول: على ما تقدم هو المقدار الذي أعطاه الوليد، وقوله: {وَأَكْدَىٰ } هو ما أمسك عنه ولم يعط الكل، وعلى هذا لو قال قائل إن الإكداء لا يكون مذموماً لأن الإعطاء كان بغير حق، فالامتناع لا يذم عليه، وأيضاً فلا يبقى لقوله {قَلِيلاً } فائدة، لأن الإعطاء حينئذ نفسه يكون مذموماً، نقول فيه بيان خروجهم عن العقل والعرف أما العقل فلأنه منع من الإعطاء لأجل حمل الوزر، فإنه لا يحصل به، وأما العرف فلأن عادة الكرام من العرب الوفاء بالعهد، وهو لم يف به حيث التزم الإعطاء وامتنع، والذي يليق بما ذكرنا هو أن نقول: تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا، يعني إعطاء ما وجب إعطاؤه في مقابلة ما يجب لإصلاح أمور الآخرة، ويقع في قوله تعالى: {أعندهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ } في مقابلة قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مّنَ ٱلْعِلْمِ } تفسير : [النجم: 30] أي لم يعلم الغيب وما في الآخرة وقوله تعالى: {أية : أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ * أَلاَّ تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [النجم: 36 ـ 38] في مقابلة قوله: {أية : هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ } تفسير : [النجم: 30] إلى قوله: {أية : لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أساؤا } تفسير : [النجم: 31] لأن الكلامين جميعاً لبيان الجزاء، ويمكن أن يقال: إن الله تعالى لما بين حال المشركين المعاندين العابدين للات والعزى والقائلين بأن الملائكة بنات الله شرع في بيان أهل الكتاب، وقال بعدما رأيت حال المشرك الذي تولى عن ذكرنا، أفرأيت حال من تولى وله كتاب وأعطى قليلاً من الزمان حقوق الله تعالى، ولما بلغ زمان محمد أكدى فهل علم الغيب فقال شيئاً لم يرد في كتبهم ولم ينزل عليهم في الصحف المتقدمة، ووجد فيها بأن كل واحد يؤاخذ بفعله ويجازى بعمله، وقوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ } يخبر أن المتولي المذكور من أهل الكتاب. المسألة الخامسة: {أكدى} قيل هو من بلغ الكدية وهي الأرض الصلبة لا تحفر، وحافر البئر إذا وصل إليها فامتنع عليه الحفر أو تعسر يقال: أكدى الحافر، والأظهر أنه الرد والمنع يقال: أكديته أي رددته وقوله تعالى: {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ } قد علم تفسيره جملة أن المراد جهل المتولي وحاجته وبيان قبح التولي مع الحاجة إلى الإقبال وعلم الغيب، أي العلم بالغيب، أي علم ما هو غائب عن الخلق وقوله: {فَهُوَ يَرَىٰ } تتمة بيان وقت جواز التولي وهو حصول الرؤية وهو الوقت الذي لا ينفع الإيمان فيه، وهناك لا يبقى وجوب متابعة أحد فيما رآه، لأن الهادي يهدي إلى الطريق فإذا رأى المهتدي مقصده بعينه لا ينفيه السماع، فقال تعالى: هل علم الغيب بحيث رآه فلا يكون علمه علماً نظرياً بل علماً بصرياً فعصى فتولى وقوله تعالى: {فَهُوَ يَرَىٰ } يحتمل أن يكون مفعول {يَرَىٰ } هو احتمال الواحد وزر الآخر كأنه قال فهو يرى أن وزره محمول ألم يسمع أن وزره غير محمول فهو عالم بالحمل وغافل عن عدم الحمل ليكون معذوراً، ويحتمل أن لا يكون له مفعول تقديره فهو يرى رأي نظر غير محتاج إلى هاد ونذير.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ} الآيات لما بيّن جهل المشركين في عبادة الأصنام ذكر واحداً منهم معيناً بسوء فعله. قال مجاهد وٱبن زيد ومقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد ٱتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دينه فعيّره بعض المشركين، وقال: لِمَ تركتَ دين الأشياخ وضَلَّلتهم وزعمت أنهم في النار؟! قال: إني خشيت عذاب الله؛ فضمن له إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل ومنعه فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: كال الوليد مدح القرآن ثم أمسك عنه فنزل: {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً} أي من الخير بلسانه «وَأَكْدَى» أي قطع ذلك وأمسك عنه. وعنه أنه أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد الإيمان ثم تولى فنزلت: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ} الآية. وقال ٱبن عباس والسُّدي والكلبي والمسيّب بن شريك: نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يتصدّق وينفق في الخير، فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن أبي سَرْح: ما هذا الذي تصنع؟ يوشك ألاّ يبقى لك شيء. فقال عثمان: إن لي ذنوباً وخطايَا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوهٰ فقال له عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها. فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عن بعض ما كان يصنع من الصدقة فأنزل الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ} {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ} فعاد عثمان إلى أحسن ذلك وأجمله. ذكر ذلك الواحديّ والثعلبيّ. وقال السّديّ أيضاً: نزلت في العاص بن وائل السَّهْميّ، وذلك أنه كان ربما يوافق النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال محمد بن كعب القرظيّ: نزلت في أبي جهل بن هشام، قال: واللَّهِ ما يأمر محمدٌ إلا بمكارم الأخلاق؛ فذلك قوله تعالى: {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ}. وقال الضحاك: هو النَّضْر بن الحرث أعطى خمس قلائص لفقير من المهاجرين حين ٱرتد عن دينه، وضمن له أن يتحمل عنه مأثم رجوعه. وأصل «أَكْدَى» من الكُدْية يقال لمن حَفَر بئراً ثم بلغ إلى حجر لا يتهيّأ له فيه حَفْر: قد أَكْدَى، ثم ٱستعملته العرب لمن أعطى ولم يُتمِّم، ولمن طلب شيئاً ولم يبلغ آخره. وقال الحُطَيْئة:شعر : فأعطى قليلاً ثم أَكْدَى عطاءَه ومن يَبْذُلِ المعروفَ في الناسِ يُحَمِد تفسير : قال الكسائيّ وغيره: أَكْدَى الحافُر وأَجبْل إذا بلغ في حَفْره كُدْية أو جبلاً فلا يمكنه أن يَحفِر. وحفر فأَكْدَى إذا بلغ إلى الصُّلْب. ويقال: كدِيت أصابعه إذا كَلَّتْ من الحفر. وكَدِيت يدهُ إذا كَلَّتْ فلم تعمل شيئاً. وأَكْدَى النَّبتُ إذا قلّ رَيْعه، وكَدَتِ الأرض تَكْدُو كَدْواً (وكُدُوًّا) فهي كَادِيَةٌ إذا أبطأ نباتها؛ عن أبي زيد. وأَكْدَيْتُ الرجلَ عن الشيء رددته عنه. وأَكْدَى الرجلُ إذا قلّ خيره. وقوله: {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ} أي قطع القليل. قوله تعالى: {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ } أي أعند هذا المكدِي علمُ ما غاب عنه من أمر العذاب؟. {فَهُوَ يَرَىٰ} أي يعلم ما غاب عنه من أمر الآخرة، وما يكون من أمره حتى يضمن حمل العذاب عن غيره، وكفى بهذا جهلاً وحمقاً. وهذه الرؤية هي المتعدية إلى مفعولين والمفعولان محذوفان؛ كأنه قال: فهو يرى الغيبَ مثلَ الشهادة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى ذاماً لمن تولى عن طاعة الله: {أية : فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } تفسير : [القيامة: 31 ــــ 32] { وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ} قال ابن عباس: أطاع قليلاً، ثم قطعه، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وغير واحد. قال عكرمة وسعيد: كمثل القوم إذا كانوا يحفرون بئراً، فيجدون في أثناء الحفر صخرة تمنعهم من تمام العمل، فيقولون: أكدينا، ويتركون العمل. وقوله تعالى: {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ} أي: أعند هذا الذي قد أمسك يده خشية الإنفاق، وقطع معروفه، أعنده علم الغيب أنه سينفد ما في يده، حتى قد أمسك عن معروفه، فهو يرى ذلك عياناً؟ أي: ليس الأمر كذلك، وإنما أمسك عن الصدقة والمعروف والبر والصلة بخلاً وشحاً وهلعاً، ولهذا جاء في الحديث: «حديث : أنفق بلالاً، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً» تفسير : وقد قال الله تعالى: {أية : وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} تفسير : [سبأ: 39]. وقوله تعالى: { أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ } قال سعيد بن جبير والثوري: أي بلغ جميع ما أمر به، وقال ابن عباس: {وَفَّىٰ} لله بالبلاغ، وقال سعيد بن جبير: {وَفَّىٰ} ما أمر به، وقال قتادة: {وَفَّىٰ} طاعة الله، وأدى رسالته إلى خلقه، وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وهو يشمل الذي قبله، ويشهد له قوله تعالى: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} تفسير : [البقرة: 124] فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للناس إماماً يقتدى به في جميع أحواله وأقواله وأفعاله. قال الله تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [النحل: 123] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ} قال: «حديث : أتدري ما وفى؟» تفسير : قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : وفى عمل يومه بأربع ركعات من أول النهار» تفسير : ورواه ابن جرير من حديث جعفر بن الزبير، وهو ضعيف. وقال الترمذي في جامعه: حدثنا أبو جعفر السمناني، حدثنا أبو مسهر، حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير ابن نفير، عن أبي الدرداء وأبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه قال: «حديث : ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره» تفسير : قال ابن أبي حاتم رحمه الله: وحدثنا أبي، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن قائد عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«حديث : ألا أخبركم لمَ سمى الله تعالى إبراهيم خليله الذي وفى؟ إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: { فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}» تفسير : [الروم: 17] حتى ختم الآية. ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن رشدين بن سعد عن زبان به، ثم شرع تعالى يبين ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى فقال: {أَلاَّ تَزِرُ وَٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} أي: كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب، فإنما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد؛ كما قال: {أية : وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} تفسير : [فاطر: 18] { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} أي: كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه، ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله ومن اتبعه: أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ولو كان خيراً، لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة، فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما. وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به» تفسير : فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله؛ كما جاء في الحديث: «حديث : إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» تفسير : والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ} تفسير : الآية [يس: 12]. والعلم الذي نشره في الناس، فاقتدى به الناس بعده، هو أيضاً من سعيه وعمله، وثبت في الصحيح: «حديث : من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً»تفسير : . وقوله تعالى: { وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ} أي: يوم القيامة؛ كقوله تعالى: {أية : وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [التوبة: 105] أي فيخبركم به، ويجزيكم عليه أتم الجزاء، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وهكذا قال ههنا: { ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ} أي الأوفر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ } عن الإِيمان؟ أي ارتد لما عُيِّر به وقال إني خشيت عذاب الله وضمن له المُعير له أن يحمل عنه عذاب الله إن رجع إلى شركه وأعطاه من ماله كذا فرجع.

الماوردي

تفسير : {أَفَرَءَيْتَ الَّذِي تَولَّى} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه العاص بن وائل السهمي، قاله السدي. الثاني: أنه الوليد بن المغيرة المخزومي، قاله مجاهد، كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه يسمع ما يقولان ثم يتولى عنهما. الثالث: أنه النضر بن الحارث أعطى خمس قلائص لفقير من المهاجرين حين ارتد عن دينه وضمن له أن يتحمل مأثم رجوعه، قاله الضحاك. {وَأعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه أعطى قليلاً من نفسه بالاستمتاع ثم أكدى بالانقطاع، قاله مجاهد. الثاني: أطاع قليلاً ثم عصى، قاله ابن عباس. الثالث: أعطى قليلاً من ماله ثم منع، قاله الضحاك. الرابع: أعطى بلسانه وأكدى بقلبه، قاله مقاتل. وفي {أَكْدَى} وجهان: أحدهما: قطع، قاله الأخفش. الثاني: منع، قاله قطرب. {أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيبِ فَهُوَ يَرَى} فيه وجهان: أحدهما: معناه أعلم الغيب فرأى أن ما سمعه باطل. الثاني: أنزل عليه القرآن فرأى ما صنعه حقاً، قاله الكلبي. ويحتمل ثالثاً: أعلم أن لا بعث، فهو يرى أن لا جزاء. {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} فيه سبعة أقاويل: أحدها: وفّى عمل كل يوم بأربع ركعات في أول النهار، رواه الهيثم عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثاني: أن يقول كلما أصبح وأمسى {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِيْنَ تُمْسُونَ وَحِيْنَ تُصْبِحُونَ} الآية. رواه سهل بن معاذ عن أنس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثالث: وفيما أمر به من طاعة ربه، قاله ابن عباس. الخامس: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} لأنه كان بين نوح وإبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة ابنه وأبيه فأول من خالفهم إبراهيم، قاله الهذيل. السادس: أنه ما أُمر بأمر إلا أداه ولا نذر إلا وفاه، وهذا معنى قول الحسن. السابع: وفَّى ما امتحن به من ذبح ابنه وإلقائة في النار وتكذيبه.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِى تَوَلَّى} العاص بن وائل، أو الوليد بن المغيرة كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ فيسمع ما يقولان ثم يتولى عنهما، أو النضر بن الحارث أعطى خمس قلائص لفقير من المهاجرين حين ارتد وضمن له أن يتحمل عنه إثم ارتداده.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {أفرأيت الذي تولى} نزلت في الوليد بن المغيرة كان قد اتبع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه فغيره بعض المشركين وقالوا: أتركت دين الأشياخ وضللت. قال: إني خشيت عذاب الله فضمن له الذي عاتبه إن أعطاه كذا من ماله ورجع إلى الشرك أن يتحمل عنه عذاب الله فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى للذي عيره بعض الذي ضمن له من المال ومنعه تمامه فأنزل الله أفرأيت الذي تولى يعني أدبر وأعرض عن الإيمان {وأعطى} يعني لصاحبه الذي عيره {قليلاً وأكدى} أي بخل بالباقي. وقيل: أعطى قليلاً يعني من الخير بلسانه وأكدى يعني قطعه وأمسك ولم يعم بالعطية. وقيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي وذلك أنه كان ربما يوافق النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور. وقيل: نزلت في أبي جهل وذلك أنه قال والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق فذلك قوله: وأعطى قليلاً وأكدى يعني لم يؤمن به ومعنى الآية أكدى يعني قطع وأصله من الكدية وهي حجر يظهر في البئر يمنع من الحفر {أعنده علم الغيب فهو يرى} أي ما غاب عنه يعني أن صاحبه يتحمل عنه عذابه {أم لم ينبأ} يعني يخبر {بما في صحف موسى} يعني أسفار التوراة.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ...} الآية، قال مجاهد، وابن زيد، وغيرُها: نزلت في الوليد بن المغيرة المخزوميِّ؛ وذلك أَنَّهُ سَمِعَ قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وَوَعْظَهُ فقرب من الإسلام، وطمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم في إسلامه، ثم إنَّه عاتبه رجلٌ من المشركين، وقال له: أتتركُ مِلَّةَ آبائك؟ٰ ارجع إلى دينك، واثبت عليه، وأَنا أتَحَمَّلُ لك بكلِّ شيء تخافه في الآخرة، لكن على أَنْ تعطيني كذا وكذا من المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عَمَّا هَمَّ به من الإسلام، وأعطى بعضَ ذلك المالَ لذلك الرجل، ثم أمسك عنه وشَحَّ، فنزلت الآية فيه، وقال السُّدِّيُّ: نزلت في العاصي بن وائل؛ قال * ع *: فقوله: {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ} على هذا ـــ هو في المال، وقال مقاتل في كتاب الثعلبيِّ: المعنى: أعطى الوليدُ قليلاً من الخير بلسانه، ثم {وَأَكْدَىٰ}، أي: انقطع ما أعطى، وهذا بَيِّنٌ من اللفظ، والآخر يحتاج إلى رواية، و{تَوَلَّىٰ} معناه: أدبر وأعرض عن أمر اللَّه، {وَأَكْدَىٰ} معناه: انقطع عطاؤه، وهو مشبه بالذي يحفر في الأرض؛ فإنَّه إذا انتهى في حفر بئر ونحوه إلى كُدْيَةٍ، وهي ما صَلُبَ من الأرض ـــ يَئِسَ من الماء، وانقطع حفرُهُ، وكذلك أجبل إذا انتهى في الحفر إلى جبل، ثم قيل لمن انقطع: عمله أكدى وأجبل. * ت *: قال الثعلبيُّ: وأصله من الكُدْيَةِ، وهو حجر في البئر يؤيس من الماء؛ قال الكسائِيُّ: تقول العرب: أَكْدَى الحَافَرُ وأَجْبَلَ: إذا بَلَغَ في الحَفْرِ إلى الكُدْيَةِ والجَبَلِ، انتهى. وقوله عز وجل: {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ} معناه: أَعَلِمَ من الغيب أَنَّ مَنْ تحمَّل ذنوبَ آخر انتفع بذلك المُتَحَمَّلُ عنه؛ فهو لهذا الذي علمه يرى الحق وله فيه بصيرة؟! أم هو جاهل، لم يُنَبَّأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وَفَّى بما أُرْسِلَ بِه، من أَنَّهُ لا تَزِرُ وازرة، أي: لا تحملُ حَامِلَةٌ حَمْلَ أخرى؛ وفي البخاري {وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ}: وَفَّىٰ ما فُرِضَ عليه، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ} لما بين جهل المشركين في عبادة الأصنام ذكر واحداً منهم معيناً بسوء فعله. قال مجاهد وابن زيد ومقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان قد اتبع النبي - صلى الله عليه وسلم - على دينه فعيَّره بعض المشركين وقالوا له: تركت دين الأشياخ وضللتهم فقال: إنِّي خَشِيتُ عذاب الله فضمن الذي عاتبه إن هو أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذابَ الله، فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيره بعض ذلك المال الذي ضمن ومنعه تمامه، فأنزل الله {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ} أي أدبر عن الإيمان "وأعطى" صاحبه "قَلِيلاً وأَكْدَى" بخل بالباقي. وقال السدي: نزلت في العاصِ بن وائل السّهمّي، وذلك أنه ربما وافق النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأمور. وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في أبي جهل وذلك أنه قال: والله ما يأمرنا محمدٌ إلا بمكارم الأخلاق فذلك قوله {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ} أي لم يؤمن به. ومعنى "أَكْدَى" أي قطع. قوله: "وَأَكْدَى" أصله من أَكْدَى الحَافِر إذا حَفَرَ شيئاً فصادف كُدْيَةً منعته من الحفر، ومثله: أَجْبَلَ أي صادف جَبَلاً مَنَعَهُ من الحَفْرِ، وكَدِيَتْ أَصَابِعُهُ كَلَّتْ من الحفر، ثم استعمل في كل من طلب شيئاً فلم يصل إليه أو لم يتمِّمه ولمن طلب شيئاً ولم يبلغ آخِرَه. قال الحطيئة: شعر : 4560- فَأَعْطَى قَلِيلاً ثُمَّ أَكْدَى عَطَاؤُهُ وَمَنْ يَبْذُلِ المَعْرُوفَ فِي النَّاسِ يُحْمَدِ تفسير : ويقال: كَدَى النبتُ إِذا قلّ ريعُهُ، وكَدَتِ الأَرْضُ تَكْدُو كُدُّوا فهي كَادِيَةٌ إذا أبطأ نباتها. عن أبِي زَيْدٍ. وأَكْدَيْتُ الرَّجُلَ عن الشيء رَدَدْتُهُ. وأَكْدَى الرَّجُلُ إذَا قَلَّ خَيْرُهُ، فقوله: {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ} أي قطع القليل. و "أَرَأَيْتَ" بمعنى أخبرني. وقوله: "الَّذِي" يعود إلى الوليد (بنِ المُغِيرة) قال ابن الخطيب: والظاهر أنه يعود إلى المتولّي في قوله: {أية : فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ} تفسير : [النجم: 29]. فإن قيل: كان ينبغي أن يقول: الذين تولوا لأن (مَنْ) للعموم؟. فالجواب: إن العود إلى اللفظ كقوله تعالى: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ} تفسير : [الأنعام: 160] ولم يقل: فلهم. قوله: "فَهُوَ يَرَى" هذه الجملة مترتبة على ما قبلها ترتّباً ظاهراً. وقال أبو البقاء: "فَهُوَ يَرَى" جملة اسمية واقعة موقع الفعلية، والأصل: أعِنْده علمُ الغيب فَيَرَى، ولو جاء على ذلك لكان نصباً على جواب الاستفهام، انتهى. وهذا لا حاجة إليه مع ظهور الترتيب بالجملة الاسمية. وقد تقدم له نظير هذا الكلام والردّ عليه. ومعنى الآية أعند هذا المُكْدِي علمُ الغيب - أي علم ما غابَ عنه - من العذاب فهو يرى أي يعلم ما غاب عنه من أمر الآخرة وما يكون من أمره حتى يضمن حَمْلَ العذاب عن غيره وكفى بهذا جهلاً بأنه يرى ما غاب عنه ويعلم أن صاحبه يتحمل عنه عذابه. قوله: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ} أي لم يخبر {بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ} يعني أسفار التوراة و "أم" منقطعة أي بل ألم ينبأ و "ما" في قوله "بِمَا" يحتمل أن يكون المراد جنس ما قبلها أي لم ينبأ بالتوحيد والحشر وغيره. ويحتمل أن يكون عين ما في التوراة لا جنسه. وعلى هذا فالكلام مع أهل الكتاب. قوله: "وَإِبْرَاهِيمَ" عطف على "موسى"، أي وصحف إبراهيم، لقوله في سورة الأعلى: {أية : صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 19]. وإنما خص هذين النبيين بالذكر، لأنه كان بين إبراهيم وموسى يؤخذ الرجلُ بجريرة غيره فأول من خالفهم إبراهيم قاله الهذيل بن شُرَحْبِيل. والعامة على وَفَّى بالتشديد. وقرأ أبو أُمامة الباهلي وسعيدُ بن جبير وابن السَّمَيْقَع: وَفَى مخففاً. وقد تقدم أن فيه ثلاثَ لغات. وأطلق التوفية والوفاء ليتناولا كل ما وفى به والمعنى تَمَّ وأكمل ما أُمِرَ به. قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة: عمل ما أمر به، وبلغ رسالةَ ربه إلى خلقه. وقال مجاهد: وفى بما فرض عليه. وقال الربيع: وفى رُؤْياه وقام بذبح ابْنه. وقال عطاء الخراساني: استكمل الطاعة. وقال أبو العالية: هو الإتمام في قوله تعالى: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} تفسير : [البقرة: 124] والتوفية الإتمام. وقال الضحاك: وفَّى المناسك. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : إبرَاهِيمُ الَّذِي وَفَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ". تفسير : قوله: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} "أن" مخففة من الثقيلة واسمها محذوف هو ضمير الشأن و "لاَ تَزِرُ" هو الخبر. وجيء بالنفي لكون الخبر جملة فعلية متصرفة غير مقرونة كما تقدم تحريره في المائدة. و "أن" وما في حيّزها فيها قولان: أظهرهما: الجر بدلاً من "ما" في قوله {بما في صحف}. والثاني: الرفع خبراً لمبتدأ مضمر أي ذَلِك أن لا تزرُ أو هو أن لا تزرُ. وهو جواب لسؤال مقدر؛ كأن قائلاً قال: وما في صحفهما؟ فأجيبَ بذلك. قال شهاب الدين: ويجوز أن يكون نصباً بإضمار "أعني" جواباً لذلك السائل وكل موضع أضمر فيه هذا المبتدأ لهذا المعنى أضمر فيه هذا الفِعل. فصل معنى الآية: أنه لا تحمل نفسٌ حِمْلَ أخرى أي لا تُؤخَذُ نفس بإثم غيرها. وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة أن يحمل عنه الإِثم. وروى عكرمة عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: كانوا قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام يأخذون الرجل بذنب غيره وكان الرجل يُقْتَلُ بقَتْل أبيه وابنه وأخواته حتى جاءهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام فنهاهم عن ذلك وبلغهم عن الله عز وجل أن لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخْرى. فإن قيل: الآية مذكورة لبيان أن وِزْرَ الرجل لا يحمل عنه وبهذا الكلام لا تحصل هذه الفائدة، لأن الوَازِرَةَ تكون مثقلةً بوِزْرِها وكل أحد يعلم أنها لا تحمل شيئاً فلو قال: لا تحمل فارغة وزر أخرى كان أبلغ. فالجواب: أن المراد من الوَازِرَةِ هي التي يتوقع منها الوزر والحمل لا التي وَزَرت وحَمَلَتْ. ونقل القرطبي عن أبي مالك الغِفاريّ قال: قوله تعالى: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} إلى قوله: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ} في صحف إبراهيم وموسى. قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} أن هي المخففة أيضاً ولم يفصل هنا بينها وبين الفعل لأنه لا يتصرف. ومحلها الجر أو الرفع، أو النصب لعطفها على (أن) قبلها، وكذلك محل: "وَأَنَّ سَعْيَهُ". و "يُرَى" مبني للمجهول، فيجوز أن تكون من البَصَرِية أي يُبْصَر، وأن تكون من العِلْميَّة فيكون الثاني محذوفاً أي يرى حاضراً. والأول أوضح. وقال مكي: وأجاز الزجاج: يَرَى بفتح الياء على إضمار الهاء؛ أي سَوْفَ يَرَاهُ ولم يُجِزْهُ الكوفيُّونَ لأن "سعيه" يصير قد عمل فيه أنّ، و "يَرَى". وهو جائز عند المبرِّد وغيرِهِ؛ لأنَّ دخولَ "أنّ" على "سَعْيَهُ" وعملها فيه، يدل على الهاء المحذوفة مِنْ "يُرَى"؛ وعلى هذا جوز البصريون: إنَّ زيداً ضَرَبْتَ بغير هاء. قال شهاب الدين: وهو خلاف ضعيف توهموا أن الاسم توجه عليه عاملانِ مختلفان في الجنسية، لأن رأي بعضهم أن يعمل فِعْلاَنِ في معمول واحد، ومنه باب التنازع في بعض صوره، نحو: قَامَ وقَعَدَ زَيْدٌ وضَرَبْتُ وأكرمْتُ عَمْراً وأن يعمل عامل واحد في اسم وفي ضميره معاً نحو: زَيْداً ضَرَبْتُهُ في باب الاشتغال. وهذا توهم باطل؛ لأنا نقول: سَعْيَهُ منصوب "بأَنَّ" و "يُرَى" متسلط على ضميره المقدر فظاهر هذا أنه لم يقرأ به. وقد حكى أبو البقاء أنه قرىء به شاذًّا، ولكه ضعفه من جهة أخرى فقال: وقرىء بفتح الياء، وهو ضعيف؛ لأنه ليس فيه ضمير يعودُ على اسم أنَّ وهو السَّعْي والضمير الذي فيه الهاء فيبقى الاسم بغير خبر وهو كقولك: إنَّ غُلاَمَ زَيْدٍ قَامَ وأنت تعني قام زيد، فلا خبر "لغُلاَمٍ". وقد وُجِّه على أن التقدير سوف يَرَاهُ فتعود الهاء على السَّعي. وفيه بعد. انتهى. قال شهاب الدين: وليت شعري كيف توهم المانع المذكور وكيف نظّره بما ذكر؟! ثم أي بعد في تقدير سوف يَرَى سَعْي نَفْسِهِ؟! وكأنه اطلع على مذهب الكوفيين في المنع إلا أن المُدْرَكَ غير المُدْركِ. قوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} أي عَمِل، كقوله: {أية : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل: 4]. وهذا أيضاً في صُحُف إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى. قال ابن عباس - ( رضي الله عنهما ) - هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله: {أية : أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} تفسير : [الطور: 21] فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء. وقال عكرمة: كان ذلك لقَوم إبراهيم وموسى أما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم لِمَا "حديث : رُوِيَ أن امرأةً رَفَعَتْ صبيًّا لها فقالت يا رسول الله: ألهذا حَجٌّ؟ قال: نعم، ولكِ أجرٌ ". "حديث : وقال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن أمّي قَتَلَتْ نفسها فهل لها أجر إن تصدّقت عنها؟ قال: نعم ". تفسير : قال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تَيْمِيةَ: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع وذلك باطل من وجوه كثيرة: أحدها: أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير. الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل الجنة في دخولها، ثم لأهل الكبائر في الإخراج من النار، وهذا انتفاع بسعي الغير. الثالث: أن كل نبي وصالح له شفاعة وذلك انتفاع بعمل الغير. الرابع: أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض وذلك منفعة بعمل الغير. الخامس: أن الله يُخْرج من النار من لم يعمل خيراً قطّ بمَحْض رحمته. وهذا انتفاع بغير عملهم. السادس: أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم وذلك انتفاع بمَحْضِ عَمَل الغَيْرِ. السابع: قال تعالى في قصة الغلامين اليتمين: {أية : وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً} تفسير : [الكهف: 82]. فانتفعا بصلاح أبيهما وليس هو من سعيهما. الثامن: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه، وبالعِتْق بنصِّ السّنة والإجماع، وهو من عمل غيره. التاسع: أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وَلِيِّه بِنَصِّ السُّنَّة وهو انتفاع بعمل الغير. العاشر: أن الصوم المنذور والحجَّ المنذور يسقط عن الميت بعَمَلِ غيره بنص السنة وهو انتفاع بعمل الغير الذي امتنع عليه الصلاة والسلام من الصلاة عليه حتى قضى دينَهُ أبو قَتَادَةَ، وقضى دَيْنَ الآخر عليُّ بن أبي طالب قد انتفع بصلاة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبردت جلدته بقضاء دينه وهو من عمل الغير. الحادي عشر: أن النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - "حديث : قال لمن صلَّى وحده: ألا رجل يتصدق على هذا الرجل فيصلي معه فقد حصل له فضل الجماعة بفضل الغير ". تفسير : الثاني عشر: أن الإنسان تبرأ ذمته من ديوان الخَلْق إذا قضاها قاض عنه وذلك انتفاع بعمل غيره. الثالث عشر: أن من عليه تبعاتٌ ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه وهذا انتفاع بعمل غيره. الرابع عشر: أن الجار الصالح ينفع في المحيا والممات كما جاء في الأثر، وهذا انتفاع بعمل الغير. الخامس عشر: أن جليسَ أهلِ الذكر يرحم بهم وهو لم يكن منهم، ولم يجلس لذلك بل لحاجةٍ عَرَضَتْ له والأعمال بالنيات فقد انتفع بعمل غيره. السادس عشر: الصَّلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره. السابع عشر: أن الجُمعَة تحصل باجتماع العدد، وكذلك الجماعة بكثرة العدد وهو انتفاع للبعْضِ بالبَعْضِ. الثامن عشر: أن الله قال لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} تفسير : [الأنفال: 33] وقال: {أية : وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ} تفسير : [الفتح: 25] وقال {أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} تفسير : [الحج: 40] فقد دفع الله العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وذلك انتفاع بعمل الغير. التاسع عشر: أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن الرجل ينفع بذلك من يخرج عنه ولا سعي له. العشرون: أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ويثاب على ذلك ولا سعي له، ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى فكيف يجوز أن يتناول الآية على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة؟!. والمراد بالإنسان العُمُوم. وقال الربيع بن أنس: ليس للإنسان - يعني الكافر - وأما المؤمن فله ما سعى وما سُعي له. وقيل: ليس للكافر من الخير إلا ما عمله يثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير. ويروى: أن عبد الله بن أبي (ابن سلول) كان أعطى العَبَّاس قميصاً ألبسه إياه فلما مات أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قميصه ليكفن فيه فلم يبق له حسنةٌ في الآخرة يُثَابُ عَلَيْهَا. وقوله: {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ} أي يرى في ميزانه يوم القيامة من أَرَيْتُهُ الشيءَ أي يعرض عليه ويكشف له. فإن قيل: العمل كيف يرى بعد وُجوده ومُضِيِّه؟!. فالجواب من وجهين: أحدهما: يرى على صورة جميلة إن كان العملُ صالحاً. الثاني: قال ابن الخطيب: وذلك على مذهبنا غير بعيد، فإن كلّ موجود يَرَى الله والله قادر على إعادة كل ما عُدِمَ فبعد الفعل فيرى. ووجه آخر وهو أن ذلك مجاز عن الثواب كقولك: "سترى إحسانك" أي جزاءه. وفيه نظر؛ لقوله بعد ذلك: {ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ}. قوله: "ثُمَّ يُجْزَاهُ" يجوز في الضمير وجهان: أظهرهما: أن الضمير المرفوع يعود على الإنسان والمنصوب يعود على "سَعْيهُ" والجزاء مصدر مبيِّن للنوع. والثاني: قال الزمخشري: ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسره بقوله: "الجَزَاءَ"، أو أبدله منه كقوله: {أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تفسير : [الأنبياء: 3]. قال أبو حيان: وإذا كان تفسيراً للضمير المنصوب في "يُجْزَاهُ" فعلى ماذا يَنْتَصِبُ؟ وأما إذا كان بدلاً فهو من بدل الظاهر من المُضْمَر. وهو مسألة خلاف. والصحيح المنعُ. قال شهاب الدين: العجب كيف يقول: فعلى ماذا ينتصب؟ وانتصابه من وجهين: أظهرهما: أن يكون عطف بيان وعطف البَيَان يصدق عليه أنه مفسِّر. وهي عبارة شائعة. الثاني: أن ينتصب بإضمار "أعْني" وهي عبارة شائعة أيضاً يسمون مثل ذلك تفسيراً. وقد منع أبو البقاء أن ينتصب "الجَزَاءَ الأَوْفَى" على المصدر فقال: "الجَزَاءَ الأَوْفَى" هو مفعول "يُجْزَاهُ" وليس بمصدر؛ لأنه وصفه بالأَوْفَى وذلك من صفة المجزيّ به لا من صفة الفِعْلِ. قال شهاب الدين: وهذا لا يبعد عن الغَلَط؛ لأنه يلزم أن يتعدى "يُجْزَى" إلى ثلاثة مفاعيل؛ لأن الأول قام مقام الفاعل والثاني "الهاء" التي هي ضمير السعي، والثالث "الجزاء الأوفى". وأيضاً فكيف ينتظم المعنى؟ وقد يجاب عنه بأنّه أراد أنه بدل من الهاء، كما تقدَّم عن الزمخشَريِّ. ويصح أن يقال: هو مفعول "يُجْزَاه" فلا يتعدى لثلاثة حينئذ إلا أنه بعيدٌ عن غرضِهِ. ومثل هذا إلْغَازٌ. وأما قوله: "وَالأَوْفَى ليس من صفات الفعل" ممنوعٌ، بل هو من صفاته مجازاً، كما يوصف المجزيّ به مجازاً فإن الحقيقة في كليها منتفيةٌ وإنما المتصف به حقيقة المجازى. وقال ابن الخطيب: والجزاء يتعدى إلى مفعولين، قال تعالى: {أية : وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً} تفسير : [الإنسان: 12] ويقال جزاك الله خيراً، ويتعدى إلى ثلاثة مفاعيل بحرف الجر، فيقال: جَزَاهُ الخَيْرَ عَلَى عَمَله الجَنَّة، وقد يحذف الجار ويوصل الفعل، فيقال: جَزَاهُ الخَيْرَ عَمَلَه الجَنَّة. فصل والمُرَادُ بالجَزَاء الأوفى: الأكمل والأتمَّ أي يُجْزَى الإِنسانُ سَعْيَهُ؛ يقال: جَزَيْتُ فلاناً سَعْيَهُ وبِسَعْيِهِ قال الشاعر: شعر : 4567- إنْ أَجْزِ عَلْقَمَةَ بْنَ سَعْدٍ سَعْيَهُ لَمْ أَجْزِهِ بِبَلاَءِ يَوْمٍ وَاحِدِ تفسير : فجمع بين اللغتين. قال ابن الخطيب: والجزاء الأوفى يليق بالمؤمنين الصالحين؛ لأن جزاء الصالح وافرٌ، قال تعالى: {أية : فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً} تفسير : [الإسراء: 63] وذلك أن جهنم ضررها أكثر من نفع الآثام، فهي في نفسها أوفى. فإن قيل: "ثُمَّ" لتراخي الجزاء أو لتراخي الكلام أي ثم نقول يُجْزَاهُ؟ فإن تكان لتراخي الجزاء فكيف يُؤَخَّر الجزاء عن الصالح وقد قلت: إن الظاهر أن المراد منه الصالحون؟!. نقول: الوجهان محتملان وجواب السؤال أن الوصف بالأوفى يدفع ما ذكرت؛ لأن الله تعالى من أوّل زمان يتوبُ الصالح يجزيه خيراً ويؤخِّر له الجزاء الأوفى وهي الجنَّة. أو نقول: الأوفى إشارة إلى الزيادة فصار كقوله تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [يونس: 26] وهي الجنة {أية : وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس: 26] وهي الرؤية، فكأنه تعالى قال: وأنَّ سعيه سوف يرى ثم يرزقُ الرؤيةَ. وهذا الوجه يليق بتفسير اللفظ، فإن الأوفى مطلقٌ غير مبيّن، فلم يقل: أوفى من كذا فينبغي أن يكون أوفى من كل وافٍ ولا يتصف به غير رؤية الله تعالى. فصل قال في حق المسيء: لاَ تزِرُ وَازِرَةٌ (وِزْرَ أُخْرَى) وهو لا يدل إلا على عدم الحمل عن الوَازرة، ولا يلزم من ذلك بقاء الوِزر عليها من ضَرُورة اللفظ؛ لجواز أن يسقط عنها، ويمحو الله ذلك الوِزر، فلا يبقى عليها ولا يحمل عنها غيرُها، ولو قال: لا تَزِرُ (وَازِرَةٌ) إلا وزر نفسها لكان من ضرورة الاستثناء أنها تزر. وقال في حق المحسن: {لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} ولم يقل: ليس له ما لم يَسْعَ؛ لأن العبارة الثانية ليس فيها أن له ما سعى وفي العبارة الأولى أن له ما سعى نظراً إلى الاستثناء فقال في حق المسيء بعبارة لا تقطع رجاءَه، وفي حق المحسن بعبارة تقطع خوفه، وكل ذلك إشارةٌ إلى سَبْق الرحمةِ الغَضَبَ. قوله [تَعَالَى:] {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} العامة على فتح همزة "أَنَّ" وما عطف عليها بمعنى أن الجميع في صحف مُوسَى وإِبْرَاهِيمَ. وقرأ أبو السَّمَّال بالكسر في الجميع على الابتداء ومعنى الآية: إن منتهى الخَلْق ومصيرَهم إليه فيجازيهم بأعمالهم. وقيل: منه ابتداء المنَّة وإليه انتهاء الآمَال. وروى أو هريرةَ مرفوعاً: تَفَكَّرُوا فِي الخَلْق وَلاَ تَفَكَّرُوا في الخَالِقِ، فَإن اللَّه لاَ يُحِيطُ بِهِ الفِكْرُ. قال القرطبيُّ: ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ ولْيَنْتَهِ"تفسير : . ولهذا أحسن من قال (رحمة الله عليه ورضاه) (شعْراً): شعر : 4568- وَلاَ تُفَكِّرَنْ فِي ذَا العُلاَ عَزَّ وَجْهُهُ فَإِنَّكَ تُرْدَى إنْ فَعَلْتَ وتُخْذَلُ وَدُونَكَ مَصْنُوعاتِهِ فَاعْتَبِرْ بِها وَقُلْ مِثْلَ مَا قَالَ الخَلِيلُ المُبَجَّلُ تفسير : وقيل: المراد من هذه الآية التوحيد. وفي المخاطب وجهان: أحدهما: أنه عام تقديره إلى ربك أيها السامع أو العاقل. والثاني: أنه خطاب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلى الأولى يكون تهديداً وعلى الثاني يكون تسليةً لقلب النبي - صلى الله عليه وسلم -. فعلى الأولى أيضاً تكون اللام في "المُنْتَهَى" للعهد الموعود في القرآنِ. وعلى الثاني تكون للعموم أي إلى ربك كُلُّ مُنْتَهى. فإن قيل: فعلى هذا الوجه يكون مُنْتَهًى، وعلى الأول يكون "مُبْتدًى". فالجواب: منتهى الإدراكاتِ والمُدْرَكَاتِ فإن الإنسان أولاً يُدْرِك الأشياء الظاهرة ثم يُمْعِنُ النظر فينتهي إلى الله فيقف عنده. قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} (أضحك وأبكى) ما بعده هذا يسميه البيانيون الطِّباق والتضاد وهو نوع من البديع، وهو أن يذكر ضِدّان أو نقيضان أو متنافيان بوجه من الوجوه. و "أَضْحَك وَأَبْكَى" لا مفعول لهما في هذا الموضع؛ لأنها مسوقة لقدرة الله تعالى لا لبيان المقدور، فلا حاجة إلى المفعول كقول القائل: فُلاَنٌ بِيَدِهِ الأخذُ والعَطَاءُ يُعْطِي ويمنع ولا يريد ممنوعاً ومُعْطًى. فصل اختار هذين الوصفين المذكورين لأنهما أمران لا يُعَلَّلان، فلا يقدر أحد من الطَّبِيعِيّينَ أن يُبْدِيَ في اختصاص الإنسان بالضَّحكِ والبكاء وجهاً وسبباً وإذا لم يعلل بأمر، فلا بد له من موجد فهو الله بخلاف الصِّحة والسَّقَم، فإِنهم يقولون: سببهما اعتلالُ المِزاج وخروجُه عن الاعْتِدَال. ومما يدل على ما ذكرنا أنهم عللوا الضحك قالوا: لقوة التعجب وهو باطل، لأن الإنسان ربما يبهت عند رؤية الأمور العَجِيبة ولا يضحك. وقيل: لقوة الفرح؛ وليس كذلك؛ لأن الإنسان قد يبكي لقوة الفرح كما قال بعضهم (شعراً) شعر : 4569- هَجَمَ السُّرُورُ عَليَّ حَتَّى إنَّنِي مِنْ عِظَمِ ما قَدْ سَرَّنِي أَبْكَانِي تفسير : وأيضاً فالذي يحزن غايةَ الحزن قد يضحك وقد يخرج الدمع من العين عند أمور مخصوصة لا يقدرون على تعليلها بتعليل صحيحٍ. وأيضاً عند الخواص كالتي في المَغْنَاطيس وغيره ينقطع الطبيعيّ كما ينقطع هو والمهندس الذي لا يُفَوِّضُ أمره إلى قدرة الله وإرادته عند أوضاع الكواكب. فصل إِذا قيل: بأن المراد بقوله تعالى: {إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} إثبات الوَحْدانية فهذه الآيات مبيِّنَات لمسائل يتوقف عليها الإسلام من جملتها قدرة الله تعالى، فإن من الفلاسفة من يقول: بأنَّ الله المنتهى وأنه واحد لكن يقول: بأنه موجب لا قادر فقال تعالى: هو أَوْجَدَ ضِدَّين الضَّحِكَ والبُكَاءَ في مَحلٍّ واحد على التعاقب والتراخي، والموت والحياة، والذُّكُورَة والأنوثة في مادة واحدة، وذلك لا يكون إلا من قادرٍ يعترف به كُلُّ عاقل. وإن قيل: بأن المراد بالمنتهى بيانُ المعاد فهو إشارة إلى أن الإنسان كما كان في الدنيا في بعض الأمور ضاحكاً وفي بعضها باكياً محزوناً كذلك في الآخرة. فصل هذه الآية تدل على أن كل مَا يَعْمَلُهُ الإنسان فبقضاء الله وخَلْقِهِ حتى الضَّحك والبكاء قال مجاهد والكلبي: أضحك أهل الجنة في الجنة وأبكى أهل النار في النار، وقال الضحاك: أضحك الأرضَ بالنبات، وأبكى السماءَ بالمَطَر، وقال عَطَاءُ بن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن؛ لأن الفرح يجلب الضَّحك والحزن يجلب البكاء. فصل "حديث : روى مسلمٌ عن عائشةَ - (رضي الله عنها) - قالت: والله ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الميت ليعذب ببكاءِ أهله، ولكنه قال: إن الكافر يزيده اللَّهُ ببكاءِ أهلهِ عذاباً، وإن الله لهو أضحك وبكى، وَمَا تزر وازرة وزر أخرى ". تفسير : وعنها قالت: "حديث : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على قومٍ من أصحابه وهم يضحكون فقال: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً ولَبَكَيْتُمْ كَثِيراً، فنزل جبريل - عليه الصلاة والسلام - فقال يا محمد: إن الله يقول لك: إنه هو أضحك وأبكى فَرَجَعَ إليهم فقال: ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال: إيت هؤلاء فقل لهم إن الله يقول: هُوَ أضحك وأبكى" تفسير : أي قضى أسباب الضَّحِك والبكاء. وقال بَسَّامُ بن عبد الله: أضحك أسنانهم وأبكى قلوبهم، وأنشد [رحمه الله]: شعر : 4570- السِّنُّ تَضْحَكُ وَالأَحْشَاءُ تَحْتَرق وَإِنَّمَا ضِحْكُها زُورٌ ومُخْتَلَقُ يَا رُبَّ بَاكٍ بِعَيْنٍ لاَ دُمُوعَ لَهَا وَرُبَّ ضَاحِكِ سِنٍّ مَا بِهِ رَمَقُ تفسير : قيل: إن الله تعالى خص الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر الحيوانات. وقيل: إن القِرْدَ وَحْدَهُ يضحك ولا يبكي، وإن الإبل وحدها تبكي ولا تضحك. وقال يوسف بن الحسين: سئل طاهر المَقْدِسيُّ: أَتَضْحَكُ المَلاَئِكَةُ؟ فقال: ما ضَحِكُوا ولا كُلّ مَنْ دُون العَرْشِ. قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} أي أمات في الدُّنْيَا، وأحيا للبعث. وقال القرطبي: قضى أسباب الموت والحياة. وقيل: خَلَقَ الموت والحياة. قاله ابن بحر. وقيل: أمات النُّطْفَة وأحيا النَّسمة، وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل: أمات الكافر بالكفر، وأحيا المؤمن بالإيمان. قال ابن الخطيب: فإن قيل: معنى أمات وأحيا حتى يعلم ذلك بل مشاهدة الإحياء والإماتة بناء على الحياة والموت؟. نقول: فيه وجوه: أحدها: أنه على التقديم والتأخير كأنه قال: أَحْيَا وَأَمَاتَ. ثانيها: هو بمعنى المستقبل، فإن الأمرَ قريبُ المُسْتَقْبل، يقال: كَأنّ فلاناً وصل والليلُ دَخَلَ، إذا قرب مكانه وزمانه فكذلك الإحياء والإماتة. ثالثها: أنه خلق الموت والجمود في العَنَاصر ثم ركَّبها و "أَحْيَا" أي خلق الحِسَّ والحركة فيها. قوله: {وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} أي من كل حيوان. ولم يرد آدمَ وحوّاء؛ لأنهما ما خُلقا من نطفة. وهذا أيضاً من جملة المتضادات الواردة على النطفة، فبعضها يخلق ذكراً وبعضها يخلق أنثى، ولا يصل إليه فهم الطَّبِيعِيّ، والذي يقولونه من البرد والرطوبة في الأنثى فرُبَّ امرأةٍ أحر وأَيْبَسُ مزاجاً من الرّجُل. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ} ولم يقل: "وأَنَّهُ هُوَ خَلَقَ" كما قال: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ}؟ فالجواب: أن الضحك والبكاء ربما يتوهم أنه بفعل الإنسان، والإماتة والإحياء وإن كان ذلك التوهم أبعد لكن ربما يقول به جَاهلٌ كما قال من حَاجَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام {أية : قَالَ أَنَاْ أُحْيِـي وَأُمِيتُ} تفسير : [البقرة: 258] فأكد ذلك بالفصل. وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة فلا يتوهم أحدٌ أنه بفعل واحدٍ من الناس، فلم يؤكد بالفصل، ألا ترى إلى قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ} حيث كان الإغناء عندهم غيرَ مسند إلى الله، وكان في معتقدهم أن ذلك بفعلهم كما قال قارون: {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} تفسير : [القصص: 78] وكذلك قال: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ} فأكد في مواضع استبعادهم إلى الإسناد ولم يؤكد في غيره. واختلفوا في الذكر والأنثى هل هما اسمان وهما صفةٌ؟ أو اسمان ليسا بصفة؟ فالمشهور عند أهل اللغة أنهما اسمان ليسا بصفةٍ. قال ابن الخطيب: والظاهر أنهما من الأسماء التي هي صفات فالذكر كالحَسَنِ، والأنثى كالحُبْلَى والكُبْرَى. قوله: {مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ} أي تُصَبُّ في الرَّحِمِ؛ يُقَالُ: مَنَى الرَّجُلُ وأمْنَى. قاله الضحاك وعطاء بن أبي رباح. وقيل: تقدر، يقال: مَنَيْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتهُ. وهذا أيضاً تنبيه على كمال القدرة، لأن النطفة جسم متناسب الأجزاء يخلق اللَّهُ منها أعضاء مختلفةً، وطباعاً متباينةً، وخلق الذكر والأنثى منها أعجب ما يكون، ولهذا لم يَقْدِرِ أحد على أن يَدَّعِيَهُ كما لم يَقْدِر على أن يَدَّعِيَ خلق السموات، ولهذا قال تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان: 25]. قوله: {وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ} أي الخلق الثاني للبعث يوم القيامة. قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد من قوله: {وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ} هو نفخ الروح الإنسانية فيه كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} تفسير : [المؤمنون: 13 و 14] أي غير خلق النطفة علقة، والعلقة مضغة، والمضغة عظاماً. وبهذا الخلق الآخر وهو نفخ الروح تميز الإنسان عن أنواع الحيوانات فكما قال هناك: {أنشأناه خلقاً آخر} بعد خلق النطفة قال ههنا: {وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ} فجعل خلق الروح نشأةً أخرى كما جَعَلَه هناك إِنشاءً آخَرَ. فإن قيل: الإعادة لا تجب على الله، فما معنى قوله تعالى: "وأنَّ عَلَيْهِ"؟ فالجواب على مذهب المعتزلة يجب عليه عقلاً، فإن الجزاء واجب، وذلك لا يتم إلا بالحشر فتجب الإعادة عليه عقلاً، وأما على مذهب أهب السنة ففيه وجهان: الأول: "عَلَيْهِ" بحكم الوعد، فإنه قال: {أية : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [يس: 12] "فَعَلَيْهِ" بحكم الوعد لا بالعقل ولا بالشَّرْع. الثاني: "عليه" بحكم التعيين، فإن من حَضَرَ بين جمع وحاولوا أمراً وعجزوا عنه، يقال له: وَجَبَ عَلَيْكَ إِذَنْ أنْ تَفْعَلَه أي تَعَيَّنْتَ لَهُ. فصل قرىء النَّشْأَةَ على أنه مصدر كالضَّرْبَةِ على وزن فَعْلَةٍ وهي المَرَّة يقال: ضَرْبَةٌ وضَرْبَتَانِ يعني النشأة مرة أخرى عليه. وقرىء النَّشاءة - بالمد - على أنه مصدر على وزن فَعَالَةٍ، كالكَفَالَةِ. وكيفما قُرِىءَ فهي من "نَشَأَ"، وهو لازمٌ. قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ} قال أبو صالح: "أغنى" الناسَ بالأَمْوَالِ "وأقنى" أعطى القُنيَةَ وأصول الأموال وما يَدَّخِرُونَه بعد الكِفاية. وقال الضحاك: "أغنى" بالذهب والفضة، وصنوف الأموال، "وأقنى" بالإبل والبَقَر والغنم، وقال الحسن وقتادة: أخْدَمَ. وقال ابن عباس - (رضي الله عنهما) أغْنَى وأَقْنَى أَعْطَى فَأَرْضَى. وقال مجاهد ومقاتل: أرضى بما أعطى وقنع. وقال الراغب: وتحقيقه أنه جعل له قنيةً من الرِّضا. وقال سُلَيْمَان التَّيْميّ: أغنى نفسه وأفقر خلقه إِليه. وقال ابن زيد: "أغنى" أكثر "وأقنى" أقلَّ، وقرأ: {أية : يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} تفسير : [الإسراء: 30]. وقال الأخفش: "أقنى": أفقر. وقال ابن كيسان: أوْلَدَ. قال الزمخشري: "أقنى" أعطى القُنْيَةَ، وهي المال الذي تأثَّلْته وعزمت أن لا يخرج من يدك. وقال الجَوْهَرِيُّ: "قَنِيَ الرجلُ يَقْنَى قِنًى" مثل "غَنِيَ يَغْنَى غِنًى"، ثم يتعدى بتغيير الحركة فيقال: قَنيتُ مالاً أي كَسَبْتُهُ، وهو نظير: شَتِرَتْ عَيْنُه - بالكسر - وشَتَرَها اللَّهُ - بالفتح - فإذا أدخلت عليه الهمزة أو التضعيف اكتسب مفعولاً ثانياً فيقال: أَقْنَاهُ اللَّهُ مالاً، وقناه إياه أي أكْسَبَهُ إيَّاه، قال الشاعر: شعر : 4571- كَمْ مِنْ غَنِيٍّ أَصَابَ الدَّهْرُ ثَرْوَتَهُ وَمِنْ فَقِيرٍ تَقَنَّى بَعْدَ إِقْلاَلِ تفسير : أي تقنى مالاً، فحذف (المفعول الثاني). وحذف مفعولا "أغنى وأقنى"؛ لأن المراد نسبةُ هذيْنِ الفعلين إليه وحْدَهُ، وكذلك في باقيها، وألف "أقنى" عن ياءٍ، لأنه من القِنْية؛ قال: شعر : 4572- ألاَ إنَّ بَعْدَ العُدْمِ لِلْمَرْءِ قِنْيَةً تفسير : ويقال: قَنِيتُ كَذَا وأَقْنَيْتُهُ، قال: شعر : 4573-.............................. قَنِيتُ حَيَائِي عِفَّةً وتَكَرُّمَا تفسير : قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ} والشِّعْرَى في لسان العرب كوكبان يسمى أحدهما الشعرى العبور وهو المراد في الآية الكريمة، فإِنَّ خُزَاعَةَ كانت تعبدها، وسن عبادتها أبو كبشة رجلٌ من سادتهم فعبدها وقال: لأن النجوم تقطع السماء عَرْضاً والشِّعْرى تقطعها طولاً فهي مخالفة لها فعبدتها خُزَاعَةُ وحِميرُ وأبو كبشة أحد أجداد النبي - صلى الله عليه وسلم - من قِبَل أمهاته، وبذلك كان مشركو قريش يُسمونَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: ابن أبي كبشة حين دعا إلى الله، وخالف أدْيَانَهُمْ، فكانت قريشٌ تقولُ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ابْنَ أبي كبشة تشبيهاً بذلك الرجل في أنه أحْدَثَ ديناً غيرَ دِينهِمْ. والشِّعرى العبور تطلع بعد الجوْزَاء في شدة الحر ويقال لها: مرزم الجوزاء وتسمى كلب الجبار، ويسمى الشعرى اليمانية والثاني الشعرى الغُمَيْصَاء، وهي التي في الذّراع والمجرة بينهما وتسمى الشامية، وسبب تسميها بالغميصاء - على ما زعمت العرب في بعض خرافاتها - أنهما كانتا أختين لسُهَيْل فانحدر سُهَيْلٌ إلى اليمن فاتبعته الشّعرى العَبُور فعبرت المجرة فسُمِّيَت العبور، وأقامت الغميصاءُ تبكي لفَقْدِهِ، حتى غمصت عينها، ولذلك كانت أخفى من العبور. وقد كان من لا يعبد الشِّعرى من العرب يعلمها ويعتقد تأثيرها في العالم قال: شعر : 4574- مَضَى أَيْلُولُ وَارْتَفَعَ الحَرُورُ وَأَخْبَتْ نَارَها الشِّعْرَى العَبُورُ تفسير : فصل وهذا الآية إشارة إلى فساده قولِ قوم آخرين؛ لأن بعض الناس يذهب إلى أن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده، فمن كسب استغنَى، ومن كسل افْتَقَرَ، وبعضهم يذهب إلى أن ذلك بسبب الطالع وذلك بالنجوم فقال: هو أغنى وأقنى وإن قال قائل: إن الغنى بالنجوم فيقال: هو رَبّ النجوم ومُحَرِّكُها لقوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ} لإنكارهم ذلك أُكِّد بالفصل. قوله: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ} اعلم أن هذه الآية الكريمة من أشكل الآيات نقلاً وتوجيهاً. قال شهاب الدين (رحمه الله): وَقَد يَسَّرَ الله تعالى تحرير ذلك بحَوْله وقوّته فأقول: إن القراء اختلفوا في ذلك على أربع رتب: إِحْدَاها: قرأ ابن كثير وابنُ عامر والكوفيون "عَادٍ الأُولَى" بالتنوين مكسوراً وسكون اللام وتحقيق الهمزة بعدها. هذا كله في الوصل، فإِذا وقفوا على "عَادٍ" ابتدأوا بـ "الأولى" فقياسهم أن يقولوا الأولى بهمزة الوصل وسكون اللام وتحقيق الهمزة. الثانية: قرأ قالون: عَاداً لُّؤْلَى بإدغام التنوين في اللام ونقل حركة الهمزة إلى لام التعريف وهمز الواو هذا في الوصل، وأما في الابتداء بـ "الأولى" فله ثلاثة أوجه: الأول: الُؤْلَى - بهزة وصل ثم بلام مضمومة ثم بهمزة ساكنة. الثاني: لُؤْلَى - بلام مضمومة، ثم بهمزة ساكنة. الثالث: كابتداء ابن كثير ومن معه. الثالثة: قرأ ورشٌ عاداً لُّولى بإدغام التنوين في اللام ونقل حركة الهمزة إليها كقالون، إلا أنه أبقى الواو على حالها غير مبدلةٍ همزةً. هذا (كله) في الوصل وأما في الابتداء فله وجهان الُؤْلَى بالهمزة والنقل، ولُولَى بالنقل دون همزة وصل. والواو ساكنة على حالها في هذين الوجهين. الرابعة: قرأ أبو عمرو كورشٍ وصلاً وابتداءً سواءً بسواءٍ إلاّ أنه يزيد عليه في الابتداء بوجه ثالث وهو وجه ابن كثير وَمَنْ مَعَهُ. فقد تحصل أن لكل من قالون وأبي عمرو في الابتداء ثلاثةَ أوجهٍ وأن لورشٍ وَجْهَيْنِ؛ فتأمل ذلك، فإنَّ تحريره ضعيفُ المأخذ من كتب القراءات. وأما توجيهها فيتوقف على معرفة ثلاثة أصول: الأول: حكم التنوين إذا وقع بعده ساكن. الثاني: حكم حركة النقل. الثالث: أصل "أولى" ما هو. أما الأول فحكم التنوين الملاقي أن يكسر لالتقاء الساكنين نحو: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٍ اللَّهُ} [الإخلاص: 1 - 2] أو يحذف تشبيهاً بحرف العلة كقراءة: {أَحدُ اللَّهُ الصَّمَدُ} وكَقَوْلِهِ: شعر : 4574- وَلاَ ذَاكِرَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلاَ تفسير : وهو قليل جداً. وقد مضى تحقيقه. وأما الثاني: فإن للعرب في الحركة المنقولة مذهبين الاعتداد بالحركة، وعدم الاعتداد بها وهي اللغة الغالبة. وأما الثالث: فأُولَى تأنيث "أَوَّل". وقد تقدم الخلاف في أصله في: "أَوَّل" فليُلْتَفَتْ إليه. إذا تقررت هذه الأصول الثلاثة فأقول: أما قراءة ابن كثير ومن معه فإنهم صرفوا "عاداً" إمّا لأنه اسم للحيّ أو الأب فليس فيه ما يمنعه، وإمَّا لأنه وإن كان مؤنثاً اسماً للقبيلة أو الأم إلا أنه مثل هنْد ودَعْد، فيجوز فيه الصرف وعدمه فيكون كقوله: شعر : 4576- لَمْ تَتَلَفَّعْ بِفَضْلِ مِئْزرِهَا دَعْدٌ ولم تُسْقَ دَعْدُ فِي العُلَبِ تفسير : فصرفها أولاً ومنعها ثانياً. ولم ينقلوا حركة الهمزة إلى لام التعريف فالتقى ساكنان فكسروا التنوينَ لالتقائهما على ما هو المعروف من اللّغتين. وحذفوا همزة الوصل من الأولى للاستغناء عنها بحركة التنوين وصلاً، فإذا ابتدأوا بها احتاجوا إلى همزة الوصل فأتوا بها، فقالوا "الاولى" كنظيرها من همزات الوصل، وهذه قراءة واضحة لا إشكال فيها ومن ثم اختارها الجَمُّ الْغَفيرُ. وأما قراءة من أدغم التنوين في لام التعريف - وهما نافع وأبو عمرو - مع اختلافهما في أشياء كما تقدم فوجهه الاعتدادُ بحركة النقل، وذلك أن من العرب من إذا نقل حركة الهمزة إلى ساكن قبلها كَلاَم التعريف عَامَلَها مُعَامَلَتَها ساكنةً، ولا يعتدُّ بحركة النقل فيكسر الساكن الواقع قبلها، ولا يُدْغِم فيها التنوين ويأتي قبلها بهمزة الوصل فيقول: لَمْ يَذْهَب الْحَمَرُ، ورأيت زياداً الْعَجَمَ من غير إدغام التنوين، والحمر والعجم بهمزة الوصل؛ لأن اللام في حكم السكون، وهذه هي اللغة المشهورة. ومنهم من يعتدّ بها فلا يكسر الساكن الأول ولا يأتي بهمزة الوصل ويُدْغم التنوين في لام التعريف فيقول: لم يذهبْ لحمرُ - بسكون الباء - "ولحمر ولعجم" من غير همز، وزياد لَّعْجعم بتشديد اللام وعلى هذه اللغة جاءت هذه القراءةُ. هذا من حيث الإجمال وأما من حيث التفصيل فأقول: أما قالونُ فإنه نقل حركة الهمزة إلى لام التعريف وإن لم يكن من أصله النقل لأجل قصده التخفيف بالإدْغَام ولما نقل الحركة اعتدَّ بها؛ إذ لا يمكن الإدغام في ساكن ولا ما هو في حكمه. وأما همزة الواو ففيها وجهان منقولان: أحدهما: أن يكون "أولى" أصلها عنده وُؤْلَى من وَأَلَ أي نَجَا كما هو قول الكوفيين، ثم أبدل الواو الأولى همزة، لأنها واو مضمومة وقد تقدم أنها لغة مُطَّرِدَة. فاجتمع همزتان ثانيهما ساكنة فوجب قلبها واواً نحو: أومِنُ، فلما حذفت الهمزة الأولى بسبب نقل حركتها رجعت الثانية إلى أصلها من الهمز؛ لأنها إنما قلبت واواً من أجل الأولى وقد زالت. وهذا تكلف لا دليل عليه. والثاني: أنه لما نقل الحركة إلى اللام صارت الضّمة قبل الواو كأنها عليهما؛ لأن حركة الحرف بين يديه فأبدل الواو همزة كقوله: شعر : 4577- أَحَبُّ المُؤقِدَيْنِ إلَيَّ مُؤْسَى تفسير : وكقراءة "يُؤقِنُونَ" وهمزة {السُّؤْقِ} [ص: 33] و{سُؤْقِهِ} [الفتح: 29] كما تقدم تحريره. وهذا بناء منه على الاعتداد بالحركة أيضاً. وليس في هذا الوجه دليلٌ على أصل "أولى" عنده ما هو فيحتمل الخلاف المذكور جميعه. وأما ابتداؤه الكلمة من غير نَقْل، فإنه الأصل، ولأنه إنما ثقل في الوصل لقصده التخفيف بالإدغام ولا إدغام في الابتداء فلا حاجة إلى النقل، ولأنه إنما ثقل في الوصل وأما الابتداء بالنقل فلأنه محمول على الوصل ليجري اللفظ فيهما على سَنَنٍ واحد. وعلة إثبات ألف الوصل مع النقل في أحدِ وَجْهَيْنِ: ترك الاعتداد بحركة اللام على ما هي عليه القراءة في نظائره مما وجد فيه النقل؛ إذ الغرض إنما هو جَرْي اللفظ في الابتداء والوصل على سَنَنٍ واحد وذلك يحصل بمجرد النقل وإن اختلفا في تقدير الاعتداد بالحركة وتركه. وعلة ترك الإتيان بألف في الوجه الثاني حمل الابتداء على الوصل في النقل والاعتداد بالحركة جميعاً ويقوِّي هذا الوجه رسمُ (الأولى) في هذا الموضع بغير ألف. والكلام في همز الواو مع النقل في الابتداء كالكلام عليه في الوصل كما تقدم. وأما ورش فإن أصله أن ينقل حركة الهمزة على اللام في الوصل فنقل على أصله إلا أنه اعتد بالحركة ليصح ما قصده من التخفيف بالإدغام وليس من أصله الاعتداد بالحركة في نحو ذلك، ألا ترى أنه يحذف الألف في (سِيرَتِهَا الأولَى) [و] {وَيَتَجنُبهَا الأَشْقَى} [الأعلى:11] ولو اعتد بالحركة لم يحْذِفْهَا. وأما ما جاز عنه في بعض الروايات: {قالوا لاَنَ جِئْتَ} [البقرة: 71]؛ فإنه وجه نادرٌ ومُعَلَّل باتِّباع الأثر والجمع بين اللغتين والابتداء له بالنقل على أصله في ذلك أيضاً والابتداء له بألف الوصل على ترك الاعتداد بالحركة إذْ لا حاجةَ إلى قصد ذلك في الابتداء وترك الإتيان له بالألف على الاعتداد له بالحركة حملاً للابتداء على الوصل وموافقة الرسم أيضاً ولا يبتدأ له بالأصل؛ إذ ليس من أصله ذلك، و "الأولى" في قراءته تحتمل الخلاف المذكور في أصلها. وأما قراءة أبي عمرو فالعلة له في قوله في الوصل والابتداء كالعلة المتقدمة لقالونَ، إلا أنه يخالفه في همز الواو؛ لأنه لم يعطِها حكم ما جاورها، فليست عنده من "وَأَلَ" بل من غير هذا الوجه كما تقدم الخلاف في أول هذا الكتاب، ويجوز أن يكون أصلها عنده من "وَأَلَ" أيضاً، إلا أنه أبدل في حال النقل مبالغةً في التخفيف أو موافقة لحال ترك النقل. وقد عاب هذه القراءة - أعني قراءةَ الإدْغَام - أبو عثمانَ وأبو العباس ذهاباً منهما إلى أن اللغة الفصيحة عدم الاعتداد بالعارض، ولكن لا التفات إلى ردِّها لثُبُوت ذلك لغةً وقراءةً وإن كان غيرها أفصح منها وقد ثبت عن العرب أنهم يقولون الَحْمَرَ ولَحْمَر بهمزة الوصل وعدمها مع النقل والله أعلم. وقرأ أبيّ - وهِيَ في حَرْفِهِ - "عَادَ الأُولى" غير مصروف ذهاباً به إلى القبيلة أو الأم كما تقدم؛ ففيه العلمية والتأنيث، ويدل على التأنيث قوله "الأُولى" فوصفها بوصف المؤنث. فصل عاد الأولى هم قوم هود أهلكوا بريح صَرْصَر، وكان لهم عقب فكانوا عاداً الأخرى. قال القرطبي: سماها الأولى، لأنهم كانوا قبل ثمود. وقيل: إنّ ثمود من قبل عاد. وقال ابن زيد: قيل لها عاد الأولى لأنها أول أمة أهلكت بعد نوح - عليه الصلاة والسلام -. وقال ابن إسحاق: هما عَادانِ، فالأولى أهلكت بالريح الصرصر، ثم كانت الآخرة وأهلكت بصيحة. وقيل: عاد الأولى هي عاد بن إرَم بن عوص بن سام بن نوح وعاد الثانية من ولد عاد الأولى، والمعنى متقارب. وقيل: إن عاداً الآخرة هم الجبَّارون. وهم قوم هود. قوله: {وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَىٰ} قد تقدم الخلاف في "ثَمُود" بالنسبة إلى الصرف وعدمه في سورة "هود". وفي انتصابه هنا وجهان: أحدهما: أنه معطوف على "عَاداً". والثاني: أنه منصوب بالفعل المقدر أي "وَأَهْلَكَ". قاله أبو البقاء، وبه بدأ. ولا يجوز أن ينتصب بـ "أَبْقَى" لأن ما بعد "ما" الثانية لا يعمل فيها قَبْلَهَا، والظاهر أنّ متعلق "أبقى" عائد على من تقدم من عادٍ وثمود أي فما أبقى عليهم - أي على عادٍ وثمود - أو يكون التقدير: فما أبقى منهم أحداً، ولا عيناً تَطْرِفُ. ويؤيد هذا قوله: {أية : فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 8]. قوله: "وَقَوْمَ نُوحٍ" كالذي قبله و "مِنْ قَبْلُ" أي من قبل عادٍ وثمودَ. وقوله: "إنَّهُمْ" يحتمل أن يكون الضمير لقوم نوح خاصةً، وأن يكون لجميع من تقدم من الأمم الثلاثة. قوله: "كانوا هم" يجوز في "هم" أن يكون تأكيداً، وأن يكون فصلاً. ويضعف أن يكون بدلاً. والمفضل عليه محذوف تقديره: من عادٍ وثمودَ على قولنا: إن الضمير لقوم نوح خاصةً، وعلى القول بأن الضمير للكل يكون التقدير: من غَيْرِهم من مُشْرِكي العَرَب، وإن قلنا: إن الضمير لقوم نوح خاصة والمعنى أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود إنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وأطْغَى لطول دعوة نوح إياهم وعُتُوِّهِمْ على الله بالمعصية والتكذيب وهم الباقون بالظلم والمتقدمون فيه ومن سن سنة سيئة فعليه وِزْرها ووزرُ من عمل بها والبادىء أظلم وأما أطغى فلأنهم سمعوا المواعظ وطال عليهم الأمد ولم يرتدعوا حتى دعا عليهم نبيهم ولا يدعو نبي على قومه إلا بَعْدَ الإصرار العظيم والظالم واضع الشيء في غير موضعه، والطَّاغِي المجاوز للْحَدِّ. فإن قيل: المراد من الآية تخويف الظالم بالهلاك، فإذا قيل: إنهم كانوا في غايةِ الظلم والطُّغْيَان فأهلكوا (ويقول الظالم: هم كانوا أظلم فأهلكوا) لمبالغتهم في الظلم ونحن ما بالغنا، فلا نهلك، فلو قال: أهلكوا لظلمهم لخاف كل ظالم فما الفائدة في قوله: أظلم؟ فالجواب: أن المقصود بيان (شِدَّتِهِمْ) وقوة أجسامهم، فإنهم لم يقدموا على الظلم والطُّغْيَان الشديد إلا بتماديهم وطول أعمارهم ومع ذلك ما نجا أحدٌ منهم فما حال من هو دونهم في العمر. رُوِيَ أن الرجل منهم كان يأخذ بيد ابنه ينطلق به إلى قوم نوحٍ - عليه الصلاة والسلام - يقول: احذر هذا فإنه كذاب، وإن أبي قد مشى بي إلى هذا، وقال لي ما قلت لك فيموت الكبير على الكفر وينشأ الصغير على وصية أبيه. قوله: "وَالمُؤْتَفِكَةَ" منصوب بـ "أَهْوَى"؛ وقدم لأجل الفواصل. والمراد بالمؤتفكة قرى قوم لوط "أَهْوَى" أسقط، أي أهواها جبريلُ - صلى الله عليه وسلم - بعد ما رفعها إلى السماء. قوله: "فَغَشَّاهَا" أي ألْبَسَهَا الله "ما غشى" يعني الحجارة المصورة المسوَّمة. وقوله "مَا غَشَّى" كقوله "مَا أَوْحَى" في الإبهام وهو المفعول الثاني إن قلنا: إن التضعيف للتعدية، وإن قلنا: إنه للمبالغة والتكثير فتكون "ما" فاعله كقوله: {أية : فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} تفسير : [طه: 78] والمؤتفكة المنقلبة. وقرىء: والْمُؤْتَفِكَاتُ. فإن قيل: إذا كان معنى "المؤتفكة" المنقلبة ومعنى "أهوى" قلبها فيكون المعنى والمنقلبة قلبها وقلب المنقلبة تحصيل حاصل. فالجواب: أن معناه المنقلبة ما انقلبت بنفسها بل الله قَلَبَها فانْقَلَبَتْ. قوله: "فبأي" متعلق بـ "تتمارَى" والباء ظرفية بمعنى "فِي" والآلاء النعم واحدها إلْي وإلى وأَلاً. والمعنى فبأي نعم ربك تشك، وقرأ ابن مُحَيْصِن ويعقوب: "تَمَارَى" بالحذف كقوله: "تَذَكَّرُونَ". فصل قيل: هذا أيضاً مما في الصحف. وقيل: هو ابتداء لكلام، والخطاب عام، والمعنى فبأي آلاء أي نعم ربك أيها الإنسان تتمارى تشك وتجادل. وقال ابن عباس (رضي الله عنهما): تكذب. وقيل: هذا خطاب مع الكافر. قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: خطاب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يقال: كيف يجوز أن يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - تتمارى؟ لأنا نقول: هو من باب: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65] يعني لم يبق فيه إمكان الشك حتى أنّ فارضاً لو فرض النبي - صلى الله عليه وسلم - ممن يشك أو يجادل في بعض الأمور الخفية لما كان يمكنه المراءُ في نعم الله تعالى. والصحيح العموم كقوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} تفسير : [الانفطار: 6] وقوله: {أية : وَكَانَ ٱلإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} تفسير : [الكهف: 54].

البقاعي

تفسير : ولما أمره سبحانه بالإعراض عمن تولى عن التشرف بذكر الملك الأعظم واللجاء إليه، ونهى عن التزكية للجهل بالعواقب، وكان قد ارتد ناس عن الإسلام، كان سبب ارتدادهم إخباره صلى الله عليه وسلم عن بعض ما رأى من الآيات الكبرى ليلة الإسراء، وكان لما نزلت عليه صلى الله عليه وسلم سجدة النجم وسجد فيها صلى الله عليه وسلم سجد معه - كما في البخاري - المسلمون والمشركون والجن والإنس، ولم يكن في ظن أحد من الخلق انقلابهم على أدبارهم بعد حتى ولا في ظن المرتدين، سبب عن ذلك قوله: {أفرأيت} أي أخبروني {الذي تولّى *} أي عن ذكرنا بعد أن كان حريصاً عليه، يظن هو وأهله أنه عريق في أهله بإيمانه وأعماله في أيام إيمانه {وأعطى قليلاً وأكدى *} أي قطع ذلك العطاء على مكده وقلته وأبطله وأفسده فصار كالحافر الذي وصل في حفره إلى كدية، يقال لحافر البئر: أجبل - إذا وصل إلى جبل، وأكدى - إذا وصل إلى كدية أي صفاة عظيمة شديدة لا تعمل فيها المعاول، فصار لا يقدر معها على شيء من علمه، ولا يستطيع النفوذ فيها بشيء من حيله، وقد كان قبل ذلك لما صادف التراب الليل يظن أنه لا يمنعه مانع مما يريد، فهذا دليل خبري شهودي على أنه لا علم لأحد من الخلق بما حباه الله في نفسه فضلاً عن غيره، فلا ينبغي لأحد أن يزكي نفسه ولا غيره، قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة أسلم ثم ارتد لتعيير بعض المشركين له، وقوله له "ارجع وأنا أتحمل عنك العذاب" وهي تصلح لكل من ارتد ظاهراً أو نافق أو انهمك في المعاصي بعد إيمانه معرضاً عن الأعمال الصالحة. ولما كان هذا - وقد وقع في خطر عظيم من إفساد العمل في الماضي وتركه في المستقبل فصار على خطأ عظيم في أحدهما - يتعلق بأصل الدين: الكفر والإيمان، وكان مثل هذا لا يفعله عاقل بنفسه إلا عن بصيرة، قال تعالى موبخاً له مقرعاً: {أعنده} أي خاصة {علم الغيب} أي كله بحيث لا يشاركه في مشارك يمكن أن يخفى عليه شيء منه {فهو} أي فيتسبب عن ذلك أنه {يرى *} أي الرؤية الكاملة فيعلم جميع ما ينفعه فيرتكبه وجميع ما يضره فيجتنبه ويعلم أن هذا القليل الذي أعطاه قد قبل وأمن به من العطب فاكتفى به. ولما كان الغبي قد يظن أن عمل غيره ينفعه، عبر عنه جامعاً للوعظ والتهويل بقوله: {أم لم ينبأ} أي يخبر إخباراً عظيماً متتابعاً {بما في صحف موسى *} أي التوراة المنسوبة إليه بإنزالها عليه وكذا ما يتبعها من أسفار الأنبياء الذين جاؤوا بعده بتقريرها. ولما قدم كتاب موسى عليه السلام لكونه أعظم كتاب بعد القرآن مع أنه موجود بين الناس يمكن مراجعته، قال: {وإبراهيم} ومدحه بقوله دالاً بتشديد الفعل على غاية الوفاء: {الذي وفى} أي أتم ما أمر به وما امتحن به وما قلق شيئاً من قلق، وكان أول من هاجر قومه وصبر على حر ذبح الولد وكذا على حر النار ولم يستعن بمخلوق، وخص هذين النبيين لأن المدعين من بني إسرائيل اليهود والنصارى يدعون متابعة عيسى عليه السلام، ومن العرب يدعون متابعة إبراهيم عليه السلام، ومن عداهم لا متمسك لهم ولا سلف في نبوة محققة ولا شريعة محفوظة، ثم فسر الذي في الصحف أو استأنف بقوله: {ألا تزر} أي تأثم وتحمل {وازرة} أي نفس بلغت مبلغاً تكون فيه حاملة {وزر أخرى *} أي حملها الثقيل من الإثم، يعني فمن يحمل عنه أثم أحد الشقين الذي لزمه فلا بد أن يكون آثماً وهما قبل التولي وما بعده.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في معزاة فجاء رجل فلم يجد ما يخرج عليه فلقي صديقاً له فقال‏:‏ أعطني شيئاً، قال‏:‏ أعطيك بكري هذا على أن تتحمل بذنوبي، فقال له‏:‏ نعم، فأنزل الله ‏ {‏أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلاً وأكدى‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن دراج أبي السمح قال‏:‏ حديث : خرجت سرية غازية فسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحمله، فقال‏:‏ لا أجد ما أحملك عليه فانصرف حزيناً فمر برجل رحاله منيخة بين يديه فشكا إليه، فقال له الرجل‏:‏ هل لك أن أحملك فتلحق الجيش‏؟‏ فقال‏:‏ نعم، فنزلت ‏{‏أفرأيت الذي تولى‏} ‏ إلى قوله ‏{‏ثم يجزاه الجزاء الأوفى‏}‏ ‏ . تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال‏:‏ إن رجلاً أسلم فلقيه بعض من يعيره فقال‏:‏ أتركت دين الأشياخ وضللتهم، وزعمت أنهم في النار‏؟‏ قال‏:‏ إني خشيت عذاب الله قال‏:‏ أعطني شيئاً وأنا أحمل كل عذاب كان عليك فأعطاه شيئاً، فقال‏:‏ زدني فتعاسرا حتى أعطاه شيئاً وكتب له كتاباً وأشهد له، ففيه نزلت هذه الآية ‏ {‏أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلاً وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى‏}‏‏ . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏أفرأيت الذي تولى‏} ‏ قال‏:‏ الوليد بن المغيرة، كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فيسمع ما يقولان وذلك ‏{‏ما أعطى‏} ‏ من نفسه أعطى الاستماع ‏{‏وأكدى‏} ‏ قال‏:‏ انقطع عطاؤه نزل في ذلك ‏ {‏أعنده علم الغيب‏} ‏ قال‏:‏ الغيب القرآن أرأى فيه باطلاً أنفذه ببصره إذ كان يختلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وأعطى قليلاً وأكدى‏}‏ قال‏:‏ قطع نزلت في العاص بن وائل‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏وأعطى قليلاً وأكدى‏}‏ قال‏:‏ أطاع قليلاً ثم انقطع‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ‏{‏أعطى قليلاً وأكدى‏} ‏ قال‏:‏ أعطى قليلاً من ماله، ومنع الكثير ثم كدره بمنه قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت قول الشاعر‏: شعر : أعطى قليلاً ثم أكدى بمنه ومن ينشر المعروف في الناس يحمد تفسير : قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وإبراهيم الذي وفى‏}‏‏ .‏ أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والشيرازي في الألقاب والديلمي بسند ضعيف عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : أتدرون ما قوله ‏{‏وإبراهيم الذي وفى‏}‏ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏: وفى عمل يومه بأربع ركعات كان يصليهن من أول النهار وزعم أنها صلاة الضحى ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وإبراهيم الذي وفى‏}‏ قال‏:‏ وفى الله بالبلاغ‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏{‏وإبراهيم الذي وفى‏} ‏ قال‏:‏ وفى ما فرض عليه‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ سهام الإِسلام ثلاثون سهماً لم يمسها أحد قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال الله ‏ {‏وإبراهيم الذي وفى‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير عن قتادة ‏{‏وإبراهيم الذي وفى‏}‏ قال‏:‏ وفى طاعة الله وبلغ رسالة ربه إلى خلقه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد وعكرمة ‏ {‏وإبراهيم الذي وفى‏}‏ قال‏:‏ بلغ هذه الآية ‏{‏أن لا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ‏ {‏وإبراهيم الذي وفى‏}‏ قال‏:‏ بلغ ما أمر به‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏ {‏وإبراهيم الذي وفى‏} ‏ يقول‏:‏ الذي استكمل الطاعة فيما فعل بابنه حين رأى الرؤيا والذي في صحف موسى ‏{‏أن لا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ إلى آخر الآية‏. وأخرج ابن جرير عن القرظي ‏{‏وإبراهيم الذي وفى‏}‏ قال‏:‏ وفى بذبح ابنه‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وإبراهيم الذي وفى‏} ‏ قال‏:‏ وفى سهام الإِسلام كلها ولم يوفها أحد غيره، وهي ثلاثون سهماً منها عشرة في براءة ‏{أية : ‏إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم‏}‏تفسير : ‏[‏التوبة: 111‏]‏ الآيات كلها وعشرة في الأحزاب ‏{‏أية : إن المسلمين والمسلمات}‏ تفسير : ‏[‏الأحزاب: 35‏]‏ الآيات كلها وستة في ‏{أية : ‏قد أفلح المؤمنين‏}‏تفسير : ‏[‏المؤمنون: 1‏]‏ من أولها الآيات كلها وأربع في ‏{أية : ‏سأل سائل‏}‏تفسير : ‏[‏المعارج: 1‏]‏ {أية : ‏والذين يصدقون بيوم الدين‏}‏ ‏تفسير : [‏المعارج: 26‏]‏ ‏{أية : ‏والذين هم من عذاب ربهم مشفقون}‏تفسير : ‏[‏المعارج: 27‏]‏ الآيات كلها فذلك ثلاثون سهماً فمن وافى الله بسهم منها فقد وافاه بسهم من سهام الإِسلام ولم يوافه بسهام الإِسلام كلها إلا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال الله ‏ {‏وإبراهيم الذي وفى‏}‏ ‏.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ}. أعرض عن الحقِّ، وتصدَّق بالقليل. {وَأَكْدَىٰ} أي قطع عطاءَه. {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ}. {فَهُوَ يَرَىٰ}: فهو يعلم صِحَّةً ذلك. يقال: هو المنافق الذي يُعين على الجهاد قليلاً ثم يقطع ذلك: {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ}: فهو يرى حاله في الآخرة؟ {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ}. أم لم يُنَبَأْ هذا الكافرُ بما في صحف موسى، وصحف إبراهيم الذي وفّى؛ أي أتمَّ ما طُولِبَ به في نَفْسِه ومالِه ووَلدِه.

اسماعيل حقي

تفسير : {أفرأيت الذى تولى} اى اعرض عن اتباع الحق والثبات عليه وبالفارسية أياديدى آن كسى را كه از يبرىء حق روى بكردانيد

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أفرأيتَ الذي تولَّى} أعرض عن الإيمان {وأعطَى قليلاً وأكْدى} أي: قطع عطيته وأمسك، وأصله: إكداء الحافر، وهو أن تلقاه كُدْية - وهي صلابة، كالصخرة - فيمسك عن الحفر. قال ابن عباس: "هو فيمن كفر بعد الإيمان"، وقيل: في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتّبع رسولّ الله صلى الله عليه وسلم فعيّره بعضُ الكافرين، وقال: تركتَ دين الأشياخ، وزعمتَ أنهم في النار؟ قال: إني خشيتُ عذاب الله، فضمن له إن أعطاه شيئاً من ماله، ورجع إلى شركه، أن يتحمّل عنه عذاب الله، ففعل ذلك المغرور، وأعطى الذي عاتبه بعضَ ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه. {أعنده علْمُ الغيبِ فهو يَرى} أي: يعلم هذا المغرور أنَّ له حق؟ {أم لم يُنَبَّأُ} يُخْبَر {بما في صُحف موسى} أي: التوراة، {وإِبراهيمَ} أي: وما في صحف إبراهيم {الذي وفَّى} أي: أكمل وأتمّ ما ابتلي به من الكلمات، أو: ما أُمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد اللّهَ عليه. وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفّى به. وعن عطاء بن السائب: عهد ألاَّ يسأل مخلوقاً، فلما قذف في النار قال له جبريل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. وقال الشيخ المرسي: وفَى بمقتضى قوله: {حسبي الله} وعن النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : وَفَّى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار"تفسير : وهي صلاة الضحى. وروي: "ألا أخبركم لم سمّى خليلَه "الذي وفَّى"؛ كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: {فسبحان الله حين تُمسون...} إلى {تُظهرون} وقيل: وفَّى سهام الإسلام، وهي ثلاثون، عشرة في التوبة:{أية : التَّآئِبُونَ}تفسير : [التوبة: 112] الخ، وعشرة في الأحزاب: {أية : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ...}تفسير : [الأحزاب: 35] وعشرة في المؤمنين: {قد أفلح المؤمنون}. وقيل: وفي حيث أسلم بدنه للنيران، وولده للقربان، وطعامه للضيفان. ورُوي: أنه كان يوم يضيف ضيفاً، فإن وافقه أكرمه، وإلاَّ نوى الصوم، وتقديم موسى لأنَّ صحفه وهي التوراة أكثر وأشهر. ثم فسّر ما في تلك الصُحف فقال: {ألاَّ تَزِرُ وَازرةٌ وِزْرَ أخرى} أي: أنه لا تحمل نفس وازرة وزر نفس أخرى، بل كل نفس تستقل بحمل وزرها، يقال: وزر يزر إذا اكتسب وِزراً، و"أن" مخففة، وكأنّ قائلاً قال: ما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقال: ألاَّ تحمل نفس مثقلة بوزرها وِزرَ نفس أخرى. {وأن ليس للإِنسان إِلا ما سَعَى} هو أيضاً مما في صحف موسى وإبراهيم، وهو بيان لعدم انتفاع الإنسان بعمل غيره، إثر بيان عدم انتفاعه من حيث رفع الضرر عنه به، وأما ما صحّ من الأخبار في الصدقة عن الميت والحج عنه، فلأنه لمَّا نواه عنه كان كالوكيل عنه، فهو نائب عنه. قال ابن عطية: الجمهور أنّ قوله: {وأن ليس للإِنسان إِلا ما سعى} مُحْكَمٌ لا نسخ فيه، وهو لفظ عام مخصّص. هـ يعني: أن المراد: الكافر، وهكذا استقرئ من لفظ "الإنسان" في القرآن، وأما المؤمن فجاءت نصوص تقتضي انتفاعه بعمل غيره، إذا وهب له من صدقة ودعاء وشفاعة واستغفار، ونحو ذلك، وإلاَّ لم يكن فائدة لمشروعية ذلك، فيتصور التخصيص في لفظ "الإنسان": وفي السعي، بأن يخص الإنسان بالكافر، أو السعي بالصلاة، ونحو ذلك مما لا يقبل النيابة مثلاً. والحاصل: أن الإيمان سعي يستتبع الانتفاع بسعي الغير، بخلاف من ليس له الإيمان. هـ قاله الفاسي: وكان عز الدين يحتج بهذه الآية في عدم وصول ثواب القراءة للميت، فلما مات رؤي في النوم، فقال: وجدنا الأمر خلاف ذلك. قلت: أما في الأجور فيحصل الانتفاع بسعي الغير، إن نواه له، وأما في رفع الستور، وكشف الحجب، والترقي إلى مقام المقربين، فالآية صريحة فيه، لا تخصيص فيها؛ إذ ليس للإنسان من حلاوة المشاهدة والقُرب إلا بقدر ما سعى من المجاهدة. والله تعالى أعلم. ثم قال: {وأنَّ سَعْيَه سوف يُرى} أي: يعرض عليه، ويكشف له يوم القيامة في صحيفته وميزانه، {ثم يُجزاه} أي: يجزى العبد سعيه، يقال: جزاه اللّهُ عملَه، وجزاه عليه، بحذف الجار وإيصال الفعل، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسّره بقوله: {الجزاءَ الأوفى} أو: أبدله منه، أي: الجزاء الأكمل بحيث يزيده ولا ينقصه. الإشارة: أفرأيتَ الذي تولى عن طريق السلوك، بعد أن أعطى نفسه وفلْسَه، وتوجه إلى حضرة مولاه، ثم منَّته نفسُه، وغرّته أنه يصل بلا عطاء ولا مجاهدة، فقطع ذلك واشتغل بنفسه، أو غرّه أحدٌ حتى ردَّه، وضمن له الوصول، بلا ذلك، أعنده عِلمُ الغيب حتى عَلِمَ أنه يصل بلا واسطة ولا مجاهدة؟ فهو يرى عاقبة ما هو سائر إليه. وتصدُقُ الإشارة بمن صَحِبَ شيخاً، وأعطاء بعض ماله أو نفسه، ثم رجع ومال إلى غيره، فلا يأتي منه شيء، أعنده علم الغيب، وأنّ فتحه على يد ذلك الشخصن فهو يرى ما فيه صلاح وفساده؟ وهذا إن كان شيخه أهلاً للتربية، وإلاَّ فلا. أم لم يُنبأ هذا المنقطِع بما في صُحف موسى وإبراهيم، أنه لا يتحمّل أحدٌ عن أحدٍ مجاهدة النفوس ورياضتها؟ وأن ليس للإنسان من لذة الشهود والعيان إلا ما سعى فيه بالمجاهدة، وبذل النفس والفلس، وأنَّ سعيه سوف يُرى؟ أي: يَظهر أثره من الأخلاق الحسنة، والرزانة والطمأنينة، وبهجة المحبين، وسيما العارفين. وقسَّم القشيري السعي على أربعة أقسام: الأول: السعي في تزكية النفس وتطهيرها، ونتيجته: النهوض للعمل الصالح، الذي يستوجب صاحبه نعيمَ الجنان. الثاني: السعي في تصفية القلب من صَداء ظلمات البشرية، وغطاء عورات الطبيعية، ونتيجته: صحته من الأمراض القلبية، كحب الدنيا والرئاسة والحسد، وغير ذلك، ليتهيأ لدخول الواردات الإلهية. الثالث: السعي في تزكية الروح، بمنعها من طلب الحظوظ الروحانية، كطلب الكرامات، والوقوف مع المقامات، وحلاوة المعاملات، لتتهيأ بذلك للاستشراف على مقام المشاهدات، وحمل أعباء أسرار الذات. الرابع: السعي في تزكية السر بتحليته بالصفات الإلهية، والأخلاق الربانية ليتحقق بمقام الفناء والبقاء، وهو منتهى السعي وكماله. هـ. بالمعنى. وإلى هذا الأنتهاء أشار تعالى بقوله: {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ}.

الجنابذي

تفسير : {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً} قال فى المجمع، نزلت الآيات السّبع من قوله: افرأيت الّذى (الى سبع آياتٍ) فى عثمان بن عفّان كان يتصدّق وينفق ماله فقال اخوه من الرّضاعة عبد الله بن سعد بن ابى سرح: ما هذا الّذى تصنع؟ يوشك ان لا يبقى لك شيءٌ: فقال عثمان انّ لى ذنوباً وانّى اطلب بما اصنع رضا الله وارجو عفوه، فقال له عبد الله: اعطنى ناقتك برحلها وانا اتحمّل عنك ذنوبك كلّها، فأعطاه وأشهد عليه وامسك عن الصّدقة، فنزلت: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ} اى يوم احدٍ حين ترك المركز، وأعطى قليلاً ثمّ قطع نفقته الى قوله: وانّ سعيه سوف يرى فعاد عثمان الى ما كان عليه، وقيل: نزلت فى الوليد بن المغيرة، ونقل نظير ما نقل لعثمان، وقيل: نزلت فى العاص بن وائل السّهمىّ، وقيل: فى رجل قال لاهله: جهّزونى حتّى انطلق الى هذا الرّجل، يريد النّبىّ (ص)، فتجهّز وخرج فلقيه رجلٌ من الكفّار فقال له مثل ما قيل لعثمان، وقيل: نزلت فى ابى جهلٍ وذلك انّه قال والله ما يأمرنا محمّد (ص) الاّ بمكارم الاخلاق فذلك قوله اعطى قليلاً {وَأَكْدَىٰ} اكدى بمعنى بخل، او قلّ خيره، او قلّل عطاءه.

الأعقم

تفسير : {أفرأيت الذي تولى} الآية نزلت في عثمان كان يعطي ماله في الخير، فقال له عبد الله بن سعيد بن سرح وهو أخوه من الرضاعة، يوشك الا يبقى لك شيء، فقال عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا، فقال عبد الله: أعطي ناقتك برجلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك، فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن العطاء فنزلت، روي ذلك في الكشاف والحاكم والثعلبي، ومعنى تولى ترك المركز يوم أحد وعاد عثمان إلى ما كان من الانفاق، وقيل: نزلت في أبي جهل، وقيل: في الوليد بن المغيرة وكان يأتيه (صلى الله عليه وآله وسلم) يستمع قوله ثم يتولى عنه، وقيل: نزلت في العاص بن وائل، وقيل: في النضر بن الحارث {أعطى} المهاجرين خمس قلائص {وأكدى} اقطع، وقيل: أعرض عن الدين، وقيل أنفق المال قليلاً وأكدى أي قطع {أعنده علم الغيب فهو يرى} فهو يعلم أن المؤمنين لا يظفرون بتبعتهم، وقيل: عنده علم المصالح فهو يرى أن البخل خيراً، ثم بيّن تعالى أنه يأخذ كلٌ بذنبه خلاف ما قالوا رداً عليهم على ما تقدم فقال سبحانه: {أم لم ينبأ بما في صحف موسى} يعني أسفار التوراة {وإبراهيم الذي وفّى} قيل: فعل ما أمر الله على التمام من تبليغ رسالته وبيان شرائعه، وقيل: امتحن بذبح ولده وإلقائه في النار وتحمل الأذية من قومه فوفى ما عليه من جميع ذلك، وقيل: في تبليغ الرسالة التي هي قوله: {ألا تزر وازرة وزر أخرى} وكانوا يأخذون القريب بذنب القريب، والجار بذنب الجار، وقيل: الصبر على ذبح ولده، وعلى نار نمرود، وقيامه بأضيافه وخدمته إيَّاهم بنفسه، وأنه كان يخرج كل يوم يمشي فرسخاً يرتاد ضيفاً فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم، وقيل: وفى سهام الإِسلام وهي ثلاثون عشر سهماً في التوبة وعشرة التائبون في الأحزاب {أية : إن المسلمين} تفسير : [الأحزاب: 35] وعشرة في المؤمن {أية : قد أفلح المؤمنون}تفسير : [المؤمنون: 1]، وروي عنه: "فسماه الله خليله.... يقول إذا أصبح أو أمسى: {أية : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون}تفسير : [الروم: 17]، إلى قوله: {أية : وحين تظهرون}تفسير : [الروم: 18]" {وأن ليس للإِنسان إلا ما سعى} أي لا ينتفع إلاَّ بعمله {وأن سعيه سوف يرى} قيل: يراه مكتوباً في ديوانه وقيل:.... {ثم يجزاه الجزاء الأوفى} أي يكافأ على سعيه، وقيل: يعرف أعماله ثم يجزى عليه لأن ثم للتعتيب {وأن إلى ربك المنتهى} أي المرجع الذي ينفذ فيه أمره وحكمه، وقيل: ثوابه وعقابه ينتهي الخلق {وأنه هو أضحك وأبكى} قيل: فعل سبب الضحك وأبكى، وقيل: أضحك أهل الجنة وأبكى أهل النار، وقيل: أضحك الأشجار بالأنوار وأبكى السحاب بالأمطار، وقيل: أضحك المطيع بالرحمة وأبكى العاصي بالسخطة، وقيل: أضحك المؤمن في الآخرة وأبكاه في الدنيا {وأنه هو أمات وأحيا} قيل: هو القادر على أن يحيي ويميت، وقيل: أمات في الدنيا وأحيى في الآخرة، وقيل: أمات قوماً وأحيى قوماً، وقيل: أمات الآباء وأحيى الأولاد {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} {من نطفة إذا تمنى} قيل: تخرج من الرجل وتصب في الرحم {وأن عليه النشأة الأخرى} إن عليه أن يبعث الناس أحياء يوم القيامة للجزاء {وأنه هو أغنى وأقنى} قيل: أغنى بالمال وأقنى بأصول الأموال، وقيل: أغنى بالأموال وأقنى بالخدام، وقيل: أغنى بالمال وأقنى أيضاً مما أعطى، وقيل: أغنى أكثر وأقنى أقل {وإنه هو رب الشعرى} أي خالقه ومالكه وهو نجم مضيء، وقيل: النجم الذي حلف الجوزاء وكانت خزاعة يعبدونه، سنّ لهم ذلك أبو كبشة رجل من أشرافهم، وكانت قريش تقول لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أبو كبشة تشبيهاً له بهم لمخالفته إياهم في دينهم، يريد أنه رب معبودهم هذا {وأنه أهلك عاد الأولى} قوم هود، وعاد الأخرى آدم، وقيل: الأولى القدماء لأنهم أول الأمم هلاكاً بعد قوم نوح، وقيل: عاداً أهلكت بالصيحة والثانية أهلكت بالرياح العظيم {وثمودَ فما أبقى} أي قوم صالح أهلكوا بالصيحة فما أبقى منهم أحد {وقوم نوح} أي أهلكنا قوم نوح {من قبل} هؤلاء {إنهم كانوا هم أظلم وأطغى} أي أشد ظلماً وأشد بغياً، كانوا يؤذونه ويضربونه وما أثر فيهم دعاؤه قريباً من ألف سنة {والمؤتفكة أهوى} والقرى التي ائتفكت بأهلها، أي أهلكت وهم قوم لوط، رفعهم إلى السماء على جناحه جبريل ثم أهواها إلى الأرض أي أسقطها {فغشاها ما غشى} تهويلاً وتعظيماً لما صبّ عليهم من العذاب وأمطر عليها من الصخر المنضود، وقيل: أن قرى قوم لوط أربع: صنوا وذادرما وعامورا وسدوم {فبأي آلاء ربك تتمارى} نِعَم ربك تشك أيها الإنسان، نعم الدين أو نعم الدنيا {هذا نذير من النذر الأولى} قيل: هذا كناية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: عن القرآن، وقيل: هذه الأخبار الذي أخبر بها عن إهلاك الأمم من النذر الأولى من الأنبياء الذين خوفوا أممهم {أزفت الآزفة} وهي القيامة لأن محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم النبيين {ليس لها من دون الله كاشفة} أي لا أحد يظهرها ويعينها غير الله تعالى {أفمن هذا الحديث تعجبون} إنكاراً من حديث البعث والنشور والقيامة، وقيل: من القرآن {وتضحكون} استهزاء، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه لم يرَ ضاحكاً بعد نزولها {وأنتم سامدون} لاهون لاعبون {فاسجدوا لله واعبدوا} ولا تعبدوا إلا له.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى} أي: عن الإيمان، يعني المشرك، والتولي ها هنا الشرك، لأن السورة مكية. {وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى} [تفسير عكرمة: أعطى قليلاً ثم قطعه]. قال بعضهم: إنما قل لأنه كان لغير الله. {أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} أي: يختار لنفسه الجنة إن كانت جنة، على تفسير الحسن. وتفسير الكلبي أن رجلاً من أصحاب النبي عليه السلام كان ذا متاع حسن، فأعطى عطية. فزعم أنه يريد بها وجه الله. ثم أتاه أخ له من الرضاعة فقال له: ما تريد يا فلان بما تصنع من إهلاك مالك؟ قال: أريد به وجه الله وليكفر به خطيئاتي. قال: فأعطني ناقتك هذه وأتحمل عنك ذنوبك من يومك هذا إلى يوم تموت، فأنزل الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى}. قال: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أي: لا يحمل أحد ذنوب أحد. ذكروا عن عطاء بن السايب عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {الذِي وَفَّى} قال: العشر خصال التي من السنة؛ خمس في الرأس، وخمس في الجسد. وقال بعضهم: ركعتان قبل الفجر. وقال بعضهم: وقى يومه بأربع ركعات من أول النهار. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن الله يقول: يا ابن آدم، أتعجز أن تصلي أربع ركعات من أول نهارك أكفك آخره .

اطفيش

تفسير : عن قبول الحق والعمل به، والثبوت عليه.

الالوسي

تفسير : أي عن اتباع الحق والثبات عليه. {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً} أي شيئاً قليلاً، أو إعطاءاً قليلاً {وَأَكْدَىٰ} أي قطع العطاء من قولهم حفر فأكدى إذا بلغ إلى كدية أي صلابة في الأرض فلم يمكنه الحفر، قال مجاهد وابن زيد: نزلت في الوليد بن المغيرة كان قد سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس إليه ووعظه فقرب من الإسلام وطمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إنه عاتبه رجل من المشركين وقال له: أتترك ملة آبائك؟! ارجع إلى دينك واثبت عليه وأنا أتحمل عنك كل شيء تخافه في الآخرة لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال فوافقه الوليد على ذلك ورجع عما هم به من الإسلام وضل ضلالاً بعيداً، وأعطى بعض المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح، وقال الضحاك: هو النضر بن الحرث أعطى خمس قلائص لفقير من المهاجرين حتى ارتد عن دينه وضمن له أن يحمل عنه مأثم رجوعه، وقال السدي: نزلت في العاص بن وائل السهمي كان يوافق النبـي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور، وقال محمد بن كعب: في أبـي جهل قال: والله ما يأمر محمد إلا بمكارم الأخلاق، والأول هو الأشهر الأنسب لما بعده من قوله سبحانه: {أَعِنْدَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ}.

ابن عاشور

تفسير : الفاء لتفريع الاستفهام التعجيبي على قوله: {أية : ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى}تفسير : [النجم: 31] إذ كان حال هذا الذي تولى وأعطى قليلاً وأكدى جهلاً بأن للإِنسان ما سعى، وقد حصل في وقت نزول الآية المتقدمة أو قبلَها حادث أنبأ عن سوء الفهم لمراد الله من عباده مع أنه واضح لمن صرف حق فهمه. ففرع على ذلك كله تعجيب من انحراف أفهامهم. فالذي تولى وأعطى قليلاً هو هنا ليس فريقاً مثل الذي عناه قوله: {أية : فأعرض عن من تولى عن ذكرنا} تفسير : [النجم: 29] بل هو شخص بعينه. واتفق المفسرون والرواة على أن المراد به هنا معين، ولعل ذلك وجه التعبير عنه بلفظ {الذي} دون كلمة (مَن) لأن {الذي} أظهر في الإِطلاق على الواحد المعين دون لفظ (مَن). واختلفوا في تعيين هذا {الذي تولى وأعطى قليلاً}، فروى الطبري والقرطبي عن مجاهد وابنِ زيد أن المراد به الوليد بن المغيرة قالوا: كان يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويستمع إلى قراءته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظه فقارب أن يُسلم فعاتبه رجل من المشركين (لم يسموه) وقال: لم تركتَ دِين الأشياخ وضلّلتهم وزعمتَ أنهم في النار كان ينبغي أن تنصرهم فكيف يُفعل بآبائك فقال: «إني خشيت عذاب الله» فقال: «أعطني شيئاً وأنا أحمل عنك كل عذاب كان عليك» فأعطاه (ولعل ذلك كان عندهم التزاماً يلزم ملتزمه وهم لا يؤمنون بجزاء الآخرة فلعله تفادى من غضب الله في الدنيا ورجع إلى الشرك) ولما سأله الزيادة بخل عنه وتعاسر وأكدى. وروى القرطبي عن السدّي: أنها نزلت في العاصي بن وائل السَّهْمي، وعن محمد بن كعب: نزلت في أبي جهل، وعن الضحاك: نزلت في النضر بن الحارث. ووقع في «أسباب النزول» للواحدي و«الكشاف» أنها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح حين صد عثمان بنَ عفان عن نفقة في الخير كان ينفقها (أي قبل أن يسلم عبد الله بن سعد) رواه الثعلبي عن قوم. قال ابن عطية: وذلك باطل وعثمان منزه عن مثله، أي عن أن يصغي إلى ابن أبي سرح فيما صده. فأشار قوله تعالى: {الذي تولى} إلى أنه تولى عن النظر في الإسلام بعد أن قاربه. وأشار قوله: {وأعطى قليلاً وأكدى} إلى ما أعطاه للذي يحمله عنه العذاب. وليس وصفهُ بــــ {تولى} داخلاً في التعجيب ولكنه سيق مساق الذم، ووُصف عطاؤه بأنه قليل توطئة لذمه بأنه مع قلة ما أعطاه قد شحّ به فقطعه. وأشار قوله: و {أكدى} إلى بخله وقطعِه العطاء يقال: أكدى الذي يحفر، إذا اعترضته كُدية أي حجر لا يستطيع إزالته. وهذه مذمة ثانية بالبخل زيادة على بعد الثبات على الكفر فحصل التعجيب من حال الوليد كله تحقيراً لعقله وأفن رأيه. وقيل المراد بقوله: {وأعطى قليلاً} أنه أعطى من قبله وميله للإسلام قليلاً وأكدى، أي انقطع بعد أن اقترب كما يكدى حافر البئر إذا اعترضته كُدية. والاستفهام في {أعنده علم الغيب} إنكاري على توهمه أن استئجار أحد ليتحمل عنه عذاب الله ينجيه من العذاب، أي ما عنده علم الغيب. وهذا الخبر كناية عن خطئه فيما توهمه. والجملة استئناف بياني للاستفهام التعجيبي من قوله: {أفرأيت الذي تولى} الخ. وتقديم {عنده} وهو مسند على {علم الغيب} وهو مسند إليه للاهتمام بهذه العندية العجيب ادعاؤُها، والإِشارة إلى بعده عن هذه المنزلة. وعلم الغيب: معرفة العوالم المغيبة، أي العلم الحاصل من أدلة فكأنه شاهد الغيب بقرينة قوله: {فهو يرى}. وفرع على هذا التعجيب قوله: {فهو يرى} أي فهو يشاهد أمور الغيب، بحيث عاقد على التعارض في حقوقها. والرؤية في قوله: {فهو يرى} بصرية ومفعولها محذوف، والتقدير: فهو يرى الغيب. والمعنى: أنه آمن نفسه من تبعه التولّي عن الإسلام ببذل شيء لمن تحمل عنه تبعة توليه كأنه يعلم الغيب ويشاهد أن ذلك يدفع عنه العقاب، فقد كان فعله ضِغثاً على إبالة لأنه ما افتدى إلا لأنه ظن أن التولي جريمة، وما بذل المال إلا لأنه توهم أن الجرائم تقبل الحمالة في الآخرة. وتقديم الضمير المسند إليه على فعله المسند دون أن يقول: فيَرى، لإِفادة تقوّي الحكم، نحو: هو يعطي الجزيل. وهذا التقوّي بناء على ما أظهر من اليقين بالصفقة التي عاقد عليها وهو أدخل في التعجيب من حاله.

الشنقيطي

تفسير : قوله {تَوَلَّى}: أي رجع وأدبر عن الحق. وقوله: {وَأَعْطَىٰ قَلِيلا}، قال بعضهم قليلاً من المال. وقال بعضهم: أعطى قليلاً من الكلام الطيب. وقوله: {وَأَكْدَىٰ } أي قطع ذلك العطاء ولم يتمه، وأصله من أكدى صاحب الحفر. إذا انتهى في حفره إلى صخرة لا يقدر على الحفر فيها، وأصله من الكدية وهي الحجارة تعترض حافر البئر ونحوه فتمنعه الحفر، وهذا الذي أعطى قليلاً وأكدى، اختلف فيه العلماء، فقيل هو الوليد بن المغيرة قارب أن يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم فعيَّره بعض المشركين، فقال: أرتكت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي غيَّره بعض ذلك المال الذي ضمن ومنعه ثمامة. فأنزل الله عز وجل الآية. وعلى هذا فقوله: {تَوَلَّى}: أي الوليد عن الإسلام بعد أن قارب، وأعطى قليلاً من المال للذي ضمن له أن يتحمل عنه ذنوبه. {وَأَكْدَىٰ }: أي بخل عليه بالباقي، وقيل أعطى قليلاً من الكلام الطيب كمدحه للقرآن، واعترافه بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، وأكدى أي انقطع عن ذلك ورجع عنه. وقيل: هو العاص بن وائل السهمي، كان ربما وافق النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور، وذلك هو معنى إعطائه القليل ثم انقطع عن ذلك، وهو معنى إكدائه، وهذا قول السدي ولم ينسجم مع قوله بعده: {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْب} الآية. وعن محمد بن كعب القرظي أنه أبو جهل، قال: والله ما يأمرنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا بمكارم الأخلاق، وذلك معنى إعطائه قليلاً، وقطعه لذلك معروف. واقتصر الزمخشري على أنه عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: روي أن عثمان بن عفان كان يعطي ماله في الخير فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو أخوه من الرضاعة: يوشك ألا يبقى لك شيء. فقال عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى، وأرجو عفوه، فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها، وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عن العطاء فنزلت الآية. ومعنى تولى ترك المركز يوم أحد، فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل. انتهى منه. ولا يخفى سقوط هذا القول وبطلانه، وأنه غير لائق بمنصب أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه. وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة سبعة أمور: الأول: إنكار علم الغيب المدلول عليه بالهمزة في قوله: {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْب} والمراد نفي علمه للغيب. الثاني: أن لكل من إبراهيم وموسى صحفاً لم ينبأ بما فيها هذا الكافر. الثالث: أن إبراهيم وفَّى أي أتم القيامة بالتكاليف التي كلفه ربه بها. والرابع: أن في تلك الصحف، أنه لا تزر وازرة وزر أخرى. الخامس: أن فيها أيضاً أنه ليس للإنسان إلا ما سعى. السادس: أن سعيه سوف يُرى. السابع: أنه يجزاه جزاء الأوفى، أي الأكل الأتم. وهذه الأمور السبعة قد جاءت كلها موضحة في غير هذا الموضع. أما الأول منها، وهو عدم علمهم الغيب، فقد ذكره تعالى في مواضع كثيرة كقوله تعالى: {أية : أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ}تفسير : [الطور: 41 والقلم: 47]. وقوله: {أية : أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً}تفسير : [مريم: 78]. وقوله {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ}تفسير : [آل عمران: 179] وقوله تعالى: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ}تفسير : [الجن: 26-27] وقوله تعالى: {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [النمل: 65] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد قدمناها مراراً. والثاني: الذي هو أن لإبراهيم وموسى صحفاً لم يكن هذا المتولي المعطي قليلاً المكدي عالماً بها، ذكره تعالى في قوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ}تفسير : [الأعلى: 18-19]. والثالث: منها وهو إبراهيم وفي تكاليفه، فقد ذكره تعالى في قوله: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ}تفسير : [البقرة: 124]، وقد قدمنا أن الأصح في الكلمات التي ابتلى بها أنها التكاليف. وأما الرابع منها: وهو أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، فقد ذكره تعالى في آيات من كتابه كقوله تعالى:{أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [العنكبوت: 12] وقوله تعالى {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}تفسير : [فاطر: 18]. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا، والجواب عما يرد عليها من الإشكال، في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}تفسير : [الإسراء: 15] وذكرنا وجه الجمع بين الآيات الواردة في ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ}تفسير : [النحل: 25]. وأما الخامس منها: وهو أنه ليس للإنسان إلا ما سعى، فقد جاء موضحاً في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}تفسير : [الإسراء: 7] الآية. وقوله: {أية : مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا}تفسير : [فصلت: 46] الآية وقوله:{أية : وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}تفسير : [الروم: 44] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} يدل على أن الإنسان لا يستحق أجراً إلا على ما سعيه بنفسه، ولم تتعرض هذه الآية لانتفاعه بسعي غيره بنفي ولا إثبات، لأن قوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} قد دلت اللام فيه على أنه لا يستحق ولا يملك شيئاً إلا بسعيه، ولم تتعرض لنفي الانتفاع بما ليس ملكاً له ولا مستحقاً له. وقد جاءت آية من كتاب الله تدل على أن الإنسان قد ينتفع بسعي غيره وهي قوله تعالى {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ}تفسير : [الطور: 21]. وقد أوضحنا وجه الجمع بين قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} وبين قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ} الآية. في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة النجم، وقلنا فيه ما نصه والجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أن الآية إنما دلت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه، ولم تدل على نفي انتفاعه بسعي غيره، لأنه لم يقل: وأن لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى، وإنما قال وأن ليس للإنسان، وبين الأمرين فرق ظاهر، لأن سعي الغير ملك لساعيه إن شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير، وإن شاء أبقاه لنفسه. وقد أجمع العلماء على انتفاع الميت بالصلاة عليه والدعاء له والحج عنه ونحو ذلك ما ثبت الانتفاع بعمل الغير فيه. الثاني: أن إيمان الذرية هو السبب الأكبر في رفع درجاتهم، إذ لو كانوا كفاراً لما حصل لهم ذلك. فإيمان العبد وطاعته سعي منه في انتفاعه بعمل غيره من المسلمين، كما وقع في الصلاة في الجماعة، فإن صلاة بعضهم مع بعض يتضاعف بها الأجر زيادة على صلاته منفرداً، وتلك المضاعفة انتفاع بعمل الغير سعى فيه المصلي بإيمانه وصلاته في االجماعة، وهذا الوجه يشير إليه قوله تعالى: {وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ}. الثالث: أن السعي الذي حصل به رفع درجات الأولاد ليس للأولاد كما هو نص قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} [النجم: 39] ولكن من سعي الآباء فهو سعي للآباء أقر الله عيونهم بسببه، بأن رفع إليهم أولادهم ليتمتعوا في الجنة برؤيتهم. فالآية تصدق الأخرى ولا تنافيها، لأن المقصود بالرفع إكرام الآباء لا الأولاد، فانتفاع الأولاد تبع فهو بالنسبة إليهم تفضل من الله عليهم بما ليس لهم، كما تفضل بذلك على الولدان والحور العين، والخلق الذين ينشؤهم للجنة. والعلم عند الله تعالى. اهـ منه. والأمر السادس والسابع: وهما أن عمله سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى، فقد جاءا موضحين في آيات كثيرة كقوله تعالى:{أية : وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم}تفسير : [الأعراف: 8-9] الآية. وقوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة: 7-8]. وقوله تعالى:{أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ}تفسير : [الأنبياء: 47]. وقوله تعالى:{أية : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ٱقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}تفسير : [الإسراء: 13-14] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة{فَهُوَ يَرَىٰ} أي يعلم ذلك الغيب، والآية تدل على أن سبب النزول لا يخلو من إعطاء شيء في مقابلة تحمل الذنوب عمن أعطى لأن فاعل ذلك ليس عنده علم الغيب، فيعلم به أن الذي ضمن له تحمل ذنوبه بفعل ذلك، ولم ينبأ بما في الصحف الأولى، من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى أي لا تتحمل نفس ذنب نفس أخرى. وقد قدمنا تفسيره موضحاً في سورة بني إسرائيل، وأنه لا يملك الإنسان ولا يستحق إلا سعي نفسه، وقد اتضح بذلك أنه لا يمكن أن يتحمل إنسان ذنوب غيره وقد دلت على ذلك آيات كثيرة معلومة. وقال أبو حيان في البحر: أفرأيت بمعنى أخبرني، والمفعول الأول هو الموصول وصلته. والمفعول الثاني هو جملة {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ}.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أفرأيت الذي تولى: أي عن الإِسلام بعد ما قارب أن يدخل فيه. أعطى قليلاً وأكدى: أي أعطى من زعم أنه يتحمل عنه عذاب الآخرة أعطاه ما وعده من المال ثم منع. أعنده علم الغيب فهو يرى: أي يعلم أن غيره يتحمل عنه العذاب والجواب لا. أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى: أي أم بل لم يخبر بما ورد في الصحف المذكورة وهي التوراة وعشر صحف كانت لإبراهيم عليه السلام. ألا تزر وازرة وزر أخرى: أي أنه لا تحمل نفس مذنبة ذنب غيرها. وأنَّ ليس للإنسان إلا ما سعى: أي من خير وشر، وليس له ولا عليه من سَعي غيره شيء. وأن سعيه سوف يرى: أي يُبصَر يوم القيامة ويراه بنفسِهِ. ثم يجزاه الجزاء الأوفى: أي الأكمل التام الذي لا نقص فيه. إن إلى ربك المنتهى: أي المرجع والمصير إليه ينتهى أمر عباده بعد الموت ويجازيهم. وأنه أضحك وأبكى: أي أفرح من شاء فأضحكه، وأحزن من شاء فأبكاه. وإنه أمات وأحيا: أمات في الدنيا وأحيا في الآخرة. وإنه خلق الزوجين: أي الصنفين الذكر والأنثى. من نطفة إذا تمنى: أي من منى إذا تمنى تُصبُّ في الرحم. وأن عليه النشأة الأخرى: أي الخلقة الثانية للبعث والجزاء. وأنه هو أغنى وأقنى: أي وأنه هو وحده أغنى بعض الناس بالكفاية، وأقنى بعض الناس بالمال المقتنى المدخر للقنية. وأنه هو رب الشعرى: أي خالقها ومالكها وهي كوكب خلف الجوزاء عبده المشركون. وأهلك عادا الأولى: أي قوم هود عليه السلام. وثمودا فما أبقى: أي أهلكها أيضا فلم يبق منهم أحداً وهم قوم صالح. وقوم نوح من قبل: أي وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود وقوم لوط. والمؤتفكة أهوى: أي وقرى قوم لوط أسقطها بعد رفعها إلى السماء مقلوبة إلى الأرض إذ الائتفاك الانقلاب. فغشاها ما غشى: أي بالعذاب ما غشى حيث جعل عاليها سافلها وأمطر عليها حجارة من سجيل. معنى الآيات: إن هذه الآيات ترسم صورة لقرشي جاهل هو الوليد بن المغيرة إذ قدر له أن استمع إلى قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهش لها ودعاه الرسول فأسلم أو أوشك أن يسلم فعلم به أحد المشركين من شياطينهم فجاءه فعيره بإسلامه وترك دين آبائه فاعتذر له الوليد بأنه يخاف عذاب الله فقال له الشيطان القرشي وكان فقيراً والوليد غنياً أعطنى كذا من المال شهرياً أو أسبوعياً أو سنوياً وأنا اتحمل عنك العذاب الذي تخافه وعد إلى دينك وأثبت عليه فوافق الوليد على العرض وأخذ يعطيه المال. ثم أكدى أي قطع عنه ما كان يعطيه ومنعه. فأنزل الله تعالى فيه هذه الآيات تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليماً وتحذيراً لكل من تبلغه ويقرأها أو تقرأ عليه فقال تعالى في أسلوب حمل فيه السامع على التعجب: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ} أي عن الإِسلام بعد أن قارب الوصول إليه والدخول فيه. {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً} أي من المال للشيطان المشرك الذي اتفق معه على أن يتحمل عليه العذاب مقابل مال يعطيه إياه أقساطاً، {وَأَكْدَىٰ} أي قطع ومنع لأن الذي يحفر بئراً في أرض أحياناً تصادفه كدية من الأرض الصلبة يعجز عن الحفر فينقطع عن الحفر ويمتنع كذلك الوليد أعطى ثم امتنع وهو معنى أكدى أي انتهى إلى كدية من الأرض الصلبة. وقوله تعالى: {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ} أي أن المرء في إمكانه أن يتحمل عذاب غيره يوم القيامة والجواب لا علم غيب عنده لا من كتاب ولا من سنة، أم لم ينبأ بما في صحف موسى وهي التوراة وإبراهيم الذي وفي لربه في كل ما عهد به إليه من ذبح ولده حيث تله للجبين ليذبحه، ومن بناء البيت والهجرة والختان بالقدوم إلى غير ذلك من التكاليف الشاقة. أي ألم ينبأ أي يخبر هذا الرجل الجاهل بما في صحف موسى بن عمران نبي بني إسرائيل وإبراهيم أبو الأنبياء ثم بين تعالى ما تضمنته تلك الصحف من علم فقال: * ألا تزر وازرة وزر أخرى أن لا تحمل نفس مذنبة ذنب نفس أخرى. * وأن ليس للإِنسان من ثواب يوم القيامة إلا ما سعى في تحصيله بنفسه وهذا لا يتعارض مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيح حديث : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية أو علم ينتفع به تفسير : إذ هذه الثلاثة أمور من عمل الإِنسان وسعيه الولد انجبه ورباه والصدقة الجارية أوقفها بنفسه والعلم تعلمه وبثّه في الناس وعلمه فالجميع من سعيه وكسبه. * وأن سعيه أي عمله في الدنيا من خير وشر سوف يرى علانية ويجزى به خيراً كان أو شراً والجزاء الأوفى أي الأكمل الأتم. * وأن إلى ربك المنتهى أي إليه تصير أمور عباده بعد الموت ويحكم فيها ويجزيهم بها. * وأنه هو أضحك وأبكى أي أفرح من شاء وأحزن فضحك الفرح وبكى الحزن. أضحك أهل الجنة وأبكى أهل النار. زيادة على من أفرح في الدنيا ومن أحزن. * وأنه أمات وأحيا أمات عند نهاية أجل العبد وأحياه في قبره ويوم نشره وحشره وأحيْا بالإِيمان وأمات بالكفر وأمات بالقحط وأحيا بالمطر. * وأنه خلق الزوجين أي الصنفين الذكر والأنثى من سائر الحيوانات من نطفة أي قطرة المنى إذا تمنى أي تصب في الأرحام. * وأن عليه تعالى النشأة الأخرى أي هو الذي يقوم بها فيحيي الخلائق بعد موتهم يوم القيامة. * وأنه هو أغنى وأقنى أي أغنى بعض الناس فسد حاجتهم وكفاهم مؤونتهم، وأقنى آخرين أعطاهم مالاً كثيراً فاقتنوه قنيةً. * وأنه هو رب الشعرى ذلك الكوكب الذي يطلع خلف الجوزاء فالله خالقه ومالكه ومسخره وقد عبده الجاهلون واتخذوه رباً وإلهاً وهو مربوب مألوه. * {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ} قوم هود أرسل عليهم ريحاً صرصراً ما أتت على شيء إلا جعلته كالرميم، عاد تلك الأمة القائلة من أشد منا قوة دمر الله عليهم فاهلكهم أجمعين. *وثمودا فما أبقى أي وأهلك ثمود قوم صالح بالحجر فما أبقى منهم أحداً. * وقوم نوح من قبل عاد وثمود أهلكهم إنهم كانوا هم أظلم من غيرهم وأطغى. * والمؤتفكة أي قرى قوم لوط سدوم وعموره أهلكهم فرفع تلك القرى إلى عنان السماء ثم أهوى بها إلى الأرض وأرسل عليهم حجارة من طين من سجيل فغشى تلك المدن من العذاب الأليم ما غشى عذاب يعجز الوصف عنه هذا هو الله رب العالمين الذي اتخذ الجهال له أنداداً فعبدوها معه. هذا هو الله الإِله الحق الذي اتخذ الناس من دونه آلهة لا تعلم ولا تحكم ولا تقدر. هذا هو الله العزيز المنتقم لأوليائه من أعدائه يشقي عبداً عاداه ويسعد آخر والاه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير ربوبية الله تعالى وإثبات ألوهيته بالبراهين والحجج التي لا ترد بحال. 2- تقرير عدالة الله تعالى في حكمه وقضائه. 3- مظاهر قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته. 4- تقرير حقيقة علمية وهي أن العمل الذي يزكى النفس أو يُدنسها هو ذاك الذي يباشره المرء بنفسه وباختياره وقصده ونيته. 5- تحذير الظلمة والطغاة من أهل الكفر والشرك من أن يصيبهم ما أصاب غيرهم من الدّمار والخسران.

القطان

تفسير : تولى: أعرضَ عن اتباع الحق. أكدى: قطع العطاء وأمسك وبخِل. ينبَّأ: يخبر. صحف موسى: التوراة. ووفى: أتم ما أُمر به وأكمل. ان لا تزر وازرةٌ وزر اخرى: لا تحمل نفس ذنب نفس اخرى، كل انسان يؤخذ بذنبه. ثم يُجزاه: يجازيه الله على عمله، يقال: جزاه على عمله، وجزاه عملَه. الأوفى: الأكمل. أَعلمتَ يا محمدُ بأمر ذلك الجاحد الذي أعرضَ عن اتّباع الحق، وقد أعطى قليلا من المال ثم قطع عطاءه، أأنزل عليه وحيٌ فصار عندَه علمُ الغيب فرأى ان ما صنعه حق؟. ان الشرائع التي يعرفها ذلك الرجل على غير هذا. ألَم يُخْبَر بما في صُحف موسى، وابراهيمَ الذي بلغَ الغايةَ في الوفاء بما عاهد الله عليه!! وكانت قريش تدّعي أَنها على دِين ابراهيم، بينما أن دين ابراهيم يخالفُ ما يقولون وما يعملون. لقد اتفقت الأديان على أنه لا تحمل نفسٌ ذنوبَ نفسٍ أخرى، وانه ليس للانسان الا جزاء، وأن عمله سوف يُعلَن يومَ القيامة فيراه الناس، ثم يجزيه الله على عمله أوفَى جزاءٍ فيضاعِفُ له الحسنةَ اضعافا كثيرة، ويجازيه بالسيئة مثلَها فقط او يعفو عنها، {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الحجر: 49].

د. أسعد حومد

تفسير : {أَفَرَأَيْتَ} (33) - أَرَأَيْتَ حَالَ هذا الذِي تَوَلَّى عَنْ طَاعَةِ اللهِ تَعَالى، وَأَعْرَضَ عَنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ؟.

الثعلبي

تفسير : {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ} ... الآيات، قال ابن عباس والسدي والكلبي والمسيب بن شريك: نزلت في عثمان بن عفان رضوان الله عليه كان يتصدق وينفق في الخير، فقال له أخوه من الرضاعة عبدالله بن أبي سرح: ما هذا الذي تصنع؟ يوشك أن لا يبقى لك شيء. فقال عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله وأرجو عفوه. فقال له عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن بعض ما كان يصنع من الصدقة والنفقة فأنزل الله سبحانه {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ} يعني يوم أُحد حين نزل ترك المركز. {وَأَعْطَىٰ} يعني صاحبه {قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ} ثم قطع نفقته فعاد عثمان رضي الله عنه إلى أحسن ذلك وأجمله. وقال مجاهد وابن زيد: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دينه فعيّره بعض المشركين وقال له: أتركت دين الأشياخ وضللتهم وزعمت أنهم في النار، كان ينبغي لك ان تنصرهم. قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له الذي عاتبه ان هو اعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، ففعل وأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له، ثم بخل ومنحه تمام ما ضمن له فأنزل الله سبحانه {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ} أدبر عن الإيمان {وَأَعْطَىٰ} يعني صاحبه الضامن قليلا {وَأَكْدَىٰ} بخل بالباقي، وقال مقاتل: يعني أعطى الوليد قليلا من الخير بلسانه ثم اي قطعه ولم يقم عليه. وروى موسى بن عبيدة الزبيدي عن عطاء بن يسار قال: نزلت في رجل قال لأهله: جهّزوني انطلق إلى هذا الرجل يعني النبي صلى الله عليه وسلم فتجهّز وخرج، فلقيه رجل من الكفار فقال له: أين تريد؟ قال: محمداً، لعلّي أُصيب من خيره، فقال له الرجل: أعطني جهازك وأحمل عنك إثمك، فنزلت فيه هذه الآية. وروي عن السدّي أيضاً قال: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنّه كان ربما يوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأُمور، وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه قال: والله ما يأمرنا محمد إلاّ بمكارم الاخلاق فذلك قوله: {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ} أي لم يؤمن. قال المفسّرون: أكدى أي قطعه ولم يقم عليه، وأصله من الكدية وهي حجر يظهر في البئر ويمنع من الحفر ويؤيس من الماء. قال الكسائي: تقول العرب: أكدى الحافر وأجبل إذا بلغ في الحفر الكدية والجبل، وقال: كديتْ أصابعه إذا محلتْ، وكديتْ يده إذا كلّت فلم يعمل شيئاً، وكدى النبت إذا قلّ ريعه، وقال المؤرخ: أكدى أي منع الخير، قال الحطيئة: شعر : فأعطى قليلا ثم أكدى عطاءه ومن يبذل المعروف في الناس يُحمدِ تفسير : {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ } يخبر {بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ} يعني أسفار التوراة {وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} ما أُرسل به من تبليغ رسالة الله وهي قوله: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} روى عكرمة وطاووس عن ابن عباس قال: كانوا قبل إبراهيم صلوات الله عليه يأخذون الرجل بذنب غيره، ويأخذون الولي بالولي في القتل، حتى أنّ الرجل يُقتل بأبيه وأخيه وابنه وعمه وخاله، والزوج يُقتل بامرأته، والسيد يُقتل بعبده، حتى كان إبراهيم عليه السلام فنهاهم عن ذلك وبلّغهم عن الله {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}. وقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد: عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربّه الى خلقه مجاهد: وفّى بما فرض عليه. ربيع: وفّى رؤياه وقام بذبح ابنه. عطاء الخراساني: استعمل الطاعة. أبو العالية: وفّى بتمام الإسلام وهو قوله: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} تفسير : [البقرة: 124]، وما ابتلى بهذا الدين أحد فأقام سهامه كلها إلاّ إبراهيم، والتوفية: الاتمام. فقال: وفيت عليه حقّه ووفرته، قال الله سبحانه: {أية : لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ} تفسير : [فاطر: 30] . سفيان بن عيينة: أدّى الأمانة. الضحّاك: وفّى بشأن المناسك. عطاء بن السائب: بلغني أن إبراهيم كان عهد أن لا يسأل مخلوقاً شيئاً، فلمّا قُذف في النار وأتاه جبريل فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، فأثنى الله سبحانه وتعالى عليه بقيامه بما قال ووفائه بما عهد فقال عز من قائل: {وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} . الحسين ابن الفضل: وفّى بشأن الأضياف حتى سمّي أبا الأضياف. أبو بكر الورّاق: قام بشرط ما ادّعى، وذلك ان الله سبحانه قال له: أسلم قال: اسلمت، فطالبه الله سبحانه بصحة دعواه، فابتلاه في ماله وولده ونفسه، فوجده في ذلك كلّه وافياً، فقال سبحانه {وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} أي ادعى الاسلام ثم صحح دعواه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية قولان: أحدهما: ما أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا حسين، قال: حدّثنا ابن لهيعة قال: حدّثنا ريان بن فائد عن سهل عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "حديث : ألا أُخبركم لِمَ سمّى تعالى إبراهيم خليله الذي وفّى؛ لأنه كان يقول كلّما أصبح وأمسى: (سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) حتى تختم الآية ". تفسير : والآخر: ما أخبرنا الحسن بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدّثنا أحمد بن الفرج المقري، قال: حدّثنا أبو عمر، قال: حدّثنا نصر بن علي قال: أخبرنا معمر بن سليمان عن جعفر عن القاسم عن أبي أمانة حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} قال: "أتدرون بما وفّى؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وفّى: يعني عمل يومه بأربع ركعات كان يصلّيهن من أول النهار. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن ملك قال: حدّثنا ابن حنبل، قال: حدّثنا أبي: قال: حدّثنا ابن مهدي، قال: حدّثنا معاوية عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن نعيم بن همار أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره" . تفسير : وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبيد الله بن أبي سمرة قال: حدّثنا أبو طلحة أحمد بن محمد بن عبد الكريم قال: حدّثنا نصر بن علي قال: حدّثنا المعمر بن سليمان، قال: حدّثنا محمد بن المعتصم ابو جميل عن أبي يزيد عن سعيد بن جبير أنه قرأ {وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} خفيفة. فأما الجامع بين قوله سبحانه: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} وبين قوله: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 13] فهو ما قال الحسين بن الفضل: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} طوعاً، {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 13] كرهاً. أخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدّثنا يحيى بن عبدالحميد، قال: حدّثنا عبدالله بن أياد بن لقيط حديث : عن أبي رمتة، قال: انطلقت مع أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأيته قال لي أبي: أتدري من هذا؟، هذا رسول الله. قال: فاقشعررت عن ذلك حين قال لي، وكنت أظن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لا يشبه الناس، فإذا هو بشر ذو وفرة بها ردع من حناء وعليه ثوبان أخضران، فسلّم عليه أبي، ثم جلسنا فتحدّثنا ساعة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي: "هذا ابنك؟" قال أبي: ورب الكعبة حقاً أشهد به، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً من تثبيت شبهي في أبي، ومن حلف أبي عليّ قال: "أما إنّه لا يجني عليك ولا تجني عليه" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} . ثم نظر أبي إلى مثل السلعة بين كتفيه، فقال: يا رسول الله إني أُطبّب الرجال، ألا أُعالجها لك؟ قال: "لا طبيبها الذي خلقها" . تفسير : {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} أي عمل. نظيره قوله سبحانه: {أية : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل: 4]. قال ابن عباس: هذه الآية منسوخة، فأنزل الله بعدها {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ} تفسير : [الطور: 21] فادخل الأبناء بصلاح الآباء الجنة، وقال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأُمّة فلهم ما سعوا وما سعى غيرهم. حديث : بخبر سعد حين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لأُمّي إنْ تطوعت عنها؟ قال: "نعم" حديث : ، وخبر المرأة التي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبي مات ولم يحجّ، قال: "فحجي عنه" . تفسير : وقال الربيع بن أنس: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ} يعني الكافر، فأمّا المؤمن فله ما سعى وما سُعي، وقيل: ليس للكافر من الخير إلاّ ما عمله فيثاب عليه في دار الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير. ويروى أن عبد الله بن أُبيّ كان أعطى العباس قميصاً ألبسه إياه، فلمّا مات عبد الله أرسل رسول الله قميصه ليكفّن فيه. فلم تبق له حسنة في الآخرة يثاب عليها. وسمعت ابن حبيب يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب يقول: سمعت أبي يقول: دعا عبد الله بن طاهر والي خراسان الحسين بن الفضل قال: أشكلت عليّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي، قال: وما هي أيّها الأمير؟، قال: قوله تعالى في وصف ابني آدم {أية : فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} تفسير : [المائدة: 31] وصحّ الخبر بأن «الندم توبة»، وقوله: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} تفسير : [الرحمن: 29]، وصحّ الخبر «جف القلم بما هو كائن الى يوم القيامة»، وقوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} فما بال الأضعاف فقال الحسين: يجوز ان لا يكون ندم قابيل توبة له، ويكون ندم هذه الأُمة توبة لها، إن الله سبحانه خص هذه الأُمة بخصائص لم يشركهم فيها الأمم. وفيه قول آخر: وهو أن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، وإنما كان على حمله، وأما قوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} يعني عن طريق العدل، ومجاز الآية: وأنْ ليس للانسان إلاّ ما سعى عدلا، (ولى أن أجزيه بواحدة ألفاً فضلاً)، وأمّا قوله: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} تفسير : [الرحمن: 29] فإنّها شؤون يعيدها لا شؤون يبديها، ومجاز الآية سوق المقادير إلى المواقيت. قال: فقام عبد الله بن طاهر وقبّل رأسه وسوّغ خراجه. قال أبو بكر الوراق: {إِلاَّ مَا سَعَىٰ} أي نوى، بيانه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : يبعث الناس على نيّاتهم ". تفسير : {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ} قال الأخفش: يقال: جزيته الجزاء وجزيته بالجزاء لا فرق بينهما، قال الشاعر: شعر : إن أجز علقمة بن سعد سعيه لم أجزه ببلاء يوم واحد تفسير : فجمع بين اللغتين. {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} أي منتهى الخلق ومصيرهم، وهو مجازيهم بأعمالهم، وقيل: منه ابتداء المنّة وإليه انتهاء الآمال. أخبرني الحسن بن محمد السفياني قال: حدّثنا محمد بن سماء بن فتح الحنبلي، قال: حدّثنا علي بن محمد المصري قال: حدّثنا اسحق بن منصور الصعدي، قال: حدّثنا العباس بن زفر عن أبي جعفر الرازي عن أبيه عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه: {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} قال: لا فكرة في اللّه ". تفسير : والشاهد لهذا الحديث ما أخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا عمير بن مرداس قال: حدّثنا عبدالرَّحْمن بن إبراهيم السلمي، قال: حدّثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا ذكر الله عز وجل فانتهوا ". تفسير : (أخبرنا) أبو منصور محمد بن عبد الله الجمشاذي لفظاً سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، قال: حدّثنا أبو محمد عبد الرَّحْمن بن محمد بن مجبور قال: حدّثنا أبو يحيى البزاز قال: حدّثني محمد ابن زكريا، قال: حدّثني إبراهيم بن الجنيد، قال: محمد بن يحيى المغني، قال: حدّثنا داود عم الحسين بن قابيل عن قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة، قال: حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يتفكرون، فقال: "فيم أنتم؟" قالوا: نتفكر في الخالق. فقال: "تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق، فإنه لا تحيط به الفكرة، تفكّروا أنّ الله خلق السموات والأرض سبعاً غلظ كل أرض خمسمائة عام، وما بين كلّ أرضين خمسمائة عام، وما بين السماء والأرض خمسمائة عام، غلظ كل سماء خمسمائة عام، وما بين كل سمائين خمسمائة عام، وفي السماء السابعة بحر عمقه مثل ذلك كلّه، فيه ملك لم يجاور الماء كعبه" . تفسير : {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ} من شاء من خلقه {وَأَبْكَىٰ} من شاء منهم. أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب، قال: حدّثنا عبدالله بن الفضل، قال: حدّثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، قال: حدّثتنا دلال بنت أبي المدل، قالت: حدّثتنا الصهباء، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "حديث : مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يضحكون فقال: لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلا" فنزل عليه جبريل فقال: إن الله تعالى يقول: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} فرجع إليهم فقال «ما خطوت اربعين خطوة حتى أتى جبريل وقال: أئتِ هؤلاء فقل لهم: إن الله عز وجل يقول: هو أضحك وأبكى ». تفسير : وقال عطاء بن أبي أسلم: يعني: أفرح وأحزن، لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء. سمعت ابا منصور الحمساذي يقول: سمعت أبا بكر بن عبدالله الرازي يقول: سمعت يوسف بن جبير يقول: سئل طاهر المقدسي: اتضحك الملائكة؟ فقال: ما ضحك من دون العرش منذ خلقت جهنم، وقيل لعمر: هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم والله، والإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي، وقال مجاهد: أضحك اهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار، وقال الضحاك: أضحَك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر، وقيل: أضحك الاسحار بالانوار وأبكى السماء بالأمطار. ذون النون: أضحك قلوب المؤمنين والعارفين بشمس معرفته، وأبكى قلوب الكافرين العاصين بظلمة نكرته ومعصيته. سهل: أضحك المطيع بالرحمة وأبكى العاصي بالسخط. محمد بن علي الترمذي: أضحك المؤمن في الآخرة، وأبكاه في الدنيا. قسام بن عبدالله: أضحك اسنانهم وأبكى قلوبهم وأنشد في معناه: شعر : اللسن تضحك والأحشاء تحترق وإنما ضحكها زور ومختلق يا رُبّ باك بعين لا دموع لها ورُبّ ضاحك سنَ مابه رمق تفسير : {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ} أفنى في الدنيا {وَأَحْيَا} للبعث، وقيل: أمات الآباء وأحيى الأبناء، وقيل: أمات النطفة وأحيى النسمة، وقيل: أمات الكافر بالنكرة والقطيعة، وأحيى المؤمن بالمعرفة والوصلة، قال سبحانه: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122]، وقال القاسم: أمات عن ذكره وأحيى بذكره. ابن عطاء: أمات بعدله وأحيا بفضله، وقيل: أمات بالمنع والبخل وأحيى بالجود والبذل.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قالوا: نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة، حيث كانت بداية علاقته بدعوة الحق أنْ تولَّى عنها وأعرض عن سماع القرآن، ثم حَنّ قلبه وأُعجب بما يقوله رسول الله، فأعطى قليلاً من الأمان لأمر الدعوة واطمأن لها. ثم تذكر عزته ومكانته بين قومه وخاف أنْ يُقال صبأ عن دين الآباء والأجداد فنكص على عقبيه وتراجع. وقالوا: جاءه رجل وحذَّره من الإيمان بمحمد. وقال له: إن كنت خائفاً من العذاب، فأنا أتحمله عنك مقابل أنْ تعطيني كذا وكذا، فأعطاه ثم تراجع ومنعه. وقالوا: نزلتْ في النضر بن الحارث أيضاً: جاءه رجل وقال له: إن عذاب الله شديد وأنا أتحمله عنك، وأعطني خمس قلائص أي: خمساً من الجمال لكنه استكثرها، فمنع الرجل هذا العطاء. وقالوا أيضا: نزلت في صفوان. هذا معنى {أَفَرَأَيْتَ ..} [النجم: 33] يا محمد {ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ} [النجم: 33] أي: أعرض عنك وتركك ومضى {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً ..} [النجم: 34] من العطاء أو من الأمان. {وَأَكْدَىٰ} [النجم: 34] منع عطيته من الكدية يقولون: حفر فلانٌ الحفرة فاستقامتْ له. أي: وجد ما ينتظره منها، وحفر فلان الحفرة فأكدتْ. أي: لم يجد شيئاً، أو وجد حجراً كبيراً منعه من الوصول إلى بُغيته، والحجر هذا يُسمى كدية. ومنه قولنَا: عقبة كأداء. يعني: تمنعك من الوصول إلى هدفك. {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ} [النجم: 35] أطلع على الغيب وعلم الحقيقة أن هذا الرجل سَيَفي في التحمل عنه {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} [النجم: 36-37] يعني: ألم يعلم هذا المعرض عن دعوة الحق ما جاء في صحف موسى وفي صحف إبراهيم؟ لكن ماذا يعني بما جاء في صحف موسى وإبراهيم؟ يجيب القرآن ويُفصِّل المجمل في الاسم الموصول (بمَا) فيقول سبحانه: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة سفاهات المشركين وضلالاتهم في عبادتهم للأصنام، وميَّز بين المؤمنين والمجرمين، ذكر هنا نوعاً خاصاً من أهل الإِجرام، وختم السورة الكريمة ببيان ما حلَّ بالمكذبين من أنواع العذاب والدمار، تذكيراً للمشركين بانتقام الله من أعدائه المكذبين لرسوله. اللغَة: {وَأَكْدَىٰ} قطع العطاء مأخوذ من الكُدية يقال لمن حفر بئراً ثم وجد صخرة تمنعه من إِتمام الحفر قد أكدى، ثم استعمله العرب لمن أعطى ولم يتمم، ولمن طلب شيئاً فلم يبلغ آخره قال الحطيئة: شعر : فأعطى قليلاً ثم أكدى عطاءه ومن يبذل المعروف في الناس يُحمد تفسير : {وَأَقْنَىٰ} أعطاه الكفاية من المال ورضَّاه بما أعطاه قال الجوهري: قني الرجل يقنى مثل غني يغنى أي أعطاه الله ما يُقتنى من المال والنشب، وأقناه الله رضَّاه {ٱلشِّعْرَىٰ} الكوكب المضيء الذي يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر {أَزِفَتِ} قربت قال كعب بن زهير: شعر : بان الشباب وهذا الشيبُ قد أزفا ولا أرى لشبابٍ بائنٍ خلفا تفسير : والآزفة القيامة سميت بذلك لقربها ودنوها {سَامِدُونَ} لاهون لاعبون، والسمودُ اللهو. سَبَبُ النّزول: روي أن "الوليد بن المغيرة" جلس عند النبي صلى الله عليه وسلم وسمع وعظه، فتأثر قلبه بما سمع وكاد أن يُسلم، فعيَّره رجلٌ من المشركين وقال: تركت دين آبائك وضلَّلتهم وزعمت أنهم في النار؟! فقال الوليد: إِني خشيتُ عذاب الله، فضمن له الرجل إِن هو أعطاه شيئاً من ماله، ورجع إِلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله عز وجل، فأعطاه بعض الذي ضمن له ثم بخل ومنعه الباقي فأنزل الله {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ * وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ} الآيات. التفسِير: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ} أي أخبرني يا محمد عن هذا الفاجر الأثيم الذي أعرض عن الإِيمان واتباع الهدى؟ {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ} أي وأعطى لصاحبه الذي عيَّره قليلاً من المال المشروط ثم بخل بالباقي قال مجاهد: نزلت في الوليد بن المغيرة {أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ} أي أعنده علمٌ بالأمور الغيبية حتى يعلم أن صاحبه يتحمل عنه العذاب؟ {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ} أي لم يُخبر بما في التوراة المنزلة على موسى {وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} أي وبما في صحف إِبراهيم الذي تمَّم ما أُمر به من طاعة الله وتبليغ رسالته، على وجه الكمال والتمام قال الحسن: ما أمره الله بشيء إِلا وفّى به كقوله تعالى {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}تفسير : [البقرة: 124] {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} أي أن لا تحمل نفسٌ ذنب غيرها، ولا يؤاخذ أحدٌ بجريرة غيره، والآية ردٌّ على من زعم أنه يتحمل العذاب عن غيره كقوله تعالى {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ}تفسير : [العنكبوت: 12] {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} أي وأنه ليس للإِنسان إِلا عمله وسعيه قال ابن كثير: أي كما لا يُحمل عليه وزرُ غيره، كذلك لا يحصل له من الأجر إِلا ما كسب هو لنفسه {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ} أي وأن عمله سيُعرض عليه يوم القيامة، ويراه في ميزانه قال الخازن: وفي الآية بشارة للمؤمن، وذلك أن الله تعالى يريه أعماله الصالحة ليفرح بها ويحزن الكافر بأعماله الفاسدة فيزداد غماً {ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ} أي ثم يُجزى بعمله الجزاء الأتم الأكمل، وهو وعيدٌ للكافر ووعدٌ للمؤمن {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} أي إِليه جل وعلا المرجع والمآب والمصير فيعاقب ويثيب.. ثم شرع تعالى في بيان آثار قدرته فقال {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} أي هو الذي خلق الفرح والحزن، والسرور والغم، فأضحك في الدنيا من أضحك، وأبكى من أبكى قال مجاهد: أضحك أهل الجنة وأبكى أهل النار {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} أي خلق الموت والحياة فهو جل وعلا القادر على الإِماتة والإِحياء لا غيره، ولهذا كرر الإِسناد "هو" لبيان أن هذا من خصائص فعل الله {وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} أي أوجد الصنفين الذكر والأنثى من أولاد آدم ومن كل حيوان قال الخازن: والغرض أنه تعالى هو القادر على إِيجاد الضدين في محل واحد: الضحك والبكاء، والإِحياء والإِماتة، والذكر والأنثى، وهذا شيء لا يصل إِليه فهم العقلاء ولا يعلمونه، وإنما هو بقدرة الله تعالى وخلقه لا بفعل الطبيعة، وفيه تنبيه على كمال قدرته، لأن النطفة شيء واحد خلق الله منها أعضاء مختلفة، وطباعاً متباينة، وخلق منها الذكر والأنثى، وهذا من عجيب صنعته وكمال قدرته، ولهذا قال {مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ} أي خلق الذكر والأنثى من نطفة إِذا تدفقت من صلب الرجل، وصُبّت في رحم المرأة {وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ} أي وأن عليه جل وعلا إِعادة خلق النَّاس للحساب والجزاء، وإِحياؤهم بعد موتهم قال في البحر: لما كانت هذه النشأة ينكرها الكفار بولغ فيها بقوله تعالى {عَلَيْهِ} كأنه تعالى أوجب ذلك على نفسه {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ} أي أغنى من شاء، وأفقر من شاء وقال ابن عباس: أعطى فأرضى، أغنى الإِنسان ثم رضاه بما أعطاه {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ} أي هو ربُّ الكوكب المضيء المسمَّى بالشعرى الذي كانوا يعبدونه قال أبو السعود: أي هو رب معبودهم وكانت خزاعة تعبدها، سنَّ لهم ذلك رجلٌ من أشرافهم هو "أبو كبشة" {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ} أي أهلك قوم عاد القدماء الذين بُعث لهم نبيُّ الله "هود" عليه السلام، وكانوا من أشد الناس وأقواهم، وأعتاهم على الله وأطغاهم، فأهلكهم الله بالريح الصرصر العاتية قال البيضاوي: سميت عاداً الأولى أي القدماء لأنهم أُولى الأمم هلاكاً بعد قوم نوح عليه السلام {وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَىٰ} أي وثمود دمَّرهم فلم يُبق منهم أحداً {وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ} أي وقوم نوح قبل عادٍ وثمود أهلكناهم {إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ} أي كانوا أظلم من الفريقين، وأشد تمرداً وطغياناً ممن سبقهم، قال في البحر: كانوا في غاية العتو والإِيذاء لنوح عليه السلام، يضربونه حتى لا يكاد يتحرك، ولا يتأثرون بشيء مما يدعوهم إِليه قال قتادة: دعاهم ألف سنة إِلا خمسين عاماً، كلما هلك قرن نشأ قرن، حتى كان الرجل يأخذ بيد ابنه يتمشى به إِلى نوح ليحذره منه ويقول له: يا بني إِن أبي مشى بي إِلى هذا وأنا مثلك يومئذٍ فإِياك أن تصدقه، فيموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على بغض نوح {وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ} أي وقرى قوم لوط أهواها فأسقطها علىالأرض بعد أن انقلبت بهم فصار عاليها سافلها، وذلك أن جبريل رفعها إِلى السماء ثم أهوى بها {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ} أي فغطَّاها من فنون العذاب ما غطَّى، وفيه تهويلٌ للعذاب وتعميمٌ لما أصابهم منه قال في البحر: والمؤتفكة هي مدائن قوم لوط، سميت بذلك لأنها انقلبت بأهلها، رفعها جبريل عليه السلام ثم أهوى بها إِلى الأرض، ثم أمطرت عليهم حجارة من سجيل منضود فذلك قوله {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ} {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ} أي فبأي نعم الله الدالة على وحدانيته وقدرته تتشكك أيها الإِنسان وتكذب!! {هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ} أي هذا هو محمد رسول منذر كسائر الرسل ومن جنس المنذرين الأولين وقد علمتم ما حلَّ بالمكذبين {أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ} أي دنت الساعة واقتربت القيامة قال القرطبي: سميت آزفة لدنوها وقرب قيامها {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ} أي لا يقدر على كشفها وردها إِذا غشيت الخلق بأهوالها وشدائدها إِلا الله تعالى {أَفَمِنْ هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ}؟ استفهامٌ للتوبيخ أي أفمن هذا القرآن تعجبون يا معشر المشركين سخرية واستهزاءً؟ {وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ} أي وتضحكون عند سماعه، ولا تبكون من زواجره وآياته؟ وقد كان حقكم أن تبكوا الدم بدل الدمع حزناً على ما فرطتم {وَأَنتُمْ سَامِدُونَ} أي وأنتم لاهون غافلون؟ {فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ} أي فاسجدوا لله الذي خلقكم وأفردوه بالعبادة، ولا تعبدوا اللات والعزى، ومناة والشعرى، فهو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا يليق السجود والعبادة إِلاَّ له جلا وعلا. البَلاَغة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الإِبهام للتعظيم والتهويل {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم: 10] ومثله {أية : إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ}تفسير : [النجم: 16] وكذلك {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ}. 2- الجناس {أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ... وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ}تفسير : [النجم: 1-3] فالأول هو بمعنى خرَّ وسقط والثاني بمعنى هوى النفس. 3- الطباق بين {أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} وبين {أَمَاتَ وَأَحْيَا} وبين {ضَلَّ وِ ٱهْتَدَىٰ} وبين {أية : ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ}تفسير : [النجم: 25] وبين {وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ} وهي من المحسنات البديعية. 4- المقابلة {أية : لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى}تفسير : [النجم: 31] كما فيه إِطناب في تكرار لفظ يجزي وكلاهما من المحسنات البديعية. 5- الاستفهام التوبيخي مع الإِزراء بعقولهم {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ}تفسير : [النجم: 21-22]. 6- الجناس الناقص بين {أَغْنَىٰ .. وَأَقْنَىٰ} لتغير بعض الحروف. 7- جناس الاشتقاق {أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ}. 8- عطف العام على الخاص {فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ}. 9- مراعاة الفواصل ورءوس الآيات، مما له أجمل الوقع على السمع مثل {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ * أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ}تفسير : [النجم: 19-21]؟ ومثله {أَفَمِنْ هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ}؟ ويسمى بالسجع. تنبيه: كانت الأصنام التي عبدها المشركون كثيرة تقرب من ثلاثمائة وستين صنماً ومعظمها حول الكعبة وقد حطمها صلى الله عليه وسلم عند فتحه لمكة، وأشهر هذه الأصنام "اللات، والعُزَّى، ومناة" وقد أرسل صلى الله عليه وسلم عام الفتح خالد بن الوليد ليحطم العزَّى فحطمها وهو يقول: شعر : يا عزُّ كفرانك لا سبحانك إِني رأيتُ الله قد أهانك تفسير : وانتهت بفتح مكة عبادة الأوثان والأصنام، ودخل الناس في دين الإِسلام أفواجاً أفواجاً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : إلى آخر السورة يقول تعالى: { أَفَرَأَيْتَ } قبح حالة من أمر بعبادة ربه وتوحيده، فتولى عن ذلك وأعرض عنه؟ فإن سمحت نفسه ببعض الشيء، القليل، فإنه لا يستمر عليه، بل يبخل ويكدى ويمنع. فإن المعروف ليس سجية له وطبيعة بل طبعه التولي عن الطاعة، وعدم الثبوت على فعل المعروف، ومع هذا، فهو يزكي نفسه، وينزلها غير منزلتها التي أنزلها الله بها. { أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى } الغيب ويخبر به، أم هو متقول على الله، متجرئ على الجمع بين الإساءة والتزكية كما هو الواقع، لأنه قد علم أنه ليس عنده علم من الغيب، وأنه لو قدر أنه ادعى ذلك فالإخبارات القاطعة عن علم الغيب التي على يد النبي المعصوم، تدل على نقيض قوله، وذلك دليل على بطلانه. { أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ } هذا المدعي { بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } أي: قام بجميع ما ابتلاه الله به، وأمره به من الشرائع وأصول الدين وفروعه، وفي تلك الصحف أحكام كثيرة من أهمها ما ذكره الله بقوله: { أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى } أي: كل عامل له عمله الحسن والسيئ، فليس له من عمل غيره وسعيهم شيء، ولا يتحمل أحد عن أحد ذنبا { وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى } في الآخرة فيميز حسنه من سيئه، { ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى } أي: المستكمل لجميع العمل الحسن الخالص بالحسنى، والسيئ الخالص بالسوأى، والمشوب بحسبه، جزاء تقر بعدله وإحسانه الخليقة كلها، وتحمد الله عليه، حتى إن أهل النار ليدخلون النار، وإن قلوبهم مملوءة من حمد ربهم، والإقرار له بكمال الحكمة ومقت أنفسهم، وأنهم الذين أوصلوا أنفسهم وأوردوها شر الموارد، وقد استدل بقوله تعالى: { وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى } من يرى أن القرب لا يفيد إهداؤها للأحياء ولا للأموات قالوا لأن الله قال: { وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ مَا سَعَى } فوصول سعي غيره إليه مناف لذلك، وفي هذا الاستدلال نظر، فإن الآية إنما تدل على أنه ليس للإنسان إلا ما سعى بنفسه، وهذا حق لا خلاف فيه، وليس فيها ما يدل على أنه لا ينتفع بسعي غيره، إذا أهداه ذلك الغير له، كما أنه ليس للإنسان من المال إلا ما هو في ملكه وتحت يده، ولا يلزم من ذلك، أن لا يملك ما وهبه له الغير من ماله الذي يملكه. وقوله: { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى } أي: إليه تنتهي الأمور، وإليه تصير الأشياء والخلائق بالبعث والنشور، وإلى الله المنتهى في كل حال، فإليه ينتهي العلم والحكم، والرحمة وسائر الكمالات. { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى } أي: هو الذي أوجد أسباب الضحك والبكاء، وهو الخير والشر، والفرح والسرور والهم [والحزن]، وهو سبحانه له الحكمة البالغة في ذلك، { وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا } أي: هو المنفرد بالإيجاد والإعدام، والذي أوجد الخلق وأمرهم ونهاهم، سيعيدهم بعد موتهم، ويجازيهم بتلك الأعمال التي عملوها في دار الدنيا. { وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ } فسر الزوجين بقوله: { الذَّكَرَ وَالأنْثَى } وهذا اسم جنس شامل لجميع الحيوانات، ناطقها وبهيمها، فهو المنفرد بخلقها، { مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى } وهذا من أعظم الأدلة على كمال قدرته وانفراده بالعزة العظيمة، حيث أوجد تلك الحيوانات، صغيرها وكبيرها من نطفة ضعيفة من ماء مهين، ثم نماها وكملها، حتى بلغت ما بلغت، ثم صار الآدمي منها إما إلى أرفع المقامات في أعلى عليين، وإما إلى أدنى الحالات في أسفل سافلين. ولهذا استدل بالبداءة على الإعادة، فقال: { وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى } فيعيد العباد من الأجداث، ويجمعهم ليوم الميقات، ويجازيهم على الحسنات والسيئات. { وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى } أي: أغنى العباد بتيسير أمر معاشهم من التجارات وأنواع المكاسب، من الحرف وغيرها، وأقنى أي: أفاد عباده من الأموال بجميع أنواعها، ما يصيرون به مقتنين لها، ومالكين لكثير من الأعيان، وهذا من نعمه على عباده أن جميع النعم منه تعالى وهذا يوجب للعباد أن يشكروه، ويعبدوه وحده لا شريك له { وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى } وهي النجم المعروف بالشعرى العبور، المسماة بالمرزم، وخصها الله بالذكر، وإن كان رب كل شيء، لأن هذا النجم مما عبد في الجاهلية، فأخبر تعالى أن جنس ما يعبده المشركون مربوب مدبر مخلوق، فكيف تتخذ إلها مع الله. { وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأولَى } وهم قوم هود عليه السلام، حين كذبوا هودا، فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية { وَثَمُودَ } قوم صالح عليه السلام، أرسله الله إلى ثمود فكذبوه، فبعث الله إليهم (5) الناقة آية، فعقروها وكذبوه، فأهلكهم الله تعالى، { فَمَا أَبْقَى } منهم أحدا، بل أهلكهم الله عن آخرهم. { وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى } من هؤلاء الأمم، فأهلكهم الله وأغرقهم في اليم { وَالْمُؤْتَفِكَةَ } وهم قوم لوط عليه السلام { أَهْوَى } أي: أصابهم الله بعذاب ما عذب به أحدا من العالمين، قلب أسفل ديارهم أعلاها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل. ولهذا قال: { فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى } أي: غشيها من العذاب الأليم الوخيم ما غشى أي: شيء عظيم لا يمكن وصفه. { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى } أي: فبأي: نعم الله وفضله تشك أيها الإنسان؟ فإن نعم الله ظاهرة لا تقبل الشك بوجه من الوجوه، فما بالعباد من نعمة إلا منه تعالى، ولا يدفع النقم إلا هو. { هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى } أي: هذا الرسول القرشي الهاشمي محمد بن عبد الله، ليس ببدع من الرسل، بل قد تقدمه من الرسل السابقين، ودعوا إلى ما دعا إليه، فلأي شيء تنكر رسالته؟ وبأي حجة تبطل دعوته؟ أليست أخلاقه [أعلا] أخلاق الرسل الكرام، أليست دعوته إلى كل خير والنهي عن كل شر؟ ألم يأت بالقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد؟ ألم يهلك الله من كذب من قبله من الرسل الكرام؟ فما الذي يمنع العذاب عن المكذبين لمحمد سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين؟ { أَزِفَتِ الآزِفَةُ } أي: قربت القيامة، ودنا وقتها، وبانت علاماتها. { لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ } أي: إذا أتت القيامة وجاءهم العذاب الموعود به. ثم توعد المنكرين لرسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، المكذبين لما جاء به من القرآن الكريم، فقال: { أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ } ؟ أي: أفمن هذا الحديث الذي هو خير الكلام وأفضله وأشرفه تتعجبون منه، وتجعلونه من الأمور المخالفة للعادة الخارقة للأمور [والحقائق] المعروفة؟ هذا من جهلهم وضلالهم وعنادهم، وإلا فهو الحديث الذي إذا حدث صدق، وإذا قال قولا فهو القول الفصل الذي ليس بالهزل، وهو القرآن العظيم، الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، الذي يزيد ذوي الأحلام رأيا وعقلا وتسديدا وثباتا، وإيمانا ويقينا والذي ينبغي العجب من عقل من تعجب منه، وسفهه وضلاله. { وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ } أي: تستعملون الضحك والاستهزاء به، مع أن الذي ينبغي أن تتأثر منه النفوس، وتلين له القلوب، وتبكي له العيون، سماعا لأمره ونهيه، وإصغاء لوعده ووعيده، والتفاتا لأخباره الحسنة الصادقة { وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ } أي: غافلون عنه، لاهون عن تدبره، وهذا من قلة عقولكم وأديانكم فلو عبدتم الله وطلبتم رضاه في جميع الأحوال لما كنتم بهذه المثابة التي يأنف منها أولو الألباب، ولهذا قال تعالى: { فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا } الأمر بالسجود لله خصوصا، ليدل ذلك على فضله وأنه سر العبادة ولبها، فإن لبها الخشوع لله والخضوع له، والسجود هو أعظم حالة يخضع بها العبد فإنه يخضع قلبه وبدنه، ويجعل أشرف أعضائه على الأرض المهينة موضع وطء الأقدام. ثم أمر بالعبادة عموما، الشاملة لجميع ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة. تم تفسير سورة النجم، والحمد لله الذي لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده، وصلى الله على محمد وسلم تسليما كثيرا.