Verse. 4850 (AR)

٥٤ - ٱلْقَمَر

54 - Al-Qamar (AR)

وَلَقَدْ جَاۗءَہُمْ مِّنَ الْاَنْۢبَاۗءِ مَا فِيْہِ مُزْدَجَرٌ۝۴ۙ
Walaqad jaahum mina alanbai ma feehi muzdajarun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد جاءهم من الأنباء» أخبار إهلاك الأمم المكذبة رسلهم «ما فيه مزدجر» لهم اسم مكان والدال بدل من تاء الافتعال وازدجرته وزجرته: نهيته بغلظة وما موصولة أو موصوفة.

4

Tafseer

الرازي

تفسير : إشارة إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد، فأخبرهم الرسول باقتراب الساعة، وأقام الدليل على صدقه، وإمكان قيام الساعة عقيب دعواه بانشقاق القمر الذي هو آية لأن من يكذب بها لا يصدق بشيء من الآيات فكذبوا بها واتبعوا الأباطيل الذاهبة، وذكروا الأقاويل الكاذبة فذكر لهم أنباء المهلكين بالآيتين تخويفاً لهم، وهذا هو الترتيب الحكمي، ولهذا قال بعد الآيات: {أية : حِكْمَةٌ بَـٰلِغَةٌ } تفسير : [القمر: 5] أي هذه حكمة بالغة، والأنباء هي الأخبار العظام، ويدلك على صدقه أن في القرآن لم يرد النبأ والأنباء إلا لما له وقع قال: {أية : وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } تفسير : [النمل: 22] لأنه كان خبراً عظيماً وقال: {أية : إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ } تفسير : [الحجرات: 6] أي محاربة أو مسالمة وما يشبهه من الأمور العرفية، وإنما يجب التثبت فيما يتعلق به حكم ويترتب عليه أمر ذو بال، وكذلك قال تعالى: {أية : ذٰلِكَ مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ } تفسير : [آل عمران: 44] فكذلك الأنباء ههنا، وقال تعالى عن موسى: {أية : لَّعَلّى آتِيكُمْ مّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ } تفسير : [القصص: 29] حيث لم يكن يعلم أنه يظهر له شيء عظيم يصلح أن يقال له: نبأ ولم يقصده، والظاهر أن المراد أنباء المهلكين بسبب التكذيب وقال بعضهم: المراد القرآن، وتقديره جاء فيه الأنباء، وقيل قوله: {جَاءكُمْ مّنَ ٱلأَنبَاء } يتناول جميع ما ورد في القرآن من الزواجر والمواعظ وما ذكرناه أظهر لقوله: {فِيهِ مُزْدَجَرٌ } وفي: {مَا } وجهان أحدهما: أنها موصولة أي جاءكم الذي فيه مزدجر ثانيهما: موصوفة تقديره: جاءكم من الأنباء شيء موصوف بأن فيه مزدجر وهذا أظهر والمزدجر فيه وجهان أحدهما ازدجار وثانيهما موضع ازدجار، كالمرتقى، ولفظ المفعول بمعنى المصدر كثير لأن المصدر هو المفعول الحقيقي.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ جآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ } أخبار إهلاك الأمم المكذبة رسلهم {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } لهم اسم مصدر أو اسم مكان والدال بدل من تاء الافتعال وازدجرته وزجرته: نهيته بغلظة وما موصولة أو موصوفة.

ابن عبد السلام

تفسير : {الأَنبَآءِ} القرآن، أو أحاديث من سلف {مُزْدَجَرٌ} مانع من المعصية.

الخازن

تفسير : {ولقد جاءهم} يعني أهل مكة {من الأنباء} أي من أخبار الأمم الماضية المكذبة في القرآن {ما فيه مزدجر} أي منتهى وموعظة {حكمة بالغة} يعني القرآن حكمة تامة قد بلغت الغاية {فما تغني النذر} يعني أي غنى تغني النذر إذا خالفوهم وكذبوهم {فتول عنهم} أي أعرض عنهم نسختها آية القتال {يوم يدع الداع} أي اذكر يا محمد يوم يدع الداعي وهو إسرافيل ينفخ في الصور قائماً على صخرة بيت المقدس {إلى شيء نكر} أي منكر فظيع لم يروا مثله، فينكرونه استعظاماً له {خشعاً} وقرىء خاشعاً {أبصارهم} أي ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب {يخرجون من الأجداث} يعني من القبور {كأنهم جراد منتشر} مثل في كثرتهم وتموج بعضهم في بعض حيارى فزعين.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ} يعني أهل مكة من أخبار الأمم المكذبة والقرآن {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} أي مَنَاهِي. قوله: "مزدجر" يجوز أن يكون فاعلاً بـ "فيه" لأن "فيه" وقع صلة وأن يكون مبتدأ، و "فِيهِ" الْخبر. و "الدال" بدل من تاء الافتعال، وأصله مُزْتَجَرٌ، فقُلبت التاء دالاً. وقد تقدم أن تاء الافتعال تقلب دالاً بعد الزاي، والدال، والذال؛ لأن الزاي حرف مجهور والتاء حرف مهموس، فأبدلوها إلى حرف مجهورٍ قريب من التاء، وهو الدال. و "مزدجر" هنا اسم مصدر أي ازدجاراً، أو اسم مكان أي موضع ازدجار. ومعناه فيه نهي وعظة، يقال: زَجَرْتُهُ وازْدَجَرْتُهُ إذا نهيته عن السوء. وقرىء: مُزَّجَر بِقلب تاء الافتعال زاياً ثم أدغم. وزيد بن علي: مُزْجِر اسم فاعل من أَزْجَرَ صار ذا زَجْرٍ، كَأَعْشَبَ أي صار ذا عُشْبٍ. والأنباء هي الأخبار العظام التي لها وقع كقول الهدهد {أية : وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} تفسير : [النمل: 22]، لأنه كان خبراً عظيماً له وقع وخبر، وقال تعالى: {أية : إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ} تفسير : [الحجرات: 6] أي بأمر غريب. وإنما يجب التثبُّت فيما يتعلق به حكم ويترتب عليه أمر ذو بال، وقال تعالى: {أية : تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ} تفسير : [هود: 49]. والمراد بالأنباء هنا أخبار المهلكين المكذّبين. وقيل: المراد القرآن. قال ابن الخطيب: وفي (ما) وجهان: الأول: أنها موصولة أي جاءكم الذي فيه مُزْدَجَرٌ. الثاني: أنها نكرة موصوفة أي جاءكم من الأنباء شيء موصوف بأن فيه مزدجر. قوله: "حكمة" فيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} كأنه قيل: ولقد جاءهم حكمة بالغة من الأنباء، وحينئذ يكون بدل كل من كل، أو بدل اشتمال. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي هو حكمة بالغةٌ، أي ذلك الذي جاءهم من إرسال الرسل وإيضاح الدلائل، والإنذار لمن مضى، أو إشارة لما فيه الأنباء أنه حكمة، أو إشارة إلى الساعة المقتربة. وقد تقدم أنه يجوز على قراءة أبي جعفر وزيد أن يكون خبراً لـ {أية : وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} تفسير : [القمر: 3]. وقرىء "حِكْمَةً" بالنصب حالاً من "ما". قال الزمخشري: فإن قلت: إن كانت "ما" موصولة ساغ لك أن تنصب "حكمة" حالاً فكيف تعمل إن كانتْ موصوفة وهو الظاهر؟ قلت: تَخَصُّصها بالصفة فيحسن نصب الحال عنها. انتهى. وهو سؤال واضح؛ لأنه يصير التقدير: جاءهم من الأنْبَاء شيء فيه ازدجار فيكون منكراً، وتنكير ذِي الحال قبيحٌ. قوله: {فَمَا تُغْنِـي ٱلنُّذُرُ} يجوز في "ما" أن تكون استفهامية، وتكون في محل نصب مفعولاً مقدماً أي أَيَّ شَيْء تُغْنِي النذر؟ وأن تكون نافية أي لم تغن النذر شيئاً. والنذر جمع نَذِير؛ والمراد به المصدر أو اسم الفاعل كما تقدم في آخر النجم. وكتب "تغن" إتباعاً للفظ الوصل، فإنها ساقطة لالتقاء الساكنين. قال بعض النحويين: وإنما حذفت الياء من "تغني" حملاً لها على "لَمْ" فجزمت كما تجزم "لَمْ". قال مكي، وهذا خطأ، لأن "لم" تنفي الماضي وترُدُّ المستقبل ماضياً، و "ما" تنفي الحال، فلا يجوز أن يقع إحداهما موقع الأخرى لاختلاف مَعْنَيَيْهِمَا. فصل المعنى أن القرآن حكمة بالغة تامة قد بلغت الغاية. وقوله: {فَمَا تُغْنِـي ٱلنُّذُرُ} إن كانت "ما" نافية فالمعنى أن النذر لم يبعثوا ليغنوا ويلجئوا قومهم إلى الإيمان، وإنما أرسلوا مبلغين كقوله تعالى: {أية : فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} تفسير : [الشورى: 48] ويؤيد هذا قوله: "فَتَولَّ عَنْهُمْ" وإن كانت استفهامية فالمعنى: وأي شيءٍ تغني النذر إذا خالفوهم وكذبوهم؟ كقوله: {أية : وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس: 101] أي إنك أتيت بما عليك من الدعوى فكذبوا بها وأنذرتهم بما جرى على المكذبين، فلم يفدهم فهذه حكمة بالغة وما الذي تغني النذر غير هذا فلم يبق عليك شيء آخر؟ فتول عنهم.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ‏{‏ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر‏} ‏ قال‏:‏ هذا القرآن مزدجر قال‏:‏ منتهى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عمر بن عبد العزيز أنه خطب بالمدينة فتلا هذه الآية ‏{‏ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر‏}‏ قال‏:‏ أحل فيه الحلال وحرم فيه الحرام وأنبأكم فيه ما تأتون وما تدعون، لم يدعكم في لبس من دينكم، كرامة أكرمكم بها، ونعمة أتم بها عليكم‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خشعاً أبصارهم‏}‏‏ .‏ أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏[‏خاشعاً أبصارهم‏]‏ بالألف‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏{‏خُشَّعاً أبصارهم‏}‏ برفع الخاء‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة ‏[‏خاشعاً أبصارهم‏]‏ أي ذليلة أبصارهم، والله أعلم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏مهطعين إلى الداع‏} ‏ قال‏:‏ ناظرين‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ‏ {‏مهطعين‏}‏ قال‏:‏ مذعنين خاضعين، قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت قول تبع‏: شعر : تعبدني نمر بن سعد وقد درى ونمر بن سعد لي مدين ومهطع تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏{‏مهطعين إلى الداع‏}‏ قال‏:‏ عامدين إلى الداعي‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله ‏ {‏مهطعين إلى الداع‏}‏ قال‏:‏ منطلقين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن تميم بن حدلم في قوله ‏{‏مهطعين‏}‏ قال‏:‏ الإِهطاع التجميح‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ‏ {‏مهطعين إلى الداع‏} ‏ قال‏:‏ هو النسلان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ‏{‏مهطعين إلى الداع‏} ‏ قال‏:‏ صائخي أذانهم إلى الصوت‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءهُمْ} أي في القُرانِ. وقولُه تعالَى: {مّنَ ٱلأَنبَاء} أي أنباءِ القرونِ الخاليةِ أو أنباءِ الآخرةِ، متعلقٌ بمحذوفٍ هو حالٌ مما بعدَهُ أيْ وبالله لقد جاءهُم كائناً من الأنباءِ {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} أي ازدجارٌ من تعذيبٍ أو وعيدٍ، أو موضعُ ازدجارٍ على أنَّ في تجريديةٌ والمَعْنى أنَّه في نفسِه موضعُ ازدجارٍ، وتاءُ الافتعالِ تقلبُ دالاً مع الدالِ والذالِ والزَّاي للتناسبِ وقُرِىءَ مُزَّجَرٌ بقلبِها زاء وإدغامِها {حِكْمَةٌ بَـٰلِغَةٌ} غايتَها لا خللَ فَيها وهي بدلٌ منْ مَا أو خبرٌ لمحذوفٍ. وقُرِىءَ بالنصبِ حالاً منَها فإنَّها موصولةٌ أو موصوفةٌ تخصصتْ بصفتِها فساغَ نصبُ الحالِ عنها. {فَمَا تُغْنِـى ٱلنُّذُرُ} نفيٌ للإغناءِ، أو إنكارٌ لهُ. والفاءُ لترتيبِ عدمِ الإغناءِ على مجيءِ الحكمةِ البالغةِ مع كونِه مظنَّة للإغناءِ وصيغةُ المُضارعِ للدلالةِ على تجددِ عدمِ الإغناءِ واستمرارِه حسبَ تجددِ مجيءِ الزواجرِ واستمرارِه، وما على الوجهِ الثانِي منصوبةٌ أي فأيُّ إغناء تُغني النذرُ وهو جمعُ نذيرٍ بمعنى المنذرِ أو مصدرٌ بمَعْنى الإنذارِ. {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} لعلمكَ بأنَّ الإنذارَ لا يُؤثرُ فيهم البتةَ {يَوْمَ يَدْعُو ٱلدَّاعِ} منصوبٌ بـيخرُجونَ أو باذكُرْ. والدَّاعِي إسرافيلُ عليهِ السَّلامُ ويجوزُ أنْ يكونَ الدعاءُ فيهِ كالأمرِ في قولِه تعالى: { أية : كُنْ فَيَكُونُ} تفسير : [سورة آل عمران، الآية 59] وإسقاطُ الياءِ للاكتفاءِ بالكسرِ تخفيفاً {إِلَىٰ شَىْء نُّكُرٍ} أي منكرٍ فظيعٍ تنكرُه النفوسُ لعدمِ العهدِ بمثلِه وهو هَولُ القيامةِ وقُرِىءَ نُكْرٍ بالتخفيفِ ونكر بمَعْنى أنكر {خُشَّعاً أَبْصَـٰرُهُمْ} حالٌ من فاعلِ {يُخْرِجُونَ} والتقديمُ لأنَّ العاملَ متصرفٌ أي يخرجونَ {مّنَ ٱلأَجْدَاثِ} أذلةً أبصارُهم من شدةِ الهولِ وقُرِىءَ خاشعاً والإفرادُ والتذكيرُ لأنَّ فاعلَه ظاهرٌ غيرُ حقيقيِّ التأنيثِ. وقُرِىءَ خاشعةً على الأصلِ، وقُرِىءَ خُشَّعٌ أبصارُهم عَلَى الابتداءِ والخبرِ على أنَّ الجملةَ حالٌ {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} في الكثرةِ والتموجِ والتفريقِ في الأقطارِ {مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ} مسرعينَ مادِّي أعناقِهُم إليهِ أو ناظرينَ إليهِ {يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} استئنافٌ وقعَ جواباً عمَّا نشأَ من وصفِ اليومِ بالأهوالِ وأهلِه بسوءِ الحالِ كأنَّه قيلَ فماذا يكونُ حينئذٍ فقيلَ يقولُ الكافرونَ {هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} أي صعبٌ شديدٌ، وفي إسنادِ القولِ المذكورِ إلى الكفارِ تلويحٌ بأنَّ المؤمنينَ ليسُوا في تلكَ المرتبةِ من الشدةِ {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} شروعٌ في تعدادِ بعضِ ما ذُكِرَ منَ الأنبـياءِ الموجبةِ للازدجارِ، ونوعُ تفصيلٍ لها وبـيانٌ لعدمِ تأثرِهم بها تقريراً لفحْوَى قولِه تعالى: {أية : فَمَا تُغْنِـى ٱلنُّذُرُ } تفسير : [سورة القمر، الآية 5] أي فعلَ التكذيبَ قبلَ تكذيبِ قومِك قومُ نوحٍ وقولُه تعالَى: {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} تفسيرٌ لذلكَ التكذيبِ المبهمِ كما في قولِه تعالى: { أية : وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبّ} تفسير : [سورة هود، الآية 45] الخ، وفيه مزيدُ تقريرٍ وتحقيقٍ للتكذيبِ وقيلَ: معناهُ كذَّبوه تكذيباً إثرَ تكذيبٍ كلَما خَلاَ منهم قرنٌ مكذبٌ جاءَ عقيبَه قرنٌ آخر مكذبٌ مثلُه. وقيلَ: كذبتْ قومُ نوحٍ الرسلَ فكذبُوا عبدنَا لأنَّه من جُملتِهم وفي ذِكرِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعنوانِ العبوديةِ مع الإضافةِ إلى نونِ العظمةِ تفخيمٌ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ورفعٌ لمحلِّه وزيادةُ تشنيعٍ لمكذبـيهِ {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ} أي لم يقتصرُوا على مجردِ التكذيبِ بل نسبُوه إلى الجنونِ {وَٱزْدُجِرَ} عطفٌ على قالُوا أي وزُجِرَ عن التبليغِ بأنواعِ الأذيةِ وقيلَ: هو من جُملةِ ما قالُوه أي هُو مجنونٌ وقد ازدجرتْهُ الجِنُّ وتخبطتهُ.

القشيري

تفسير : جاءهم من أخبارِ الأنبياءِ والأممِ الذين مِنْ قَبْلهِم والأزمنةِ الماضية ما يجب أَنْ يحصلَ به الارتداعُ، ولكنَّ الحقَّ - سبحانه - أَسْبَلَ على بصائرهم سُجُوف الجهلِ فَعَموا عن مواضع الرشد. {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ...}: بدل من (ما) فيما سبق: (ما فيه مزدجر). والحكمة البالغة هي الصحيحة الظاهرة الواضحة لمن تفكّر فيها. {فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ}: وأي شيء يغني إنذارُ النذيرِ وقد سَبَقَ التقديرُ لهم بالشقاء؟

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد جاءهم} اى وبالله لقد جاء اهل مكة فى القرءآن {من الانباء} جمع نبأ وهو خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم او غلبة ظن ولا يقال للخبر فى الاصل نبأ حتى يتضمن هذه الاشياء الثلاثة اى انباء القرون الخالية او انباء الآخرة وما وصف من عذاب الكفار فاللام عوض عن المضاف اليه وهو حال مما بعده {مافيه مزدجر} اى ازدجار من تعذيب ان أريد بالانباء انباء القرون الخالية او وعيد أريد بها انباء الاخرة او موضع ازدجار على ان فى تجريدية والمعنى انه فى نفسه موضع ازدجار ومظنة له كقوله تعالى {أية : لقد كان لكم فى رسول الله اسوة حسنة}تفسير : اى هو فى نفسه اسوة حسنة وتاء الافتعال تقلب دالا مع الدال والذال والزاى للتناسب فى المخرج او لتحصيل التناسب فان التاء مهموسة وهذه الحروف مجهورة يعنى ان اصله مزتجر لانه مفتعل من الزجر قلبت التاء ذالا لان الزاى حرف مجهور والتاء حرف مهموس والذال تناسب الزاى من الجهر وتناسب التاء فى المخرج يقال زجره وازدجره اى نهاه عن السوء ووعظه غير ان افتعل ابلغ فى المعنى من فعل قال الراغب الزجر طرد بصوت يقال زجرته فانزجر ثم يستعمل فى الطرد تارة وفى الصوت تارة وقوله تعالى مزدجر اى طرد ومنع عن ارتكاب المأثم

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ} اى انباء الانبياء (ع) واممهم الماضية والوقائع الواقعة بهم، او من انباء الآخرة والثّواب والعقاب فانّه وصل انموذجها اليهم فى وجودهم وخبرها اليهم باخبار انبيائهم {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} انزجارٌ من المعاصى والتّكذيب.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَد جَآءهُم} في القرآن {مِّنَ الأَنبَآءِ} اخبار القرون أو اخبار الاخرة من نحو عذاب الكفار واللطف على المؤمنين أو اخبار الكل فان القرون السالفة كذبوارسلهم فاهلكوا دنيا واخرى وكل من كذب رسوله فكذلك يفعل به. {مَا فِيهِ مُزدَجَرٌ} مفتعل بفتح العين من الزجر مصدر ميمي ابدلت التاء دالا لاجل الزاي وهو مطاوع الزجر أي انتهاء عن شركهم للوعيد والعذاب المخبر به أو اسم مكان أي هو في نفسه موضع ازدجار ومظنة له وقرىء مزجر بقلب التاء زايا وادغام الزاي فيها.

اطفيش

تفسير : {ولقَد جاءهم} فى القرآن وفى الأحاديث الصحاح {مِن الأنْباء} أخبار الماضين، وأخبار ما يأتى، مثل طلوع الشمس من مغربها، وأخبار القيامة والبعث والموقف، والثواب والعقاب، ومن للابتداء متعلقة بجاء أو للتبعيض متعلقة بمحذوف حال من ما فى قوله عز وجل: {مَا فيه مُزدجرٌ} وقدم للفاصلة، وكذا ان جعلناها للبيان تتعلق بمحذوف حال من ما، ولا منافاة بين التبعيض للبيان، لأن البيان يتصور بما هو بعض كما يقال: كذا هو بعض كذا، ولا يلزم أن يكون ما به البيان كلا، وما فيه مزدجر يطلق على ما ذكر فى القرآن، وعلى غير ما لم يذكر، وتقديم البيان على المبين جائز لأنه فى نية التأخير، ومزدجر مصدر ميمى، أو اسم مكان ميمى، ودالة عن تاء، قلبت لتناسب الزاى، والازدجار الانتهاء عن القبيح أو المكروه، ولا بد من تقدير مكاف، أى موجب ازدجار، لأن الازدجار لمن ينتهى، أو موضع موجب الازدجار، فان اللفظ يتضمن معنى زاجر، وذلك أخبار الوعيد، وان جعلناه من ازدجر المتعدى لم يقدر المضاف.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءهُمْ } في القرآن {مّنَ ٱلأَنبَاء } أي أخبار القرون الخالية، أو أخبار الآخرة، والجار والمجرور / في موضع الحال من {مَا} في قوله عز وجل: {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } قدم عليه رعاية للفاصلة وتتويقاً إليه و {مِنْ } للتبعيض، أو للتبيين بناءاً على المختار من جواز تقديمه على المبين، قال الرضي: إنما جاز تقديم {مِنْ } المبينة على المبهم في نحو ـ عندي من المال ما يكفي ـ لأنه في الأصل صفة لمقدر أي شيء من المال، والمذكور عطف بيان للمبين المقدر قبلها ليحصل البيان بعد الإبهام أي بالله لقد جاءهم كائناً من الأنباء ما فيه ازدجار لهم ومنع عما هم فيه من القبائح، أو موضع ازدجار ومنع، وهي أنباء التعذيب، أو أنباء الوعيد. وأصل {مُزْدَجَرٌ } مزتجر بالتاء موضع الدال وتاء الافتعال تقلب دالاً مع الدال والذال والراء للتناسب، وقرىء (مزجر) بقلبها زاياً وإدغام الزاي فيها، وقرأ زيد بن علي (مزجر) اسم فاعل من أزجر أي صار ذا زجر كأعشب صار ذا عشب.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : وكذبوا واتبعوا أهواءهم}تفسير : [القمر: 3] أي جاءهم في القرآن من أنباء الأمم ما فيه مزدجر لهؤلاء، أو أريد بالأنباء الحجج الواردة في القرآن، أي جاءهم ما هو أشد في الحجة من انشقاق القمر. و{من الأنباء} بيان ما فيه مزدجر قدم على المبين و{من} بيانية. والمُزدجر: مصدر ميمي، وهو مصاغ بصيغة اسم المفعول الذي فعله زائد على ثلاثة أحرف. ازدجره بمعنى زجره، ومادة الافتعال فيه للمبالغة. والدال بدل من تاء الافتعال التي تبدل بعد الزاي إلاّ مثل ازْداد، أي ما فيه مانع لهم من ارتكاب ما ارتكبوه. والمعنى: ما هو زاجر لهم فجعل الازدجار مظروفاً فيه مجازاً للمبالغة في ملازمته له على طريقة التجريد كقوله تعالى: {أية : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}تفسير : [الأحزاب: 21] أي هو أسوة. و{حكمة بالغة} بدل من {مَا}، أي جاءهم حكمةٌ بالغة. والحكمة: إتقان الفهم وإصابة العقل. والمراد هنا الكلام الذي تضمن الحكمة ويفيد سامعه حكمة، فوصْفُ الكلام بالحكمة مجاز عقلي كثير الاستعمال، وتقدم في سورة البقرة (269)، {أية : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً}.تفسير : والبالغة: الواصلة، أي واصلة إلى المقصود مفيدة لصاحبها. وفرع عليه قوله: {فما تغن النذر}، أي جاءهم ما فيه مزدجر فلم يُغن ذلك، أي لم يحصل فيه الإقلاع عن ضلالهم. و{ما} تحتمل النفي، أي لا تغني عنهم النذر بعد ذلك. وهذا تمهيد لقوله: {أية : فتولَّ عنهم}تفسير : [القمر: 6]، فالمضارع للحال والاستقبال، أي ما هي مغنية، ويفيد بالفحوى أن تلك الأنباء لم تغن عنهم فيما مضى بطريق الأحرى، لأنه إذا كان ما جاءهم من الأنباء لا يغني عنهم من الانزجار شيئاً في الحال والاستقبال فهو لم يغن عنهم فيما مضى إذ لو أغنى عنهم لارتفع اللوم عليهم. ويحتمل أن تكون {مَا} استفهامية للإِنكار، أي ماذا تفيد النذر في أمثالهم المكابرين المصرين، أي لا غناء لهم في تلك الأنباء، فــــ {ما} على هذا في محل نصب على المفعول المطلق لــــ {تغن}، وحذف ما أضيفت إليه {ما}. والتقدير: فأي غناء تغني النذر وهو المخبر بما يسوء، فإن الأنباء تتضمن إرسال الرسل من الله منذرين لقومهم فما أغنوهم ولم ينتفعوا بهم ولأن الأنباء فيها الموعظة والتحذير من مثل صنيعهم فيكون المراد بــــ {النذر} آيات القرآن، جعلت كل آية كالنذير: وجمعت على نُذُر، ويجوز أن يكون جمع نذير بمعنى الإِنذار اسم مصدر، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : هذا نذير من النذر الأولى} تفسير : في آخر سورة النجم (56).

د. أسعد حومد

تفسير : (4) - وَلَقَدْ جَاءَ هؤُلاءِ المُشْرِكينَ مِنَ أَخْبَارِ الأُمَمِ السَّالِفَةِ التي كَذَّبَتْ رُسُلَهَا، وَمَا حَلَّ بِها، وَكَيفَ دَمَّرَهُمُ اللهُ تَعَالى تَدْمِيراً، مَا فِيهِ واعِظٌ وَزَاجِرٌ عَنِ الشِّرْكِ وَعَنِ التَّمادي فِي التَّكْذِيبِ. مُزْدَجَر - ازْدِجَارٌ وانْتِهارٌ وَرَدْعٌ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} [الآية: 4]. قال: يعني: موعظة. يعني: متناهي. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَٱزْدُجِرَ} [الآية: 9]. يعني: استطير جنوناً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: "الدُّسُّر" أَضلاع السفينة [الآية: 13]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ} [الآية: 14]. قال: يقول: كفر. يقول: جزاءً من الله.