٥٤ - ٱلْقَمَر
54 - Al-Qamar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
الرازي
تفسير : وقد تقدم تفسيره غير أنه في قصة عاد قال: {أية : كَذَّبَتْ } تفسير : [القمر: 18] ولم يقل: بالنذر، وفي قصة نوح قال: {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ بِٱلنُّذُرِ } تفسير : [الشعراء: 105] فنقول: هذا يؤيد ما ذكرنا من أن المراد بقوله: {أية : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ } تفسير : [القمر: 9] أن عادتهم ومذهبهم إنكار الرسل وتكذيبهم فكذبوا نوحاً بناء على مذهبهم وإنما صرح ههنا لأن كل قوم يأتون بعد قوم وأتاهما رسولان فالمكذب المتأخر يكذب المرسلين جميعاً حقيقة والأولون يكذبون رسولاً واحداً حقيقة ويلزمهم تكذيب من بعده بناء على ذلك لأنهم لما كذبوا من تقدم في قوله: الله تعالى واحد، والحشر كائن، ومن أرسل بعده كذلك قوله ومذهبه لزم منه أن يكذبوه ويدل على هذا أن الله تعالى قال في قوم نوح: {أية : فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَـٰهُ } تفسير : [الأعراف: 64] وقال في عاد: {أية : وتلكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَـٰتِ رَبّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَٱتَّبَعُواْ } تفسير : [هود: 59] وأما قوله تعالى: {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الشعراء: 105] فإشارة إلى أنهم كذبوا وقالوا ما يفضي إلى تكذيب جميع المرسلين، ولهذا ذكره بلفظ الجمع المعرف للاستغراق، ثم إنه تعالى قال هناك عن نوح: {أية : رَبّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ } تفسير : [الشعراء: 117] ولم يقل: كذبوا رسلك إشارة إلى ما صدر منهم حقيقة لا أن ما ألزمهم لزمه. إذا عرفت هذا فلما سبق قصة ثمود ذكر رسولين ورسولهم ثالثهم قال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ } هذا كله إذا قلنا إن النذر جمع نذير بمعنى منذر، أما إذا قلنا إنها الإنذارات فنقول: قوم نوح وعاد لم تستمر المعجزات التي ظهرت في زمانهم، وأما ثمود فأنذروا وأخرج لهم ناقة من صخرة وكانت تدور بينهم وكذبوا فكان تكذيبهم بإنذارات وآيات ظاهرة فصرح بها، وقوله: {أية : فَقَالُواْ أَبَشَراً مّنَّا وٰحِداً نَّتَّبِعُهُ } تفسير : [القمر: 24] يؤيد الوجه الأول، لأن من يقول لا أتبع بشراً مثلي وجميع المرسلين من البشر يكون مكذباً للرسل والباء في قوله {بِٱلنُّذُرِ } يؤيد الوجه الثاني لأنا بينا أن الله تعالى في تكذيب الرسل عدى التكذيب بغير حرف فقال: {أية : كَذَّبُوهُ } تفسير : [الأعراف: 64] {أية : وَكَذَّبُواْ (...) رُسُلُنَا } تفسير : [غافر: 70] {أية : فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا } تفسير : [القمر: 9] {أية : وكذبوني} تفسير : [المؤمنون: 26] وقال: {أية : وَكَذَّبُواْ بِـآياتِ رَّبُّهُمْ } تفسير : [الأنفال: 54] {أية : وبآياتنا} تفسير : [البقرة: 39] فعدى بحرف لأن التكذيب هو النسبة إلى الكذب والقائل هو الذي يكون كاذباً حقيقة والكلام والقول يقال فيه كاذب مجازاً وتعلق التكذيب بالقائل أظهر فيستغني عن الحرف بخلاف القول، وقد ذكرنا ذلك وبيناه بياناً شافياً.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ} هم قوم صالح كذبوا الرسل ونبيهم، أو كذّبوا بالآيات التي هي النذر {فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ} وندع جماعة. وقرأ أبو الأشهب وٱبن السَّمَيْقَع وأبو السَّمَّال العدويّ «أَبَشَرٌ» بالرفع «وَاحِدٌ» كذلك رفع بالابتداء والخبر «نَتَّبِعُهُ». الباقون بالنصب على معنى أنتبع بشراً منا واحداً نتبعه. وقرأ أبو السَّمَّال: «أَبَشَرٌ» بالرفع «مِنَّا واحِداً» بالنصب، رفع «أَبَشَرٌ» بإضمار فعل يدل عليه {أَأُلْقِيَ} كأنه قال: أينبّأ بشر منّا، وقوله: «وَاحِداً» يجوز أن يكون حالاً من المضمر في «مِنَّا» والناصب له الظرف، والتقدير أينبأ بشر كائن منّا منفرداً؛ ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في {نَّتَّبِعُهُ} منفرداً لا ناصر له. {إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ} أي ذهاب عن الصواب {وَسُعُرٍ } أي جنون، من قولهم: ناقة مسعورة، أي كأنها من شدة نشاطها مجنونة، ذكره ٱبن عباس. قال الشاعر يصف ناقته:شعر : تَخالُ بها سُعْراً إذا السَّفْرُ هَزَّهَا ذَمِيلٌ وإيقاعٌ من السَّيْرِ مُتْعِبُ تفسير : الذميل ضرب من سير الإبل. قال أبو عبيد: إذا ارتفع السير عن العَنَق قليلاً فهو التّزيُّد، فإذا ٱرتفع عن ذلك فهو الذميل، ثم الرَّسيم؛ يقال: ذمَل يَذْمُل ويَذمِل ذميلاً. قال الأصمعي: ولا يَذمُل بعير يوماً وليلةً إلا مَهْرِيٌّ قاله. وقال ٱبن عباس أيضاً: السُّعر العذاب، وقاله الفراء. مجاهد: بعد الحق. السديّ: في ٱحتراق. قال:شعر : أصحوتَ اليومَ أَمْ شَاقَتْكَ هِرّ ومِنَ الْحُبِّ جُنُونٌ مُسْتَعِرْ تفسير : أي متقد ومحترق. أبو عبيدة: هو جمع سعير وهو لهيب النار. والبعير المجنون يذهب كذا وكذا لما يتلهب به من الحدّة. ومعنى الآية: إنَّا إذاً لفي شقاء وعناء مما يلزمنا. قوله تعالى: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا} أي خصص بالرسالة من بين آل ثمود وفيهم من هو أكثر مالاً وأحسن حالاً؟! وهو استفهام معناه الإنكار. {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} أي ليس كما يدّعيه، وإنما يريد أن يتعاظم ويلتمس التكبر علينا من غير ٱستحقاق. والأَشَر المَرَح والتَجَبُّر والنّشاط. يقال: فرس أَشِر إذا كان مرحاً نشيطاً؛ قال ٱمرؤ القيس يصف كلباً:شعر : فيدركنا فَغِمٌ داجِنٌ سمِيعٌ بِصيرٌ طَلُوبٌ نَكِرْ أَلَصُّ الضُّرُوسِ حَنِيُّ الضُّلُوعِ تَبُوعٌ أَرِيبٌ نَشيطٌ أَشِرْ تفسير : وقيل: «أَشِرٌ» بَطِر. والأَشَر البَطَر؛ قال الشاعر:شعر : أَشِرْتُمْ بلُبْس الخَزِّ لمّا لَبِسْتُمُ ومِن قبلُ ما تَدْرونَ مَنْ فَتَحَ الْقُرَى تفسير : وقدأشِر بالكسر يأشَر أَشَراً فهو أَشِر وأَشْران، وقوم أشَارى مثل سَكْران وسُكَارى؛ قال الشاعر:شعر : وخَلَّتْ وُعُولاً أَشَارَى بها وقد أَزْهَفَ الطَّعْنُ أبطالَهَا تفسير : وقيل: إنه المتعدي إلى منزلة لا يستحقها؛ والمعنى واحد. وقال ٱبن زيد وعبد الرحمن بن حماد: الأشِر الذي لا يبالي ما قال. وقرأ أبو جعفر وأبو قِلابة «أَشَرُّ» بفتح الشين وتشديد الراء يعني به أشرنا وأخبثنا. {سَيَعْلَمُونَ غَداً} أي سيرون العذاب يوم القيامة، أو في حال نزول العذاب بهم في الدنيا. وقرأ ٱبن عامر وحمزة بالتاء على أنه من قول صالح لهم على الخطاب. الباقون بالياء إخبار من الله تعالى لصالح عنهم. وقوله: «غَداً» على التقريب على عادة الناس في قولهم للعواقب: إن مع اليوم غداً؛ قال:شعر : للموتِ فيها سِهامٌ غير مُخْطِئَةٍ مَنْ لم يكن مَيِّتاً في اليومِ ماتَ غَدَا تفسير : وقال الطرِمَّاح:شعر : أَلاَ عَلِّلاَنِي قبل نَوْحِ النَّوَائِح وقَبْلَ ٱضْطرَابِ النَّفْسِ بَين الْجَوَانِح وقبلَ غَدٍ يا لَهْفَ نفسي على غَدٍ إذا رَاحَ أصحابي ولستُ برائِح تفسير : إنما أراد وقت الموت ولم يرد غداً بعينه. {مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ} وقرأ أبو قِلابة «الأَشَرُّ» بفتح الشين وتشديد الراء جاء به على الأصل. قال أبو حاتم: لا تكاد العرب تتكلم بالأَشَرّ والأَخيَر إلا في ضرورة الشعر؛ كقول رؤبة:شعر : بِـلاَلٌ خَيْـرُ النـاسِ وٱبـنُ الأَخْيَـر تفسير : وإنما يقولون هو خير قومه، وهو شر الناس؛ قال الله تعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران:110] وقال: {أية : فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً} تفسير : [مريم:75]. وعن أبي حيوة بفتح الشين وتخفيف الراء. وعن مجاهد وسعيد بن جُبير ضم الشين والراء والتخفيف، قال النحاس: وهو معنى «الأشِر» ومثله رجل حَذِر وحَذُر.
ابن كثير
تفسير : وهذا إخبار عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم صالحاً، { فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَٰحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ} يقولون: لقد خبنا وخسرنا إن سلمنا كلنا قيادنا لواحد منا. ثم تعجبوا من إلقاء الوحي عليه خاصة من دونهم، ثم رموه بالكذب فقالوا: {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} أي: متجاوز في حد الكذب، قال الله تعالى: { سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ} وهذا تهديد لهم شديد، ووعيد أكيد. ثم قال تعالى: {إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ} أي: اختباراً لهم، أخرج الله لهم ناقة عظيمة عشراء، من صخرة صماء، طبق ما سألوا؛ لتكون حجة الله عليهم في تصديق صالح عليه السلام فيما جاءهم به، ثم قال تعالى آمراً لعبده ورسوله صالح: {فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ} أي: انتظر ما يؤول إليه أمرهم، واصبر عليهم؛ فإن العاقبة لك، والنصر في الدنيا والآخرة {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} أي: يوم لهم، ويوم للناقة؛ كقوله: {أية : قَالَ هَـٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الشعراء: 155]. وقوله تعالى: {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} قال مجاهد: إذا غابت، حضروا الماء، وإذا جاءت، حضروا اللبن، ثم قال تعالى: { فَنَادَوْاْ صَـٰحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ} قال المفسرون: هو عاقر الناقة، واسمه قدار بن سالف، وكان أشقى قومه؛ كقوله: {أية : إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَـٰهَا} تفسير : [الشمس: 122]، {فَتَعَاطَىٰ} أي: خسر، {فَعَقَرَ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } أي: فعاقبتهم، فكيف كان عقابي لهم على كفرهم بي وتكذيبهم رسولي؟ { إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَٰحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ} أي: فبادوا عن آخرهم، لم تبق منهم باقية، وخمدوا وهمدوا كما يهمد وييبس الزرع والنبات، قاله غير واحد من المفسرين، والمحتظر قال السدي: هو المرعى بالصحراء حين ييبس ويحترق وتسفيه الريح، وقال ابن زيد: كانت العرب يجعلون حظاراً على الإبل والمواشي من يبيس الشوك، فهو المراد من قوله: {كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ} وقال سعيد بن جبير: هشيم المحتظر: هو التراب المتناثر من الحائط، وهذا قول غريب، والأول أقوى، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ } جمع نذير بمعنى منذر،أي بالأمور التي أنذرهم بها نبيهم صالح إن لم يؤمنوا به ويتبعوه.
الماوردي
تفسير : {إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أن السعر الجنون، قاله ابن كامل. الثاني: العناء، قاله قتادة. الثالث: الافتراق، قاله السدي. الرابع: التيه، قاله الضحاك. الخامس: أنه جمع سعر وهو وقود النار، قاله ابن بحر وابن عيسى. وعلى هذا التأويل في قولهم ذلك وجهان: أحدهما: أنهم قالوه لعظم ما نالهم أن يتبعوا رجلاً واحداً منهم، كما يقول الرجل إذا ناله خطب عظيم: أنا في النار. الثاني: أنهم لما أوعدوا على تكذيبه ومخالفته بالنار ردوا مثل ما قيل لهم إنّا لو اتبعنا رجلاً مثلنا واحداً كنا إذاً في النار. {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الأشر هو العظيم الكذب، قاله السدي. الثاني: أنه البطر، ومنه قول الشاعر: شعر : أشرتم بلبس الخز لما لبستم ومن قبل لا تدرون من فتح القرى تفسير : الثالث: أنه المتعدي إلى منزلة لا يستحقها. {إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَة فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ} أما الاصطبار فهو الافتعال من الصبر وأصل الطاء تاء أبدلت بطاء ليكون اللفظ أسهل مخرجاً ويعذب مسمعاً. وروى أبو الزبير عن جابر قال: لما نزلنا الحجر فغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، قال: "حديث : أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَسْأَلُوا عَن هَذِهِ الآياتِ [هؤلاء] قَوْمُ صَالِحٍ سَأَلُوا نَبِيَّهُم أَن يَبْعَثَ اللَّهُ لَهُم آيَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُم نَاقَةً فَكَانَتْ تَرِدُ مِن ذَلَكِ الفَجَ فَتَشْرَبُ مَاءَهُم يَوْمَ وُرُودِهَا وَيَحْلِبُونَ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْهَا يَوْمَ غِبِّهَا وَيَصْدِرُونَ عَن ذَلِكَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنَبِئّهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُم}" تفسير : الآية. وفيه وجهان: أحدهما: أن الناقة تحضر الماء يوم ورودهم، وتغيب عنهم يوم ورودها، قاله مقاتل. الثاني: أن ثمود يحضرون الماء يوم غبها فيشربون، ويحضرون اللبن يوم وردها فيحلبون. {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ} فيه قولان: أحدهما: انه أحمر إرم وشقيها، قاله قتادة، وقد ذكره زهير في شعره فقال: شعر : فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم تفسير : الثاني: أنه قدار بن سالف، قاله محمد بن إسحاق، وقد ذكره الأفوه في شعره: شعر : أو بعده كقدار حين تابعه على الغاوية أقوام فقد بادوا تفسير : {فَتَعَاطَى} فيه وجهان: أحدهما: أن معناه بطش بيده، قاله ابن عباس. الثاني: معناه تناولها وأخذها، ومنه قول حسان بن ثابت: شعر : كلتاهما حلب العصير فعاطني بزجاجة أرخاهما للمفصل تفسير : {فَعَقَرَ} قال محمد بن إسحاق: كَمَنَ لها قدار في أصل شجرة على طريقها فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها، ثم شد عليها بالسيف فكشف عرقوبها فخرت ورغت رغاءة واحدة تحدر سقبها [من بطنها وانطلق سقبها] حتى اتى صخرة في رأس الجبل فرغا ثم لاذ بها، فأتاهم صالح، فلما رأى الناقة قد عقروها بكى ثم قال: انتهكتم حرمة الله فأبشروا بعذاب الله. قال ابن عباس: وكان الذي عقرها رجل أحمر أزرق أشقر أكشف أقفى. {فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} فيه خمسة أقاويل: أحدهما: يعني العظام المحترقة، قاله ابن عباس. الثاني: أنه التراب الذي يتناثر من الحائط وتصيبه الريح، فيحتظر مستديراً، قاله سعيد بن جبير. الثالث: أنها الحظار البالية من الخشب إذا صار هشيماً، ومنه قول الشاعر: شعر : أثرت عجاجة كدخان نار تشب بغرقد بال هشيم تفسير : قاله الضحاك. الرابع: أنه حشيش قد حظرته الغنم فأكلته، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً الخامس: أن الهشيم اليابس من الشجر الذي فيه شوك والمحتظر الذي تحظر به العرب حول ماشيتها من السباع، قاله ابن زيد، وقال الشاعر: شعر : ترى جيف المطي بجانبيه كان عظامها خشب الهشيم
ابن عادل
تفسير : قوله: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ} اعلم أَنَّه تعالى لم يقل في قوم نوح: "كَذَّبْت قَوْمُ نُوحِ) بالنذر" وكذلك في قصة عاد. لأن المراد بقوله: {كذبت قبلهم قوم نوح} أن عادتهم إنكار الرسل وتكذيبهم فكذبوا نوحاً على مذهبهم وعادتهم. وإنما صرح ههنا، لأن كل قوم يأتون بعد قوم، فالمكذِّب المتأخر يكذب المرسلينَ جميعاً حقيقةً، والأولون يكذبون رسولاً واحداً حقيقة ويلزم منه تكذيب من بعده تبعاً، ولهذا المعنى قال في قوم نوح: {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الشعراء: 105] وقال في عاد: {أية : وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ} تفسير : [هود: 59] فذكر بلفظ الجمع المُسْتَغْرق ثم إنه تعالى قال عن نوح: {أية : رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} تفسير : [الشعراء: 117] ولم يقل: كَذَّبُوا رُسُلَكَ إشارةً إلى ما صدر منهم حقيقة لا إلى ما لزم منه، وقوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ} إن قلنا: إن النذر هم الرسل فهو كما تقدم، وإن قلنا: إن النذر هي الإنذارات فنقول: قوم نوح وعاد لم تستمر المعجزات التي ظهرت في زمانهم. وأما ثمود فأُنْذِرُوا وأُخْرِجَ لهم ناقة من صخرةٍ وكانت تدور بينهم وكذبوا فكان تكذيبهم بإِنذاراتٍ وآياتٍ ظاهرة فصرَّح بها. قوله: "أبَشَراً" منصوب على الاشتغال وهو الراجح، لتقدم أداة هي بالفعل أولى. و "مِنَّا" نعت له. و "وَاحِداً" فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت "لِبَشَراً" إلا أنه يشكل عليه تقديم الصفة المؤولة على الصريحة. ويجاب: بأن "مِنَّا" حينئذ ليس وصفاً بل حال من "وَاحِداً" قُدِّمَ عليه. والثاني: أنه نصب على الحال من هاء "نَتَّبِعُهُ". وهو يَخْلُصُ من الإعراب المتقدم، إِلا أنَّ المرجع لكونه صفة قراءتهما مرفوعين: {أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ} على ما سيأتي، فهذا يرجّح كون "واحداً" نعتاً "لبَشَرٍ" لا حالاً. وقرأ أبُو السَّمَّال فيما نقل الهُذَلِيُّ والدَّانِيّ برفعهما على الابتداء، و "وَاحِدٌ" صفته و "نَتَّبِعُهُ" خبره. وقرأ أبو السَّمَّال أيضاً فيما نقل ابن خالويه، وأبو الفضل وابن عطية: برفع "بشر" ونصب "واحداً" وفيه أوجه: أحدها: أن يكون "أَبَشَرٌ" مبتدأ وخبره مضمر تقديره: أَبَشَرٌ منا يُبْعَثُ إِلينا أو يُرْسَل. وأما انتصاب "واحداً" ففيه وجهان: أحدهما: أنه حال من الضمير المستتر في (مِنَّا) لأنه وقع نعتاً. الثاني: أنه حال من هاء "نَتَّبِعُهُ". وهذا كله تخريج أبِي الفضل الرَّازيِّ. والثاني: أنه مرفوع بالابتداء أيضاً، والخبر "نَتَّبِعُهُ" و "واحداً" حال على الوجهين المذكورين آنفاً. الثالث: أنه مرفوع بفعل مضمر مبني للمفعول تقديره: أَيُنَبَّأُ بَشرٌ، و (مِنَّا) نعت و (واحداً) حال أيضاً على الوجهين المذكورين آنفاً. وإليه ذهب ابن عطية. فصل قال ابن الخطيب: والحكمة في تأخير الفعل في الظاهر أن البليغ يُقَدِّمُ في الكلام ما يكون تعلق غرضه به أكثر والقوم كانوا يريدون بيان كونهم محقِّين في ترك الاتّباع، فلو قالوا: أَنَتَّبِعُ بَشَراً أمكن أن يقال: نعم اتَّبِعُوهُ، وماذا يمنعكم من اتباعه؟ فإذا قدمنا حاله وقالوا: هو من نوعنا بشر من صِفَتِنَا رجل ليس غريباً نعتقد فيه أنه يَعْلَمُ ما لا نَعْلَمُ أو يَقْدِرُ على ما لا نَقْدِرُ وهو واحد وليس له جندٌ ولا حَشَمٌ ولا خَدَمٌ ولا خيلٌ وهو وحيد ونحن جماعة فكيف نتبعه؟! فيكونون قد قدموا الموجب لجواز الامتناع عن اتباعه. وفي الآية إشاراتٌ إلى ذلك، منها تنكيره حيث قالوا: أَبَشَراً، ولم يقولوا: أَرَجُلاً، ومنها: قولهم: مِنَّا وهو يحتمل أمرين: أحدهما: من صنفنا ليس غريباً. والثاني: "مِنَّا" أي تَبَعنَا؛ لأن "مِنْ" للتبعيض والبعض يتبع الكل، لا الكل يتبع البعض. ومنها قولهم: "واحداً"، وهو يحتمل أمرين أيضاً: أحدهما: وحيداً إشارةً إلى ضعفه. وثانيهما: واحداً أي هو من آحاد النَّاس أي هو ممَّنْ ليس بمشهور بحَسَبٍ ولا نَسَبٍ، إذا حَدَّث لا يُعْرَفُ ولا يمكن أن يقال عنه: قَال فلانٌ، بل يقال: قال واحدٌ، وذلك غاية الخُمول، أو لأن الأرذَلَ لا يَنْضَمُّ إليه أحد. قوله: {إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ} خَطَأٍ، وذهاب عن الصواب "وَسُعُرٍ" (قال ابن عباس: عذاب. وقال الحسن: شدة العذاب. وقال قتادةً: عَنَاء). "وسُعُر" يجوز أن يكون مفرداً أي جُنُون يقال: نَاقَةٌ مَسْعُورَةٌ أي كالمجنونة في سيرها، قال الشاعر (- رحمةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -): شعر : 4600- كَأَنَّ بِهَا سُعْراً إذَا السُّعْرُ هَزَّهَا ذَمِيلٌ وَإِرْخَاءٌ مِنَ السَّيْرِ مُتْعِبُ تفسير : وأن يكون جمع "سَعِيرٍ" وهو النار. قاله سفيان بن عُيَيْنة. والاحتمالان منقولان عنه. والمعنى: إِنَّا إذَنْ لَفِي عَنَاءٍ وعذاب مما يلزمنا مِنْ طاعته. وقال وَهْبٌ: معناه: بُعْدٌ عن الحَقِّ. قوله: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا} معناه أأنزل عليه الذكر، وهُو الوحي "مِنْ بَيْنِنَا" حال من هاء "عليه"، أي ألقي عليه منفرداً من بيننا أي خصص بالرسالة من بين آلِ ثمود وفيهم من هو أكثر مالاً وأحسن حالاً. وهو استفهام بمعنى الإنكار. قوله: {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} الأشِرُ البَطِرُ، يقال: أَشِرَ يأشَرُ أَشَراً فَهُو أشِرٌ كَفِرحَ، وآشِرٌ كَضَارِبٍ وأَشْرَانُ كَسَكْرَانَ، وأُشَارَى كَأُسَارَى. وقرأ أبو قِلاَبَةَ: {بل هو الكَذَّابُ الأَشَرُّ}، {مَنِ الكَذَّابُ الأَشَرُ}؟ بفتح الشين وتشديد الراء، جَعَلَهُمَا أفعلَ تَفْضِيلٍ. وهو شاذ، لأنه (لم) يحْذف الهمزة من لفظ الخَيْرِ والشّرّ في "أفعل" التفضيل، تقول: زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْ عَمْرو وشَرٌّ مِن بَكْرٍ، ولا تقول: أخْيَرُ ولا أَشَرّ إلاَّ في نُذُورٍ كهذه القراءة وكقول رؤبة: شعر : 4601- بِلاَلُ خَيْرُ النَّاسِ وَابْنُ الأَخْيَرِ تفسير : وتثبت فيهما في التعجب نحو: ما أَخْيَرَهُ ومَا أَشَرَّهُ. ولا يحذف إلى في نُدَورٍ عكس أفعل التفضيل، قالوا: مَا خَيْرَ اللَّبَنَ للصّحيح، وَمَا شَرَّهُ لِلْمَبطُونِ. وهذا من محاسن الصِّناعة. وقرأ أبو قَيْس الأَوْدِيُّ ومجاهدٌ الحرف الثاني الأشُرُ بثلاث ضمات، وتخريجها على أن فيه لغةً أُشُر بضم الشين كحُذُر وَحَذُر، ثم ضمت الهمزة إِتباعاً لضمِّ الشين. ونقل الكسائي عن مجاهد ضم الشين وفتح الهمزة على أصل تِيكَ اللغة كَحَذُرٍ. فصل (الأَشر) التحيّر والنشاط، يقال: فَرَسٌ أَشِرٌ إذا كان مَرِحاً نَشِطاً. قال امرؤ القيس يصف كلباً: شعر : 4602- فَيُدْرِكُنَا فَغِمٌ دَاجِنٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ طَلُوبٌ نَكِرْ أَلَصّ الضُّرُوسِ حَنِيُّ الضُّلُوعِ تَبُوعٌ أَرِيبٌ نَشِيطٌ أَشِرْ تفسير : (و) قيل: إنه المتعدي إلى منزلةٍ لا يستحقها. وقال ابن زيد وعبد الرحمن بن حماد: الأَشِرُ الذي لا يُبَالِي ما قال. وفي قراءة أبي قلابة بفتح الشين وتشديد الراء فالمعنى أَشَرُّنَا وأَخْبَثُنَا. فإن قيل: قولهم: بل هو كذاب يستدعي أمراً مضروباً عنه فما هو؟ فالجواب: قولهم: أألقي للإنكار فكأنهم قالوا: مَا ألقي، ثم إنَّ قولَهم: أألقي عليه الذكر لا يقتضي إلا أنه ليس بِنبِيٍّ، وقول القائل: ليس بِنبي لا يلزم منه أنه كاذب فكأنهم قالوا ليس بنبي، ثم قالوا: بل هو ليس بصادقٍ. قوله: "فَسَيَعْلَمُونَ" قرأ ابنُ عامر وحمزةُ بالخطاب. وفيه وجهان: أحدهما: أنه حكاية قول صالح لقومه. والثاني: أنه خطاب الله على جهة الالتفات. والباقون بياء الغيبة جَرْياً على الغيب قبله في قوله: "فَقَالُوا أَبَشراً"، واختارها مَكِّيٌّ، قال: لأن عليها الأكثر. و "غَداً" ليس المراد به الذي يلي يومك بل الزمان المستقبل، كقول الطِّرمَّاح (رحمةُ الله عليه ورضاه): شعر : 4603- أَلاَ عَلِّلاَنِي قَبْلَ نَوْحِ النَّوَائِحِ وَقَبْلَ اضْطِرَابِ النَّفْسِ بَيْنَ الجَوَانِحِ وَقَبْلَ غَدٍ يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَى غَدٍ إذَا رَاحَ أَصْحَابِي وَلَسْتُ بِرَائِحِ تفسير : والمعنى "سَيَعْلَمُون غَداً" حين يَنْزِلُ عليهم العذاب. قال الكلبي: يعني يوم القيامة. وذكر الغد للتقرِيبِ على عادة الناس يقولون: إنَّ مَعَ الْيَوْم غَداً. فصل الكذَّاب فعال صيغة مبالغة، لأن المنسوب إلى الشيء لا بدَّ له من أن يكثر من مزاولة الشيء، فإنَّ من خاط يوماً لا يقال له: خيَّاط فالمبالغة ههنا إما في الكثرة بأن يكون كثيرَ الكذب، وإمّا في الشدة أي شديد الكذب، يقول ما لا يقبله العقل. ويحتمل أن يكونوا وصفوه بذلك لاعتقادهم الأمرين جميعاً. وقولهم "أشِرٌ" إشارة إلى أنه كذب لا لضرورة وحاجة وإنما هو استغنى فبَطَرَ وطلب الرِّئَاسَةَ. قوله: {إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ} أي مُخْرِجُوهَا من الهَضَبَة التي سألوا. وأتى باسم الفاعل والإضافة مبالغة في حقيقته كأنه وقع "فِتْنَةً" مفعول به، أو مصدر من معنى الأول أو في موضع الحال. روي أنهم تعنتوا على صالح فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقةً حمراءَ عُشَرَاءَ، فقال الله: {إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ} محنةً واختباراً؛ فقوله: "فتنة" مفعول له؛ لأن المعجزة فتنة؛ لأن بها يتميز المُثَابُ من المعذب، فالمعجزة تصديق، وحينئذ يفترق المصدِّق من المُكَذِّب. أو يقال: إخراج الناقة من الصخرة معجزة، ودورانها بينهم، وقسمة الماء كان فتنةً، ولهذا قال: "إنَّا مُرْسِلُواْ" ولم يقل: مُخْرِجُو. قوله: "فَارْتَقِبْهُمْ" أي انتظر ما يصنعون "وَاصْطَبِرْ" أي اصبر على أَذَاهُمْ وأصل الطاء في "اصْطَبِرْ" "تاء" فتحولت طاءً، لتكون موافقةً للصاد في الإطباق. قوله: "وَنَبِّئْهُمْ" أي أخبرهم {أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} أي بين آل ثمود وبين الناقة لها يوم ولهم يوم، كقوله تعالى: {أية : لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الشعراء: 155] فالضمير في (بينهم) لقوم صالح والناقة فغلّب العاقل. وقرأ العامة: قِسْمة بكسر القاف - ورُوِيَ عن أبي عمرو فَتْحُها - وهو قياس المرة. والمعنى: أن الماءَ مقسومٌ بَيْنَهُمْ فوصف بالمصدر مبالغة، كقولك: فُلانٌ عَيْنُ الكرم. قوله: {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} أي يحضره من هُو له، فالناقة تحضر الماء يوم وُرُودِهَا وتغيب عنهم يوم وُرُودِهِمْ. قاله مقاتل. وقال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم غَبِّها عنهم فيشربون، ويحضرون اللبن يوم ورودها فيحتلبون. والشِّرْبُ - بالكسر - الحظ من الماء. وفي المثل: آخرها أقلُّها شِرْباً وأصله من سقي الإناء، لأن آخرها يرد وقد نَزفَ الحَوْضُ. واعلم أن قسمة الماء إما لأن الناقة عظيمةُ الخَلْق ينفر منها حيواناتهم فكان يوم للناقة ويوم لهم، وإما لقلة الماء فلا يحملهم، وإما لأن الماء كان مقسوماً بينهم لكل فريق منهم فيوم وُرُودِ الناقة على هؤلاء يرجعون على الآخرين وكذلك الآخرون فيكون النُّقْصَان على الكل، ولا تختص الناقة بجميع الماء. رُوِيَ أنهم كانوا يكتفون في يوم ورودها بلبنها، وليس في الآية إلا القسمة دون كيفيتها، وظاهر قوله تعالى: {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} يعضد الوجه الثالث، وحَضَر واحْتَضَرَ بمعنًى واحد. قوله: "فَنَادَوْا صَاحِبَهْم" قبله محذوف أي فتمادوا على ذلك ثم عزموا على عقرها فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر. و "تعاطى" مطاوع عَاطَى كأنهم كانوا يتدافعون ذلك حتى تولاه أشقاها. والمعنى فنادوا صاحبهم نداء المُسْتَغِيث وهو قُدار بنُ سَالف وكان أشجعهم. وقيل: كان رئيسهم. فتعاطى أي آلةَ العقر أو الناقةَ، أو هو عبارة عن الإقدام على الفعل العظيم. وتحقيقه أن الفعلَ العظيمَ يتبرأ منه كُلُّ أحد ويعطيه صاحبَه أو جَعَلُوا لَهُ جُعْلاً فَتعَاطَاهُ. قال مُحَمَّدُ بن إسْحَاقَ: كمن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها فانتظم به عضلة ساقها ثم شد عليها بالسيف فكشف عرقوبها فخرت ورَغَتْ رغاة واحدة، ثم نَحَرَها. قال ابن عباس: كان الذي عقرها أحمر أشقر أكشف أقعى يقال له: قُدار بن سالف. والعرب تسمي الجَزَّار قُدَاراً تشبيهاً بقُدار بْنِ سالف مشؤوم آل ثمود، قال مهلهل: شعر : 4604- إنَّا لَنَضْرِبُ بالسُّيُوف رُؤُوسَهُمْ ضَرْبَ القُدَارِ نَقِيعَةَ القُدَّامِ تفسير : قوله: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً} يريد صيحة جبريل كما تقدم {فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ} العامة على كسر الظاء اسم فاعل وهو الذي يتخذه حظيرةً من حَطَب وغيره. وقرأ أبو السَّمال وأبو حَيْوة وأبو رجاء وعمرُو بن عُبَيْد بفتحها. فقيل: هو مصدر أي كَهَشِيم الاحْتِظَارِ. وقيل: هو اسم مكان. وقيل: هو اسم مفعول وهو الهَشِيمُ نفسه، ويكون من باب إضافة الموصوف لصفته كمَسْجِدِ الجَامِعِ. والحَظْر المَنْع، وقد تقدم تحريره في "سُبْحَانَ". فصل "كان" في قوله "فكانوا" قيل: بمعنى صاروا كقوله: شعر : 4605-............................. كَانَت فِرَاخاً بُيُوضُهَا تفسير : أي صارت. والهشيم: المهشوم المكسور، ومنه سمي هاشِمٌ لهشمه الثَّرِيد في الجفان غير أن الهشيم يستعمل كثيراً في الحطب المتكسر اليابس. قال المفسرون: كانوا كالخشب المُنْكَسِرِ الذي يخرج من الحظائر بدليل قوله: {أية : هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ} تفسير : [الكهف: 45] وهو من باب إقامة الصّفة مقَام الموصوف. وتشبيههم بالهشيم إما لكونهم يابسين كالموتى الذين ماتوا من زمان، أو لانضمام بعضهم إلى بعض، كما ينضم الرفقاء عند الخوف يدخل بعضهم في بعض، فاجتمعوا بعضهم فوق بعض كما يجمع الحاطب الحَطَبَ يصف شيئاً فوق شيء منتظراً حضور من يشتري منه. ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم في الجحيم أي كانوا كالحطب اليابس الذي للوَقِيد كقوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98] وقوله: {أية : فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} تفسير : [الجن: 15]. فصل ذكر في الآية مباحث: منها: قوله تعالى: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}. اعلم أن هذه الآية ذكرت في ثلاثة مواضع ذكرها في حكاية نوح بعد بيان العذاب، وذكرها هنا قبل بيان العذاب، وذكرها في حكاية عاد قبل بيانه وبعد بيانه، فحيث ذكر قبل بيان العذاب فَلِلْبَيَانِ كقول العارف بحكايته لغير العارف: هَلْ تَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ أَمْرُ فُلان؟ وغرضه أن يقول: أخبرني عنه. وحيث ذكرها بعد بيان العذاب ذكرها للتعظيم كقول القائل: ضرب فُلاَنٌ أَيَّ ضَرْب وأيّما ضرب، وتقول: ضَرَبْتُهُ وكَيْفَ ضَرَبْتُهُ أي قويًّا. وفي حكاية عاد ذكرها مرتين للبيان والاستفهام ومنها في حكاية نوح ذكر الذي للتعظيم، وفي حكاية ثمود ذكر الذي للبيان، لأن عذاب قوم نوح كان بأمر عظيم عام وهو الطوفان الذي عم العالم ولا كذلك عذاب قوم (هود) فإنه كان مختصاً بهم. فصل اعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة خمس قصص، وجعل القصة المتوسطة مذكورة على أتمِّ وجه؛ لأن حال صالح كان أكثر مشابهةً بحال محمد - عليهما الصلاة والسلام - لأنه أتى بأمر عجيب أَرْضِيٍّ، وكان أعجب مما جاء به للأنبياء، لأن عيسى عليه الصلاةُ والسَّلاَمُ، أحيا الميت لكن الميت كان محلاً للحياة فقامت الحياة بإذن الله في محل كان قابلاً لها وموسى - عليه الصلاة والسلام - انقلبت عصاه ثُعْبَاناً فأثبت الله له في الخشب الحياة بإذن الله؛ لكن الخشبة نبات كان له قوة في النمو فأشبه الحيوان في النمو، وصالح - عليه الصلاة والسلام - كان الظاهر في يده خروج الناقة من الحجر، والحجر جماد، وليس محلاً للحياة، ولا محلاً للنمو والنبي - عليه الصلاة والسلام - أتى بأعجبَ من الكُلِّ، وهو التصرف في الجرْم السَّماويِّ الذي يقول المشرك: لا وصول لأحد إلى السماء، وأما الأرضيات فقالوا: إنها أجسام مشتركة المواد يقبل كلُّ واحد منها صورة الأخرى، والسماوات لا تقبل ذلك فلما أتى بما اعترفوا بأنه لا يقدر على مثله آدَمِيٌّ كان أتم وأبلغ من معجزة صالح - عليه الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ - التي هي أتم من معجزة سَائر الأنبِياء غير محمد - عليه الصَّلاة والسلام -. فصل من قرأ المُحْتَظَر - بفتح الظاء - أراد الحظيرة، ومن قرأ بالكسر أراد صاحب الحظيرة. ونقل القرطبي عن صاحب الصِّحَاح، قال: من كسر جعله الفاعل، ومن فتح جعله المفعول، ويقال للرجل القليل الخير: إنَّه لَنَكِدُ الحَظِيرَةِ. قال أبو عبيدة: أراه سمى أمواله حظيرة، لأنه حظرها عنده ومنعها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. وقال المَهْدَوِيُّ: من فتح الظاء من المُحْتَظَر فهو مصدر، والمعنى كهشيم الاحتظار. ويجوز أن يكون المحتظر هو الشجر المتخذ منه الحظيرة، قال ابن عباس (- رضي الله عنهما -): المحتظر هو الرجل يجعل لغنمه حظيرةً بالشجر والشوك فما سقط من ذلك وداسته الغَنَم فَهُوَ الهَشِيمُ قال: شعر : 4606- أَثَرْنَ عَجَاجَةً كَدُخَانِ نَارٍ تَشِبُّ بِغَرْقَدٍ بَالٍ هَشِيمِ تفسير : وعنه: الحشيش تأكله الغنم، وعنه أيضاً: كالعظام النَّخِرة المحترقة. وهو قول قتادة. وقال سعيد بن جبير: هو الترابُ المتناثر من الحِيطَان في يوم ريح. وقال سفيان الثوري: هو ما تناثر من الحظيرة إذا ضَرَبْتَهَا بالعصا، وهو فَعِيلٌ من مَفْعُولٍ. وقال ابن زيد: العرب تسمي كل شيء كان رطباً فيَبِسَ هشيماً والحَظْر المنع. والمُحَتَظرُ المُفْتَعَلُ يقال منه: احْتَظَرَ على إِبِلِهِ، وحظر أي جمع الشجر بعضَه على بعض ليمنع برد الريح والسِّباع عن إبله، قال الشاعر: شعر : 4607- تَرَى جِيفَ المَطِيِّ بِجَانِبَيْهِ كَأَنَّ عِظَامَهَا خَشَبُ الْهَشِيمِ تفسير : وعن ابن عباس -( رضي الله عنهما -) أيضاً: أنهم كانوا مثل القمح الذي دِيسَ وهُشِمَ -. (والهشيم:) فُتَات السُّنْبُلَةِ والتِّبْن. روى أَبُو الزُّبَيْرِ عن جابر قال: "حديث : لما نزلنا الحِجْر في مَغْزَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبوك، قال: أيها الناس لا تسألوني الآياتِ، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم ناقةً، فبعث الله عزّ وجلّ إليهم الناقةَ وكانت ترد من ذلك الفجّ فتشرب ماءهم يوم ورْدِها ويحلبون منها مثل الذي كانوا يشربون منها يوم غِبِّها ".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {إنا إذاً لفي ضلال وسعر} قال: شقاء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {إنا إذاً لفي ضلال وسعر} قال: في ضلال وعناء. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {وسعر} قال: ضلال، وفي قوله {كل شرب محتضر} قال: يحضرون الماء إذا غابت الناقة وإذا جاءت حضروا اللبن، وفي قوله {فتعاطى} قال: تناول، وفي قوله {كهشيم المحتظر} قال: الرجل هشم الحنتمة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله {فتعاطى فعقر} قال: تناول أحيمر ثمود الناقة فعقرها، وفي قوله {كهشيم المحتظر} قال: كرماد محترق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فتعاطى} قال: تناول. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {كهشيم المحتظر} قال: كالعظام المحترقة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس {كهشيم المحتظر} قال: كالحشيش تأكله الغنم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {كهشيم المحتظر} قال: هو الحشيش قد حظرته فأكلته يابساً فذهب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير {كهشيم المحتظر} قال: التراب الذي يسقط من الحائط. قوله تعالى: {كذبت قوم لوط} الآيات. أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {فتماروا بالنذر} قال: لم يصدقوا بها، وفي قوله {فطمسنا أعينهم} قال: ذكر لنا أن جبريل استأذن ربه في عقوبتهم ليلة أتوا لوطاً، وأنهم عاجلوا الباب ليدخلوا عليهم، فصعقهم بجناحه فتركهم عمياناً يترددون، وفي قوله {ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر} قال: استقر بهم في نار جهنم، وفي قوله {فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر} قال: عزيز في نقمته إذا انتقم لا يخاف أن يسبق، وفي قوله {أكفاركم خير من أولئكم} يقول: أكفاركم خير ممن قد مضى. وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن رضي الله عنه في قوله {ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر} قال: عذاب في الدنيا استقر بهم في الآخرة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما {أكفاركم خير من أولئكم} يقول: ليس كفاركم خيراً من قوم نوح وقوم لوط. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الربيع بن أنس رضي الله عنه {أكفاركم خير من أولئكم} قال: أكفاركم أيتها الأمة خير مما ذكر من القرون الأولى الذين أهلكتهم. وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه {أكفاركم خير من أولئكم} يقول: أكفاركم خير من أولئكم الذين مضوا {أم لكم براءة في الزبر} يعني في الكتب.
القشيري
تفسير : هم قوم صالح. وقد مضى القولُ فيه، وما كان من عقرهم للناقة.. إلى أن أرسل الله عليهم صيحةً واحدةً أوجبت هذا الهلاك، فَصيَّرَهم كالهشيم، وهو اليابس من النبات، {ٱلْمُحْتَظِرِ}: أي: المجعول في الحظيرة، أو الحاصل في الحظيرة.
اسماعيل حقي
تفسير : {كذبت ثمود بالنذر} اى الانذارات والمواعظ التى سمعوها من صالح عليه السلام او بالرسل فان تكذيب احدهم تكذيب للكل لاتفاقهم على الشرآئع
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {كذبت ثمودُ بالنُذُر} بصالح عليه السلام؛ لأنَّ مَن كذّب واحداً فقد كذّب الجميع؛ لاتفاقهم في الشرائع، أو: كذّبوا بالإنذارات والمواعظ التي يسمعونها من صالح، {فقالوا أَبَشراً منا} أي: كائناً من جنسنا، وانتصابه بفعل يُفسره "نتبعه" أي: أنتبع بشراً منا {واحداً} منفرداً لا تباعة له؟ أو: واحداً من الناس لا شرف له {نَتبه} وندع ديننا؟ {إِنَّا إِذاً} أي: على تقدير اتباعنا له، وهو مفرد ونحن أمة جمة {لفي ضلالٍ} عن الصواب {وسُعُرٍ} نيران تحرق، جمع "سعير". كان صالح يقول فعكسوا عليه، لغاية عتوهم، وقالوا: إن اتبعناك كنا كنا تقول. وقيل: المراد بالسعر: الجنون، لأنها تشوه صاحبها، أنكروا أن يكون الرسول بشراً، وطلبوا أن يكون من الملائكة، وأنكروا أن تتبع أمةٌ واحداً، أو: رجلاً لا شرف له في زعمهم، حيث لم يتعاط معهم أسباب الدنيا. ويؤيد التأويل الثاني قوله: {أأُلقيَ الذِكْرُ} أي: الوحي {عليه مِن بيننا} وفينا مَن هو أحق منه بالاختيار للنبوة؟ {بل هو كذّاب أشِرٌ} أي: بطر متكبر، حَمَلَه بطرُه وطلبُه التعظيم علينا على ادعائه ذلك. قال تعالى: {سيعلمون غداً} أي: عن قريب، وهو عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة، {مَن الكذّابُ الأشِرُ} أصالح أم مَن كذّبه؟ وقرأ الشامي وحمزة بتاء الخطاب، على حكاية ما قاله صالح مجيباً لهم. {إِنا مرسلوا الناقةِ} باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا، {فتنةً لهم} ابتلاءً وامتحاناً لهم، مفعول له، أو: حال، {فارتقبهم} فانتظرهم وتبصّر ما هم صانعون {واصْطَبر} على أذاهم، ولا تعجل حتى ياتيك أمري. {ونَبِّئهم أنَّ الماءَ قِسْمةٌ بينهم} مقسوم بينهم، لها شِرْب يوم، ولهم شِرْب يوم، وقال: "بينهم" تغليباً للعقلاء. {كُل شِرْبِ مُحتَضَرٌ} محضور، يحضر القوم الشرب يوماً، وتحضر الناقة يوماً، {فنادَوا صَاحِبَهم} قُدَار بن سالف، حُمير ثمود، {فتعاطَى} فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم، غير مكترث به، {فعَقَرَ} الناقة، أو: فتعاطى الناقة فعقرها، أو: تعاطى السيف فقتلها، والتعاطي: تناول الشيء بتكلُّف. وقال أبو حيان: هو مضارع عاطا، وكأنّ هذه الفعلة تدافعها الناس بعضهم بعضاً، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. {فكيف كان عذابي ونُذُر إِنَّا أرسلنا عليهم} في اليوم الرابع مِن عَقْرها، {صَيحةً واحدة} صاح بهم جبريل عليه السلام {فكانوا} فصاروا {كهشيمِ المحتظِر} كالشجر اليابس الذي يجده مَن يعمل الحظيرة، فالهشيم: الشجرة اليابس المتكسر، الذي يبس من طول الزمان، وتتوطّؤه البهائم؛ فيتحطّم ويتهشّم، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة. قال ابن عباس: "هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك، فما يسقط من ذلك ودرسته الغنم فهو هشيم" شبههم في تبدُّدهم، وتفرُّق أوصالهم، بالشوك الساقط على الأرض، {ولقد يَسَّرْنا القرآن للذكر فهل من مُدَّكِرٍ} فيتعظ بما يسمع من هذه القصص. الإشارة: سبب إنكار الناس على أهل الخصوصية؛ ظهور وصف البشرية عليهم، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف البشرية، ووصف البشرية على قسمين: قسم لازم، لا تنفك العبودية عنه، كالأكل والشرب والنوم والنكاح، وغيرها من الأوصاف الضرورية، وهذه هي التي تجامع الخصوصية، وبها سترت، واحتجبت حتى أنكرت، فوجودها في العبد كمال؛ لإنها صِوان لسر الخصوصية. قال في الحكم: "سبحان مَن ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية". وقسم عارض يمكن زواله؛ وهي الأوصاف المذمومة، كالكبر والحسد والحقد، وحب الدنيا والرياسة، وغير ذلك، فهذا لا تجامعه الخصوصية، ولا بد من التطهير منه في وجودها. وللقشيري إشارة أخرى، وحاصلها: كذبت ثمود؛ النفسُ الأمّارة وجنودُها: صالح القلب؛ حين دعاها إلى الخروج عن عوائدها، والتطهُّر من أوصافها المذمومة، فقالت النفسُ وجنودها: أنتبع واحداً منا، لأنه مخلوق مثلنا، ونحن عُصبة؟ إنا إذاً لفي ضلال سُعر، أأُلقي الذكر الإلهامي عليه مِن بيننا؟ بل هذ كذَّاب أشر، سيعلمون غداً، حين يقع لهم الرحيل من عالمهم، مَنِ الكذابُ الأشر، أثمود النفس وجنودها، أم صالح القلب؟. إنّا مرسل ناقة النفس فتنة لهم، ابتلاءً؛ ليظهر الخصوص من العموم، فارتقبهم، لعلهم يرجعون إلى أصلهم من النزاهة والطهارة، واصطبر في مجاهدتهم، ونبئهم أنَّ ماء الحياة - وهي الخمرة الأزلية - قسمة بينهم، مَن شَرِبَ منها، صفا، ومَن تنكّب عنها أظلم، كُل شِرْب يحضره مَن يتأهل له. فنادوا صاحبهم - وهو الهوى - فتعاطى ناقة النفس، التي أرادت العروج إلى وطن الروح، فعقرها وردها إلى وطنها الخسيس، فكيف كان عذابي لها وإنذاري إياها؟ إنَّا أرسلنا عليهم صيحةَ القهر، فسقطوا إلى الحضيض الأسفل، فكانا كهشيم المحتظر؛ صاروا أرضيين بعد أن كانوا سماويين. هـ. بالمعنى مع تخالف له. ثم قال القشيري: اعلم أن النفس حقيقة واحدة، غير متعددة، لكن بحسب توارد الصفات المتباينة تعددت أسماؤها، فإذا توجهت إلى الحق توجهاً كليّاً؛ سميت مطمئنة، وإذا توجهت إلى الطبيعة البشرية توجهاً كليّاً؛ سميت أمّارة، وإذا توجهت إلى الحق تارة، وإلى الطبيعة أخرى؛ سميت لوّامة. هـ مختصراً. ثم ذكر قصة لوط، فقال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ}.
الجنابذي
تفسير : {كَذَّبَتْ ثَمُودُ} من بعد عادٍ {بِٱلنُّذُرِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ} على سبيل الانكار والاستغراب {إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} جمع السّعير، او بمعنى الجنون، او جمع السّعر ككتف بمعنى المجنون، وعطف على فى ضلال.
ابن عاشور
تفسير : القول في موقع جملة {كذبت ثمود بالنذر} كالقول في موقع جملة {أية : كذبت عاد}تفسير : [القمر: 18]. وكذلك القول في إسناد حكم التكذيب إلى ثمود وهو اسم القبيلة معتبر فيه الغالب الكثير. فإن صالحاً قد آمن به نفر قليل كما حكاه الله عنهم في سورة الأعراف. وثمود: ممنوع من الصرف باعتبار العلمية والتأنيث المعنوي، أي على تأويل الاسم بالقبيلة. والنذر: جمع نذير الذي هو اسم مصدر أنذر، أي كذبوا بالإِنذارات التي أنذرهم الله بها على لسان رسوله. وليس النُذر هنا بصالح لحمله على جمْع النذير بمعنى المُنذر لأن فعل التكذيب إذا تعدى إلى الشخص المنسوب إلى الكذب تعدى إلى اسمه بدون حرف قال تعالى: {أية : فكذبوا رسلي}تفسير : [سبأ: 45] وقال: {أية : لما كذبوا الرسل}تفسير : [الفرقان: 37] وقال: {أية : وإن يكذبوك}تفسير : [الحج: 42]، وإذا تعدى إلى الكلام المكذّب تعدى إليه بالباء قال: {أية : وكذبتم به}تفسير : [الأنعام: 57] وقال: {أية : وكذب به قومك}تفسير : [الأنعام: 66] وقال: {أية : إن الذين كذبوا بآياتنا}تفسير : [الأعراف: 40] وقال: {أية : كذبوا بآياتنا}تفسير : [آل عمران: 11]. وهذا بخلاف قوله: {أية : كذبت ثمود المرسلين} تفسير : في سورة الشعراء (141). والمعنى: أنهم كذبوا إنذارات رسولهم، أي جحدوها ثم كذبوا رسولهم، فلذلك فُرع على جملة {كذبت ثمود بالنذر} قوله: {فقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه} إلى قوله: {بل هو كذّاب أشر} ولو كان المراد بالنذر جمع النذير وأطلق على نذيرهم لكان وجه النظم أن تقع جملة {فقالوا أبشراً} إلى آخرها غير معطوفة بالفاء لأنها تكون حينئذٍ بياناً لجملة {كذبت ثمود بالنذر}. والمعنى: أن صالحاً جاءهم بالإِنذارات فجحدوا بها وكانت شبهتهم في التكذيب ما أعرب عنه قولهم: {أبشراً منا واحداً نتبعه} إلى آخره، فهذا القول يقتضي كونه جواباً عن دعوة وإنذار، وإنما فُصّل تكذيب ثمود وأجمل تكذيب عاد لقصد بيان المشابهة بين تكذيبهم ثمود وتكذيب قريش إذ تشابهت أقوالهم. والقول في انتظام جملة {فقالوا أبشراً} الخ بعد جملة {كذبت ثمود بالنذر} كالقول في جملة {أية : فكذبوا عبدنا}تفسير : [القمر: 9] بعد جملة {أية : كذبت قبلهم قوم نوح}تفسير : [القمر: 9]. وهذا قول قالوه لرسولهم لما أنذرهم بالنذر لأن قوله: {كذبت} يؤذن بمخبر إذ التكذيب يقتضي وجود مخبر. وهو كلام شافهوا به صالحاً وهو الذي عنوه بقولهم: {أبشراً منَّا} إلخ. وعدلوا عن الخطاب إلى الغيبة. وانتصب {أبشراً} على المفعولية لــــ {نتبعه} على طريقة الاشتغال، وقدم لاتصاله بهمزة الاستفهام لأن حقها التصدير واتصلت به دونَ أن تدخل على نتبع لأن محل الاستفهام الإنكاري هو كون البشر متبوعاً لا اتباعهم له ومثله {أية : أبشرٌ يهدوننا}تفسير : [التغابن: 6] وهذا من دقائق مواقع أدوات الاستفهام كما بين في علم المعاني. والاستفهام هنا إنكاري، أنكروا أن يرسل الله إلى الناس بَشراً مثلهم، أي لو شاء الله لأرسل ملائكة. ووصف {بشراً} بــــ {واحداً}: إما بمعنى أنه منفرد في دعوته لا أتباع له ولا نصراء، أي ليس ممن يخشى، أي بعكس قول أهل مدين {أية : ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز}تفسير : [هود: 91]. وإما بمعنى أنه من جملة آحاد الناس، أي ليس من أفضلنا. وإما بمعنى أنه منفرد في ادعاء الرسالة لا سلف له فيها كقول أبي مِحْجن الثقفي:شعر : قد كنت أغنى الناس شخصاً واحداً سَكن المدينة من مزارع فُوم تفسير : يريد: لا يناظرني في ذلك أحد. وجملة {إنّا إذا لفي ضلال وسعر} تعليل لإنكار أن يتبعوا بشراً منهم تقديره: أنتّبعك وأنت بشر واحد منا. و(إذن) حرف جواب هي رابطة الجملة بالتي قبلها. والضلال: عدم الاهتداء إلى الطريق، أرادوا: إنا إذن مخطئون في أمرنا. و{السُعُر}: الجُنون، يقال بضم العين وسكونها. وفسر ابن عباس السُعُر بالعذاب على أنه جمع سَعير. وجملة {ألقِىَ الذِّكرُ عليه من بيننا} تعليل للاستفهام الإِنكاري. و{ألقى} حقيقته: رُميَ من اليد إلى الأرض وهو هنا مستعار لإِنزال الذكر من السماء قال تعالى: {أية : إنا سنُلْقِي عليك قولاً ثقيلاً}تفسير : [المزمل: 5]. و(في) للظرفية المجازية، جعلوا تلبسهم بالضلال والجنون كتلبس المظروف بالظرف. و{من بيننا} حال من ضمير {عليه}، أي كيف يُلقى عليه الذكر دوننا، يريدون أن فيهم من هو أحق منه بأن يوحى إليه حسب مدارك عقول الجهلة الذين يقيسون الأمور بمقاييس قصور أفهامهم ويحسبون أن أسباب الأثرة في العادات هي أسبابها في الحقائق. وحرف {من} في قوله: {من بيننا} بمعنى الفصل كما سماه ابن مالك وإن أباه ابن هشام أي مفصولاً من بيننا كقوله تعالى: {أية : والله يعلم المفسد من المصلح}تفسير : [البقرة: 220]. و{بل هو كذاب أشر} إضراب عن ما أنكروه بقولهم: {أألقى الذكر عليه من بيننا} أي لم ينزل الذكر عليه من بيننا بل هو كذّاب فيما ادعاه، بَطر متكبر. و(الأشر) بكسر الشين وتخفيف الراء: اسم فاعل أَشِر، إذا فرح وبَطَر، والمعنى: هو معجَب بنفسه مُدَّععٍ ما ليس فيه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كذبت ثمود بالنذر: أي كذبت قبيلة ثمود وهم قوم صالح بالحجر من الحجاز بالرسل لأن النذر جمع نذير وهو الرسول كما هو هنا. فقالوا أبشر منا واحداً نتبعه: أي كيف نتبع بشراً واحداً منا إنكاراً منهم للإيمان بصالح عليه السلام. إنا إذاً لفي ضلال وسعر: أي إنا إذا اتبعناه فيما جاء به لفي ذهاب عن الصواب وجنون. أألقي عليه الذكر من بيننا: أي لم يوح إليه من بيننا أبداً وإنما هو كذاب أشر. بل هو كذاب أشر: أي فيما ادّعى أنه ألقي إليه من الوحي أشرٌ بمعنى متكبر. ستعلمون غدا: أي في الآخرة. من الكذاب الأشر: وهو هم المعذبون يوم القيامة بكفرهم وتكذيبهم. إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم: أي إنا مخرجوا الناقة من الصخر ومرسلوها لهم محنة. فارتقبهم واصطبر: أي انتظر وراقب ماذا يصنعون وما يصنع بهم، واصبر على أذاهم. ونبئهم أن الماء قسمة بينهم: أي ماء بئرهم مقسوم بينهم وبين الناقة فيوم لها ويوم لهُم. كل شرب محتضر: أي كل نصيب من الماء يحضره قومه المختصون به الناقة أو ثمود. فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر: أي فملوا ذلك الشرب وسئموا منه فنادوا صاحبهم وهو قدار بن سالف ليقتلها فتعاطى السيف وتناوله فعقر الناقة أي قتلها. إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة: هي صيحة جبريل صباح السبت فهلكوا. فكانوا كهشيم المحتظر: أي صاروا بعد هلاكهم وتمزق أجسادهم كهشيم المحتظر وهو الرجل يجعل في حظيرة غنمه العشب اليابس والعيدان الرقيقة يحظر بها لغنمه ويحفظها من البرد والذئاب. معنى الآيات: قوله تعالى {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ} هذا القصص الموجز الثالث وهو قصص ثمود قوم صالح فقال تعالى في بيانه {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ} أي التي أنذرها نبيها صالح وهي ألوان العذاب كما كذبته فيما جاء به من الرسالة فقالوا في تكذيبهم له عليه السلام: {أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ} أي كيف يتم ذلك منا ويقع؟ عجبٌ هذا إنا إذاً لفي ضلال وسعر إنا إذا اتبعناه وهو واحد لا غير ومنا أيضا فهو كغيره من أفراد القبيلة لفي بعد عن الصواب وذهاب عن كل رشد، وسعر أي وجنون أيضا، وقالوا مستنكرين متعجبين {أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} أي متكبر. قال تعالى رداً عليهم سيعلمون غدا يوم ينزل بهم العذاب ويوم القيامة أيضا من الكذاب الأشر أصالح أم هم، لن يكونوا إلا هم فهم الذين أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. وقوله تعالى: {إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ} أي كما طلبوا إذا قالوا لصالح إن كنت رسول الله حقا فسله يخرج لنا من هذه الصخرة في هذا الجبل ناقة فقام يصلي ويدعوا وما يزال يصلي ويدعو حتى تمخض الجبل وخرجت منه ناقة عشراء آية في القوة والجمال، وقال لهم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم أليم. ومعنى فتنة لهم أي امتحاناً واختباراً لهم هل يؤمنون أو يكفرون، ولذا قال تعالى لصالح فارتقبهم واصطبر أي انظر إليهم وراقبهم من بُعد واصطبر على أذاهم. ونبئهم أي أخبرهم بأمرنا أن الماء ماء بئرهم الذي يشربون منه قسمة بينهم أي مقسوم بينهم للناقة يوم وللقبيلة يوم، وقوله كل شرب محتضر أي كل نصيب خاص بصاحبه يحضره دون غيره. وما تشربه الناقة من الماء نحيله إلى لبن خالص وتقف عند كل باب من أبواب المدينة ليحلبوا من لبنها وطالت المدة وملوا اللبن والسعادة فنادوا صاحبهم غدار بن سالف عاقر الناقة فتعاطى السيف وتناوله وعقرها بضرب رجليها بالسيف ثم ذبحها. وقوله تعالى {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي} الذي أنزلته بهم بعد عقر الناقة كيف كان إنذاري لهم أما العذاب فقد كان إليما وأما الإنذار فقد كان صادقاً، والويل للمكذبين. وهذا بيانه قال تعالى {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً} هي صيحة جبريل عليه السلام فانخلعت لها قلوبهم فاصبحوا في ديارهم جاثمين {كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ} أي ممزقين محطمين مبعثرين هنا وهنا كحطب وخشب وعشب الحظائر التي تجعل للأغنام. وقوله تعالى {وَلَقَد يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} يدعو الله تعالى هذه الأمة إلى كتابه قراءة وحفظاً وتذكراً فإِنه مصدر كمالهم وسعادتهم لا سيما وقد سهله وهيأه لذلك. ولا يهلك على الله إلا هالك. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله في إهلاك المكذبين. 2- بيان أن الآيات لا تستلزم الإِيمان وإلا فآية صالح من أعظم الآيات ولم تؤمن بها قو ثمود. 3- أشقى أمة الإِسلام عقبة بن أبي مُعيط الذي وضع سلى الجزور على ظهر الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصلي حول الكعبة، وعاقر ناقة صالح غدار بن سالف كما جاء في الحديث. 4- دعوة الله إلى حفظ القرآن والتذكير به فإنه مصدر الإِلهام والكمال والإِسعاد.
د. أسعد حومد
تفسير : (23) - كَذَّبَتْ ثَمْودُ رَسُولَهُمْ صَالحاً الذِي جَاءَهُمْ يُنْذِرُهُمْ عَذَابَ اللهِ وَبَأْسَهُ إِنْ أَصَرُّوا عَلَى الكُفْرِ والطُّغْيانِ، وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولاً فَقَدْ كَذَّبَ الرُّسُلَ جَميعاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي كذبت ثمود وهم القبيلة المعروفة المشهورة في أرض الحجر، نبيهم صالحا عليه السلام، حين دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأنذرهم العقاب إن هم خالفوه فكذبوه واستكبروا عليه، وقالوا -كبرا وتيها-: { أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ } أي: كيف نتبع بشرا، لا ملكا منا، لا من غيرنا، ممن هو أكبر عند الناس منا، ومع ذلك فهو شخص واحد { إِنَّا إِذًا } أي: إن اتبعناه وهو بهذه الحال { لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ } أي: إنا لضالون أشقياء، وهذا الكلام من ضلالهم وشقائهم، فإنهم أنفوا أن يتبعوا رسولا من البشر، ولم يأنفوا أن يكونوا عابدين للشجر والحجر والصور. { أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا } أي: كيف يخصه الله من بيننا وينزل عليه الذكر؟ فأي مزية خصه من بيننا؟ وهذا اعتراض من المكذبين على الله، لم يزالوا يدلون به، ويصولون ويجولون ويردون به دعوة الرسل، وقد أجاب الله عن هذه الشبهة بقول الرسل لأممهم: {أية : قالت رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } تفسير : فالرسل من الله عليهم بصفات وأخلاق وكمالات، بها صلحوا لرسالات ربهم والاختصاص بوحيه، ومن رحمته وحكمته أن كانوا من البشر، فلو كانوا من الملائكة لم يمكن البشر، أن يتلقوا عنهم، ولو جعلهم من الملائكة لعاجل الله المكذبين لهم بالعقاب العاجل. والمقصود بهذا الكلام الصادر من ثمود لنبيهم صالح، تكذيبه، ولهذا حكموا عليه بهذا الحكم الجائر، فقالوا: { بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } أي: كثير الكذب والشر، فقبحهم الله ما أسفه أحلامهم وأظلمهم، وأشدهم مقابلة للصادقين الناصحين بالخطاب الشنيع، لا جرم عاقبهم الله حين اشتد طغيانهم فأرسل الله الناقة التي هي من أكبر النعم عليهم، آية من آيات الله، ونعمة يحتلبون من ضرعها ما يكفيهم أجمعين، { فِتْنَةً لَهُمْ } أي: اختبارا منه لهم وامتحانا { فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ } أي: اصبر على دعوتك إياهم، وارتقب ما يحل بهم، أو ارتقب هل يؤمنون أو يكفرون؟ { وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ } أي: وأخبرهم أن الماء أي: موردهم الذي يستعذبونه، قسمة بينهم وبين الناقة، لها شرب يوم ولهم شرب يوم آخر معلوم، { كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ } أي: يحضره من كان قسمته، ويحظر على من ليس بقسمة له. { فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ } الذي باشر عقرها، الذي هو أشقى القبيلة { فَتَعَاطَى } أي: انقاد لما أمروه به من عقرها { فَعَقَرَ } { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } كان أشد عذاب، أرسل الله عليهم صيحة ورجفة أهلكتهم عن آخرهم، ونجى الله صالحا ومن آمن معه { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):