Verse. 4864 (AR)

٥٤ - ٱلْقَمَر

54 - Al-Qamar (AR)

كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِيْ وَنُذُرِ۝۱۸
Kaththabat AAadun fakayfa kana AAathabee wanuthuri

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كذبت عاد» نبيهم هودا فعذبوا «فكيف كان عذابي ونذر» إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله أي وقع موقعه وقد بينه بقوله.

18

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: الأولى: قال في قوم نوح: {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ } تفسير : [الشعراء: 105] ولم يقل في عاد كذبت قوم هود وذلك لأن التعريف كلما أمكن أن يؤتى به على وجه أبلغ فالأولى أن يؤتى به والتعريف بالاسم العلم أولى من التعريف بالإضافة إليه، فإنك إذا قلت: بيت الله لا يفيد ما يفيد قولك الكعبة، فكذلك إذا قلت: رسول الله لا يفيد ما يفيد قولك محمد فعاد اسم علم للقوم لا يقال قوم هود أعرف لوجهين أحدهما: أن الله تعالى وصف عاداً بقوم هود حيث قال: {أية : أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ } تفسير : [هود: 60] ولا يوصف الأظهر بالأخفى والأخص بالأعم ثانيهما: أن قوم هود واحد وعاد، قيل: إنه لفظ يقع على أقوام ولهذا قال تعالى: {أية : عَاداً ٱلأُولَىٰ } تفسير : [النجم: 50] لأنا نقول: أما قوله تعالى: {أية : لّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ } تفسير : [هود: 60] فليس ذلك صفة وإنما هو بدل ويجوز في البدل أن يكون دون المبدل في المعرفة، ويجوز أن يبدل عن المعرفة بالنكرة، وأما عاداً الأولى فقد قدمنا أن ذلك لبيان تقدمهم أي عاداً الذين تقدموا وليس ذلك للتمييز والتعريف كما تقول محمد النبي شفيعي والله الكريم ربي ورب الكعبة المشرفة لبيان الشرف لا لبيانها وتعريفها كما تقول: دخلت الدار المعمورة من الدارين وخدمت الرجل الزاهد من الرجلين فتبين المقصود بالوصف. المسألة الثانية: لم يقل كذبوا هوداً كما قال: {أية : فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا } تفسير : [القمر: 9] وذلك لوجهين أحدهما: أن تكذيب نوح كان أبلغ وأشد حيث دعاهم قريباً من ألف سنة وأصروا على التكذيب، ولهذا ذكر الله تعالى تكذيب نوح في مواضع ولم يذكر تكذيب غير نوح صريحاً وإن نبه عليه (في) واحد منها في الأعراف قال: {أية : فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ } تفسير : [الأعراف: 64] وقال حكاية عن نوح: {أية : قَالَ رَبّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ } تفسير : [الشعراء: 117] وقال: {أية : إِنَّهُمْ عَصَوْنِىٰ } تفسير : [نوح: 21] وفي هذه المواضع لم يصرح بتكذيب قوم غيره منهم إلا قليلاً ولذلك قال تعالى في مواضع ذكر شعيب فكذبوه: وقال {أية : ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا } تفسير : [الأعراف: 92] وقال تعالى عن قومه: {أية : وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } تفسير : [الأعراف: 66] لأنه دعا قومه زماناً مديداً وثانيهما: أن حكاية عاد مذكورة ههنا على سبيل الاختصار فلم يذكر إلا تكذيبهم وتعذيبهم فقال: {كَذَّبَتْ عَادٌ } كما قال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ } ولم يذكر دعاءه عليهم وإجابته كما قال في نوح. المسألة الثالثة: قال تعالى: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } قبل أن بين العذاب وفي حكاية نوح بين العذاب، ثم قال: {فَكَيْفَ كَانَ } فما الحكمة فيه؟ نقول: الاستفهام الذي ذكره في حكاية نوح مذكور ههنا، وهو قوله تعالى: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } كما قال من قبل ومن بعد في حكاية ثمود غير أنه تعالى حكى في حكاية عاد {فَكَيْفَ كَانَ } مرتين، المرة الأولى استفهم ليبين كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسئول سائلاً، فيقول: كيف هي فيقول إنها كذا وكذا فكذلك ههنا قال: {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى } فقال السامع: بين أنت فإني لا أعلم فقال: {أية : إِنَّا أَرْسَلْنَا } تفسير : [القمر: 19] وأما المرة الثانية فاستفهم للتعظيم كما يقول القائل للعارف المشاهد كيف فعلت وصنعت فيقول: نعم ما فعلت ويقول: أتيت بعجيبة فيحقق عظمة الفعل بالاستفهام، وإنما ذكر ههنا المرة الأولى ولم يذكر في موضع آخر لأن الحكاية ذكرها مختصرة فكان يفوت الاعتبار بسبب الاختصار فقال: {كَيْفَ كَانَ عَذَابِى } حثاً على التدبر والتفكر، وأما الاختصار في حكايتهم فلأن أكثر أمرهم الاستكبار والاعتماد على القوة وعدم الالتفات إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل على قوله تعالى: {أية : فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } تفسير : [فصلت: 15] وذكر استكبارهم كثيراً، وما كان قوم محمد صلى الله عليه وسلم مبالغين في الاستكبار وإنما كانت مبالغتهم في التكذيب ونسبته إلى الجنون، وذكر حالة نوح على التفصيل فإن قومه جمعوا بين التكذيب والاستكبار، وكذلك حال صالح عليه السلام ذكرها على التفصيل لشدة مناسبتها بحال محمد صلى الله عليه وسلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ} هم قوم هود. {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} وقعت «نُذُر» في هذه السورة في ستة أماكن محذوفة الياء في جميع المصاحف، وقرأها يعقوب مثبتة في الحالين، وورش في الوصل لا غير، وحذف الباقون. ولا خلاف في حذف الياء من قوله: {فَمَا تُغْنِـي ٱلنُّذُرُ} والواو من قوله: {يَدْعُو} فأما الياء من {ٱلدَّاعِ} الأول فأثبتها في الحالين ٱبن مُحيصن ويعقوب وحُميد والبَزِّي، وأثبتها ورش وأبو عمرو في الوصل، وحذف الباقون. وأما {ٱلدَّاعِ} الثانية فأثبتها يعقوب وٱبن مُحَيْصن وٱبن كثير في الحالين، وأثبتها أبو عمرو ونافع في الوصل، وحذفها الباقون. {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} أي شديدة البرد؛ قاله قتادة والضحاك. وقيل: شديدة الصوت. وقد مضى في «حم السجدة». {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ} أي في يوم كان مشؤوماً عليهم. وقال ٱبن عباس: أي في يوم كانوا يتشاءمون به. الزجاج: قيل في يوم أربعاء. ٱبن عباس: كان آخر أربعاء في الشهر أفنى صغيرهم وكبيرهم. وقرأ هارون الأعور «نَحِسٍ» بكسر الحاء وقد مضى القول فيه في حم السجدة {أية : فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ}تفسير : [فصلت:16] . و {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ} أي دائم الشؤم ٱستمرّ عليهم بنحوسه، وٱستمر عليهم فيه العذاب إلى الهلاك. وقيل: ٱستمر بهم إلى نار جهنم. وقال الضحاك: كان مُرًّا عليهم. وكذا حكى الكسائي أن قوماً قالوا هو من المرارة؛ يقال: مُرَّ الشيء وأَمرَّ أي كان كالشيء المرّ تكرهه النفوس. وقد قال: «فَذُوقُوا» والذي يذاق قد يكون مُرّاً. وقد قيل: هو من المِرّة بمعنى القوّة. أي في يوم نحس مستمر مستحكم الشؤم كالشيء المحكم الفتل الذي لا يطاق نقضه. فإن قيل: فإذا كان يوم الأربعاء يوم نحس مستمر فكيف يستجاب فيه الدعاء؟ وقد جاء أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ٱستجيب له فيه فيما بين الظهرِ والعصرِ. وقد مضى في «البقرة» حديث جابر بذلك. فالجواب ـ والله أعلم ـ ما جاء في خبر يرويه مسروق عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أتاني جبريل فقال إن الله يأمرك أن تقضي باليمين مع الشاهد وقال يوم الأربعاء يوم نحس مستمر» تفسير : ومعلوم أنه لم يرد بذلك أنه نحس على الصالحين، بل أراد أنه نحس على الفجار والمفسدين؛ كما كانت الأيام النحسات المذكورة في القرآن؛ نحسات على الكفار من قوم عاد لا على نبيهم والمؤمنين به منهم، وإذا كان كذلك لم يبعد أن يمهل الظالم من أوّل يوم الأربعاء إلى أن تزول الشمس، فإذا أدبر النهار ولم يحدث رجعة ٱستجيب دعاء المظلوم عليه، فكان اليوم نحساً على الظالم؛ ودعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما كان على الكفار، وقول جابر في حديثه «لم ينزل بي أمر غليظ» إشارة إلى هذا. والله أعلم. قوله تعالى: {تَنزِعُ ٱلنَّاسَ} في موضع الصفة للريح أي تَقْلَعهم من مواضعهم. قيل: قلعتهم من تحت أقدامهم ٱقتلاع النخلة من أصلها. وقال مجاهد: كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم فتندقّ أعناقهم وتَبِين رؤوسهم عن أجسادهم. وقيل: تنزع الناس من البيوت. وقال محمد بن كعب عن أبيه قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ٱنتزعت الريح الناس من قبورهم»تفسير : . وقيل: حفروا حُفَراً ودخلوها فكانت الريح تنزعهم منها وتكسرهم، وتبقى تلك الحفر كأنها أصول نخل (قد) هلك ما كان فيها فتبقى مواضعها منقعرة. ويروى أن سبعة منهم حفروا حفراً وقاموا فيها ليردُّوا الريح. قال ٱبن إسحاق: لما هاجت الريح قام نفر سبعة من عاد سمى لنا منهم ستة من أشد عاد وأجسمها منهم عمرو بن الحلي والحرث بن شداد والهِلْقام وٱبنا تِقْن وخلجان بن سعد فأْولجوا العيال في شِعب بين جبلين، ثم ٱصطفوا على باب الشِّعب ليردّوا الريح عمن في الشِّعب من العيال، فجعلت الريح تَجْعَفهم رجلاً رجلاً، فقالت ٱمرأة من عاد:شعر : ذهبَ الدهرُ بعمرِو بـ ـن حلٍّي والهنيّات ثم بالحرث والهِلْـ ـقامِ طَلاَّعِ الثنِّيات والذي سدّ مهبّ الر يح أيام البلِيّات تفسير : الطبريّ: في الكلام حذف، والمعنى تنزع الناس فتتركهم كأنهم أعجاز نخل منقعر؛ فالكاف في موضع نصب بالمحذوف. الزجاج: الكاف في موضع نصب على الحال، والمعنى تنزع الناس مشبهين بأعجاز نخل. والتشبيه قيل إنه للحُفَر التي كانوا فيها. والأعجاز جمع عَجُز وهو مؤخر الشيء، وكانت عاد موصوفين بطول القامة، فشُبِّهوا بالنخل ٱنكبت لوجوهها. وقال: {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} للفظ النخل وهو من الجمع الذي يذكّر ويؤنّث. والمنقعر: المنقلع من أصله؛ قعرت الشجرة قعراً قلعتها من أصلها فٱنقعرت. الكسائي: قعرت البئر أي نزلت حتى ٱنتهيت إلى قعرها، وكذلك الإناء إذا شربت ما فيه حتى ٱنتهيت إلى قعره. وأقعرت البئر جعلت لها قعراً. وقال أبو بكر بن الأنباري: سئل المبرِّد بحضرة إسماعيل القاضي عن ألف مسألة هذه من جملتها، فقيل له: ما الفرق بين قوله تعالى: {أية : وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً} تفسير : [الأنبياء:81] و {أية : جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ}تفسير : [يونس:22]، وقوله: {أية : كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} تفسير : [الحاقة:7] و {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}؟ فقال: كلما ورد عليك من هذا الباب فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيراً، أو إلى المعنى تأنيثاً. وقيل: إن النخل والنخيل بمعنًى يذكّر ويؤنث كما ذكرنا. {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُر} {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} (تقدّم).

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن عاد قوم هود: أنهم كذبوا رسولهم أيضاً؛ كما صنع قوم نوح، وأنه تعالى أرسل عليهم {أية : رِيحاً صَرْصَراً} تفسير : [فصلت: 16] وهي الباردة الشديدة البرد {فِى يَوْمِ نَحْسٍ} أي: عليهم، قاله الضحاك وقتادة والسدي {مُّسْتَمِرٌّ} عليهم نحسه ودماره لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي. وقوله تعالى: { تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} وذلك أن الريح كانت تأتي أحدهم، فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار، ثم تنكسه على أم رأسه، فيسقط على الأرض، فتثلغ رأسه، فيبقى جثة بلا رأس، ولهذا قال: { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }؟

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَذَّبَتْ عَادٌ } نبيهم هوداً فعُذِّبُوا {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } أي إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله؟ أي وقع موقعه وقد بينه بقوله:

الشوكاني

تفسير : قوله: {كَذَّبَتْ عَادٌ } هم: قوم عاد {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } أي: فاسمعوا كيف كان عذابي لهم وإنذاري إياهم، ونذر مصدر بمعنى إنذار، كما تقدّم تحقيقه، والاستفهام للتهويل والتعظيم {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً } هذه الجملة مبينة لما أجمله سابقاً من العذاب، والصرصر: شدّة البرد، أي: ريح شديدة البرد، وقيل: الصرصر: شدّة الصوت، وقد تقدّم بيانه في سورة حمۤ السجدة {فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرّ } أي: دائم الشؤم استمرّ عليهم بنحوسه، وقد كانوا يتشاءمون بذلك اليوم. قال الزجاج: قيل: في يوم الأربعاء في آخر الشهر. قرأ الجمهور: {في يوم نحس} بإضافة {يوم} إلى {نحس} مع سكون الحاء، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، أو على تقدير مضاف أي في يوم عذاب نحس. وقرأ الحسن بتنوين "يوم" على أن {نحس} صفة له. وقرأ هارون بكسر الحاء. قال الضحاك: كان ذلك اليوم مرّاً عليهم. وكذا حكى الكسائي عن قوم أنهم قالوا: هو من المرارة، وقيل: هو من المرّة بمعنى: القوّة، أي: في يوم قويّ الشؤم مستحكمه، كالشيء المحكم الفتل الذي لا يطاق نقضه، والظاهر أنه من الاستمرار، لا من المرارة، ولا من المرّة، أي: دام عليهم العذاب فيه حتى أهلكهم، وشمل بهلاكه كبيرهم وصغيرهم. وجملة: {تَنزِعُ ٱلنَّاسَ }: في محل نصب على أنها صفة لـ {ريحاً}، أو حال منها، ويجوز أن يكون استئنافاً، أي: تقلعهم من الأرض من تحت أقدامهم اقتلاع النخلة من أصلها. قال مجاهد: كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم فتدقّ أعناقهم، وتبين رؤوسهم من أجسادهم، وقيل: تنزع الناس من البيوت، وقيل: من قبورهم؛ لأنهم حفروا حفائر ودخلوها {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ } الأعجاز: جمع عجز، وهو مؤخر الشيء، والمنقعر: المنقطع المنقلع من أصله، يقال: قعرت النخلة: إذا قلعتها من أصلها حتى تسقط. شبههم في طول قاماتهم حين صرعتهم الريح، وطرحتهم على وجوههم بالنخل الساقط على الأرض التي ليست لها رؤوس، وذلك أن الرّيح قلعت رؤوسهم أولاً، ثم كتّبتهم على وجوههم، وتذكير منقعر مع كونه صفة لأعجاز نخل، وهي مؤنثة اعتباراً باللفظ، ويجوز تأنيثه اعتباراً بالمعنى، كما قال: {أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ }تفسير : [الحاقة: 7] قال المبرد: كل ما ورد عليك من هذا الباب إن شئت رددته إلى اللفظ تذكيراً، أو إلى المعنى تأنيثاً. وقيل: إن النخل والنخيل يذكر ويؤنث {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } قد تقدّم تفسيره قريباً، وكذلك قوله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }. ثم لما ذكر سبحانه تكذيب عاد أتبعه بتكذيب ثمود، فقال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ } يجوز أن يكون جمع نذير، أي: كذبت بالرّسل المرسلين إليهم، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الإنذار، أي: كذبت بالإنذار الذي أنذروا به، وإنما كان تكذيبهم لرسولهم وهو صالح تكذيباً للرسل؛ لأن من كذب واحداً من الأنبياء فقد كذب سائرهم؛ لاتفاقهم في الدعوة إلى كليات الشرائع {فَقَالُواْ أَبَشَراً مّنَّا وٰحِداً نَّتَّبِعُهُ } الاستفهام للإنكار، أي: كيف نتبع بشراً كائناً من جنسنا منفرداً وحده لا متابع له على ما يدعو إليه. قرأ الجمهور: بنصب {بشراً} على الاشتغال، أي: أنتبع بشراً واحداً. وقرأ أبو السماك، والداني، وأبو الأشهب، وابن السميفع بالرفع على الابتداء، و{واحداً} صفته، و{نتبعه} خبره. وروي عن أبي السماك أنه قرأ برفع (بشراً) ونصب (واحداً) على الحال {إِنَّا إِذاً لَّفِى ضَلَـٰلٍ } أي: إنا إذا اتبعناه لفي خطأ، وذهاب عن الحق {وَسُعُرٍ } أي: عذاب وعناء وشدّة كذا قال الفراء، وغيره. وقال أبو عبيدة: هو جمع سعير، وهو لهب النار، والسعر: الجنون يذهب كذا وكذا لما يلتهب به من الحدّة. وقال مجاهد: {وسعر} وبُعد عن الحقّ. وقال السديّ: في احتراق، وقيل المراد به هنا: الجنون، من قولهم: ناقة مسعورة أي: كأنها من شدّة نشاطها مجنونة، ومنه قول الشاعر يصف ناقة:شعر : تَخالُ بها سُعْراً إِذَا السَّعْرُ هَزَّهَا ذَمِيلٌ وإِيقاعٌ من السَّيْرِ مُتْعِبُ تفسير : ثم كرّروا الإنكار والاستبعاد فقالوا: {أألقي الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا} أي: كيف خصّ من بيننا بالوحي والنبوّة، وفينا من هو أحقّ بذلك منه؟ ثم أضربوا عن الاستنكار، وانتقلوا إلى الجزم بكونه كذاباً أشراً فقالوا: {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } والأشر: المرح والنشاط، أو البطر والتكبر، وتفسيره بالبطر والتكبر أنسب بالمقام، ومنه قول الشاعر:شعر : أشِرتُمْ بِلْبس الخَزَّ لما لَبِستُمُ ومن قبلُ لا تْدرون مَنْ فَتَحَ القُرى تفسير : قرأ الجمهور {أشر} كفرح. وقرأ أبو قلابة، وأبو جعفر بفتح الشين وتشديد الرّاء على أنه أفعل تفضيل، ونقل الكسائي عن مجاهد أنه قرأ بضم الشين مع فتح الهمزة. ثم أجاب سبحانه عليهم بقوله: {سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأشِرُ } والمراد بقوله {غداً}: وقت نزول العذاب بهم في الدنيا، أو في يوم القيامة جرياً على عادة الناس في التعبير بالغد عن المستقبل من الأمر وإن بعد، كما في قولهم: إن مع اليوم غداً، وكما في قول الحطيئة:شعر : للموت فيها سِهامٌ غَيْرُ مُخْطِئَةٍ مَنْ لم يكن مَيَّتاً في اليوم ماتَ غَدَا تفسير : ومنه قول أبي الطماح:شعر : ألا عَللاِني قَبْل نوح النَّوائحِ وَقَبْلَ اضْطرَابِ النَّفسِ بَين الجَوَانِحِ وقبلَ غَدٍ يا لَهْف نَفْسي على غَد إذَا رَاحَ أصْحابِي ولستُ برائحِ تفسير : قرأ الجمهور {سيعلمون} بالتحتية إخبار من الله سبحانه لصالح عن وقوع العذاب عليهم بعد مدة. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة بالفوقية على أنه خطاب من صالح لقومه، وجملة: {إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ } مستأنفة لبيان ما تقدّم إجماله من الوعيد، أي: إنا مخرجوها من الصخرة على حسب ما اقترحوه {فِتْنَةً لَّهُمْ } أي: ابتلاء وامتحاناً، وانتصاب {فتنة} على العلة {فَٱرْتَقِبْهُمْ } أي: انتظر ما يصنعون {وَٱصْطَبِرْ } على ما يصيبك من الأذى منهم {وَنَبّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ } أي: بين ثمود وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم، كما في قوله: {أية : لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ }تفسير : [الشعراء: 155] وقال: {نبئهم} بضمير العقلاء تغليباً. {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} الشرب بكسر الشين: الحظ من الماء. ومعنى {محتضر}: أنه يحضره من هو له، فالناقة تحضره يوماً، وهم يحضرونه يوماً. قال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم نوبتهم فيشربون، ويحضرون يوم نوبتها فيحتلبون. قرأ الجمهور. {قسمة} بكسر القاف بمعنى: مقسوم، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بفتحها {فَنَادَوْاْ صَـٰحِبَهُمْ } أي: نادى ثمود صاحبهم وهو قدار بن سالف عاقر الناقة يحضونه على عقرها {فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ } أي: تناول الناقة بالعقر فعقرها، أو اجترأ على تعاطي أسباب العقر فعقر. قال محمد بن إسحاق: كمن لها في أصل شجرة على طريقها، فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها، ثم شدّ عليها بالسيف، فكسر عرقوبها، ثم نحرها، والتعاطي: تناول الشيء بتكلف {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } قد تقدّم تفسيره في هذه السورة. ثم بيّن ما أجمله من العذاب فقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وٰحِدَةً } قال عطاء: يريد صيحة جبريل، وقد مضى بيان هذا في سورة هود، وفي الأعراف {فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ } قرأ الجمهور بكسر الظاء، والهشيم: حطام الشجر ويابسه، والمحتظر: صاحب الحظيرة، وهو الذي يتخذ لغنمه حظيرة تمنعها عن برد الرّيح، يقال: احتظر على غنمه: إذا جمع الشجر ووضع بعضه فوق بعض. قال في الصحاح: والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة. وقرأ الحسن، وقتادة، وأبو العالية بفتح الظاء أي: كهشيم الحظيرة، فمن قرأ بالكسر أراد الفاعل للاحتظار، ومن قرأ بالفتح أراد الحظيرة، وهي فعيلة بمعنى مفعولة ومعنى الآية: أنهم صاروا كالشجر إذا يبس في الحظيرة، وداسته الغنم بعد سقوطه، ومنه قول الشاعر:شعر : أثرن عجاجه كدخان نار تشب بغرقد بال هشيم تفسير : وقال قتادة: هو العظام النخرة المحترقة. وقال سعيد بن جبير: هو التراب المتناثر من الحيطان في يوم ريح. وقال سفيان الثوري: هو ما يتناثر من الحظيرة إذا ضربتها بالعصي. قال ابن زيد: العرب تسمي كل شيء كان رطباً فيبس هشيماً، ومنه قول الشاعر:شعر : ترى جيف المطيّ بجانبيه كأن عظامها خشب الهشيم تفسير : {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } قد تقدم تفسير هذا في هذه السورة. ثم أخبر سبحانه عن قوم لوط بأنهم كذبوا رسل الله، كما كذبهم غيرهم، فقال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ } وقد تقدّم تفسير النذر قريباً. ثم بيّن سبحانه ما عذبهم به، فقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَـٰصِباً } أي: ريحاً ترميهم بالحصباء، وهي الحصى. قال أبو عبيدة، والنضر بن شميل: الحاصب: الحجارة في الريح. قال في الصحاح: الحاصب: الريح الشديدة التي تثير الحصباء، ومنه قول الفرزدق:شعر : مستقبلين شمال الشام يضربها بحاصب كنديف القطن منثور تفسير : {إِلاَّ الَ لُوطٍ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ } يعني: لوطاً ومن تبعه، والسحر: آخر الليل، وقيل: هو في كلام العرب اختلاط سواد الليل ببياض أوّل النهار، وانصرف {سحر} لأنه نكرة لم يقصد به سحر ليلة معينة، ولو قصد معيناً لامتنع. كذا قال: الزجاج، والأخفش، وغيرهما. وانتصاب {نّعْمَةً مّنْ عِندِنَا } على العلة، أو على المصدرية، أي: إنعاماً منا على لوط، ومن تبعه. {كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ } أي: مثل ذلك الجزاء نجزي من شكر نعمتنا، ولم يكفرها {وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا } أي: أنذر لوط قومه بطشة الله بهم، وهي عذابه الشديد، وعقوبته البالغة {فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ } أي: شكوا في الإنذار ولم يصدّقوه، وهو تفاعلوا من المرية، وهي الشك {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ } أي: أرادوا منه تمكينهم ممن أتاه من الملائكة ليفجروا بهم، كما هو دأبهم، يقال راودته عن كذا مراودة ورواداً، أي: أردته، وراد الكلام يروده روداً، أي: طلبه، وقد تقدّم تفسير المراودة مستوفى في سورة يوسف {فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ } أي: صيرنا أعينهم ممسوحة لا يرى لها شقّ، كما تطمس الريح الأعلام بما تسفي عليها من التراب. وقيل: أذهب الله نور أبصارهم مع بقاء الأعين على صورتها. قال الضحاك: طمس الله على أبصارهم، فلم يروا الرسل، فرجعوا {فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ } قد تقدّم تفسيره في هذه السورة {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ } أي: أتاهم صباحاً عذاب مستقرّ بهم نازل عليهم لا يفارقهم ولا ينفك عنهم. قال مقاتل: استقرّ بهم العذاب بكرة، وانصراف {بكرة} لكونه لم يرد بها وقتاً بعينه، كما سبق في {بسحر}: {فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } قد تقدّم تفسير هذا في هذه السورة، ولعل وجه تكرير تيسير القرآن للذكر في هذه السورة الإِشعار بأنه منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً } قال: باردة {فِى يَوْمِ نَحْسٍ } قال: أيام شداد. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يوم الأربعاء يوم نحس مستمر»تفسير : ، وأخرجه عنه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعاً. وأخرجه ابن مردويه عن عليّ مرفوعاً. وأخرجه ابن مردويه أيضاً عن أنس مرفوعاً، وفيه قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال:«حديث : أغرق الله فيه فرعون وقومه، وأهلك فيه عاداً، وثمود»تفسير : . وأخرج ابن مردويه، والخطيب بسند. قال السيوطي: ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر»تفسير : . وأخرج ابن المنذر عنه {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ } قال: أصول النخل {مُّنقَعِرٍ } قال: منقلع. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال: أعجاز سواد النخل. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً {وَسُعُرٍ } قال: شقاء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً قال: {كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ } قال: كحظائر من الشجر محترقة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في الآية قال: كالعظام المحترقة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه قال: كالحشيش تأكله الغنم.

الماوردي

تفسير : {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: باردة، قاله قتادة، والضحاك. الثاني: شديدة الهبوب، قاله ابن زيد. الثالث: التي يسمع لهبوبها كالصوت، ومنه قول الشاعر: شعر : ... ............ باز يصرصر فوق المرقب العالي تفسير : {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِّرٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يوم عذاب وهلاك. الثاني: لأنه كان يوم الأربعاء. الثالث: لأنه كان يوماً بارداً، قال الشنفرى: شعر : وليلة نحس يصطلي القوس ربها وأقطعه اللاتي بها ينبل تفسير : يعني أنه لشدة بردها يصطلي بقوسه وسهامه التي يدفع بها عن نفسه. وفي {مُسْتَمِرٍ} وجهان: أحدهما: الذاهب. الثاني: الدائم.

ابن عطية

تفسير : {عاد} قبيلة وقد تقدم قصصها. وقوله تعالى: {فكيف كان عذابي ونذر}، "كيف" نصب إما على خبر {كان} وإما على الحال. و: {كان} بمعنى وجد ووقع في هذا الوجه. {ونذر} جمع نذير وهو المصدر. وقرأ ورش وحده: "ونذري" بالياء، وقرأ الباقون "ونذر" بغير ياء على خط المصحف. و: "الصرصر" قال ابن عباس وقتادة معناه الباردة وهو الصر. وقال جماعة من المفسرين معناه: المصوتة نحو هذين الحرفين مأخوذ من صوت الريح إذا هبت دفعاً، كأنها تنطق بهذين الحرفين، الصاد والراء، وضوعف الفعل كما قالوا: كبكب وكفكف من كب وكب، وهذا كثير، ولم يختلف القراء في سكون الحاء من "نحْس" وإضافة اليوم إليه إلا ما روي عن الحسن أنه قرأ: "في يومٍ" بالتنوين و: "نحِس" بكسر الحاء. و {مستمر} معناه: متتابع، قال قتادة: استمر بهم ذلك النحس حتى بلغهم جهنم. قال الضحاك في كتاب الثعلبي المعنى كان مراً عليهم، وذكره النقاش عن الحسن، وروي أن ذلك اليوم الذي كان لهم فيه {نحس مستمر} كان يوم أربعاء، وورد في بعض الأحاديث في تفسير هذه الآية: {يوم نحس مستمر}: يوم الأربعاء، فتأول في ذلك بعض الناس أنه يصحب في الزمن كله، وهذا عندي ضعيف وإن كان الدولابي أبو بشر قد ذكر حديثاً رواه أبو جعفر المنصور عن أبيه محمد عن أبيه علي عن أبيه عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : آخر أربعاء من الشهر يوم نحس مستمر" تفسير : ،ويوجد نحو هذا في كلام الفرس والأعاجم، وقد وجد ذكر الأربعاء التي لا تدور في شعر لبعض الخراسانيين المولدين، وذكر الثعلبي عن زر بن حبيش في تفسير هذا اليوم لعاد أنه كل يوم أربعاء لا تدور، وذكره النقاش عن جعفر بن محمد وقال: كان القمر منحوساً بزحل وهذه نزعة سوء عياذاً بالله أن تصح عن جعفر بن محمد. وقوله: {تنزع الناس} معناه: تنقلهم من مواضعهم نزعاً فتطرحهم. وروي عن مجاهد: أنها كانت تلقي الرجل على رأسه فيتفتت رأسه وعنقه وما يلي ذلك من بدنه فلذلك حسن التشبيه بـ "أعجاز" النخل وذلك أن المنقعر هو الذي ينقلب من قعره. فذلك التشعث والشعب التي لأعجاز النخل، كان يشبهها ما تقطع وتشعث من شخص الإنسان، وقال قوم: إنما شبههم بـ "أعجاز النخل" لأنهم كانوا يحفرون حفراً ليمتنعوا فيها من الريح، فكأنه شبه تلك الحفر بعد النزع بحفر أعجاز النخل، والنخل يذكّر ويؤنث فلذلك قال هنا: {منقعر} وفي غير هذه السورة: {أية : خاوية} تفسير : [الحاقة: 7] والكاف في قوله: {كأنهم أعجاز} في موضع الحال، قاله الزجاج، وما روي من خبر الخلجان وغيره وقوتهم ضعيف كله، وفائدة تكرار قوله: {فكيف كان عذابي ونذر} التخويف وهز الأنفس قال الرماني: لما كان الإنذار أنواعاً، كرر التذكير والتنبيه، وفائدة تكرار قوله: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} التأكيد والتحريض وتنبيه الأنفس. وهذا موجود في تكرار الكلام، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا هل بلغت، ألا هل بلغت". تفسير : ومثل قوله: "حديث : ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وقول الزور". تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم إذا سلم على قوم سلم عليهم ثلاثاً، فهذا كله نحو واحد وإن تنوع، و: {ثمود} قبيلة صالح عليه السلام وهم أهل الحجر. وقرأ الجمهور: "أبشراً منا واحداً" ونصب قوله "بشراً" بإضمار "فهل" يدل عليه قوله: {نتبعه}، و: "واحداً" نعت لـ "بشر". وقرأ أبو السمال: "أبشرٌ منا واحداً نتبعه" ورفعه إما على إضمار فعل مبني للمفعول، التقدير: أينبأ بشر، وإما على الابتداء والخبر في قوله {نتبعه} و: "واحداً" على هذه القراءة إما من الضمير في: {نتبعه} وإما عن المقدر مع: {منا} كأنه يقول: أبشر كائن منا واحداً، وفي هذا نظر. وحكى أبو عمر والداني قراءة أبي السمال: "أبشر منا واحد" بالرفع فيهما. وهذه المقالة من ثمود حسد منهم واستبعاد منهم أن يكون نوع المبشر يفضل بعضه بعضاً هذا الفضل فقالوا: أنكون جمعاً ونتبع واحداً، ولم يعلموا أن الفضل بيد الله، يؤتيه من يشاء، ويفيض نور الهدى من رضيه. وقوله: {في ضلال} معناه: في أمر متلف مهلك بالإتلاف، {وسعر} معناه: في احتراق أنفس واستعارها حنقاً وهماً باتباعه، وقيل في السعر: العناء، وقاله قتادة. وقيل الجنون، ومنه قولهم ناقة بمعنى مسعورة، إذا كانت تفرط في سيرها، ثم زادوا في التوقي بقولهم: {أألقي الذكر عليه من بيننا}، و {ألقي} بمعنى أنزل، وكأنه يتضمن عجلة في الفعل، والعرب تستعمل هذا الفعل، ومنه قوله تعالى: {أية : وألقيت عليك محبة مني} تفسير : [طه: 39] ومنه قوله: {أية : إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً} تفسير : [المزمل: 5]، و {الذكر} هنا: الرسالة وما يمكن أن جاءهم به من الحكمة والموعظة، ثم قالوا: {بل هو كذاب أشر} أي ليس الأمر كما يزعم، والأشر: البطر والمرح، فكأنهم رموه بأنه {أشر}، فأراد العلو عليهم وأن يقتادهم ويتملك طاعتهم فقال الله تعالى لصالح: {سيعلمون غداً} وهذه بالياء من تحت قراءة علي بن أبي طالب وجمهور الناس. وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم وابن وثاب وطلحة والأعمش "ستعلمون" بالتاء على معنى قل لهم يا صالح. وقوله: {غداً} تقريب يريد به الزمان المستقبل، لا يوماً بعينه، ونحو المثل: مع اليوم غد. وقرأ جمهور الناس: "الأشِر" بكسر السين كحذِر بكسر الذال. وقرأ مجاهد فيما ذكر عنه الكسائي: "الأشُر" بضم الشين كحذُر بضم الذال، وهما بناءان من اسم فاعل. وقرأ أبو حيوة: "الأشَر" بفتح الشين، كأنه وصف بالمصدر. وقرأ أبو قلابة: "الأشَرّ" بفتح الشين وشد الراء، وهو الأفعل، ولا يستعمل بالألف واللام وهو كان الأصل لكنه رفض تخفيفاً وكثرة استعمال.

ابن عادل

تفسير : ذكر ههنا: {فكيف كان عذابي ونذر} مرتين، فالأول سؤال، كقول المعلم للمتعلم: كَيْفَ المَسْأَلَةُ الفُلاَنِيَّةُ؟ ثم بين فقال: "إِنَّا أَرْسَلْنَا"، والثاني بمعنى التعظيم والتهويل. فإن قيل: قال في قوم نوح: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ولم يقل في عاد: كَذَّبَتْ قَوْمُ هُودٍ؛ لأن التعريف كلما أمكن أن يؤتى به على وجه أبلغ فالأولى أن يؤتى به والتعريف بالاسم العلم أقوى من التعريف بالإِضافة؛ لأنك إذا قلت: "بَيْتُ اللَّهِ" لا يفيد ما يفيد قولك: الكَعْبَةُ، وكذلك إذا قلت: رَسُولُ اللَّهِ وقلت: محمد "فَعَادٌ" اسم علمٍ للقوم. ولا يقال: قَوْم هُودٍ أعرف لوجهين: أحدهما: أن الله تعالى وصف عاداً بقوم هود في قوله: {أية : أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} تفسير : [هود: 60] ولا يوصف الأظهر بالأخفى، والأخصُّ بالأعمِّ. ثانيهما: أن قوم هو (واحد وعَادٌ قيل:) إنه لفظٌ يقع على أقوام، ولهذا قال تعالى: {أية : عَاداً ٱلأُولَىٰ} تفسير : [النجم: 50] لأنا نقول: أما قوله تعالى: {أية : لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} تفسير : [هود: 60] فليس ذلك صفة، وإنما هو بدل ويجوز في البدل أن يكون دون المُبْدَل (منه) في المعرفة، ويجوز أن يبدل من المعرفة بالنكرة. وأما عاداً الأولى فهو لبيان تقدمهم أي عاداً الذين تقدموا، وليس ذلك للتمييز والتعريف كما تقول: مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ شَفِيعِي واللَّهُ الكَرِيمُ رَبِّي وَرَبُّ الكَعْبَة المُشَرَّفَة، لبيان الشرف، لا لبيانها وتعريفها بالشرف كقولك: دَخَلتُ الدَّار المَعْمُورَة مِنَ الدَّارَيْنِ، وخَدَمْتُ الرَّجُلَ الزَّاهِدَ مِنَ الرَّجُلَيْنِ؛ فتبين المقصود بالوصف. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: فكذبوا هوداً كما قال فكذبوا عَبْدَنَا؟. فالجواب: إِما لأن تكذيب قوم نوح أبلغُ لطول مقامه فيهم وكثرة عِنَادِهِمْ، وإما لأن قصة عادٍ ذكرت مُخْتَصَرَةً. قوله: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} الصَّرْصَرُ الشَّديدة الصَّوْت من صَرْصَرَ البابُ أو القَلَمُ إِذَا صَوَّت. وقيل: الشديدة البرد من الصَّرِّ وهو البرد وهو كله أصول عند الجمهور. وقال مكي: أصله "صَرَّراً" من صَرَّ الشيءُ إِذا صوت، لكن أبدلوا من الراء المشددة صاداً، وهذه أقوال الكُوفِيِّين. ومثله: كَبْكَبَ وكَفْكَفَ. وتقدم هذا في فُصِّلَتْ وغيرها. وقال ابن الخطيب: الصرصر هو الدائمة الهبوب من أَصَرَّ عَلَى الشَّيْءِ إِذا دَامَ وَثَبَت. فصل {يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ} شديد دائم الشُّؤم استمر عليهم بنُحُوسِهِ، ولم يُبْقِ منهم أحداً إِلا أهلكه. قيل: ذلك يوم الأربعاء في آخر الشهر. فإن قيل: إذا كان يوم الأربعاء يَوْمَ نَحْسٍ مستمر فكيف يستجاب فيه الدعاء؟! وقد جاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استجيب له فيه فيما بين الظهر والعصر. فالجواب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: حديث : أتاني جبريل فقال: "إنَّ اللَّهَ يأمرك أَنْ تَقْضِي مع الشاهد" تفسير : وقال: يَوْمُ الأربعاء يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرّ. ومعلوم أنه لم يرد أنه نحس على المصلحين بل على المفسدين، كما كانت الأيام النحسات على الكُفار، لا على نبيهم والمؤمنين. واعلم أنه تعالى قال ههنا: إِنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً وقال في الذاريات: {أية : إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} تفسير : [الذاريات: 41] فعرَّف الريح هناك، ونكَّرَها ههنا؛ لأن العقم في الريح أظهر من البَرْد الذي يضرّ النبات أو الشدة التي تَعْصِفُ الأشجار، لأن الريح العقيم هي التي لا تُنْشِىء سحاباً، ولا تُلَقِّح شجراً وهي كثيرة الوقوع، وأما الريح المهلكة الباردة فقلما تُوجَد فقال: الريح العقيم أي هذا الجنس المعروف. ثم زاده بياناً بقوله: {أية : مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ} تفسير : [الذاريات: 42] فتميزت عن الريح العقيم، وأما الصرصر فقليلة الوقوع فلا تكون مشهورة فنكَّرها. قوله: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ} العامة على إضافة يَوْم إلى نَحْسٍ - بسكون الحاء - وفيه وجهان: أحدهما: أنه من إضافة الموصوف إلى صفته. والثاني - وهو قول البصريين - أنه صفة لموصوف محذوف أي يوم عذاب نحس. وقرأ الحسن - ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) بتَنْوِينه ووصفه بنَحْسٍ ولم يقيِّده الزمخشري بكسر الحاء. وقيده أبو حيان. وقد قرىء قوله: {فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ} [فصلت:16]بسكون الحاء وكسرها، وتنوين "أيام" عند الجميع ما تقدم تقريره، و "مُسْتَمِرٍّ" صفة "ليوم" أو "نحس". ومعناه كما تقدم أي عليهم حتى أهلكهم، أو من المرارة. قال الضحاك: كان مراً عليهم وكذا حكى الكسائي أن قوماً قالوا هو من المرارة يقال: مَرَّ الشَّيْءُ، وأَمَرَّ أي كان كالشيء المر تكرهه النفوس، وقد قال: {أية : فَذُوقُواْ} تفسير : [آل عمران: 106] والذي يُذَاقُ قَدْ يكونُ مُرًّا. قوله: (تَنْزِعُ النَّاسَ) في موضع نصب إما نعتاً لـ "رِيحاً" وإما حالاً منها لتخصصها بالصفة؛ ويجوز أن تكون مستأنفة. وقال: "الناس" ليعم ذَكَرَهُمْ وأنثاهم، فأوقع الظاهر موقع المضمر لذلك فالأصل تَنْزِعُهُمْ. فصل قال تعالى هنا: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ} وقال في السجدة: {أية : فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} تفسير : [فصلت:16] وقال في الحاقة: {أية : سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} تفسير : [الحاقة: 7]. والمراد من اليوم هنا الوقت والزمان كما في قوله: {أية : يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} تفسير : [مريم: 33]. وقوله "مُسْتَمِرّ" يفيد ما يفيده الأيام؛ لأن الاستمرار ينبىء عن امتداد الزمان كما تنبىء عَنْهُ الأيام. والحكاية هنا مذكورة على سبيل الاختصار فذكر الزمان ولم يذكر مقداره على سبيل الإيجاز. قوله: "كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ" حال من الناس مقدرةً، و "مُنْقَعِرٍ" صفة للنَّخل باعتبار الجنس، ولو أنث لاعتبر معنى الجماعة كقوله: {أية : نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 7]. وقد مضى تحقيق اللغتين فيه. وإنما ذكر هنا وأنث في الحاقة مراعاةً للفواصل في الموضعين. وقرأ أبو نُهَيْكٍ: "أَعْجُزُ" على وزن أفْعُلٍ نحو: ضَبُع وأَضْبُع. وقيل: الكاف في موضع نصب بفعل مقدر تقديره: تَتْرُكُهْم كَأَنَّهم أَعْجَازٌ. قاله مَكِّي. ولو جعل مفعولاً ثانياً على التضمين أي تصيرهم بالنزع كأنهم لَكَان أقرب. والأعجاز جمع عَجُز وهو مؤخر الشيء، ومنه العَجْز، لأنه يؤدي إلى تأخر الأمور. والمُنْقَعِرُ: المنقلع من أصله (يقال) قَعَرْتُ النَّخْلَةَ قَلَعْتُهَا من أصلها فانْقَعَرَتْ. وقَعَرْتُ البئْرَ: وَصلتُ إِلى قَعْرِهَا وقَعَرْتُ الإِناء شَرِبْتُ ما فيه حتى وصلت إِلى قَعْرِهِ، وأَقْعَرْتُ البِئْرَ أي جَعَلْتُ له قَعْراً. فصل تنزع الناس تَقْلَعُهُمْ ثُمَّ تَرْمِي بهم على رؤوسهم فتدق رِقَابَهُمْ. وروي: أنها كانت تنزع الناس من قبورهم كأنهم أعجاز نخل. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) أصولها. وقال الضحاك: أوراك نخل منقعر منقلع من مكانه ساقطٍ على الأرض وقال: أعجاز نخل وهي أصولها التي قلعت فروعها، لأن الكفّار تبين رؤوسهم من أجسادهم فتبقى أجسادهم بلا رؤوس. قال ابن الخطيب: تَنْزِعُهُمْ بعُنْف كأنهم أعجاز نخل منقعر فينقعروا. وهذا إشارة إلى قوتهم وثباتهم على الأرض، ويكون ذلك إشارةً إلى عظم أجسادهم أو إلى ثباتهم في الأرض فكأنهم كانوا يجعلون أرجُلهمْ في الأرض ويقصدون المنع به على الرِّيح. قال ابن إسحاق: لما هاجت الريح قام سبعة نَفَر من عاد من أقواهُم وأحْسَمِهمْ منهم عمرو بنُ الحُلِيّ، والحارث بن شدّاد والهِلْقَامُ وابنا تِقْن وخَلْجَانُ بن سعد فألجأوا العِيَالَ في شِعْب بينٍ جَبَلَيْن ثم اصطفّوا على جانبي الشِّعْب ليردُّوا الريح عمن في الشِّعْب من العِيال فجعلت الريح تَجْعفُهُمْ رجلاً بعد رجلٍ، فقالت امرأة عاد: شعر : 4599- ذَهَبَ الدَّهْرُ بِعَمْرِو بْـ ـنِ حُلِيٍّ والهَنِيَّاتِ ثُمَّ بالحَارِثِ والهِلْـ ـلقَام طلاَّعِ الثَّنِيَّاتِ والَّذِي سَدَّ مَهَبَّ الرْ ـرِيحِ أَيَّامَ البَلِيَّاتِ تفسير : أو يكون إشارة إلى يُبْسِهِمْ وجفافهم بالريح، فهي كانت تقتلهم وتحرقهم ببردها المفرط فيقعون كأنهم أخشاب يابسة. فصل (قال) المفسرون: ذكر النخل هنا، وقال: "منقعر" وأنثه في الحاقّة، وقال: أعجاز نخل خاوية لأجل الفواصل كقوله: مُسْتَمِرّ، ومُنْهَمِر، ومُنْتَشِر. وقيل: إِن النَّخْل لفظه لفظ واحد، ومعناه الجمع، فيقال: نَخْلٌ مُنْقَعِرٌ، ومُنْقَعِرَةٌ ومُنْقَعِرَاتٌ، ونَخْلٌ خاوٍ وخَاوِيةٌ وخَاوِيَاتٌ ونَخْلٌ بَاسِقٌ وبَاسِقَةٌ وبَاسِقَاتٌ. فإِذا قيل: "منقعر أو خاو أو باسق" فبالنظر إلى اللفظ، وإذا قيل: مُنْقَعِرَاتٌ أو خاويات أو باسقاتٌ فلأجل المعنى. قال أبو بكر بن الأنباري: سُئِلَ المُبَرِّدُ بحضرة القَاضي إسرفيل عن ألف مسألة هذه من جُمْلَتِهَا فقال: ما الفرق بين قوله تعالى: {أية : وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً} تفسير : [الأنبياء: 81] وقال: {أية : جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} تفسير : [يونس: 22]، وقوله: {أية : كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 7] و {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}؟ فقال: كلّ ما ورد عليك من هذا القرآن، فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيراً أو إلى المعنى تأنيثاً. قال ابن الخطيب: ذكر الله لفظ النخل في مواضع ثلاثة ووصفها على الأوجه الثلاثة، قال: {أية : وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} تفسير : [ق: 10] وذلك حال عنها وهي كالوصف وقال: "نَخْلٍ خَاوِيَةٍ" و "نَخْلٍ مُنْقَعرٍ" فحيث قال: "مُنْقَعِرٍ" كان المختار ذلك، لأن المنقعر في حقيقة الأمر كالمَفْعُول؛ لأنه ورد عليه القَعْر، فهو مَقْعُورٌ، و "الخَاوِي والباسق" فاعل وإخلاء المفعول من علامة التأنيث أولى، تقول: امْرَأَةٌ قَتِيلٌ. وأما الباسقاتُ فهي فاعلاتٌ حقيقة، لأن البُسُوقَ اسم قام بها، وأما الخاويةُ فهو من باب "حَسَنِ الوَجْهِ"؛ لأن الخاوي موضعها فكأنه قال: نَخْلٍ خَاوِيَةِ المَوَاضع، وهذا غاية الإعجاز حيث أتى بلفظ مناسب للألفاظ السابقة واللاحقة من حيث اللفظ. قوله: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} قال أكثر المفسرين: إن "النُّذُر" ههنا جمع "نَذِير" الذي هو مصدر بمعنى الإِنذار فما الحكمة في توحيد العذاب حيث لم يقال: فكيف أنواعُ عَذَابِي وَقَالَ: إِنذاري؟!. قال ابن الخطيب: هذا إشارة إِلى غَلَبَةِ الرحمة، لأن الإِنذار إِشفاقٌ ورحمةٌ فقال: الإنذاراتُ التي هي نِعَمٌ ورحمة تَوَاتَرَتْ، فلما لم ينفع وقع العذاب دفعة واحدة فكانت النعمُ كثيرةً والنقمةُ واحدةً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصرا‏ً} ‏ قال‏:‏ باردة ‏ {‏في يوم نحس‏} ‏ قال‏:‏ أيام شداد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله ‏ {‏صرصراً‏}‏ قال‏:‏ شديدة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏ريحاً صرصرا‏ً}‏ قال الباردة ‏ {‏في يوم نحس‏}‏ قال‏:‏ في يوم مشؤوم على القوم مستمر استمر عليهم شره‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل ‏{‏في يوم نحس‏} ‏ قال‏:‏ النحس البلاء والشدة‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت زهير بن أبي سلمى وهو يقول‏: شعر : سواء عليه أي يوم أتيته أساعة نحس تتقي أم بأسعد تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن زر بن حبيش ‏ {‏في يوم نحس مستمر‏} ‏ قال‏:‏ يوم الأربعاء‏. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏قال لي جبريل‏:‏ اقض باليمين مع الشاهد وقال‏:‏ يوم الأربعاء ‏{‏يوم نحس مستمر‏} ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال‏:‏ نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد والحجامة ويوم الأربعاء يوم نحس مستمر‏. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:حديث : ‏ يوم نحس يوم الأربعاء‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس قال‏:‏ ‏حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأيام وسئل عن يوم الأربعاء قال‏: يوم نحس، قالوا‏:‏ وكيف ذاك يا رسول الله‏؟‏ قال‏: أغرق فيه الله فرعون وقومه وأهلك عاداً وثمود‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج وكيع في الغرر وابن مردويه والخطيب بسند ضعيف عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال‏:‏ لما أقبلت الريح قام إليها عاد فأخذ بعضهم بأيدي بعض وغمزوا أقدامهم في الأرض وقالوا‏:‏ من يزيل أقدامنا عن الأرض إن كان صادقاً، فأرسل الله عليهم الريح تنزع الناس ‏ {‏كأنهم أعجاز نخل منقعر‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي هريرة قال‏:‏ إن كان الرجل من عاد ليتخذ المصراعين من حجارة لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يحملوه، فكان الرجل يغمز قدمه في الأرض فتدخل فيه‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏{‏كأنهم أعجاز نخل‏} ‏ قال‏:‏ أصول نخل ‏ {‏منقعر‏} ‏ قال‏:‏ منقطع‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏أعجاز نخل منقعر‏} ‏ قال‏:‏ أعجاز سود النخل‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏{‏كأنهم أعجاز نخل منقعر‏} ‏ قال‏:‏ وقعت رؤوسهم كأمثال الأخشبة وتقوّرت أعناقهم فشبهها بأعجاز نخل منقعر‏.‏

القشيري

تفسير : كَذَّبوا هوداً، فأرسلنا عليهم {رِيحاً صَرْصَراً} أي: باردةً شديدة الهُبوب، يُسْمَعُ لها صوت. {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ} أي: في يوم شؤم استمرَّ فيه العذابُ بهم، ودام ذلك فيهم ثمانيةَ أيام وسَبْعَ ليالٍ، وقيل: دائم الشؤم تنزع رياحُه الناسَ عن حُفَرِهم التي حفروها. حتى صاروا كأنهم أسافلُ نخلٍ مُنْقَطِع. وقيل: كانت الريح تقتلع رؤوسهم عن مناكبهم ثم تُلْقي بهم كأنهم أصول نخلٍ قطت رؤوسُها.

اسماعيل حقي

تفسير : {كذبت عاد} اى هودا عليه السلام ولم يتعرض لكيفية تكذيبهم له روما للاختصار ومسارعة الى بيان مافيه الازدجار من العذاب {فكيف كان عذابى ونذر} هو لتوحيه قلوب السامعين نحو الاصغاء الى مايقلى اليهم قبل ذكره لا لتهويله و تعظيمه وتعجيبهم من حاله بعد بيانه كما قبله وما بعده كأنه قيل كذبت عاد فهل سمعتهم او فاسمعوا كيف كان عذابى وانذاراتى لهم فالنذر جمع نذير بمعنى الانذار

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {كذبتْ عادٌ} هوداً عليه السلام، {فكيف كان عذابي ونُذُرِ}؟! أي: وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، والاستفهام لتوجيه قلوب السامعين للإصغاء إلى ما يُلقى إليهم قبل ذكره؛ لتهويله وتعظيمه، وتعجيبهم من حاله قبل بيانه، كما قبله وما بعده، كأنه قيل: كذبت عاد فهل سمعتم ما حلّ بهم؟ أو: فاسمعوا، فكيف كان عذابي وإنذاري لهم. ثم بيَّن ما أجمل فقال: {إِنَّا أرسلنا عليهم ريحاً صَرْصَراً} باردة أو: شديدة الصوت، {في يوم نَحْسٍ} شؤم {مستمرٍ} شؤمه عليهم إلى أن أهلكهم، وكان في أربعاء آخر شوال، {تَنزِعُ الناسَ} أي: تقلعهم، وجاء بالظاهر مكان المضمر؛ ليشمل ذكورَهم وإناثهم، صغيرهم وكبيرهم. رُوي: أنهم كانوا يتداخلون الشِّعاب، ويحفرون الحفر، ويندسُّون فيها، ويُمسك بعضهم ببعض؛ فتزعجهم الريح، وتَصرعُهم موتى. قال ابن إسحاق: ولمّا هاجت عليهم الريح، قام سبعةُ نفرٍ من عاد فأولجوا العيال في شعب بين جبلَين، ثم اصطفُّوا على باب الشعب، ليردُّوا الريحَ عنهم، فجعلت الريحُ تجعفهم رجلاً رجلاً. هـ. ثم صاروا بعد موتهم {كأنهم أعجازُ نخل مُنقَعرٍ} أي: أصول نخل منقلع من مغارسه، وشُبِّهوا بأعجاز النخلة، وهي أصولها التي قطعت روؤسها؛ لأنّ الريح كانت تقطع رؤوسهم، فتبقى أجساداً بلا رؤوس، فيتساقطون على الأرض أمواتاً، وهم جثث طوال. وتذكير صفة النخل بالنظر إلى اللفظ، كما أن تأنيثه في قوله تعالى:{أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}تفسير : [الحافة: 7] بالنظر للمعنى. {فكيف كان عذابي ونُذُر}؟! تهويل وتعجيب من أمرهما بعد بيانهما، فليس فيها شائبة تكرار، وما قيل: من أن الأول لِما حاق بهم في الدنيا، والثاني لِما يحيق بهم في الآخرة، يرده ترتيب الثاني على العذاب الدنيوي. {ولقد يَسَّرنا القرآنَ للذكرفهل من مُّدَّكِرٍ}؟! وفي تكريره بعد كل قصة؛ تنبيه على أن إيراد قصص الأمم إنما هو للوعظ والتذكار، وللانزجار عن مثل فعلهم، لا لمجرد السماع والتلذُّذ بأخبارهم، كما هي عادة القصاص. الإشارة: من شأن النفوس العاتية المُتجبرة العادية؛ تكذيب أهل الخصوصية كيفهما كانوا، ولا ترضى بحط رأسها لمَن يدعوها إلى ربها، فيُرسل اللّهُ عليهم ريحَ الهوى والخذلان، فتصرعهم في محل الذل والهوان، وتتركهم عبيداً لنفوسهم الخسيسة، وللدنيا الدنية، فكيف كان عذابي هؤلاء وإنذاري لهم؟! ولقد يسّرنا القرآن للذكر، وبيَّنَّا فيه ما فعلنا بأهل التكبُّر والعناد من الإهانة والطرد والإبعاد، فهل مِن مدكر، يتيقّظ مِن سنة غفلته، ويرحل من دنياه لآخرته، ومن نفسه إلى ربه؟ ثم ذكر قصة ثمود، فقال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ}.

اطفيش

تفسير : {كَذَّبَتْ عّادٌ} هودا فاهلكوا. {فَكَيْفَ كَانَ عَذّابِي وَنُذُرِ} لهم بالعذاب قبل نزوله أو لمن بعدهم في تعذيبهم وبين عذابهم بقوله {إنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراَ} بارداً شديد الصوت والهبوب احرق اجوافهم وهي الدبور كما مر. {فِي يَوْمِ نَحْسٍ} بالاضافة أي شؤم وقرىء بالنعت كقوله أيام نحسات. {مُّسْتُمِرٍّ} شومة أي دائم حتى أهلكهم كبيرا وصغيرا أو شديد المرارة وهو يوم اربعاء اخر الشهر وليس شؤم ذلك اليوم الى الان وقيل تحذر فيه اشياء منها النكاح والسفر.

اطفيش

تفسير : {كذَّبت عادٌ} بهود عليه السلام، أو بالنبوة والوحى كله لهود وغيره، أو لما كذبوا به صاروا كمن كذب بالكل، والحذف للعلم بالمحذوف، أو للعموم، ذكر الله عز وجل القصص فى السورة بلا عطف لبيان طريقة من الطرق، هى أن كل قصة تكفى وحدها لمن يتذكر، ولم يذكر ما به التكذيب للعلم به من غير هذه السورة، وللمسارعة الى ذكر عقابهم على التكذيب فى قوله: {فكيفَ كانَ عَذابي ونُذرِ} وذلك توجيه لقلب السامع الى الإصغاء، الى ما يترتب على تكذيبهم من العذاب الموجب للازدجار، أو لم يذكر ما به التكذيب مسارعة الى ذكر أمر هائل غريب هو العذاب بالريح إذ قال: {إنَّ أرسَلنا عَليْهم ريحاً صَرصراً} شديد الصوت لقوته، ومر كلام فى ذلك، وفى اهلاكهم بالريح اهلاك بما هو للحياة، كما أهلك قوم نوح بما هو للحاية وهو الماء، فانه لو انقطع الريح البتة عن حيوان البر لمات، كما لو ارتفع الى طبقة للريح فيها من جهة العلو نحو ثمانين ميلا لخرج دمه ومات باذن الله، ولو قطع الله الريح عن الأرض لأنتنت بأهلها، ولم يقم نبات ولم يثمر، ومعنى ارسال الريح انزاله من جهة العلو، واخراجه من الهواء، فان فى الهواء ريحا ساكنا حتى انه لو كان جسم عظيم من الأجسام مسرعا جدا أكثر مما نعتاد لجرَّ بجريه ما خلفه أو جانبه من الأجسام كالانسان والحيوان. {في يَوم نَحْسٍ} شؤم عليهم، والمراد باليوم مطلق الزمان، أو جنس اليوم، ودليل الوجهين قوله تعالى: "أية : في أيام نحسات"تفسير : [فصلت: 16] وقوله عز وجل: "أية : سبع ليالٍ وثمانية أيام" تفسير : [الحاقة: 7] وأجيز أن اليوم الوقت الشامل لكان زمان بعد حتى يدخل فيه زمان خلودهم، ويروى مرفوعا وموقوفا أن اليوم يوم الأربعاء آخر شوال، والمراد أن بدأ النحس يوم الأربعاء، واستمر نحسه سبع ليال وثمانية أيام كما قال: {مُسْتمرّ} أى دام نحسه حتى تمت سبع ليال وثمانية أيام، على أن مستمر نعت نحس، وان جعلناه نعت يوم كما نعت الأيام بنحسات فى الآية الأخرى، فمعنى استمرار نحسه بعد، على أن يوم الأربعاء الى أن تمت سبع ليال وثمانية أيام. ويجوز مطلقا أن يراد باستمرار النحس دوام العذاب بعد وقتهم، الى أن يبقى أربعون عاما أو أربعون يوما قبل البعث، ويعذبون أيضا فى الموقف وفى النار، وقيل: لا يرتفع العذاب فى تلك الأربعين أيضا، ولكن لا يقع البعث الا عقب أن لا روح حى، ولا جسد حى، ويجوز أن يكون استمرار انسحاب النحس عليهم حتى لم يبق كبير ولا صغير، وأجيز أن مستمر بمعنى محكم أو شديد المرارة، المعبر بها عن السوء مجازا كما مر فى السورة، وأحاديث ذم الأربعاء الأخير من الشهر ضعيفة، وقيل: موضوعة، وأقول: لا بأس بأخذ الحذر من يوم الأربعاء آخر الشهر، على معنى أنه ضر باذن الله عز وجل.

الالوسي

تفسير : {كَذَّبَتْ عَادٌ } شروع في قصة أخرى ولم تعطف وكذا ما بعدها من القصص إشارة إلى أن كل قصة مستقلة في القصد والاتعاظ. ولما لم يكن لقوم نوح اسم علم ذكروا بعنوان الإضافة، ولما كان لقوم هود علم وهو عاد ذكروا به لأنه أبلغ في التعريف. والمراد كذبت عاد هوداً عليه السلام ولم يتعرض لكيفية تكذيبهم له عليه السلام روماً للاختصار ومسارعة إلى بيان ما فيه الازدجار من العذاب. وقوله: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } لتوجيه قلوب السامعين نحو الإصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره لا لتهويله وتعظيمه وتعجيبهم من حاله بعد بيانه كما قبله وما بعده كأنه قيل: كذبت عاد فهل سمعتم، أو فاسمعوا كيف عذابـي وإنذاري لهم، وقيل: هو للتهويل أيضاً لغرابة ما عذبوا به من الريح وانفراده بهذا النوع من العذاب، وفيه بحث.

ابن عاشور

تفسير : موقع هذه الجملة كموقع جملة {أية : كذبت قبلهم قوم نوح}تفسير : [القمر: 9] فكان مقتضى الظاهر أن تعطف عليها، وإنما فصلت عنها ليكون في الكلام تكرير التوبيخ والتهديد والنعي عليهم عقب قوله: {أية : ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر}تفسير : [القمر: 4، 5]. ومقام التوبيخ والنعي يقتضي التكرير. والحكم على عاد بالتكذيب عموم عرفي بناء على أن معظمهم كذبوه وما آمن به إلا نفر قليل قال تعالى: {أية : ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا}تفسير : [هود: 58]. وفرع على التذكير بتكذيب عاد قوله: {فكيف كان عذابي ونذر} قبل أن يذكر في الكلام ما يشعر بأن الله عذبهم فضلاً عن وصف عذابهم. فالاستفهام مستعمل في التشويق للخبر الوارد بعده وهو مجاز مرسل لأن الاستفهام يستلزم طلب الجواب والجواب يتوقف على صفة العذاب وهي لَمّا تذكر فيحصل الشوق إلى معرفتها وهو أيضاً مكنى به عن تهويل ذلك العذاب. وفي هذا الاستفهام إجمال لحال العذاب وهو إجمال يزيد التشويق إلى ما يبينه بعده من قوله: {إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً} الآية، ونظيره قوله تعالى: {أية : عمّ يتساءلون}تفسير : [النبأ: 1] ثم قوله: {أية : عن النبأ العظيم}تفسير : [النبأ: 2] الآية. وعطف {ونذر} على {عذابي} بتقدير مضاف دل عليه المقام، والتقدير: وعاقبة نذري، أي إنذاراتي لهم، أي كيف كان تحقيق الوعيد الذي أنذرهم. ونُذر: جمع نذير بالمعنى المصدري كما تقدم في أوائل السورة وقد علمت بما ذكرنا أن جملة «فكيف كان عذابي ونذري» هذه ليست تكريراً لنظيرها السابق في خبر قوم نوح، ولا اللاحق في آخر قصة عاد للاختلاف الذي علمته بين مُفادها ومفاد مماثلتها وإن اتحدت ألفاظهما. والبليغ يتفطن للتغاير بينهما فيصرفه عن توهم أن تكون هذه تكريراً فإنه لما لم يسبق وصف عذاب عاد لم يستقم أن يكون قوله: {فكيف كان عذابي} تعجيباً من حالة عذابهم. وقوله: {ونذر} موعظة من تحقق وعيد الله إياهم، وقد أشار الفخر إلى هذا وقفينا عليه ببسط وتوجيه. وأصل السؤال عن تكرير هذه الجملة أثناء قصة عاد هنا أورده في كتاب «درة التنزيل وغرة التأويل» المنسوب إلى الفخر وإلى الراغب إلا أن كلام الفخر في «التفسير» أجدر بالتعويل مما في «درة التنزيل». وجملة {إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً} الخ بيان للإجمال الذي في قوله: {فكيف كان عذابي ونذر}. وهو في صورة جواب للاستفهام الصوري. وكلتا الجملتين يفيد تعريضاً بتهديد المشركين بعذاب على تكذيبهم. وجملة البيان إنما اتصف حال العذاب دون حال الإِنذار، أو حال رسولهم وهو اكتفاء لأن التكذيب يتضمن مجيء نذير إليهم وفي مفعول {كذبت} المحذوف إشعار برسولهم الذي كذبوه وبعث الرسول وتكذيبهم إياه بتضمن الإِنذار لأنهم لما كذبوه حق عليه إنذارهم. وتعدية إرسال الريح إلى ضميرهم هي كإسناد التكذيب إليهم بناء على الغالب وقد أنجى الله هوداً والذين معه كما علمت آنفاً أو هو عائد إلى المكذبين بقرينة قوله: {كذبت عاد}. والصرصر: الشديدة القوية يكون لها صوت، وتقدم في سورة فصّلت. وأريد بــــ {يوم نحس} أول أيام الريح التي أرسلت على عاد إذ كانت سبعة أيام إلا يوماً كما في قوله تعالى: {أية : فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات} تفسير : في سورة فصّلت (16) وقوله: {أية : سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً} تفسير : في سورة الحاقة (7). والنحْس: سوء الحال. وإضافة {يوم} إلى {نحس} من إضافة الزمان إلى ما يقع فيه كقولهم يوم تحلاق اللمم، ويوم فتح مكة. وإنما يضاف اليوم إلى النحس باعتبار المنحوس، فهو يوم نحس للمعذبين يوم نصر للمؤمنين ومصائب قوم عند قوم فوائد.. وليس في الأيام يوم يوصف بنحس أو بسعد لأن كل يوم تحدث فيه نحوس لقوم وسعود لآخرين، وما يروى من أخبار في تعيين بعض أيام السنة للنحس هو من أغلاط القصاصين فلا يلقي المسلم الحق إليها سمعه. واشتهر بين كثير من المسلمين التشاؤم بيوم الأربعاء. وأصل ذلك انجرّ لهم من عقائد مجوس الفرس، ويسمون الأربعاء التي في آخر الشهر «الأربعاء التي لا تدور»، أي لا تعود، أرادوا بهذا الوصف ضبط معنى كونها آخر الشهر لئلا يظن أنه جميع النصف الأخير منه وإلاّ فأيّة مناسبة بين عدم الدوران وبين الشؤم، وما من يوم إلاّ وهو يقع في الأسبوع الأخير من الشهر ولا يدور في ذلك الشهر. ومن شعر بعض المولدين من الخراسانيين:شعر : لقاؤك للمبكِّر فَألُ سوء ووجهك أربعاءُ لا تدور تفسير : وانظر ما تقدم في سورة فصّلت. و{مستمر}: صفة {نحس}، أي نحس دائم عليهم فعُلِم من الاستمرار أنه أبادهم إذ لو نجوا لما كان النحس مستمراً. وليس {مستمر} صفة لــــ{يوم} إذ لا معنى لوصفه بالاستمرار. والكلام في اشتقاق مستمر تقدم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : ويقولوا سحر مستمر}تفسير : [القمر: 2]. ويجوز أن يكون مشتقاً من مرّ الشيء قاصراً، إذا كان مُرّاً، والمرارة مستعارة للكراهية والنفرة فهو وصف كاشف لأن النحس مكروه. والنزع: الإِزالة بعُنف لئلا يبقى اتصال بين المزال وبين ما كان متصلاً به، ومنه نزع الثياب. والأعجاز جمع عَجُز: وهو أسفل الشيء، وشاع إطلاق العَجُز على آخر الشيء لأنهم يعتبرون الأجسام منتصبة على الأرض فأولاها ما كان إلى السماء وآخرها ما يلي الأرض. وأطلقت الأعجاز هنا على أصول النخل لأن أصل الشجرة هو في آخرها مما يلي الأرض. وشبه الناس المطروحون على الأرض بأصول النخيل المقطوعة التي تقلع من منابتها لموتها إذ تزول فروعها ويتحاتّ ورقها فلا تبقى إلا الجذوع الأصلية فلذلك سميت أعجازاً. و{منقعر}: اسم فاعل انقعر مطاوع قَعره، أي بلغ قَعْره بالحفر يقال: قَعَرَ البئرَ إذا انتهى إلى عمقها، أي كأنهم أعجاز نخل قعرت دواخله وذلك يحصل لعُود النخل إذا طال مكثه مطروحاً. ومنقعر: وصف النخل، روعي في إفراده وتذكيره صورة لفظ نخل دون عدد مدلوله خلافاً لما في قوله تعالى: {أية : كأنهم أعجاز نخل خاوية}تفسير : [الحاقة: 7] وقوله: {أية : والنخل ذات الأكمام}تفسير : [الرحمٰن: 11]. قال القرطبي: «قال أبو بكر ابن الأنباري سئل المبرد بحضرة إسماعيل القاضي عن ألف مسألة من جملتها، قيل له: ما الفرق بين قوله تعالى: {أية : ولسليمان الريح عاصفة}تفسير : [الأنبياء: 81] و{أية : جاءتها ريح عاصف}تفسير : [يونس: 22] وقوله: {أية : أعجاز نخل خاوية}تفسير : [الحاقة: 7] و{أعجاز نخل منقعر}؟ فقال كل ما ورد عليك من هذا الباب فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيراً أو إلى المعنى تأنيثاً» اهــــ. وجملة {كأنهم أعجاز نخل منقعر} في موضع الحال من {الناس} ووجه الوصف بــــ {منقعر} الإِشارة إلى أن الريح صرعتهم صرعاً تفلقت منه بطونهم وتطايرت أمعاؤهم وأفئدتهم فصاروا جثثاً فُرغا. وهذا تفظيع لحالهم ومثلة لهم لتخويف من يراهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: كذبت عاد: أي نبيها هوداً عليه السلام فلم تؤمن به ولا بما جاء به. فكيف كان عذابي ونذر: أي فكيف كان عذابي الذي أنزلته بهم وإنذاري لهم كان أشد ما يكون. إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصراً: أي ريحا عاتية ذات صوت شديد. في يوم نحس مستمر: أي في يوم نحسٍ أي شؤم مستمر دائم الشؤم قوِيَّة حتى هلكوا. تنزع الناس كأنهم أعجاز: أي تقتلعهم من الحفر التي اندسوا فيها وتصرعهم فتدق رقابهم. نخل منقعر: منفصلة أجسامهم كأنهم والحال كذلك أعجاز أي أصول نخل منقلع. ولقد يسرنا القرآن للذكر: أي سهلنا القرآن للحفظ والتذكير والتذكر به. فهل من مدّكر: أي تذكروا يا عباد الله بالقرآن فإن منزله سهَّله للتذكير. معنى الآيات: قوله تعالى {كَذَّبَتْ عَادٌ} هذا القصص الثاني في هذه السورة يذكر بإيجاز تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديداً لقومه المكذبين وذكرى للمؤمنين فقال تعالى كذبت عاد أي قوم هود كذبوا رسول الله هوداً عليه السلام وكفرا بما جاءهم به من التوحيد والشرع وقالوا ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين فأرسل تعالى عليهم ريحاً صرصراً ذات صوت شديد في يوم نحس وكان مساء الأربعاء لثمان خلون من شهر شوال مستمر بشدة وقوة وشؤم عليهم مدة سبع ليال وثمانية أيام تنزع تلك الريح الناس وقد دخلوا حفراً تحصنوا بها فتنزعهم منها نزعاً وتخرجهم فتصرعهم فتدق رقابهم فتنفصل عن أجسادهم فيصيرون والحال هذه لطول أجسامهم كأنهم أعجاز نخل منقعر أي منقلع ساقط على الأرض. وقوله تعالى {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}؟ هذ الاستفهام للتهويل أي إنه كان كأشد ما يكون لعذاب والإِنذار. وقوله تعالى {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} أي سهلناه وهيأناه بفضل منا ورحمة للحفظ ولولا هذا التسهيل ما حفظه أحد، وهيئناه للتذكر به. فهل من مذكر أي من متذكر والاستفهام للأمر كأنما قال: فاحفظوه وتذكروا به. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان عقوبة المكذبين لرسل الله وما نزل بهم من العذاب في الدنيا قبل الآخرة. 2- بيان أن قوة الإنسان مهما كانت أمام قوة الله تعالى هي لا شيء ولا ترد عذاب الله بحال. 3- بيان تسهيل الله تعالى كتابه للناس ليحفظوه ويذكروا به، ويعملوا بما جاء فيه ليكملوا ويسعدوا في الحياتين.

القطان

تفسير : الريح الصرصر: الباردة اشد البرد. نحس: شؤم. مستمر: دائم. تنزع الناس: تنقلهم. أعجاز نخل: أصول النخل. منقعِر: منقلع، يقال قعرت النخلة، قلعتُها من أصلها فانقعرت. بالنذُر: بالرسل. وسُعر: جنون. يقال: سَعِرَ فلان فهو مسعور: جنّ فهو مجنون. كذّاب أشِر: شديد البطر، متعاظم. فارتقبْهم واصطبر: فانتظرهم واصبر على أذاهم. كل شِرب محتضَر: الشِرب بكسر الشين: النصيب، ومحتضر: بفتح الضاد: يحضره صاحبه في نوبته. صاحبهم: هو الذي قتل الناقة. فتعاطى: فاجترأ على هذه الجريمة. فعقر: فضرب قوائم الناقة بالسيف. كهشيم المحتظِر: الهشيم: كل زرع ونبات وشجر يابس، و المحتظر: الذي يعمل حظيرة لغنمه ويتساقط منه بعض اجزائه وتتفتت حال العمل. في هذه الآيات الكريمة يذكر الكتاب قصةَ عاد، قوم هود، وقصة ثمود قوم صالح، وقد ذُكر هود سبع مرات في القرآن وصالحٌ تسعاً. ولقد كذّبت عادٌ نبيَّهم هودا ولم يؤمنوا به، فانظُروا يا معشر قريش كيف أنزلتُ بهم عذاباً شديداً، ريحاً باردة مدوَّية في يومِ شؤمٍ دائم، تقتلع الناسَ من أماكنهم وترميهم كأنهم أعجازُ نخلٍ قد انقلَع من الأرض {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}. وقد كرر هذه الآية لبيان هولِ ما نزلَ بهم من عذاب. ثم اردف ذلك بقوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} لقد أنزلناه سهلاً ميسَّراً ليبيّن للناس العبر والعظات فهل يتعظون؟. ثم اردف بقصة ثمود، وكيف كذّبت نبيّهم صالحاً، وكيف تعجّبوا من ان يأتيه الوحي والنبوة من بينهم، وفيهم من هو أحقُّ منه، ثم شتموه بأنه كذاب أشِر. وقالوا: {إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} لو اتبعنا صالحاً هذا فيما يدعونا إليه لكُنّا ضللنا، وصرنا مجانين. ثم بين الله تعالى بأنهم: {سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ} سيعلمون قريباً يوم ينزل بهم العذابُ من هو الكذّاب المنكِر للنعمة، هم أم رسولنا إليهم صالح. ثم بين الله لصالح انه مرسلٌ لهم الناقة آيةً، وامتحاناً، فانتظِرْهم يا صالح واصبر على أذاهم وخبِّرهم أن ورود الماءِ مقسومٌ بينَهم وبين الناقة، {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} كل نصيب يحضره صاحبه في يومه. فلم تعجبْهم القِسمة، فدعوا صاحبَهم (وهو الذي عبَّر الله عنه في سورة الشّمس بقوله تعالى: {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا} تفسير : [الشمس: 11-12] ليفعل فِعْلته. {فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ} فتهيأ لعقر الناقة وضرَب قوائمها بالسيف فعقَرها، {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}؟ ثم أخذتهم صيحةُ العذاب فكانوا مثلَ الهشيم اليابس الذي يجمعه صاحبُ الحظيرة لماشيته. ثم يكرر قوله تعالى: {وَلَقَد يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} ليوجّههم الى القرآن ليتذكروا ويتدبروا. قراءات: قرأ ابن عامر وحمزة ورويس: ستعلمون بالتاء. والباقون: سيعلمون بالياء.

د. أسعد حومد

تفسير : (18) - وَلَقَدْ كَذَّبَتْ عَادٌ نَبِيَّهُمْ هُوداً فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِ، كَمَا فَعَلَ قَوْمُ نُوحٍ، فَكَيْفَ كَانَ عَذابي لمنْ كَفَرَ بِي، وَكَذَّبَ رُسُلي، وَلَمْ يَتَّعِظْ بِما جَاءَتْ بِهِ نُذُرِي؟. وَكَيفَ انْتَصَرْتُ لِرُسُلِي، وَأَهْلَكْتُ الكَافِرينَ المُعَانِدِينَ؟ لَقَدْ كَانَ أَخْذِي شَدِيداً، وَعَذابِي أَلِيماً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وعاد } هي القبيلة المعروفة باليمن، أرسل الله إليهم هودا عليه السلام يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، فكذبوه، فأرسل الله عليهم { رِيحًا صَرْصَرًا } أي: شديدة جدا، { فِي يَوْمِ نَحْسٍ } أي: شديد العذاب والشقاء عليهم، { مُسْتَمِرٍّ } عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما. { تَنزعُ النَّاسَ } من شدتها، فترفعهم إلى جو السماء، ثم تدفعهم بالأرض فتهلكهم، فيصبحون { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ } أي: كأن جثثهم بعد هلاكهم مثل جذوع النخل الخاوي الذي أصابته الريح فسقط على الأرض، فما أهون الخلق على الله إذا عصوا أمره، { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } كان [والله] العذاب الأليم، والنذارة التي ما أبقت لأحد عليه حجة، { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } كرر تعالى ذلك رحمة بعباده وعناية بهم، حيث دعاهم إلى ما يصلح دنياهم وأخراهم.