Verse. 4855 (AR)

٥٤ - ٱلْقَمَر

54 - Al-Qamar (AR)

كَذَّبَتْ قَبْلَہُمْ قَوْمُ نُوْحٍ فَكَذَّبُوْا عَبْدَنَا وَقَالُوْا مَجْنُوْنٌ وَّازْدُجِرَ۝۹
Kaththabat qablahum qawmu noohin fakaththaboo AAabdana waqaloo majnoonun waizdujira

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كذَّبت قبلهم» قبل قريش «قوم نوح» تأنيث الفعل لمعنى قوم «فكذبوا عبدنا» نوحا «وقالوا مجنون وازدجر» انتهروه بالسب وغيره.

9

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم إنه تعالى أعاد بعض الأنباء فقال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ } فيها تهوين وتسلية لقلب محمد صلى الله عليه وسلم فإن حاله كحال من تقدمه وفيه مسائل: المسألة الأولى: إلحاق ضمير المؤنث بالفعل قبل ذكر الفاعل جائز بالاتفاق وحسن، وإلحاق ضمير الجمع به قبيح عند الأكثرين، فلا يجوزون كذبوا قوم نوح، ويجوزون كذبت فما الفرق؟ نقول: التأنيث قبل الجمع لأن الأنوثة والذكورة للفاعل أمر لا يتبدل ولا تحصل الأنوثة للفاعل بسبب فعلها الذي هو فاعله فليس إذا قلنا: ضربت هذه كانت هذه أنثى لأجل الضرب بخلاف الجمع، لأن الجمع للفاعلين بسبب فعلهم الذي هم فاعلوه، فإنا إذا قلنا: جمع ضربوا وهم ضاربون ليس مجرد اجتماعهم في الوجود يصحح قولنا: ضربوا وهم ضاربون، لأنهم إن اجتمعوا في مكان فهم جمع، ولكن إن لم يضرب الكل لا يصح قولنا: ضربوا، فضمير الجمع من الفعل فاعلون جمعهم بسبب الاجتماع في الفعل والفاعلية، وليس بسبب الفعل، فلم يجز أن يقال: ضربوا جمع، لأن الجمع لم يفهم إلا بسبب أنهم ضربوا جميعهم، فينبغي أن يعلم أولاً اجتماعهم في الفعل، فيقول: الضاربون ضربوا، وأما ضربت هند فصحيح، لأنه لا يصح أن يقال: التأنيث لم يفهم إلا بسبب أنها ضربت، بل هي كانت أنثى فوجد منها ضرب فصارت ضاربة، وليس الجمع كانوا جمعاً فضربوا فصاروا ضاربين، بل صاروا ضاربين لاجتماعهم في الفعل ولهذا ورد الجمع على اللفظ بعد ورود التأنيث عليه فقيل: ضاربة وضاربات ولم يجمع اللفظ أولاً لأنثى ولا لذكر، ولهذا لم يحسن أن يقال: ضرب هند، وحسن بالإجماع ضرب قوم والمسلمون. المسألة الثانية: لما قال تعالى: {كَذَّبَتْ } ما الفائدة في قوله تعالى: {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا }؟ نقول: الجواب عنه من وجوه الأول: أن قوله: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ } أي بآياتنا وآية الانشقاق فكذبوا الثاني كذبت قوم نوح الرسل وقالوا: لم يبعث الله رسولاً وكذبوهم في التوحيد: فكذبوا عبدنا كما كذبوا غيره وذلك لأن قوم نوح مشركون يعبدون الأصنام ومن يعبد الأصنام يكذب كل رسول وينكر الرسالة لأنه يقول: لا تعلق لله بالعالم السفلي وإنما أمره إلى الكواكب فكان مذهبهم التكذيب فكذبوا الثالث: قوله تعالى: {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا } للتصديق والرد عليهم تقديره: كذبت قوم نوح وكان تكذيبهم عبدنا أي لم يكن تكذيباً بحق كما يقول القائل: كذبني فكذب صادقاً. المسألة الثالثة: كثيراً ما يخص الله الصالحين بالإضافة إلى نفسه كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِى } تفسير : [الحجر: 42] {أية : يا عِبَادِى } تفسير : [العنكبوت: 56] {أية : واذْكُرْ عَبْدَنَا } تفسير : [ ص: 17] {أية : إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا } تفسير : [يوسف: 24] وكل واحد عبده فما السر فيه؟ نقول: الجواب عنه من وجوه الأول: ما قيل: في المشهور أن الإضافة إليه تشريف منه فمن خصصه بكونه عبده شرف وهذا كقوله تعالى: {أية : أَن طَهّرَا بَيْتِىَ } تفسير : [البقرة: 125] وقوله تعالى: {أية : نَاقَةُ ٱللَّهِ } تفسير : [الأعراف: 73] الثاني: المراد من عبدنا أي الذي عبدنا فالكل عباد لأنهم مخلوقون للعبادة لقوله: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] لكن منهم من عبد فحقق المقصود فصار عبده، ويؤيد هذا قوله تعالى: {أية : كُونُواْ عِبَادًا لّى } تفسير : [آل عمران: 79] أي حققوا المقصود الثالث: الإضافة تفيد الحصر فمعنى عبدنا هو الذي لم يقل: بمعبود سوانا، ومن اتبع هواه فقد اتخذ إلهاً فالعبد المضاف هو الذي بكليته في كل وقت لله فأكله وشربه وجميع أموره لوجه الله تعالى وقليل ما هم. المسألة الرابعة: ما الفائدة في اختيار لفظ العبد مع أنه لو قال رسولنا لكان أدل على قبح فعلهم؟ نقول: قوله عبدنا أدل على صدقه وقبح تكذيبهم من قوله رسولنا لو قاله لأن العبد أقل تحريفاً لكلام السيد من الرسول، فيكون كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ } تفسير : [الحاقة: 44 ـ 46]. المسألة الخامسة: قوله تعالى {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ } إشارة إلى أنه أتى بالآيات الدالة على صدقه حيث رأوا ما عجزوا منه، وقالوا: هو مصاب الجن أو هو لزيادة بيان قبح صنعهم حيث لم يقنعوا بقولهم إنه كاذب، بل قالوا مجنون، أي يقول مالا يقبله عاقل، والكاذب العاقل يقول ما يظن به أنه صادق فقالوا: مجنون أي يقول مالم يقل به عاقل فبين مبالغتهم في التكذيب. المسألة السادسة: {وَٱزْدُجِرَ } إخبار من الله تعالى أو حكاية قولهم، نقول: فيه خلاف منهم من قال: إخبار من الله تعالى وهو عطف على كذبوا، وقالوا: أي هم كذبوا وهو ازدجر أي أوذي وزجر، وهو كقوله تعالى: {أية : كُذّبُواْ وَأُوذُواْ } تفسير : [الأنعام: 34] وعلى هذا إن قيل: لو قال كذبوا عبدنا وزجروه كان الكلام أكثر مناسبة، نقول: لا بل هذا أبلغ لأن المقصود تقوية قلب النبي صلى الله عليه وسلم بذكر من تقدمه فقال: وازدجر أي فعلوا ما يوجب الإنزجار من دعائهم حتى ترك دعوتهم وعدل عن الدعاء إلى الإيمان إلى الدعاء عليهم، ولو قال: زجروه ما كان يفيد أنه تأذى منهم لأن في السعة يقال: آذوني ولكن ما تأذيت، وأما أوذيت فهو كاللازم لا يقال إلا عند حصول الفعل لا قبله، ومنهم من قال: {وَٱزْدُجِرَ } حكاية قولهم أي هم قالوا ازدجر، تقديره قالوا: مجنون مزدجر، ومعناه: ازدجره الجن أو كأنهم قالوا: جن وازدجر، والأول أصح ويترتب عليه قوله تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} ذكر جملاً من وقائع الأمم الماضية تأنيساً للنبيّ صلى الله عليه وسلم وتعزية له. {قَبْلَهُمْ} أي قبل قومك. {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} يعني نوحاً. الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قلت ما معنى قوله: {فَكَذَّبُواْ} بعد قوله: {كَذَّبَتْ}؟ قلت: معناه كذّبوا فكذَّبوا عبدنا؛ أي كذّبوه تكذيباً على عقب تكذيب؛ كلما مضى منهم قَرْن مكذِّب تبعه قَرْن مكذّب، أو كذّبت قوم نوح الرسل فكذّبوا عبدنا؛ أي لما كانوا مكذِّبين بالرسل جاحدين للنبوة رأساً كذّبوا نوحاً لأنه من جملة الرسل. {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ} أي هو مجنون {وَٱزْدُجِرَ} أي زجر عن دعوى النبوة بالسبّ والوعيد بالقتل. وقيل إنما قال: {وَٱزْدُجِرَ} بلفظ ما لم يسم فاعله لأنه رأس آية. {فَدَعَا رَبَّهُ} أي دعا عليهم حينئذ نوح وقال: رَبِّ {أَنِّي مَغْلُوبٌ} أي غلبوني بتمردهم {فَٱنتَصِرْ} أي فانتصر لي. وقيل: إن الأنبياء كانوا لا يدعون على قومهم بالهلاك إلا بإذن الله عز وجل لهم فيه. {فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ} أي فأجبنا دعاءه وأمرناه باتخاذ السفينة وفتحنا أبواب السماء {بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} أي كثير؛ قاله السدّي. قال الشاعر:شعر : أعينيّ جُودَا بالدُّموعِ الهَوَامرِ على خيرِ بادٍ من مَعَدٍّ وحاضِرِ تفسير : وقيل: إنه المنصبّ المتدفِّق؛ ومنه قول ٱمرىء القيس يصف غيثاً:شعر : رَاحَ تَمْرِيهِ الصَّبَا ثم ٱنْتَحَى فيه شُؤْبُوبُ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ تفسير : الهَمْر الصبّ؛ وقد هَمَر الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْراً. وهَمَر أيضاً إذا أكثر الكلام وأسرع. وهَمَر له من ماله أي أعطاه. قال ٱبن عباس: ففتحنا أبواب السماء بماء (مُنْهَمِرٍ) من غير سحاب لم يقلع أربعين يوماً. وقرأ ٱبن عامر ويعقوب: «فَفَتَّحْنَا» مشدّدة على التكثير. الباقون «فَفَتَحْنَا» مخفَّفاً. ثم قيل: إنه فتح رتاجها وسعة مسالكها. وقيل: إنه المجرَّة وهي شَرَج السماء ومنها فتحت بماء منهمر؛ قاله عليّ رضي الله عنه. {وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً} قال عُبَيد بن عُمير: أوحى الله إلى الأرض أن تخرج ماءها فتفجّرت بالعيون، وإن عيناً تأخّرت فغضب عليها فجعل ماءها مُرّاً أُجاجاً إلى يوم القيامة. {فَالْتَقَى ٱلمَآءُ} أي ماء السماء وماء الأرض {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} أي على مقدار لم يزد أحدهما على الآخر؛ حكاه ٱبن قتيبة. أي كان ماء السماء والأرض سواء. وقيل: «قُدِرَ» بمعنى قضى عليهم. قال قتادة: قدر لهم إذا كفروا أن يَغْرَقُوا. وقال محمد بن كعب: كانت الأقوات قبل الأجساد، وكان القدر قبل البلاء؛ وتلا هذه الآية. وقال: «الْتَقَى الْمَاءُ» والالتقاء إنما يكون في ٱثنين فصاعداً؛ لأن الماء يكون جمعاً وواحداً. وقيل: لأنهما لما ٱجتمعا صارا ماء واحداً. وقرأ الجحَدْري: «فَالْتَقَى الْمَاءَانِ». وقرأ الحسن: «فَالْتَقَى الْمَاوَانِ» وهما خلاف المرسوم. القُشيري: وفي بعض المصاحف «فَالْتَقَى الْمَاوَانِ» وهي لغة طيّىء. وقيل: كان ماء السماء بارداً مثل الثلج وماء الأرض حاراً مثل الحميم. {وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ} أي على سفينة ذات ألواحٍ. {وَدُسُرٍ} قال قتادة: يعني المسامير التي دُسِرت بها السفينة أي شدّت؛ وقاله القُرَظِيّ وٱبن زيد وٱبن جبير، ورواه الوالبي عن ٱبن عباس. وقال الحسن وشَهْر بن حَوْشَب وعكرمة: هي صدر السفينة التي تضرب بها المَوْج سُمِّيت بذلك لأنها تَدْسُر الماء أي تدفعه، والدَّسْرُ الدّفع والمَخْر؛ ورواه العَوْفي عن ٱبن عباس قال: الدَّسْر كَلْكَلُ السفينة. وقال الليث: الدِّسار خيط من ليف تُشد به ألواح السفينة. وفي الصحاح: الدِّسار واحد الدُّسر وهي خيوط تشدّ بها ألواح السفينة، ويقال: هي المسامير، وقال تعالى: {عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ}. ودُسْر أيضاً مثل عُسُر وعُسْر. والدَّسْر الدفع؛ قال ٱبن عباس في العنبر: إنما هو شيء يَدْسُره البحر دَسْراً أي يدفعه. ودَسَره بالرمح. ورجل مِدْسر. {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} أي بمرأىً منَّا. وقيل: بأمرنا. وقيل: بحفظ منّا وكِلاَءة: وقد مضى في «هود». ومنه قول الناس للمودَّع: عين الله عليك؛ أي حفظه وكِلاءته. وقيل: بِوَحينا. وقيل: أي بالأعين النابعة من الأرض. وقيل: بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها، وكل ما خلق الله تعالى يمكن أن يضاف إليه. وقيل: أي تجرى بأوليائنا، كما في الخبر: مرض عين من عيوننا فلم تعده. {جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ} أي جعلنا ذلك ثواباً وجزاء لنوح على صبره على أذى قومه وهو المكفور به؛ فاللام في «لِمَنْ» لام المفعول له؛ وقيل: «كُفِرَ» أي جحد؛ فـ «ـمن» كناية عن نوح. وقيل: كناية عن الله والجزاء بمعنى العقاب؛ أي عقاباً لكفرهم بالله تعالى. وقرأ يزيد بن رومان وقتادة ومجاهد وحميد «جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كَفَرَ» بفتح الكاف والفاء بمعنى: كان الغرق جزاءً وعقاباً لمن كفر بالله، وما نجا من الغرق غير عوج بن عنق؛ كان الماء إلى حُجْزته. وسبب نجاته أن نوحاً ٱحتاج إلى خشبة الساج لبناء السفينة فلم يمكنه حملها، فحمل عُوجٌ تلك الخشبة إليه من الشام فشكر الله له ذلك، ونَجّاه من الغرق. {وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً} يريد هذه الفعلة عبرةً. وقيل: أراد السفينة تركها آية لمن بعد قوم نوح يعتبرون بها فلا يكذّبون الرسل. قال قتادة: أبقاها الله ببَاقِرْدَى من أرض الجزيرة عبرة وآية، حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة كانت بعدها فصارت رماداً. {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} مُتَّعظ خائف، وأصله مُذْتَكِر مُفْتَعِل من الذكر، فثقلت على الألسنة فقلبت التاء دالاً لتوافق الذال في الجهر وأدغمت الذال فيها. {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} أي إنذاري؛ قال الفراء: الإنذار والنذر مصدران. وقيل: «نُذُر» جمع نذير ونذير بمعنى الإنذار كنكير بمعنى الإنكار. {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} أي سهلناه للحفظ وأعنّا عليه من أراد حفظه؛ فهل من طالب لحفظه فيعان عليه؟ ويجوز أن يكون المعنى: ولقد هيّأناه للذكر مَأْخوذ من يَسَّر ناقته للَّسَفر: إذا رَحَلها، ويَسَّر فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه؛ قال:شعر : وقُمْتُ إليهِ باللِّجامِ مُيَسِّراً هُنَالكَ يَجْزِينِي الذي كنتُ أَصْنَعُ تفسير : وقال سعيد بن جبير: ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهراً إلا القرآن؛ وقال غيره: ولم يكن هذا لبني إسرائيل، ولم يكونوا يقرؤون التوراة إلا نظراً، غير موسى وهارون ويوشع بن نون وعزير صلوات الله عليهم، ومن أجل ذلك ٱفتتنوا بعزير لما كتب لهم التوراة عن ظهر قلبه حين أحرقت؛ على ما تقدّم بيانه في صورة «براءة» فيسّر الله تعالى على هذه الأمة حفظ كتابه ليذّكّروا ما فيه؛ أي يفتعلوا الذّكر، والافتعال هو أن ينجع فيهم ذلك حتى يصير كالذات وكالتركيب فيهم. {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} قارىء يقرؤه. وقال أبو بكر الوراق وٱبن شَوْذب: فهل من طالب خير وعلم فيعانَ عليه، وكرّر في هذه السورة للتنبيه والإفهام. وقيل: إن الله تعالى ٱقتص في هذا السورة على هذه الأمة أنباء الأمم وقصص المرسلين، وما عاملتهم به الأمم، وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين، فكان في كل قصة ونبأ ذكْر للمستمع أن لو ٱدّكر، وإنما كرّر هذه الآية عند ذكر كل قصة بقوله: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} لأن «هَلْ» كلمة ٱستفهام تستدعي أفهامهم التي ركبت في أجوافهم وجعلها حجة عليهم؛ فاللام من «هَلْ» للاستعراض والهاء للاستخراج.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {كَذَّبَتْ} قبل قومك يا محمد {قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} أي: صرحوا له بالتكذيب، واتهموه بالجنون {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ} قال مجاهد: وازدجر، أي: استطير جنوناً، وقيل: وازدجر، أي: انتهروه وزجروه، وتواعدوه لئن لم تنته يا نوح، لتكونن من المرجومين، قاله ابن زيد، وهذا متوجه حسن { فَدَعَا رَبَّهُ أَنُّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ} أي: إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم، فانتصر أنت لدينك. قال الله تعالى: { فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} قال السدي: وهو الكثير {وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً} أي: نبعت جميع أرجاء الأرض، حتى التنانير التي هي محال النيران نبعت عيوناً، {فَالْتَقَى ٱلمَآءُ} أي: من السماء والأرض {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} أي: أمر مقدر. قال ابن جريج عن ابن عباس: { فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} كثير، لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب، فتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم، فالتقى الماءان على أمر قد قدر. وروى ابن أبي حاتم: أن ابن الكواء سأل علياً عن المجرة، فقال: هي شرج السماء، ومنها فتحت السماء بماء منهمر { وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَٰحٍ وَدُسُرٍ} قال ابن عباس وسعيد بن جبير والقرظي وقتادة وابن زيد: هي المسامير، واختاره ابن جرير، قال: وواحدها دسار. ويقال: دسير؛ كما يقال: حبيك، وحباك، والجمع حبك، وقال مجاهد: الدسر: أضلاع السفينة. وقال عكرمة والحسن: هو صدرها الذي يضرب به الموج. وقال الضحاك: طرفاها وأصلها، وقال العوفي عن ابن عباس: هو كلكلها، أي: صدرها. وقوله: {تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا} أي: بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا {جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ} أي: جزاء لهم على كفرهم بالله، وانتصاراً لنوح عليه السلام. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ تَّرَكْنَـٰهَا ءايَةً} قال قتادة: أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أول هذه الأمة، والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفن؛ كقوله تعالى: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } تفسير : [يس: 41 ــــ 42] وقال تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَٰعِيَةٌ } تفسير : [الحاقة: 11 ــــ 12] ولهذا قال ههنا: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}؟ أي: فهل من يتذكر ويتعظ؟ قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأسود عن ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} وهكذا رواه البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} وروى البخاري أيضاً من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}. وقال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير عن أبي إسحاق: أنه سمع رجلاً سأل الأسود: فهل من مذكر، أو مدكر؟ قال: سمعت عبد الله يقرأ: فهل من مدكر، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها: فهل من مدكر ــــ دالاً ــــ وقد أخرج مسلم هذا الحديث وأهل السنن إلا ابن ماجه من حديث أبي إسحاق. وقوله تعالى: { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ}؟ أي: كيف كان عذابي لمن كفر بي، وكذب رسلي، ولم يتعظ بما جاءت به نذري، وكيف انتصرت لهم، وأخذت لهم بالثأر؟ {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ} أي: سهلنا لفظه، ويسرنا معناه لمن أراده؛ ليتذكر الناس؛ كما قال: {أية : كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ ءَايَـٰتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ٱلأَلْبَـٰبِ} تفسير : [ص: 29] وقال تعالى: {أية : فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلَسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} تفسير : [مريم: 97] قال مجاهد: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ} يعني: هونّا قراءته، وقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن، وقال الضحاك عن ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين، ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله عز وجل، قلت: ومن تيسيره تعالى على الناس تلاوة القرآن ما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف» تفسير : وأوردنا الحديث بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته ههنا، ولله الحمد والمنة، وقوله: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي: فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر الله حفظه ومعناه؟ وقال محمد بن كعب القرظي: فهل من منزجر عن المعاصي؟. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن رافع، حدثنا ضمرة عن ابن شوذب، عن مطر، هو الوراق، في قوله تعالى: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}؟ هل من طالب علم، فيعان عليه؟ وكذا علقه البخاري بصيغة الجزم عن مطر الوراق، ورواه ابن جرير، وروي عن قتادة مثله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ } قبل قريش {قَوْمُ نُوحٍ } تأنيث الفعل لمعنى قوم {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا } نوحاً {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ } أي انتهروه بالسب وغيره.

الماوردي

تفسير : {فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} فيه وجهان: أحدهما: أن المنهمر الكثير، قاله السدي، قال الشاعر: شعر : أعيني جودا بالدموع الهوامر على خير باد من معد وحاضر تفسير : الثاني: أنه المنصب المتدفق، قاله المبرد، ومنه قول امرىء القيس: شعر : راح تمرية الصبا ثم انتحى فيه شؤبوب جنوب منهمر تفسير : وفي فتح أبواب السماء قولان: أحدهما: أنه فتح رتاجها وسعة مسالكها. الثاني: أنها المجرة وهي شرج السماء ومنها فتحت بماء منهمر، قاله علي. {فَالْتَقَى الْمَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} فيه وجهان: أحدهما: فالتقى ماء السماء وماء الأرض على مقدار لم يزد أحدهما على الآخر، حكاه، ابن قتيبة. الثاني: قدر بمعنى قضي عليهم، قاله قتادة، وقدر لهم إذا كفروا أن يغرقوا. {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحِ وَدُسُرٍ} أي السفينة، وفي الدسر أربعة أقاويل: أحدها: المعاريض التي يشد بها عرض السفينة، قاله مجاهد. الثاني: أنها المسامير دسرت بها السفينة، أي شدت، قاله ابن جبير وابن زيد. الثالث: صدر السفينة الذي يضرب الموج، قاله عكرمة، لأنها تدسر الماء بصدرها، أي تدفعه. الرابع: أنها طرفاها، وأصلها، قاله الضحاك. {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} فيه أربعة أوجه: أحدها: بمرأى منا. الثاني: بأمرنا، قاله الضحاك. الثالث: بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها. الرابع: بأعين الماء التي أتبعناها في قوله: {وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُوناً}، وقيل: إنها تجري بين ماء الأرض والسماء، وقد كان غطاها عن أمر الله سبحانه. {جَزَآءً لِمَن كَانَ كُفِرَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لكفرهم بالله، قاله مجاهد، وابن زيد. والثاني: جزاء لتكذيبهم، قاله السدي. الثالث: مكافأة لنوح حين كفره قومه أن حمل ذات ألواح ودسر. {وَلَقَدْ تّرَكْنَاهَآ ءَايَةً} فيها وجهان: أحدها: الغرق. الثاني: السفينة روى سعيد عن قتادة أن الله أبقاها بباقردي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة. وفي قوله: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني فهل من متذكر، قاله ابن زيد. الثاني: فهل من طالب خير فيعان عليه، قاله قتادة. الثالث: فهل من مزدجر عن معاصي الله، قاله محمد بن كعب. {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه سهلنا تلاوته على إهل كل لسان، وهذا أحد معجزاته، لأن الأعجمي قد يقرأه ويتلوه كالعربي. الثاني: سهلنا علم ما فيه واستنباط معانيه، قاله مقاتل. الثالث: هونا حفظه فأيسر كتاب يحفظ هو كتاب الله، قاله الفراء.

ابن عطية

تفسير : سوق هذه القصة وعيد لقريش وضرب مثل لهم، وقوله: {وازدجر} إخبار من الله أنهم زجروا نوحاً بالسب والنجه والتخويف، قاله ابن زيد وقرأ: {أية : لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين} تفسير : [الشعراء: 116]، وذهب مجاهد إلى أن {وازدجر} من كلام {قوم نوح}، كأنهم قالوا {مجنون وازدجر}، والمعنى: استطير جنوناً واستعر جنوناً، وهذا قول فيه تعسف وتحكم. وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم والأعرج والحسن "أني" بفتح الألف، أي "بأنه" كان دعاءه كان هذا المعنى. وقرأ عاصم أيضاً وابن أبي إسحاق وعيسى "إني" بكسر الألف كأن دعاءه كان هذا اللفظ قال سيبويه: المعنى قال إني. وذهب جمهور المفسرين إلى أن المعنى أني قد غلبني الكفار بتكذيبهم وتخويفهم، انتصر لي منهم بأن تهلكهم، ويحتمل أن يريد: فانتصر لنفسك إذ كذبوا رسولك. ويؤيده قول ابن عباس إن المراد بقوله: لمن كان كفر الله تعالى، فوقعت الإجابة على نحو ما دعا نوح عليه السلام، وذهبت المتصوفة إلى أن المعنى: إني قد غلبتني نفسي في إفراطي في الدعاء على قومي فانتصر مني يا رب بمعاقبة إن شئت. والقول الأول هو الحق إن شاء الله يدل على ذلك اتصال قوله: {ففتحنا} الآية، وذلك هو الانتصار في الكفار. وقرأ جمهور القراء: "ففتَحنا" بتخفيف التاء. وقرأ ابن عامر وأبو جعفر والأعرج: "ففتّحنا" بشدها على المبالغة ورجحها أبو حاتم لقوله تعالى: {أية : مفتحة لهم الأبواب} تفسير : [ص: 50]، قال النقاش: يعني بالأبواب المجرة وهي شرج السماء كشرج العبية، وقال قوم من أهل التأويل: الأبواب حقيقة فتحت في السماء أبواب جرى منها الماء. وقال جمهور المفسرين: بل هو مجاز وتشبيه، لأن المطر كثر كأنه من أبواب. والمنهمر الشديد الوقوع الغزير. قال امرؤ القيس: [الرمل] شعر : راح تمْريه الصبا ثم انتحى فيه شؤبوب جنوب منهمر تفسير : وقرأ الجمهور: "وفجّرنا" بشد الجيم. وقرأ ابن مسعود وأصحابه وابو حيوة عن عاصم "وفجَرنا" بتخفيفها. وقرأ الجمهور "فالتقى الماء" على اسم الجنس الذي يعم ماء السماء وماء العيون. وقرأ الحسن وعلي بن أبي طالب وعاصم الجحدري. "فالتقى الماءان" ويروى عن الحسن: "فالتقى الماوان". وقوله: {على أمر قد قدر} قال فيه الجمهور على رتبة وحالة قد قدرت في الأزل وقضيت. وقال جمهور من المتأولين المعنى: على مقادير قد قدرت ورتبت وقت التقائه، ورووا أن ماء الأرض علا سبعة عشر ذراعاً وكان ماء السماء ينزل عليه بقية أربعين ذراعاً أو نحو هذا لأنه مما اختلفت فيه الروايات ولا خبر يقطع العذر في شيء من هذا التحرير. وقرأ أبو حيوة: "قدّر" بشد الدال. وذات الألواح والدسر: هي السفينة قيل كانت ألواحها وخشبها من ساج، والدسر: المسامير، واحدها: دسار، وهذا هو قول الجمهور، وهو عندي من الدفع المتتابع، لأن المسمار يدفع أبداً حتى يستوي. وقال الحسن وابن عباس أيضاً: الدسر: مقادم السفينة، لأنها تدسر الماء أي تدفعه والدسر: الدفع. وقال مجاهد وغيره: نطق السفينة. وقال أيضاً: هو أرض السفينة. وقال أيضاً: أضلاع السفينة، وقد تقدم القول في شرح قصة السفينة مستوعباً، وجمهور الناس على أنها كانت على هيئة السفن اليوم كجؤجؤ الطائر، وورد في بعض الكتب أنها كانت مربعة، طويلة في السماء، واسعة السفل، ضيقة العلو، وكان أعلاها مفتوحاً للهواء والتنفس، قال: لأن الغرض منها إنما كانت السلامة حتى ينزل الماء، ولم يكن طلب الجري وقصد المواضع المعينة، ومع هذه الهيئة فلها مجرى ومرسى، والله أعلم كيف كانت، والكل محتمل. وقوله: {بأعيننا} قال الجمهور معناه: بحفظنا وحفايتنا وتحت نظرنا لأهلها، فسمى هذه الأشياء أعيناً تشبيهاً، إذ الحافظ المتحفي من البشر إنما يكون ذلك الأمر نصب عينه، وقيل المراد من حفظها من الملائكة سماهم عيوناً، وقال الرماني وقيل إن قوله: {بأعيننا} يريد العيون المفجرة من الأرض. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. وقرأ أبو السمال: "بأعينا" مدغمة. وقرأ جمهور الناس: "كُفِر" بضم الكاف وكسر الفاء، واختلفوا في المعنى فقال ابن عباس ومجاهد: "من"، يراد بها الله تعالى كأنه قال: غضباً وانتصاراً لله، أي انتصر لنفسه فأنجى المؤمنين وأغرق الكافرين. وقال مكي وقيل "من"، يراد بها نوح والمؤمنين، لأنهم كفروا من حيث كفر بهم فجازاهم الله بالنجاة. وقرأ يزيد بن رومان وعيسى وقتادة: "كَفَر" بفتح الكاف والفاء، والضمير في: {تركناها} قال مكي بن أبي طالب هو عائد على هذه الفعلة والقصة. وقال قتادة والنقاش وغيره: هو عائد على هذه السفينة، قالوا وإن الله تعالى أرسلها على الجودي حين تطاولت الجبال وتواضع وهو جبيل بالجزيرة بموضع يقال له باقردى، وأبقى خشبها هنالك حتى رأت بعضه أوائل هذه الأمة. وقال قتادة: وكم من سفينة كانت بعدها صارت رصودا و: {مدكر} أصله: مذتكر، أبدلوا من التاء ذالاً ليناسب الدال في النطق، ثم أدغموا الدال في الدال، وهي قراءة الناس، قال أبو حاتم: رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح وقرأ قتادة: "مذكر" بالذال على إدغام الثاني في الأول، قال أبو حاتم: وذلك رديء ويلزمه أن يقرأ واذكر بعد أمة وتذخرون في بيوتكم. وقوله تعالى: {فكيف كان عذابي ونذر} توقيف لقريش وتوبيخ، والنذر: جمع نذير، المصدر بمعنى كان عاقبة إنذاري لمن لم يجعل به كأنتم أيها القوم. و: {يسرنا القرآن} معناه: سهلناه وقربناه و "الذكر": الحفظ عن ظهر قلب، قال ابن جبير: لم يستظهر من كتب الله سوى القرآن. قال القاضي أبو محمد: يسر بما فيه من حسن النظم وشرف المعاني فله لوطة بالقلوب، وامتزاج بالعقول السليمة. وقوله: {فهل من مدكر} استدعاء وحض على ذكره وحفظه لتكون زواجره وعلومه وهداياته حاضرة في النفس. قال مطرف في قوله تعالى: {فهل من مدكر} هل من طالب علم فيعان عليه. قال القاضي أبو محمد: الآية تعديد نعمة في أن الله يسر الهدى ولا بخل من قبله، فلله در من قبل وهدى. وقد تقدم تعليل: {مدكر}.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ...} الآية: وعيدٌ لقريشٍ، وضَرْبُ مَثَلٍ لهم. وقوله: {وَٱزْدُجِرَ}: إِخبار من اللَّه عز وجل أَنَّهُمْ زَجَرُوا نوحاً ـــ عليه السلام ـــ بالسَّبِّ والنَّجْهِ والتخويف، قاله ابن زيد. وقوله: {فَٱنتَصِرْ} أي: فانتصر لي منهم بأن تهلِكَهُمْ. وقوله: {فَفَتَحْنَا أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاءِ} قال الجمهور: هذا مجاز وتشبيه؛ لأَنَّ المطر كأَنَّه من أبواب، وهذا مبدأ الانتصار من الكفار، والمُنْهَمِرُ: الشديد الوقوع الغزِيرُ، وقرأ الجمهور: {فَالْتَقَى ٱلمَاءُ} يعني: ماءَ السماء وماءَ العيون. وقوله سبحانه: {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} أي: قد قُضِيَ وَقُدِّرَ في الأَزَلِ، و{ذَاتِ أَلْوٰحٍ وَدُسُرٍ}: هي السفينة، والدَّسُرُ: المسامير، واحدها: دِسار؛ وهذا هو قول الجمهور، وقال مجاهد: الدُّسُرُ: أضلاع السفينة، قال العراقيُّ: والدِّسَار أيضاً: ما تُشَدُّ به السفينة، انتهى. وقوله تعالى: {تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا} معناه: بحفظنا وتحتَ نظرٍ مِنَّا، قال البخاريُّ: قال قتادة: أبقى اللَّه عز وجل سفينةَ نوح حتَّى أدركها أَوائِلُ هذه الأُمَّةِ، انتهى، وقرأ جمهور الناس: {جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ} مبنيًّا للمفعول، قال مكيُّ: قيل: «مَنْ» يرادُ بها نوحٌ والمؤمنون؛ لأنَّهم كُفِروا من حيثُ كُفِرَ بهم، فجزاهم اللَّه بالنجاة، وقُرِىء شاذًّا: «كَفَرَ» مبنيًّا للفاعل، والضمير في {تَّرَكْنَـٰهَا} قالَ مَكِّيّ: هو عائد على هذه الفِعْلَةِ والقِصَّةِ، وقال قتادة وغيره: هو عائد على السفينة، و{مُّدَّكِرٍ} أصله: مدتكر؛ أبدلوا من التَّاءِ دالاً، ثم أدغموا الذَّالَ في الدَّالِ، وهذه قراءة الناس، قال أبو حاتم: ورُوِيَتْ عنِ النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح.

ابن عادل

تفسير : قوله: "كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ" مفعوله محذوف أي كذبت الرُّسُلَ؛ لأنهم لما كذبوا نوحاً فقد كذبوا جميع الرسل. ولا يجوز أن تكون المسألة من باب التنازع؛ إذ لو كانت منه لكان التقدير: كذبت قبلهم قومُ نوح عَبْدَنا فكذبوه ولو لفظ بهذا لكان تأكيداً؛ إذ لم يفد غير الأول، وشرط التنازع أن لا يكون الثاني تأكيداً، ولذلك منعوا أن يكون قوله: شعر : 4592-....................... أَتَاكِ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ احْبِسِ احْبِسِ تفسير : من ذلك. وفي كلام الزمخشري ما يجوزه، فإنه أخرجه عن التأكيد، فقال: فإن قلت: ما معنى قوله "فَكَذَّبُوا" بعد قوله: "كَذَّبَتْ"؟ قلت: معناه كذبوا فكذبوا عبدنا أي كذبوا تكذيباً عقب تكذيب كلما مضى منهم قَرْنٌ مُكَذِّبٌ تبعه قرن مُكَذِّبٌ. هذا معنى حسن يسوغ معه التنازع. فصل لما فرغ من حكاية كلام الكافر، ومن ذكر علامات الساعة أعاد ذكر بعض الأنبياء فقال: كذبت قبلهم قوم نوح أي قبل أهل مكة. واعلم أن إلحاق ضمير المؤنث بالفعل قبل ذكر الفاعل جائزٌ وحسنٌ بالاتفاق وإلحاق ضمير الجمع بالفعل قبيحٌ عند أكثرهم، فلا يجوزون: كَذَّبُوا قَوْمُ نوحٍ ويجوزون: كَذَّبَتْ فما الفرق؟ قال ابن الخطيب: لأن التأنيث قبل الجمع، لأن الأنوثة والذكورة للفاعل أمر لا يتبدل، ولم تحصل الأنُوثَةُ للفاعل بسبب فعله بخلاف الجمع، لأن الجمع للفاعلين بسبب فعلهم. فإن قيل: ما الفائدة في قوله تعالى: {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} بعد قوله: "كَذَّبَتْ"؟ قال ابن الخطيب: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن قوله "كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ" أي بآياته فكذب هؤلاء عبدنا بآية الانشقاق فَكذَّبُوكَ. الثاني: كذبت قوم نوح المرسلين وقالوا لم يبعث الله رسولاً وكذبوهم في التوحيد فكذبوا عبدنا كما كذبوا غيره؛ وذلك لأن قومَ نوح كانوا مشركين يعبدون الأصنام ومن يعبد الأصنام يكذب كُلَّ رسول، وينكر الرسالة، لأنَّه يقول: لا تعلق لله بالعالم السُّفْلِيِّ، وإنما أمره إلى الكواكب فكان مذهبهم التكذيبَ فكذَّبُوك. الثالث: أن قوله تعالى: {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} للتصديق والرد عليهم تقديره: كذبت قوم نوح فكان تكذيبهم تكذيب عبدنا أي لم يكن تكذيباً بحق. فإن قيل: لو قال: فكذبوا رسولنا كان أدلَّ على قُبْحِ فعلهم فما الفائدة في اختيار لفظ العبد؟ فالجواب: أن قوله: عَبْدَنَا أدلّ في صدقه وقبح تكذيبهم من قوله: "رسولنا"؛ لأن العبد أخوف وأقلّ تحريفاً لكلام السيِّد من الرسول فيكون كقوله: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ} تفسير : [الحاقة: 44 - 45]. قوله: "وَقَالُوا مَجْنُونَ" مجنون خبر ابتداء مضمر أي هُو مجنون، وهذا إشارة إلى أنه أتى بالآيات الدالة على صدقه حيث رأوا ما عجزوا عنه، وقالوا مصاب الجن أو زيادة بيان لقُبْح صنيعهم حيث لم يَقْنَعُوا بتكذيبهم بل قالوا: مجنون أي تَقَوَّل ما لا يقبله عاقلٌ والكاذب العاقل يقول ما يظن به صدقهُ، فيكون قولهم: مَجْنُونٌ مبالغة في التَّكْذِيبِ. قوله: "وَازْدُجِرَ" الدال في "ازدجر" بدل من تاء لِمَا تَقَدَّمَ. وهل هو من مقولهم أي قالوا إنه ازدجر أي ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذهبت بُلبِّه - قاله مجاهد - أو هو من كلام الله تعالى أخبر عنه بأنه انتُهِزَ وزجر بالسبِّ وأنواع الأذى؟ وَقَالوا "لِئَنْ لَمْ تَنْتَهِ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ". قال ابن الخطيب: وهذا أصح؛ لأن المقصود تقوية قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - بذكر من تقدمه، وأيضاً ترتب عليه قوله تعالى: {فَدَعَا رَبَّهُ}، وهذا الترتب في غاية الحسن، لأنهم لَمَّا زَجَرُوهُ وانْزَجَرَ هو عن دعائهم دعا ربه أَنِّي مَغْلُوبٌ. قوله: "أَنِّي مغلوب" العامة على فتح الهمزة؛ أي دعا بأَنِّي مغلوبٌ، وجاء بهذا على حكاية المعنى ولو جاء على حكاية اللفظ لقال: إنِّي مغلوب وهما جائزان. وعن ابن أبي إسحاق والأعمشِ - ورُوِيَتْ عن عاصمٍ - بالكسر إما على إضمار القول، أي فقال فسّر به الدعاء، وهو مذهب البَصْريّين، وإما إجراء للدعاء مُجْرَى القول. وهو مذهب الكوفيين. فصل في معنى مغلوب وجوه: أحدها: غلبني الكفار فانْتَصْر لي منهم. ثانيها: غَلَبَتْنِي نَفْسِي وَحَمَلَتْنِي على الدعاء عليهم، فانْتَصِرْ لي من نفسي. قاله ابن عطية. وهو ضعيف. ثالثها: أن يقال: إِنَّ النبي لا يدعو على قومه ما دام في نفسه احْتِمَالٌ وحِلْمٌ، واحتمال نفسه يمتد ما دام الإيمان منهم محتملاً، ثم إنَّ يأسه يحصل والاحتمال والحلم يفر الناس مدة بدليل قوله لمحمد - صلى الله عليه وسلم - {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} تفسير : [الشعراء: 3] {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} تفسير : [فاطر: 8] وقال لنُوحٍ - عليه الصلاة والسلام -: {أية : وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} تفسير : [هود: 37] و [المؤمون: 27] فقال نوح: يا إِلهي إن نفسي غلبتني وقد أمَرْتَنِي بالدُّعاء عليهم فأهلكتهم فيكون معناه مغلوب بحكم البشرية أي غُلبت وعِيلَ صَبْرِي فانْتَصِرْ لي منهم لا من نفسي. قال ابن الخطيب: وهذا الوجه مُرَكَّبٌ من الوجهين. وهو أحسنهما. وقوله: "فَانْتَصِرْ" أي فانتصر لِي أو لنفسك، فإِنهم كفروا بك، أو انتصر للحَقِّ. قوله: (فَفَتَحْنَا) تقدم الخلاف في فتحنا في الأنعام. والمراد من الفتح والأبواب والسماء حقائقها وأن للسماء أبواب تُفْتَحُ وتُغْلَقُ. قال علي - رضي الله عنه -: هي المَجَرَّة وهي شرع السماء ومنها فتحت بماء منهمر. وقيل: هذا على سبيل الاستعارة؛ فإِن الظاهر أن الماء كان من السحاب فهو كقول القائل في المطر الوابل: "جَرَتْ مَيَازِيبُ السَّمَاء". وفي قوله: "فَفَتَحْنَا" بيان بأن الله انْتَصَرَ منهم، وانتقم بماء لا بجُنْدٍ أنزله ومن العجب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين، فأهلكهم الله بمَطْلُوبِهِمْ. قوله: (بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ) في الباء وجهان: أظهرهما: أنها للتعدية ويكون ذلك على المبالغة في أنه جعل الماء كالآلة المُفْتَتَحِ بها، كما تقول فَتَحْتُ بالمَفَاتِيحِ. والثاني: أنها للحال أي فتحناها ملتبسةً بهذا الماء والمُنْهَمرُ: الغزير النازل بقوة. وأنشد امرؤ القيس: شعر : 4593- رَاحَ تَمْرِيهِ الصَّبَا ثُمَّ انْتَحَى فِيهِ شُؤْبُوب جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ تفسير : واستعير ذلك في قولهم: هَمَرَ الرَّجُلُ في كلامه إذا أكثر الكلام وأسرع، وفلانٌ يُهَامِرُ الشيء أي يحرفه، وهَمَّرَ لَهُ من ماله أعطاه بكَثْرَة. والمنهمر الكثير قاله السُّدِّيُّ (رحمة الله عليه) قال الشاعر: شعر : 4594- أَعَيْنَيَّ جُودَا بالدُّمُوعِ الهَوَامِرِ عَلَى خَيْرِ بَادٍ مِنْ معَدٍّ وَحَاضِرِ تفسير : قال المفسرون: معنى منهمر أي منصب انْصباباً شديداً. قال ابن عباس: منهمر من غير سحاب لم ينقطع أربعين يوماً. وقيل: ثمان. قوله: "وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ" قرأ عبد الله وأبو حيوة وعَاصِم - في روايةٍ - وفَجَرْنا مخففاً. والباقون مثقلاً. وقوله: "عُيُوناً" فيه أوجه: أشهرها: أنه تمييز أي فَجَّرْنَا عُيُونَ الأَرْضِ، فنقله من المفعولية إلى التمييز كما نقل من الفاعلية. ومنعه بعضهم على ما سيأتي. وقوله: {وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً} أبلغ من فَجَّرْنَا عُيُونَ الأَرْضِ، لما ذكر في نظيره مراراً. الثاني: أنه منصوب على البدل من الأرض، ويُضْعِفُ هذا خلوّه من الضمير، فإِنه بدل بعض من كل ويجاب عنه بأنه محذوف أي عيوناً منها كقوله: "الأُخْدُودِ النَّارِ"، فالنار بدل اشتمال ولا ضمير فهو مقدر. الثالث: أنه مفعول ثان؛ لأنه ضمن فَجَّرْنَا معنى صَيَّرْنَاهَا بالتفجير عُيُوناً. الرابع: أنها حال، وفيه تجوز حذف مضاف أي ذَات عُيُونٍ، وكونها حالاً مقدرةً لا مقارنةً. قال ابن الخطيب: قوله {وفجرنا الأرض عيوناً} فيه من البلاغة ما ليس في قول القائل: وَفجَّرْنا من الأرض عيوناً. وقال: وفجرنا الأرض عيوناً، ولم يقل: فَفَتَحْنَا السَّمَاءَ أبواباً؛ لأن السماء أعظمُ من الأرض وهي للمبالغة، وقال: أبواب السماء ولم يقل: أنابيب ولا منافذ ولا مَجَاري. أما قوله تعالى: {فَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً} فلا غنى عنه لأن قول القائل: فجرنا من الأرض عيوناً يكون حقيقة لا مبالغة فيه ويكون في صحة ذلك القول أن يحصل في الأرض عيونٌ ثلاثٌ ولا يصلح مع هذا في السَّمَاءِ ومِيَاهِهَا. فصل قال ابن الخطيب: العُيُون جمع عَيْنٍ وهي حقيقية في العين التي هي آلة الإبصار ومجاز في غيرها أما في عيون الماء فلأنها تشبه العين الناظرة التي يخرج منها الدمع، لأن الماء الذي في العين كالدمع الذي في العين وهو مجاز مشهور صار غالباً حتى لا يفتقر إلى قرينةٍ عند الاستعمال فكما لا يحمل اللفظ على العين الناظرة إلا بقرينة كذلك لا يحمل على الفَوَّارَةِ إلا بقرينة، مثل شَرِبْتُ مِنَ العَيْنِ واغْتَسَلْتُ مِنْهَا ونحوه. فإِن قيل: من أين علمت أن العين حقيقة في الناظرة؟. قلنا: لأن الأفعال أخذت منه، ولم تؤخذ من اليُنْبُوع، فيقال: عَانَهُ يَعِينُهُ إذا أصابه بالعين وعَايَنهُ مُعَايَنَةً وعِيَاناً. قال عُبَيْدُ بْنْ عُمَيْرٍ: أوحى الله تعالى إلى الأرض أن تُخْرِجَ ماءها فتفجرت بالعيون وأي عين تأخرت غضب عليها فجعل ماءها مُرًّا إلى يوم القيامة. قوله: "فَالتَقَى المَاءُ" لما كان المراد بالماء الجنس صَحَّ أن يقال: فَالْتَقَى الماءُ كأنه قال: فالتقى ماءُ السماء وماءُ الأرض. وهذه قراءة العامة. وقرأ الحسن والجَحْدَريُّ ومُحَمَّد بن كَعْب وتروى عن أمير المؤمنين أيضاً: "المَاءَانِ" تثنية والهمزة سالمة أي النوعان منه ماء السماء وماء الأرض؛ لأن الالتقاء إنما يكون بين اثنين. وقرأ الحسن أيضاً: "المَاوَانِ" بقلبها واواً، وهي لغةَ طيِّىءٍ. قال الزمخشري كقولهم: عِلْبَاوَانِ، يعني أنه شبه الهمزة المنقلبة عن هاء بهمزة الإِلحاق. وروي عنه أيضاً المَايَان بقلبها ياء، وهي أشدُّ مما قبلها. قوله: "قَدْ قُدِرَ" العامة على التخفيف. وقرأ ابن مِقْسِم وأبو حيوة بالتشديد. هما لغتان قرىء بهما في قوله: {أية : قَدَّرَ فَهَدَىٰ} تفسير : [الأعلى: 3] {أية : فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} تفسير : [الفجر: 16] كما سيأتي. فصل قيل: معنى قد قدر أي حال قدرها الله كما شاء قضى عليهم في أُمّ الكتاب. وقال مقاتل: قدَّر الله أن يكون الماءانِ سواءً، فكانا على ما قَدَّره. وقيل: على مَقَادِير؛ وذلك لأن المفسّرين اختلفوا، فمنهم من قال كان ماء السماء أكثر، ومنهم من قال: ماء الأرض. ومنهم من قال: كانا متساوِيَيْن، فقال على مقدار كان وقال قتادة: قدر لهم إذا كفروا أن يغرقوا. قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: التقى الماء أي اجتمع على أمر هلاكهم وهو كأنه مقدور (مقدر). وفيه رد على المنجِّمين الذين يقولون: إن الطوفان كان بسبب اجتماع الكواكب السبعة في برج مائيّ والغرق لم يكن مقصوداً بالذات وإنما ذلك أمر لزم من الطوفان الواجب وقوعه، فرد الله عليهم بأنه لم يكن ذلك إلا لأمر قد قُدِرَ، ويدل عليه أن الله تعالى أوحى إلى نوح بأنهم مُغْرَقُونَ. قوله: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} أي سفينة ذاتِ ألواح. قال الزمخشري: وهي من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات فتنوب منابَها وتؤدي مُؤَدَّاها بحيث لا يُفْصَلُ بينها وبينها ونحوه: شعر : 4595-...................... وَلَكن قَمِيصي مَسْرُودَة مِنْ حَدِيدِ تفسير : أراد ولكن قميصي درع، وكذلك: شعر : 4596-...................... وَلَوْ فِي عُيُون النَّازِيَاتِ بِأَكْرُعِ تفسير : أراد ولو في عيون الجرار، ألا ترى أنك لو جمعت بين الصفة وبين هذه الصفة، أو بين الجرار والدرع وهاتين الصفتين لم يصح. وهذا من فصيح الكلام وبَدِيعِهِ. والدُّسُر، قيل: المسامير جمع دِسَارٍ، نحو كُتُب في جمع كِتاب وقال الزمخشري: جمع دِسَارة، وهو المِسْمَارُ فعالة من دسره إذا دفعه، لأنه يدسر به منفذه. وقال الراغب: الواحد دَسْرٌ فيكون مثل سَقْف وسُقُف وقال البغوي: واحدها دِسَار ودَسِيرٌ. وأصل الدسر الدفع الشديد بقهر (و) دَسَرَهُ بالرمح. ومُدْسِر مثل مُطْعِن وروي: ليس في العنبر زَكاة إنَّما هُوَ شَيءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ أي دفَعَهُ. وقيل: إنها الخيوط التي تشد بها السفن. وقيل: هي عراض السفينة وقيل: أضلاعها. وقال الحسن الدسر صدر السفينة، سميت بذلك لأنها تَدْسُرُ الماء بجؤجؤها أي تدفع. وقال الضحاك: الدسر أَلْوَاحُ جَانِبَيْهَا. قوله: "تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا" أي بمَرْأى منَّا. وقال مقاتل: بأعيننا أي بحفظنا، لقولك: اجْعَل هذا نصب عينك. وقيل: بالأعين النابعة من الأرض. وقيل: بأعين أوليائنا من الملائكة. فقوله: بأعيننا أي ملتبسة بحفظنا، وهو في المعنى كقوله تعالى: {أية : وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} تفسير : [طه: 39]. وقرأ زيد (بن) علي وأبو السَّمَّال بأَعْيُنَّا بالإدغام. وقال سفيان: معناه بأمرنا. قوله: (جزاء) منصوب على المفعول له، نَاصبُهُ (فَفَتَّحْنَا) وما بعده. وقيل: منصوب على المصدر إما بفعل مقدر أي جَازَيْنَاهُم جَزَاءً، وإما على التجوز بأن معنى الأفعال المتقدمة جازيناهم بها جزاءً. قوله: {لِّمَن كَانَ كُفِرَ} العامة على كُفِرَ مبنيًّا للمفعول، والمراد بمَنْ كُفِرَ: نوح - عليه الصلاة والسلام - أو الباري تعالى. وقرأ مُسَيْلَمَةُ بْنُ مُحَارِبٍ كُفْرَ بإسكان الفاء، كقوله: شعر : 4597- لَوْ عُصْرَ مِنْهُ المِسْكُ وَالبَانُ انْعَصَرْ تفسير : وقرأ يزيد بن رومان وعيسى وقتادة: كَفَرَ، مبنياً للفاعل. والمراد بـ "مَنْ" حينئذ قَومُ نوح. و "كَفَر" خبر كان. وفيه دليل على وقوع خبر كان ماضياً من غير قد. وبعضُهمْ يقول: لا بد من (قد) ظاهرةً أو مضمرة. ويجوز أن تكون كان مزيدة، وأما كفرهم ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون "كَفَرَ" مثل شَكَرَ تعدى بحرف وبغير حرف، يقال: شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، قال تعالى: {أية : وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} تفسير : [البقرة: 152]. وقال: {أية : فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ} تفسير : [البقرة: 256]. الثاني: أن يكون من الكفر لا من الكُفْرَان أي جزاء لمن ستر أمره وأنكر شأنه، أو جزاء لمن كفر به. فصل المعنى فعلنا به من إنجاء نوح وإغراق قومه ثواباً لمن كفر به وجُحِدَ أمره وهو نوح - عليه الصلاة والسلام -. وقيل: "مَنْ" بمعنى "ما" أي جزاء لما كان كفر من أيادي ونقمة عند الذين غرقهم، وجزاء لما صنع بنوحٍ وأصحابه. واللام في "لِمَنْ" لام المفعول له. والجزاء هنا بمعنى العقاب أي عقاباً لكفرهم. قوله: {وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً} ضمير تركناها إمَّا للقصة أو للفِعْلَة التي فعلناها آية يعتبر بها، أو السفينة. وهو الظاهر. والمعنى تركناها أي أبقاها الله بباقِرْدى من أرض الجزيرة آيةً أي عبرة حتى نظرت إليها أوائلُ هذه الأمة، وكانت على الجُوديِّ. وقيل: بأرض الهِنْدِ، ومعنى تركناها أي جعلناها، لأنها بعد الفراغ منها صارت متروكة ومجعولة. قوله: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أصله "مُدْتَكر" فأبدلت التاء دالاً مهملة، ثم أبدلت المعجمة مهملة لمقارنتها وقد تقدم هذا في قوله: {أية : وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} تفسير : [يوسف: 45]. وقد قرىء "مُدْتَكِرٍ" بهذا الأصل. وقرأ قتادة فيما نقل عنه أبو الفضل - مُدَكَّرٍ - بفتح الدال مخففة وبتشديد الكاف، من دَكَّر بالتشديد أي دَكَّر نَفْسَه أو غَيرَه بما بمضى من قصَصِ الأولين. ونقل عنه ابن عطية كالجماعة إلا أنه بالذَّال المعجمة، وهو شاذ لأن الأَوَّلَ يُقْلَبُ للثَّانِي، لا الثاني للأول. روى زُهَيْرٌ عن أبي إِسْحَاقَ أنه سمعَ رجُلاً يسأل الأسود: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أو مِنْ مذَّكِرٍ، قال: سمعت عبد الله يقرأها: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ دالاً. فصل وهذه الآية إشارة إلى أن الأمر من جانب الرسل قد تَمَّ، ولم يبق إلا جانب المُرْسَلِ إِليهم بأن يتفكروا ويهتدوا. وهذا الكلام يصلح أن يكون حثاً وأن يكون تخويفاً وزجراً، وقال ابن الخطيب: مُدَّكِرٌ مُفْتَعِلٌ من ذَكَرَ يَذْكُرُ وأصله مُذْتكرٌ. وقرأ بعضهم بهذا الأصل. ومنهم من يقلب التاء دالاً. وفي قوله: مدّكِر إشارة إلى قوله: {أية : أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172] أي هل ممن يتذكر تلك الحالة؟ وإما إلى وضوح الأمر كأنه جعل للكل آيات الله فنَسُوها، فهل من متذكر يتذكر شيئاً منها؟. قوله: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} كان الظاهر فيها أنها ناقصة (و) "فَكَيْفَ" خبر مقدم. وقيل: يجوز أن تكون تامة، فتكون "كَيْفَ" في محل نصب إما على الظرف وإِمَّا على الحال كما تقدم تحقيقه في البقرة. فصل وحذفت ياء الإضافة من "نُذُر" كما حذفت ياء "يَسْر" في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} تفسير : [الفجر: 4]؛ وذلك عند الوقف، ومثله كثير، كقوله: {أية : فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [العنكبوت: 56] {أية : وَلاَ يُنقِذُونَ} تفسير : [يس: 23] {أية : يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ} تفسير : [الزمر: 16] {أية : وَلاَ تَكْفُرُونِ} تفسير : [البقرة: 152] وقرىء بإثبات الياء في: "عَذَابِي ونُذُرِي". قوله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ} هيأناهُ "لِلذِّكْرِ" من قولهم: "يَسَّرَ فَرَسَهُ" أي هَيَّأَهُ للركوب بإِلجامه، قال: شعر : 4598- فَقُمْتُ إِلَيْهِ باللِّجَامِ مُيَسِّراً هُنَالِكَ يَجْزِيني الَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ تفسير : وقيل: سهلنا القرآن ليتذكر ويعتبر به. وقال سعيد بن جبير: يسرناهُ للحفظ والقراءة، وليس شيء من كتب الله يقرأ كله ظاهراً إلا القرآن. وقوله: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} مُتَّعِظٍ بمواعظه.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏وقالوا مجنون وازدجر‏}‏ قال‏:‏ استطير جنونا‏ً.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله ‏{‏وازدجر‏} ‏ قال‏:‏ تهددوه بالقتل‏.‏ وأخرج البخاري في الأدب وابن أبي حاتم عن أبي الطفيل أن ابن الكواء سأل علياً عن المجرة فقال‏:‏ هي شرخ السماء، ومنها فتحت أبواب السماء بماء منهمر، ثم قرأ ‏{‏ففتحنا أبواب السماء‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر‏} ‏ قال‏:‏ كثير لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب، وفتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم فالتقى الماءان‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب في قوله ‏ {‏فالتقى الماء‏} ‏ قال‏:‏ ماء السماء وماء الأرض ‏{‏على أمر قد قدر‏}‏ قال‏:‏ كانت الأقوات قبل الأجساد وكان القدر قبل البلاء‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏ {‏قد قدر‏} ‏ قال‏:‏ صاح بصاع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏{‏وحملناه على ذات ألواح ودُسر‏} ‏ قال‏:‏ الألواح ألواح السفينة والدسر معاريضها التي تشد بها السفينة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال‏:‏ الألواح الصفائح، والدسر العوارض‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏{‏وحملناه على ذات ألواح‏}‏ قال‏:‏ معاريض السفينة ‏ {‏ودسر‏} ‏ قال‏:‏ دسرت بمسامير‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏ودسر‏} ‏ قال‏:‏ المسامير‏. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال‏:‏ حدثنا أن دسرها مساميرها التي شدت بها‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قول الله ‏{‏ودسر‏}‏ قال‏:‏ الدسر التي تحرز بها السفينة‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏‏.‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت الشاعر وهو يقول‏: شعر : سفينة نوتي قد احكم صنعها مثخنة الألواح منسوجة الدسر‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ الدسر كلكل السفينة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال‏:‏ الدسر صدرها الذي يضرب به الموج‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن نحوه‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى ‏ {‏جزاء لمن كان كفر‏} ‏ قال‏:‏ جزاء الله هو الذي كفر‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏{‏ولقد تركناها آية‏}‏ قال‏:‏ أبقى الله سفينة نوح على الجودي حتى أدركها أوائل هذه الأمة‏.‏ أخرج آدم بن أبي اياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد ‏ {‏ولقد يسرنا القرآن للذكر‏}‏ قال‏:‏ هوّنا قراءته‏. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ولقد يسرنا القرآن للذكر‏} ‏ قال‏:‏ لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله‏.‏ وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً مثله‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين أنه مر برجل يقول سورة خفيفة قال لا تقل سورة خفيفة، ولكن قل سورة ميسرة لأن الله يقول ‏ {‏ولقد يسرنا القرآن للذكر‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏{‏فهل من مدكر‏} ‏ قال‏:‏ هل من متذكر‏. وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب في قوله ‏ {‏فهل من مدكر‏} ‏ قال‏:‏ هل من منزجر عن المعاصي‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏هل من مدكر‏} ‏ قال‏:‏ هل من طالب خير يعان عليه‏؟‏ وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر عن مطر الوراق في قوله ‏ {‏ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر‏}‏ قال‏:‏ هل من طالب علم فيعان عليه‏؟‏‏ وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير والحاكم وابن مردويه عن ابن مسعود قال‏:‏ قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم ‏[‏فهل من مذكر‏]‏ بالذال، فقال ‏ {‏فهل من مدكر‏}‏ بالدال‏.

القشيري

تفسير : كذب قوم نوح نبيَّهم، وقالوا: إنه مجنون، وزجروه وشتموه. وقيل: {وَٱزْدُجِرَ}: أي استطار عَقْلهُ، أي قومُ نوحٍ قالوا له ذلك. فدعا ربَّه فقال: إِني مغلوب؛ أي بتسلُّطِ قومي عليَّ؛ فلم يكن مغلوباً بالحُجَّة لأنَّ الحُجَّةَ كانت عليهم، فقال نوح لله: اللهمَّ فانتَصِرْ منهم أي انْتَقِمْ. ففتحنا أبواب السماء بماءٍ مُنْصَبٍّ، وشَقَقْنَا عيوناً بالماء، فالتقي ماء السماءِ وماءُ الأرضِ على أمرٍ قد قُدِّرَ في اللوح المحفوظ، وَقُدِرَ عليه بإهلاكهم! وفي التفاسير: أن الماء الذي نَبَعَ من الأرضِ نَضَبَ. والماء الذي نزل من السماء هو البخارُ اليومَ.

اسماعيل حقي

تفسير : {كذبت قبلهم قوم نوح} اى فعل التكذيب قبل قومك يامحمد قوم نوح او كذبوا نوحا فالمفعول محذوف وهو شروع فى تعداد بعض الانباء الموجبة للازدجار وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم {فكذبوا عبدنا} نوحا تفسير لذلك التكذيب المبهم كما فى قوله تعالى {ونادى نوح ربه فقال رب} الخ فالمكذب فى المقامين واحد والفاء تفسيرية تفصيلية تعقيبية فى الذكر فان التفصيل يعقب الاجمال وفى ذكره بعنوان العبودية مع الاضافة الى نون العظمة تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله وزيادة تشنيع لمكذبيه فان تكذيب عبد السلطان اشنع من تكذيب عبد غيره وفيه اشارة الى انه لاشىء اشرف من العبودية فان الذلة الحقيقية التى يقابلها مقام الربوبية مختصة بالله تعالى فكذا العبودية مختصة بالعبد وهى المرادة بالتواضع وهى غير التملق فان التملق لاغبرة به وفى الحديث "حديث : انا سيد ولد آدم ولا فخر"تفسير : اى ليس الفخر لى بالرسالة وانما الفخر لى بالعبودية وخصوصا بالفقر الذى هو الخروج عن الوجود المجازى بالكلية {وقالوا} فى حقه هو او قالوا له انك {مجنون} اى لم يقتصروا على مجرد التكذيب بل نسبوه الجنون واختلال العقل وهو اجادة فى التكذيب لان من الكاذبين من يخبر بما يوافق العقل ويقبله والمجنون لايقول الا مالا يقبله العقل وياباه {وازدجر} عطف على قالوا فهو من كلام الله اى وزجر عن التبليغ بأنواع الاذية مثل الشتم والضرب والخنق والوعيد بالرجم قال الراغب وازدجر اى طرد واستعمال الزجر فيه لصياحهم بالمطرود نحو ان يقال أعزب عنى وتنح و ورآءك وقيل هو من جملة ماقالوه اى هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته اى افسدته وتصرفت فيه وذهبت بلبه وطارت بقلبه وفيه اشارة الى ان كل داع حق لابد وان يكذب لكثرة اهل البطلان وغلبة اهل البدع والاهوآء والطغيان وذلك فى كل عصر وزمان وايضا قوم نوح الروح وهم النفس الامارة وصفاتها لايقبلون دعوته الى الله لانهماكهم فى الشهوات واللذات وصعوبة الفطام عن المألوفات والله المعين فى جميع الحالات والمقامات شعر : اين جهان شهوتى بتخانه ايست انبيا وكافران را لانه ايست ليك شهوت بنده با كان بود زرنسوزد زانكه نقد كان بود ذلة الارواح من اشباحها عزة الاشباح من ارواحها كم نشين براسب توسن بى لكام عقل ودين را بيشوا كن والسلام

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {كذبت قبلهم} أي: قبل أهل مكة {قومُ نوح فكذَّبوا عبدنا} نوحاً عليه السلام. ومعنى تكرار التكذيب: أنهم كذَّبوا تكذيباً عقب تكذيب، كلما خلا منهم قرن مكذِّب، جاء عقبه قرن آخر مكذِّب مثله، وقيل: كذبت قوم نوح الرسل، {فكذَّبوا عبدنا}؛ لأنه من جملتهم. وفي ذكره عليه السلام بعنوان العبودية مع إضافته لنون العظمة؛ تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله، وزيادة تشينع لمكذِّبيه، {وقالوا مجنون} أي: لم يقتصروا على مجرد التكذيب، بل نسبوه للجنون، {وازْدُجِرْ} أي: زجر عن أداء الرسالة؛ بالشتم، وهدّد بالقتل، أو: هو من جملة قولهم، أي: قالوا: هو مجنون وقد ازدجرته الجن، أي: تخبّطته وذهبت بلُبه. {فدعا ربَّه} حين أيس منهم {أني مغلوب} أي: بأني مغلوب من جهة قومي، بتسليطهم عليّ، فلم يسمعوني، واستحكم اليأس من إجابتهم. قال القشيري: مغلوب بالتسلُّط لا بالحجة، إذ الحجة كانت له. هـ. وهذا جار فيمن لم يستجب لك، تقول: غلبني. ثم دعى عليهم بقوله: {فانتصرْ}؛ فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، وذلك بعد تحقُّق يأسه منهم وعظم إذايتهم. فقد رُوي أن الواحد منهم كان يلقاه فيضربه حتى يغشى عليه، فيقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. {ففتحنا أبوابَ السماء بما منهمرٍ} منصب بكثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوماً، قال يمان: حتى طبق بين السماء والأرض، وقيل: كانوا يطلبون المطر سنين، فأُهلكوا بمطلوبهم. وفتح الأبواب كناية عن كثرة الأمطار، وشدة إنصابها، وقيل: كان في السماء يومئذ أبواب حقيقة. {وفجَّرنا الأرض عيوناً} وجلعنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك: وفجرنا عيون الأرض، ومثله:{أية : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً}تفسير : [مريم: 4] في إفادة العموم والشمول، {فالتقى الماءُ} أي: مياه السماء ومياه الأرض، وقرئ: "الماءان"، أي: النوعان من الماء السمائي والأرضي. {على أمر قد قُدِر} أي: قُضي في أم الكتاب، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان، أو: قدر أنّ الماءين يكون مقدارهما واحداً من غير تفاوت. قيل: كان ماء السماء بارداً كالثلج، وماء الأرض مثل الحميم، ويقال: إنّ الماء الذي نبع من الأرض نضب، والذي نزل من السماء بَقِيَ حارّاً. {وحملناه على ذات ألواح} أي: أخشاب عريضة، والمراد: السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام موصوفها كالشرح له، وهو من فصيح الكلام ومن بديعه، {ودُسُرٍ} ومسامير، جمع: دسار، وهو المسمار، فِعال مِن: دسره: إذا دفعه؛ لأنه يدسَر به مَنفذه. {تجري بأعيننا} أي بمرأىً منا، أو: بحفظنا، وهو حال من فاعل "تجري"، أي: تجري محفوظة {جزاءً} مفعول له، أي: فعلنا ذلك جزاءً {لمن كان كُفِرَ} وهو نوح عليه السلام، وجعله مكفوراً؛ لأن النبي نعمة من الله ورحمة، فكان نوح نعمة مكفورة. وقرأ مجاهد بفتح الكاف، أي: عقاباً لمَن كَفَرَ بالله. قيل: ما نجا من الغرق إلاَّ عُوج بن عُنُق، كان الماء إلى حجزته، وسبب نجاته: أنّ نوحاً احتاج إلى خشب الساج للسفية، فلم يمكنه نقلها، فحمل عُوج تلك الخشب إليه من الشام، فشكر الله له ذلك، ونجّاه من الغرق. قال الثعلبي. قلت: وقد تقدّم إبطاله في سورة العقود، وأنه من وضع الزنادقة. ذكره القسطلاني. {ولقد تركناها} أي: السفينة، أو: الفعلة، أي: جعلناها {آيةً} يَعتبر بها مَن يقف على خبرها. وعن قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة، وقيل: على الجُوديَّ، حتى رآها أوائل هذه الأمة. {فهل من مُّدَّكر} من متعظ يتعظ ويعتبر، وأصله: مذتكر، فأبدلت التاء دالاً مهملة، وأدغمت الذال فيها لقرب المخرج، {فكيف كان عذابي ونُذر}؟ استفهام تعظيم وتعجيب، أي: كان عذابي وإنذاري لهم على هيئة هائلة، لا يُحيط بها الوصف، والنُذر: جمع نذير، معنى الإنذار. {ولقد يسَّرنا القرآنَ للذِكرِ} أي: سهّلناه للادّكار والاتعاظ؛ بأن شحنَّاه بأنواع المواعظ والعِبر، وصرّفنا فيه من الوعد والوعيد ما فيه شفاء وكفاية. {فهل من مُّدّكِرٍ}؟ إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه، أي: فهل من متعظ يقبل الاتعاظ، وقيل: ولقد سهّلناه للحفظ، وأعنّا مَن أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليُعان عليه؟ قال القشيري: {ولقد يَسَّرنا القرآنَ للذكر} يسَّر قراءته على ألسنة قوم، وعِلْمَه على قوم، وفهمه على قلوب قوم، وحِفْظه على قلوب قوم، وكلهم أهل القرآن، وكلهم أهل الله وخاصته. ويقال: كاشَفَ الأرواح من قومٍ قبل إدخالها في الأجساد، فهل من مُدكر يذكر العهد الذي جرى لنا معه؟. هـ. ويروى: أن كتب أهل الأديان من التوراة في الإنجيل والزبور لا يتلوها أهلها إلا نظراً، ولا يحفظونها ظاهراً كالقرآن، وفي القوت: مما خصَّ اللّهُ به هذه الأمة ثلاثة أشياء: حفظ كتابنا هذا، إلا ما ألهم اللّهُ عزيزاً من التوراة بعد أن كان بختنصّر أحرق جميعها، ومنها: تبقية الإسناد فيهم، يأثره خلف عن سلف، متصلاً إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يستنسخون الصُحف، كلما خلقت صحيفة جُددت، فكان ذلك أثرة العلم فيهم، والثالثة: أن كان مؤمن من هذه الأمة يُسأل عن علم الإيمان، ويُسمع قوله مع حداثة سنه، ولم يكن مما مضى يسمعون العلم إلا مِن الأحبار والقسيسين والرهبان. وزاد رابعة: وهي ثبات الإيمان في قلوبهم، لا يعتوره شك، ولا يختلجه شرك، مع تقليب الجوارح في المعاصي. وقد قال قوم موسى:{أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً}تفسير : [الأعراف: 138] بعد أن رأوا الآيات العظيمة، من انفلاق البحر وغيره. هـ. قال أبو السعود: وحمل تيسيره على حفظه لا يساعده المقام. هـ. الإشارة: في الآية تسلية لمَن أُوذي من الأولياء، وإجابة الدعاء على الظالم، لهم إن أُذن لهم في ذلك بإلهام أو هاتفٍ، وإلاَّ فالصبر أولى، وجعل القشيري نوحاً إشارة إلى القلب، وقومَه جنود النفس، من الهوى والدنيا وسائر العلائق، فيكون التقدير: كذبت النفسُ وجنودُها القلبَ، فيما يَرِدُ عليه من تجليات الحق، وكشوفات الغيب، وقالوا: إنما هو مجنون فيما يُخبر به، فزجرته، ومنعته من تلك الواردات الإلهية بظلمات شهواتها، فدعا ربه وقال: أني مغلوب في يد النفس وجنودها، فانتصِرْ لي حتى تغيبني عنهم، ففتحنا أبواب سماء الغيب بأمطار الواردات الإلهية القهّارية، لتمحق تلك الظلمات النفسانية، وفجرنا أرض البشرية بعلوم آداب العبودية، فالتقى ماء الواردات، التي هي من حضرة الربوبية، مع ماء علوم العبودية، على أمر قد قُدر أنه ينصر القلب، ويرقيه إلى حضرة القدس، وحملناه على سفينة الجذب والعناية، تجري بحفظنا، جزاء لنعمة القلب التي كفرتْ به النفسُ وجنودُها، ولقد تركنا هذه الفعلة آية يعتبر بها السائرون إلينا، والطالبون لنا، فهل من مدكر؟ فكيف كان عذابي لمَن استولت عليه النفس وجنودها؟ وكيف كان إنذاري من غم الحجاب، وسوء الحساب، ولقد يسَّرنا القرآن للذكر؛ للاتعاظ، فهل من مُدكر، فينهض من غفلته إلى مولاه؟. ثم ذكر قصة عاد، فقال: {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}.

اطفيش

تفسير : {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ}أي قبل اهل مكة {قَومُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبدَنَا} نوحا والفاء لعطف مفصل على مجمل وهو يختص بالفاء في الجمل أوالمعنى كذب قوم نوح ايانا فكذبوا نبوة نوح أو كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب أو كلما خلا قرن مكذب اعقبه قرن مكذب أو كذبوه بعد ما كذبوا الرسل قبله أو بعد ما انكروا النبوة رأساً. {وَقَالُواْ} هو {مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} زجروه عن التبليغ بانواع الاذى كالضرب والسب والتهديد بالقتل وقيل الجملة الفعلية معطوفة على الاسمية قبلها أو على مجنون وحده فهي من مقولهم أي قالوا هو مجنون وانه ازدجرته الجن ذهبت بعقله.

الالوسي

تفسير : {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ } شروع في تعداد بعض ما ذكر من الأنباء الموجبة للازدجار؛ ونوع تفصيل لها وبيان لعدم تأثرهم بها تقريراً لفحوى قوله تعالى: { أية : فَمَا تُغْنِـى ٱلنُّذُرُ } تفسير : [القمر: 5] والفعل منزل منزلة اللازم أي فعلت التكذيب قبل تكذيب قومك قوم نوح، وقوله تعالى: {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا } تفسير لذلك التكذيب المبهم كما في قوله تعالى: { أية : وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ } تفسير : [هود: 45] الخ، وفيه مزيد تحقيق وتقرير للتكذيب، وجوز أن يكون المعنى كذبوا تكذيباً إثر تكذيب كلما خلا منهم قرن مكذب جاء عقيبه قرن آخر مكذب مثله، أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا - أي لما كانوا مكذبين للرسل جاحدين للنبوة رأساً كذبوا نوحاً - لأنه من جملة الرسل، والفاء عليه سببية، وقيل: معنى كذبت قصدت التكذيب وابتدأته، ومعنى {فَكَذَّبُواْ} أتموه وبلغوا نهايته كما قيل في قوله: شعر : قد جبر الدين الإله فجبر تفسير : وفي ذكره عليه السلام بعنوان العبودية مع الإضافة إلى نون العظمة تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله وتشنيع لمكذبيه. {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ } أي لم يقتصروا على مجرد التكذيب بل نسبوه إلى الجنون فقالوا هو مجنون {وَٱزْدُجِرَ } عطف على ـ قالوا ـ وهو إخبار منه عز وجل أي وزجر عن التبليغ بأنواع الأذية والتخويف قاله ابن زيد، وقرأ { أية : لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰنُوحٌ * لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُرْجُومِينَ } تفسير : [الشعراء: 116] وقال مجاهد: هو من تمام قولهم أي هو مجنون، وقد ازدجرته الجن وذهبت بلبه وتخبطته، والأول أظهر وأبلغ، وجعل مبنياً للمفعول لغرض الفاصلة، وطهر الألسنة عن ذكرهم دلالة على أن فعلهم أسوأ من قولهم.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بيانيّ ناشىء عن قوله: {أية : ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر}تفسير : [القمر: 4] فإن من أشهرها تكذيب قوم نوح رسولهم، وسبق الإِنباء به في القرآن في السور النازلة قبل هذه السورة. والخبر مستعمل في التذكير وليفرع عليه ما بعده. فالمقصود النعي عليهم عدم ازدجارهم بما جاءهم من الأنباء بتعداد بعض المهمّ من تلك الأنباء. وفائدة ذكر الظرف {قبلهم} تقرير تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم أي أن هذه شنشنة أهل الضلال كقوله تعالى: {أية : وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك}تفسير : [فاطر: 4] ألا ترى أنه ذكر في تلك الآية قوله: {من قبلك} نظير ما هنا مع ما في ذلك من التعريض بأن هؤلاء معرِضون. واعلم أنه يقال: كذَّب، إذا قال قولاً يدل على التكذيب، ويقال كذّب أيضاً، إذا اعتقد أن غيره كاذب قال تعالى: {أية : فإنهم لا يكذبونك}تفسير : [الأنعام: 33] في قراءة الجمهور بتشديد الذال، والمعنيان محتملان هنا، فإن كان فعل {كذبت} هنا مستعملاً في معنى القول بالتكذيب، فإن قوم نوح شافهوا نوحاً بأنه كاذب، وإن كان مستعملاً في اعتقادهم كذبه، فقد دلّ على اعتقادهم إعراضهم عن إنذاره وإهمالهم الانضواء إليه عندما أنذرهم بالطوفان. وعُرِّف {قوم نوح} بالإِضافة إلى اسمه إذ لم تكن للأمة في زمن نوح اسم يعرفون به. وأسند التكذيب إلى جميع القوم لأن الذين صدقوه عدد قليل فإنه ما آمن به إلا قليل، كما تقدم في سورة هود. والفاء في قوله: {فكذبوا عبدنا} لتفريع الإِخبار بتفصيل تكذيبهم إياه بأنهم قالوا: {مجنون وازدجر}، على الإِخبار بأنهم كذّبُوه على الإِجمال، وإنما جيء بهذا الأسلوب لأنه لما كان المقصود من الخبر الأول تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم فرّع عليه الإخبار بحصول المشابهة بين تكذيب قومِ نوح رسولهم وتكذيب المشركين محمداً صلى الله عليه وسلم في أنه تكذيب لمن أرسله الله واصطفاه بالعبودية الخاصة، وفي أنه تكذيب مشوب ببهتان إذ قال كلا الفريقين لرسوله: مَجنون، ومشوب ببذاءة إذ آذى كلا الفريقين رسولهم وازدجروه. فمحل التفريع هو وصف نوح بعبودية الله تكريماً له، والإِخبار عن قومه بأنهم افتروا عليه وصفَه بالجنون، واعتدوا عليه بالأذى والازدجارِ. فأصل تركيب الكلام: كذبت قبلهم قوم نوح فقالوا: مجنون وازدجر. ولما أريد الإِيماء إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ابتداء جعل ما بعد التسلية مفرعاً بفاء التفريع ليظهر قصد استقلال ما قبله ولولا ذلك لكان الكلام غنياً عن الفاء إذ كان يقول: كذبت قوم نوح عبدنا. وأعيد فعل {كذَّبوا} لإِفادة توكيد التكذيب، أي هو تكذيب قويّ كقوله تعالى: {أية : وإذا بطشتم بطشتم جَبارين}تفسير : [الشعراء: 130] وقوله: {أية : ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا}تفسير : [القصص: 63]، وقول الأحوص:شعر : فإذا تزول تزول عن متخمط تُخشى بوادِره على الأقران تفسير : وقد نبه على ذلك ابن جنيّ في إعراب هذا البيت من «ديوان الحماسة»، وذَكَر أن أبا عليّ الفارسي نحا غير هذا الوجه ولم يبيّنه. وحاصل نظم الكلام يرجع إلى معنى: أنه حصل فعل فكان حصوله على صفة خاصة أو طريقة خاصة. ويجوز أن يكون فعل {كذبت} مستعملاً في معنى: إنهم اعتقدوا كذبه، فتفريع {فكذّبوا عبدنا} عليه تفريع تصريحهم بتكذيبه على اعتقادهم كذبه. فيكون فعل {كذبوا} مستعملاً في معنى غير الذي استعمل فيه فعل {كذبت}، والتفريع ظاهر على هذا الوجه. وهذا الوجه يتأتّى في قوله تعالى: {أية : وكذّب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي} تفسير : في سورة سبأ (45). ويجوز أن يكون قوله: {كذبت قبلهم قوم نوح} إخباراً عن تكذيبهم بتفرد الله بالإِلهية حين تلقوه من الأنبياء الذين كانوا قبل نوح ولم يكن قبله رسول وعلى هذا الوجه يكون التفريع ظاهراً. و {ازدجر} معطوف على {قالوا} وهو افتعل من الزجر. وصيغة الافتعال هنا للمبالغة مثلها: افتقر واضطر. ونكتة بناء الفعل للمجهول هنا التوصل إلى حذف ما يسند إليه فعل الازدجار المبني للفاعل وهو ضمير {قوم نوح}، فعدل على أن يقال: وازدجروه، إلى قوله: {وازدُجر} مُحاشاة للدّال على ذات نوح وهو ضمير من أن يقع مفعولاً لضميرهم. ومرادهم أنهم ازدجروه، أي نهوه عن ادعاء الرسالة بغلظة قال تعالى: {أية : قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين}تفسير : [الأعراف: 66] وقال: {أية : قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين}تفسير : [الشعراء: 116] وقال: {أية : وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه}تفسير : [هود: 38].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون: أي كذبوا نوحا عبد الله ورسوله وقالوا هو مجنون. وازدجر: أي انتهروه وزجروه بالسب والشتم. فدعا ربه أني مغلوب فانتصر: أي فسأل ربه قائلاً رب إني مغلوب فانتصر أي لي. بماء منهمر: أي منصب انصبابا شديداً. وفجرنا الأرض عيوناً: أي تنبع نبعاً. فالتقى الماء: أي ماء السماء وماء الأرض. على أمر قد قدر: أي في الأزل ليغرقوا به فيهلكوا. وحملناه على ذات ألواح ودسر: أي حملنا نوحاً على سفينة ذات ألواح ودسر وهو ما يدسر به الألواح من مسامير وغيرها. واحد الدسر دسار ككتاب. تجري بأعيننا: أي بِمرأىً منا أي محفوظة بحفظنا لها. جزاء لمن كان كفر: أي أغرقناهم انتصاراً لمن كان كفر وهو نوح كفروا نبوته وكماله. ولقد تركناها: أي إغراقنا لهم على الصورة التي تمت عليها. آية: أي لمن يعتبر بها حيث شاع خبرها واستمر إلى اليوم. فهل من مدّكر: أي معتبر ومتعظ بها. فكيف كان عذابي ونذر: أي ألم يكن واقعاً موقعه. ولقد يسرنا القرآن للذكر: أي سهلناه للحفظ، وهيأناه للتذكير. فهل من مدّكر: أي فهل من متعظ به حافظ له متذكر. معنى الآيات: قوله تعالى {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} يخبر تعالى مسليا رسوله مخوفاً قومه فيقول {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} أي قبل قريش قوم نوح وهو أول رسول أرسل إلى قوم مشركين فكذبوا عبدنا رسولنا نوحاً كذبوه في دعوة التوحيد كذبوه في دعوة الرسالة، ولم يكتفوا بتكذيبه فقالوا مجنون أي هو مجنون {وَٱزْدُجِرَ} أي انتهروه وزجروه ببذيء القول وسيّىء الفعل فدعا أي نوح ربه قائلا {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ} لي يا ربي، فاستجاب الله تعالى له ففتح أبواب السماء بماء منهمر أي منصب انصباباً شديداً، وفجرنا الأرض عيوناً نابعة من الأرض فالتقى الماء النازل من السماء والنابع من الأرض {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} أي قدره الله في الأزل وقضى بأن يهلكهم بماء الطوفان وقوله تعالى {وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} والدسر جمع واحده دسار ككتاب وكتب وهو ما تُدْسَرُ به الألواح من مسامير وغيرها وقوله تعالى {تَجْرِي} وهي حاملة لعوالم شتى{بِأَعْيُنِنَا} أي بمرأىً منّا محفوظة بحفظنا لها وقوله {جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ} أي أغرقناهم انتصاراً لعبدنا نوح وجزاء له على صبره مع طول الزمن لقد أقام فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً. وقوله {وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً} أي تلك الفعلة التي فعلنا بهم وهي إغراقنا لهم تركناها آية للاعتبار لمن يعتبر بها حيث شاع خبرها واستمر إلى اليوم. وقوله تعالى {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي معتبر ومتعظ بها. وقوله {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} ألم يكن واقعاً موقعه؟ بلى. وقوله تعالى {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} أي سهلناه للحفظ وهيأناه للتذكر. فهل من مدّكر؛ أي فهل من متعظ به حافظ له والاستفهام للأمر أي فاتعظوا به واحفظوه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم. 2- تحذير قريش من الاستمرار في الكفر والمعاندة. 3- تقرير حادثة الطوفان والتي لا ينكرها إلا سفيه لم يحترم عقله. 4- فضل الله على هذه الأمة بتسهيل القرآن للحفظ والتذكر.

القطان

تفسير : ازدُجر: زجروه عن التبليغ. فانتصِرْ: فانتقم لي منهم. منهمر: منسكب بقوة. فالتقى الماء على أمرٍ قد قُدِر: فالتقى ماء السماء بماءِ الأرض، على حال قدّره الله. ذات ألواحٍ ودُسُر: الواحٍ من الخشب ومسامير، ودسر جمعُ دسار. بأعيننا: بحِفظنا وحراستنا. تركناها آية: تركنا السفينة آية وحجّة. مدّكر: معتبر، متذكر، متعظ. ونذُر: جمع نذير بمعنى إنذار. يبيّن الله تعالى هنا ان شأنَ الرسول الكريم مع قومه كشأنِ نوحٍ مع قومه. فبعد ان أخبرَ أنه جاءهم من الأخبار ما فيه زاجرٌ لو تذكّروا - ذَكَر هنا قصة قوم نوح الذين كذّبوا نبيَّهم قديماً قبل قريش، ورمَوه بالجنون ومنعوه من تبليغ رسالته بأنواع الأذى والتخويف. فدعا نوح ربه: لقد غلبتُ على أمري، فانتقِم منهم بعذابك. فاخبره الله تعالى أنه أجاب دعاءه فقال: {فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} أي بماء متدفق من السماء، وفجَّر من الأرض عيوناً فالتقى ماءُ السماء بماءِ الأرض وأهلك الكذّابين من قوم نوحٍ بالطوفان {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} وفق أمرٍ قدَّره الله تعالى. {وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} وحملنا نوحاً ومن معه على سفينة مصنوعة من الخشب والمسامير، تجري على الماء بحِفظ اللهِ ورعايته، وذلك جزاءً منا لنوحٍ الذي كذّبه قومه ولم يؤمنوا به. ثم بين الله تعالى انه أبقى أخبارَ السفينة وإغراقَهم عبرةً لمن بعدهم فقال: {وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} فهل يوجَدُ مِن بينِهم من يتّعظ ويعتبر!! {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} انظروا كيف كان العذابُ الذي حلّ بهم ما أشدَّه، وما أفظع إنذاري لهم بما أحللته بهم. وقد تقدمت قصة نوح في أكثرَ من سورة وذكر في القرآن في ثلاثةٍ وأربعين موضعا. ثم بين ان هذا القصص وامثاله إنما يُروى في القرآن للعبرة، وانه يسَّر معناه، وسهله للتذكّر والاتعاظ، فهل من متعظ؟ قراءات: قرأ ابن عامر ويعقوب: ففتّحنا بتشديد التاء، والباقون: ففتحنا بغير تشديد.

د. أسعد حومد

تفسير : (9) - كَذَّبَتْ قَبْلَ هؤُلاءِ المُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ، قَوْمُ نُوحٍ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ عَبْدُنَا نُوحٌ كَذَّبُوهُ، وَرَمَوْهُ بِالجُنُونِ، وَزَجَرُوهُ، وانتَهَرُوهُ، وَتَوَعَّدُوهُ، وَقَالُوا لَهُ: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومينَ - كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى-. وَازْدُجِرَ - انْتُهِرَ وَزُجِرَ عَنْ تَبْلِيغِ رِسَالَةِ رَبِّهِ بِالسَّبِّ والإِيذَاءِ.

الثعلبي

تفسير : {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} أي قبل أهل مكة {قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} نوحاً {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ} أي هو مجنون {وَٱزْدُجِرَ } أي زجروه عن دعوته ومقالته، وقال مجاهد: استطر جنوناً، وقال ابن زيد: اتهموه وزجروه وواعدوه "لئنْ لم تنتهِ لتكوننّ من المرجومين". {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ} مقهور {فَٱنتَصِرْ} فانتقم لي منهم. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن يوسف، قال: حدّثنا الوفراوندي، قال: حدّثنا يوسف ابن موسى، قال: حدّثنا وكيع عن الأعمش عن مجاهد عن عبد بن عمير، قال: إن الرجل من قوم نوح ليلقاه فيخنقه حتى يخر مغشياً، فيفيق حين يفيق وهو يقول: رب اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون. {فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} منصبّ مندفق ولم يقلع ولم ينقطع أربعين يوماً. قال ابن عباس والقرظي: منفجر من الأرض. يمان: طبق ما بين السماء والأرض. أبو عبيدة: هايل. الكسائي: سايل. قال امرؤ القيس يصف غيثاً: شعر : راح تمريه الصبا ثم انتحى فيه شؤبوب جنوب منهمر تفسير : وقال سلامة بن جندل يصف فرساً: شعر : والماء منهمر والشدّ منحدر والقصب مضطمر واللون غربيب تفسير : {وَفَجَّرْنَا} شققنا {ٱلأَرْضَ} بالماء {عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ} يعني ماء السماء وماء الأرض، وانما قال: التقى الماء، والالتقاء لا يكون من واحد وانما يكون من اثنين فصاعداً، لأن الماء جمعاً وواحداً. وقرأ عاصم الجحدري (فالتقى الماءان)، وقرأ الحسن (فالتقى الماوان) بجعل إحدى الألفين واواً. {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} قُضي عليهم في أُم الكتاب. قال محمد بن كعب القرظي: كانت الأقوات قبل الاجساد، وكان القدر قبل البلاء، وتلا هذه الآية. {وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ} ذكر النعت وترك الاسم، مجازه: على سفينة ذات ألواح من الخشب {وَدُسُرٍ} مسامير، واحدها دسار، يقال منه: دسرت السفينة إذا شددتها بالمسامير، وهذا قول القرظي وقتادة، وابن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس وشهر بن حوشب: هي صدر السفينة سمّيت بذلك لأنها تدسر الماء بجؤجئها، اي تدفع، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، قال: الدسر: كلكل السفينة، وأصل الدسر الجر والدفع، ومنه الحديث في العنبر "إنما هو شيء دسّره البحر"، أي دفعه ورمى به، وقال مجاهد: هي عوارض السفينة. الضحّاك: ألواح جانبها، والدسر أصلها وطرفها. ليث بن أبي نجيح عن مجاهد: أضلاعها. {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} أي بمرأى منّا. مقاتل بن حيان: بحفظنا، ومنه قول الناس للدموع: عين الله عليك. مقاتل بن سليمان: بوحينا. سفيان: بأمرنا. {جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ} يعني فعلنا ذلك ثواباً لنوح، ومجاز الآية: لمن جحد وأنكر وكفر بالله فيه، وجعل بعضهم {مَن} هاهنا بمعنى (ما)، وقال معناه: جزاء لمن كان كفر من أيادي الله ونعمائه عند الذين غرقهم، وإليه ذهب ابن زيد، وقيل: معناه عاقبناهم لله ولأجل كفرهم به. وقرأ مجاهد {جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ} بفتح الكاف والفاء يعني كان الغرق جزاء لمن يكفر بالله، وكذب رسوله فأهلكهم الله. وما نجا من الكفّار من الغرق غير عوج بن عنق كان الماء إلى حجزته، وكان السبب في نجاته على ما ذكر أن نوحاً عليه السلام احتاج إلى خشب ساج للسفينة فلم يمكنه نقلها، فحمل عوج تلك الخشبة إليه من الشام. فشكر الله تعالى ذلك له ونجّاه من الغرق. {وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا} يعني السفينة {آيَةً} عبرة. قال قتادة: أبقاها الله بباقردى من أرض الجزيرة عبرة وآية، حتى نظرت إليها أوائل هذه الأُمة نظراً، وكم من سفينة كانت بعدها قد صارت رمداً. {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} متّعظ معتبر وخائف مثل عقوبتهم. {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} أي إنذاري. قال الفرّاء: الإنذار والنذر مصدران تقول العرب: أنذرت إنذاراً ونذراً، كقولك: انفقت إنفاقاً ونفقة، وأيقنت إيقاناً ويقيناً. {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا} سهّلنا وهونّا {ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} اي ليتذكر ويُعتبر به ويتفكر فيه، وقال سعيد ابن جبير: يسّرنا للحفظ ظاهراً، وليس من كتب الله كتاباً يقرأ كله ظاهراً إلاّ القرآن. {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} متّعظ بمواعظه. أخبرني الحسن بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي، قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن راهويه قال: حدّثنا أبو عمير بن النحاس ببيت المقدس، قال: حدّثنا ضمرة بن ربيعة عن عبدالله بن شوذب عن مطر الوراق في قول الله سبحانه {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} قال: هل من طالب علم فيعان عليه. {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ} شؤم وشرّ {مُّسْتَمِرًّ} وكان يوم الأربعاء، مستمر: شديد ماض على الصغير والكبير فلم تُبقِ منهم أحداً إلاّ أهلكته، وقرأ هارون الاعور {نَحْسٍ} بكسر الحاء. {تَنزِعُ ٱلنَّاسَ} تقلع الناس ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتدقّ رقابهم، قال ابن إسحاق: لمّا هاجت الريح قام نفر من عاد سبعة يسمى لنا منهم ستّة من أشدّ عاد وأجسمها منهم: عمرو بن الحلي، والحرث بن شداد والهلقام وابناتيقن، وخلجان بن سعد فأولجوا العيال في شعب بين جبلين، ثم اصطفوا على باب الشعب ليردّوا الريح عمن في الشعب من العيال، فجعلت الريح تخفقهم رجلا رجلا، فقالت امرأة من عاد: شعر : ذهب الدهر بعمر بن حلي والهنيات ثم بالحرث والهلقام طلاع الثنيات شعر : والذي سدّ مهب الريح أيام البليات تفسير : وبإسناد أبي حمزة الثمالي قال: حدّثني محمد بن سفيان عن محمد بن قرظة بن كعب عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : انتزعت الريح الناس من قبورهم ". تفسير : {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ} قال ابن عباس: أُصول، وقال الضحّاك: أوراك. {نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} منقلع من مكانه، ساقط على الأرض، وواحد الأعجاز عجز مثل عضد وأعضاد، وإنّما قال: أعجاز نخل وهي أُصولها التي تقطعت فروعها، لأن الريح كانت ترمي رؤوسهم من أجسادهم، فتبقى أجسام بلا رؤوس. سمعت أبا القاسم الجنيني يقول: سمعت أبا علي الحسين بن أحمد القاضي البيهقي. يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن القاسم بن سياب الأنباري يقول: سئل المبرّد بحضرة إسماعيل بن إسحاق القاضي عن ألف مسألة هذه من جملتها، وهو أن السائل قال: ما الفرق بين قوله: {أية : جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} تفسير : [يونس: 22] و {أية : وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً} تفسير : [الأنبياء: 81] و {أية : كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 7] وقوله: و {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}؟ فقال: كل ما ورد عليك من هذا الباب فلك أن تردّه إلى اللفظ تذكيراً، ولك أن ترده إلى المعنى تأنيثاً. {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ} معناه أَسفرَ جنونهُ. ويقال: استطر. والمُزدجرُ: المُنتهى المُتعظُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تبارك وتعالى حال المكذبين لرسوله، وأن الآيات لا تنفع فيهم، ولا تجدي عليهم شيئا، أنذرهم وخوفهم بعقوبات الأمم الماضية المكذبة للرسل، وكيف أهلكهم الله وأحل بهم عقابه. فذكر قوم نوح، أول رسول بعثه الله إلى قوم يعبدون الأصنام، فدعاهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فامتنعوا من ترك الشرك وقالوا: {أية : لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا }. تفسير : ولم يزل نوح يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، فلم يزدهم ذلك إلا عنادا وطغيانا، وقدحا في نبيهم، ولهذا قال هنا: { فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ } لزعمهم أن ما هم عليه وآباؤهم من الشرك والضلال هو الذي يدل عليه العقل، وأن ما جاء به نوح عليه الصلاة والسلام جهل وضلال، لا يصدر إلا من المجانين، وكذبوا في ذلك، وقلبوا الحقائق الثابتة شرعا وعقلا فإن ما جاء به هو الحق الثابت، الذي يرشد العقول النيرة المستقيمة، إلى الهدى والنور والرشد، وما هم عليه جهل وضلال مبين، [وقوله:] { وَازْدُجِرَ } أي: زجره قومه وعنفوه عندما دعاهم إلى الله تعالى، فلم يكفهم -قبحهم الله- عدم الإيمان به، ولا تكذيبهم إياه، حتى أوصلوا إليه من أذيتهم ما قدروا عليه، وهكذا جميع أعداء الرسل، هذه حالهم مع أنبيائهم. فعند ذلك دعا نوح ربه [فقال:] { أَنِّي مَغْلُوبٌ } لا قدرة لي على الانتصار منهم، لأنه لم يؤمن من قومه إلا القليل النادر، ولا قدرة لهم على مقاومة قومهم، { فَانْتَصِرْ } اللهم لي منهم، وقال في الآية الأخرى: {أية : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } تفسير : الآيات فأجاب الله سؤاله، وانتصر له من قومه، قال تعالى: { فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ } أي: كثير جدا متتابع { وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا } فجعلت السماء ينزل منها من الماء شيء خارق للعادة، وتفجرت الأرض كلها، حتى التنور الذي لم تجر العادة بوجود الماء فيه، فضلا عن كونه منبعا للماء، لأنه موضع النار. { فَالْتَقَى الْمَاءُ } أي: ماء السماء والأرض { عَلَى أَمْرٍ } من الله له بذلك، { قَدْ قُدِرَ } أي: قد كتبه الله في الأزل وقضاه، عقوبة لهؤلاء الظالمين الطاغين { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ } أي: ونجينا عبدنا نوحا على السفينة ذات الألواح والدسر أي: المسامير [التي] قد سمرت [بها] ألواحها وشد بها أسرها. { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } أي: تجري بنوح ومن آمن معه، ومن حمله من أصناف المخلوقات برعاية من الله، وحفظ [منه] لها عن الغرق [ونظر]، وكلائه منه تعالى، وهو نعم الحافظ الوكيل، { جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } أي: فعلنا بنوح ما فعلنا من النجاة من الغرق العام، جزاء له حيث كذبه قومه وكفروا به فصبر على دعوتهم، واستمر على أمر الله، فلم يرده عنه راد، ولا صده عنه صاد، كما قال [تعالى] عنه في الآية الأخرى: {أية : قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ } تفسير : الآية. ويحتمل أن المراد: أنا أهلكنا قوم نوح، وفعلنا بهم ما فعلنا من العذاب والخزي، جزاء لهم على كفرهم وعنادهم، وهذا متوجه على قراءة من قرأها بفتح الكاف { وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } أي: ولقد تركنا قصة نوح مع قومه آية يتذكر بها المتذكرون، على أن من عصى الرسل وعاندهم أهلكه الله بعقاب عام شديد، أو أن الضمير يعود إلى السفينة وجنسها، وأن أصل صنعتها تعليم من الله لعبده نوح عليه السلام، ثم أبقى الله تعالى صنعتها وجنسها بين الناس ليدل ذلك على رحمته بخلقه وعنايته، وكمال قدرته، وبديع صنعته، { فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } ؟ أي: فهل من متذكر للآيات، ملق ذهنه وفكرته لما يأتيه منها، فإنها في غاية البيان واليسر؟ { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } أي: فكيف رأيت أيها المخاطب عذاب الله الأليم وإنذاره الذي لا يبقي لأحد عليه حجة. { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } أي: ولقد يسرنا وسهلنا هذا القرآن الكريم، ألفاظه للحفظ والأداء، ومعانيه للفهم والعلم، لأنه أحسن الكلام لفظا، وأصدقه معنى، وأبينه تفسيرا، فكل من أقبل عليه يسر الله عليه مطلوبه غاية التيسير، وسهله عليه، والذكر شامل لكل ما يتذكر به العاملون من الحلال والحرام، وأحكام الأمر والنهي، وأحكام الجزاء والمواعظ والعبر، والعقائد النافعة والأخبار الصادقة، ولهذا كان علم القرآن حفظا وتفسيرا، أسهل العلوم، وأجلها على الإطلاق، وهو العلم النافع الذي إذا طلبه العبد أعين عليه، قال بعض السلف عند هذه الآية: هل من طالب علم فيعان [عليه]؟ ولهذا يدعو الله عباده إلى الإقبال عليه والتذكر بقوله: { فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ }.