Verse. 4856 (AR)

٥٤ - ٱلْقَمَر

54 - Al-Qamar (AR)

فَدَعَا رَبَّہٗۗ اَنِّىْ مَغْلُوْبٌ فَانْتَصِرْ۝۱۰
FadaAAa rabbahu annee maghloobun faintasir

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فدعا ربه أني» بالفتح، أي بأني «مغلوب فانتصر».

10

Tafseer

الرازي

تفسير : ترتيباً في غاية الحسن لأنهم لما زجروه وانزجر هو عن دعائهم دعا ربه أني مغلوب وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء {إِنّى } بكسر الهمزة على أنه دعاء، فكأنه قال: إني مغلوب، وبالفتح على معنى بأني. المسألة الثانية: ما معنى مغلوب؟ نقول فيه وجوه الأول: غلبني الكفار فانتصر لي منهم الثاني: غلبتني نفسي وحملتني على الدعاء عليهم فانتصر لي من نفسي، وهذا الوجه نقله ابن عطية وهو ضعيف الثالث: وجه مركب من الوجهين وهو أحسن منهما وهو أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدعو على قومه ما دام في نفسه احتمال وحلم، واحتمال نفسه يمتد ما دام الإيمان منهم محتملاً، ثم إن يأسه يحصل والاحتمال يفر بعد اليأس بمدة، بدليل قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ } تفسير : [الكهف: 6]، {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰتٍ } تفسير : [فاطر: 8] وقال تعالى: {أية : وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } تفسير : [المؤمنون: 27] فقال نوح: يا إلهي إن نفسي غلبتني وقد أمرتني بالدعاء عليهم فأهلكهم، فيكون معناه (إني) مغلوب بحكم البشرية أي غلبت وعيل صبري فانتصر لي منهم لا من نفسي. المسألة الثالثة: فانتصر معناه انتصر لي أو لنفسك فإنهم كفروا بك وفيه وجوه أحدها: فانتصر لي مناسب لقوله مغلوب ثانيها: فانتصر لك ولدينك فإني غلبت وعجزت عن الانتصار لدينك ثالثها: فانتصر للحق ولا يكون فيه ذكره ولا ذكر ربه، وهذا يقوله قوي النفس بكون الحق معه، يقول القائل: اللهم أهلك الكاذب منا، وانصر المحق منا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّى } بالفتح ،أي بأني {مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ }.

ابو السعود

تفسير : {فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى} أي بأَنِّي وقُرِىءَ بالكسرِ على إرادةِ القولِ {مَغْلُوبٌ} أي من جهةِ قومِي ما لي قدرةٌ على الانتقامِ منْهم {فَٱنتَصِرْ} أي فانتقِمْ لِي منُهم وذلكَ بعد تقررِ يأسِه منُهم بعد اللَّتيا والتي فقد رُويَ أنَّ الواحدَ منْهم كان يلقاهُ فيخنقُه حتَّى يخِرَّ مغشياً عليهِ ويقولَ اللهمَّ اغفرُ لقومِي فإنَّهم لا يعلمونَ {فَفَتَحْنَا أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ} منصبَ وهُو تمثيلٌ لكثرةِ الأمطارِ وشدةِ انصبابِها وقُرِىءَ ففتَّحنا بالتشديدِ لكثرةِ الأبوابِ {وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً} أي جعلنَا الأرض كُلَّها كأنَّها عيونٌ متفجرةٌ وأصلُه وفجرنَا عيونَ الأرضِ فغُيرَ قضاءً لحقِّ المقامِ {فَالْتَقَى ٱلمَاء} أي ماءُ السماءِ وماءُ الأرضِ والإفرادُ لتحقيقِ أنَّ التقاءَ الماءينِ لم يكُنْ بطريقِ المجاورةِ والتقاربِ بلْ بطريقِ الاختلاطِ والاتحادِ وقُرِىءَ المَاءانِ لاختلافِ النوعينِ والماوانِ بقلبِ الهمزةِ واواً. {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} أي كائناً على حالٍ قد قدَّرَها الله تعالَى من غيرِ تفاوتٍ أو على حالٍ قدرتْ وسويتْ وهو أنَّ قدرَ ما أُنزلَ على قدرِ ما أُخرجَ أو على أمرٍ قدرَهُ الله تعالَى وهو هلاكُ قومِ نوحٍ بالطُّوفانِ {وَحَمَلْنَاهُ} أي نوحاً عليهِ السَّلامُ {عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوٰحٍ} أي أخشابٍ عريضةٍ {وَدُسُرٍ} ومساميرَ جمعُ دِسارٍ من الدَّسرِ وهو الدفعُ وهي صفةٌ للسفينةِ أقيمتْ مقامَها من حيثُ إنَّها كالشرح لها تؤدِّي مُؤدَّاها {تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا} بمرأى منَّا أي محفوظةً بحفظِنا {جَزَاء لّمَن كَانَ كُفِرَ} أي فعلنَا ذلكَ جزاءَ لنوحٍ عليهِ السَّلامُ لأنَّه كانَ نعمةً كفرُوها فإنَّ كلَّ نبـيَ نعمةٌ من الله تعالَى على أمتهِ ورحمةٌ وأيُّ نعمةٍ ورحمةٍ وقد جُوِّزَ أن يكونَ على حذفِ الجارِّ وإيصالِ الفعلِ إلى الضميرِ واستتارُه في الفعلِ بعد انقلابِه مرفوعاً وقُرِىءَ لَمنْ كَفَرَ أي للكافرينَ.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: لولا ما جرى الله فى الوسائط لتأديب العبيد لضلوا ممن ينصر فى أين الغالب وأين المغلوب إذا كان الحق صرفاً ينطق ويسكت معناه {نِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ} الله غالبه وهازمه {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}. قال ابن عطاء: عيون الله فى أرضه إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين وهى تجرى بهم وليس بينهما واسطة إذا كانوا به وكانوا له وعنه وفيه ومنه وهم يشهدون فعل ذاته وهو يجرى بهم تجرى بأعيننا التنقل فى الدرجات والمقامات والكرامات وفى المواجيد فى الأسرار يلقون فيها تحية وسلاماً.

البقلي

تفسير : لو شاهد عليه السلام ما وعده الله فى اوايل حاله من النصر والظفر بالحقيقة لسكن فى ورود الامتحان عليه هذا لوط عليه السلام اذا احتجب بالامتحان عن شهود مشاهدته الرحمن قال لو ان لى بكم قوة او اوى الى ركن شديد واى قوة اقوى من قوة الله واى ركن اشد من الله لكن حكمته فرار نوح من الله الى الله وذلك معادن الامن والانبساط والحقيقة والافتقار والاول منزل التوحيد اذا فنى عن الدعاء وصدق هو مغلوب الله ومن صبر بالله هناك هو غالب على ما دون الله قال بعضهم لولا ما اجرى الله على لسان الوسائط لتاديب العبد تضلوا ممن ينتصر بى منك اين الغالب واين المغلوب اذا كان الحق صرفا ينطق ويسكن معناه انى مغلوب فانتصر الله غالبه وهازمه.

اسماعيل حقي

تفسير : {فدعا ربه} اى لما زجروا نوحا عن الدعوة وبلغ مدة التبليغ تسعمائة وخمسين سنة دعا ربه {انى} اى بأنى {مغلوب} من جهة قومى مالى قدرة على الانتقام منهم {فانتصر} اى فانتقم لى منهم وذلك بعد تقرر يأسه منهم بعد الليتا والتى فقد روى ان الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا فيفيق ويقول اللهم اغفر لقومى فانهم لايعلمون فلما اذن الله له فى الدعاء للاهلاك دعا فاجيب كما قال فى الصفات {أية : ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون }

الجنابذي

تفسير : {فَدَعَا رَبَّهُ} بعد ما انزجر شديداً {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ} منهم بالاهلاك.

اطفيش

تفسير : {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي} أي بأني وقرىء بالكسر لتضمن دعا معنى قال أو لتقدير القول أي فقال {مَغْلُوبٌ} غلبني قومي أيس من ايمانهم روي انه بلقاء احدهم فيخنقه فيخر مغشيا عليه فيفق وهو يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. فانتصر لي منهم، أي انتقم.

اطفيش

تفسير : {فَدعا ربَّه أني مغْلوبٌ} بأنى مغلوب من جهة قومى لا طاقة لى بهم، وقيل:المعنى غلبتنى نفسى فدعوت عيهم، ويرده أنه خلاف الظاهر، وأنه مخالف لقوله: {فانْتَصِر} أى انتقم لى منهم، وأنه ما دعا عليهم الا بعد الاياس منهم،وقيل: انتقم لك منهم إذ كذبوا رسولك والأول أولى، لأنه المتبادر.

الالوسي

تفسير : {فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى } أي بأني. وقرأ ابن أبـي إسحٰق وعيسى والأعمش وزيد بن علي ورويت عن عاصم {إِنّى } بكسر الهمزة على إضمار القول عند البصريين، وعلى إجراء الدعاء مجرى القول عند الكوفيين {مَغْلُوبٌ } من جهة قومي مالي قدرة على الانتقام منهم {فَٱنتَصِرْ } فانتقم لي منهم، وقيل: فانتصر لنفسك إذ كذبوا رسولك، وقيل: المراد ـ بمغلوب ـ غلبتني نفسي حتى دعوت عليهم بالهلاك وهو خلاف الظاهر وما دعا عليه السلام عليهم إلا بعد اليأس من إيمانهم. والتأكيد لمزيد الاعتناء بأمر الترحم المقصود من الإخبار.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على {أية : كذبت قبلهم قوم نوح}تفسير : [القمر: 9] وما تفرع عليه. والمغلوب مجاز، شبه يأسه من إجابتهم لدعوته بحال الذي قاتل أو صارع فغلبه مقاتله، وقد حكى الله تعالى في سورة نوح كيف سلك مع قومه وسائل الإقناع بقبول دعوته فأعيته الحيل. و{أنى} بفتح الهمزة على تقدير باء الجر محذوفة، أي دعا بأني مغلوب، أي بمضمون هذا الكلام في لغته. وحذف متعلق {فانتصر} للإِيجاز وللرعي على الفاصلة والتقدير: فانتصر لي، أي انصرني. وجملة {ففتحنا أبواب السماء} إلى آخرها مفرعة على جملة {فدعا ربه}، ففهم من التفريع أن الله استجاب دعوته وأن إرسال هذه المياه عقاب لقوم نوح. وحاصل المعنى: فأرسلنا عليهم الطوفان بهذه الكيفية المحكمة السريعة. وقرأ الجمهور {ففتحنا} بتخفيف التاء. وقرأه ابن عامر بتشديدها على المبالغة. والفتح بمعنى شدة هطول المطر. وجملة {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر} مركب تمثيلي لهيئة اندفاق الأمطار من الجو بهيئة خروج الجماعات من أبواب الدار على طريقة:شعر : وسالتْ بأعناق المطيّ الأباطح تفسير : والمنهمر: المنصب، أي المصبوب يقال: عمرَ الماء إذا صبه، أي نازل بقوة. والتفجير: إسالة الماء، يقال: تفجر الماء، إذا سال، قال تعالى: {أية : حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}تفسير : [الإسراء: 90]. وتعدية {فجّرنا} إلى اسم الأرض تعدية مجازية إذ جعلت الأرض من كثرة عيونها كأنها عين تتفجر. وفي هذا إجمال جيء من أجله بالتمييز له بقوله: {عيوناً} لبيان هذه النسبة، وقد جعل هذا ملحقاً بتمييز النسبة لأنه محول عن المفعول إذ المعنى: وفجرنا عيون الأرض، وهو مثل المحول عن الفاعل في قوله تعالى: {أية : واشتعل الرأس شيباً}تفسير : [مريم: 4]، أي شيب الرأس إذ لا فرق بينهما، ونكتة ذلك واحدة. قال في «المفتاح»: «إسناد الاشتعال إلى الرأس لإِفادة شُمول الاشتعالِ الرأسَ إذ وزان اشتعل شيبُ الرأس، واشتعل الرأس شيباً وزان اشتعلت النار في بيتي واشتعل بيتي ناراً» اهـــــ. والتقاء الماء: تجمع ماءِ الأمطار مع ماء عيون الأرض فالإلتقاء مستعار للاجتماع، شبه الماء النازل من السماء والماء الخارج من الأرض بطائفتين جاءت كل واحدة من مكان فالتقتا في مكان واحد كما يلتقي الجيشان. والتعريف في {الماء} للجنس. وعلم من إسناد الإلتقاء أنهما نوعان من الماء ماء المطر وماء العيون. و{على} من قوله: {على أمر} يجوز أن تكون بمعنى (في) كقوله تعالى: {أية : ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها}تفسير : [القصص: 15]، وقول الفرزدق:شعر : على حالةٍ لو أن في البحر حاتماً على جوده لضنَّ بالماء حاتم تفسير : والظرفية مجازية. ويجوز أن تكون {على} للاستعلاء المجازي، أي ملابساً لأمر قد قدر ومتمكناً منه. ومعنى التمكن: شدة المطابقة لما قُدر، وأنه لم يحد عنه قيد شَعَرة. والأمر: الحال والشأن وتنوينه للتعظيم. ووصف الأمر بأنه {قد قُدر}، أي أتقن وأحكم بمقدار، يقال: قدَره بالتخفيف إذا ضبطه وعينه كما قال تعالى: {أية : إنا كل شيء خلقناه بقدر}تفسير : [القمر: 49] ومحل {على أمر} النصب على الحال من الماء. واكتفي بهذا الخبر عن بقية المعنى، وهو طغيان الطوفان عليهم اكتفاء بما أفاده تفريع {ففتحنا أبواب السماء} كما تقدم انتقالاً إلى وصف إنجاء نوح من ذلك الكرب العظيم، فجملة {وحملناه} معطوفة على التفريع عطف احتراس. والمعنى: فأغرقناهم ونجَّيْناه. و{ذات ألواح ودُسُر} صفة السفينة، أقيمت مقام الموصوف هنا عوضاً عن أن يقال: وحملناه على الفلك لأن في هذه الصفة بيان متانة هذه السفينة وإحكام صنعها. وفي ذلك إظهار لعناية الله بنجاة نوح ومن معه فإن الله أمره بصنع السفينة وأوحى إليه كيفية صنعها ولم تكن تعرف سفينة قبلها، قال تعالى: {أية : وأُوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا}تفسير : [هود: 36، 37]، وعادة البلغاء إذا احتاجوا لذكر صفة بشيء وكان ذكرها دالاً على موصوفها أن يستغنوا عن ذكر الموصوف إيجازاً كما قال تعالى: {أية : أن اعمَل سابغاتٍ}تفسير : [سبأ: 11]، أي دُروعاً سابغات. والحمل: رفع الشيء على الظهر أو الرأس لنقله {أية : وتحمل أثقالكم}تفسير : [النحل: 7] وله مجازات كثيرة. والألواح: جمع لوح، وهو القطعة المسوّاة من الخشب. والدسر: جمع دِسار، وهو المسمار. وعدي فعل (حملنا) إلى ضمير نوح دون من معه من قومه لأن هذا الحمل كان إجابة لدعوته ولنصره فهو المقصود الأول من هذا الحمل، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: {أية : فأنجيناه والذين معه برحمة منا}تفسير : [الأعراف: 72] وقوله: {أية : فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك}تفسير : [المؤمنون: 28] ونحوه من الآيات الدالة على أنه المقصود بالإنجاء وأن نجاة قومه بمعيته، وحسبك قوله تعالى في تذييل هذه الآية {جزاء لمن كان كُفِر} فإن الذي كان كُفِر هو نوح كفر به قومه. و{على} للاستعلاء المجازي وهو التمكن كقوله تعالى: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك}، وإلا فإن استقراره في السفينة كائن في جوفها كما قال تعالى: {أية : إنا لما طغا الماءُ حملناكم في الجارية}تفسير : [الحاقة: 11] {أية : قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين}تفسير : [هود: 40]. والباء في {بأعيننا} للملابسة. والأعين: جمع عين بإطلاقه المجازي، وهو الاهتمام والعناية، كقول النابغة:شعر : علمْتك ترعاني بعين بصيرة تفسير : وقال تعالى: {أية : فإنك بأعيننا}تفسير : [الطور: 48]. وجُمع العين لتقوية المعنى لأن الجمع أقوى من المفرد، أي بحراسات منّا وعنايات. ويجوز أن يكون الجمع باعتبار أنواع العنايات بتنوع آثارها. وأصل استعمال لفظ العين في مثله تمثيل بحال الناظر إلى الشيء المحروس مثل الراعين كما يقال للمسافر: «عين الله عليك»، ثم شاع ذلك حتى ساوى الحقيقة فجمع بذلك الاعتبار. وتقدم في سورة هود. و{جزاء} مفعول لأجله لــــ {فتحنا} وما عُطف عليه، أي: فعلنا ذلك كله جزاء لنوح. و{من كان كُفِر} هو نوح فإن قومه كَفَروا به، أي لم يؤمنوا بأنه رسول وكان كفرهم به منذ جاءهم بالرسالة فلذلك أقحم هنا فعل {كان}، أي لمن كُفِر منذ زمان مضى وذلك ما حكي في سورة نوح (5) بقوله: {أية : قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً}تفسير : إلى قوله في سورة نوح (8 - 9): {أية : ثم إني دعوتهم جهاراً ثم إنِّي أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً}.تفسير : وحذف متعلق كفر لدلالة الكلام عليه. وتقديره: كفر به، أو لأنه نصح لهم ولقي في ذلك أشد العناء فلم يشكروا له بل كفروه فهو مكفور فيكون من باب قوله تعالى: {أية : ولا تكفرون}تفسير : [البقرة: 152].

الشنقيطي

تفسير : قرأ هذا الحرف ابن عامر {فَفَتَحْنَآ} بتشديد التاء للتكثير، وباقي السبعة بتخفيفها. وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن نبيه نوحاً دعاه قائلا: إن قومه غلبوه سائلاً ربه أن ينتصر له منهم، وأن الله انتصر له منهم، فأهلكهم بالغرق، لأنه تعالى فتح أبواب السماء بماء منهمر أي متدفق منصب بكثرة وأنه تعالى فجر الأرض عيوناً. وقوله: {عُيُوناً}، تمييز محول عن المفعول، والأصل فجرنا عيون الأرض. والتفجير: إخراج الماء منها بكثرة، وأل، في قوله: {فَالْتَقَى ٱلمَآء} للجنس، ومعناه التقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قدر، أي قدره الله وقضاه. وقيل: إن معناه أن الماء النازل من السماء والمتفجر من الأرض جعلهما الله بمقدار ليس أحدهما أكثر من الآخر، والأول أظهر. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من دعاء نوح ربه جل وعلا، أن ينتصر له، من قومه فينتقم منهم، وأن الله أجابه فانتصر له منهم فأهلكهم جميعاً بالغرق في هذا الماء المتلقى من السماء والأرض، موضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى في الأنبياء: {أية : وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [الأنبياء: 76-77]. وقوله تعالى في الصافات {أية : وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الصافات: 75] - إلى قوله -{أية : ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ}تفسير : [الصافات: 82]. وقد بين جل وعلا أن دعاء نوح فيه سؤاله الله أن يهلكهم إهلاكاً مستأصلاً، وتلك الآيات فيها بيان لقوله هنا: فانتصر وذلك كقوله تعالى:{أية : وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً}تفسير : [نوح: 26-27] وما دعا نوح على قومه إلا بعد أن أوحى الله إليه أنه لا يؤمن منهم أحد غير القليل الذي آمن، وذلك في قوله تعالى:{أية : وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ}تفسير : [هود: 36]. وقد قال تعالى {أية : وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ}تفسير : [هود: 4]. وقوله تعالى {عُيُوناً} قرأه ابن كثير وابن عامر في رواية ابن ذكوان وعاصم، في رواية شعبة وحمزة والكسائي: {عُيُوناً} بكسر العين لمجانسة الياء. وقرأه نافع وأبو عمرو وابن عامر في رواية هشام وعاصم في رواية حفص عيوناً بضم العين على الأصل.

د. أسعد حومد

تفسير : (10) - فَدَعَا نُوحٌ رَبَّهُ قَائِلاً: يَا رَبِّ إِنَّ قَومِي غَلَبُونِي، وَإِنَّني ضَعِيفٌ لاَ أَسْتَطِيعُ مُقَاوَمَتَهُمْ فَانْتَصِرْ أَنْتَ مِنْهُمْ لِدِينِكَ، بِعِقابٍ مِنْ عِنْدِكَ، عَلَى كُفْرِهِمْ بِكَ، وَعَلى تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَكَ. مَغْلُوبٌ - مَقْهُورٌ. فَانْتَصِرْ - فَانْتَقِمْ أَنْتَ يَا رَبِّ مِنْهُمْ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ} [القمر: 10]؛ يعني اللطيفة النفسية دعت ربه: إني مغلوب من غلبة القوى المكذبة والمنكرة، فانصرني بالوارد القهري، {فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ} [القمر: 11] الصدر {بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} [القمر: 11] بماء الوارد القهري منصباً على أرض البشرية، {وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ} [القمر: 12]؛ يعني: غلب ماء سماء الصدر على ماء عنصرية أرض البشرية {قَدْ قُدِرَ} [القمر: 12] على حد قدرناه وأمرناه {وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} [القمر: 13]؛ يعني: حملنا اللطيفة النوحية على سفينة شريعتها، التي هي ذات ألواح سرية ودسر خفية؛ والدسر المسامير، {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14]؛ أي: بحفظنا ومراء منا على وجه الماء، وأغرقنا القوى المكذبة المنكرة لآياتنا في ماء الوارد الظاهر {جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ} [القمر: 14]، وهو الاستعداد المخصوص بالنفس كفر باللطيفة النفسية، النفس قدر جوهرها،؛ وهي نعمة من الله تعالى كفر بها وبآياتنا وكذب اللطيفة المرسلة. {وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً} [القمر: 15]؛ يعني: هذه الحالة تركناها في النفوس علامة بعينه للسالكين طريقتنا، {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 15]؛ أي: متعظ متذكر في نفسه بأن هذه الحالة كيف وقعت لي؟ وما معنى هذه الواقعة، وكنت في بداية وصولي إلى هذه الواقعة؟ حكيت لأحد من خلاني: إني رأيت اليوم واقعة مثل واقعة نوح عليه السلام، ورأيت أيضاً قيام القيامة، فضحك وقال: القيامة الموعودة المستقبلة، والواقعة النوحية الماضية كيف يجتمعان في حالة واحدة؟ فلما تفرست منه قلة علمه بالطريق وإنكاره للآية سكت، وقلت في نفسي: كما يقول: أين المدكر {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 16]؛ يعني: أين من يتذكر كيفية العذاب الواقع؟ ويتفكر في إنزال النذر والمواعظ ويتعظ به. {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} [القمر: 17]؛ يعني: سهلنا لمن لم يكن أهلاً لورود عليه قراءة القرآن على اللطيفة المرسلة المبلغة؛ ليذكروا الآيات التي بيَّنا فيه ويتعظوا بها وينتفعوا بها، {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 17]؛ أي: من متعظ بآيات القرآن الذي سيرنا عليها قراءته، {كَذَّبَتْ عَادٌ} [القمر: 18]؛ يعني: قوى العادة الفانية القالبية كذبت اللطيفة المستخلصة من كدورات الهوى المرسلة، {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 18] انظر كيف وصل إليهم عذابي وإنذاري.