٥٤ - ٱلْقَمَر
54 - Al-Qamar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } قد ذكرنا أن المفسرين يقولون إلى قوله: {تَوَلَّ } منسوخ وليس كذلك، بل المراد منه لا تناظرهم بالكلام. ثم قال تعالى: {يَوْمَ يَدْعُو ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْء نُّكُرٍ } قد ذكرنا أيضاً أن من ينصح شخصاً ولا يؤثر فيه النصح يعرض عنه ويقول مع غيره: ما فيه نصح المعرض عنه، ويكون فيه قصد إرشاده أيضاً فقال بعدما قال: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو ٱلدَّاعِ } {أية : يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ } تفسير : [المعارج: 43] للتخويف، والعامل في: {يَوْمٍ } هو ما بعده، وهو قوله: {يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ } والداعي معرف كالمنادي في قوله: {أية : يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ } تفسير : [ق: 41] لأنه معلوم قد أخبر عنه، فقيل: إن منادياً ينادي وداعياً يدعو وفي الداعي وجوه أحدها أنه إسرافيل وثانيها: أنه جبريل وثالثها: أنه ملك موكل بذلك والتعريف حينئذ لا يقطع حد العلمية، وإنما يكون ذلك كقولنا: جاء رجل فقال: الرجل، وقوله تعالى: {إِلَىٰ شَىْء نُّكُرٍ } أي منكر وهو يحتمل وجوهاً أحدها: إلى شيء نكر في يومنا هذا لأنهم أنكروه أي يوم يدعو الداعي إلى الشيء الذي أنكروه يخرجون ثانيها: نكر أي منكر يقول: ذلك القائل كان ينبغي أن لا يكون أي من شأنه أن لا يوجد يقال: فلان ينهى عن المنكر، وعلى هذا فهو عندهم كان ينبغي أن لا يقع لأنه يرديهم في الهاوية، فإن قيل: ما ذلك الشيء النكر؟ نقول: الحساب أو الجمع له أو النشر للجمع، وهذا أقرب، فإن قيل: النشر لا يكون منكراً فإنه إحياء ولأن الكافر من أين يعرف وقت النشر وما يجري عليه لينكره؟ نقول: يعرف ويعلم بدليل قوله تعالى عنهم: {أية : يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } تفسير : [يس: 52].
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: فتول يا محمد عن هؤلاء الذين إذا رأوا آية، يعرضون، ويقولون: هذا سحر مستمر، أعرض عنهم، وانتظرهم {يَوْمَ يَدْعُو ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ} أي: إلى شيء منكر فظيع، وهو موقف الحساب، وما فيه من البلاء، بل والزلازل والأهوال، {خُشَّعاً أَبْصَـٰرُهُمْ} أي: ذليلة أبصارهم {يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} وهي القبور {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} أي: كأنهم في انتشارهم، وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي، جراد منتشر في الآفاق، ولهذا قال: {مُهْطِعِينَ} أي: مسرعين {إِلَى ٱلدَّاعِ} لا يخالفون ولا يتأخرون {يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} أي: يوم شديد الهول عبوس قمطرير {أية : فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } تفسير : [المدثر: 9 ــــ 10].
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } هو فائدة ما قبله وتم به الكلام {يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ } هو إسرافيل وناصب يوم يخرجون بعد {إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ } بضم الكاف وسكونها ،أي منكر تنكره النفوس لشدته وهو الحساب.
الماوردي
تفسير : {مّهْطِعِينَ إلَى الدَّاعِ} فيه ستة تأويلات: أحدها: معناه: مسرعين، قاله أبو عبيدة، ومنه قول الشاعر: شعر : بدجلة دارهم ولقد أراهم بدجلة مهطعين إلى السماع تفسير : الثاني: معناه: مقبلين، قاله الضحاك. الثالث: عامدين، قاله قتادة. الرابع: ناظرين، قاله ابن عباس. الخامس: فاتحين آذانهم إلى الصوت، قاله عكرمة. السادس: قابضين ما بين أعينهم، قاله تميم. {يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} يعني يوم القيامة، لما ينالهم فيه من الشدة.
ابن عادل
تفسير : قوله: "فتول عنهم" أي أعرض عنهم. قال أكثر المفسرين: نسختها آية السيف. قال ابن الخطيب إن قول المفسرين في قوله: "فَتَوَلَّ" منسوخ ليس كذلك، بل المراد منه لا تُنَاظِرْهُمْ بالكلام. قوله: {يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ} "يوم" منصوب إما بـ "اذكر" مضمرةً وهو أقربها. وإليه ذهب الرُّمَّانيُّ، والزمخشري وإما بـ "يَخْرُجُونَ" بعده. وإليه ذهب الزمخشري أيضاً، وإما بقوله: "فَمَا تُغْنِ" ويكون قوله: "فَتَوَلَّ عَنْهُمْ" اعتراضاً، وإما منصوباً بقوله: "يَقُولُ الْكَافِرُونَ". وفيه بعدٌ لبعده عنه. وقيل: تم الكلام عند قوله: {أية : فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ} تفسير : [القمر: 5] ويبتدأ بقوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ} فيكون منصوباً بقوله: "فَتَوَلَّ عَنْهُمْ". وهو ضعيف جداً؛ لأن المعنى ليس أمره بالتولية عنهم في يوم النفخ في الصور، وإمَّا منصوب بحذف الخافض أي فتول عنهم إلى يوم. قاله الحسين وضعف من حيثُ اللَّفْظ ومن حيث المعنى أما اللفظ، فلأن إسقاط الخافض غير منقاس، وأما المعنى فليس تَوَلِّيهِ عنهم مُغَيًّا بذلك الزمان، وإما بانْتظرْ مضمراً، فهذه سبعة أوجه في ناصب "يوم". قال القرطبي: أو منصوب بـ "خُشَّعاً" أو على حذف حرف الفاء وما عملت فيه من جواب الأمر تقديره: فتول عنهم فإن لهم يوم يدع الدَّاعِ. وقيل: أي تول عنهم يا محمد فقد أقمت الحجة، وأبصرتهم يوم يدع الداع. وقيل: أعرض عنهم يوم القيامة ولا تسأل عنهم وعن أحوالهم فإنهم يدعون إلى شيء نكر وينالهم عذاب شديد كقولك: لا تَسَلْ ما جرى على فلان إذا أخبرته بأمر عظيم. وقيل: أي وكل أمر مستقر يوم يدع الداعي. وحذفت الواو من "يَدْعُ" خَطًّا اتباعاً للفظ كما تقدم في "تغن" و{أية : وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ} تفسير : [الشورى: 24] وشبهه. والياء من "الدَّاع" مبالغة في التخفيف إجراء "لأل" مُجْرَى ما عاقبها وهو التنوين، فكما تحذف الياء مع التنوين كذلك مع ما عاقبها. قوله: "الدَّاعِي" معرف كالمنادي في قوله: {أية : يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ} تفسير : [ق: 41]؛ لأنه معلوم قد أخبر عنه فقيل: إن منادياً ينادي وداعياً يدعو. قيل: الداعي: إسرافيل ينفخ قائماً على صخرة بيت المقدس، قاله مقاتل. وقيل: جبريل. وقيل: ملك يوكَّل بذلك. والتعريف حينئذ لا يقطع حدّ العلمية ويكون كقولنا: جَاءَ رَجُلٌ فَقَال الرَّجُلُ. قاله ابن الخطيب. قوله: {إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ} العامة على ضم الكاف، وهو صفة على فُعُلٍ، وفُعُلٌ في الصِّفات عزيزٌ منه: أمرٌ نُكُرٌ، ورجل شُلُلٌ وناقة أُجُدٌ، ورَوضةٌ أُنُفٌ ومِشْيَةٌ سُجُحٌ. وقرأ ابن كثير بسكون القاف، فيحتمل أن يكون أصلاً، وأن يكون مخففاً من قراءة الجماعة. وقد تقدم ذلك محرراً في العُسْر واليُسْر في سورة المائدة. وسمي الشديد نكراً، لأن النفوس تنكره، قال مالك بن عوف: شعر : 4583- أَقْدِمْ نَجَاحُ إنَّه يَوْمٌ نُكُرْ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ يَحْمِي وَيَكِرْ تفسير : وقرأ زيد بن علي والجحدري وأبو قِلاَبَة: نُكِرَ فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول، لأن "نكر" يتعدى؛ قال تعالى: {أية : نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} تفسير : [هود: 70]. فصل المعنى إلى شيء منكر فظيع، لم ير مثله فينكرونه استعظاماً، قال ابن الخطيب: وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن المعنى إلى شيء نكر في يومنا هذا، لأنهم أنكروه أي يوم يدع الداعي إلى الشيء الذي أنكروه يَخْرُجُونَ. الثاني: أن المعنى منكر أي يقول القائل كان ينبغي أن لا يقع ولا يكون لأن المنكر من شأنه أن لا يوجد يقال: فلان ينهى عن المنكر، وعلى هذا فهو عندهم كان ينبغي أن لا يقع، لأنه يُرْدِيهم في الهاوية. فإن قيل: ما ذلك الشيء النكر؟ فأجيب: بأنه الحساب، أو الجمع له، أو النشر للجمع. فإن قيل: النشر لا يكون منكراً، فإنه إحياء، لأن الكافر من أين يعرف وقت النشر ما يجري عليه لينكره. فالجواب: أنه يعلم ذلك لقوله تعالى عنهم: {أية : يَٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} تفسير : [يس: 52]. قوله: "خَاشِعاً أَبْصَارُهُمْ" قرأ أبو عمرو والأخوان خاشعاً، وباقي السبعة خُشَّعاً، فالقراءة الأولى جارية على اللغة الفصحى من حيث إنَّ الفعلَ وما جرى مجراه إذا قدم على الفاعل وُحِّدَ تقول: تَخْشَعُ أَبْصَارُهُمْ، ولا تقول: يَخْشَعْنَ أَبْصَارُهُمْ، وأنشد (- رحمةُ الله عليه -): شعر : 4585- وَشَبَابٍ حَسَنٍ أَوْجُهُهُمْ مِنْ إِيَادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدْ تفسير : وقال آخر: شعر : 4585- تَلْقَى الفِجَاجَ بِهَا الرُّكْبَانُ مُعْتَرِضاً أَعْنَاقَ بُزَّلِهَا مُرْخًى لَهَا الْجُدُلُ تفسير : وأما الثانية فجاءت على لغة طَيِّىءٍ، يقولون: أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ، وقد تقدم القول على ذلك في المائدة والأنبياء ومثله قوله: شعر : 4586- بِمُطَّرِدٍ لَدْنٍ صِحَاحٍ كُعُوبُهُ وَذِي رَوْنَقٍ عَضْبٍ يَقُدُّ الْقَوَانِسَا تفسير : قيل: وجمع التكسير في اللغة في مثل هذا أكثر من الإفراد. وقرأ أبيّ وعبد الله: خَاشِعَةً على تَخْشَعُ هِيَ. وقال الزمخشري: و "خُشَّعاً" على يَخْشَعْنَ أبْصَارُهُمْ. وهي لغة من يقول: أَكَلُوني البراغيثُ وهي طيىء. قال أبو حيان: ولا يجري جمع التكسير مَجْرى جمع السلامة فيكون على تلك اللغة النادرة القليلة. وقد نص سيبويه على أن جمع التكسير أكثر في كلام العرب فكيف يكون أكثر ويكون على تلك اللغة القليلة؟ وكذا قال الفراء حين ذكر الإفْراد مذكراً ومؤنثاً وجمع التكسير، قال: لأن الصِّفة متى تقدمت على الجماعة جاز فيها ذلك، والجمع موافق للفظها فكان أشْبَه. قال أبو حيان: وإنما يخرج على تلك اللغة إذا كان الجمعُ جمعَ سلامة نحو: مَرَرْتُ بقَوْمٍ كريمين آباؤهم والزمخشري قاس جمع التكسير على جمع السلامة وهو قياس فاسد يرده النقل عن العرب أن جمع التكسير أجود من الإفراد كما ذكره سيبويه ودل عليه كلام الفراء. قال شهاب الدين: وقد خرج الناس قول امرىء القيس: شعر : 4587- وُقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَلَى مَطِيِّهِمْ يَقُولُون: لاَ تَهْلَكْ أَسًى وَتَجمَّلِ تفسير : على أن صحبي فاعل بـ "وُقُوفاً" وهو جمع "واقف" في أحد القولين في "وُقُوفاً". وفي انتصاب "خاشعاً وخشعاً وخاشعة" أوجهٌ: أحدها: أنه مفعول به وناصبه (يَدْعُ الدَّاعِ). وهو في الحقيقة (صفة) لموصوف محذوف تقديره فَرِيقاً خَاشِعاً أو فَوْجاً خَاشِعاً. والثاني: أنه حال من فاعل (يَخْرُجُونَ) المتأخر عنه، ولما كان العامل متصرفاً جاز تقدم الحال عليه، وهو رد على الجَرْمي، حيث زعم أنه لا يجوز، ورد عليه أيضاً بقول العرب: (شَتَّى تَؤُوبُ الحَلْبةُ) "فشتى" حال من الحَلْبة، وقال الشاعر: شعر : 4588- سَرِيعاً يَهُونُ الصَّعْبُ عِنْدَ أُولِي النُّهَى إذَا بِرَجَاءٍ صَادِقٍ قَابَلُوا الْبَأسَا تفسير : الثالث: أنه حال من الضمير في (عَنْهُمْ). ولم يذكر مَكّيّ غيره. الرابع: أنه حال من مفعول (يَدْعُو) المحذوف تقديره: يَوْمَ يَدْعُوهُمُ الدَّاعي خُشَّعاً؛ فالعامل فيها (يدعو). قاله أبو البقاء. وارتفع أبصارهم على وجهين: أظهرهما: الفاعلية بالصفة قبله. الثاني: على البدل من الضمير المستتر في (خُشَّعاً)؛ لأن التقدير خُشَّعاً هُمْ، وهذا إنما يأتي على قراءة خشعاً فقط. وقرىء خُشَّعٌ أَبْصَارُهُمْ على أن "خشعاً" خبر مقدم، و "أبصارهم" مبتدأ، والجملة في محل نصب على الحال وفيه الخلاف المذكور من قبل كقوله: شعر : 4589-...................... وَجَدْتُهُ حَاضِرَاه الجُودُ وَالْكَرَمُ تفسير : فصل قال ابن الخطيب، لما حكى نصب "خاشعاً"، قال: إنه منصوب على أنه مفعول بقوله: "يَدْعُو" أي يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي خُشَّعاً. فإن قيل: هذا فاسد من وجوه: أحدها: أن الشخص لا فائدة فيه؛ لأن الداعي يدعو كل أحدٍ. ثانيها: قوله: {يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} بعد الدعاء فيكونون خشعاً قبل الخروج وهو باطل. ثالثهما: قراءة خاشعة تبطل هذا! نقول: أما الجواب عن الأول فإن قوله: {إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ} يدفع ذلك، لأن كل أحد لا يدعى إلى شيء نكر، وعن الثاني المراد من الشيء النكر الحساب العسير يوم يدع الداعي إلى الحساب العسير خشعاً ولا يكون العامل في (يوم) يدعو "يَخْرُجُونَ" بل "اذكروا" و{أية : فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ} تفسير : [القمر: 5] كقوله تعالى: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} تفسير : [المدثر: 48] ويكون: "يَخْرُجُونَ" ابتداء كلام، وعن الثالث أنه لا منافاة بين القراءتين وخاشعاً نصب على الحال أو على أنه مفعول يدعو كأنه يقول: يدعو الداعي قوماً خاشعاً أبصارهم. (والخشوع) السكون كما قال تعالى: {أية : وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ} تفسير : [طه: 108]، وخشوع الأبصار سكونها على حال لا تتلفّت يمنة ولا يسرة كما قال تعالى: {أية : لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} تفسير : [إبراهيم: 43]. وقيل: خاشعة أي ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب. قوله: (يَخْرُجُونَ) يجوز أن يكون حالاً من الضمير في: (أبصارهم) وأن يكون مستأنفاً. والأجداث القبور وقد تقدم في يس. وقوله: (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ) هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من فاعل "يخرجون" أو مستأنفة. ومثلهم بالجراد المنتشر في الكثرة والتَّمَوج. وقيل: معنى منتشر أي منبث حَيَارَى. ونظيره قوله تعالى: {أية : كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} تفسير : [القارعة: 4]. والمعنى: أنهم يخرجون فزعين لا جهة لأحد منهم يقصدها كالجراد ولا جهة تكون مختلطةً بعضُها في بعض، وذكر المنتشر على لفظ الجراد. قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: المنتشر مطاوع نَشَرَهُ إذا أحياه، قال تعالى: {أية : ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} تفسير : [الروم: 20] فكأنهم جراد متحرك من الأرض (و) يدب إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعفهم. وقال القرطبي: قوله (تعالى): {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ} وقال في موضع آخر: {أية : يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} تفسير : [القارعة: 4] فهما صفتان في وقتين مختلفين أحدهما عند الخروج من القبور يخرجون فزعين لا يهتدون (إلى) أين يتجهون فيدخل بعضهم في بعض فهم حينئذ كالفراش المبثوث بعضهم في بعض لا جهة له يقصدها فإذا سمعوا المنادي قصدوه فصاروا كالجراد المنتشر، لأن الجراد المنتشر لها جهة يقصدها. قوله: "مُهْطِعِينَ" حال أيضاً من اسم كان، أو من فاعل "يَخْرُجُونَ" عند من يرى تَعَدُّدَ الحال. قال أبو البقاء: و "مهطعين" حال من الضمير في "مُنتَشِرٍ" عند قوم، وهو بعيد؛ لأن الضمير في منتشر للجراد وإنما هو حال من فاعل "يخرجون" أو من الضمير المحذوف. انتهى. وهو اعتراض حسن على هذا القول. والإهطاع الإسراع وأنشد: شعر : 4590- بِدِجْلَةَ دَارُهُمْ وَلَقَدْ أَرَاهُم بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلَى السَّمَاعِ تفسير : وقيل: الإسراع مع مد العنق. وقيل: النظر. قاله ابن عباس وأنشدوا (- رحمة الله على من قال -): شعر : 4591- تَعَبَّدَنِي نِمْرُ بْنُ سَعْدٍ وَقَدْ أَرَى وَنِمْرُ بْنُ سَعْدٍ لِي مُطِيعٌ وَمُهْطِعُ تفسير : وقد تقدم الكلام على هذه المادة في سورة إبراهيم. قال الضحاك: مضلين. وقال قتادة: عامدين. وقال عكرمة: فاتحين آذانهم إلى المصوت. قوله: "يَقُولُ الْكَافِرُونَ" قال أبو البقاء: حال من الضمير في "مُهْطِعِينَ". وفيه نظر من حيث خُلُوُّ الجملة من رابط يربطها بذي الحال، وقد يجاب بأن الكافرين هم الضمير في المعنى فيكون من باب الربط بالاسم الظاهر عند من يرى ذلك كأنه قيل: يقولون هذا. وإنما أبرزهم تشنيعاً عليهم بهذه الصفة القبيحة. وقولهم: {هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} أي صعبٌ شديد.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ خُشَّعاً أَبْصَٰرُهُمْ}. {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ}: ها هنا تمام الكلام - أي فأعرِضْ عنهم، وهذا قبل الأمر بالقتال. ثم استأنف الكلامَ: {يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ...} والجواب: {يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} - أراد به يوم القيامة. ومعنى {نُّكُرٍ}: أي شيءٌ ينكرونه (بِهَوْله وفظاعته) وهو يوم البعث والحشر. وقوله: {خُشَّعاً} منصوب على الحال، أي يخرجون من الأجداث - وهي القبور - خاشعي الأبصار. {... كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}. كأنهم كالجراد لكثرتهم وتفَرقهم، {مُّهْطِعِينَ}: أي مُديمي النظر إلى الداعي - وهو إسْرافيل. {يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}: لتوالي الشدائد التي فيه.
اسماعيل حقي
تفسير : {فتول عنهم} لعلمك بان الانذار لايؤثر فيهم البتة ولا ينفع فالفاء للسببية وبالفارسية بس روى بكردان از ايشان تا وقت امر بقتال ومنتطر باش جزاى انشانرا{يوم يدع الداع} اصله يوم يدعو الداعى بالواو والياء لما حذف الواو من يدعو فى التلفظ لاجتماع الساكنين حذفت فى الخط ايضا اتباعا للفظ واسقطت الياء من الداعى للاكتفاء بالكسرة تخفيفا قال بعضهم حذفت الياء من الداعى مبالغة فى التخفيف اجرآء لأل مجرى ما عاقبها وهو التنوين فكما يحذف الياء مع التنوين كذلك مع ما عاقبه ويوم منصوب بيخرجون او باذكر والداعى اسرافيل عليه السلام ينفخ فى الصور قائما على صخرة بيت المقدس ويدعو الاموات وينادى قائلا أيها العظام البالية واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة ان الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء او ان اسرافيل ينفخ وجبريل يدعو وينادى بذلك وعلى كلا القولين فالدعاء على حقيقته وقال بعضهم هو مجاز كالامر فى قوله تعالى {أية : كن فيكون}تفسير : يعنى ان الدعاء فى البعث والاعادة مثل كن فى التكوين والابتدآء بأن لايكون ثمة داع من اسرافيل او غيره بل يكون الدعاء عبارة عن نفاذ مشيئته وعدم تخلف مراده عن ارادته كما لايتخلف اجابة دعاء الداعى المطاع. يقول الفقير الاولى بقاؤه على حقيقته لان اسرافيل مظهر الحياة وبيده الصور والله تعالى ربط الاشياء بعضها ببعض وان كان الكل بأرادته ومشيئته {الى شىء نكر} بضمتين صفة على فعل وقرىء بسكون الكاف وكلاهما بمعنى المنكر اى منكر فظيع ينكره النفوس لعدم العهد بمثله وهو هول يوم القيامة ومنه منكر ونكير لفتانى القبر لانه لم يعهد عند الميت مثلهما
الطوسي
تفسير : قرأ {خشعاً} على الجمع أهل العراق إلا عاصما، الباقون {خاشعا} على وزن (فاعل) ونصبوه على الحال. ومن قرأ {خاشعاً} بلفظ الواحد، فلتقدم الفعل على الفاعل. وقرأ ابن كثير وحده (نكر) بسكون الكاف. الباقون بالتثقيل وهما لغتان. وقال ابو علي النحوي: النكر أحد الحروف التي جاءت على (فعل، وفعل) وهو صفة. وعلى ذلك حمله سيبويه وأستشهد بالآية. ومثله ناقة أحد ومشية سجح. ومن خفف جعله مثل رسل رسل وكتب وكتب، والضمة فى تقدير الثبات. لما حكى الله تعالى عن الكفار أنه ليس ينفع فى وعظهم وزجرهم الحكمة البالغة، ولا يغني النذر أمر النبي بالاعراض عنهم وترك مقابلتهم على سفههم. فقال {فتولى عنهم} أي اعرض عنهم {يوم يدع الداعي إلى شيء نكر} قيل فى معناه أقوال: احدها - قال الحسن فتولى عنهم إلى يوم يدعو الداعي. والثاني - فتول عنهم وأذكر يوم يدع الداعي إلى شيء نكر، يعني لم يروا مثله قط فينكرونه استعظاماً له. الثالث - ان المعنى فتول عنهم، فانهم يرون ما ينزل بهم من العذاب يوم يدعو الداعي وهو يوم القيامة، فحذف الفاء من جواب الامر. والداعي هو الذي يطلب من غيره فعلا. ونقيضه الصارف، وهو الطالب من غيره أن لا يفعل بمنزلة الناطق بأن لا يفعل، تقول: دعا يدعو دعاء فهو داع وذاك مدعو. والنكر: هو الذي تأباه من جهة نفور الطبع، وهو صفة على وزن فعل، ونظيره رجل جنب وارض جرز، وهو من الانكار نقيض الاقرار، لان النفس لا تقر بقبوله، وإنما وصف بأنه نكر لغلظه على النفس، وإنهم لم يروا مثله شدة وهؤلاء كأنهم ينكرونه لما قبح في عقولهم. وقوله {خاشعا أبصارهم} فمعنى الخاشع الخاضع، خشع يخشع خشوعاً، فهو خاشع، والجمع خشع، ويخشع الرجل إذا نسك، وخاشعاً حال مقدمة. والعامل فيها {يخرجون} وقيل {خاشعاً أبصارهم} لتقدم الصفة على الاسم، كما قال الشاعر: شعر : وشباب حسن أوجههم من اياد بن نزار بن معد تفسير : وقال آخر: شعر : ترى الفجاج بها الركبان معترضا أعناق أبزلها مرخى لها الجدل تفسير : والجديل هو الزمام، ولم يقل مرخيات ولا معترضات {يخرجون من الأجداث} يعني من القبور واجدها جدث وحدف أيضاً لغة، واللحد جانب القبر وأصله الميل عن الاستواء {كأنهم جراد منتشر} أي من جراد منتشر من كثرتهم وقوله {مهطعين إلى الداعي} قال الفراء وابو عبيدة: مسرعين. وقال قتادة: معناه عامدين بالاهطاع والاهطاع الاسراع فى المشي، يقال: اهطع يهطع إهطاعاً، فهو مهطع، فهؤلاء الكفار يهطعون إلى الداعي بالالجاء والاكراه والاذلال ووصفت الابصار بالخشوع، لان ذلة الذليل وعزة العزيز تتبين فى نظره {يقول الكافرون هذا يوم عسر} حكاية ما يقوله الكفار يوم القيامة بأنه يوم عسر شديد عليهم ثم قال مثل ما كذبك يا محمد هؤلاء الكفار وجحدوا نبوتك {كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا} يعني نوحاً عليه السلام {وقالوا مجنون} أي هو مجنون قد غطي على عقله فزال بآفة تعتريه {وازدجر} قال ابن زيد: معناه زجر بالشتم والرمي بالقبيح. وقال غيره: ازدجر بالوعيد، لانهم توعدوه بالقتل في قوله {أية : لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين }تفسير : {فدعا} عند ذلك {ربه} فقال يا رب {أني مغلوب} قد غلبني هؤلاء الكفار بالقهر لا بالحجة {فانتصر} منهم بالاهلاك والدمار نصرة لدينك ونبيك. وقال مجاهد: معنى (ازدجر) استطار واستفز جنوناً.
الجنابذي
تفسير : {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} يعنى اذا كانوا لا ينفعهم النّذر فلا تجشّم فى الدّعوة وتولّ عنهم، او تولّ عنهم يوم الاحتضار حتّى لا تساء بمشاهدة سوء احوالهم، او تولّ عنهم اذا تعرّضوا لشفاعتك يوم القيامة او تولّ عنهم يوم القيامة لانّهم يرون العذاب فى ذلك اليوم {يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ} قرئ باسقاط الياء اجزاءً للوصل مجرى الوقف، وقرئ باثبات الياء، والدّاعى هو ملك الموت فى النّفخة الاولى او فى النّفخة الثّانية، وقيل: هو اسرافيل يدعوهم الى المحشر، او الملك الّذى يدعوهم الى النّار {إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ} منكرٍ غير مأنوس فانّ جميع امور الآخرة منكرٌ لغير اهلها غير معروفٍ، ويوم يدع الدّاعى ظرفٌ لقوله: تولّ عنهم او ما تغن النّذر او مستقرّ، او يخرجون.
اطفيش
تفسير : {فَتَوَلًّ عَنهُم} لعلمك ان الانذار لا ينفعهم ونسخ بآية القتال {يَومَ} متعلق بيخرجون وقال الرماني اذكر وعن الحسن فتول عنهم الى يوم. {يَدعُ} باسقاط الواو من الخط تبعا للنطق. {الدَّاعِ} اسرافيل او جبريل والاظهر اسرافيل ينفخ على صخرة بيت المقدس وهو في نسخنا معشر المغاربة بياء منفصلة حمراء وكذا الاتي. {إِلَى شَيءٍ نُّكُرٍ} فظيع تنكره النفوس لانها لم تعهد مثله وهو هول يوم القيامة وقرأ ابن كثير باسكان الكاف وقرىء نكر بضم النون وكسر الكاف وفتح الراء واثبت ياء الداعي نطقاً ووصلا وقفا البزي واثبتها وصلا ورش وابو عمرو واما الى الداعي فاثبت ياءه ابن كثير مطلقا ونافع وابو عمرو وصلا.
اطفيش
تفسير : {فَتَولَّ} أعرض {عنْهُم} أى عن جدالهم، أو شدة الرغبة فى ايمانهم بسبب القضاء عليهم بأنهم لا يتأثرون بالنذر، وقيل: التولى النهى عن القتال، لكن المراد ابق كما أنت بلا قتال، أو علم الله رغبته فى القتال فنهاه عنه، وعلى كل حال اذا فسر بالاعراض عن القتال نسخ بآية القتال، واختاره بعض المتأخرين. {يوْم} اذكر يوم أو انتظر يوم، أو يتعلق بتغنى أو بمستقر أو بتول، على أن المعنى تول عن الشفاعة لهم يوم، وفيه أن الأصل فىالأمر بالتولى عن الشىء أن يكون المأمور يقصده، وهو صلى الله عليه وسلم لا يقصد الشفاعة لهم، أو متعلق بتول، وفيه التقديم مع الفصل الكثير، أو يقدر تول عنهم الى يوم، وفيه النصب على حذف الجار وهو خلاف الأصل بلا داع اليه. {يَدعُ} أى يدعوهم، أو لا مفعول له لعدم تعلق المقام به. أى يوم يكون الدعاء، والأصل يدعو حذف الواو من الخط تبعا للفظ، إذ حذفت فيه للساكن، لبيان أن الأصل الأصيل حذف ما لا ينطق به {الدَّاع} بحذف الياء خطاً، وثبوتها لفظاً تخفيفا على الكاتب، واجراء لأل مجرى التنوين الذى تحذف له، وأل ضد التنوين، والشىء كما يحمل على نظيره يحمل على هذه، والداعى هو اسرافيل، وهو أولى لشهرته،أو جبريل وذلك نفخ، أو الله تعالى بمعنى توجه ارادته تعالى الى احيائه {إلى شيءٍ نُكُر} فظيع تنكره النفوس لشدته، وعدم معاهدة مثله، وهو هول القيامة، والنفخ فى الصور دعاء اليه، أو نكر بمعنى أنهم أنكروه، لأنهم أنكروا البعث، ويدل له قراءة زيد بن على بن الحسين: نكر بضم النون وكسر الكاف وفح الراء، على انه فعل مبنى للمفعول، والجمهور على ضمهما وكسر الراء، وهو وصف صفة مشبهة بمعنى فظيع، وهو وزن قليل فى الصفات كروضة أنف بضم الهمزة والنون أى لم يرعها حيوان، ورجل شكل بذلك الوزن خفيف الحاجة، سريع حسن الصحبة، طيب النفس وسيجىء بذلك الوزن أى سهل، فقال: الأصل سيكون الوسط والضم تبع للأول وقيل: الضم أصل والسكون إذ ورد فيهن تخفيف وهو الصحيح، لأن الأصل عدم الاتباع، وعدم رد التخفيف الى الثقيل، بل العكس كما قرأ ابن كثير باسكان الكاف كشغل بضم الأول واسكان الثانى وبضمهما، وأما على معنى ضد الاقرار فهو وصف بمعنى مفعول.
الالوسي
تفسير : {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } الفاء للسببية والمسبب التولي أو الأمر به والسبب عدم الإغناء أو العلم به. والمراد بالتولي إما عدم القتال، فالآية منسوخة، وإما ترك الجدال للجلاد فهي محكمة، والظاهر الأول. {يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ } ظرف ـ ليخرجون ـ أو مفعول به لاذكر مقدراً، وقيل: لانتظر، وجوز أن يكون ظرفاً لتغني، أو لمستقر وما بينهما اعتراض، أو ظرفاً ـ ليقول الكافر ـ أو ـ لتول ـ أي تول عن الشفاعة لهم يوم القيامة، أو هو معمول له بتقدير إلى، وعليه قول الحسن فتول عنهم إلى يوم. والمراد استمرار التولي والكل كما ترى. والداعي إسرافيل عليه السلام، وقيل: جبرائيل عليه السلام، وقيل: ملك غيرهما موكل بذلك، وجوز أن يكون الدعاء للإعادة في ذلك اليوم كالأمر في { أية : كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [يسٰ: 82] على القول بأنه تمثيل، فالداعي حينئذٍ هو الله عز وجل. وحذفت الواو من {يَدْعُ} لفظاً لالتقاء الساكنين ورسماً اتباعاً للفظ، والياء من {ٱلدَّاعِ } تخفيفاً، وإجراءاً لال مجرى التنوين لأنها تعاقبه، والشيء يحمل على ضده كما يحمل على نظيره. {إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ } أي فظيع تنكره النفوس لعدم العهد بمثله وهو هول القيامة ويكنى بالنكر عن الفظيع لأنه في الغالب منكر غير معهود، وجوز أن يكون من الإنكار ضد الإقرار وأياً مّا كان فهو وصف على فعل بضمتين وهو قليل في الصفات، ومنه روضة أنف لم ترع، ورجل شلل خفيف في الحاجة سريع حسن الصحبة / طيب النفس، وسجح لين سهل. وقرأ الحسن وابن كثير وشبل {نكْر} بإسكان الكاف كما قالوا: شغل وشغل، وعسر وعسر وهو إسكان تخفيف، أو السكون هو الأصل والضم للاتباع، وقرأ مجاهد وأبو قلابة والجحدري وزيد بن علي {نكرٍ } فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول بمعنى أنكر.
ابن عاشور
تفسير : {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ}. تفريع على{أية : فما تغن النذر}تفسير : [القمر: 5]، أي أعرِضْ عن مجادلتهم فإنهم لا تفيدهم النذر كقوله: {أية : فأعرض عمن تولى عن ذكرنا}تفسير : [النجم: 29]، أي أنك قد بلّغت فما أنت بمسؤول عن استجابتهم كما قال تعالى: {أية : فتول عنهم فما أنت بملوم}تفسير : [الذاريات: 54]. وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتطمين له بأنه ما قَصر في أداء الرسالة. ولا تعلّق لهذه الآية بأحكام قتالهم إذ لم يكن السياق له ولا حدثت دواعيه يومئذٍ فلا وجه للقول بأنها منسوخة. {يَوْمَ يَدْعُو ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ * خُشَّعاً أَبْصَـٰرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ * مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}. استئناف بياني لأن الأمر بالتولّي مؤذن بغضب ووعيد فمن شأنه أن يثير في نفس السامع تساؤلاً عن مجمل هذا الوعيد. وهذا الاستئناف وقع معترضاً بين جملة {أية : ولقد جاءهم من الأنباء}تفسير : [القمر: 4] وجملة {أية : كذبت قبلهم قوم نوح}تفسير : [القمر: 9]. وإذ قد كان المتوعد به شيئاً يحصل يوم القيامة قدم الظرف على عامله وهو {يقول الكافرون هذا يوم عسر} ليحصل بتقديمه إجمال يفصّله بعض التفصيل ما يُذكر بعده، فإذا سمع السامع هذا الظرف علم أنه ظرف لأهوال تذكر بعده هي تفصيل ما أجمله قوله: {فتولَّ عنهم} من الوعيد بحيث لا يحسن وقع شيء مما في هذه الجملة هذا الموقع غير هذا الظرف، ولولا تقديمه لجاء الكلام غير موثوق العرى، وانظر كيف جمع فيما بعد قوله: {يوم يدع الداع} كثيراً من الأهوال آخذٌ بعضها بحجز بعض بحسن اتصال ينقل كل منها ذهن السامع إلى الذي بعده من غير شعور بأنه يُعدّد له أشياءَ. وقد عُدّ سبعة من مظاهر الأهوال: أولها: دعاء الداعي فإنه مؤذن بأنهم محضرون إلى الحساب، لأن مفعول {يدع} محذوف بتقدير: يدعوهم الداعي لدلالة ضمير {عنهم} على تقدير المحذوف. الثاني: أنه يدعو إلى شيء عظيم لأن ما في لفظ {شيء} من الإِبهام يُشعر بأنه مهول، وما في تنكيره من التعظيم يجسم ذلك الهول. وثالثها: وصف شيء بأنه {نكر}، أي موصوف بأنه تنكره النفوس وتكرهه. والنكُر بضمتين: صفة، وهذا الوزن قليل في الصفات، ومنه قولهم: روضة أُنُف، أي جديدة لم ترعها الماشية، ورجل شُلُل، أي خفيف سريع في الحاجات، ورجل سُجُح بجيم قبل الحاء، أي سمح، وناقة أُجُد: قوية موثقة فَقار الظهر، ويجوز إسكان عين الكلمة فيها للتخفيف وبه قرأ ابن كثير هنا. ورابعها: {خشعاً أبصارهم} أي ذليلة ينظرون من طرف خفي لا تثبت أحداقهم في وجُوه الناس، وهي نظرة الخائف المفتضح وهو كناية لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تَظهران في عيونهما. وخامسها: تشبيههم بالجراد المنتشر في الاكتظاظ واستتار بعضهم ببعض من شدة الخوف زيادة على ما يفيده التشبيه من الكثرة والتحرك. وسادسها: وصفهم بمهطعين، والمُهطع: الماشي سريعاً مادًّا عنقه، وهي مشيئة مذعور غير ملتف إلى شيء، يقال: هطع وأهطع. وسابعها: قولهم: {هذا يوم عسر} وهو قولٌ من أثر ما في نفوسهم من خوف. و {عسر}: صفة مشبهة من العُسر وهو الشدة والصعوبة. ووصف اليوم بــــ {عسر} وصف مجازي عقلي باعتبار كونه زماناً لأمور عسرة شديدة من شدة الحساب وانتظار العذاب. وأبهم {شيء نكر} للتهويل، وذلك هو أهوال الحساب وإهانة الدفع ومشاهدة ما أُعد لهم من العذاب. وانتصب {خشعاً أبصارهم} على الحال من الضمير المقدر في {يدع الداع} وإمّا من ضمير {يخرجون} مقدماً على صاحبه. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو جعفر {خشعاً} بصيغة جمع خاشع. وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف {خَاشِعاً} بصيغة اسم الفاعل. قال الزجاج: «لك في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيدُ والتذكيرُ نحو خاشعاً أبصارُهم. ولك التوحيد والتأنيث نحو قراءة ابن مسعود {خاشعة أبصارهم} ولك الجمع نحو {خشعاً أبصارهم} اهــــ. و{أبصارهم} فاعل {خشعاً} ولا ضير في كون الوصف الرافع للفاعل على صيغة الجمع لأن المحْظور هو لحاق علامة الجمع والتثنية للفعل إذا كان فاعله الظاهر جمعاً أو مثنى، وليس الوصف كذلك، كما نبه عليه الرضِيُّ على أنه إذا كان الوصف جمعاً مكسَّراً، وكان جارياً على موصوف هو جمع، فرفع الاسم الظاهر الوصف المجموع أولى من رفعه بالوصف المجموع المفرد على ما اختاره المبرد وابن مالك كقول امرىء القيس:شعر : وقوفاً بها صحبي على مطيّهم تفسير : وشاهد هذا القراء. وقوله: {يقول الكافرون} إظهار في مقام الإِضمار لوصفهم بهذا الوصف الذميم وفيه تفسير الضمائر السابقة. والأجداثُ: جمع جَدث وهو القبر، وقد جعل الله خروج الناس إلى الحشر من مواضع دفنهم في الأرض، كما قال: {أية : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى}تفسير : [طه: 55] فيعاد خلق كل ذات من التراب الذي فيه بقية من أجزاء الجسم وهي ذرات يعلمها الله تعالى. والجراد: اسم جمع واحدُهُ جرادة وهي حشرة ذات أجنحة أربعة مطوية على جنبيها وأرجل أربعة، أصفر اللون. والمنتشر: المنبثّ على وجه الأرض. والمراد هنا: الدَّبَى وهو فراخ الجراد قبل أن تظهر له الأجنحة لأنه يخرج من ثُقبٍ في الأرض هي مَبيضاتُ أصوله فإذا تم خلقه خرج من الأرض يزحف بعضه فوق بعض قال تعالى: {أية : يوم يكون الناس كالفراش المبثوث}تفسير : [القارعة: 4]. وهذا التشبيه تمثيلي لأنه تشبيه هيئة خروج الناس من القبور متراكمين بهيئة خروج الجراد متعاظلاً يسير غير ساكن.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 6- فأعرض - يا محمد - عن هؤلاء الكفار، وانتظر يوم يدعو داعى الله إلى أمر شديد تنكره النفوس. 7- خاضعة أبصارهم من شدة الهول، يخرجون من القبور كأنهم - فى الكثرة والسرعة - جراد منتشر!! 8- مسرعين إلى الداع، ينظرون إليه فى ذل وخضوع، لا يتحول بصرهم عنه، يقول الكافرون يوم القيامة: هذا يوم صعب شديد. 9- كذَّبت قبل كفار مكة قوم نوح، فكذَّبوا نوحاً - عبدنا ورسولنا - ورموه بالجنون، وحالوا - بأنواع الأذى والتخويف - بينه وبين تبليغ الرسالة. 10- فدعا نوح ربه إنى مغلوب من قومى، فانتقم لى منهم. 11، 12- ففتحنا أبواب السماء بماء منصب كثير متتابع، وشققنا الأرض عيوناً متفجرة بالماء. فالتقى ماء السماء وماء الأرض على إهلاكهم الذى قدَّره الله تعالى. 13، 14- وحملنا نوحاً على سفينة من خشب، وخيوط من ليف تشد ألواحها، تجرى على الماء بحفظنا، جزاء لنوح الذى استمر قومه على تكذيب دعوته. 15- ولقد تركنا حادثة إغراق الكافرين وإنجاء المؤمنين عظة، فهل من مُتَّعظ. 16- فعلى أى حال كان عذابى وإنذارى للمخالفين؟!!
د. أسعد حومد
تفسير : (6) - فأَعْرِضْ يَا مُحَمَّدُ عَنْ هؤلاءِ المُشْرِكينَ، وَلاَ تُجَادِلْهم لأنَّ ذلِكَ لَنْ يُجْدِيَ شَيْئاً، لأنَّهُمْ بَلَغُوا في العُتُوِّ والعِنَادِ حَدّاً لا يَقْتَنِعُونَ مَعَهُ بِحُجَّةٍ وَلاَ بِبُرْهَانٍ، وانْتَظِر مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِمْ في يَوْمِ الحِسَابِ وَالعِقَابِ، يَوْمِ القِيَامةِ، وَهُوَ اليَومُ يَدْعُو فِيهِ الدَّاعي إِلى شَيءٍ مُنْكَرٍ فَظِيعٍ شَدِيدَ الهَوْلِ. شَيءٍ نُكُرٍ - مُنْكَرٍ فَظِيعٍ - وَهُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد بان أن المكذبين لا حيلة في هداهم، فلم يبق إلا الإعراض عنهم والتولي عنهم، [فقال:] { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } وانتظر بهم يوما عظيما وهولا جسيما، وذلك حين { يدعو الداع } إسرافيل عليه السلام { إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ } أي: إلى أمر فظيع تنكره الخليقة، فلم تر منظرا أفظع ولا أوجع منه، فينفخ إسرافيل نفخة، يخرج بها الأموات من قبورهم لموقف القيامة . { خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ } أي: من الهول والفزع الذي وصل إلى قلوبهم، فخضعت وذلت، وخشعت لذلك أبصارهم. { يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ } وهي القبور، { كَأَنَّهُمْ } من كثرتهم، وروجان بعضهم ببعض { جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ } أي: مبثوث في الأرض، متكاثر جدا، { مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ } أي: مسرعين لإجابة النداء الداعي وهذا يدل على أن الداعي يدعوهم ويأمرهم بالحضور لموقف القيامة، فيلبون دعوته، ويسرعون إلى إجابته، { يَقُولُ الْكَافِرُونَ } الذين قد حضر عذابهم: { هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ } كما قال تعالى {أية : على الكافرين غير يسير } تفسير : [مفهوم ذلك أنه يسير سهل على المؤمنين].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):