٥٣ - ٱلنَّجْم
53 - An-Najm (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
الرازي
تفسير : وقوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ } حال أخرى مضادة للأولى يعذر فيها المتولي وهو الجهل المطلق فإن من علم الشيء علماً تاماً لا يؤمر بتعلمه، والذي جهله جهلاً مطلقاً وهو الغافل على الإطلاق كالنائم أيضاً لا يؤمر فقال: هذا المتولي هل علم الكل فجاز له التولي أولم يسمع شيئاً وما بلغه دعوة أصلاً فيعذر، ولا واحد من الأمرين بكائن فهو في التولي غير معذور، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {بِمَا وَفَّىٰ } يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد ما فيها لا بصفة كونه فيها، فكأنه تعالى يقول: أم لم ينبأ بالتوحيد والحشر وغير ذلك، وهذه أمور مذكورة في صحف موسى، مثال: يقول القائل لمن توضأ بغير الماء توضأ بما توضأ به النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فالكلام مع الكل لأن المشرك وأهل الكتاب نبأهم النبي صلى الله عليه وسلم بما في صحف موسى ثانيهما: أن المراد بما في الصحف مع كونه فيها، كما يقول القائل فيما ذكرنا من المثال توضأ بما في القربة لا بما في الجرة فيريد عين ذلك لا جنسه وعلى هذا فالكلام مع أهل الكتاب لأنهم الذين نبئوا به. المسألة الثانية: صحف موسى وإبراهيم، هل جمعها لكونها صحفاً كثيرة أو لكونها مضافة إلى اثنين كما قال تعالى: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } تفسير : [التحريم: 4]؟ الظاهر أنها كثيرة، قال الله تعالى: {أية : وَأَخَذَ ٱلأَلْوَاحِ } تفسير : [الأعراف: 154] وقال تعالى: {أية : وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ } تفسير : [الأعراف: 150] وكل لوح صحيفة. المسألة الثالثة: ما المراد بالذي فيها؟ نقول قوله تعالى: {أَلاَّ تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ * وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} [النجم: 38، 39] وما بعده من الأمور المذكورة على قراءة من قرأ أن بالفتح وعلى قراءة من يكسر ويقول: {أية : وَأَنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } تفسير : [النجم: 42] ففيه وجوه أحدها: هو ما ذكر بقوله: {أَلاَّ تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } وهو الظاهر، وإنما احتمل غيره، لأن صحف موسى وإبراهيم ليس فيها هذا فقط، وليس هذا معظم المقصود بخلاف قراءة الفتح، فإن فيها تكون جميع الأصول على ما بين ثانيها: هو أن الآخرة خير من الأولى يدل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ } تفسير : [الأعلى: 18، 19] ثالثها: أصول الدين كلها مذكورة في الكتب بأسرها، ولم يخل الله كتاباً عنها، ولهذا قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الأنعام: 90] وليس المراد في الفروع، لأن فروع دينه مغايرة لفروع دينهم من غير شك. المسألة الرابعة: قدم موسى ههنا ولم يقل كما قال في {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [الأعلى: 1] فهل فيه فائدة؟ نقول: مثل هذا في كلام الفصحاء لا يطلب له فائدة، بل التقديم والتأخير سواء في كلامهم فيصح أن يقتصر على هذا الجواب، ويمكن أن يقال: إن الذكر هناك لمجرد الإخبار والإنذار وههنا المقصود بيان انتفاء الأعذار، فذكر هناك على ترتيب الوجود صحف إبراهيم قبل صحف موسى في الإنزال، وأما ههنا فقد قلنا إن الكلام مع أهل الكتاب وهم اليهود فقدم كتابهم، وإن قلنا الخطاب عام فصحف موسى عليه السلام كانت كثيرة الوجود، فكأنه قيل لهم انظروا فيها تعلموا أن الرسالة حق، وأرسل من قبل موسى رسل والتوحيد صدق والحشر واقع فلما كانت صحف موسى عند اليهود كثيرة الوجود قدمها، وأما صحف إبراهيم فكانت بعيدة وكانت المواعظ التي فيها غير مشهورة فيما بينهم كصحف موسى فأخر ذكرها. المسألة الخامسة: كثيراً ما ذكر الله موسى فأخر ذكره عليه السلام لأنه كان مبتلى في أكثر الأمر بمن حواليه وهم كانوا مشركين ومتهودين والمشركون كانوا يعظمون إبراهيم عليه السلام لكونه أباهم، وأما قوله تعالى: {وَفَّىٰ } ففيه وجهان أحدهما: أنه الوفاء الذي يذكر في العهود وعلى هذا فالتشديد للمبالغة يقال وفى ووفى كقطع وقطع وقتل وقتل، وهو ظاهر لأنه وفى بالنذر وأضجع ابنه للذبح، وورد في حقه: {أية : قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَا } تفسير : [الصافات: 105] وقال تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَء ٱلْمُبِينُ } تفسير : [الصافات: 106] وثانيهما: أنه من التوفية التي من الوفاء وهو التمام والتوفية الإتمام يقال وفاه أي أعطاه تاماً، وعلى هذا فهو من قوله: {أية : وَإِذَا ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } تفسير : [البقرة: 124] وقيل: {وَفَّىٰ } أي أعطى حقوق الله في بدنه، وعلى هذا فهو على ضد من قال تعالى فيه: {وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ } مدح إبراهيم ولم يصف موسى عليه السلام، نقول: أما بيان توفيته ففيه لطيفة وهي أنه لم يعهد عهداً إلا وفى به، وقال لأبيه: {أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } تفسير : [يوسف: 98] فاستغفر ووفى بالعهد ولم يغفر الله له، فعلم {أن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } وأن وزره لا تزره نفس أخرى، وأما مدح إبراهيم عليه السلام فلأنه كان متفقاً عليه بين اليهود والمشركين والمسلمين ولم ينكر أحد كونه وفياً، وموفياً، وربما كان المشركون يتوقفون في وصف موسى عليه السلام، ثم قال تعالى: {أَلاَّ تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } وقد تقدم تفسيره في سورة الملائكة، والذي يحسن بهذا الموضع مسائل: الأولى: أنا بينا أن الظاهر أن المراد من قوله: {بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ } هو ما بينه بقوله {أَلاَّ تَزِرُ } فيكون هذا بدلاً عن ما وتقديره أم لم ينبأ بألا تزر وذكرنا هناك وجهين أحدهما: المراد أن الآخرة خير وأبقى وثانيهما: الأصول. المسألة الثانية: {أَلاَّ تَزِرُ } أن خفيفة من الثقيلة كأنه قال: أنه لا تزر وتخفيف الثقيلة لازم وغير لازم جائز وغير جائز، فاللازم عندما يكون بعدها فعل أو حرف داخل على فعل، ولزم فيها التخفيف، لأنها مشبهة بالفعل في اللفظ والمعنى، والفعل لا يمكن إدخاله على فعل فأخرج عن شبه الفعل إلى صورة تكون حرفاً مختصاً بالفعل فتناسب الفعل فتدخل عليه. المسألة الثالثة: إن قال قائل: الآية مذكورة لبيان أن وزر المسيء لا يحمل عنه وبهذا الكلام لا تحصل هذه الفائدة لأن الوازرة تكون مثقلة بوزرها فيعلم كل أحد أنها لا تحمل شيئاً ولو قال لا تحمل فارغة وزر أخرى كان أبلغ تقول ليس كما ظننت، وذلك لأن المراد من الوازرة هي التي يتوقع منها الوزر والحمل لا التي وزرت وحملت كما يقال: شقاني الحمل، وإن لم يكن عليه في الحال حمل، وإذا لم تزر تلك النفس التي يتوقع منها ذلك فكيف تتحمل وزر غيرها فتكون الفائدة كاملة. وقوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } تتمة بيان أحوال المكلف فإنه لما بين له أن سيئته لا يتحملها عنه أحد بين له أن حسنة الغير لا تجدي نفعاً ومن لم يعمل صالحاً لا ينال خيراً فيكمل بها ويظهر أن المسيء لا يجد بسبب حسنة الغير ثواباً ولا يتحمل عنه أحد عقاباً، وفيه أيضاً مسائل: الأولى: {لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ } فيه وجهان أحدهما: أنه عام وهو الحق وقيل عليه بأن في الأخبار أن ما يأتي به القريب من الصدقة والصوم يصل إلى الميت والدعاء أيضاً نافع فللإنسان شيء لم يسمع فيه، وأيضاً قال الله تعالى: {أية : مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } تفسير : [الأنعام: 160] وهي فوق ما سعى، الجواب عنه أن الإنسان إن لم يسع في أن يكون له صدقة القريب بالإيمان لا يكون له صدقته فليس له إلا ما سعى، وأما الزيادة فنقول: الله تعالى لما وعد المحسن بالأمثال والعشرة وبالأضعاف المضاعفة فإذا أتى بحسنة راجياً أن يؤتيه الله ما يتفضل به فقد سعى في الأمثال، فإن قيل: أنتم إذن حملتم السعي على المبادرة إلى الشيء، يقال: سعى في كذا إذا أسرع إليه، والسعي في قوله تعالى: {إِلاَّ مَا سَعَىٰ } معناه العمل يقال: سعى فلان أي عمل، ولو كان كما ذكرتم لقال: إلا ما سعى فيه نقول على الوجهين جميعاً: لا بد من زيادة فإن قوله تعالى: {لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } ليس المراد منه أن له عين ما سعى، بل المراد على ما ذكرت ليس له إلا ثواب ما سعى، أو إلا أجر ما سعى، أو يقال: بأن المراد أن ما سعى محفوظ له مصون عن الإحباط فإذن له فعله يوم القيامة الوجه الثاني: أن المراد من الإنسان الكافر دون المؤمن وهو ضعيف، وقيل بأن قوله: {لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } كان في شرع من تقدم، ثم إن الله تعالى نسخه في شرع محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للإنسان ما سعى وما لم يسع وهو باطل إذ لا حاجة إلى هذا التكلف بعدما بان الحق، وعلى ما ذكر فقوله: {مَا سَعَىٰ } مبقى على حقيقته معناه له عين ما سعى محفوظ عند الله تعالى ولا نقصان يدخله ثم يجزى به كما قال تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة: 7]. المسألة الثانية: أن {مَا } خبرية أو مصدرية؟ نقول: كونها مصدرية أظهر بدليل قوله تعالى: {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ } أي سوف يرى المسعي، والمصدر للمفعول يجيء كثيراً يقال: هذا خلق الله أي مخلوقه. المسألة الثالثة: المراد من الآية بيان ثواب الأعمال الصالحة أو بيان كل عمل، نقول: المشهور أنهما لكل عمل فالخير مثاب عليه والشر معاقب به والظاهر أنه لبيان الخيرات يدل عليه اللام في قوله تعالى: {لِلإِنسَـٰنِ } فإن اللام لعود المنافع وعلى لعود المضار تقول: هذا له، وهذا عليه، ويشهد له ويشهد عليه في المنافع والمضار، وللقائل الأول أن يقول: بأن الأمرين إذا اجتمعا غلب الأفضل كجموع السلامة تذكر إذا اجتمعت الإناث مع الذكور، وأيضاً يدل عليه قوله تعالى: {أية : ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَاء ٱلأَوْفَىٰ } تفسير : [النجم: 41] والأوفى لا يكون إلا في مقابلة الحسنة، وأما في السيئة فالمثل أو دونه العفو بالكلية. المسألة الرابعة: {إِلاَّ مَا سَعَىٰ } بصيعة الماضي دون المستقبل لزياد الحث على السعي في العمل الصالح وتقريره هو أنه تعالى لو قال: ليس للإنسان إلا ما يسعى، تقول النفس إني أصلي غداً كذا ركعة وأتصدق بكذا درهماً، ثم يجعل مثبتاً في صحيفتي الآن لأنه أمر يسعى وله فيه ما يسعى فيه، فقال: ليس له إلا ما قد سعى وحصل وفرغ منه، وأما تسويلات الشيطان وعداته فلا اعتماد عليها.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ. وَإِبْرَاهِيمَ} أي صحف {وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} كما في سورة «الأعلى» {أية : صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 19] أي لا تؤخذ نفس بدلاً عن أخرى؛ كما قال: {أَن لاَتَزِرُ وَٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} وخصّ صحف إبراهيم وموسى بالذكر؛ لأنه كان ما بين نوح وإبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة أخيه وٱبنه وأبيه؛ قاله الهذيل ابن شرحبيل. «وأنْ» هذه المخففة من الثقيلة وموضعها جرٌّ بدلاً من «ما» أو يكون في موضع رفع على إضمار هو. وقرأ سعيد بن جبير وقتادة «وَفَى» خفيفة ومعناها صدق في قوله وعمله، وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة «وَفَّى» بالتشديد أي قام بجميع ما فرض عليه فلم يَخْرم منه شيئاً. وقد مضى في «البقرة» عند قوله تعالى: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} تفسير : [البقرة: 124] والتوفية الإتمام. وقال أبو بكر الورّاق: قام بشرط ما ٱدعى؛ وذلك أن الله تعالى قال له: {أية : أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [البقرة: 131] فطالبه الله بصحة دعواه، فابتلاه في ماله وولده ونفسه فوجده وافياً بذلك؛ فذلك قوله: {وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} أي ٱدّعى الإسلام ثم صحح دعواه. وقيل: وفّي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار؛ رواه الهيثم عن أبي أمامة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وروى سهل بن سعد الساعدي عن أبيه: حديث : أَلاَ أخبركم لم سَمَّى اللَّه تعالى خليلَه إبراهيمَ «الَّذِي وَفَّى» لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} تفسير : [الروم: 17] الآية. ورواه سهل بن معاذ عن أنس عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: «وفَّى» أي وَفَّى ما أرسل به، وهو قوله: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } قال ٱبن عباس: كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره، ويأخذون الوليَّ بالولِيِّ في القتل والجراحة؛ فيقتل الرجل بأبيه وٱبنه وأخيه وعمه وخاله وٱبن عمه وقريبه وزوجته وزوجها وعبده، فبلغهم إبراهيم عليه السلام عن الله تعالى: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ }. وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير في قوله تعالى «وَفَّى»: عمل بما أمر به وبلّغ رسالات ربه. وهذا أحسن؛ لأنه عام. وكذا قال مجاهد: «وَفَّى» بما فرض عليه. وقال أبو مالك الغفاريّ قوله تعالى: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} إلى قوله: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ} في صحف إبراهيم وموسى، وقد مضى في آخر «الأنعام» القول في {أية : وَلاَ تَزِرُوَٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الأنعام: 164] مستوفى. قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} روي عن ٱبن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} تفسير : [الطور: 21] فيحصل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه، ويشفِّع الله تعالى الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء؛ يدل على ذلك قوله تعالى {أية : آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً}تفسير : [النساء: 11]. وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة ولا ينفع أحداً عملُ أحدٍ، وأجمعوا أنه لا يصلّي أحد عن أحد. ولم يُجِز مالك الصيام والحج والصدقة عن الميت، إلا أنه قال: إن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه. وأجاز الشافعي وغيره الحج التطوّع عن الميّت. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها ٱعتكفت عن أخيها عبد الرحمن وأعتقت عنه. وروي حديث : أن سعد بن عبادة قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إن أمِّي توفيت أفأتصدق عنها؟ قال: «نعم» قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء»تفسير : . وقد مضى جميع هذا مستوفًى في «البقرة» و «آل عمران» «والأعراف». وقد قيل: إن الله عز وجل إنما قال: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} ولام الخفض معناها في العربية الملك والإيجاب فلم يجب للإنسان إلا ما سعى، فإذا تصدّق عنه غيره فليس يجب له شيء إلا أن الله عز وجل يتفضل عليه بما لا يجب له، كما يتفضل على الأطفال بإدخالهم الجنة بغير عمل. وقال الربيع بن أنس: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} يعني الكافر وأما المؤمن فله ما سَعَى وما سَعَى له غيره. قلت: وكثير من الأحاديث يدل على هذا القول، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره، وقد تقدّم كثير منها لمن تأملها، وليس في الصدقة ٱختلاف، كما في صدر كتاب مسلم عن عبد الله بن المبارك. وفي الصحيح: «حديث : إذا مات الإنسان ٱنقطع عمله إلا من ثلاث» تفسير : وفيه «حديث : أو ولد صالح يدعو له» تفسير : وهذا كله تفضل من الله عز وجل، كما أن زيادة الأضعاف فضل منه؛ كتب لهم بالحسنة الواحدة عشراً إلى سبعمائة ضعف إلى ألف ألف حسنة؛ كما قيل لأبي هريرة: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة» تفسير : فقال سمعته يقول: «حديث : إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة» تفسير : فهذا تفضل. وطريق العدل {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ}. قلت: ويحتمل أن يكون قوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} خاص في السيئة؛ بدليل ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله عز وجل إذا همّ عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة فإن عملها كتبتها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضِعف وإذا همّ بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه فإن عملها كتبتها سيئةً واحدة»تفسير : . وقال أبو بكر الورّاق: {إِلاَّ مَا سَعَىٰ} إلا ما نوى؛ بيانه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يُبعث الناس يوم القيامة على نياتهم»تفسير : . قوله تعالى: {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ} أي يُريه الله تعالى جزاءه يوم القيامة {ثُمَّ يُجْزَاهُ} أي يجزى به {ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ}. قال الأخفش: يقال جزيته الجزاء، وجزيته بالجزاء سواء لا فرق بينهما؛ قال الشاعر:شعر : إِنْ أَجْزِ عَلْقَمَة بنَ سْعدٍ سَعْيَه لم أَجْزِهِ ببَلاءِ يَوْمٍ واحِدِ تفسير : فجمع بين اللغتين. قوله تعالى: {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} أي المرجع والمردّ والمصير فيعاقب ويثيب. وقيل: منه ٱبتداء المِنَّة وإليه ٱنتهاء الأمان. وعن أبيّ بن كعب قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} قال: «حديث : لا فكرة في الربّ»تفسير : . وعن أنس: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذ ذكر الله تعالى فانْته».تفسير : قلت: ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : يأتي الشيطان أحدَكم فيقول من خَلَق كذا وكذا حتى يقول له من خَلَق ربَّكَ فإذا بلغ ذلك فلْيستِعذْ بالله ولْيَنْته» تفسير : وقد تقدّم في آخر «الأعراف». ولقد أحسن من قال:شعر : ولا تُفْكِرنْ في ذِي العُلاَ عَزَّ وجهُهُ فإنَّكَ تُردَى إنْ فعلتَ وتُخْذَلُ ودونَك مصنوعَاتِه فاعتَبِرْ بِها وقُلْ مِثلَ ما قال الخلِيلُ المبَجَّلُ
البيضاوي
تفسير : {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ} وفى وأتم ما التزمه وأمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله، وتخصيصه بذلك لاحتماله ما لم يحتمله غيره كالصبر على نار نمروذ حتى أتاه جبريل عليه السلام حين ألقي في النار فقال ألك حاجة، فقال أما إليك فلا، وذبح الولد وأنه كان يمشي كل يوم فرسخاً يرتاد ضيفاً فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم، وتقديم موسى عليه الصلاة والسلام لأن صحفه وهي التوراة كانت أشهر وأكبر عندهم. {أَلاَّ تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } أن هي المخففة من الثقيلة وهي بما بعدها في محل الجر بدلاً مما {فِى صُحُفِ مُوسَىٰ }، أو الرفع على هو أن {لا تَزِرُ} كأنه قيل ما في صحفهما؟ فأجاب به، والمعنى أنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ولا يخالف ذلك قوله: {أية : كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً }تفسير : [المائده: 32] وقوله عليه الصلاة والسلام، «حديث : من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»تفسير : فإن ذلك للدلالة والتسبب الذي هو وزره. {وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} إلا سعيه أي كما لا يؤاخذ أحد بذنب الغير لا يثاب بفعله، وما جاء في الأخبار من أن الصدقة والحج ينفعان الميت فلكون الناوي له كالنائب عنه. {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَاء ٱلأَوْفَىٰ} أي يجزى العبد سعيه بالجزاء الأوفر فنصب بنزع الخافض، ويجوز أن يكون مصدراً وأن تكون الهاء للجزاء المدلول عليه بيجزى و {ٱلْجَزَاء} بدله. {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} انتهاء الخلائق ورجوعهم، وقرىء بالكسر على أنه منقطع عما في الصحف وكذلك ما بعده. {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} لا يقدر على الإِماتة والإِحياء غيره فإن القاتل ينقض البنية والموت يحصل عنده بفعل الله تعالى على سبيل العادة. {وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ} تدفق في الرحم أو تخلق، أو يقدر منها الولد من منى إذا قدر. {وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ } الإِحياء بعد الموت وفاء بوعده، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو النشاءة بالمدة وهو أيضاً مصدر نشأ. {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ } وأعطى القنية وهو ما يتأثل من الأموال، وإفرادها لأنها أشرف الأموال أو أرضى وتحقيقه جعل الرضا له قنية. {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشّعْرَىٰ } يعني العبور وهي أشد ضياء من الغميصاء، عبدها أبو كبشة أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم وخالف قريشاً في عبادة الأوثان، ولذلك كانوا يسمون الرسول صلى الله عليه وسلم ابن أبي كبشة، ولعل تخصيصها للإِشعار بأنه عليه الصلاة والسلام وإن وافق أبا كبشة في مخالفاتهم خالفه أيضاً في عبادتها. {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأولَىٰ } القدماء لأنهم أولى الأمم هلاكاً بعد قوم نوح عليه الصلاة والسلام. وقيل {عَاداً ٱلأولَىٰ } قوم هود وعاد الأخرى إرم. وقرىء «عَاداً لولي» بحذف الهمزة ونقل ضمها إلى لام التعريف وقرأ نافع وأبو عمرو «عَاداً لولي» بضم اللام بحركة الهمزة وبادغام التنوين، وقالون بعد ضمة اللام بهمزة ساكنة في موضع الواو. {وَثَمُودَاْ} عطف على {عَاداً} لأن ما بعده لا يعمل فيه، وقرأ عاصم وحمزة بغير تنوين ويقفان بغير الألف والباقون بالتنوين ويقفون بالألف. {فَمَا أَبْقَىٰ } الفريقين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمْ } بل {لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ } أسفار التوراة أو صحف قبلها.
ابو السعود
تفسير : {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ} أيْ وفَّر وأتمَّ ما ابتُلي به من الكلماتِ أو أُمرَ به أو بالغَ في الوفاءِ بما عاهدَ الله وتخصيصُه بذلكَ لاحتمالِه ما لم يحتملْهُ غيرُه كالصبرِ على نارِ نمرودَ حتَّى إنه أتاهُ جبريلُ عليهِ السَّلامُ حينَ يُلقى في النَّارِ فقالَ ألكَ حاجةٌ فقالَ أمَّا إليكَ فَلاَ وعلى ذبحِ الولدِ ويُروَى أنَّه كانَ يمشِي كلَّ يومٍ فرسخاً يرتادُ ضيفاً فإنْ وافقَهُ أكرمَهُ وإلا نَوَى الصومَ وتقديمُ مُوسى لما أنَّ صحفَهُ التي هي التوراةُ أشهرُ عندَهُم وأكثرُ. {أَلاَّ تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} أي أنهُ لا تحملُ نفسٌ من شأنِها الحملُ حِملَ نفسٍ أُخْرَى على أنَّ «أن» هيَ المخففةُ منَ الثقيلةِ وضميرُ الشأنِ الذي هو اسمُها محذوفٌ والجملةُ المنفيةُ خبرُها ومحلُّ الجملةُ الجرُّ على أنَّها بدلٌ ممَّا في صحفِ مُوسى أو الرفعُ على أنَّها خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ كأنَّهُ قيلَ: ما في صحفِهما فقيلَ هو أنْ لا تزرُ الخ والمَعْنى أنَّه لا يُؤاخذُ أحدٌ بذنبِ غيرِه ليتخلصَ الثَّانِي عن عقابهِ ولا يقدحُ في ذلك قولُه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ "حديث : منْ سَنَّ سُنَّةً سيئةً فعليهِ وزرُهَا ووزرُ مَنْ عمِلَ بها إلى يومِ القيامةِ فإنَّ ذلكَ وزرُ الإضلالِ الذي هُو وزرُهُ"تفسير : . وقولُه تعالَى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} بـيانٌ لعدمِ انتفاعِ الإنسانِ بعملِ غيرِه من حيثُ جلبُ النفعِ إليهِ إثرَ بـيانِ عدمِ انتفاعِه بهِ منْ حيثُ دفعُ الضررِ عنْهُ، وأما شفاعةُ الأنبـياءِ عليهم السَّلامُ واستغفارُ الملائكةِ عليهم السَّلامُ ودعاءُ الأحياءِ للأمواتِ وصدقتُهم عنُهم وغيرُ ذلكَ ممَّا لا يكادُ يُحصَى من الأمورِ النافعةِ للإنسانِ مع أنَّها ليستْ من عملِه قطعاً فحيثُ كان مناطُ منفعةِ كلِّ منهَا عمله الذي هو الإيمانُ والصَّلاحُ ولم يكن لشيءٍ منها نفعٌ مَا بدونِه جُعل النافعُ نفسَ عملِه وإنْ كان بانضمامِ عملِ غيرِه إليهِ وأنْ مخففةٌ كأختِها معطوفةٌ عليهَا وكَذا قولُه تعالَى: {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ} أي يُعرضُ عليهِ ويكشفُ له يومَ القيامةِ في صحيفتِه وميزانِه من أريتُه الشيءَ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ام} أهو جاهل {لم ينبأ} لم يخبر {بما فى صحف موسى} اى اسفار التوراة قال الراغب الصحيفة المبسوطة من كل شىء كصحيفة الوجه والصحيفة التى كان يكتب فيها وجمعها صحائف وصحف والمصحف ماجعل جامعا للصحف المكتوبة وقال القهستاتى المصحف مثلث الميم ماجمع فيه قرءآن والصحف {وابراهيم الذى وفى} عطف على موسى اى وبما فى صحف ابراهيم الذى وفى اى وفروأتم ماابتلى به من الكلمات كما مر فى سورة البقرة او أمر به من غير اخلال واهمال يقال اوفاه حقه ووفاه بمعنى اى أعطاه تاما وافيا ويجوز أن يكون التشديد فيه للتكثير والمبالغة فى الوفاء بما عاهد الله اى بالغ فى الوفاء بما عاهد الله وتخصيصه بذلك لاحتماله مالم يحتمل غيره كالصبر على نار نمرود حتى انه أتاه جبريل حين ألقى فى النار فقال ألك حاجة فقال اما اليك فلا وعلى ذبح الولد وعلى الهجرة وعلى ترك اهله وولده فى واد غير ذى زرع ويروى انه كان يمشى كل يوم فرسخا يرتاد ضيفا فان وجده اكرمه والا نوى الصوم ونعم ماقيل وفى ببذل نفسه للنيران وقلبه للرحمن و ولده للقربان وماله للاخوان وعن النبى عليه السلام وفى عمل كل يوم باربع ركعات وهى صلاة الضحى وفى الحديث القدسى "حديث : ابن آدم اركع الى اربع ركعات من اول النهار اكفك آخره"تفسير : وروى الا اخبركم لم سمى الله خليله الذى وفى كان يقول اذا اصبح وأمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون حتى يختم الآيتين ذكره احمد فى مسنده الآيات الثلاث فى عين المعانى وعن ابى ذر الغفارى رضى الله عه قال قلت يارسول الله كم من كتاب انزل الله قال "حديث : مائة كتاب واربعة كتب أنزل الله على آدم عشر صحائف وعلى شيث خمسين صحيفة وعلى ادريس ثلاثين صحيفة وعلى ابراهيم عشر صحائف وانزل التوراة والانجيل والزبور والفرقان"تفسير : قلت يارسول الله ما كانت صحف ابراهيم قال "حديث : كانت امثالا منها ايها الملك المبتلى المغرور انى لم أبعثك فتجمع الدنيا بعضها الى بعض ولكن بعثتك كيلا ترد دعوة المظلوم فانى لا أردها وان كانت من كافر"تفسير : وكان فيها امثال منها وعلى العاقل ما لم يكن مغلويا على عقله أن يكون له ساعات ساعة يناجى فيها ربه ويفكر فى صنع الله وساعة يحاسب نفسه فيما قدم واخر وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال فى المطعم والمشرب وغيرهما وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شانه حافظا للسانه ومن علم ان كلامه من عمله قل كلامه الا فيما يعنيه ويأتى مانقل من صحف موسى فى آخر سورة سبح اسم ربك الاعلى كذا فى فتح الرحمن وتقديم موسى لما أن صحفه التى هى التوراة اشهر عندهم واكثر. يقول الفقير وايضا هو من باب الترقى من الاقرب الى الابعد لكون الاقرب اعرف وايضا ان موسى صاحب كتاب حقيقة بخلاف ابراهيم
الطوسي
تفسير : لما وبخ الله تعالى الذي أعطى قليلا واكدى، وبين أنه ليس عنده علم الغيب فيصدق من قال إنه يتحمل خطاياه، بين ان الذى وعده بذلك {أم لم ينبأ} أى لم يخبر بما في صحف الانبياء ولم يعلم ذلك فـ (أم) بمعنى (بل) وتقديره بل لم ينبأ بما في صحف موسى والصحف جمع صحيفة والمراد - هٰهنا - مكتوب الحكمة، لانها كتب الله. وقوله {وإبراهيم} أى ولا فى صحف ابراهيم {الذي وفى} أى وفى بما يجب عليه الله - عز وجل - واستحق أن يمدح بهذا المدح. وقال مجاهد {وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى} وقيل فى رسالة ربه في هذا أو في غيره - ذكره سعيد بن جبير وقتادة وابن زيد - وهو أليق بالعموم. وقوله {الذي وفى} قيل: استحق المدح بذبح ولده وإلقائه فى النار وتكذيبه فى الدعاء إلى الله فوفى ما عليه فى جميع ذلك. وقوله {ألا تزر وازرة وزر أخرى} أي بين الله تعالى فى صحف ابراهيم وموسى أن لا تزر وازرة وزر أخرى، ومعناه أنه لا يؤاخذ احد بذنب غيره، يقال: وزر يزر إذا كسب وزراً، وهو الاثم، فهو وازر. وقوله {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} معناه ليس له من الجزاء إلا جزاء ما عمل دون ما عمله غيره، ومتى دعا إلى الايمان من أجاب اليه فهو محمود عليه على طريق التبع كأنه من أجل عمله صار له الحمد على هذا، ولو لم يعمل شيئاً ما استحق شيئاً لا ثواباً ولا عقاباً. وقوله {وأن سعيه سوف يرى} معناه إن ما يفعله الانسان ويسعى فيه لا بد أن يرى فى ما بعد بمعنى أنه يجازى عليه من ثواب او عقاب، وبين ذلك بقوله {ثم يجزاه الجزاء الأوفى} أي يجازى على اعماله الطاعات بأوفى ما يستحقه من الثواب الدائم، والهاء في (يجزاه) عائدة على السعي. وقوله {وأن إلى ربك المنتهى} معناه وأن إلى ثواب ربك وعقابه آخر الأمور، والمنتهى هو المصير إلى وقت بعد الحال الأولى عن حال مثلها، فللتكليف منتهى، وليس للجزاء في دار الآخرة منتهى. والمنتهى قطع العمل إلى حال أخرى والمنتهى والآخر واحد. وقوله {وأنه هو أضحك وأبكى} قيل اضحك بأن فعل سبب ذلك من السرور والحزن، كما يقال أضحكني فلان وأبكاني اذا كان سبب ذلك بما يقع عنده ضحكي وبكائي، فعلى هذا الضحك والبكاء من فعل الانسان. وقد قال الله تعالى {أية : فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيراً} تفسير : ولو لم يكن من فعلنا لما حسن ذلك. وقال تعالى {أية : أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون} تفسير : وقال {أية : فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} تفسير : فنسب الضحك اليهم. وقال الحسن: الله تعالى هو الخالق للضحك والبكاء، والضحك تفتح اسرار الوجه عن سرور وعجب في القلب، فاذا هجم على الانسان منه ما لا يمكنه دفعه فهو من فعل الله الذي أضحك وابكى. والبكاء جريان الدموع على الخد عن غم في القلب، وإنما يبكى الانسان عن فرح يمازجه تذكر حزن، فكأنه عن رقة في القلب يغلب عليها الغم. وقوله {وأنه هو أمات وأحيا} معناه انه تعالى الذي يخلق الموت فيميت به الأحياء لا يقدر على الموت غيره، لانه لو قدر على الموت غيره لقدر على الحياة، لأن القادر على الشيء قادر على ضده، ولا احد يقدر على الحياة إلا الله. وقوله {وأحيا} أي هو الذي يقدر على الحياة التي يحيي بها الحيوان لا يقدر عليها غيره من جميع المحدثات. ثم بين ايضاً {أنه} الذي {خلق الزوجين الذكر} منهما {والأنثى من نطفة} أي خلق الذكر والانثى من النطفة، وهي ماء الرجل والمرأة التي يخلق منها الولد {إذا تمنى} يعني إذا خرج المني منهما وجعل في الرحم خلق الله تعالى منها الولد إما ذكراً واما انثى، ومعنى تمنى أي تلقى على تقدير في رحم الانثى، واصله التقدير يقولون: منى يمني فهو مان إذا قدر قال الشاعر: شعر : حتى تقلاقي ما يمنى لك الماني تفسير : أى يقدر ومنه التمني تقدير المعنى للاستمتاع به.
الجنابذي
تفسير : {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} مبالغة فى الوفاء والايفاء والمعنى بالغ فى الوفاء بعهد الله الّذى اخذ منه، وتقديم موسى (ع) لكونه اقرب الى المخاطبين المعاتبين ولكون صحفه اشهر واظهر.
اطفيش
تفسير : {أَمْ} بل {لَمْ يُنَبَّأ} يخبر {بِمَا فِي صُحُفِ} قال الزمخشري وقرأ بإسكان الحاء. {مُوسَى} أي اسفار التوراة وكتبه كلها.
اطفيش
تفسير : {أم لم ينبَّأ} بل ألم ينبأ أى بل ألم يخبر {بما في صُحفِ مُوسَى} صحفه هى عشر قبل التوراة، وقيل المراد التوراة، والأولى أن المراد الكل.
الالوسي
تفسير : {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ } أي بل ألم يخبر. {بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ } وهي التوراة. {وَإِبْرٰهِيمَ } وبما في صحف إبراهيم التي نزلت عليه {ٱلَّذِى وَفَّىٰ } أي وفر وأتم ما أمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد عليه الله تعالى، وقال ابن عباس: وفي بسهام الإسلام كلها ولم يوفها أحد غيره وهي ثلاثون سهماً منها عشرة في براءة [111] { أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ } تفسير : الآيات، وعشرة في الأحزاب: [35] { أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ } تفسير : الآيات، وست في ـ قد أفلح المؤمنون ـ الآيات التي في أولها، وأربع في {سَأَلَ سَآئِلٌ} { أية : وَٱلَّذِينَ يُصَدّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدّينِ } تفسير : [المعارج: 26] الآيات، وفي حديث ضعيف عن أبـي أمامة يرفعه: ( حديث : وفى بأربع ركعات كان يصليهن في كل يوم )تفسير : ، وفي رواية ( حديث : يصليهن أول النهار )تفسير : . وأخرج أحمد من حديث معاذ بن أنس مرفوعاً أيضاً ( حديث : ألا أخبركم لم سمى الله تعالى إبراهيم خليله الذي وفى: إنه كان يقول: كلما أصبح وأمسى {سُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } [الروم: 17] الآية ) تفسير : وقال عكرمة: وفى بتبليغ هذه العشرة { أية : ألاَّ تَزِرُ } تفسير : [النجم: 38] إلى آخره وقيل وقيل. والأولى العموم وهو مروي عن الحسن قال: ما أمره الله تعالى بشيء إلا وفى به. وتخصيصه عليه السلام بهذا الوصف لاحتماله ما لا يحتمله غيره، وفي قصة الذبح ما فيه كفاية / وخص هذان النبيان عليهما السلام بالذكر قيل: لأنه فيما بين نوح وإبراهيم كانوا يأخذون الرجل بابنه وبأبيه وعمه وخاله، والزوج بامرأته، والعبد بسيده فأول من خالفهم إبراهيم وقرر ذلك موسى ولم يأت قبله مقرر مثله عليه السلام. وتقديمه لما أن صحفه أشهر عندهم وأكثر. وقرأ أبو أمامة الباهلي. وسعيد بن جبير وأبو مالك الغفاري وابن السميقع وزيد بن علي {وفىٰ } بتخفيف الفاء.
ابن عاشور
تفسير : {أم} لإِضراب الانتقال إلى متعجَّب منه وإنكارٍ عليه آخَر وهو جهله بما عليه أن يعلمه الذين يخشون الله تعالى من عِلم ما جاء على ألسنة الرسل الأولين فإن كان هو لا يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فهلاّ تطلب ما أخبرت به رسل من قبلُ، طالما ذكَر هو وقومه أسماءهم وشرائعهم في الجملة، وطالما سأل هو وقومه أهل الكتاب عن أخبار موسى، فهلاّ سأل عمّا جاء عنهم في هذا الغرض الذي يسعى إليه وهو طلب النجاة من عذاب الله فينبئه العالمون، فإن مآثر شريعة إبراهيم مأثور بعضها عند العرب، وشريعة موسى معلومة عند اليهود. فالاستفهام المقدر بعد {أم} إنكار مثل الاستفهام المذكور قبلها في قوله: {أعنده علم الغيب} والتقدير: بل ألم ينبأ بما في صحف موسى الخ. و{صحف موسى}: هي التوراة، وصحف {إبراهيم}: صحفٌ سُجِّل فيها ما أوحَى الله إليه، وهي المذكورة في سورة الأعلى (18، 19) {أية : إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى}. تفسير : روى ابن حبّان والحاكم عن أبي ذر أنه سأل النبي عن الكتب التي أنزلت على الأنبياء فذكر له منها عشرة صحائف أنزلت على إبراهيم، أي أنزل عليه ما هو مكتوب فيها. وإنما خص هذه الصحف بالذكر لأن العرب يعرفون إبراهيم وشريعته ويسمونها الحنيفية وربما ادّعى بعضهم أنه على إثارة منها مثل: زيد بن عَمرو بن نُفيل. وأما صحف موسى فهي مشتهرة عند أهل الكتاب، والعربُ يخالطون اليهود في خيبر وقريظة والنضير وتَيما، ويخالطون نصارى نجران، وقد قال الله تعالى: {أية : فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثلَ ما أُوتي موسى}تفسير : [القصص: 48]. وتقديم {صحف موسى} لأنها اشتهرت بسعة ما فيها من الهدى والشريعة، وأما صحف إبراهيم فكان المأثور منها أشياء قليلة. وقدّرت بعشر صحف، أي مقدار عشر ورقات بالخط القديم، تسَع الورقة قُرابة أربع آيات من آي القرآن بحيث يكون مجموع ملفي صحف إبراهيم مقدار أربعين أية. وإنما قدم في سورة الأعلى صحف إبراهيم على صحف موسى مراعاةً لوقوعهما بَدلاً من الصحف الأولى فقدم في الذكر أقدمهما. وعندي أن تأخير ذكر صحف إبراهيم ليقع ما بعدها هنا جامعاً لما احتوت عليه صحف إبراهيم فتكون صحف إبراهيم هي الكلمات التي ابتلَى الله بها إبراهيم المذكورةُ في قوله في سورة البقرة (124): {أية : وإذا ابتلى إبراهيم ربُّه بكلمات فأتمهن} تفسير : أي بلغهن إلى قومه ومن آمن به، ويكون قوله هنا {الذي وفَّى} في معنى قوله: {أية : فأتمهن} تفسير : في سورة البقرة (124). ووصفُ إبراهيم بذلك تسجيل على المشركين بأن إبراهيم بلَّغ ما أوحي إليه إلى قومه وذريته ولكن العرب أهملوا ذلك واعتاضوا عن الحنيفية بالإِشراك. وحُذف متعلِّق {وفىٰ} ليشمل توفيات كثيرة منها ما في قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} وما في قوله تعالى: {أية : قد صدَّقت الرؤيا}تفسير : [الصافات: 105] وقوله: {ألا تزرُ وازرة وزر أخرى} يجوز أن يكون بدلاً من ما في صحف موسى وإبراهيم بدلَ مفصَّل من مجمل، فتكون (أنْ) مخففة من الثقيلة. والتقدير: أم لم ينبَّأ بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى. ويجوز أن تكون (أَن) تفسيرية فَسَّرت ما في صحف موسى وإبراهيم لأن ما من الصحف شيء مكتوب والكتابة فيها معنى القَول دون حروفه فصلَح «ما في صحف موسى» لأن تفسره (أنْ) التفسيرية. وقد ذكر القرطبي عند تفسير قوله تعالى: {أية : هذا نذير من النذر الأولى}تفسير : [النجم: 56] في هذه السورة عن السدّي عن أبي صالح قال: هذه الحروف التي ذَكر الله تعالى من قوله: {أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم} إلى قوله: {أية : هذا نذير من النذر الأولى}تفسير : [النجم: 56] كل هذه في صحف إبراهيم وموسى. و{تزر} مضارع وزر، إذا فَعَل وِزرا. وتأنيث {وازرة} بتأويل: نفس، وكذلك تأنيث {أخرى}، ووقوع «نفس» و{أخرى} في سياق النفي يفيد العموم فيشمل نفي ما زعمه الوليد بن المغيرة من تحمل الرجل عنه عذاب الله. وهذا مما كان في صحف إبراهيم، ومنه ما حكى الله في قوله: {أية : ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم}تفسير : [الشعراء: 87 ـــ 89]. وحكي في التوراة عن إبراهيم أنه قال في شأن قوم لوط: «أفتُهلك البارَّ مع الآثم». وأما نظيره في صحف موسى ففي التوراة «لا يُقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن الآباء كل إنسان بخطيئته يُقتل». وحكى الله عن موسى قوله: {أية : أتهلكنا بما فعل السفهاء منا}تفسير : [الأعراف: 155]. وعموم لفظ {وزر} يقتضي اطراد الحكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة. وأما قوله في التوراة أن الله قال: «أفتَقِدُ الأبناءَ بذنوب الآباء إلى الجيل الثالث» فذلك في ترتيب المسببات على الأسباب الدنيوية وهو تحذير. وليس حَملُ المتسبب في وزر غيره حَمْلاً زائداً على وِزره من قبيل تحمُّل وزر الغير، ولكنه من قبيل زيادة العقاب لأجل تضليل الغير، قال تعالى: {أية : ليَحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم}تفسير : [النحل: 25]. وفي الحديث: «حديث : ما من نفس تُقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأولِ كِفل من دمها، ذلك أنه أول مَن سنَّ القتل».
د. أسعد حومد
تفسير : (36) - أَوَ لَمْ يُخْبِرْهُ أَحَدٌ بِمَا جَاءَ فِي التَّورَاةِ التِي أَنزَلَها اللهُ تَعَالى عَلَى نَبِيِّهِ مُوسَى، عَليهِ السَّلاَمُ؟.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):