Verse. 4874 (AR)

٥٤ - ٱلْقَمَر

54 - Al-Qamar (AR)

وَنَبِّئْہُمْ اَنَّ الْمَاۗءَ قِسْمَۃٌۢ بَيْنَہُمْ۝۰ۚ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ۝۲۸
Wanabbihum anna almaa qismatun baynahum kullu shirbin muhtadarun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ونبئهم أن الماء قسمة» مقسوم «بينهم» وبين الناقة يوم لهم ويوم لها «كلُّ شرب» نصيب من الماء «محتضر» يحضره القوم يومهم والناقة يومها فتمادوا على ذلك ثم ملوه فهموا بقتل الناقة.

28

Tafseer

الرازي

تفسير : أي مقسوم وصف بالمصدر مراداً به المشتق منه كقوله ماء ملح وقوله زور وفيه ضرب من المبالغة يقال للكريم: كرم كأنه هو عين الكرم ويقال: فلان لطف محض، ويحتمل أن تكون القسمة وقعت بينهما لأن الناقة كانت عظيمة وكانت حيوانات القوم تنفر منها ولا ترد الماء وهي على الماء، فصعب عليهم ذلك فجعل الماء بينهما يوماً للناقة ويوماً للقوم، ويحتمل أن تكون لقلة الماء فشربه يوماً للناقة ويوماً للحيوانات، ويحتمل أن يكون الماء كان بينهم قسمة يوم لقوم ويوم لقوم ولما خلق الله الناقة كانت ترد الماء يوم فكان الذين لهم الماء في غير يوم ورودها يقولون: الماء كله لنا في هذا اليوم ويومكم كان أمس والناقة ما أخرت شيئاً فلا نمكنكم من الورود أيضاً في هذا اليوم فيكون النقصان وارداً على الكل وكانت الناقة تشرب الماء بأسره وهذا أيضاً ظاهر ومنقول والمشهور هنا الوجه الأوسط، ونقول: إن قوماً كانوا يكتفون بلبنها يوم ورودها الماء والكل ممكن ولم يرد في شيء خبر متواتر والثالث: قطع وهو من القسمة لأنها مثبتة بكتاب الله تعالى أما كيفية القسمة والسبب فلا وقوله تعالى: {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ } مما يؤيد الوجه الثالث أي كل شرب محتضر للقوم بأسرهم لأنه لو كان ذلك لبيان كون الشرب محتضراً للقوم أو الناقة فهو معلوم لأن الماء ما كان يترك من غير حضور وإن كان لبيان أنه تحضره الناقة يوماً والقوم يوماً فلا دلالة في اللفظ عليه، وأما إذا كانت العادة قبل الناقة على أن يرد الماء قوم في يوم وآخرون في يوم آخر، ثم لما خلقت الناقة كانت تنقص شرب البعض وتترك شرب الباقين من غير نقصان، فقال: {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ } كم أيها القوم فردوا كل يوم الماء وكل شرب ناقص تقاسموه وكل شرب كامل تقاسموه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ } مقسوم {بَيْنَهُمْ } وبين الناقة فيوم لهم ويوم لها {كُلُّ شِرْبٍ } نصيب من الماء {مُّحْتَضَرٌ } يحضر القوم يومهم والناقة يومها فتمادوا على ذلك ثم ملوه فهموا بقتل الناقة.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْمَآءَ قِسْمَةٌ} لما نزل الرسول صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: " حديث : أيها الناس لا تسألوا الآيات هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث الله تعالى لهم آية فبعث لهم ناقة فكانت ترد من ذلك الفج فتشرب ماءهم يوم وردها ويحلبون منها مثل الذي كانوا يشربون يوم غبها "تفسير : فهذا معنى قوله {أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ}. {مُّحْتَضَرٌ}: تحضر الناقة الماء يوم وردها وتغيب يوم وردهم، أو تحضر ثمود الماء يوم غبها فيشربون ويحضرون اللبن يوم وردها فيحتلبون.

ابو السعود

تفسير : {وَنَبّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} مقسومٌ، لها يومٌ ولهم يومٌ. وبـينهُم لتغليبِ العُقَلاءِ {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} يحضرُه صاحبُه في نوبتِه {فَنَادَوْاْ صَـٰحِبَهُمْ} هو قُدارُ بنُ سالفٍ، أُحيمرُ ثمودَ {فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ} فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم غير مكترث له فأخذت العقرَ بالناقةِ، وقيل: فتعاطَى الناقةَ فعقرَها، أو فتعاطَى السيفَ فقتلَها، والتَّعاطِي تناولُ الشيءِ بتكلفٍ. {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ} الكلامُ فيهِ كالذي مرَّ في صدرِ قصةِ عادٍ {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وٰحِدَةً} هي صيحةُ جبريلَ عليهِ السَّلامُ {فَكَانُواْ} أي فصارُوا {كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ} أي كالشجرِ اليابسِ الذي يتخذُه من يعملُ الحظيرةَ لأجلِها أو كالحشيشِ اليابسِ الذي يجمعُه صاحبُ الحظيرةِ لماشيتِه في الشتاءِ. وقُرِىءَ بفتحِ الظاءِ أي كهشيمِ الحظيرةِ أو الشجرِ المتخذِ لَها {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَـٰصِباً} أي ريحاً تحصبُهم أي ترميهم بالحصباءِ {إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ} في سحرٍ وهو آخرُ الليلِ وقيلَ: هو السدسُ الأخيرُ منْهُ أي ملتبسينَ بسحرٍ {نّعْمَةً مّنْ عِندِنَا} أي إنعاماً منَّا وهو علةٌ لنجينا {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك الجزاءِ العجيبِ {نَجْزِى مَن شَكَرَ} نعمتنَا بالإيمانِ والطاعةِ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ونبئهم} اخبرهم {ان الماء قسمة بينهم} مقسوم لها يوم ولهم يوم فالماء قسمة من قبيل تسمية المفعول بالمصدر كضرب الامير وبينهم لتغليب العقلاء {كل شرب} اى لك نصيب من الماء ونوبة الانتفاع منه {محتضر} يحضره صاحبه فى نوبته فليس معنى كون الماء مقسوما بين القوم والناقة انه جعل قسمين قسم لها وقسم لهم بل معناه جعل الشرب بينهم على طريق المناوبة يحضره القوم يوما وتحضره الناقة يوما وقسمة الماء اما لان الناقة عظيمة الخلق ينفر منها حيواناتهم او لقلة الماء

الجنابذي

تفسير : {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ} اى كلّ نوبة {مُّحْتَضَرٌ} لصاحبه لا يزاحمهم النّاقة فى نوبتهم ولا يزاحمونها فى نوبتها.

اطفيش

تفسير : {وَنَبِّئْهُمْ} اخبرهم {أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةُ} أي ذو قسمة او مقسوم أو أمر الماء قسمة. {بَيْنَهُمْ} هذا الضمير لهم وهم جانب وللناقة وهي جانب لهم شرب يوم ولها شرب يوم وذكر الضمير تغليبا {كُلُّ شِرْبٍ} نصيب من الماء.{مُّحْتَضَرٌ} يحضره صاحبه في نوبته قيل يحضرون الماء في نوبتهم واللبن والعسل في نوبتها من ضرعها وليس بمعنى يمنع عنه غير صاحبه لان ضاده غير مشالة كما يدل له كلام القاضي وداموا على تلك النعمة حتى ملوها وهموا بقتل الناقة.

اطفيش

تفسير : {ونبِّئهُم} أخبرهم {أنّ المَاءَ} المعهود ماء بئرهم {قسمة} مقسوم بينهم، أو ذو قسمة، أو شأن الماء قسمة، فالتأويل إما أولا أو آخراً، وأنت خبير أن الأخير أولى بالتغيير، والأول أخذ حيزه فيرد اليه الأخير {بيْنَهم} الهاء للنَّاقة ولقوم صالح، خلق لها تمييزا قويا، وكذا صقبها، أو يقدر بينهم وبينها {كُلُّ شِرْبٍ} حصة من الماء {مُحتضرٌ} يحضره صاحبه، تحضر شربها لا تغيب عنه، ويحضرون شربهم. ومن اللغة حضر عن ذلك تحول عنه من الأضداد، فيجوز حول الآية عليه، أى يتحول عنه غير صاحبه، ويضعف أن يقال يحضر عنه غير صاحبه، أى يمنع فحضور صاحبه مسبب لمنع غير صاحبه، فعبر بالسبب عن المسبب، أو بالملزوم عن اللازم، أو تحضرون الماء فى نوبتكم، واللبن فى نوبتها تحبونها.

الالوسي

تفسير : {وَنَبّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَاء } وأخبرهم بأن ماء البئر التي لهم {قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ } مقسوم، لها يوم ولهم يوم، و {بَيْنَهُمْ } لتغليب العقلاء. وقرأ معاذ عن أبـي عمرو {قسمة } بفتح القاف {كُلُّ شِرْبٍ } نصيب وحصة منه {مُّحْتَضَرٌ } يحضره صاحبه في نوبته فتحضر الناقة تارة ويحضرونه أخرى، وقيل: يتحول عنه غير صاحبه من حضر عن كذا تحول عنه وقيل: يمنع عنه غير صاحبه مجاز عن الحظر بالظاء بمعنى المنع بعلاقة السببية فإنه مسبب عن حضور صاحبه في نوبته وهو كما ترى، وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في نوبتها، والمعنى كل شرب من الماء واللبن تحضرونه أنتم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ}. أي أخبر يا صالح ثمود أن الماء - وهو ماء البئر التي كانت تشرب منها الناقة - قسمة بينهم، فيوم للناقة - ويوم لثمود، فقوله: {بَيْنَهُمْ}: أي بين الناقة وثمود وغلب العقلاء على الناقة {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} أي يحضره صاحبه، فتحضر الناقة شرب يومها وتحضر ثمود شرب يومها. وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آية أخرى وهي قوله تعالى في الشعراء:{أية : قَالَ هَـٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ}تفسير : [الشعراء: 155] وشرب الناقة هو الذي حذرهم منه صالح لئلا يتعرضوا له في قوله تعالى:{أية : فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا}تفسير : [الشمس: 13].

د. أسعد حومد

تفسير : (28) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى أَنَّه أَمَرَ رَسُولَهُ صَالِحاً بأَنْ يُعْلِمَ قَوْمَه أَنَّ مَاءَ بِئْرِ القَرْيَةِ مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاقَةِ، يَوْمٌ للنَّاقَةِ وَيَوْمٌ لِلْقَومِ. وَكُلُّ حِصَّةٍ مِنْهُ يَحْضُرُ صَاحِبُها لِيَأْخُذَها في اليَوْمِ المُخَصَّصِ لَهُ، فَتَحْضُرُ النَّاقَةَ يَوْماً، وَيَأْتُونَ هُمْ يَوْماً آخَرَ. (وَقِيلَ إِنَّ حَيَوانَاتِ القَريةِ كَانَتْ تَنْفِرُ مِنَ النَّاقَةِ فَلاَ تَرِدُ المَاءَ إِذا كَانَتِ النَّاقَةُ عَليهِ، فَصَعُبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ). قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ - مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ، هُمْ وَالنَّاقَةُ. مُحْتَضَرٌ - يَحْضُرُ صَاحِبُهُ لأَخْذِهِ. الشِّربُ - النَّصِيبُ أَوِ الحِصَّةُ مِنَ المَاءِ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ} معناه أَخبرهُم. وقوله تعالى: {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} والشِّربُ: المَصيبُ.

الجيلاني

تفسير : {وَنَبِّئْهُمْ} أخبرهم وأعملهم بوحي منا {أَنَّ ٱلْمَآءَ} الذي به معاشهم ومعاش مواشيهم {قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} أي: مقسومة بين الناقة وبينهم، ومواشيهم لها يوم، ولهم يوم {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} [القمر: 28] أي: كل صاحب شرب، يحضر الماء في يومه، ولا يحضره غيره فيه. ثمَّ لما صاروا على هذه القسمة زماناً، اضطروا وتضجروا {فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ} قدار بن سالف، فتشاوروا معه في أمر الناقشة، واضطرارهم ومواشيهم في هذه القسمة {فَتَعَاطَىٰ} وأخذ سيفه قدار مغاضباً، وكان من أجرأهم على الخطوب، وأشجعهم على الوقائع {فَعَقَرَ} [القمر: 29] أي: قدار، الناقة. ولم يبال بالقسمة الإلهية {فَكَيْفَ كَانَ} يعني: انظر كيف وقع {عَذَابِي} عليهم {وَ} لحق {نُذُرِ} [القمر: 30] أياهم، بعدما عقروا الناقة. وبالجملة: {إِنَّآ} بمقتضى قهرنا وغضبنا {أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً} هائلة مهولة {فَكَانُواْ} إثر سماع تلك الصيحة الهائلة {كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ} [القمر: 31] أي: مثل الأشجار اليابسة البالية في حظائر الأموات، تتناثر أجسامهم كالتراب. {وَ} بالجملة: {لَقَد يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ} المشتمل على أنواع الرشد والهداية {لِلذِّكْرِ} والعظة {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 32] يتذكر ويتهدي بهدايته وتذكيره. {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ} أيضاً أمثال أولئك المذكورين {بِٱلنُّذُرِ} [القمر: 33] أي: الإنذارات الواردة عليهم بلسان نبيهم لوط عليه السلام. وبعد إصرارهم على تكذيبه وإنكاره {إِنَّآ} من شدة قهرنا وغضبنا {أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ} من جانب السماء {حَاصِباً} ريحاً شديداً صرصراً عظيمة، ترميهم بالحصباء؛ أي: الأحجار الصغار إلى أن أ هلكوا بالمرة {إِلاَّ آلَ لُوطٍ} هو لوط عليه السلام وبنتاه {نَّجَّيْنَاهُم} من هذه الواقعة الهائلة، والكرب العظيم {بِسَحَرٍ} [القمر: 34] وقت الصبح. وإنما نجيناهم {نِّعْمَةً} واصلة {مِّنْ عِندِنَا} إياهم، ورحمة شاملة من لدنا عليهم؛ بسبب إيمانهم وعرفانهم {كَذَلِكَ} أي: مثلما فعلنا مع آل لوط {نَجْزِي} بمقتضى جودنا عموم {مَن شَكَرَ} [القمر: 35] لنعمنا، ولم يكفر بموائد كرمنا. {وَ} الله {لَقَدْ أَنذَرَهُمْ} لوط عليه السلام بوحي منا إياه {بَطْشَتَنَا} وأخذنا إياهم؛ بسبب فعلتهم القبيحة، وديدنتهم الشنيعة {فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ} [القمر: 36] أي: كذبوه على إنذاراته ووعيداته مراءً ومجادلة، واستهزاءً معه وبعموم ما أوحينا إليه من الوعيدات والإنذارات. {وَ} من شدة مرائهم معه، واجترائهم {لَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ} وترددوا حول بيته، وقصدوا فجور أضيافه، ويمموا على تفضيحهم {فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ} ومسخناها، وصيرناها مستوية مع وجوههم، فصاروا ممسوحي العيون. رُوي أنهم لما دخلوا عنوة في داره، صفقهم جبريل صفقة، فأعماهم دفعة {فَذُوقُواْ} أي: فقلنا لهم حينئذٍ: ذوقوا {عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 37] المنذر به على لسان نبينا لوط عليه السلام. {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم} ولحق بهم {بُكْرَةً} قريبة من الصبح {عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ} [القمر: 38] مستمر عليهم إلا أن يستأصلهم ويسلمهم إلى النار. {فَذُوقُواْ عَذَابِي} أي: قلنا لهم حينئذٍ: ذوقوا عذابي أيها المفسدون المسرفون {وَ} ذوقوا {نُذُرِ} [القمر: 39] أي: أيها المنكرون المذكبون. {وَ} بالجملة: {لَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ} المبين أنواع الوعيدان الهائلة، الجارية على أصحاب السرف والعناد {لِلذِّكْرِ} أي: للعبرة والعظة {فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ} [القمر: 40] معتبر متعظ متيقظ، يعتبر من وعيدات القرآن وإنذاراته، وما ذكر فيه من الحكايات. ثمَّ قال سبحانه: {وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ} [القمر: 41] أي: الإنذارات والواردة منا على كليمنا موسى المؤيَّد من لدنا بالمعجزات الباهرة، والآيات الظاهرة. وبالجملة: {كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا} المنزلة من عندنا كلها بعد اقتراحهم بها، وإلحاحهم عليها، ونسبوها إلى السحر والشعبذة، وأنواع الخرافات الباطلة، البعيدة عن شأنها {كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ} وانتقمنا عنهم بعدما بالغوا في العتو والعناد {أَخْذَ عِزِيزٍ} غالب لا يغالب مطلقاً {مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 42] كامل في القدرة، بحيث لا يعجز عن مقدور قط، واستأصلناهم إلى حيث لم يبق منهم أحد على وجه الأرض. ثمَّ خاطب سبحانه كفار مكة على سبيل التوبيخ والتهديد، فقال: {أَكُفَّٰرُكُمْ} يا معشر العرب {خَيْرٌ} وأضل مطلقاً {مِّنْ أُوْلَٰئِكُمْ} الكفار المعدودين المذكورين وجاهة وثروة، مالاً ومظاهرة، مكنة ومكانة، ثمَّ إنكم لستم أمثالهم، وهم من شدة قوتهم وشوكتهم، ما نجوا من عذاب الله، أتنجون أنتم {أَمْ} نزل {لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ} [القمر: 43] السماوية والكتب الإلهية، إن من كفر منكم، وخرج عن مقتضى الحدود الإلهية، فهو ناج من عذاب الله، بريء عن انتقامه؟! {أَمْ يَقُولُونَ} من كمال حماقتهم، وركاكة رأيهم: {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} [القمر: 44] أي: نحن جماعة مجتمعون متفقون، أمرنا واحد، رأينا متفق، ننصر وننتصر بعضنا ببعض، بجيث لا نغالب ولا نرام أصلاً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَنَبِّئْهُمْ} [القمر: 28]؛ أي: أخبرهم {أَنَّ ٱلْمَآءَ} [القمر: 28]؛ أي: ماء الحياة {قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} [القمر: 28] وبين الناقة الشوقية، {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} [القمر: 28]؛ يعني: كل نصيب محضرة من كان يشرب الماء نصيبه، وحظ السالك من هذه الآية أن يجعل شرب حياته نصيب الناقة شوقه عند ورود واردات الوجد، وهو الحضور المطلق، وترك الأعمال البدنية عند ورود واردات الوجدية، ونصيب الجوارح الظاهرة لاستعمالها في الأعمال البدنية، ولو أهمل هذا الشرط عذب لعقره ناقة شوقه بالمنع لها عن شرب الوارد الوجدي، {فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ} [القمر: 29]؛ يعني: نادت القوى المكذبة القالبية قوتهم الجاهلية الطالبة للرئاسة، المحبة للدنيا، العابدة للهوى، فتناولت الناقة الشوقية بسيف استعدادها الحاصلة من القوى العلوية، فعسرت ناقة الشوق، {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 30] بالقوى القالبية المانعة لناقة الشوق عن استيفاء الحظ عن مشرب السماع، {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً} [القمر: 31] من صيحات قولهم الجبرائيلية المسلطة عليهم؛ {فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ} [القمر: 31]؛ يعني: صارت القوى التي جمعتها قوة النفسية لاحتضار غنم الأخلاق الحميدة القالبية المكتسبة الغير المزكاة بنور اللطيفة، مثل الشجرة البالية التي ذرتها الريح العاصفة. {وَلَقَد يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} [القمر: 32]؛ يعني: سهلنا قراءة القرآن الذي فيه آيات وموعظة وأخبار، وعن حال من ظلم على القوة النفسية المزكاة القهرية إلى اللطيفة النفسية يعقر الناقة الشوقية التي فيها الاستعداد الموصل له إلى كعبة قلبه، {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 32]؛ أي: هل من قارئ يذكر هذه الآيات ويتعظ بها؟ ويتفكر في نفسه ليعرف ناقته ومشربها ونصيبها، ويعرف القوى الظالمة المانعة لناقته عن الشرب العاقرة لها بسيف الاستعداد العلوي، ويخاف من الصيحة الجبرائيلية التي هي مسلطة عليهم من بدء فطرته إلى حين رحلته من محلة هذا البدن المجعول؛ لينزل ناقته ويتعهدها عند الشرب، ويركبها وينتفع بها في السلوك في بيداء النفس؛ ليصل إلى كعبة القلب ويشرف بمعاهدة رب البيت. {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ} [القمر: 33]؛ يعني: كذبت القوى المتلونة بالهوى اللطيفة المطهرة المرسلة، وإنذارها بالنذر السالفة {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً} [القمر: 34] حاصلاً من كدورات أفعالهم الخبيثة الأرضية، والبخارات الهوائية الصاعدة إلى الهوى، المنجدة تحت سماء الصدر، الممطرة عليهم من الفوق، المدبرة لهم تدبيراً، {إِلاَّ آلَ لُوطٍ} [القمر: 34]؛ يعني: إلا القوى المؤمنة المطهرة المصدقة باللطيفة المطهرة المرسلة الآمنة عن الحاصب، {نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ * نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا} [القمر: 34-35]؛ يعني: أنجيناهم بتسحرهم في التطهر وقت المناجاة، وكان بسحرهم {نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا} [القمر: 35]، وشكرهم على نعمتنا أنجيناهم، {كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ} [القمر: 35] نعمتنا. {وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا} [القمر: 36] البطشة ثلاثة بطشات، مثل: الطامة، والنار كبرى ووسطى وصغرى، فالبطشة الكبرى، والطامة الكبرى، والنار الكبرى، إذا أخذت المرء فلا يمكن الخلاص منها، وأما الوسطى فيمكن بالشفاعة وبعض الأعمال الصالحة وإن كانت مغلوبة، وأما الصغرى فإذا ظهرت للسالك يزيد إيقانه ويظهر له نشاطاً في سلوك الطريقة، وتحرضه على التوجه الكلي إلى الله يشرف بالتجليات بعد هذه الحالات، ولله بطشة خفية في كل لمحة، وطامة جلية في كل بطشة، ونار مضيئة مشرقة في كل طامة، وساعة وقائمة في كل نار، وواقعة خافضة في كل ساعة لا يشاهدها إلا الأقطاب الأربعة؛ وهم: العالم العلوي والسفلي، {فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ} [القمر: 36]؛ يعني: أنذرت اللطيفة المتطهرة للقوى الملونة عذابنا وبطشنا لهم بأفعالهم الخبيثة، فشكوا بالنذر؛ أي: بالإنذار، وكذبوها ولم يصدقوا إرسال الحاصب عليها. {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ} [القمر: 37]؛ يعني: طالب القوى المتلونة القربان بضيف الوارد القهري النازل على اللطيفة المتطهرة؛ ليعذب القوى المتلونة في صور اللطف، {فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ} [القمر: 37]؛ يعني: صيرنا أعينهم مطموسة من كدورات أفعالهم الخبيثة، وأرسلنا عليهم صاحب أفعالهم، وقلنا: {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 37]؛ أي: هذا العذاب الذي كنتم به تكذبون، وحظ السالك من هذه الآية أن لا يأذن للقوى المشككة المكذبة بالدخول على ضيف الوارد القدسي بحال البتة.