Verse. 4827 (AR)

٥٣ - ٱلنَّجْم

53 - An-Najm (AR)

وَاَنَّہٗ ہُوَاَضْحَكَ وَاَبْكٰى۝۴۳ۙ
Waannahu huwa adhaka waabka

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأنه هو أضحك» من شاء أفرحه «وأبكى» من شاء أحزنه.

43

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: الأولى: على قولنا: إليه المنتهى المراد منه إثبات الوحدانية، هذه الآيات مثبتات لمسائل يتوقف عليها الإسلام من جملتها قدرة الله تعالى، فإن من الفلاسفة من يعترف بأن الله المنتهى وأنه واحد لكن يقول: هو موجب لا قادر، فقال تعالى: هو أوجد ضدين الضحك والبكاء في محل واحد والموت والحياة والذكورة والأنوثة في مادة واحدة، وإن ذلك لا يكون إلا من قادر واعترف به كل عاقل، وعلى قولنا: إن قوله تعالى: {أية : وَأَنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } تفسير : [النجم: 42] بيان المعاد فهو إشارة إلى بيان أمره فهو كما يكون في بعضها ضاحكاً فرحاً وفي بعضها باكياً محزوناً كذلك يفعل به في الآخرة. المسألة الثانية: {أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ } لا مفعول لهما في هذا الموضع لأنهما مسوقتان لقدرة الله لا لبيان المقدور، فلا حاجة إلى المفعول. يقول القائل: فلأن بيده الأخذ والعطاء يعطي ويمنع ولا يريد ممنوعاً ومعطى. المسألة الثالثة: اختار هذين الوصفين للذكر والأنثى لأنهما أمران لا يعللان فلا يقدر أحد من الطبيعيين أن يبدي في اختصاص الإنسان بالضحك والبكاء وجهاً وسبباً، وإذا لم يعلل بأمر ولا بد له من موجد فهو الله تعالى، بخلاف الصحة والسقم فإنهم يقولون: سببهما اختلال المزاج وخروجه عن الاعتدال، ويدلك على هذا أنهم إذا ذكروا في الضحك أمراً له الضحك قالوا: قوة التعجب وهو في غاية البطلان لأن الإنسان ربما يبهت عند رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك، وقيل: قوة الفرح، وليس كذلك لأن الإنسان يفرح كثيراً ولا يضحك، والحزين الذي عند غاية الحزن يضحكه المضحك، وكذلك الأمر في البكاء، وإن قيل لأكثرهم علماً بالأمور التي يدعيها الطبيعيون إن خروج الدمع من العين عند أمور مخصوصة لماذا؟ لا يقدر على تعليل صحيح، وعند الخواص كالتي في المغناطيس وغيرها ينقطع الطبيعي، كما أن عند أوضاع الكواكب ينقطع هو والمهندس الذي لا يفوض أمره إلى قدرة الله تعالى وإرادته.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} ذهبت الوسائط وبقيت الحقائق لله سبحانه وتعالى فلا فاعل إلا هو؛ وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: لا والله ما قال رسول الله قطٌّ إنّ الميِّت يعذَّب ببكاء أحدٍ، ولكنه قال:« حديث : إنّ الكافرَ يزيدهُ الله ببكاء أهله عذاباً وإنّ الله لهو أضحك وأبْكَى وما تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى»تفسير : . وعنها قالت: حديث : مَرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على قوم من أصحابه وهم يضحكون، فقال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» فنزل عليه جبريل فقال: يا محمد! إن الله يقول لك: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ}. فرجع إليهم فقال: «ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال ٱيِت هؤلاء فقل لهم إن الله تعالى يقول: {هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} تفسير : أي قضى أسباب الضحك والبكاء. وقال عطاء بن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن؛ لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء. وقيل لعمر: هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم! والإيمان والله أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي. وقد تقدّم هذا المعنى في «النمل» و «براءة». قال الحسن: أضحك الله أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار. وقيل: أضحك من شاء في الدنيا بأن سَرَّه وأبكى من شاء بأن غَمَّه. الضحاك: أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر. وقيل: أضحك الأشجار بالنَّوَّار، وأبكى السحاب بالأمطار. وقال ذو النون: أضحك قلوب المؤمنين والعارفين بشمس معرفته، وأبكى قلوب الكافرين والعاصين بظلمة نكرته ومعصيته. وقال سهل بن عبد الله: أضحك الله المطيعين بالرحمة وأبكى العاصين بالسخط. وقال محمد بن علي الترمذي: أضحك المؤمن في الآخرة وأبكاه في الدنيا. وقال بسام بن عبد الله: أضحك الله أسنانهم وأبكى قلوبهم. وأنشد:شعر : السِّنُّ تَضحَكُ والأحشاءُ تَحْتَرِقُ وإنما ضِحْكُها زُورٌ ومُخْتَلَقُ يا رُبَّ باكٍ بِعَيْنٍ لا دموعَ لها ورُبَّ ضاحِكِ سنٍّ ما بِهِ رَمَقُ تفسير : وقيل: إن الله تعالى خصّ الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر الحيوان، وليس في سائر الحيوان من يضحك ويبكي غير الإنسان. وقد قيل: إن القرد وحده يضحك ولا يبكي، وإن الإبل وحدها تبكي ولا تضحك. وقال يوسف بن الحسين: سئل طاهر المقدسي أتضحك الملائكة؟ فقال: ما ضحكوا ولا كلّ من دون العرش منذ خلقت جهنم. {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} أي قضى أسباب الموت والحياة. وقيل: خلق الموت والحياة كما قال: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} تفسير : [الملك:2] قاله ٱبن بحر. وقيل: أمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن بالإيمان؛ قال الله تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} تفسير : [الأنعام:122] الآية. وقال: {أية : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنعام: 36] على ما تقدّم، وإليه يرجع قول عطاء: أمات بعدله وأحيا بفضله. وقول من قال: أمات بالمنع والبخل وأحيا بالجود والبذل. وقيل: أمات النطفة وأحيا النَّسَمة. وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل: يريد بالحياة الخصب وبالموت الجدب. وقيل: أنام وأيقظ. وقيل: أمات في الدنيا وأحيا للبعث. {وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} أي من أولاد آدم ولم يرد آدم وحوّاء بأنهما خلقا من نُطْفة. والنطفة الماء القليل، مشتق من نطفَ الماءُ إذا قَطَر. {تُمْنَىٰ } تُصبّ في الرحم وتراق؛ قال الكلبي والضحاك وعطاء بن أبي رباح. يقال: مَنَى الرجل وأَمْنى من الْمَنِيّ، وسميت مِنًى بهذا الاسم لما يُمْنَى فيها من الدماء أي يُراق. وقيل: {تُمْنَىٰ } تُقدَّر؛ قاله أبو عبيدة. يقال: مَنَيت الشيء إذا قَدّرته، ومُنِي له أي قُدّر له؛ قال الشاعر:شعر : حَتّـى تُـلاَقِيَ مـا يَمْنِـي لَكَ الْمَانِـي تفسير : أي ما يقدر لك القادر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ } من شاء أفرحه {وَأَبْكَىٰ } من شاء أحزنه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ } أي: هو الخالق لذلك والقاضي بسببه. قال الحسن، والكلبي: أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار. وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر، وقيل: أضحك من شاء في الدنيا بأن سرّه، وأبكى من شاء بأن غمه. وقال سهل بن عبد الله: أضحك المطيعين بالرحمة، وأبكى العاصين بالسخط {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا } أي: قضى أسباب الموت والحياة، ولا يقدر على ذلك غيره، وقيل: خلق نفس الموت والحياة، كما في قوله: {أية : خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ}تفسير : [الملك: 2] وقيل: أمات الآباء، وأحيا الأبناء، وقيل: أمات في الدنيا وأحيا للبعث، وقيل: المراد بهما: النوم واليقظة. وقال عطاء: أمات بعدله وأحيا بفضله، وقيل: أمات الكافر وأحيا المؤمن، كما في قوله: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ } تفسير : [الأنعام: 122]. {وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأنثَىٰ * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ } المراد: بالزوجين: الذكر والأنثى من كل حيوان، ولا يدخل في ذلك آدم وحوّاء، فإنهما لم يخلقا من النطفة، والنطفة: الماء القليل، ومعنى {إِذَا تُمْنَىٰ }: إذ تصبّ في الرحم وتدفق فيه، كذا قال الكلبي، والضحاك، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم، يقال: مني الرجل وأمنى، أي: صب المنيّ. وقال أبو عبيدة {إِذَا تُمْنَىٰ } إذا تقدّر، يقال: منيت الشيء: إذا قدّرته ومني له، أي: قدر له، ومنه قول الشاعر:شعر : حَتَّى تلاقي ما يمْني لَكَ الماني تفسير : والمعنى: أنه يقدّر منها الولد. {وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأخْرَىٰ } أي: إعادة الأرواح إلى الأجسام عند البعث وفاء بوعده. قرأ الجمهور: {النشأة} بالقصر بوزن الضربة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالمدّ بوزن الكفالة، وهما على القراءتين مصدران. {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ } أي: أغنى من شاء وأفقر من شاء، ومثله قوله: {أية : يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ }تفسير : [الرعد: 26] وقوله: {حديث : يَقْبِضُ ويبسط}تفسير : [البقرة: 245] قاله ابن زيد، واختاره ابن جرير. وقال مجاهد، وقتادة، والحسن: أغنى: موّل، وأقنى: أخدم، وقيل: معنى أقنى: أعطى القنية، وهي ما يتأثل من الأموال. وقيل: معنى أقنى: أرضى بما أعطى، أي: أغناه ثم رضاه بما أعطاه. قال الجوهري: قنّى الرجل قنًى، مثل غنّى غنًى، أي: أعطاه ما يقتني، وأقناه: أرضاه، والقنى: الرضى. قال أبو زيد: تقول العرب: من أعطى مائة من البقر فقد أعطى القنى، ومن أعطى مائة من الضأن فقد أعطى الغنى، ومن أعطى مائة من الإبل فقد أعطى المنى. قال الأخفش، وابن كيسان: أقنى: أفقر، وهو يؤيد القول الأوّل. {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشّعْرَىٰ } هي كوكب خلف الجوزاء كانت خزاعة تعبدها، والمراد بها: الشعرى التي يقال لها: العبور، وهي أشدّ ضياء من الشعرى التي يقال لها: الغميصاء، وإنما ذكر سبحانه أنه ربّ الشعرى مع كونه رباً لكلّ الأشياء للردّ على من كان يعبدها، وأوّل من عبدها أبو كبشة، وكان من أشراف العرب، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة تشبيهاً له به لمخالفته دينهم، كما خالفهم أبو كبشة، ومن ذلك قول أبي سفيان يوم الفتح: لقد أمر أمْر ابن أبي كبشة. {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأولَىٰ} وصف عاداً بالأولى لكونهم كانوا من قبل ثمود. قال ابن زيد: قيل لها: عاداً الأولى، لأنهم أوّل أمة أهلكت بعد نوح. وقال ابن إسحاق: هما عادان، فالأولى أهلكت بالصرصر، والأخرى أهلكت بالصيحة. وقيل: عاد الأولى قوم هود، وعاد الأخرى: إرم. قرأ الجمهور: {عاداً الأولى} بالتنوين والهمز، وقرأ نافع، وابن كثير، وابن محيصن بنقل حركة الهمزة على اللام، وإدغام التنوين فيها. {وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ } أي: أهلك ثموداً كما أهلك عاداً، فما أبقى أحداً من الفريقين، وثمود هم قوم صالح أهلكوا بالصيحة، وقد تقدّم الكلام على عاد، وثمود في غير موضع. {وَقَوْمَ نُوحٍ مّن قَبْلُ } أي: وأهلك قوم نوح من قبل إهلاك عاد وثمود {إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ } أي: أظلم من عاد وثمود وأطغى منهم، أو أظلم وأطغى من جميع الفرق الكفرية، أو أظلم وأطغى من مشركي العرب، وإنما كانوا كذلك، لأنهم عتوا على الله بالمعاصي مع طول مدة دعوة نوح لهم، كما في قوله: {أية : فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً } تفسير : [العنكبوت: 14] {وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ } الائتفاك: الانقلاب، والمؤتفكة: مدائن قوم لوط، وسميت المؤتفكة لأنها انقلبت بهم وصار عاليها سافلها، تقول: أفكته: إذا قلبته، ومعنى أهوى: أسقط، أي: أهواها جبريل بعد أن رفعها. قال المبرد: جعلها تهوي. {فَغَشَّـٰهَا مَا غَشَّىٰ } أي: ألبسها ما ألبسها من الحجارة التي وقعت عليها، كما في قوله: {أية : فَجَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } تفسير : [الحجر: 74] وفي هذه العبارة تهويل للأمر الذي غشاها به، وتعظيم له، وقيل: إن الضمير راجع إلى جميع الأمم المذكورة، أي: فغشاها من العذاب ما غشّى على اختلاف أنواعه. {فَبِأَىّ الاء رَبّكَ تَتَمَارَىٰ } هذا خطاب للإنسان المكذب، أي: فبأي نعم ربك أيها الإنسان المكذب تشكك وتمتري، وقيل: الخطاب لرسول الله تعريضاً لغيره، وقيل: لكلّ من يصلح له، وإسناد فعل التماري إلى الواحد باعتبار تعدّده بحسب تعدد متعلقه، وسمى هذه الأمور المذكورة آلاء، أي: نعماً مع كون بعضها نقماً لا نعماً؛ لأنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة، وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين. قرأ الجمهور {تتمارى} من غير إدغام، وقرأ يعقوب، وابن محيصن بإدغام إحدى التاءين في الأخرى. {هَـٰذَا نَذِيرٌ مّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلاْوْلَىٰ } أي: هذا محمد رسول إليكم من الرسل المتقدّمين قبله، فإنه أنذركم، كما أنذروا قومهم، كذا قال ابن جريج، ومحمد بن كعب، وغيرهما. وقال قتادة: يريد القرآن، وأنه أنذر بما أنذرت به الكتب الأولى، وقيل: هذا الذي أخبرنا به عن أخبار الأمم تخويف لهذه الأمة من أن ينزل بهم ما نزل بأولئك، كذا قال أبو مالك. وقال أبو صالح: إن الإشارة بقوله: {هَـٰذَا } إلى ما في صحف موسى، وإبراهيم، والأوّل أولى. {أَزِفَتِ ٱلازِفَةُ } أي: قربت الساعة ودنت، سماها آزفة لقرب قيامها، وقيل: لدنوّها من الناس، كما في قوله: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ } تفسير : [القمر: 1] أخبرهم بذلك ليستعدّوا لها. قال في الصحاح: أزفت الآزفة: يعني: القيامة، وأزف الرجل: عجل، ومنه قول الشاعر:شعر : أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد تفسير : {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ } أي: ليس لها نفس قادرة على كشفها عند وقوعها إلاّ الله سبحانه، وقيل: كاشفة بمعنى انكشاف، والهاء فيها كالهاء في العاقبة والداهية، وقيل: كاشفة بمعنى كاشف، والهاء للمبالغة كرواية، والأوّل أولى. وكاشفة صفة لموصوف محذوف، كما ذكرنا، والمعنى: أنه لا يقدر على كشفها إذا غشت الخلق بشدائدها، وأهوالها أحد غير الله، كذا قال عطاء، والضحاك، وقتادة، وغيرهم. ثم وبّخهم سبحانه، فقال: {أَفَمِنْ هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ } المراد بالحديث: القرآن، أي: كيف تعجبون منه تكذيباً {وَتَضْحَكُونَ } منه استهزاءً مع كونه غير محلّ للتكذيب، ولا موضع للاستهزاء {وَلاَ تَبْكُونَ } خوفاً وانزجاراً لما فيه من الوعيد الشديد، وجملة: {وَأَنتُمْ سَـٰمِدُونَ } في محل نصب على الحال، ويجوز أن تكون مستأنفة لتقرير ما فيها، والسمود: الغفلة والسهو عن الشيء، وقال في الصحاح: سمد سموداً. رفع رأسه تكبراً، فهو سامد، قال الشاعر:شعر : سوامد الليل خفاف الأزواد تفسير : وقال ابن الأعرابي: السمود: اللهو، والسامد: اللاهي، يقال للقينة: أسمدينا، أي: ألهينا بالغناء، وقال المبرد: سامدون، خامدون. قال الشاعر:شعر : رمى الحدثان نسوة آل عمرو بمقدار سمدن له سمودا فردّ شعورهنّ السود بيضا وردّ وجوههنّ البيض سودا تفسير : {فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ } لما وبّخ سبحانه المشركين على الاستهزاء بالقرآن، والضحك منه، والسخرية به، وعدم الانتفاع بمواعظه وزواجره، أمر عباده المؤمنين بالسجود لله، والعبادة له، والفاء جواب شرط محذوف، أي: إذا كان الأمر من الكفار كذلك، فاسجدوا لله واعبدوا، فإنه المستحق لذلك منكم، وقد تقدم في فاتحة السورة أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد عند تلاوة هذه الآية، وسجد معه الكفار، فيكون المراد بها سجود التلاوة، وقيل: سجود الفرض. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ } قال: أعطى وأرضى. وأخرج ابن جرير عنه {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشّعْرَىٰ } قال: هو الكوكب الذي يدعى الشعرى. وأخرج الفاكهي عنه أيضاً قال: نزلت هذه الآية في خزاعة، وكانوا يعبدون الشعرى، وهو الكوكب الذي يتبع الجوزاء. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في قوله: {هَـٰذَا نَذِيرٌ مّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأوْلَىٰ } قال: محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: الآزفة من أسماء القيامة. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن صالح أبي الخليل قال: لما نزلت هذه الآية: {أَفَمِنْ هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ } فما ضحك النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلاّ أن يتبسم. ولفظ عبد بن حميد: فما رؤي النبيّ صلى الله عليه وسلم ضاحكاً، ولا متبسماً حتى ذهب من الدنيا. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {سَـٰمِدُونَ } قال: لاهون معرضون عنه. وأخرج الفريابي، وأبو عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عنه: {وَأَنتُمْ سَـٰمِدُونَ } قال: الغناء باليمانية، كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا. وأخرج الفريابي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضاً في قوله: {سَـٰمِدُونَ } قال: كانوا يمرّون على النبيّ صلى الله عليه وسلم شامخين، ألم تر إلى البعير كيف يخطر شامخاً. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن أبي خالد الوالبي قال: خرج عليّ بن أبي طالب علينا، وقد أقيمت الصلاة، ونحن قيام ننتظره ليتقدّم، فقال: ما لكم سامدون، لا أنتم في صلاة ولا أنتم في جلوس تنتظرون؟

ابن عبد السلام

تفسير : {أَضْحَكَ وَأَبْكَى} قضى أسباب الضحك والبكاء، أو سّرَّ وأحزن، أو خلق قوتي الضحك والبكاء للإنسان فلا يضحك من الحيوان إلا القرد ولا يبكي إلا الإبل واجتمعا في الإنسان.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ}[43] قال: يعني أضحك المطيع بالرحمة، وأهلك العاصي بالسخط، وأضحك قلوب العارفين بنور معرفته، وأبكى قلوب أعدائه بظلمات سخطه.

القشيري

تفسير : أراد به الضحك والبكاء المتعارَف عليهما بين الناس؛ فهو الذي يُجْريه ويَخْلُقُه. ويقال: أضحك الأرضَ بالنباتِ، وأبكى السماءَ بالمطرِ. ويقال: أضحكَ أهلَ الجنة بالجنة، وأبكى أهل النار بالنار. ويقال: أضحك المؤمنَ في الآخرة وأبكاه في الدنيا، وأضحك الكافرَ في الدنيا وأبكاه في الآخرة. ويقال: أضحكهم في الظاهر، وأبكاهم بقلوبهم. ويقال: أضحك المؤمنَ في الآخرة بغفرانه، وأبكى الكافرَ بهوانه. ويقال: أضحك قلوبَ العارِفِين بالرضا، وأبكى عيونهم بخوف الفراق. ويقال: أضحكهم برحمته، وأبكى الأعداءَ بسخطه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وانه} تعالى {هو} وحده {اضحك وابكى} الضحك انبساط الوجه وتكشر الاسنان من سرور النفس ولظهور الاسنان عنده سميت مقدمات الاسنان الضواحك والبكاء بالمدسيلان الدمع عن حزن وعويل يقال اذا كان الصوت اغلب كالرغاء وسائر هذه الابنية الموضوعة للصوت وبالقصر يقال اذا كان الحزن اغلب وقوله {أية : فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا}تفسير : اشارة الى الفرح والترح وان لم يكن مع الضحك قهقهة ولامع البكاء اسالة دمع كما فى المفردات والمعنى هو خلق قوتى الضحك والبكاء فى الانسان منهما ينبعث الضحك والبكاء والانسان لايعلم ماتلك القوة اوهما كنايتان عن السرور والحزن كأنه قيل افرح واحزن لان الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء او عمايسر ويحزن وهو الاعمال الصالحة والاعمال الصالحة او اضحك فى الدنيا اهل النعمة وابكى اهل الشدة والمصيبة او اضحك فى الجنة اهلها وابكى فى النار اهلها او اضحك الارض بالنبات وابكى السماء بالمطرا والاشجار بالانوار والسحاب بالامطار او القراطيس بالارقام والاقلام بالمداد او اضحك القرد وابكى البعير او اضحك بالوعد وابكى بالوعيد او اضحك المطيع بالرضى وابكى العاصى بالسخط او اضحك قلوب العارفين بالحكمة وابكى عيونهم بالحزن والحرقة او اضحك قلوب اوليائه بأنوار معرفته وابكى قلوب اعدآئه بظلمات سخطه او اضحك المستأنسين بنرجس مودته وياسمين قربته وطيب شمال جماله وابكى المشتاقين بظهور عظمته وجلاله او اضحك بالاقبال على الحق وابكى بالادبار عنه او اضحك الاسنان وابكى الجنان وبالعكس قال الشاعر شعر : السن تضحك والاحشاء تحترق وانما ضحكها زور ومختلق يارب باك بعين لادموع لها ورب ضاحك سن مابه رمق تفسير : او اضحك بتجليه اللطفى الجمالى القلب المنور بنور اللطف والجمال وابكى بتجلية القهرى الجلالى النفس المظلمة بظلمة القهر والجلال او اضحك بتجلية الجلالى النفس على القلب عند استيلاء ظلمة النفس على القلب وابكى بتجلية الجمالى القلب على النفس عند غلبة انوار القلب على النفس وفى الآية دلالة على أن كل مايعمله الانسان فبقضائه وخلقه حتى الضحك والبكاء قالت عائشة رضى الله عنها مر النبى عليه السلام على قوم يضحكون فقال "حديث : لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا "تفسير : فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال ان الله تعالى يقول {أية : وانه هو اضحك وابكى}تفسير : فرجع اليهم فقال "حديث : ماخطوت اربعين خطوة حتى أتانى جبريل فقال ائت هؤلاء فقل لهم ان الله يقول هو اضحك وابكى"تفسير : وسئل طاهر المقدسى أتضحك الملائكة فقالت ماضحك من دون العرش منذ خلقت جهنم وقال النبى عليه السلام لجبرآئيل "حديث : مالى لم أر ميكائيل ضاحكا قط"تفسير : قال ماضحك ميكائيل منذ خلقت النار وقيل لعمر رضى الله عنه هل كان اصحاب رسول الله عليه السلام يضحكون قال نعم والله والايمان اثبت فى قلوبهم من الجبال الرواسى وعن سماك بن حرب قال قلت لجابر بن سمرة رضى الله عنه أكنت تجالس النبى عليه السلام قال نعم وكان اصحابه يجلسون فيتناشدون الشعر ويذكرون اشياء من امر الجاهلية فيضحكون ويتبسم معهم اذا ضحكوا يعنى النبى عليه السلام ولقى يحيى عيسى عليهما السلام فتبسم عيسى فى وجه يحيى فقال مالى اراك لاهيا كأنك آمن فقال مال اراك عابسا كأنك آيس فقالا لانبرح حتى ينزل علينا الوحى فأوحى الله تعالى احبكما الى احسنكما ظنا بى (وروى) احبكما الى الطلق البسام وقال الحسن يا ابن آدم تضحك ولعل كفنك خرج من عند القصار وبكى نوح عليه السلام ثلاثمائة سنة بقوله ان ابنى من اهلى وقال كعب لأن ابكى من خشية الله حتى تسيل دموعى على وجنتى احب الى من ان اتصدق بجبل ذهب والنافع بكاء القلب لا العين فقط شعر : بران ازدوسر جشمة ديده جوى ور الايشى دارى ازخود بشوى

الجنابذي

تفسير : {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} اسرّ واحزن او انّه اضحك السّماء برفع الغيم وابكى السّماء بالمطر.

اطفيش

تفسير : {وَاَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ} من شاء إضحاكه أي إفراحه {وَأَبْكَى} من شاء إبكاءه أي إحزانه وهو خالق الضحك والبكاء والفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء وعن جابر بن سمرة جالست النبي صلى الله عليه وسلم اكثر من مائة مرة ويتناشد اصحابه الشعر واشياء من امر الجاهلية وهو ساكت وربما تبسم معهم اذا ضحكوا. وسئل ابن عمر هل كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون قال نعم والايمان في قلوبهم اعظم من الجبل وعن انس حديث : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها فقال "لو تعلمون ما اعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" تفسير : فغطى اصحابه وجوههم لهم خنين بالخاء المعجمة أي بكاء يخرج معه صوت من الانف وقيل اضحك الارض بالنبات وابكى السماء بالمطر وقيل اضحك اهل الجنة فيها وابكى اهل النار في النار وقيل اضحك المطيع بالرحمة وابكى العاصي بالسخط وقيل اضحك قلوب اوليائه بنور معرفته وابكى قلوب اعدائه بظلمات سخطه وقيل قدر على ايجاد الضدين في محل واحد وفيه اشارة إلى ان كل ما عمل الانسان فبقضائه وقدره حتى الضحك والبكاء.

اطفيش

تفسير : {وأنَّه هُو} فقط {أضْحك} أفرح من فرح {وأبْكى} أحزن من حزن، أو أضحك الناس وأبكاهم، فعبر بالمسبب عن السبب، وكذا اذا قلنا: أضحك أعطى ما يضحك، وأبكى أعطى ما يحزن، وذلك كله خلق الله تعالى، وذلك على العموم لا ما قيل: المراد خلق ما يسر وما يحزن من الأعمال، المفعول محذوف كما رأيت، أو لا مفعول أى خلق الضحك والبكاء، وقيل: أضحك أهل الجنة فى الجنة، وأبكى أهل النار فى النار، وبه قال مجاهد: وقيل: أضحك المؤمنين فى العقبى بالمواهب، وأبكاهم فى الدنيا بالنوائب، قيل: أضحك الأرض بالانبات، وأبكى السماء بالامطار، ولا دليل على أنه المراد فى الآية، ولا يتبادر. وقدم أضحك لكثرة ما يضحك، وللفاصلة، والفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء، وفى الترمذى، عن جابر بن سمرة: جالست النبى صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة، وكان أصحابه يتذاكرون الشعر وأمر الجاهلية، وربما تبسم معهم اذا ضحكوا، قال ابن عمر: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون والايمان فى قلوبهم أعظم من الجبل.

الالوسي

تفسير : خلق فعلي الضحك والبكاء، وقال الزمخشري: خلق قوتي الضحك والبكاء، وفيه دسيسة اعتزال، وقال الطيبـي: المراد خلق السرور والحزن أو ما يسر ويحزن من الأعمال الصالحة والطالحة، ولذا قرن بقوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا}.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من الاعتبار بأحوال الآخرة إلى الاعتبار بأحوال الحياة الدنيا وضمير {هو} عائد إلى {ربك} من قوله: {أية : وأن إلى ربك المنتهى}تفسير : [النجم: 42]. والضحك: أثر سرور النفس، والبكاء: أثر الحزن، وكل من الضحك والبكاء من خواص الإِنسان وكلاهما خلق عجيب دال على انفعال عظيم في النفس. وليس لبقية الحيوان ضحك ولا بكاء وما ورد من إطلاق ذلك على الحيوان فهو كالتخيل أو التشبيه كقول النابغة:شعر : بكاء حماقة تدعو هَديلا مطوقة على فنن تغني تفسير : ولا يخلو الإِنسان من حالي حزن وسرور لأنه إذا لم يكن حزيناً مغموماً كان مسروراً لأن الله خلق السرور والانشراح ملازماً للإِنسان بسبب سلامة مزاجه وإدراكه لأنه إذا كان سالماً كان نشيط الأعصاب وذلك النشاط تنشأ عنه المسرة في الجملة وإن كانت متفاوتة في الضعف والقوة، فذكر الضحك والبكاء يفيد الإحاطة بأحوال الإِنسان بإيجاز ويرمز إلى أسباب الفرح والحزن ويذكر بالصانع الحكيم، ويبشر إلى أن الله هو المتصرف في الإنسان لأنه خلق أسباب فرحه ونكده وألهمه إلى اجتلاب ذلك بما في مقدوره وجعل حداً عظيماً من ذلك خارجاً عن مقدور الإِنسان وذلك لا يمتري فيه أحد إذا تأمل وفيه ما يرشد إلى الإِقبال على طاعة الله والتضرع إليه ليقدّر للناس أسباب الفرح، ويدفع عنهم أسباب الحزن وإنما جرى ذكر هذا في هذا المقام لمناسبة أن الجزاء الأوفى لسعي الناس: بعضه سارٌّ لفريق وبعضه محزن لفريق آخر. وأفاد ضمير الفصل قصراً لصفة خلق أسباب الضحك والبكاء على الله تعالى لإِبطال الشريك في التصرف فتبطل الشركة في الإِلهية، وهو قصر إفراد لأن المقصود نفي تصرف غير الله تعالى وإن كان هذا القصر بالنظر إلى نفس الأمر قصراً حقيقياً لإِبطال اعتقاد أن الدهر متصرف. وإسناد الإِضحاك والإِبكاء إلى الله تعالى لأنه خالق قوتي الضحك والبكاء في الإِنسان، وذلك خلق عجيب ولأنه خالق طبائع الموجودات التي تجلب أسباب الضحك والبكاء من سرور وحزن. ولم يذكر مفعول {أضحك وأبكى} لأن القصد إلى الفعلين لا إلى مفعوليهما فالفعلان منزلان منزلة اللازم، أي أوجد الضحك والبكاء. ولما كان هذا الغرض من إثبات انفراد الله تعالى بالتصرف في الإِنسان بما يجده الناس في أحوال أنفسهم من خروج أسباب الضحك والبكاء عن قدرتهم تعين أن المراد: أضحك وأبكى في الدنيا، ولا علاقة لهذا بالمسرة والحزن الحاصلين في الآخرة. وفي الاعتبار بخلق الشيء وضده إشارة إلى دقائق حكمة الله تعالى. وفي هذه الآية محسن الطباق بين الضحك والبكاء وهما ضدان. وتقديم الضحك على البكاء لأن فيه امتناناً بزيادة التنبيه على القدرة وحصل بذلك مراعاة الفاصلة. وموقع هذه الجملة في عطفها مثل موقع جملة {أية : وأن سعيه سوف يرى}تفسير : [النجم: 40] في الاحتمالين، فإن كانت مما شملته صحف إبراهيم كانت حكاية لقوله: {أية : وإذا مرضت فهو يشفين}تفسير : [الشعراء: 80].

د. أسعد حومد

تفسير : (43) - وَأَنَّهُ تَعَالى خَلَقَ في عِبَادِهِ الضَّحِكَ، كَمَا خَلَق فِيهِم البُكَاءَ، وَخَلَقَ فِيهِمْ أسْبَابَهُما، أَيْ أَنَّهُ تَعَالى خَلَقَ مَا يَسُرُّ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَمَا يُحْزِنُ مِنَ الأَعْمالِ السَّيِّئَة.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} [النجم: 43] أي: خلق فيك الضحك وخلق فيك البكاء جعلك تُسر وتحزن، أنت مثلاً حينما تشاهد عملاً (كوميدياً) تضحك، (فالكوميديا) سبَّبتْ عندك الضحك، لكن لم تخلق فيك طبيعة الضحك. لذلك لما كان في هذا الفعل شبهة المشاركة أكّد الحق سبحانه تفرّده بالعمل، فلا دخلَ لأحد غيره فيه، فقال تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ ..} [النجم: 43] فأكّد الضمير المتصل بضمير آخر منفصل، فهو وحده الذي جعلك تضحك، بمعنى خلق فيك هذه الطبيعة وجعلك صالحاً لها. لذلك نجد أن المشاعر والعواطف والأمور الطبيعية في البشر تتحد في جميع اللغات وعند كل الشعوب على اختلافها، فليس هناك مثلاً ضحك عربي، وضحك إنجليزي أو ألماني، ليس هناك بكاء روسي، وبكاء ياباني. ففي هذه الأمور يتحد الناس، حتى في الإشارة نجدها واحدة على اختلاف اللغات، الكل يفهمها لأنها أصل التفاهم بين البشر قبل وجود اللغات، فالإشارة لغة عالمية. كذلك في قوله سبحانه: {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} [النجم: 44] أكد الضمير المتصل بالضمير المنفصل، لأن مسألة الإحياء والإماتة فيها شبهة المشاركة، فقد يظن البعض أن الطبيب مثلاً هو الذي أمات المريض أو أحياه، أو يظن أن القاتل هو الذي أمات القتيل. فالحق سبحانه يختصّ لنفسه سبحانه بهذه الأمور له وحده سبحانه دون سواه {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} [النجم: 44] فالواقع أن القتيل حين قُتِل لم يُمتْه القاتل، إنما جاء أجله موافقاً لهذه الضربة فمات، مات لأنه سيموت في هذه اللحظة حتى لو لم يضربه القاتل. لذلك قال سبحانه في موضع آخر: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ ..}تفسير : [الملك: 2] فالموت والحياة خلق لله وحده لا دخلَ لأحد فيهما، لذلك قال الشاعر: شعر : مَنْ لَمْ يُمُتْ بالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْره تَعدَّدَتْ الأسْبَابُ وَالموْتُ وَاحِدُ تفسير : وقالوا: والموت من دون أسباب هو السبب. يعني: مات لأنه سيموت. وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} [الجم: 45] لاحظ هنا أنه سبحانه لم يقل: وأنه هو، لأن المسألة لا تحتاج إلى هذا التأكيد، فقضية الخلق الكل يُسلِّم بها لله، ولم يدَّعها أحدٌ لنفسه، وليس فيها شبهة المشاركة من الخَلْق. ومعنى (الزوجين) أي: النوعين الذكر والأنثى. فالزوج فرد معه مثله، كما جاء في قوله تعالى: {أية : ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ ..}تفسير : [الأنعام: 143]. {مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ} [النجم: 46] فأصل الخَلْق نطفة وهي قطرة المني. {إِذَا تُمْنَىٰ} [النجم: 46] أي: تُدفع وتلقى في رحم المرأة، فيكون منها الولد بقدرة الله. وهذه الآية حلَّتْ لنا إشكالاً طال الخلاف فيه بين العلماء، فقد كان البعض يعتقدون أن المرأة هي المسئولة عن النوع: ذكر أم أنثى. لكن حينما نقرأ هنا {وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ} [النجم: 45-46] نعلم علم اليقين أن الرجل هو المسئول عن هذه المسألة، فالنطفة هي نطفة الرجل يلقيها في رحم زوجته، فالزوجة إذن مُستقبلة تعطي ما أخذتْ. وقلنا: إن المرأة العربية قد توصلتْ بطبيعتها وفطرتها إلى هذه الحقيقة، فالمرأة التي تزوج عليها زوجها لأنها لا تلد له إلا البنات، قالت: شعر : مَا لأِبِي حَمْزَةَ لاَ يَأتينَا يظَلّ في البَيْتِ الذي يَلينا غَضْبَانَ ألاَّ نَلدَ البَنينَا تَالله مَا ذَلكَ في أَيْدينَا ونَحْنُ كَالأرْضِ لِغَارسِينَا نُعْطِي لَهُمْ مثْلَ الذِي أُعْطِينَا تفسير : إذن: انتهتْ المرأة العربية بفطرتها إلى ما انتهى إليه العلماء مؤخراً، ولا بد أن نفرِّق بين النطفة والمني: النطفة هي السائل الذي يعيش فيه الحيوان المنوي، والمني الميكروب نفسه الذي يكون منه الولد. ورحم الله العقاد حينما قال: إن نصف كستبان الخياطة يحوي أنْسَال الدنيا كلها، ويمكن أنْ نملأ نصف كستبان الخياطة بقذفة واحدة للرجل، سبحان الله.