Verse. 4829 (AR)

٥٣ - ٱلنَّجْم

53 - An-Najm (AR)

وَاَنَّہٗ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْاُنْثٰى۝۴۵ۙ
Waannahu khalaqa alzzawjayni alththakara waalontha

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأنه خلق الزوجين» الصنفين «الذكر والأنثى».

45

Tafseer

الرازي

تفسير : وهو أيضاً من جملة المتضادات التي تتوارد على النطفة فبعضها يخلق ذكراً، وبعضها أنثى ولا يصل إليه فهم الطبيعي الذي يقول: إنه من البرد والرطوبة في الأنثى، فرب امرأة أيبس مزاجاً من الرجل، وكيف وإذا نظرت في المميزات بين الصغير والكبير تجدها أموراً عجيبة منها نبات اللحية، وأقوى ما قالوا في نبات اللحية أنهم قالوا: الشعور مكونة من بخار دخاني ينحدر إلى المسام، فإذا كانت المسام في غاية الرطوبة والتحلل كما في مزاج الصبي والمرأة، لا ينبت الشعر لخروج تلك الأدخنة من المسام الرطبة بسهولة قبل أن يتكون شعراً، وإذا كانت في غاية اليبوسة والتكاثف ينبت الشعر لعسر خروجه من المخرج الضيق، ثم إن تلك المواد تنجذب إلى مواضع مخصوصة فتندفع، إما إلى الرأس فتندفع إليه لأنه مخلوق كقبة فوق الأبخرة والأدخنة فتتصاعد إليه تلك المواد، فلهذا يكون شعر الرأس أكثر وأطول، ولهذا في الرجل مواضع تنجذب إليها الأبخرة والأدخنة، منها الصدر لحرارة القلب والحرارة تجذب الرطوبة كالسراج للزيت، ومنها بقرب آلة التناسل لأن حرارة الشهوة تجذب أيضاً، ومنها اللحيان فإنها كثيرة الحركة بسبب الأكل، والكلام والحركة أيضاً جاذبة، فإذا قيل لهم: فما السبب الموجب لتلازم نبات شعر اللحية وآلة التناسل فإنها إذا قطعت لم تنبت اللحية؟ وما الفرق بين سن الصبا وسن الشباب وبين المرأة والرجل؟ ففي بعضها يبهت وفي بعضها يتكلم بأمور واهية، ولو فوضها إلى حكمة إلهية لكان أولى، وفي مسألتان: الأول: قال تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ } ولم يقل: وأنه هو خلق كما قال: {أية : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ } تفسير : [النجم: 43] وذلك لأن الضحك والبكاء ربما يتوهم متوهم أنه بفعل الإنسان، وفي الإماتة والإحياء وإن كان ذلك التوهم بعيداً، لكن ربما يقول به جاهل، كما قال من حاج إبراهيم الخليل عليه السلام حيث قال: {أية : أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ } تفسير : [البقرة: 258] فأكد ذلك بذكر الفصل، وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة فلا يتوهم أحد أن يفعل أحد من الناس فلم يؤكد بالفصل ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ } تفسير : [النجم: 48] حيث كان الإغناء عندهم غير مستند إلى الله تعالى وكان في معتقدهم أن ذلك بفعلهم كما قال قارون: {أية : إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِى } تفسير : [القصص: 78] ولذلك قال: {أية : وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشّعْرَىٰ } تفسير : [النجم: 49] لأنهم كانوا يستبعدون أن يكون رب محمد هو رب الشعرى فأكد في مواضع استبعادهم النسبة إلى الله تعالى الإسناد ولم يؤكده في غيره. المسألة الثانية: الذكر والأنثى اسمان هما صفة أو اسمان ليسا بصفة؟ المشهور عند أهل اللغة الثاني والظاهر أنهما من الأسماء التي هي صفات، فالذكر كالحسن والعزب والأنثى كالحبلى والكبرى وإنما قلنا: إنها كالحبلى في رأي لأنها حيالها أنشئت لا كالكبرى، وإن قلنا: إنها كالكبرى في رأي، وإنما قلنا: إن الظاهر أنهما صفتان، لأن الصفة ما يطلق على شيء ثبت له أمر كالعالم يطلق على شيء له علم والمتحرك يقال لشيء له حركة بخلاف الشجر والحجر، فإن الشجر لا يقال لشيء بشرط أن يثبت له أمر بل هو اسم موضوع لشيء معين، والذكر اسم يقال لشيء له أمر، ولهذا يوصف به، ولا يوصف بالشجر، يقال جاءني شخص ذكر، أو إنسان ذكر، ولا يقال جسم شجر، والذي ذهب إلى أنه اسم غير صفة إنما ذهب إليه، لأنه لم يرد له فعل، والصفة في الغالب له فعل كالعالم والجاهل والعزب والكبرى والحبلى، وذلك لا يدل على ما ذهب إليه، لأن الذكورة والأنوثة من الصفات التي لا يتبدل بعضها ببعض، فلا يصاغ لها أفعال لأن الفعل لما يتوقع له تجدد في صورة الغالب، ولهذا لم يوجد للإضافيات أفعال كالأبوة والبنوة والأخوة إذ لم تكن من الذي يتبدل، ووجد للإضافيات المتبدلة أفعال يقال: واخاه وتبناه لما لم يكن مثبتاً بتكلف فقبل التبدل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ } الصنفين {ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ }.

القشيري

تفسير : سماهما زوجين لازدواجهما عند خلْقهما من النُّطْفة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وانه} وآنكه خداى تعالى {خلق الزوجين} بيافريد ازانسان دو صنف، وفى بعض التفاسير من كل الحيوان وفيه ان كل حيوان لايخلق من النطفة بل بعضه من الريح كالطير فان البيضة المخلوقة منها الدجاجة مخلوقة من ريح الديك {الذكر والانثى} نرومادة

اطفيش

تفسير : {وَأَنَّهُ خَلَقَ الْزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} من كل حيوان وهو ضدان توارد على نطفة يخلق بعضها ذكرا وبعضها انثى ولا يصل الى ذلك فهم وهو بقدرة لا بطبيعة.

اطفيش

تفسير : من الثقلين وسائر الحيوان الذى يتوالد بالنطفة.

الالوسي

تفسير : من نوع الإنسان وغيره من أنواع الحيوانات ولم يذكر الضمير على طرز ما تقدم لأنه لا يتوهم نسبة خلق الزوجين إلى غيره عز وجل.

ابن عاشور

تفسير : هذه الآية وإن كانت مستقلة بإفادة أن الله خالق الأزواج من الإِنسان خلقاً بديعاً من نطفة فيصير إلى خصائص نوعه وحسبك بنوع الإِنسان تفكيراً أو مقدرة وعملاً، وذلك ما لا يجهله المخاطبون فما كان ذَكره إلا تمهيداً وتوطئة لقوله: {أية : وأن عليه النشاة الأخرى}تفسير : [النجم: 47] على نحو قوله تعالى: {أية : كما بدأنا أول خلق نعيده}تفسير : [الأنبياء: 104] وباعتبار استقلالها بالدلالة على عجيب تكوين نسل الإِنسان، عُطفت عليها جملة {أية : وأن عليه النشأة الأخرى}تفسير : [النجم: 47] وإلا لكان مقتضى الظاهر أن يقال: إنَّ عليه النشأة الأخرى بدون عطف وبكسر همزة (إنّ). ومناسبة الانتقال إلى هذه الجملة أن فيها كيفية ابتداء الحياة. والمراد بالزوجين: الذكر والأنثى من خصوص الإِنسان لأن سياق الكلام للاعتبار ببديع صنع الله وذلك أشد اتفاقاً في خلقة الإِنسان، ولأن اعتبار الناس بما في أحوال أنفسهم أقرب وأمكن ولأن بعض الأزواج من الذكور والإِناث لا يتخلق من نطفة بل من بَيْض وغيره. ولعل وجه ذكر الزوجين والبدل منه {الذكر والأنثى} دون أن يقول: وأنه خلقه، أي الإِنسان من نطفة، كما قال: {أية : فلينظر الإنسان مِمّ خلق خُلِق من ماء دافق}تفسير : [الطارق: 5، 6] الآية أمران: أحدهما: إدماج الامتنان في أثناء ذكر الانفراد بالخلق بنعمة أن خلق لكل إنسان زوجه كما قال تعالى: {أية : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها}تفسير : [الروم: 21] الآية. الثاني: الإِشارة إلى أن لكلا الزوجين حظاً من النطفة التي منها يخلق الإِنسان فكانت للذكر نطفة وللمرأة نطفة كما ورد في الحديث الصحيح أنه «حديث : إذا سبق ماء الرجل أشبه المولود أباه وإن سبق ماء المرأة أشبه المولود أمه»تفسير : ، وبهذا يظهر أن لكل من الذكر والأنثى نطفة وإن كان المتعارف عند الناس قبل القرآن أن النطفة هي ماء الرجل إلا أن القرآن يخاطب الناس بما يفهمون ويشير إلى ما لا يعلمون إلى أن يفهمه المتدبرون. وحسبك ما وقع بيانه بالحديث المذكور آنفاً. والنطفة: فُعلة مشتقة من: نطفَ الماءُ، إذا قطر، فالنطفة ماء قليل وسمي ما منه النسل نطفة بمعنى منطوف، أي مصبوب فماء الرجل مصبوب، وماء المرأة أيضاً مصبوب فإن ماء المرأة يخرج مع بويضة دقيقة تتسرب مع دم الحيض وتستقر في كيس دقيق فإذا باشر الذكر الأنثى انحدرت تلك البيضة من الأنثى واختلطت مع ماء الذكر في قرارة الرحم. و{مِن} في قوله: {من نطفة} ابتدائية فإن خَلق الإِنسان آتٍ وناشىءٌ بواسطة النطفة، فإذا تكونت النطفة وأُمنيت ابتدأ خلق الإِنسان. و{تمنى} تُدْفق وفسروه بمعنى تقذف أيضاً. وقيل إن {تُمنى} بمعنى تُراق، وجعلوا تسمية الوادي الذي بقرب مكة منى لأنه تراق به دماء البُدْن من الهدايا. ولم يذكر أهل اللغة في معاني مني أو أمنى أن منها الإِراقة. وهذا من مشكلات اللغة. ثم إن {تمنى} يحتمل أنه مضارع أَمنى بهمزة التعدية وسقطت في المضارع فَوَزْنُهُ تُأَفْعَل، ويحتمل أنه مضارع مَنى مثل رَمَى فوزنه: تُفْعَل. وبني فعل {تمنى} إلى المجهول لأن النطفة تدفعها قوة طبيعية في الجسم خفية فكان فاعل الإِمناء مجهولاً لعدم ظهوره. وعن الأخفش {تمنى} تقدّر، يقال: منى الماني، أي قَدَّر المقدر. والمعنى: إذا قُدر لها، أي قدر لها أن تكون مخلَّقة كقوله تعالى: {أية : مخلقة وغير مخلقة}تفسير : [الحج: 5]. والتقييد بـــــ {إذا تمنى} لما في اسم الزمان من الإِيذان بسرعة الخَلق عند دفق النطفة في رحم المرأة فإنه عند التقاء النطفتين يبتدىء تخلق النسل فهذا إشارة خفية إلى أن البويضة التي هي نطفة المرأة حاصلة في الرحم فإذا أُمنيت عليها نطفة الذكر أخذت في التخلق إذا لم يعقها عائق. ثم لما في فعل {تمنى} من الإِشارة إلى أن النطفة تقطر وتصب على شيء آخر لأن الصب يقتضي مصبوباً عليه فيشير إلى أن التخلق إنما يحصل من انصباب النطفة على أخرى، فعند اختلاط الماءين يحصل تخلق النسل فهذا سر التقييد بقوله: {إذا تمنى}. وفي الجمع بين الذكر والأنثى محسِّن الطباق لما بين الذكر والأنثى من شبه التضاد. ولم يؤت في هذه الجملة بضمير الفصل كما في اللتين قبلها لعدم الداعي إلى القصر إذ لا ينازع أحد في أن الله خالق الخلق وموقع جملة {وأنه خلق الزوجين} إلى آخرها كموقع جملة {أية : وأن سعيه سوف يرى}تفسير : [النجم: 40].

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه خلق الزوجين أي النوعين الذكر والأنثى من نطفة، وهي نطفة المني إذا تمنى أي تصب وتراق في الرحم، على أصح القولين. ويدل قوله تعالى:{أية : أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ}تفسير : [الواقعة: 58-59] وقوله تعالى:{أية : أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ}تفسير : [القيامة: 37]. والعرب تقول: أمنى الرجل ومني إذا أراق المني وصبه. وقال بعض العلماء:{مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ} أي تقدر بأن يكون الله قدر أن ينشأ منها حمل، ومن قول العرب: منى الماني إذا قدر. ومن هذا المعنى قول أبي قلابة الهذلي، وقيل سويد بن عامر المصطلقي: شعر : لا تأمن الموت في حل وفي حرم إن المنايا توافي كل إنسان واسلك سبيلك فيها غير محتشم حتى تلاقي ما يمني لك الماني تفسير : وقد قدمنا الكلام على النطفة مستوفىً من جهات في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى:{أية : خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ}تفسير : [النحل: 4] الآية. وفي سورة الحج في الكلام على قوله تعالى:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ}تفسير : [الحج: 5]، وفي كل من الموضعين زيادة ليست في الآخر. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الاستدلال بخلق النوعين، أعني الذكر والأنثى من النطفة جاء موضحاً في غير هذا الموضع، وأنه يستدل به على أمرين: هما قدرة الله على البعث، وأنه ما خلق الإنسان إلا ليكلفه ويجازيه، وقد جمع الأمرين قوله تعالى: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [القيامة: 36-40] فذكر دلالة ذلك على البعث في قوله: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ}، وذكر أنه ما خلقه ليهمله من التكليف والجزاء، منكراً على من ظن ذلك بقوله: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} أي مهملاً من التكليف والجزاء. وقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً}تفسير : [الفرقان: 54].

د. أسعد حومد

تفسير : (45) - وَأَنَّ اللهَ تَعَالى خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثَى مِنَ الإِنسَانِ وَالحَيَوانِ لِتَسْتَمِرَّ الحَيَاةُ بِالتَّزَاوُجِ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالإِنَاثِ.

الثعلبي

تفسير : {وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ} تصبّ في الرحم، يقال: مني الرجل وأمنى، قاله الضحاك، وعطاء بن أبي رياح، وقال آخرون: تُقدَّر، يقال: منيت الشيء إذا قدّرته، ويقال: إرضَ بما يمنى لك الماني، ومنه سمّيت المنية؛ لأنها مقدّرة، وأصلها مميّنة. {وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ} الخلق الآخر، يعيدهم أحياءً. {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ} قال أبو الصلاح: أغنى الناس بالمال، وأقنى: أعطى القينة وأصول الأموال. الضحّاك: أغنى بالذهب والفضة وصنوف الأموال، وأقنى بالإبل والغنم والبقر. مجاهد والحسن وقتادة: أخدم. ابن عباس: أرضى بما أعطى، وهي رواية بن أبي نجيح وليث عن مجاهد. سليمان التيمي عن الحضرمي: أغنى نفسه وأفقر الخلائق إليه. ابن زيد: أغنى: أكثر وأفقر: أقل، وقرأ {أية : يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} تفسير : [الإسراء: 30] . الأخفش أقنى: أفقر. ابن كيسان: أولد. {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ} وهي كوكب خلف الجوزاء تتبعه، يقال له مرزم الجوزاء، وهما شعريان يقال لأحدهما: العبور، وللأُخرى: الغميضاء. وقالت العرب في خرافاتها: إن سهيلا والشعرتين كانت مجتمعة فأخذ سهيل فصار يمانياً فتبعته الشعرى العبور فعبرت المجرة، فسمّيت العبور، فأقامت الغميضاء فبكت لفقد سهيل حتى غمضت عينها؛ لأنه أخفى من الآخر، وأراد هاهنا الشعرى العبور، وكانت خزاعة تعبده، وأول مَن سنّ لهم ذلك رجل من أشرافهم يقال له: أبو كبشة عبدالشعرى العبور وقال: لأن النجوم تقطع السماء عرضاً والشعرى طولا فهي مخالفة لها، فعبدتها خزاعة جميعاً، فلمّا خرج رسول الله على خلاف العرب في الدين شبّهوه بأبي كبشة فسمّوه بأبي كبشة، بخلافه إياهم كخلاف أبي كبشة في عبادة الشعرى. {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ} وهم قوم هود. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو ويعقوب عاداً الأُولى مدرجاً مدغماً، وهمز واوه نافع برواية المسيبي، وقال بطريق الحلواني:، والعرب تفعل ذلك فتقول: قم لان عنّا. يريدون قم الآن عنّا وضمّ لثنين يريدون: ضم الإثنين. {وَثَمُودَ} يعني قوم صالح {فَمَآ أَبْقَىٰ * وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ * وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ} المنقلبة، وهي قرى لوط الأربع: صنواهم، وداذوما، وعامورا، وسدوم. {أَهْوَىٰ} يعني اهواها جبريل إلى الأرض بعدما رفعها إلى السماء. {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ} يعني الحجارة المنضودة المسوّمة. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكَ} أي نعمائه عليك {تَتَمَارَىٰ} تشك وتجادل. {هَـٰذَا} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {نَذِيرٌ} رسول {مِّنَ ٱلنُّذُرِ} الرسل {ٱلأُوْلَىٰ} أرسل إليكم كما أُرسلوا الى أقوامهم، وهذا كما يقال: فلان واحد من بني آدم، وواحد من الناس، وقال أبو ملك: يعني هذا الذي أنذرتكم به من وقائع الأُمم الخالية العاصية في صحف إبراهيم وموسى. {أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ} قربت القيامة. {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ} مطهرة مقيمة، و(الهاء) فيه للمبالغة، بيانه قوله: {أية : لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأعراف: 187]، وقال قتادة: ليس لها من دون الله رادّ، وقيل: ليس لها من دون الله كشف وقيام، ولا تقوم إلاّ بإقامة الله إياها، وهي على هذا القول اسم و(الهاء) فيه كالهاء في الباقية والعافية والراهية. ثم قال لمشركي العرب: {أَفَمِنْ هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ} يعني القرآن {وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ} ساهون لاهون غافلون. يقال: دع عنك سمودك أي لهوك، وهي رواية الوالبي والعوفي عن ابن عباس، وقال عكرمة: عنه هو الغناء وكانوا إذا سمعوا القرآن سمدوا ولعبوا، وهي لغة أهل اليمن يقولون: اسمدْ لنا أي تغنَّ. قال الكلبي: السامد: الحزين بلسان طي، وبلسان أهل اليمن: اللاهي. الضحّاك: أشرون بطرون. قال: وقال ابن عباس: كانوا يمرّون على النبي صلى الله عليه وسلم شامخين، ألم تر إلى الفحل يخطر شامخاً. عكرمة: هو الغناء باللغة الحميرية. قال أبو عبيدة: يقال للجارية: اسمدي لنا أي غنّي. مجاهد: غضاب مبرطمون، فقيل له: ما البرطمة قال الإعراض. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن صقلاب، قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب. قال: حدّثنا محمد بن يونس، قال: حدّثنا عبد الله بن عمرو الباهلي قال: حدّثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: لمّا نزلت هذه الآية {أَفَمِنْ هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ} بكى أهل الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلمّا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينهم بكى معهم فبكينا ببكائه، فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يلج النار من بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنة مصرّ على معصية، ولو لم تذنبوا لجاء الله سبحانه بقوم يذنبون ثم يغفر لهم ". تفسير : وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد قال: حدّثنا أبي. قال: حدّثنا إبراهيم بن خالد، قال: حدّثنا رباح قال: حدّثنا أبو الجراح عن رجل من أصحابهم يقال له: حارم حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه جبريل وعنده رجل يبكي فقال له: من هذا؟ قال: "فلان" قال: إنّا نزن أعمال بني آدم كلها إلاّ البكاء فإن الله سبحانه ليطفئ بالدمعة بحوراً من نيران جهنم . تفسير : وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا ابن حمدان بن عبد الله، قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا جعفر بن محمد أبو بكر الجرار، قال: حدّثنا سعيد بن يعقوب والطالقاني، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا إسماعيل بن رافع، قال: حدّثني ابن أبي مليكة الأحول عن عبد الله بن السايب، قال: قدم علينا سعد بن أبي وقاص بعدما كفّ بصره، فأتيته مسلّماً عليه، فانتسبني فانتسبت، فقال: مرحباً بابن أخي بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا القطيعي، قال: حدّثنا عبد الله، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا زياد بن أبي مسلم عن صالح أبي الخليل، قال: لما نزل {أَفَمِنْ هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ} ما رُأيَ النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكاً. {فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ} أخبرنا الحسين قال: حدّثنا ابن حمدان، قال: حدّثنا ابن ماهان، قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن محبوب بن حسان البصري، قال: حدّثنا عبد الوارث ابن سعيد قال: حدّثنا ايوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النجم فسجد فيها، فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. وأخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: وفيما قرأت على عبد الله بن نافع، وحدّثني مطرف بن عبد الله، عن ملك، عن ابن شهاب، عن عبد الرَّحْمن الأعرج عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب قرأ لهم {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} فسجد فيها. وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا بن حمدان، قال: حدّثنا بن ماهان، قال: حدّثنا عبد الله ابن مسلمة عن ابن أبي ذيب عن زيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء بن يسار عن زيد بن ثابت أنه قرأ عند النبي بالنجم صلى الله عليه وسلم فلم يسجد فيها.

الجيلاني

تفسير : {وَأَنَّهُ} من كمال قدرته ووفور حكمته {خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} [النجم: 45] من صنف ونوع وحنس، وقدر وجود الزوجين {مِن نُّطْفَةٍ} مهينة حاصلة منهما {إِذَا تُمْنَىٰ} [النجم: 46] أي: تصب وتراق في الرحم على وجه الدفق، أو تقدر وتخلق منها. {وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ} [النجم: 47] أي: عليه سبحانه إعادة الأموات أحياء في النشأة الأخرى، كما أن عليه الإبداء في النشأة الأولى. {وَأَنَّهُ} سبحانه {هُوَ} بذاته لا بالوسائل والوسائط؛ إذ الكل راجع إليه {أَغْنَىٰ} من إغنى بإعطاء الأموال له {وَأَقْنَىٰ} [النجم: 48] من قنى بإلهام القنية والادخار. وإنما فعل معهم ما فعل من الإغماء والإقناء ليشكروا له، ولم يعبدوا غيره، ومع ذلك أشركوا له، فعبدوا الشِّعرى، {وَ} لا شك أنه سبحانه {هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ} [النجم: 49] وهي كواكب قد عبدها بعض الصابئين، منهم أو كبشة، أحد أجداد الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك يكنى بكنيته. {وَأَنَّهُ} سبحانه {أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ} [النجم: 50] لشركهم، بالله، وصفهم بالأولى؛ لأنهم أول قوم أهلكهم الله بعد نوح، {وَ} أنه سبحانه أهلك {ثَمُودَ فَمَآ أَبْقَىٰ} [النجم: 51] أحداً من كلا الفريقين. {وَ} أهلك أيضاً بمقتضى قدرته الكاملة {قَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ} أي: قبل إهلاك عاد وثمود {إِنَّهُمْ} أي: قوم نوح {كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ} [النجم: 52] أي: أظلم الناس على أهل الله، وأطغاهم عن طريق الهداية والرشاد. {وَ} أنه سبحانه أهلك {ٱلْمُؤْتَفِكَةَ} أي: أهل القرى المنقلبة، وهي قوم لوط عليه السلام إلى حيث {أَهْوَىٰ} [النجم: 53] أي: أسقط عليهم درهم وأماكنهم، بعدما رفعها نحو السماء، وقلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها، {فَغَشَّاهَا} حينئذ {مَا غَشَّىٰ} [النجم: 54] من أمطار الحجارة، وأنواع المصيبات والعاهات، والنكبات. وبالجملة: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكَ} وأصناف نعمائه المتوالية المترادفة من انتقام الأعداء وإنعام الأولياء {تَتَمَارَىٰ} [النجم: 55] وتتدافع على وجه الجدال والمراء، أيها المحجوب الجاحد لوحدة الحق واستقلاله في عموم تصرفاته الجارية في ملكه وملكوته، بكمال الإرادة والاختيار. وبالجملة: اعلموا أيها المجبولون على فطرة التكليف المثمر للمعرفة والتوحيد أن {هَـٰذَا} أي: رسولكم الذي أرسل إليكم من لدنا؛ ليرشدكم إلى توحيد الذات، مؤيداً بالكتاب المبين لمقدمات التوحيد، مشتملاً على الأوامر المؤدية إليه والنواهي العائلة عنه، والعبر والتذكيرات المصفية لنفوسكم عن الركون إلى ما ينافيه من المزخرفات الدنية الجالبة لأنواع اللذات، والشهوات الجسمانية الموروثة لكم من شياطين نفوسكم، وقواكم البهيمية الظلمانية المتفرعة على الطبيعة، والهيولي التي هي من نتائج التعينات العدمية الناسوتية المانعة من الوصول لصفاء علام اللاهوت {نَذِيرٌ} لكم أكمل {مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ} [النجم: 56] إذ هم منذرون عن الشواغل المنافية؛ لتوحيد الصفات والأفعال، ونذيركم هذا صلى الله عليه وسلم ينذركم عن موانع توحيد الذات. واعلموا أنه بعد بعثته صلى الله عليه وسلم: {أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ} [النجم: 57] أي: دنت القيامة واقترتب الساعة، {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ} [النجم: 58] أي: ن فس قادرة على كشفها وتعيينها، ووقت وقوعها وقيامها؛ إذ هي من جملة المغيبات التي استأثر الله بها، ولم يطلع أحداً عليها. ثم وبخ سبحانه على المنكرين ليوم القيامة المستكبرين عن قبولها فقال: {أَفَمِنْ هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} الصحيح، والحق الصريح الذي هو القرآن المعجز {تَعْجَبُونَ} [النجم: 59] تعنتاً وإنكاراً. {وَتَضْحَكُونَ} منه استهزاء ومراء {وَلاَ تَبْكُونَ} [النجم: 60] بما فيه من الوعيدات الهائلة، تلهفاً وتأسفاً عكلى ما فرطتم لأنفسكم وأفرطتم عليها. {وَأَنتُمْ} أيها الحمقى الجاهلون {سَامِدُونَ} [النجم: 61] لاهون ساهون، مستكبرون على ماف يه من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد، مكابرون عليها عتواً وعناداً. وإن أردتم التلافي والتدارك {فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ} وتذللوا له حق تذللـه، و عظموه حق تعظيمه وتكريمه {وَٱعْبُدُواْ} [النجم: 62] له حق عبادته كي تصلوا إلى زلال معرفته وتوحيده. جعلنا الله من زمرة عباده العابدين المتذللين الخاضعين الخاشعين بمنِّه وجوده. خاتمة السورة عليك أيها المريد القاصد لسلوك طريق التوحيد - عصمك الله عن آفات التخمين والتقليد، وأعانك على التوكل والتجريد - أن تلازم على المجاهدة، والانكسار والتذلل، والافتقار بدوام العزلة والفرار عن أصحاب النخوة والاستكبار، صارفاً عنان عزمك لإسقاط عموم الإضافات و الاعتبار، طالباً الانخلاع عن ملابس الحياة المستعار، ملازماً لسبيل المثمر للبقاء الأبدي والحياة الأزلية السرمدية حتى تتخلص من أودية الضلال، وتصل إلى فضاء الوصال.