Verse. 4823 (AR)

٥٣ - ٱلنَّجْم

53 - An-Najm (AR)

وَاَنْ لَّيْسَ لِلْاِنْسَانِ اِلَّا مَا سَعٰى۝۳۹ۙ
Waan laysa lilinsani illa ma saAAa

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأن» بأنه «ليس للإنسان إلا ما سعى» من خير فليس له من سعي غيره الخير شيء.

39

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَنَّ } أي أنه {لَّيْسَ لِلإنسَٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } من خير فليس له من سعي غيره الخير شيء.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان} وقوله بعد ذلك {وأنه}، {وأنه} معطوف كل ذلك على أن المقدرة أولاً في قوله: "أنه لا تزر" وهي كلها بفتح الألف في قراءة الجمهور. وقرأ أبو السمال قعنب "وإن إلى ربك" بكسر الهمزة فيهما وفيما بعدها وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أن قوله: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} منسوخ بقوله: {أية : والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتم} تفسير : [الطور: 21] وهذا لا يصح عندي على ابن عباس، لأنه خبر لا ينسخ، ولأن شروط النسخ ليست هنا، اللهم إلا أن يتجوز في لفظة النسخ ليفهم سائلاً، وقال عكرمة: كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلها سعي غيرها، والدليل حديث سعد بن عبادة قال: يا رسول الله هل لأمي إن تطوعت عنها؟ قال: نعم. وقال الربيع بن أنس: "الإنسان" الذي في هذه الآية هو الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره. وسأل عبد الله بن طاهر بن الحسين والي خراسان الحسين بن الفضل عن هذه الآية مع قوله: {أية : والله يضاعف لمن يشاء} تفسير : [البقرة: 261] فقال ليس له بالعدل إلا ما سعى، وله بفضل الله ما شاء الله، فقبل عبد الله رأس الحسين. وقال الجمهور: الآية محكمة. والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو في اللام من قوله: {للإنسان} فإذا حققت الشيء الذي هو حق الإنسان يقول فيه لي كذا لم يجده إلا سعيه، وما بعد من رحمة ثم شفاعة أو رعاية أب صالح أو ابن صالح أو تضعيف حسنات أو تغمد بفضل ورحمة دون هذا كله فليس هو للإنسان ولا يسعه أن يقول لي كذا إلا على تجوز وإلحاق بما هو له حقيقة. واحتج بهذه الآية من يرى أنه لا يعمل أحد عن أحد بعد موته ببدن ولا مال. وفرق بعض العلماء بين البدن والمال، وهي عندي كلها فضائل للعامل وحسنات تذكر للمعمول عنه. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعداً بالصدقة عن أمه، والسعي: التكسب. وقوله: {يرى} فاعله حاضر والقيامة، أي يراه الله ومن شاهد الأمر، وفي عرض الأعمال على الجميع تشريف للمحسنين وتوبيخ للمسيئين، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سمع بأخيه فيما يكره سمع الله به سامع خلقه يوم القيامة". تفسير : وفي قوله: {ثم يجزاه الجزاء الأوفى} وعيد للكافرين ووعد للمؤمنين. و: {المنتهى} يحتمل أن يريد به الحشر، والمصير بعد الموت فهو منتهى بالإضافة إلى الدنيا وإن كان بعده منتهى آخر وهو الجنة أو النار، ويحتمل أن يريد بـ {المنتهى}: الجنة أو النار، فهو منتهى على الإطلاق، لكن في الكلام حذف مضاف إلى عذاب ربك أو رحمته. وقال أبي بن كعب قال النبي عليه السلام في قوله تعالى: {وأن إلى ربك المنتهى} لا فكرة في الرب. وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا ذكر الرب فانتهوا". تفسير : وقال أبو هريرة: حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى أصحابه فقال: "فيم أنتم"؟ قالوا: نتفكر في الخالق، فقال: "تفكروا في الخلق، لا تتفكروا في الخالق، فإنه لا تحيط به الفكرة" تفسير : الحديث، وذكر الضحك والبكاء لأنهما صفتان تجمعان أصنافاً كثيرة من الناس، إذ الواحدة دليل السرور، والأخرى دليل الحزن في الدنيا والآخرة، فنبه تعالى على هاتين الخاصتين اللتين هما للإنسان وحده، وقال مجاهد المعنى: {أضحك} الله أهل الجنة {وأبكى} أهل النار. وحكى الثعلبي في هذا أقوالاً استعارية كمن قال {أضحك} الأرض بالنبات، {وأبكى} السماء بالمطر، ونحوه: و {أمات وأحيا}. وحكى الثعلبي قولاً إنه أحيا بالإيمان وأمات بالكفر. و {الزوجين} في هذه الآية يريد به المصطحبين من الناس من الرجل والمرأة وما ضارع من الحيوان، والخنثى متميز ولا بد لأحد الجهتين. والنطفة في اللغة: القطعة من الماء كانت يسيرة أو كثيرة. ويراد بها هاهنا ماء الذكران. وقوله: {تمنى} يحتمل أن يكون من قولك: أمنى الرجل: إذا خرج منه المني، ويحتمل أن يكون من قولك منى الله الشيء: إذا خلقه، فكأنه قال: إذا تخلق وتقدر، و: {النشأة الأخرى} هي إعادة الأجسام إلى الحشر بعد البلي في التراب. وقرأ الناس: "النشْأة" بسكون الشين والهمز والقصر، وقرأ أبو عمرو والأعرج: "النشآة" ممدودة. {وأقنى} معناه: أكسب، يقال: قنبت المال، أي كسبته، ثم يعدى بعد ذلك بالهمزة، وقد يعدى بالتضعيف، ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : كم من غني أصاب الدهر ثروته ومن فقير يقنّى بعد إقلالِ تفسير : وعبر المفسرون عن {أقنى} بعبارات مختلفة. وقال بعضهم: {أقنى} معناه: أكسب ما يقتني، وقال مجاهد معناه: أغنى وأرضى. وقال حضرمي معناه: أغنى عن نفسه {وأقنى} أفقر عباده إليه. وقال الأخفش: {أقنى} أفقر، وهذه عبارات لا تقتضيها اللفظة، والوجه فيها بحسب اللغة أكسب ما يقتني. وقال ابن عباس: {أقنى} قنع. والقناعة خير قنية، والغنى عرض زائل، فلله در ابن عباس. و: {الشعرى} نجم في السماء، قال مجاهد وابن زيد: هو من زمر الجوزاء وهما شعريان، إحداهما: الغميصاء، والأخرى العبور، لأنها عبرت المجرة، وكانت خزاعة ممن يعبد هذه {الشعرى}، ومنهم أبو كبشة، ذكره الزهراوي واسمه عبد العزى، فلذلك خصت بالذكر، أي وهو رب هذا المعبود الذي لكم. وعاد: هم قوم هود، واختلف في معنى وصفها بـ {الأولى}، فقال ابن زيد والجمهور: ذلك لأنها في وجه الدهر وقديمه، فهي أولى بالإضافة إلى الأمم المتأخرة، وقال الطبري: سميت أولى، لأن ثم عاداً أخيرة وهي قبيلة كانت بمكة مع العماليق وهم بنو لقيم بن هزال. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أبين، لأن هذا الأخير لم يصح. وقال المبرد عاداً الأخيرة هي ثمود، والدليل قول زهير: [الطويل] شعر : كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم تفسير : ذكره الزهراوي، وقيل الأخيرة: الجبارون. وقرأ ابن كثير وعاصم، وابن عامر وحمزة، والكسائي "عاد الأولى" منونة وبهمز. وقرأ نافع فيما روي عنه: "عادا الأولى" بإزالة التنوين والهمز. وهذا كقراءة من قرأ "أحد الله" وكقول الشاعر [أبو الأسود الدؤلي]: [المتقارب] شعر : ولا ذاكر الله إلا قليلا تفسير : وقرأ قوم: {عاداً الأولى} والنطق بها "عادن الأولى". واجتمع سكون نون التنوين وسكون لام التعريف فكسرت النون للالتقاء، ولا فرق بينهما وبين قراءة الجمهور ولا ترك الهمز. وقرأ نافع أيضاً وأبو عمرو بالوصل والإدغام "عاد الولى" بإدغام النون في اللام ونقل حركة الهمزة إلى اللام. وعاب أبو عثمان المازني والمبرد هذه القراءة، وقال: إن هذا النقل لا يخرج اللام عن حد السكون وحذف ألف الوصل أن تبقى كما تقول العرب إذا نقلت الهمزة من قولهم الأحمر فإنهم يقولون الحمر جاء فكذلك يقال هاهنا "عاداً الولى"، قال أبو علي: والقراءة سائغة، وأيضاً فمن العرب من يقول: لحمر جاء فيحذف الألف مع النقل ويعتد بحركة اللام ولا يراها في حكم السكون، وقرأ نافع فيما روي عنه "عاداً الأولى" بهمز الواو، ووجه ذلك أنه لما لم يكن بين الواو والضمة حائل تخيل الضمة عليها فهمزها كما تهمز الواو المضمومة، وكذلك فعل من قرأ: "على سؤقه"، وكما قال الشاعر [جرير]: [الوافر] شعر : لحَبّ المؤقدان إلي موسى تفسير : وهي لغة. وقرأ الجمهور: "وثموداً" بالنصب عطفاً على عاد. وقرأ عاصم وحمزة والحسن وعصمة "وثمود" بغير صرف، وهي في مصحف ابن مسعود بغير ألف بعد الدال. وقوله: {فما أبقى} ظاهره: {فما أبقى} عليهم، وتأول ذلك بعضهم {فما أبقى} منهم عيناً تطرف، وقد قال ذلك الحجاج حين سمع قول من يقول إن ثقيفاً من ثمود فأنكر ذلك وقال: إن الله تعالى قال: {وثموداً فما أبقى}. وهؤلاء يقولون بقي منهم باقية.

النسفي

تفسير : {وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } إلا سعيه وهذه أيضاً مما في صحف إبراهيم وموسى، وأما ما صح في الأخبار من الصدقة عن الميت والحج عنه فقد قيل: إن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمناً كان سعي غيره كأنه سعي نفسه لكونه تابعاً له وقائماً بقيامه، ولأن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه ولكن إذا نواه به فهو بحكم الشرع كالنائب عنه والوكيل القائم مقامه {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ } أي يرى هو سعيه يوم القيامة في ميزانه {ثُمَّ يُجْزَاهُ } ثم يجزى العبد سعيه. يقال: جزاه الله عمله وجزاه على عمله بحذف الجار وإيصال الفعل، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء. ثم فسره بقوله {ٱلْجَزَاء ٱلأَوْفَىٰ } أو أبدله عنه {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } هذا كله في الصحف الأولى. والمنتهى مصدر بمعنى الانتهاء أي ينتهي إليه الخلق ويرجعون إليه كقوله: {أية : وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ }تفسير : [آل عمران: 28] {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ } خلق الضحك والبكاء. وقيل: خلق الفرح والحزن. وقيل: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب و{وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا } قيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء، أو أمات بالكفر وأحيا بالإيمان، أو أمات هنا وأحيا ثمة {وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ } إذا تدفق في الرحم يقال منى وأمنى {وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ } الإحياء بعد الموت {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ } وأعطى القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك. {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشّعْرَىٰ } هو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر وكانت خزاعة تعبدها، فأعلم الله أنه رب معبودهم هذا {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ } هم قوم هود وعاد الأخرى إرم {عَادٍ الولى} مدني وبصري غير سهل بإدغام التنوين في اللام وطرح همزة {أُوْلِى } ونقل ضمتها إلى لام التعريف {وَثَمُودَاْ فَمَا أَبْقَىٰ } حمزة وعاصم الباقون {وَثَمُودَاْ } وهو معطوف على {عَاداً } ولا ينصب بـ {فَمَا أَبْقَىٰ } لأن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبله لا تقول: زيداً فضربت، وكذا ما بعد النفي لا يعمل فيما قبله، والمعنى وأهلك ثمود فما أبقاهم. {وَقَوْمَ نُوحٍ } أي أهلك قوم نوح {مِن قَبْلُ } من قبل عاد وثمود {إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حرام وينفرون عنه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه {وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ } والقرى التي ائتفكت بأهلها أي انقلبت وهم قوم لوط يقال: أفكه فأتفك {أَهْوَىٰ } أي رفعها إلى السماء على جناح جبريل ثم أهواها إلى الأرض أي أسقطها و {المؤتفكة} منصوب بـ {أَهْوَىٰ} {فَغَشَّـٰهَا } ألبسها {مَا غَشَّىٰ } تهويل وتعظيم لما صب عليها من العذاب وأمطر عليها من الصخر المنضود {فَبِأَىّ الآء رَبّكَ } أيها المخاطب {تَتَمَارَىٰ } تتشكك بما أولاك من النعم أو بما كفاك من النقم، أو بأي نعم ربك الدالة على وحدانيته وربوبيته تشكك {هَـٰذَا نَذِيرٌ } أي محمد منذر {مّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ } من المنذرين الأولين. وقال {ٱلأولَىٰ } على تأويل الجماعة أو هذا القرآن نذير من النذر الأولى أي إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي أنذر بها من قبلكم {أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ } قربت الموصوفة بالقرب في قوله: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ }تفسير : [القمر: 1] {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ } أي ليس لها نفس كاشفة أي مبينة متى تقوم كقوله: {أية : لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ }تفسير : [الأعراف: 187]. أو ليس لها نفس كاشفة أي قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله تعالى غير أنه لا يكشفها {أَفَمِنْ هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ } أي القرآن {تَعْجَبُونَ } إنكاراً {وَتَضْحَكُونَ } استهزاء {وَلاَ تَبْكُونَ } خشوعاً {وَأَنتُمْ سَـٰمِدُونَ } غافلون أو لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء ليشغلوا الناس عن استماعه {فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ } أي فاسجدوا لله واعبدوه ولا تعبدوا الآلهة، والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} وما بعده، كل ذلك معطوف على قوله: {أَلاَّ تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} والجمهور أَنَّ قوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} مُحْكَمٌ لا نسخَ فيه، وهو لفظ عام مخصص. وقوله: {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ} أي: يراه اللَّه، ومَنْ شاهد تلك الأُمُورَ، وَفِي عَرْضِ الأعمال على الجميع تشريفٌ للمحسنين وتوبيخٌ للمسيئين، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ سَمَّعَ بِأَخِيهِ فِيمَا يَكْرَهُ، سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».تفسير : وفي قوله تعالى: {ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَاءَ ٱلأَوْفَىٰ} وعيد للكافرين، ووعد للمؤمنين.

البقاعي

تفسير : ولما نفى أن يضره إثم غيره نفى أن ينفعه سعي غيره فقال: {وأن ليس للإنسان} كائناً من كان {إلا ما سعى} فلا بد أن يعلم الحق في أي جهة فيسعى، ودعاء المؤمنين للمؤمن سعيه بمواددته لهم ولو بموافقته لهم في الدين وكذا الحج عنه والصدقة ونحوهما، وأما الولد فواضح في ذلك، وأما ما كان لسبب العلم ونحوهما فكذلك، وتضحية للنبي صلى الله عليه وسلم في عزامته أصل كبير في ذلك، فإن من تبعه فقد وادده، وهذا أصل في التصدق عن الغير وإهداء ما له من الثواب في القراءة ونحوها. ولما ثبت أنه ليس له ولا عليه إلا ما عمل، وكان في الدنيا قد يفعل الشيء من الخير والشر ولا يراه من فعله لأجله ولا غيره نفى أن يكون الآخرة كذلك بقوله: {وأن سعيه} أي من خير وشر {سوف} أي من غير شك بوعد لا خلف فيه وإن طال المدى. ولما كان الاطلاع نفسه مرضياً أو مخزياً لا بالنسبة لأحد بعينه، بناه للمجهول بقوله: {يرى *} ولما كان المخوف منه المجازاة مطلقاً لا من مجاز معين قال: {ثم يجزاه} ولما كان في هذه الدار ربما وقعت المسامحة ببعض الأشياء والغفلة عن بعضها، قال: {الجزاء الأوفى *} أي الإثم الأكمل، إن كان خيراً فمع المضاعفة، وإن كان غيره فعلى السواء لمن أراد الله ذلك له ويعفو عن كثير، لكنه تذكرة له. ولما كانت رؤية الأعمال لا تقطع برؤية المتوكلين بها من الملائكة أو غيرها ممن أقامه الله لذلك، وكان الرائي كلما كان أكثر كان الأمر أهول، وكان رؤية الملك الأعظم أخوف، قال عاطفاً على {لا تزر} مبيناً بحروف الغاية أن الرائين للأعمال كثير لكثرة جنوده سبحانه: {وأن إلى ربك} أي المحسن إليك لا غيره {المنتهى *} أي الانتهاء برجوع الخلائق حساً بالبعث ومعنى بالعمل والعلم، وإسناد الأمور وإرسال الآمال، ومكان رجوعهم وزمانه كما كان منه المبتدأ، أكد ذلك خلقاً لذلك كله وحساباً عليه، روى البغوي من طريق أبي جعفر الرازي عن أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال"حديث : لا فكرة في الرب"تفسير : قال: ومثل هذا ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً:"حديث : تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإنه لا يحيط به الفكرة" تفسير : ورواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما:"حديث : لا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره"تفسير : ،هذا هو المراد وهو واضح، فمن أول الآية باتحاد أو غير ذلك من الإلحاد فعليه لعنة الله وعلى الذاب عنه والساكت عنه. ولما ذكر تعالى الأمور الاختيارية وقدمها لأنها محط للبلاء وسلب علمها عن أصحابها، وحذر من عاقبتها بإحاطته بكل شيء، وكان معنى ذلك أنه القادر على غيره والعالم لا غيره، عطف عليه قوله ذاكراً للأمور الاضطرارية التي هي في غاية التنافي إكمالاً للدليل على أنه يعلم ما في النفوس دون أصحابها وغيرهم وأنه إليه المنتهى إعادة وإبداء، يوقف ما يشاء على ما يريد من الأسباب التي تفعل بإذنه من الضحك أو البكاء وغيرهما من الأمور المنافية التي لولا الإلف لها لقضى الإنسان أن المتلبس بأحدهما لا يتلبس بضده أصلاً من غيرها {وأنه} ولما كانت التأثيرات الإدراكية تحال على أسبابها، أكد الكلام فيها فقال: {هو} أي لا غيره {أضحك وأبكى *} أي ولا يعلم أحد قبل وقت الضحك أو البكاء أنه يضحك أو يبكي ولا أنه يأتيه ما يعجبه أو يحزنه، ولو قيل له حالة الضحك أنه بعد ساعة يبكي لأنكر ذلك، وربما أدركه ما أبكاه وهو في الضحك وبالعكس. ولما كانت الإماتة والإحياء أعظم تنافياً بما مضى، فكانت القدرة على إيجادها في الشخص الواحد أعظم ما يكون، وكان ربما نسب إلى من قتل داوى من مرض أو أطلق من وجب قتله، أكد فقال: {وأنه هو} أي لا غيره. ولما كان الإلباس في الموت أكبر، وكان الموت انسب للبكاء، والإحياء أنسب للضحك، وكان طريق النشر المشوش أفصح، قدمه فقال: {أمات وأحيا *} وإن رأيتم أسباباً ظاهرية فإنه لا عبرة بها أصلاً في نفس الأمر بل هو الذي خلقها. ولما كان ذكر الإحياء، وكان تصنيف الولد إلى نوعيه ظاهراً في اختصاصه، بل وهو في غاية التعذر على من سواه، أعراه عن مثل التأكيد في الذي قبله فقال: {وأنه خلق الزوجين} ثم فسرها بقوله: {الذكر والأنثى *} فإنه لو كان ذلك في غيره لمنع البنات لأنها مكروهة لكل أحد، ثم ذكر ما يظهر ولا بد أنه من صنعه فتسبب أن مادة الاثنين واحدة وهو الماء الذي هو أشد الأشياء امتزاجاً فقال: {من نطفة} وصور كونها منها بقوله: {إذا تمنى *} أي تراق وتدفق بالفعل لا قبل ذلك ليمكن فيه طعن بأنه كان بدءاً أو غيره بل أنتم تعلمون أنه لا يخلق الولد إلا بعد الإمناء بالفعل، وخرج أصله ما يمكن خلقاً من خلق الله أن يعرف بمجرد رؤيته أهو صالح للأنثى فقط أو للذكر فقط أو لهما أو للأشكال بالخنوثة. ولما ساق هذه الأشياء دليلاً على إحاطة علمه فلزمها أن دلت على تمام قدرته، وختمها بالنشأة الأولى فلزم من ذلك الإقرار حتماً بأنه قادر على البعث، عبر بما يتقضي أنه لما تقدم به وعده على جميع ألسنة رسله صار واجباً عليه بمعنى أنه لا بد من كونه لأنه لا يبدل القول لديه، لا غير ذلك، فعبر بحرف الاستعلاء تأكيداً له رداً لإنكارهم إياه فقال: {وأن عليه} أي خاصاً به علماً وقدرة {النشأة} أي الحياة وهو ممدود لابن كثير وأبي عمرو ومقصور لغيرهما مصدر نشأ - إذا حنى وربى وسن {الأخرى *} أي التي ينشأ بها الخلق بعد أن يميتهم. ولما كان الغنى والفقر من الأمور المتوسطة بين الاختيارية والاضطرارية له بكل الأمرين لسبب وكان مقسوماً بين الإناث والذكور بحكمة ربانية لا ينفع الذكر فيها قوته ولا يضر الأنثى ضعفها، وكان ذكر النشأة الآخرة كالمعترض إنما أوجب ذكر النشأة الأولى، تعقب ذكرهما به وكان ذكر الغنى مع أنه يدل على الفقر أليق بالامتنان، والنسبة إلى الرب، وكان الغنى الحقيقي إنما يكون في تلك الدار، أخر ذكره فقال: {وأنه} ولما كان ربما نسب إلى السعي وغيره، أكد بالفعل فقال: {هو} أي وحده من غير نظر إلى سعي ساع ولا غيره {أغنى} ولما كان الغنى في الحقيقة إنما هو غنى النفس، وهو رضاها بما قسم لها وسكونها وطمأنينتها، وإنما سمي ذو المال غنياً لأن المال بحيث تطمئن معه النفس، فمن كان راضياً بكل ما قسم الله به فهو غني، وهو في الجنانة مغني وإن كان في الدنيا {وأقنى *} أي أمكن من المال وأرضى بجميع الأحوال قال البغوي: أعطى أصول المال وما يدخر بعد الكفاية، قال: وقال الأخفش أقنى أفقر - انتهى. ونقل الأصبهاني مثله عن أبي زيد، فتكون الهمزة للإزالة ويقال، أفناه بكذا أرضاه، وأقناه الصد: أمكنه منه.

السلمي

تفسير : قال الواسطى رحمة الله عليه: ليس للإنسان إلا ما جحد من سعيه وتبرأ منه. وقال ابن عطاء: ليس له من سعيه إلا ما نواه إن كان سعيه لرضا الرحمن فإن الله يرزقه الرضوان وإن كان سعيه للثواب والعطاء والأعواض فله ذلك. قال محمد بن عيسى الهاشمى: أقرب الطريق من السلامة معرفة المرء بنفسه ومنعها من شهواتها لأنها أكثر سعيها. قال النصرآباذى: سعى الإنسان فى طريق السلوك لا فى طريق الحقيقة فإذا تحقق سعى به ولا يسعى هو بنفسه وأنشد: شعر : الطرق شتى وطريق الحق منفرد والسالكون طريق الحق أفرادا تفسير : سمعت النصرآباذى يقول: ساعٍ يسعى فى طريق ليرى فيه المملكة وساعٍ يسعى فى طريق ليشهد فيه الملك فشتان ما بين السعيين وأنشد: شعر : أَيَا وجه من أهوى لك الفدا متى نلتقى فى مجلس أنت واحدا تفسير : قال أبو بكر الوراق فى قوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} ذلك فى بداياتهم {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ} فى توسط أمورهم {ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ} وذلك فى نهاياتهم {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} وذلك عند فناء العبد من إرادته وصفاته {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} النشوء الثانى.

البقلي

تفسير : اى ليس الصورة الانسانية الا ما سعت من الاعمال الزكية عن الرياء والسمعة يوول ثوابها اليها من درجات الجنان اما ما سيتعلق بفضل الله وجوده من مشاهدته وقربته فهو الروم الروحانى الذى فى تلك الصورة وانا اذا استوفت بمقام درجات الجنان التى جزاء اعمالها تمتعت ايضا بما يجدر وهو من فضل الله من كشف مشاهدته ودوام وصاله وايضا اى ليس للانسان الا ما يليق بالانسان من الاعمال والفضل والمشاهدة والقربة لله يؤتيه من يشاء فاذا وصل الى مشاهدة الله وتمتع بها فليس ذلك له انما ذلك الله وان كان هو متمتعا بها وايضا ليس كل عمل للانسان انما بعضها لله مثل الصوم كما قال الصوم لى وانا اجزى به فذلك لله لا للانسان وتوابه فضل الله وذلك رؤيته وهى قائمة بذاته وعند ذلك لا يبقى قدر سعايات اهل الكون وتصديق ذلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان ليس للانسان الا ماسعى} ان مخففة من الثقيلة كأختها معطوفة عليها وللانسان خبر ليس والا ماسعى اسمها مصدرية ويجوز أن تكون موصولة والسعى المشى الذريع وهو دون العدو ويستعمل للجد فى الامر خيرا كان او شرا والمعنى وانه اى الشأن ليس للانسان فى الآخرة الا سعيه فى الدنيا من العمل والنية اى كما لايؤآخذ احد بذنب الغير لايثاب بفعله فهو بيان لعدم انتفاع الانسان بعمل غيره من حيث جلب النفع أثر بيان عدم انتفاعه من حيث دفع الضرر عنه وظاهر الآية يدل على انه لاينفع احدا عمل احد واختلفوا فى تأويلها فروى عن ابن عباس رضى الله عنهما عدم اثابة الانسان بسعى غيره وفعله وهذا منسوخ الحكم فى هذه الشريعة بقوله تعالى {أية : الحقنا بهم ذريتهم}تفسير : فيدخل الابناء الجنة بصلاح الآباء ويجعل الولد الطفل يوم القيامة فى ميزان ابيه ويشفع الله الآباء فى الابناء والابناء فى الآباء يدل على ذلك قوله تعالى {أية : آباؤكم وابناؤكم لا تدرون أيهم اقرب لكم نفعا}تفسير : قال عكرمة كان ذلك لقوم ابراهيم وموسى واما هذه الامة فلهم ماسعوا و ما سعى لهم غيرهم لما روى ان امرأة رفعت صبيا لها من محفة وقالت يارسول الله ألهذا حج قال "حديث : نعم ولك اجر"تفسير : وقال رجل للنبى عليه السلام ان امى افتلتت نفسها اى ماتت فجأة فهل لها أجر ان تصدقت عنها قال نعم وقال الربيع بن انس وان ليس للانسان الا ماسعى يعنى الكافر واما المؤمن فعله ماسعى وماسعى له غيره وكثير من الاحاديث يدل على هذا القول ويشهد له ان المؤمن يصل اليه ثواب العمل الصالح من غيره (روى) ان عائشة رضى الله عنها اعتكفت عن اخيها عبدالرحمن رضى الله عنه بعد موته واعتقت عنه وقال سعد للنبى عليه السلام ان امى توفيت أفأ تصدق عنها قال نعم قال فأى الصدقة أفضل قال سقى الماء فحفر بئرا وجعلها فى سبيل الله وقال القرطبى فى تذكرته ويحتمل أن يكون قوله {وان ليس للانسان الا ماسعى} خالصا فى السيئة بدليل قوله عليه السلام "حديث : قال الله اذا هم عبدى بحسنة ولم يعملها كتبتها عشرا الى سبعمائة ضعف واذا هم بسيئة ولم يعملها لم اكتبها عليه فان عملها كتبتها سيئة واحدة"تفسير : والقرءآن دال على هذا قال تعالى {أية : من جاء بالحسنة فله عشر امثالها}تفسير : وهذا ونحوه تفضل من الله وطريق العدل وان ليس للانسان الا ماسعى الا ان الله يتفضل عليه بما لم يجب له كما ان زيادة الاضعاف فضل منه كتب لهم بالحسنة الواحدة عشرا الى سبعمائة ضعف الى الف الف حسنة وقد تفضل الله على الاطفال بادخالهم الجنة بغير عمل والحاصل ما كان من السعى فمن طريق العدل والمجازاة وما كان من غير السعى فمن طريق الفضل والتضعيف فكرامة الله تعالى اوسع واعظم من ذلك فانه يضاعف الحسنات ويتجاوز عن السيئات فمرتبة النفس الطعبية وكذا الشريعة والطريقة من الطريق الاولى ومرتبة الروح والسر وكذا المعرفة والحقيقة من الطريقة الثانية قال فى الاسئلة المقحمة اشارت الآية الى اصل النجاة المعهودة فى حكم الشريعة فان النجاة الاصلية الموعودة فى الكتاب والسنة بالعمل الصالح وفى النجاة بشرط المجازاة والمكافاة فاما التى هى من غير طريق المجازاة والمكافاة فهى بطريق تفضل الله وبطوله وعميم رحمته وكريم لطفه وقد فسرها رسول الله عليه السلام حيث قال "حديث : ادخرت شفاعتى لاهل الكبائر من امتى أترونها للمؤمنين المتقين لا ولكنها للخطائين الملوثين"تفسير : وبيان الكتاب الى الرسول عليه السلام وسمعت الامام أبا بكر الفارسى بسمرقند يقول سمعت الاستاذ ابا اسحق الاسفرائينى يقول ان عبدالله بن طاهر امير خراسان قال للحسن بن الفضل البجلى اشكلت على ثلاث آيات أريد أن تكشف عنى وتشفى العليل اولاها قوله تعالى فى قصة ابن آدم {أية : فأصبح من النادمين}تفسير : وصح الخبر بأن "حديث : الندم توبة"تفسير : ولم يكن هذا الندم توبة فى حق قابيل وثانيتها قوله تعالى {أية : كل يوم هو فى شأن} تفسير : وصح الخبر بأن القلم جف بما هو كائن الى يوم القيامة وثالثتها قوله تعالى {أية : اضعافا مضاعفة}تفسير : فأجابه وقال اما الآية الاولى فالندم لم يكن توبة فى شريعة من الشرآئع وانما صار توبة فى شريعة محمد عليه السلام تخصيصا له على ان ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل وانما كان على حمله حين حمله على عاتقه اياما فلم يعلم ماذا يعمل به لانه كان او قتل حتى بعث الله غرابا يبحث فى الاض ليريه كيف يوارى سوأة اخيه واما الآية الثانية فان الشان المذكور فيها ماهو التقدير بطريق الابتدآء وانما هو سوق المقادير الى المواقيت واما الآية الثالثة فهو انه ليس للانسان الا ماسعى من طريق العدل والمجازاة وله أن يجزيه بواحدة عشرا واضعافا مضاعفة بطريق الفضل والطول لاعلى سبيل العدل والجزآء فقام عبدالله بن طاهر وقبل رأسه وسوغ خراجه وكان خمسين الف درهم وقد ذكر الخرآئطى فى كتاب الثبور قال سنة فى الانصار اذا حملوا الميت ان يقرأوا معه سورة البقرة. يقول الفقير فيه دليل على سنية الذكر عند حمل الجنازة لان الذكر من القرءآن ولذا كان على الذاكر أن ينوى التلاوة والذكر معا حتى يثاب بثواب التلاوة فحيث سن القرءآن سن الذكر المأخوذ مه ولقد احسن من قال فى ابيات شعر : زر والديك وقف على قبريهما فكأننى بك قد حملت اليهما تفسير : الى قال فى آخرها شعر : وقرأت من آى الكتاب بقدرما تسطيعه وبعثت ذاك اليهما تفسير : قال الشيخ تقى الدين ابو العباس من اعتقد ان الانسان لاينتفع الا بعمله فقد خرق الاجماع وذلك باطل من وجوه كثيرة احداها ان الانسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير والثانى ان النبى عليه السلام يشفع لاهل الموقف فى الحساب ثم لاهل الجنة فى دخولها ولاهل الكبائر فى الاخراج من النار وهذا الانتفاع بسعى الغير والثالث ان كل نبى وصالح له شفاعة وذلك انتفاع بعمل الغير الرابع ان الملائكة يدعون ويستغفرون لمن فى الارض وذلك منفعة بعمل الغير والخامس ان الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط بمحض رحمته وهذا انتفاع بغير عملهم والسادس ان اولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم وذلك انتفاع بمحض عمل الغير وكذا الميت بالصدقة عنه وبالعتق بنص السنة والاجماع وهومن عمل غيره وان الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه عنه بنص السنة وكذا تبرأ ذمة الانسان من ديون الخلق اذا قضاها عنه قاض كما قال الشافعى اذا أنا مت فليغسلنى فلان اى من الدين وذلك انتفاع بعمل الغير وكذا من عليه تبعات ومظالم اذا حلل منها سقطت عنه وان الجار الصالح ينتفع بجواره فى الحياة والممات كما جاء فى الأثر "حديث : وان جليس اهل الذكر يرحم بهم وهو لم يكن منهم ولم يجلس معهم"تفسير : لذلك بل لحاجة اخرى والاعمال بالنيات وكذا الصلاة على الميت والدعاء له فيها ينتفع بها الميت مع ان جميع ذلك انتفاع بعمل الغير ونظائر ذلك كثيرة لاتحصى والآيات الدالة على مضاعفة الثواب كثيرة ايضا فلا بد من توجيه قوله تعالى {وان ليس للانسان الا ماسعى} فانه لاشتماله على النفى والاستثناء يدل على ان الانسان لاينتفع الا بعمل نفسه ولايجزى على عمله الا بقدر سعيه ولايزداد وهو يخالف الاقوال الواردة فى انتفاعه بعلم غيره وفى مضاعفة ثواب اعماله ولا يصح أن يؤول بما يخالف صريح الكتاب والسنة واجماع الامة فأجابوا عنه بوجوه منها انه منسوخ ومنها انه فى حق الكافر ومنها انه بالنسبة الى العدل لا الفضل وقد ذكرت ومنها ان الانسان انما ينتفع بعمل غيره اذا نوى الغير أن يعمل له حيث صار بمنزلة الوكيل عنه القائم مقامه شرعا فكان سعى الغير بذلك كأنه سعيه وايضا ان سعى الغير انما لم ينفعه اذا لم يوجد له سعى قط فاذا وجد له سعى بان يكون مؤمنا صالحا كان سعى الغير تابعا لسعيه فكأنه سعى بنفسه فان علقة الايمان وصلة وقرابة كما قال عليه السلام "حديث : مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"تفسير : وقال عليه السلام "حديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ثم شبك بين اصابعه"تفسير : فاذا سعى احد فى الايمان والعمل الصالح فكأنه سعى بتأييد عضو اخيه وسد ثلمته فكان سعيه سعيه والحاصل انه لما كان مناط منفعة كل ماذكر من الفوائد عمله الذى هو الايمان والصالح ولم يكن لشىء منه نفع مابدونهما جعل النافع نفس عمله وان كان بانضمام غيره اليه وفى اول باب الحج عن الغير من الهداية الانسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة او صوما او صدقة اوغيرها عند اهل السنة والجماعة وفى فتح الرحمن واختلف الائمة فيما يفعل من القرب كالصلاة والصيام وقرءآة القرءآن والصدقة ويهدى ثوابه للميت المسلم فقال ابو حنيفة واحمد يصل ذلك اليه ويحصل له نفعه بكرم الله ورحمته وقال مالك والشافعى يجوز ذلك فى الصدقة العبادة المالية وفى الحج واما غير ذلك من الطاعات كالصلاة والصوم وقرآءة القرآن وغيره لايجوز ويكون ثوابه لفاعله وعند المعتزلة ليس للانسان جعل ثواب عمله مطلقا لغيره ولايصل اليه ولاينفعه لقوله تعالى {وان ليس للانسان الا ماسعى} ولان الثواب الجنة وليس فى قدرة العبد أن يجعلها لنفسه فضلا عن غيره واختلفوا فيمن مات قبل أن يحج فقال ابو حنيفة ومالك يسقط عنه الحج بالموت ولا يلزم الحج عنه الا أن يوصى بذلك وقال الشافعى واحمد لايسقط عنه ويلزم الحج عنه من رأس ماله واختلفوا فيمن لم يحج عن نفسه هل يصح أن يحج عن غيره فقال ابو حنيفة ومالك يصح ويجزى عن الغير مع الكراهة وقال الشافعى واحمد لايصح ولو فعل وقع عن نفسه واما الصلاة فهى عبادة بدنية لاتصح فيها النيابة بمال ولابدن بالاتفاق وعند ابى حنيفة اذا مات وعليه صلوات يعطى لكل صلاة نصف صاع من بر او صاع من تمر او شعير او قيمة ذلك فدية تصرف للمساكين وليس للمدفوع اليه عدد مخصوص فيجوز ان يدفع لمسكين واحد الفدية عن عدة صلوات ولايجوز أن تدفع فدية صلاة لا كثر من مسكين ثم لابد من الايصاء بذلك فلو تبرع الورثة بذلك جاز من غير لزوم وذللك عند ابى حنيفة خلافا للثلاثة (وروى) ان رجلا سأل النبى عليه السلام فقال كان لى ابوان ابرهما حال حياتهما فكيف ابرهما بعد موتهما فقال "حديث : ان من البر بعد الموت أن تصلى لهما مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك"تفسير : رواه الدار قطنى عن على رضى الله عنه وهذا الحديث حجة لابى حنيفة فى تجويزه جعل العبادة البدنية ايضا لغيره خلافا للشافعى كما مر (وروى) ايضا "حديث : من مر على المقابر قرأ قل هو الله احد عشر مرة ثم وهب اجرها للاموات أعطى من الاجر بعدد الاموات"تفسير : رواه الدار قطنى عن انس بن مالك رضى الله عنه مرفوعا فهذا ايضا حجة له فى تجويزه جعل ثواب التلاوة للغير خلافا للشافعى (وروي) عن النبى عليه السلام انه ضحى بكبشين املحين احدهما عن نفسه والآخرة عن امته المؤمنين متفق عليه اى جعل ثوابه لها وهذا تعليم منه عليه السلام بأن الانسان ينفعه عمل غيره والاقتدآء به عليه السلام هو الاستمساك بالعروة الوثقى وكذا قال الحسن البصرى رحمه الله رأيت عليا رضى الله عنه يضحى بكبشين وقال ان رسول الله اوصانى أن أضحى عنه وكان الشيخ الفقيه القاضى الامام مفتى الانام عزالدين بن عبدالسلام يفتى بانه لايصل الى الميت ثواب ما يقرأ ويحتج بقوله {وان ليس للانسان الا ماسعى} فلما توفى رأه بعض اصحابه ممن يجالسه وسأله عن ذلك وقال له انك كنت تقول لا يصل الى الميت ثواب مايقرأ ويهدى اليه فكيف الامر فقال له كنت اقول ذلك فى دار الدنيا القرآءة للقارىء وللميت ثواب الاستماع ولذلك تلحقه الرحمة قال الله تعالى {أية : واذا قرىء القرءآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون}تفسير : قال القرطبى ولا يبعد من كرم الله أن يلحقه ثواب القرآءة والاستماع جميعا ويلحقه ثواب مايهدى من قرآءة القرءآن وان لم يسمعه كالصدقة والاستغفار ولان القرءآن دعاء واستغفار وتضرع وابتهال وما تقرب المتقربون الى الله بمثل القرءآن انتهى. يقول الفقير فيه حجة على من انكر من اهل عصرنا جهر آية الكرسى اعقاب الصلوات واوجب اخفاءها وتلاوتها لكل واحد من الجماعة وذلك لان استماع القرءآن اثوب من تلاوته فاذا قرأ الموذن واستمع الحاضرون كانوا كأنهم قرأوا جمعيا واذا جاز وصول ثواب القرآءة والاستماع جميعا الى الميت فما ظنك بالحى اصلحنا الله واياكم (وروى) ان بعض النساء توفيت فرأتها فى المنام امرأة كانت تعرفها واذا عندها تحت السرير آنية من نور مغطاة فسألتها مافى هذه الاوعية فقالت فيها هدية اهداها الى ابو اولادى البارحة فلما استيقظت المرأة ذكرت ذلك لزوج الميتة فقال قرأت البارحة شيأ من القرءآن واهديته اليها وفى الحديث "حديث : اذا مات الانسان انقطع عنه عمله الا من ثلاث صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له"تفسير : قال القرطبى القرآءة فى معنى الدعا وذلك صدقة من الولد ومن الصاحب والصديق والمؤمنين قال ابن مالك فى شرح الحديث "اذا مات الانسان انقطع عنه عمله" اى تجدد الثواب له "الا من ثلاث صدقة جارية" كلاوقاف "او علم ينتفع به" قيل هو الاحكام المستنبطة من النصوص والظاهر انه عام متناول ماخلفه من تصنيف او تعليم فى العلوم الشرعية وما يحتاج اليه فى تعليمها قيد العلم بالمنتفع به لان مالا ينتفع به لايثمر اجرا "او ولد صالح يدعو له" قيد بالصالح لان الاجر لايحصل من غيره واما الوزر فلا يلتحق بالأب من سيئة ولده اذا كانت نيته فى تحصيل الخير وانما ذكر الدعاء له تحريضا للولد لان الاجر يحصل للوالد من ولده الصالح كلما عمل عملا صالحا سوآء دعا لابيه او لا كمن غرس شجرة يحصل له من اكل ثمرتها ثواب سوآء دعا له من اكلها او لم يدع وكذلك الام قال بعض الكبار النكاح سنة نبيك فلا ترغب عنه واطلب من الله من يقوم مقامك بعد موتك حتى لاينقطع عملك بموتك فان ابن آدم اذا مات انقطع عمله الا من ثلاث صدقة جارية او علم بثه فى الناس او ولد صالح يدعو له وفى لفظ الصدقة الجارية اشارة الى افضلية الماء ولذا حفر سعد بئرا لامه فان قلت ماالتوفيق بين هذا الحديث وبين قوله عليه السلام "حديث : من سن فى الاسلام سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها الى يوم القيامة"تفسير : وقوله عليه السلام "حديث : من مات يختم على عمله الا المرابط فى سبيل الله فانه ينمو له عمله الى يوم القيامة"تفسير : قلنا السنة المسنونة من جملة العلم المنتفع به ومعنى حديث المرابط ان ثواب عمله الذى قدمه فى حياته ينمو الى يوم القيامة واما الثلاثة المذكورة فى الحديث فانها اعمال تحدث بعد وفاته لاتنقطع عنه لانه سبب لها فيلحقه منها ثواب والحاصل ان المراد بهذا الحديث عمله المضاف الى نفسه فهو منقطع واما العمل المضاف الى غيره فلا ينقطع فللغير أن يجعل ما له من أجر عمله الى من أراد وقال بعضهم فى الآية ليس كل عمل للانسان انما بعضه لله مثل الصوم كما قال "حديث : الصوم لى وأنا أجزى به"تفسير : فثوابه فضل الله وهو رؤيته وتمسك بعض العلماء بهذا الحديث وظن ان الصيام مختص بعامله موفر له اجره لا يؤخذ منه شىء لمظلمة ظلمها وهذا القول مردود فان الحقوق تؤخذ من جميع الاعمال صياما كان او غيره وقيل ان الصوم اذا لم يكن معلوما لاحد ولا مكتوبا فى الصحف هو الذى يستره الله ويخبأه لعامله حتى يكون له جنة من العذاب فتطرح اولئك عليه سيئاته فتنصرف عنهم ويقية الصوم فلا تضر باصحابها لزوالها عنهم ولا به لان الصوم جنته وهذا تأويل حسن دافع للتعرض قال البقلى رحمه الله فى تأويل الآية ليس للصورة الانسانية الا ماسعت من الاعمال الزكية عن الرياء والسمعة يؤول ثوابها اليها من درجات الجنان اما مايتعلق بفضل الله وجوده من مشاهدته وقربته فهو للروح والروحانى الذى فى تلك الصورة فانه اذا استوفى درجات الجنان التى هى جزآء اعماله الصالحة تمتع ايضا بما يجد روحه من فضل الله المتعلق بكشف حجاب جماله وايضا ليس للانسان الا مايليق بالانسان من الاعمال واما الفضل كالمشاهدة والقربة فهو لله يؤتيه من يشاء فاذا وصل الى مشاهدة الله وتمتع بها فليس ذلك له انما ذلك الله وان كان هو متمتعا به وقال ابن عطاء ليس للانسان من سعيه الا ما نواه ان كان سعيه لرضى الرحمن فان الله يرزقه الرضوان وان كان سعيه للثواب والعطاء والاعواض فله ذلك وقال النصر ابادى سعى الانسان فى طريق السلوك لا فى طريق التحقيق فاذا تحقق يسعى به ولايسعى هو بنفسه واما قول العارف الجامى شعر : سالكان بى كشش دوست بجايى نرسند سالها كرجه درين راه تك وبوى كنند تفسير : فقد لاينافيه فانه لا فائدة فى السعى بدون الجذبة الالهية فالسعى منسوب الى السالك والجذبة مضافة الى الله تعالى واما المنتهى فالسعى والجذبة بالنسبة اليه كلاهما من الله تعالى اذا ليس بمتحقق من لم يكن حركاته وسكنانه بالله ثم ان الطريق قد يثنى كطريق الحج من البر والبحر واما طريق الحق فمفرد اى من حيث الجمعية الوحدانية والا فالطريق الى الله بعدد انفاس الخلائق فعند النهاية يحصل الالتقاء ولذا قال تعالى {أية : وان الى ربك المنتهى}تفسير : مع انه فرق بين وصول ووصل كالناظرين كل بنظر بحسب قوة نور بصره وضعفه وان كان المرئى واحدا ثم ان الله يوصل السالك بعد موته الى محل همته لانه كان حاصل بسعيه وقد مر تحقيقه فى محله نسأل الله الوصول الى غاية المطالب بحرمة اسمه الواهب

الهواري

تفسير : قال: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} أي: إلا ما عمل {وَأَنَّ سَعْيَهُ} أي: عمله {سَوْفَ يُرَى} أي: سوف يتبيّن {ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَآءَ الأَوْفَى} قال: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى} أي: المصير. {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} أي: خلق الضحك والبكاء {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} أي: خلق الموت والحياة. وقال في آية أخرى (أية : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) تفسير : [الملك:2]. {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} الواحد منهما زوج {مِن نُّطْفَةٍ إِذَا ثُمْنَى} أي: إذا أمناها الرجل، وقد يجتمع ماء الرجل وماء المرأة. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى} أي: البعث. {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} [أي: أغنى عبده وأقناه] من قِبَل الِقُنية. وتفسير الحسن: أقنى أي: أخدم. وقال بعضهم: أغنى بالذهب والفضة والثياب والمساكن، وأقنى بالرقيق والإبل والغنم، وهو أيضاً من الغنى. ذكروا أيضاً عن عبد الله بن جبير حديث : عن رجل خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان النبي عليه السلام إذا فرغ من طعامه قال: اللهم لك الحمد على ما أنعمت وأطعمت وسقيت. أو قال: أنت أطعمت وسقيت، وأغنيت وأقنيت، فلك الحمد .

اطفيش

تفسير : {وَأَن} مخففة. {لَيْسَ لِلإِنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى} أي عمل وهذا مما في صحف موسى وابراهيم ونسخ بدليل الحقنا بهم ذرياتهم فدخلوا الجنة بصلاح الاباء حديث : وان امرأة ماتت فقال ابنها "اينفعها يا رسول الله ان تصدقت عليها قال نعم"تفسير : وفي رواية "حديث : ان أُمي افلتت ولو تكلمت لتصدقت فهل لها اجر إن تصدقت عليها قال نعم"تفسير : وروي حديث : إِن الله يجعل الأبناء في ميزان الآباء ويشفع الإِبن في الأَب والأَب في الإِبن تفسير : قال الله {أية : آباءكم وابناءكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا}. تفسير : وورد في الحديث ان الصدقة والحج والدعاء والقراءة تنفع الميت وادعى بعضهم الاجماع على نفع الصدقة والدعاء وقضاء الدين وتنفع حجة الفرض وكذا حج النافلة عند الشافعي والصحيح نفع الصوم الواجب عليه وفي الباب الخامس والعشرين من الوصايا من التاج انه لا خلاف في الصدقة على الميت تنفعه والصدقة عن الحي تنفعه واختلف في عمل الحي عن الميت كصيام وصلاة وطواف فقال الاكثر لا يجوز عنه ولا عن ميت وكان عطاء يقول لابنه ولمولاه قم فطف عني وقيل ان قراءة القرآن تنفع الميت الى اربعين من جيرانه انتهى. والمشهور عن الشافعي ان قراءة القرآن لا يصله ثوابها وقال جماعة من اصحابه تصله وهو قول أحمد واما الصلوات وسائر التطوع فلا يصله عند الشافعي والجمهور وقال أحمد يصله ثواب الجميع واما ما روي ان امرأة رفعب صبيا فقالت يا رسول الله: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر فلا دليل فيه لأن المراد ان لها اجر قيامها به في الحج وقيل ان الأية مخصوصة بالكفر واما المؤمن فله ما سعى غيره قال القرطبي وكثير من الاحاديث يدل على هذا القول وان المؤمن يصل اليه ثواب العلم الصالح من غيره فالمراد بالانسان الكافر ليس له إلا ما عمل فيثاب عليه في الدنيا بالرزق لصحة وغيرهما واعطي عبد الله بن أُبيّ بن سلول العباس قميصاً ألبسه إياه فلما مات ارسل اليه صلى الله عليه وسلم قميصه ليكفن فيه فلم تبق له في الآخرة حسنة وقيل ليس للانسان إلا ما سعى على جهة العدل. أما من باب الفضل فيزيده الله وفي الحديث حديث : من مات وعليه صوم صام عنه وليه حديث : وقال للذي حج عن غيره حج لنفسك ثم حج عن غيرك حديث : وقال يدخل الله الجنة الموصى والنافذ والحاج حديث : وقد اعتكفت عائشة عن اخيها عبد الرحمن واعتقت عنه حديث : وقال سعد للنبي صلى الله عليه وسلم "إن امي توفيت أفأتصدق عنها قال: نعم، قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء ". تفسير : وجعلت جدة عمة عبد الله بن ابي بكر على نفسها المشي إلى مسجد قبا وماتت فافتى ابن عباس ابنها ان يمشي عنها وقيل الانسان ابو جهل وقيل عقبة لن ابي معيط وقيل الوليد بن المغيرة وقيل اخبار عن شرع من قبلنا ابراهيم وموسى ودل شرعنا ان للانسان ما سعى وما سعى له وقيل الانسان بسعيه في الخير وحسن صحبته وعشرته اكتسب الاصحاب واسدى لهم الخير وتودد اليهم فصار ثواب منهم له بعد موته من سعيه وقيل: الانسان في الآية الحي دون الميت. وقال الزمخشري أما ان سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنيا على سعي نفسه وهو ان يكون مؤمنا مصدقا وكذلك الاضعاف الوارد في الحديث ان الصدقة والحج عن الميت أو الحي الاضعاف كان سعي غيرها كانه سعي نفسه لكونه تابعا له وقائما بقيامه واما ان سعي غيره لا ينفعه اذا عمله لنفسه ولكن اذا نواه له فهو في حكم الشرع كالنائب والوكيل القائم مقامه قبل والصحيح وعليه الجمهور ان الآية عامة مخصوصة بما تقدم من الأجوبة وشهر عن مالك ان ثواب القراءة لا يصل الميت ونقل عن جماعة من الحنفية وعن أحمد القراءة على القبر بدعة وصحح ابن قطان وصول ثواب القراءة للميت قريبا أو اجنبيا قال كما ينفعه الصدقة والدعاء والاستغفار بالاجماع وقال القاضي حسين الاستئجار لقراءة القرآن على رأس القبر أي عنده جائز كالاستئجار للاذان وتعليم القرآن. وعندنا معشر الاباضية لا يجوز أخذ الأجرة على ذلك ولا ينبغي لمعطيها إلا ان لم يجد احياء ذلك إلا بها وقيل لا ثواب للمستأجر أو ميتة وقيل لميته ثواب ان اعقب القراءة بالدعاء للميت فانه يلحقه ثواب الدعاء فقط لان الدعاء بعد القراءة أقرب إجابة واكثر بركة وقيل للميت ثواب القراءة إن جعله القارىء له بعد القراءة ونفع الميت بالدعاء موقف على الاجابة. واطلق القوم اجابة الدعاء للميت لسعة الرحمة وعن الرافعي والنووي يستوي في الصدقة والدعاء الوارث والاجنبي ولا ينقص من اجر المتصدق والداعي وغيرهما شيء ولو نواه لغيره ومن ذلك توقيف المصحف وغيره والتضحية لغيره وقيل لا تجوز التضحية عن الغير إلا باذنه فلا يضحي عن الميت إلا ان اوصى وروي ان عليا أو غيره من الصحابة ضحى عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وضحى ابن السراج عنه صلى الله عليه وسلم سبعين اضحية. واما اهداء القراءة له فانكره جماعة لان الصحابة لم يفعله احدهم وهو بدعة واستحبه بعضهم وعن بعض انه غني عن ذلك فان له اجر كل من عمل من امته من غير ان ينقص من اجره شيء وكذا الشيخ له مثل اجر تلميذه وتلميذ تلميذه وهكذا وكذا كان علّم أحدا شيئا له اجر الشيء.

اطفيش

تفسير : إلاّ ما سعاه، أو إلا سعيه، ويقدر مضاف، أى الا ثواب ما سعاه أو ثواب سعيه، أو ما سعاه هو ماله هو الجنة، سماه باسم ملزومه أو اسم سببه وهو الفعل المعبر عنه بالسعى، والحصر باعتبار غير هذه الأمة، وأما هذه الأمة، فلها ما سعت وما سعى لها، كما جاء به الحديث، وهو على عمومه فرضا ونفلا تؤدى الفرض عمن لزمه، والنفل كقضاء دين عمن هو عليه ولو حيا، وتنوى النفل لمن شئت ولو حيا، ومن ذلك قوله تعالى"أية : ألحقنا بهم ذريتهم" تفسير : [الطور: 21] لأنها ألحقت بهم لأعمالهم. وعن عائشة رضى الله عنها: "حديث : قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عليها؟ قال: نعم" تفسير : وعن ابن عباس قال: "حديث : قال رجل: يا رسول الله نذرت أمي الحج فماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم كما تقضي عنها الدين وحق الله أحق بالقضاء" تفسير : وقال سعد بن عبادة: "حديث : هل لأمي أجر اذا تصدقت عنها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات وعليه صوم صام عنه وليه"تفسير : وكذا غيره من العبادات، ودعوى نسخ هذا الحديث باطلة لا دليل عليها، وقال صلى الله عليه وسلم لولد العاصى بن وائل: "حديث : لو كان العاصي مقراً بالتوحيد فصمت أو تصدقت عنه نفعه" تفسير : ولهذه الأحاديث صح أن يقال: الآية جارية على هذه الأمة، من نوى لأحد خيرا فهو قائم مقامه، فالمنوى له ساع لنفسه مجازا جمعا بين الحقيقة والمجاز، أو من عموم المجاز، وهو تحصيل الخير. وأيضا سعى الانسان لنفسه سبب لاعتبار سعى غيره له، فسعى غيره له كسعيه إذ كان سبب قبوله على الجمع بين الحقيقة والمجاز، أو عموم المجاز، وسأل عبد الله بن طاهر، وهو والى خراسان، الحسن بن الفضل عن هذه الآية مع قوله تعالى: "أية : والله يضاعف لمن يشاء" تفسير : [البقرة: 261] فقال: ليس للإنسان بالعدل إلا ما سعى، وله بالفضل المضاعفة بما شاء الله تعالى، فقبل رأسه، وقيل: الانسان فى الآية الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى له، وعن ابن عباس: الآية نسخت بقوله تعالى: "أية : والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم" تفسير : [الطور: 21] الخ واعترض بأنه لا نسخ فى الأخبار، بل الآية لمن قبلنا، وأما نحن قلنا ما عملنا وما عمل لنا، وقيل: اللام بمعنى على، ووجهه أن الآية فيمن قال افعل كذا أو احمل ذنبك، فقال الله عز وجل: لك ذنبك خاصة لا ذنب غيرك، ومن ذنب الانسان اضلاله غيره وهو غير متبادر. وأيضا الخطاب لمن أعطى قليلا وأكدى، ويجوز أن يكون المعنى انما يتصور للانسان أن يقول: لى كذا من سعيه، وما لم يكن من سعيه، بل بزيادة فضل الله تعالى، وهبة غيره له ثواب عمل عمله له، فليس مما يقول هو لى، يقول هبة وتفضل، والحق أن ما يوهب من النفل من صلاة أو مال أو قراءة أو غير ذلك لميت أو حى، يصح له كما صح بالمكاشفة والرؤيا، والأخبار ولو نواه له، أول العمل، والأولى أن يؤخر الهبة الى أن يتم، ولا يضره الخطور بباله، وعن الشافعى: كمالك أن العمل البدنى المحض كالصلاة والصوم والقراءة لا يصل، ويصل نحو الصدقة والحج، وقال جماعة من أصحاب الشافعى: تصل، واشترط بعض نية الهبة من أول، وعكس بعض فقال: لا يهب العمل لمن يشاء إلا بعد تمامه، ولو قصده فى قلبه من أول، وليس ذلك منافيا لقوله: لوجه الله تعالى صالح عملى، لأن المراد دعاء الله أن يقبله عنه، ويعطيه فلانا، ويصل العبادات كلها الميت. وعن الشافعى لا يصل الميت ثواب القراءة، وكذا سائر التطوعات، رفعت امرأة صبيّاً وقالت: "حديث : يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر" تفسير : كما فى مسلم، والعبادات من الطفل تصح كالصلاة والصوم والحج والقراءة، وله ثوابها لا لأبيه أو غيره، إلا أجر التعليم له فيها، والأمر له بها، ولا تجزى عن فرض إذا لزمه بعد البلوغ، ولو أعطى زكاة ماله لأجزت ان عقل ونوى، وقال أبو حنيفة، لا ثواب له، ويرده الحديث.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } بيان لعدم إثابة الإنسان بعمل غيره إثر بيان عدم مؤاخذته بذنب غيره {وَأَنْ } كأختها السابقة، و {مَا } مصدرية وجوز كونها موصولة أي ليس له إلا سعيه، أو إلا الذي سعى به وفعله، واستشكل بأنه وردت أخبار صحيحة بنفع الصدقة عن الميت، منها ما أخرجه مسلم والبخاري وأبو داود والنسائي عن عائشة « حديث : أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم » تفسير : وكذا بنفع الحج. أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس قال: « حديث : أتى رجل النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أختي نذرت لأن تحج وإنها ماتت فقال النبـي عليه الصلاة والسلام: لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم قال: فحق الله أحق بالقضاء » تفسير : وأجيب بأن الغير لما نوى ذلك الفعل له صار بمنزلة الوكيل عنه القائم مقامه شرعاً فكأنه بسعيه، وهذا لا يتأتى إلا بطريق عموم المجاز، أو الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من يجوزه، وأجيب أيضاً بأن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه من الإيمان فكأنه سعيه، ودل على بنائه على ذلك ما أخرجه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده « حديث : أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة وأن هشاماً ابنه نحر حصته خمسين وأن عمراً سأل النبـي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: أما أبوك فلو كان أقرّ بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك » تفسير : وأجيب بهذا عما قيل: إن تضعيف الثواب الوارد في الآيات ينافي أيضاً القصر على سعيه وحده، وأنت تعلم ما في الجواب من النظر. وقال بعض أجلة المحققين: إنه ورد في الكتاب والسنة ما هو قطعي في حصول الانتفاع بعمل الغير وهو ينافي ظاهر الآية فتقيد بما لا يهبه العامل. وسأل والي خراسان عبدُ الله بن طاهر الحسينَ بن الفضل عن هذه الآية مع قوله تعالى: { أية : وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَاء } تفسير : [البقرة: 261] فقال: ليس له بالعدل إلا ما سعى وله بالفضل ما شاء الله تعالى فَقَبَّل عبد الله رأس الحسين. وقال عكرمة: كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى عليهما السلام، وأما هذه الأمة فللإنسان منها سعي غيره يدل عليه حديث سعد بن عبادة « حديث : هل لأمي إذا تطوعت عنها؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم » تفسير : وقال الربيع: الإنسان هنا الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره، وعن ابن عباس أن الآية منسوخة بقوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } تفسير : [الطور: 21] وقد أخرج عنه ما يشعر به أبو داود / والنحاس كلاهما في «الناسخ»، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، وتعقب أبو حيان رواية النسخ بأنها لا تصح لأن الآية خبر لم تتضمن تكليفاً ولا نسخ في الأخبار. وما يتوهم جواباً من أنه تعالى أخبر في شريعة موسى وإبراهيم عليهما السلام أن لا يجعل الثواب لغير العامل ثم جعله لمن بعدهم من أهل شريعتنا مرجعه إلى تقييد الأخبار لا إلى النسخ إذ حقيقته أن يراد المعنى، ثم من بعد ذلك ترتفع إرادته، وهذا تخصيص الإرادة بالنسبة إلى أهل الشرائع فافهمه. وقيل: اللام بمعنى على أي ليس على الإنسان غير سعيه، وهو بعيد من ظاهرها ومن سياق الآية أيضاً فإنها وعظ للذي تولى وأعطى قليلاً وأكدى، والذي أميل إليه كلام الحسين، ونحوه كلام ابن عطية قال: والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو اللام من قوله سبحانه: {لِلإِنسَـٰنِ } فإذا حققت الشيء الذي حق الإنسان أن يقول فيه لي كذا لم تجده إلا سعيه وما يكون من رحمة بشفاعة، أو رعاية أب صالح، أو ابن صالح، أو تضعيف حسنات، أو نحو ذلك فليس هو للإنسان ولا يسعه أن يقول لي كذا وكذا إلا على تجوّز، وإلحاق بما هو حقيقة انتهى. ويعلم من مجموع ما تقدم أن استدلال المعتزلة بالآية على أن العبد إذا جعل ثواب عمله أي عمل كان لغيره لا يجعل ويلغو جعله غير تام؛ وكذا استدلال الإمام الشافعي بها على أن ثواب القراءة لا تلحق الأموات وهو مذهب الإمام مالك بل قال الإمام ابن الهمام: إن مالكاً والشافعي لا يقولان بوصول العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة بل غيرها كالصدقة والحج. وفي «الأذكار» للنووي عليه الرحمة: المشهور من مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وجماعة أنها لا تصل، وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء ومن أصحاب الشافعي إلى أنها تصل، فالاختيار أن يقول القارىء بعد فراغه اللهم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان، والظاهر أنه إذا قال ذلك ونحوه كوهبت ثواب ما قرأته لفلان بقلبه كفى، وعن بعضهم اشتراط نية النيابة أول القراءة وفي القلب منه شيء، ثم الظاهر أن ذلك إذا لم تكن القراءة بأجرة أما إذا كانت بها كما يفعله أكثر الناس اليوم فإنهم يعطون حفظة القرآن أجرة ليقرءوا لموتاهم فيقرءون لتلك الأجرة فلا يصل ثوابها إذ لا ثواب لها ليصل، لحرمة أخذ الأجرة على قراءة القرآن وإن لم يحرم على تعليمه كما حققه خاتمة الفقهاء المحققين الشيخ محمد الأمين بن عابدين الدمشقي رحمه الله تعالى، وفي «الهداية» من كتاب الحج عن الغير إطلاق صحة جعل الإنسان عمله لغيره ولو صلاة وصوماً عند أهل السنة والجماعة، وفيه ما علمت ما مرّ آنفاً. وقال الخفاجي: هو محتاج إلى التحرير، وتحريره أن محل الخلاف العبادة البدنية هل تقبل النيابة فتسقط عمن لزمته بفعل غيره سواء كان بإذنه أم لا بعد حياته أم لا فهذا وقع في الحج كما ورد في الأحاديث الصحيحة، أما الصوم فلا، وما ورد في حديث « حديث : من مات وعليه صيام صام عنه وليه » تفسير : وكذا غيره من العبادات فقال الطحاوي: إنه كان في صدر الإسلام ثم نسخ وليس الكلام في الفدية وإطعام الطعام فإنه بدل وكذا إهداء الثواب سواء كان بعينه أو مثله فإنه دعاء وقبوله بفضله عز وجل كالصدقة عن الغير فاعرفه انتهى فلا تغفل.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : ألا تزر وازرة وزر أخرى}تفسير : [النجم: 38]، فيصح أن تكون عطفاً على المجرور بالباء فتكون (أنْ) مخففة من الثقيلة، ويصح أن تكون عطفاً على {ألا تزر وازرة وزر أخرى} فتكون {أَنْ} تفسيرية، وعلى كلا الاحتمالين تكون {أنْ} تأكيداً لنظيرتها في المعطوف عليها. وتعريف {الإِنسان} تعريف الجنس، ووقوعه في سياق النفي يفيد العموم، والمعنى: لا يختص به إلا ما سعاه. والسعي: العمل والاكتساب، وأصل السعي: المشي، فأطلق على العمل مجازاً مرسلاً أو كنايةً. والمراد هنا عمل الخير بقرينة ذكر لام الاختصاص وبأن جعل مقابلاً لقوله: {أية : ألا تزر وازرة وزر أخرى}تفسير : [النجم: 38]. والمعنى: لا تحصل لأحد فائدة عَمل إلا ما عمله بنفسه، فلا يكون له عملُ غيره، ولام الاختصاص يرجح أن المراد ما سَعاه من الأعمال الصالحة، وبذلك يكون ذكر هذا تتميماً لمعنى {ألا تزر وازرة وزر أخرى}، احتراساً من أن يخطُر بالبال أن المدفوع عن غير فاعله هو الوزر، وإنّ الخير ينال غيرَ فاعله. ومعنى الآية محكي في القرآن عن إبراهيم في قوله عنه: {أية : إلا من أتى الله بقلب سليم}تفسير : [الشعراء: 89]. وهذه الآية حكاية عن شرعيْ إبراهيم وموسى، وإذ قد تقرر أن شرع مَن قَبْلنَا شرعٌ لنا ما لم يرد ناسخ، تدل هذه الآية على أن عمل أحد لا يجزىء عن أحد فرضاً أو نفلاً علَى العين، وأما تحمل أحد حِمالة لفعل فعله غيره مثل دِيَات القتل الخطأ فذلك من المؤاساة المفروضة. واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ومحملها: فعن عكرمة أن قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} حكاية عن شريعة سابقة فلا تلزم في شريعتنا يريد أن شريعة الإِسلام نسخت ذلك فيكون قبول عمل أحد عن غيره من خصائص هذه الأمة. وعن الربيع بن أنس أنه تأول (الإِنسان) في قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعىٰ} بالإِنسان الكافر، وأما المؤمن فله سعيه ومَا يسعى له غيره. ومن العلماء من تأول الآية على أنها نفت أن تكون للإِنسان فائدة ما عمله غيره إذا لم يجعل الساعي عمله لغيره. وكأنَّ هذا ينحو إلى أن استعمال {سعى} في الآية من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه العقليين. ونقل ابن الفرس: أن من العلماء من حمل الآية على ظاهرها وأنه لا ينتفع أحد بعمل غيره، ويؤخذ من كلام ابن الفرس أن ممن قال بذلك الشافعي في أحد قوليه بصحة الإِجارَة على الحج. واعلم أن أدلة لحاق ثواب بعض الأعمال إلَى غير من عملها ثابتة على الجملة وإنما تتردد الأنظار في التفصيل أو التعميم، وقد قال الله تعالى: {أية : والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء} تفسير : [الطور: 21]، وقد بيناه في تفسير سورة الطور. وقال تعالى: {أية : ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون}تفسير : [الزخرف: 70]، فجعل أزواج الصالحين المؤمناتِ وأزواج الصالحاتِ المؤمنين يتمتعون في الجنة مع أن التفاوت بين الأزواج في الأعمال ضروري وقد بيناه في تفسير سورة الزخرف. وفي حديث مسلم «حديث : إذا مات الإِنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلاّ مِن صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له» تفسير : وهو عام في كل ما يعمله الإِنسان، ومعيار عمومه الاستثناء فالاستثناء دليل على أن المستثنيات الثلاثة هي من عمل الإِنسان. وقال عياض في «الإِكمال» هذه الأشياء لما كان هو سببها فهي من اكتسابه. قلت: وذلك في الصدقة الجارية وفي العلم الذي بثه ظاهر، وأما في دعاء الولد الصالح لأحد أبويه فقال النووي لأن الولد من كسبه. قال الأبي: الحديث «حديث : ولد الرجل من كسبه» تفسير : فاستثناء هذه الثلاثة متصل. وثبتت أخبار صحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن عمل أحد عن آخر يُجزي عن المنوب عنه، ففي «الموطأ» حديث الفضل بن عباس «أن امرأة من خثعم سألت رسول الله فقالت: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفيجزىء أن أحج عنه؟ قال: نعم حُجّي عنه». وفي قولها: لا يثبت على الراحلة دلالة على أن حجها عنه كان نافلة. وفي «كتاب أبي داود» حديثُ بريدَة «حديث : أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفيجزىء أو يَقضي عنها أن أصوم عنها؟ قال: نعم. قالت: وإنها لم تحج أفيجزىء أو يقضي أن أحج عنها؟ قال: نعم»تفسير : . وفيه أيضاً حديث ابن عباس «حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله إن أمي توفيت أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم»تفسير : . وفيه حديث : حديث عمرو بن العاص وقد أعتق أخوه هشام عن أبيهم العاص بن وائل عبيداً فسأل عَمرو رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أَن يفعل مثل فعل أخيه فقال له «لو كان أبوكَ مسلماً فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك»تفسير : . وروي أن عائشة أعتقت عن أخيها عبد الرحمان بعد موته رقاباً واعتكفت عنه. وفي «صحيح البخاري» عن ابن عُمر وابن عباس «أنهما أفتيا امرأة جعلت أمُّها على نفسها صلاة بمسجد قباء ولم تف بنذرها أن تصلي عنها بمسجد قباء». وأمر النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة أن يقضي نذراً نذرته أمه، قيل كان عتقاً، وقيل صدقة، وقيل نذراً مطلقاً. وقد كانت هذه الآية وما ثبت من الأخبار مجالاً لأنظار الفقهاء في الجمع بينهما والأخذِ بظاهر الآية وفي الاقتصار على نوع ما ورد فيه الإِذن من النبي صلى الله عليه وسلم أو القياس عليه. ومما يجب تقديمه أن تعلم أن التكاليف الواجبة على العين فرضاً أو سنة مرتّبة المقصد من مطالبة المكلف بها ما يحصل بسببها من تزكية نفسه ليكون جزءاً صالحاً فإذا قام بها غيره عنه فات المقصود من مخاطبة أعيان المسلمين بها، وكذا اجتناب المنهيات لا تتصور فيها النيابة لأن الكف لا يقبل التكرر فهذا النوع ليس للإِنسان فيه إلا ما سعى ولا تجزىء فيه نيابة غيره عنه في أدائها، فأما الإِيمان فأمره بَينّ لأن ماهية الإِيمان لا يتصور فيها التعدد بحيث يؤمن أحد عن نفسه ويؤمن عن غيره لأنه إذا اعتقد اعتقاداً جازماً فقد صار ذلك إيمانه. قال ابن الفرس في «أحكام القرآن»: «أجمعوا على أنه لا يؤمن أحد عن أحد». وأما ما عدا الإِيمان من شرائع الإسلام الواجبة فأما ما هو منها من عمل الأبدان فليس للإِنسان إلا ما سعى منه ولا يجزىء عنه سعي غيره لأن المقصود من الأمور المعيَّنة المطالبِ بها المرءُ بنفسه هو ما فيها من تزكية النفس وارتياضها على الخير كما تقدم آنفاً. ومثل ذلك الرواتب من النوافل والقربات حتى يصلح الإِنسان ويرتاض على مراقبة ربه بقلبه وعمله والخضوع له تعالى ليصلح بصلاح الأفراد صلاح مجموع الأمة والنيابة تفيت هذا المعنى. فمَا كان من أفعال الخير غير معينَّ بالطلب كالقُرَب النافلة فإن فيه مقصدين مقصد ملحق بالمقصد الذي في الأعمال المعيّنة بالطلب، ومقصد تكثير الخير في جماعة المسلمين بالأعمال والأقوال الصالحة وهذا الاعتبار الثاني لا تفيته النيابة. والتفرقة بين ما كان من عمل الإِنسان ببدنه وما كان من عمله بماله لا أراهُ فرقاً مؤثراً في هذا الباب، فالوجه اطراد القول في كلا النوعين بقبول النيابة أو بعدم قبولها: من صدقات وصيام ونوافل الصلوات وتجهيز الغزاة للجهاد غير المتعينّ على المسلم المجهِّز (بكسر الهاء) ولا على المجهَّز (بفتح الهاء)، والكلمات الصالحة من قراءة القرآن وتسبيح وتحميد ونحوهما وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وبهذا يكون تحرير محل ما ذكره ابن الفرس من الخلاف في نقل عمل أحد إلى غيره. قال النووي: «الدعاء يصل ثوابه إلى الميت وكذلك الصدقة وهما مُجمَع عليهما. وكذلك قضاء الدين» اهــــ. وحكى ابن الفرس مثل ذلك، والخلاف بين علماء الإسلام فيما عدا ذلك. وقال مالك: «يتطوع عن الميت فيتصدق عنه أو يعتق عنه أو يهدي عنه، وأما ما كان من القُرَب الواجبة مركَّباً من عمل البدن وإنفاق المال مثل الحج والعمرة والجهاد» فقال الباجي: «حكى القاضي عبد الوهاب عن المذهب أنها تصح النيابة فيها» وقال ابن القصار: «لا تصح النيابة فيها». وهو المشتهر من قول مالك ومبنى اختلافهما أن مالكاً كره أن يحج أحد عن أحد إلا أنه إن أوصى بذلك نفذت وصيته ولا تسقط الفرض. ورجح الباجي القول بصحة النيابة في ذلك بأن مالكاً أمضى الوصية بذلك، وقال: لا يُستأجَر له إلا من حَجَّ عن نفسه فلا يحج عنه ضَرُرَوة، فلولا أن حج الأجير على وجه النيابة عن الموصي لما اعتُبرت صفة المباشر للحج. قال ابن الفرس: «أجاز مالك الوصية بالحج الفرض، ورأى أنه إذا أوصى بذلك فهو من سعيه والمحرر من مذهب الحنفية صحة النيابة في الحج لغير القادر بشرط دوام عجزه إلى الموت فإن زال عجزه وجب عليه الحج بنفسه، وقد ينقل عن أبي حنيفة غير ذلك في كتب المالكية. وجوز الشافعي الحج عن المِّيت ووصية الميت بالحج عنه. قال ابن الفرس: «وللشافعي في أحد قوليه أنه لا يجوز واحتج بقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} اهــــ. ومذهب أحمد بن حنبل جوازه ولا تجب عليه إعادة الحج إن زال عذره. وأما القُرَب غير الواجبه وغيرُ الرواتب من جميع أفعال البر والنوافل؛ فأما الحج عن غير المستطيع فقال الباجي: «قال ابن الجلاب في «التفريع» يكره أن يستأجر من يحجّ عنه فإن فعل ذلك لم يفسخ» وقال ابن القصار: «يجوز ذلك في الميت دون المعضوب» (وهو العاجز عن النهوض). وقال ابن حبيب: «قد جاءت الرخصة في ذلك عن الكبير الذي لا ينهض وعن الميت أنه يُحج عنه ابنه وإن لم يوص به». وقال الأُبيّ في «شرح مسلم»: «ذكر أن الشيخ ابن عرفة عام حجّ اشترى حجة للسلطان أبي العباس الحفصي على مذهب المخالف»، أي خلافاً لمذهب مالك. وأما الصلاة والصيام، فسئل مالك عن الحج عن الميت فقال: «أما الصلاة والصيام والحج عنه فلا نرى ذلك». وقال في «المدونة»: «يتطوع عنه بغير هذا أحب إليّ: يُهدى عنه، أو يُتصدق عنه، أو يُعتق عنه». قال الباجي: «ففصل بينها وبين النفقات». وقال الشافعي في أحد قوله: لا يصله ثواب الصلوات التطوع وسائر التطوعات. قال صاحب «التوضيح» من الشافعية: «وعندنا يجوز الاستنابة في حجة التطوع على أصح القولين»، وقال أحمد: «يصله ثواب الصلوات وسائر التطوعات». والمشهور من مذهب الشافعي: أن قراءة القرآن وإهداء ثوابها للميت لا يصله ثوابها، وقال أحمد بن حنبل وكثير من أصحاب الشافعي: يصله ثوابها. وحكى ابن الفرس عن مذهب مالك: أن من قرأ ووهب ثواب قراءته لميت جاز ذلك ووصل للميت أجرُه ونفعُه فما ينسب إلى مالك من عدم جواز إهداء ثواب القراءة في كتب المخالفين غير محرر. وقد ورد في حديث عائشة قالت: «حديث : كان رسول الله يعوّذ نفسه بالمعوذات فلما ثقل به المرض كنت أنا أُعوذه بهما وأضَع يده على جسده رجاء بركتها» تفسير : فهل قراءة المعوذتين إلا نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان يفعله بنفسه، فإذا صحت النيابة في التعوذ والتبرك بالقرآن فلماذا لا تصح في ثواب القراءة. واعلم أن هذا كله في تطوع أحد عن أحد بقربة، وأما الاستئجار على النيابة في القُرب: فأما الحج فقد ذكروا فيه جوازَ الاستئجار بوصية، أو بغيرها، لأن الإِنفاق من مقومات الحج، ويظهر أن كل عبادة لا يجوز أخذ فاعلها أجرةً على فعلها كالصلاة والصوم لا يصح الاستئجار على الاستنابة فيها، وأن القرب التي يصح أخذ الأجر عليها يصح الاستئجار على النيابة فيها مثل قراءة القرآن، فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم فِعل الذين أَخذوا أجراً على رُقية الملدوغ بفاتحة الكتاب. وإذا علمَت هذا كله فقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} هو حكم كان في شريعة سالفة، فالقائلون بأنه لا ينسحب علينا لم يكن فيما ورد من الأخبار بصحة النيابة في الأعمال في ديننا معارض لمقتضَى الآية، والقائلون بأن شرع غيرنا شَرعٌ لنا ما لم يرد ناسخ، منهم من أعمل عموم الآية وتأول الأخبار المعارضة لها بالخصوصية، ومنهم من جعلها مخصِّصَةً للعموم، أو ناسخةً، ومنهم من تأول ظاهر الآية بأن المراد ليس له ذلك حقيقة بحيث يعتمد على عمله، أو تأول السعي بالنية. وتأول اللام في قوله: {للإنسان} بمعنى (على)، أي ليس عليه سيئات غيره. وفي تفسير سورة الرحمان من «الكشاف»: أن عبد الله بنَ طَاهر قال للحُسين بن الفَضل: أشكلتْ عليّ ثلاث آيات. فذكر له منها قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} فما بال الأضعاف، أي قوله تعالى: {أية : فيضاعفه له أضعافاً كثيرة}تفسير : [البقرة: 245]، فقال الحسين: معناه أنه ليس له إلا ما سعى عَدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً فضلاً.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِلإِنسَانِ} (39) - وَلا تُحاسَبُ نَفْسٌ إِلاَّ عَلَى مَا عَمِلَتْهُ.