Verse. 4826 (AR)

٥٣ - ٱلنَّجْم

53 - An-Najm (AR)

وَاَنَّ اِلٰى رَبِّكَ الْمُنْتَہٰى۝۴۲ۙ
Waanna ila rabbika almuntaha

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأن» بالفتح عطفا وقرئ بالكسر استئنافا وكذا ما بعدها فلا يكون مضمون الجمل في الصحف على الثاني «إلى ربك المنتهى» المرجع والمصير بعد الموت فيجازيهم.

42

Tafseer

الرازي

تفسير : القراءة المشهورة فتح الهمزة على العطف على ما، يعني أن هذا أيضاً في الصحف وهو الحق، وقرىء بالكسر على الاستئناف، وفيه مسائل: الأولى: ما المراد من الآية؟ قلنا فيه وجهان: أحدهما: وهو المشهور بيان المعاد أي للناس بين يدي الله وقوف، وعلى هذا فهو يتصل بما تقدم لأنه تعالى لما قال: {ثُمَّ يُجْزَاهُ } كأن قائلاً قال لا ترى الجزاء، ومتى يكون، فقال: إن المرجع إلى الله، وعند ذلك يجازى الشكور ويجزي الكفور وثانيهما: المراد التوحيد، وقد فسر الحكماء أكثر الآيات التي فيها الانتهاء والرجوع بما سنذكره غير أن في بعضها تفسيرهم غير ظاهر، وفي هذا الموضع ظاهر، فنقول: هو بيان وجود الله تعالى ووحدانيته، وذلك لأنك إذا نظرت إلى الموجودات الممكنة لا تجد لها بداً من موجد، ثم إن موجدها ربما يظن أنه ممكن آخر كالحرارة التي تكون على وجه يظن أنها من إشراق الشمس أو من النار فيقال الشمس والنار ممكنتان فمم وجودهما؟ فإن استندتا إلى ممكن آخر لم يجد العقل بداً من الانتهاء إلى غير ممكن فهو واجب الوجود فإليه ينتهي الأمر فالرب هو المنتهى، وهذا في هذا الموضع ظاهر معقول موافق للمنقول، فإن المروي عن أبي بن كعب أنه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : وأن إلى ربك المنتهى، لا فكرة في الرب» تفسير : أي انتهى الأمر إلى واجب الوجود، وهو الذي لا يكون وجوده بموجد ومنه كل وجود، وقال أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إذا ذكر الرب فانتهوا» تفسير : وهو محتمل لما ذكرنا، وأما بعض الناس فيبالغ ويفسر كل آية فيها الرجعى والمنتهى وغيرهما بهذا التفسير حتى قيل: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ } تفسير : [فاطر: 10] بهذا المعنى وهذا دليل الوجود، وأما دليل الوحدانية فمن حيث إن العقل انتهى إلى واجب الوجود من حيث إنه واجب الوجود، لأنه لو لم يكن واجب الوجود لما كان منتهى بل يكون له موجد، فالمنتهى هو الواجب من حيث إنه واجب، وهذا المعنى واحد في الحقيقة والعقل، لأنه لا بد من الانتهاء إلى هذا الواجب أو إلى ذلك الواجب فلا يثبت الواجب معنى غير أنه واجب فيبعد إذاً وجوبه، فلو كان واجبان في الوجود لكان كل واحد قبل المنتهى لأن المجموع قبله الواجب فهو المنتهى وهذان دليلان ذكرتهما على وجه الاختصار. المسألة الثانية: قوله تعالى: {إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } في المخاطب وجهان: أحدهما: أنه عام تقديره إلى ربك أيها السامع أو العاقل ثانيهما: الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم وفيه بيان صحة دينه فإن كل أحد كان يدعى رباً وإلهاً، لكنه صلى الله عليه وسلم لما قال: «حديث : ربي الذي هو أحد وصمد» تفسير : يحتاج إليه كل ممكن فإذاً ربك هو المنتهى، وهو رب الأرباب ومسبب الأسباب، وعلى هذا القول الكاف أحسن موقعاً، أما على قولنا: إن الخطاب عام فهو تهديد بليغ للمسيء وحث شديد للمحسن، لأن قوله: أيها السامع كائناً من كان إلى ربك المنتهى يفيد الأمرين إفادة بالغة حد الكمال، وأما على قولنا: الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم فهو تسلية لقلبه كأنه يقول: لا تحزن فإن المنتهى إلى الله فيكون كقوله تعالى: {أية : فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } تفسير : [يۤس: 76 ] إلى أن قال تعالى في آخر السورة: {أية : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تفسير : [يۤس:83] وأمثاله كثيرة في القرآن. المسألة الثالثة: اللام على الوجه الأول للعهد لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: أبداً إن مرجعكم إلى الله فقال: {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } الموعود المذكور في القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الوجه الثاني للعموم أي إلى الرب كل منتهى وهو مبدأ، وعلى هذا الوجه نقول: منتهى الإدراكات المدركات، فإن الإنسان أولاً يدرك الأشياء الظاهرة ثم يمعن النظر فينتهي إلى الله فيقف عنده.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} أي: المعاد يوم القيامة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مسلم بن خالد عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، تعلمون أن المعاد إلى الله إلى الجنة أو إلى النار. وذكر البغوي من رواية أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} قال: لا فكرة في الرب. قال البغوي: وهذا مثل ما روي عن أبي هريرة مرفوعاً: «حديث : تفكروا في الخلق، ولا تفكروا في الخالق؛ فإنه لا تحيط به الفكرة» تفسير : وكذا أورده، وليس بمحفوظ بهذا اللفظ، وإنما الذي في الصحيح: «حديث : يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ أحدكم ذلك، فليستعذ بالله، ولينته» تفسير : وفي الحديث الآخر الذي في السنن: «حديث : تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا في ذات الله تعالى؛ فإن الله تعالى خلق ملكاً ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة ثلاثمائة سنة» تفسير : أو كما قال: وقوله تعالى: { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} أي: خلق في عباده الضحك والبكاء وسببهما، وهما مختلفان { وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} كقوله: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ}تفسير : [الملك: 2] {وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ } كقوله: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلاُْنثَىٰ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [القيامة: 36 ــــ 40]. وقوله تعالى: { وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ} أي: كما خلق البداءة، هو قادر على الإعادة، وهي النشأة الأخرى يوم القيامة { وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ} أي: ملك عباده المال، وجعله لهم قنية مقيماً عندهم لا يحتاجون إلى بيعه، فهذا تمام النعمة عليهم، وعلى هذا يدور كلام كثير من المفسرين، منهم أبو صالح وابن جرير وغيرهما، وعن مجاهد: {أَغْنَىٰ}: موَّل {وَأَقْنَىٰ} أخدم، وكذا قال قتادة، وقال ابن عباس ومجاهد أيضاً: {أَغْنَىٰ}: أعطى {وَأَقْنَىٰ}: رضى. وقيل: معناه: أغنى نفسه، وأفقر الخلائق إليه، قاله الحضرمي بن لاحق، وقيل: أغنى من شاء من خلقه، وأقنى أي: أفقر من شاء منهم، قاله ابن زيد، حكاهما ابن جرير، وهما بعيدان من حيث اللفظ. وقوله: { وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد وغيرهم: هو هذا النجم الوقاد الذي يقال له مرزم الجوزاء، كانت طائفة من العرب يعبدونه { وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ} وهم قوم هود، ويقال لهم: عاد بن إرم بن سام بن نوح؛ كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلَـٰدِ}تفسير : [الفجر: 6 ــــ 9] فكانوا من أشد الناس وأقواهم، وأعتاهم على الله تعالى وعلى رسوله، فأهلكهم الله {أية : بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} تفسير : [الحاقة: 6 ــــ 7] أي: متتابعة. وقوله تعالى: { وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَىٰ} أي: دمرهم، فلم يبق منهم أحداً {وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ} أي: من قبل هؤلاء {إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ} أي: أشد تمرداً من الذين من بعدهم { وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ} يعني: مدائن لوط، قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، ولهذا قال: {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ} يعني: من الحجارة التي أرسلها عليهم {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ} تفسير : [الشعراء: 173] قال قتادة: كان في مدائن لوط أربعة آلاف ألف إنسان، فانضرم عليهم الوادي شيئاً فشيئاً من نار ونفط وقطران كفم الأتون. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن محمد بن وهب بن عطية عن الوليد بن مسلم عن خليد عنه به، وهو غريب جداً {فَبِأَىِّ آلاۤءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ} أي: ففي أي نعم الله عليك أيها الإنسان تمتري؟ قاله قتادة. وقال ابن جريج {فَبِأَىِّ آلاۤءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ} يا محمد. والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَنَّ } بالفتح عطفاً وقرىء بالكسر استئنافاً وكذا ما بعدها فلا يكون مضمون الجمل في الصحف على الثاني {إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } المرجع والمصير بعد الموت فيجازيهم.

الماوردي

تفسير : {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمنتَهَى} يحتمل وجهين: أحدهما: إلى إعادتكم لربكم بعد موتكم يكون منتهاكم. {وَأَنَّهُ هُوَ أضْحَكَ وَأَبْكَى} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قضى أسباب الضحك والبكاء. الثاني: أنه أراد بالضحك السرور، وبالبكاء الحزن. والثالث: أنى خلق قوتي الضحك والبكاء، فإن الله ميز الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر الحيوان، فليس في سائر الحيوان ما ضحك ويبكي غير الإنسان، وقيل إن القرد وحده يضحك ولا يبكي، وإن الإبل وحدها تبكي ولا تضحك. ويحتمل وجهاً رابعاً: أن يريد بالضحك والبكاء النعم والنقم. {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} فيه خمسة أوجه: أحدها: قضى أسباب الموت والحياة. الثاني: خلق الموت والحياة كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْمَوتَ وَالْحَيَاةَ} قاله ابن بحر. الثالث: أن يريد بالحياة الخصب وبالموت الجدب. الرابع: أمات بالمعصية وأحيا بالطاعة. الخامس: أمات الآباء وأحيا الأبناء. ويحتمل سادساً: أن يريد به أنام وأيقظ. {مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} وجهان: أحدهما: إذا تخلق وتقدر، قاله الأخفش. الثاني: إذا نزلت في الرحم، قاله الكلبي. {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} فيه ثمانية تأويلات: أحدها: أغنى بالكفاية وأقنى بالزيادة، وهو معنى قول ابن عباس. الثاني: أغنى بالمعيشة وأقنى بالمال، قاله الضحاك. الثالث: أغنى بالمال وأقنى بأن جعل لهم قنية، وهي أصول الأموال، قاله أبو صالح. الرابع: أغنى بأن مَوّل وأقنى بأن حرم، قاله مجاهد. الخامس: أغنى نفسه وأفقر خلقه إليه، قاله سليمان التيمي. السادس: أغنى من شاء وأفقر من شاء، قاله ابن زيد. السابع: أغنى بالقناعة وأقنى بالرضا، قاله سفيان. الثامن: أغنى عن أن يخدم وأقنى أن يستخدم، وهذا معنى قول السدي. ويحتمل تاسعاً: أغنى بما كسبه [الإنسان] في الحياة وأقنى بما خلفه بعد الوفاة مأخوذ من اقتناء المال وهو استبقاؤه. {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} والشعرى نجم يضيء وراء الجوزاء، قال مجاهد: تسمى هوزم الجوزاء، ويقال إنه الوقاد، وإنما ذكر أنه رب الشعرى وإن كان رباً لغيره لأن العرب كانت تعبده فأعلموا أن الشعرى مربوب وليس برب. واختلف فيمن كان يعبده فقال السدي: كانت تعبده حمير وخزاعة وقال غيره: أول من عبده أبو كبشة، وقد كان من لا يعبدها من العرب يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم، قال الشاعر: شعر : مضى أيلول وارتفع الحرور وأخبت نارها الشعرى العبور تفسير : {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى} فيهم قولان: أحدهما: أن عاد الأولى عاد بن إرم، وهم الذين أهلكوا بريح صرصر عاتية، وعاداً الآخرة قوم هود. الثاني: أن عاداً الأولى قوم هود والآخرة قوم كانوا بحضرموت، قاله قتادة. {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} والمؤتفكة المنقلبة بالخسف، قاله محمد بن كعب: هي مدائن قوم لوط وهي خمسة: صبغة وصغيرة وعمرة ودوماً وسدوم وهي العظمى، فبعث الله عليهم جبريل فاحتملها بجناحه ثم صعد بها حتى أن أهل السماء يسمعون نباح كلابهم وأصوات دجاجهم ثم كفأها على وجهها ثم أتبعها بالحجارة كما قال تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حَجَارةً مِن سِجِّيْلٍ} قال قتادة: كانوا أربعة آلاف ألف. {أَهْوَى} يحتمل وجهين: أحدهما: أن جبريل أهوى بها حين احتملها حتى جعل عاليها سافلها. الثاني: أنهم أكثر ارتكاباً للهوى حتى حل بهم ما حل من البلاء. {فَعَشَّاهَا مَا غَشَّى} يعني المؤتفكة، وفيما غشاها قولان: أحدهما: جبريل حين قلبها. الثاني: الحجارة حتى أهلكها. {فَبِأَيِّ ءَالآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} وهذا خطاب للمكذب أي فبأي نعم ربك تشك فيما أولاك وفيما كفاك. وفي قوله: {فَغَشَّاهَا} وجهان: أحدهما: ألقاها. الثاني: غطاها.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وأن إلى ربك المنتهى} أي إليه منتهى الخلق ومصيرهم إليه في الآخرة وهو مجازيهم بأعمالهم وفي المخاطب بهذا وجهان أحدهما أنه عام تقديره وأن إلى ربك أيها السامع أو العاقل كائناً من كان المنتهى فهو تهديد بليغ للمسيء وحث شديد للمحسن ليقلع المسيء عن إساءته ويزداد المحسن في إحسانه الوجه الثاني أن المخاطب بهذا النبي صلى الله عليه وسلم فعلى هذا، ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى: لا تحزن فإن إلى ربك المنتهى. وقيل. في معنى الآية: منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الآمال. وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {وأن إلى ربك المنتهى} قال لا فكرة في الرب. وهذا مثل ما روي عن أبي هريرة مرفوعاً: "حديث : تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنه لا تحيط به الفكرة"تفسير : . ومعناه: لا فكرة في الرب أي انتهى الأمر إليه لأنك إذا نظرت إلى سائر الموجودات الممكنة علمت أن لا بد لها من موجد وإذا علمت أن موجدها هو الله تعالى فقد انتهى الأمر إليه فهو إشارة إلى وجوده ووحدانيته سبحانه وتعالى: {وأنه هو أضحك وأبكى} أي هو القادر على إيجاد الضدين في محل واحد الضحك والبكاء ففيه دليل على أن جميع ما يعمله الإنسان فبقضاء الله وقدره وخلقه حتى الضحك والبكاء وقيل أضحك أهل الجنة في الجنة وأبكى أهل النار في النار قيل أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر وقيل: أفرح وأحزن، لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء "حديث : عن جابر بن سمرة قال "جلست مع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة وكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت وربما تبسم معهم إذا ضحكوا""تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وفي رواية سماك بن حرب: فيضحكون ويتبسم معهم إذا ضحكوا يعني النبي صلى الله عليه وسلم. وسئل ابن عمر: هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل (ق). "حديث : عن أنس قال: "خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم خنين"" تفسير : وهو بالخاء المعجمة أي بكاء مع صوت يخرج من الأنف {وأنه هو أمات وأحيا} أي أمات في الدنيا وأحيا للبعث. وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل: أمات الكافر بالنكرة وأحيا المؤمن بالمعرفة {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} أي من كل حيوان وهو أيضاً من جملة المتضادات التي تتوارد على النطفة فيخلق بعضها ذكراً وبعضها أنثى وهذا شيء لا يصل إليه فهم العقلاء ولا يعلمونه وإنما هو بقدرة الله تعالى وخلقه لا بفعل الطبيعة {من نطفة إذا تمنى} أي تصب في الرحم. وقيل: تقدر. وفي هذا تنبيه على كمال قدرته، لأن النطفة شيء واحد خلق الله منها أعضاء مختلفة وطباعاً متباينة وخلق منها الذكر والأنثى وهذا من عجيب صنعته وكمال قدرته ولهذا لم يؤكده بقوله وأنه هو خلق لأنه لم يدع أحد إيجاد نفسه ولا خلقها ولا خلق غيره كما لم يقدر أحد أن يدعي خلق السموات والأرض {وأن عليه النشأة الأخرى} أي الخلق الثاني بعد الموت للبعث يوم القيامة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} أي: مُنْتَهَى الخلق ومصيرُهم، اللَّهمَّ أطلعنا على خيرك بفضلك، ولا تفضحْنا بين خلقك، وجُدْ علينا بسترك في الدارين! وَحُقَّ لعبد يعلم أَنَّه إلى ربه منتهاه؛ أَنْ يرفض هواه؛ ويزهدَ في دنياه، ويُقْبِلَ بقلبه على مولاه؛ ويقتدي بنبيٍّ فَضَّلَهُ اللَّهُ على خلقه وارتضاه؛ ويتأمل كيف كان زهده صلى الله عليه وسلم في دنياه؛ وإِقباله على مولاه؛ قال عياض في «شفاه»: وأما زُهْدُهُ صلى الله عليه وسلم، فقد قدمنا من الأخبار أثناء هذه السيرة ما يكفي، وحَسْبُكَ من تقلُّله منها وإِعراضِهِ عَنْهَا وعن زَهْرَتِها، وقد سِيقَتْ إليه بحذافيرها، وترادفَتْ عليه فُتُوحَاتُهَا ـــ أَنَّهُ تُوُفِّيَ صلى الله عليه وسلم ودِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، وهو يدعو، ويقول: «اللَّهُمَّ ٱجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتاً». وفي «صحيح مسلم» عن عائشة ـــ رضي اللَّه عنها ـــ قالت: حديث : ما شَبِعَ آلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعاً حَتَّىٰ مَضَىٰ لِسَبِيلِهِ. تفسير : وعنها - رضي اللَّه عنها - قالت: «حديث : لَمْ يَمْتَلِىءْ جَوْفُ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شِبَعاً قَطُّ، وَلَمْ يَبُثَّ شَكْوَىٰ إلَىٰ أَحَدٍ، وَكَانَتِ الْفَاقَةُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنَ الْغِنَىٰ، وَإِنْ كَانَ لَيَظَلُّ جَائِعاً يَلْتَوِي طُولَ لَيْلَتِهِ مِنَ الْجُوعِ، فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ صِيَامَ يَوْمِهِ، وَلَوْ شَاءَ سَأَلَ رَبَّهُ جَمِيعَ كُنُوزِ الأَرْضِ وَثِمَارِهَا وَرَغْدِ عَيْشِهَا، وَلَقَدْ كُنْتُ أَبْكِي لَهُ؛ رَحْمَةً مِمَّا أَرَىٰ بِهِ، وَأَمْسَحُ بِيَدِي عَلَىٰ بَطْنِهِ مِمَّا بِهِ مِنَ الْجُوعِ، وَأَقُولُ: نَفْسِ لَكَ الْفِدَاءُ لَوْ تَبَلَّغْتَ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يَقُوتُكَ! فَيَقُولُ: يَا عَائِشَةُ، مَا لِي وَلِلدُّنْيَا! إخْوَانِي مِنْ أُولي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ صَبَرُوا عَلَىٰ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هٰذَا، فَمَضَوْا عَلَىٰ حَالِهِمْ، فَقَدِمُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ فَأَكْرَمَ مَآبَهُمْ، وَأَجْزَلَ ثَوَابَهُمْ، فَأَجِدُنِي أَسْتَحِيي إنْ تَرَفَّهْتُ فِي مَعِيشَتِي أنْ يُقَصِّرَ بِي غَداً دُونَهُمْ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنَ اللُّحُوقِ بإخْوَانِي وأَخِلاَّئِي، قَالَتْ: فَمَا أَقَامَ بَعْدُ إلاَّ أَشْهُراً حَتَّىٰ تُوُفِّيَ ـــ صلواتُ اللَّهُ وسَلاَمُهُ عليه ـــ» تفسير : انتهى، وباقي الآية دَلالة على التوحيد واضحة، و{ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ}: هي إعادة الأجسام إلى الحشر بعد البِلَى، {وَأَقْنَىٰ} معناه: أَكْسَبَ ما يُقْتَنَى؛ تقول: قنيت المالَ، أي: كسبْته، وقال ابن عباس: {وَأَقْنَىٰ}: قنَّع، قال * ع *: والقناعة خير قُنْيَةٍ، والغِنَى عرض زائل، فَلِلَّهِ دَرُّ ابن عباس! و{ٱلشِّعْرَىٰ}: نجم في السماء، قال مجاهد وابن زيد: هو مرزم الجَوْزاء، وهما شِعْرَيَانِ: إحداهما الغُمَيْصَاءُ، والأُخرى العَبُور؛ لأَنَّها عَبَرَتِ المجرَّةَ، وكانت خُزَاعَةُ مِمَّنْ يَعْبُدُ هذه الشعْرَى العَبُورَ، ومعنى الآية: وَأَنَّ اللَّه سبحانه رَبُّ هذا المعبودِ الذي لكم و{عَاداً ٱلأُولَىٰ}: اختلف في معنى وصفها بالأُولى، فقال الجمهور: سُمِّيتْ «أولى» بالإضافة إلى الأمم المتأخِرة عنها، وقال الطبريُّ وغيره: سُمِّيتْ أولى؛ لأَنَّ ثَمَّ عاداً آخرةً، وهي قبيلة كانت بمكَّةَ مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال، واللَّه أعلم، وقرأ الجمهور: «وَثَمُودَا» بالنصب؛ عطفاً على «عاداً» «وقومَ نوحٍ» عطفاً على «ثمود». وقوله: {مِّن قَبْلُ} لأَنَّهم كانوا أَوَّلَ أُمَّة كَذَّبت من أهل الأرض، {وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ}: قرية قومِ لوطٍ {أَهْوَىٰ} أي: طرحها من هواء عالٍ إلى سفل.

السيوطي

تفسير : أخرج الدارقطني في الأفراد والبغوي في تفسيره عن أُبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ‏ {‏وأن إلى ربك المنتهى‏} ‏ قال‏:‏ لا فكرة في الرب، وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن سفيان الثوري في قوله ‏{‏وأن إلى ربك المنتهى‏} ‏ قال‏:‏ لا فكرة في الرب‏. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال‏:‏ مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإنكم لن تقدرونه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن أبي ذر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏"حديث : ‏تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن يونس بن مسيرة قال‏:‏ ‏ ‏حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يذكرون عظمة الله تعالى، فقال‏: "‏ما كنتم تذكرون‏"؟‏ قالوا‏:‏ كنا نتفكر في عظمة الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: "‏ألا في الله فلا تفكروا ثلاثاً ألا فتفكروا في عظم ما خلق، ثلاثاً" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن أبي أمية مولى شبرمة واسمه الحكم عن بعض أئمة الكوفة قال‏:‏ ‏‏حديث : قال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصد نحوهم فسكتوا، فقال‏:‏ "ما كنتم تقولون‏"؟‏ قالوا‏:‏ نظرنا إلى الشمس فتفكرنا فيها من أين تجيء ومن أين تذهب، وتفكرنا في خلق الله، فقال‏:‏ "كذلك فافعلوا تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله فإن لله تعالى وراء المغرب أرضاً بيضاء بياضها ونورها مسيرة الشمس أربعين يوماً فيها خلق من خلق الله لم يعصوا الله طرفة عين"‏ قيل‏:‏ يا رسول الله من ولد آدم هم‏؟‏ قال‏: "‏ما يدرون خلق آدم أم لم يخلق"‏ قيل‏:‏ يا نبي الله فأين إبليس عنهم‏؟‏ قال‏: "‏لا يدرون خلق إبليس أم لم يخلق‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال‏:‏حديث : دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في المسجد حلق حلق، فقال لنا‏:‏ فيم أنتم‏؟ قلنا‏:‏ نتفكر في الشمس كيف طلعت، وكيف غربت‏؟‏ قال‏:‏ ‏"أحسنتم كونوا هكذا تفكروا في المخلوق ولا تفكروا في الخالق فإن الله خلق ما شاء لما شاء وتعجبون من ذلك إن من وراء ‏(‏ق‏)‏ سبع بحار كل بحر خمسمائة عام، ومن وراء ذلك سبع أرضين يضيء نورها لأهلها ومن وراء ذلك سبعين ألف أمة خلقوا على أمثال الطير هو وفرخه في الهواء، لا يفترون عن تسبيحة واحدة ومن وراء ذلك سبعين ألف أمة خلقوا من ريح، فطعامهم ريح، وشرابهم ريح، وثيابهم من ريح، وآنيتهم من ريح، ودوابهم من ريح، لا تستقرحوا فردوا بهم إلى الأرض إلى قيام الساعة، أعينهم في صدروهم ينام أحدهم نومة واحدة، ينتبه وعند رأسه رزقه، ومن وراء ذلك ظل العرش، وفي ظل العرش سبعون ألف أمة ما يعلمون أن الله خلق آدم ولا ولد آدم ولا إبليس ولا ولد إبليس، وهو قوله تعالى ‏{‏ويخلق ما لا تعلمون‏}‏ ‏[النحل: 8‏]"‏‏‏ ‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت‏:‏ ‏ ‏حديث : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم يضحكون فقال‏: "‏لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً، فنزل عليه جبريل، فقال‏:‏ إن الله ‏ {‏وأنه هو أضحك وأبكى‏} ‏ فرجع إليهم فقال‏:‏ ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل، فقال‏:‏ ائت هؤلاء فقل لهم‏:‏ ‏"‏إن الله أضحك وأبكى‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏هبط آدم من الجنة بياقوتة بيضاء تمسح بها دموعه، قال‏:‏ وبكى آدم على الجنة أربعين عاماً، فقال له جبريل‏:‏ يا آدم ما يبكيك إن الله بعثني إليك معزياً، فضحك آدم، فذلك قول الله ‏{‏هو أضحك وأبكى‏}‏ فضحك آدم، وضحكت ذريته وبكى آدم وبكت ذريته‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن جبار الطائي قال‏:‏ شهدت جنازة أم مصعب بن الزبير وفيها ابن عباس، فسمعنا أصوات نوائح فقلت‏:‏ عباس يصنع هذا وأنت ههنا‏؟‏ فقال‏:‏ دعنا عنك يا جبار فإن الله أضحك وأبكى‏.‏

السلمي

تفسير : قال ابن عطاء: إذا وصل العبد إلى معرفة الربوبية تنحرف عنه كل فتنة ولا يكون له مشيئة غير اختيار الله له. قيل للحسين: ما التوحيد؟ فقال: أن يعتقد أنه مع الكل بقوله: {هو الأول} عند ذلك يطلب المعلولات منه الابتداء إليه والانتهاء قال الله: {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} ذهبت المعلولات وبقى المُعِلُّ لها {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ}. قال سهل: {أَضْحَكَ} المطيع بالرحمة {وَأَبْكَىٰ} العاصى بالسخط. قال بعضهم: {أَضْحَكَ} الأشجار بالأنوار {وَأَبْكَىٰ} عيون العارفين عن نظرة العبرة وقيل {أَضْحَكَ} قلوب العارفين بالحكمة {وَأَبْكَىٰ} عيونهم بالحزن والحرقة. قال ابن عطاء: {أَضْحَكَ} قلوب أوليائه بأنوار معرفته {وَأَبْكَىٰ} قلوب أعدائه بظلمات سخطه.

القشيري

تفسير : إليه المرجعُ والمصيرُ، فابتداءُ الأشياءِ من الله خَلْقاً. وانتهاءُ الأشياءِ إلى الله مصيراً. ويقال: إذا انتهى الكلامُ إلى اللَّهِ تعالى فاسْكُتُوا. ويقال: إذا وَصَلَ العبدُ إلى معرفةِ الله فليس بعدَه شيءٌ إلا ألطافاً من مالٍ أو منالٍ أو تحقيق آمالٍ أو أحولٍ... يُجْريها على مرادِه - وهي حظوظٌ للعباد.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان الى ربك المنتهى} مصدر بمعنى الانتهاء اى انتهاء الخلق فى رجوعهم الى الله تعالى بعد الموت لا الى غيره لاستقلالا والا اشتراكا فيجازيهم باعمالهم وفى الحقيقة انتهاء الخلق اليه تعالى فى البداية والنهاية ألا الى الله تصير الامور اذلا له الا هو (وفى المثنوى) شعر : دست بربالاى دست اين تاكجا تا بيزدان كه اليه المنتهى كان يكى درياست بى غور وكران جمله درياها جوسيلى بيش ن حيلها و جارها كر ار هاست بيش الا الله انها جمله لاست تفسير : قال ابن عطاء من كان منه مبدأه كان اليه منتهاه واذا وصل العبد الى معرفة الربوبية ينحرف عنه كل فتنة ولا يكون له مشيئة غير اختيار الله له قيل للحسين ما التوحيد قال أن تعتقد انه معلل الكل بقوله {أية : هو الاول}تفسير : وعند ذلك تطلب المعلولات منه الابتدآء واليه الانتهاء ذهبت المعلولات وبقى المعلل بها قال بعض الكبار من ادل دليل على توحيد الله تعالى عند من لاكشف عنده كونه تعالى عند النظار والفلاسفة علة العلل وهذا توحيد ذاتى ينتفى معه الشريك بلا شك غير ان اطلاق هذا اللفظ عليه تعالى لم يرد به الشرع فلا ندعوه به ولانطلقه عليه فاعلم ذلك

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله في بقية ذكر ما في الصُحف الأُولى: {وأنَّ إِلى ربك المنتهى} أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله:{أية : وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ}تفسير : [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا فكرة في الرب" تفسير : أي: كُنه الذات، وسيأتي في الإشارة: {وأنه هو أضحكَ وأبكى} أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العُقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، {وأنه هو أمات وأحيا} أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. {وأنه خلق الزوجين الذكرَ والأنثى من نُطفةٍ إذا تُمنَى}: إذ تدفق وتُدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، {وأنَّ عليه النشأةَ الأخرى} الإحياء بعد الموت، {وأنه هو أغنَى} أي: صيّر الفقير غنيّاً {وأَقْنَى} أي: أَعطى القِنْيَة، وهو المال الذي تأثّلته، وعزمت ألاَّ تُخرجه من يدك. {وأنه هو رَبُّ الشِّعْرى} وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سنّ لهم ذلك "ابن أبي كبشة" رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضاً، والشعرى طولاً، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيهاً له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه ربّ معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. {وأنه أهلك عاداً الأُولى} وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكاً بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت" أُولى" لأن ثُمَّ عاداً آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لُقَيم بن هَزّال. والله أعلم. هـ. {قلت}: والتحقيق: أن عاداً الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمّروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجَّهناها في كتاب الدرر. {وثَموداً} أي: وأهلك ثموداً، وهم قوم صالح، {فما أبقَى} أحداً منهم، {وقمَ نوحٍ من قبلُ}؛ وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، {إِنهم كانوا أظلمَ وأطغى} مِن عاد وثمود؛ لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حِراك، وينفرون منه حتى كانوا يُحذّرون صبيانهم أن يسمعوا منه، {والمؤتفكةَ} أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أَفَكه فائتفك، أي: قَلَبَه فانقلب، {والمؤتفكة} منصوب بـ {أَهْوَى} أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، {فَغَشَّاها} ألبسها من فنون العذاب {ما غَشَّى} وفيه تهويل لما صبَّ عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. {فبأي آلاءِ ربك} أيها المخاطب {تتمارَى} أي: تتشكك؟ أي: فبأي نِعَمٍ من نِعَم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النِعم، ودفع عنك من النِقم، وتسمية الأمور المتعددة قبلُ نِعماً مع أن بعضها نقم؛ لأنها أيضاً نِعَم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسَلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. {هذا نذيرٌ} أي: محمد مُنذِّر {من النُذُرِ الأولى} من المنذِّرين الأولين، وقال: "الأُولى" على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذِر بها من قبلكم. {أَزِفَتِ الآزفةُ} أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله:{أية : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ}تفسير : [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأنَّ تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، {ليس لها من دون الله كاشِفةٌ} أي: ليس لها نَفْس مبيّنة وقت قيامها إلاّ الله تعالى، وهذا كقوله:{أية : لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهآ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويُعذِّب بها مَن شاء. ولمَّا استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: {أفمن هذا الحديث تعجبون} إنكاراً، {وتضحكون} استهزاءً، {ولا تبكون} خشوعاً، {وأنتم سامدون} غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، {فاسجدوا لله واعبدوا} ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعْرَى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: {وأنَّ إلى ربك المنتهى} انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكوِّن، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثِّر، كما قال القائل: شعر : وبروْح وراح عاد شفعي وترى تفسير : وقال الآخر: شعر : فلم يبق إلا الله لم يبق كائنٌ فما ثَمَّ موصولٌ ولا ثم بائنُ بذا جاء برهان العيانِ، فما أرى بِعيْنيَّ إلا عينه إذ أعاينُ تفسير : إلى غير ذلك مما غَنَّوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: {وأنه هو أضحك وأبكى} أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحاً بكشف الحجاب، وأبكى نفوساً بذُل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلّى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلّى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوباً بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهّار، وأحيا قلوباً بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفّار، أو: أمات نفوساً عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحاً بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحاً بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوساً باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحاً. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذَكَر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفْس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. هـ. مختصراً. وقال بعضهم: والشيطان كالذَكَر، والنفس كالأنثى، يتولّد بينهما المعصية. هـ. {وأنَّ عليه النشأة الأخرى} وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبداً، أو: {النشأة الأخرى}: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنَى بأن مكَّنه منه فزاد غناه. وطبّل على ماله، {وأنه هو رَبُّ الشِّعرى}، وهو كل ما عُبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عاداً الأولى؛ النفوس المتفرعنة، والأهوية المُغوية، أرسل عليهم ريحَ الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمودَ الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح؛ من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قَبلُ، أي: مِن قبل أن يتوجه إلينا، لِما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجُّه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشَّاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشَّى. فإذا سَلِمتَ أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهتَ إلى مولاك، {فبأي آلاء ربك تتمارى؟} بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذيرٌ من النُذُر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدتَ مَن يُدخلك بحرَ الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي منَّ عليك بصحبة مَن يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قَرُبَت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، هـ مختصراً. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكاراً، وتضحكون استهزاءً؟ قلت: وقد رأيت كثيراً ممن يُنكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكّب مطالعتها، وقد قيل: مَن كَرِهَ شيئاً عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حُرمتْ من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرّعوا إليه، حتى يُخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلّى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.

اطفيش

تفسير : {وَاَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى} أي الانتهاء فهو مصدر ميمي لا ينتهي الخلق إلا إليه فيجازيهم وذلك مما في صحف موسى وابراهيم وقرىء بالكسر على الابتداء وكذا ما بعده فليس اخبار بما في الصحف والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلا تحزن فان الانتهاء اليه فهذه تسلية وقيل ابتداء المنة واليه انتهاء الامال وفي الحديث ان معناه لا فكرة في ربك وينتهي في وجوده ووحدانيته فلا يحيط به الفكر أو الخطاب لكل عاقل فيزداد المحسن ويكف المسيء وحق لعبد يعلم انه منته الى ربه ان يرفض هواه ويزهد في دنياه ويقبل الى مولاه ويقتدي بنبي فضله الله على غيره وارتضاه ويتأمل كيف كان زهده في دنياه واقباله على مولاه وحسبك في اعراضه عنها انه مات ودرعه مرهونه عند يهودي. وكان يقول حديث : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا حديث : وقالت عائشة "ما شبع ثلاثة أَيام تباعا حتى مضى لسبيله".تفسير : وروي عنهما "حديث : ما امتلأ جوفه قط ولم يبث شكوى لاحد والفاقة احب إليه من الغنى وان كان ليضل جايعا يلتوي طول ليلته من الجوع فلا يمنعه من صيام يومه ولو سال ربه جميع كنوز الارض وثمارهما ورغد عيشها ولقد كنت ابكي له رحمة مما ارى به وامسح بيدي على بطنه لما به من الجوع واقول نفسي لك الفداء لو تبلغت من الدنيا قوتا فيقول: "يا عائشة مالي وللدنيا اخواني من اولي العزم من الرسل صبروا على ما هو اشد فاجزل الله ثوابهم فاجدني استحي ان ترفهت في معيشتي ان يقصر بي عدا دونهم وما من شيء أحب الي من اللحوق باخواني واخلائي" قالت فما قام إلا شهرا فتوفى صلى الله عليه وسلم"تفسير : وعلى الفتح فالخطاب لابراهيم في صحفه ولموسى في صحفه أو لكل عاقل أو النبي بالمعنى فانه اذا قال في الصحف ان منتهى الخلق الى ربهم فكأنه قال منتهاك يا محمد الى ربك.

اطفيش

تفسير : {وأَنَّ إلى ربِّك} لا الى غيره، ولا مع غيره {المنتهى} الانتهاء يوم القيامة بالحساب، كأنه قيل: الى حساب ربك، أو الى جزائه بالجنة أو النار ألتجىء اليك بما هو الاسم الأعظم عندك اللهم فى أهوال الدنيا والآخرة: شعر : قالوا غدا نأتى ديار الحمى وينزل الركب بمغناهم فقلت لى ذنب فما حيلتى بأى وجـــه أتلقاهم قالوا أليس العفو من شأنهم لا ســـيما عمن ترجاهم تفسير : وقيل: المعنى لا تزال الأفكار تتكيف الأشياء، وإذا أرادت تكييفه تعالى عجزت، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا ذكر الرب فانتهوا"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فتهلكوا فإنكم لن تقدروا قدره" تفسير : أى لا تعرفون قدره بالكنه، وجاء فى الأخبار: تعرف الله بجهلكه، وعرف الله من جهله، أى يعرف أنه موجود ولا يعرف تكييفه، وأيضا اذا تفكرت فى الخلق علمت أن لهم موجودا هو الله عز وجل، فتنتهى ولا تزيد، وقيل: منه المنة واليه انتهاء الآمال، وما تقدم أولا هو الصحيح ففى الآية تسلية له صلى الله عليه وسلم بجزاء قومه يوم القيامة وتهديدهم، وقيل: الخطاب عام على سبيل البدلية، وقد مدح الله من يتفكر فى خلق السماوات والأرض، فقال: "أية : إنَّ في خلق السماوات والأرض" تفسير : [آل عمران: 190] الى قوله: "أية : ربنا ما خلقت هذا باطلاً" تفسير : [آل عمران: 191] وذلك كله صحيح، لكن تفسير الآية به لا يظهر، لأن المقام ليس له، بل للجزاء، وفى الآية الاخبار عن المصدر بظرف لو تأخر لتبادر تعلقه بذلك المصدر، وهو دليل على أنه خبر لا فى مثل قوله تعالى: "أية : لا تثريب عليكم" تفسير : [يوسف: 92] و "أية : لا ملجأ من الله إلاَّ إليه" تفسير : [التوبة: 118] فاسم لا مفرد.

الالوسي

تفسير : أي إن انتهاء الخلق ورجوعهم إليه تعالى لا إلى غيره سبحانه استقلالاً ولا اشتراكاً، والمراد بذلك رجوعهم إليه سبحانه يوم القيامة حين يحشرون ولهذا قال غير واحد: أي إلى حساب ربك أو إلى ثوابه تعالى من الجنة وعقابه من النار الانتهاء، وقيل: المعنى أنه عز وجل منتهى الأفكار فلا تزال الأفكار تسير في بيداء حقائق الأشياء وماهياتها والإحاطة بما فيها حتى إذا وجهت إلى حرم ذات الله عز وجل وحقائق صفاته سبحانه وقفت وحرنت وانتهى سيرها، وأيد بما أخرجه البغوي عن أبـي بن كعب عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الآية: ( حديث : لا فكرة في الرب ) تفسير : وأخرجه أبو الشيخ في «العظمة» عن سفيان الثوري، وروي عنه عليه الصلاة والسلام: « حديث : إذا ذكر الرب فانتهوا »تفسير : ، وأخرج ابن ماجه عن ابن عباس قال: « حديث : مر النبـي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله فقال: تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنكم لن تقدروه » تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن أبـي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا » تفسير : . واستدل بذلك من قال باستحالة معرفته عز وجل بالكنه، والبحث في ذلك طويل، وأكثر الأدلة النقلية على عدم الوقوع. وقرأ أبو السمال، {وإن} بالكسر هنا وفيما بعد على أن الجمل منقطعة عما قبلها فلا تكون مما في الصحف.

ابن عاشور

تفسير : القول في موقعها كالقول في موقع جملة {أية : وأن سعيه سوف يرى}تفسير : [النجم: 40] سواءً، فيجوز أن تكون هذه الجملة معطوفة على جملة {وأن سعيه سوف يرى} فتكون تتمة لما في صحف موسى وإبراهيم، ويكونَ الخطاب في قوله: {إلى ربك} التفاتاً من الغيبة إلى الخطاب والمخاطب غيرُ معينّ فكأنه قيل: وأن إلى ربه المنتهى، وقد يكون نظيرها من كلام إبراهيم ما حكاه الله عنه بقوله: {أية : وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين}تفسير : [الصافات: 99]. ويجوز أنها ليست مما اشتملت عليه صحف موسى وإبراهيم ويكون عطفُها عطفَ مفرد على مفرد، فيكون المصدر المنسبك من {أنّ} ومعمولها مدخولاً للباء، أي لم ينبأ بأن إلى ربك المنتهى، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم. وعليه فلا نتطلب لها نظيراً من كلام إبراهيم عليه السلام. ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى حكمه المحض الذي لا تلابسه أحكامٌ هي في الظاهر من تصرفات المخلوقات مما هو شأن أمور الدنيا، فالكلام على حذف مضاف دل عليه السياق. والتعبير عن الله بلفظ {ربك} تشريف للنبيء صلى الله عليه وسلم وتعريض بالتهديد لمكذبيه لأن شأن الرب الدفاع عن مربوبه. وفي الآية معنى آخر وهو أن يكون المنتهى مجازاً عن انتهاء السير، بمعنى الوقوف، لأن الوقوف انتهاء سير السائر، ويكون الوقوف تمثيلاً لحال المطيع لأمر الله تشبيهاً لأمر الله بالحَد الذي تحدد به الحَوائط على نحو قول أبي الشيص:شعر : وقَف الهوى بي حيث أنتِ فليس لي متَأَخَّر عنه ولا مُتَقَدّم تفسير : كما عبر عن هذا المعنى بالوقوف عند الحد في قوله تعالى: {أية : تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون}تفسير : [البقرة: 229]. والمعنى: التحذير من المخالفة لما أَمَر الله ونَهى. وفي الآية معنى ثالث وهو انتهاء دلالة الموجودات على وجودِ الله ووحدانيتِه لأن الناظر إلى الكائنات يعلم أن وجودها ممكن غير واجب فلا بد لها من موجود، فإذا خَيَّلت الوسوسة للناظر أن يفرض للكائنات موجداً مما يبدو له من نحو الشمس أو القمر أو النار لما يرى فيها من عِظم الفاعلية، لم يلبَث أن يظهر له أن ذلك المفروض لا يخلو عن تَغير يدل على حدوثه فلا بد له من مُحدث أوْجَدَهُ فإذا ذهب الخيال يسلسل مفروضات الإِلهية (كما في قصة إبراهيم {أية : فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي}تفسير : [الأنعام: 76] الآيات) لم يجد العقل بُداً من الانتهاء إلى وجوب وُجودِ صَانع لممكنات كلها، وجودُه غيرُ ممكن بل واجب، وأن يكون متصفاً بصفات الكمال وهو الإِله الحق، فالله هو المنتهى الذي ينتهي إليه استدلال العقل، ثم إذا لاح له دليل وجود الخالق وأفضى به إلى إثبات أنه واحد لأنه لو كان متعدّداً لكان كلٌّ من المتعدد غيرَ كامل الإِلهية إذ لا يتصرف أحد المتعدِد فيما قد تصرف فيه الآخر، فكان كل واحد محتاجاً إلى الآخر ليرضى بإقراره على إيجاد ما أوجده، وإلا لقدر على نقض ما فعله، فيلزم أن يكون كل واحد من المتعدد محتاجاً إلى من يسمح له بالتصرف، قال تعالى: {أية : وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض}تفسير : [المؤمنون: 91] وقال: {أية : قل لو كان معه آلهة كما تقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً}تفسير : [الإسراء: 42] وقال: {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}تفسير : [الأنبياء: 22] فانتهى العقل لا محالة إلى منتهى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 42- وأن إلى ربك - لا إلى غيره - المعاد. 43- وأنه هو - وحده - بسط أسارير الوجوه وقبضها، وخلق أسباب البسط والقبض. 44- وأنه هو - وحده - سلب الحياة ووهبها. 45، 46- وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى - من الإنسان والحيوان - من نطفة دافقة. 47- وأن عليه الإحياء بعد الإماتة. 48- وأنه - هو - أعطى ما يكفى، وأرضى بما يقتنى ويدخر. 49- وأنه - هو - رب هذا الكوكب العظيم المسمى بالشعرى.

القطان

تفسير : المنتهى: المعاد يوم القيامة. تُمْنَى: تصبّ في الرحم وتدفع فيه. النشأة الاخرى: البعث يوم القيامة. أغنى: كفى عبده وأغناه عن سؤال الناس. أقنى: أعطاه فوق الغنى من لمال ما يُقتنى ويُدّخر. الشّعرى: نجم مضيء وهي معروفة بالشّعرى اليمانية، أشدّ نجمٍ لمعاناً في السماء، يبلغ قطرها ضِعف قطر الشمس، وأكثر لمعاناً من الشمس بِـ 27 مرة. وكان بعض العرب يعبدونها في الجاهلية. عاداً الأولى: قوم هود. المؤتفكة: قرى قوم لوط، ائتفكت الأرض: انقلبت بمن عليها. أهوى: أسقطها في الأرض، خسف بها الارض. غشّاها: غطاها العذاب. آلاء رَبِّكَ: نِعمه. مفردها إلي بفتح الهمزة وكسرها. تتمارى: تشك. أزفت: دنت واقتربت. الآزفة: الساعة يوم القيامة. كاشفة: من الكشف والإظهار. أفمن هذا الحديث: يعني القرآن. سامدون: لاهون. في ختام هذه السورة الكريمة يعجَب اللهُ تعالى من أمر الانسان، وانه كيف يتشكّك في أمر الله وقدرته، ويجادل ويماري في أمر الرسالات!! فمهما طالَ وجودُ الانسان في هذه الحياة فان مصيره الموتُ والرجوعُ إليه. ان الله تعالى وحده خلَقَ ما يسرُّ وما يُحزِن، فأضحك وأبكى، وذلك بأن أنشأ للانسان دواعي الضحك ودواعي البكاء. وقد يضحك غداً مما أبكاه اليوم، ويبكي اليوم مما أضحكه بالأمس في غير جنون ولا ذهول، إنما هي الحالاتُ النفسية المتقلبة بيدِ مقلِّب القلوب. وأنه هو يهب الحياة ويأخذُها، وانه خلَقَ الزوجين: الذكر والانثى، من نطفةٍ فيها آلاف الحيوانات الصغيرة التي لا تُرى بالعين المجردة. وهو الذي يحيينا مرةً أخرى يومَ البعث، وانه سبحانه {هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ} فأعطى ما يكفي، وزادنا رضىً بما يُقْتَنَى ويُدّخر. {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ} وقد نصّ بشكل خاص بانه ربّ الشعرى اليمانية (ألمع نجمٍ في كوكبة الكلب الأكبر، وأَلْمع ما يُرى من نجوم السماء)- لان بعض العرب كانوا يعبدونها. وكان قدماء المصريين يعبدونها ايضا، لأن ظهورها في جهة الشرق نحو منتصف شهر تموز قبل شروق الشمس - يتفق مع زمن الفيضان في مصر الوسطى، وهو اهم حادث في العام، وابتداء عام جديد. لقد أهلك الله عاداً الأولى قومَ هود، وأهلك ثمودَ قوم صالح، فما أبقى عليهم. كذلك أهلك قوم نوح من قبلهم، وقد كانوا اكثر ظُلماً وأشدَّ طغياناً من عاد وثمود. أما المؤتفكة قوم لوط، فقد قلَب بهم الارض وخسفها لطغيانهم وكفرهم. {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ} فأحاط بها من العذاب الشديد المرعب ما لا يوصف. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ} فبأيّ نِعمِ ربك عليك أيها الانسانُ تشكّ وترتاب!! وكما قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ....} تفسير : [الإنفطار: 6]. إن هذه كلَّها أدلةٌ على وحدانية ربك وربوبيته. {هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ} هذا هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم جاءكم نذيراً بالقرآن الكريم، وهو من النذُر الأولى التي أُنذرت بها الأمم السابقة. {أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ} قربتْ القيامة، ولا يكشِف عن وقتها الا الله، {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأعراف: 187]. فما لكم ساهون لاهون!! وهل بعدَ هذا كلّه ينبغي أن تعجَبوا من هذا القرآن، وهو حديثٌ عظيم فيه كل ما يقودكم الى الهدى والصلاح والسعادة!! وتضحكون استهزاءً وسخريةً ولا تبكون، كما يفعل الموقنون!. {فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ} بهذا يختم الله تعالى هذه السورةَ الكريمة، فاسجدوا لله الذي انزلَ القرآنَ هدىً للناس، واعبدوه وحدَه لا اله الا هو. وهنا موضعُ سجدةٍ واجبة. قراءات: قرأ نافع وابن كثير: عاداً الَّولى بإدغام التنوين باللام. والباقون: عاداً الأولى. وقرأ حفص: وثمودَ بغير تنوين. والباقون: وثموداً بالتنوين. وقرأ الجمهور: تتمارى بتاءين. وقرأ يعقوب: تمارى بتاء واحدة.

د. أسعد حومد

تفسير : (42) - وَأَنَّ مَرْجِعَ الأُمُورِ يَوْمَ المَعَادِ إِلى اللهِ، فَيُحَاسِبُ الخَلْقَ عَلَى مَا اكْتَسَبُوا مِنْ أَعْمَالِ فَيُثِيبُهُم عَلَيها في الجَنَّةِ، أَوْ يُعَاقِبُهُمْ عَلَيها بِالعَذَابِ في نَارِ جَهَنَّمَ. المُنْتَهى - المَصِيرُ وَالنِّهَايَةُ في الآخِرَةِ لِلْجَزاءِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إلى ربك المرجع، وإلى ربك المصير والمنتهى، والآية فيها أسلوب قَصْر بتقديم الخبر على المبتدأ {إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} [النجم: 42] إلى ربك وحده دون سواه تنتهي الأمور في الآخرة، فالدنيا ليست هي نهاية المطاف، وليست هي الغاية، وهذه مسألة يُقِرُّ بها العقل قبل الشرع. فلو كانت الدنيا هي الغاية وهي النهاية، لكانت الحظوة لأهل الشهوات ولأهل الظلم والتعدِّي، لأنهم حققوا ما يريدون في الدنيا وعاشوها بالطول والعرض، ففازوا بمتاع الدنيا، ولم يعاقبوا عليه ولم يحاسبوا. إذن: العقل يقول: لا لابدَّ أن هناك يوماً للحساب وللقصاص، العدل يقتضي ذلك. ولو أيقن الناسُ بهذه الآية وفهموا هذا المعنى لاستقامتْ أمورهم، ولفكَّر الإنسانُ مرة وألف مرة قبل أنْ يُقدم على معصية الله أو ظلم الخَلْق، ولعمل حساباً لهذا المنتهى الذي لابدَّ له أنْ ينتهي إليه. وهذه الآية أيضاً تدلنا على أن العبد وإنْ خلقه ربه مختاراً يؤمن أو يكفر، يطيع أو يعصي، فإن هناك منطقة أخرى قهرية لا اختيار له فيها، وهل لك اختيار في غِناك أو فقرك؟ صحتك أو سقمك؟ حياتك أو موتك؟ إذن: مهما كنتَ حراً ومختاراً فلا غنى لك عن ربك، ولا ملجأ لك غيره، فلا تتمرد عليه بالعصيان، لأن منتهاك إليه في الآخرة للحساب، ومنتهاك أيضاً في أمور حياتك الدنيوية إليه وحده، فأنت في قبضة قدره لا تستطيع الانفلات منها. فالذي يتمرّد على منهج الله أيستطيع أنْ يتمرد على المرض إنْ أصابه؟ أيستطيع أنْ يمتنع عن ملَك الموت إنْ جاء أجله، إذن: لك منتهى في الدنيا قبل منتهى الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ ...}.