Verse. 4879 (AR)

٥٤ - ٱلْقَمَر

54 - Al-Qamar (AR)

كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوْطٍؚبِالنُّذُرِ۝۳۳
Kaththabat qawmu lootin bialnnuthuri

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كذبت قوم لوط بالنذر» بالأمور المنذرة لهم على لسانه.

33

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم بين عذابهم وإهلاكهم، فقال: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلآ ءَالَ لُوطٍ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ}. وفيه مسائل: الأولى: الحاصب فاعل من حصب إذا رمى الحصباء وهي اسم الحجارة والمرسل عليهم هو نفس الحجارة قال الله تعالى: {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } تفسير : [الحجر: 74] وقال تعالى عن الملائكة: {أية : لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِن طِينٍ } تفسير : [الذاريات: 33] فالمرسل عليهم ليس بحاصب فكيف الجواب عنه؟ نقول: الجواب من وجوه الأول: أرسلنا عليهم ريحاً حاصباً بالحجارة التي هي الحصباء وكثر استعمال الحاصب في الريح الشديدة فأقام الصفة مقام الموصوف، فإن قيل: هذا ضعيف من حيث اللفظ والمعنى، أما اللفظ فلأن الريح مؤنثة قال تعالى: {أية : بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ } تفسير : [الحاقة: 6]، {أية : بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } تفسير : [يونس: 22] وقال تعالى: {أية : فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ } تفسير : [ص: 36] وقال تعالى: {أية : غُدُوُّهَا شَهْرٌ } تفسير : [سبأ: 12] وقال تعالى في: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرّيَاحَ لَوَاقِحَ } تفسير : [الحجر: 22] وما قال لقاحاً ولا لقحة، وأما المعنى فلأن الله تعالى بين أنه أرسل عليهم حجارة من سجيل مسومة عليها علامة كل واحد وهي لا تسمى حصباء، وكان ذلك بأيدي الملائكة لا بالريح، نقول: تأنيث الريح ليس حقيقة ولها أصناف الغالب فيها التذكير كالإعصار، قال تعالى: {أية : فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ } تفسير : [البقرة: 266] فلما كان حاصب حجارة كان كالذي فيه نار، وأما قوله: كان الرمي بالسجيل لا بالحصباء، وبأيدي الملائكة لا بالريح، فنقول: كل ريح يرمي بحجارة يسمى حاصباً، وكيف لا والسحاب الذي يأتي بالبرد يسمى حاصباً تشبيهاً للبرد بالحصباء، فكيف لا يقال في السجيل. وأما الملائكة فإنهم حركوا الريح وهي حصبت الحجارة عليهم الجواب الثاني: المراد عذاب حاصب وهذا أقرب لتناوله الملك والحساب والريح وكل ما يفرض الجواب الثالث: قوله: {حَـٰصِباً } هو أقرب من الكل لأن قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا } يدل على مرسل هو مرسل الحجارة وحاصبها، فإن قيل: كان ينبغي أن يقول حاصبين، نقول لما لم يذكر الموصوف رجح جانب اللفظ كأنه قال شيئاً حاصباً إذ المقصود بيان جنس العذاب لا بيان من على يده العذاب، وهذا وارد على من قال: الريح مؤنث لأن ترك التأنيث هناك كترك علامة الجمع هنا. المسألة الثانية: ما رتب الإرسال على التكذيب بالفاء فلم يقل: كذبت قوم لوط بالنذر فأرسلنا كما قال: {أية : فَفَتَحْنَا أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [القمر: 11] لأن الحكاية مسوقة على مساق ما تقدم من الحكايات، فكأنه قال: {أية : فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } تفسير : [القمر: 30] كما قال من قبل ثم قيل: لا علم لنا به وإنماأنت العليم فأخبرنا، فقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَا }. المسألة الثالثة: ما الحكمة في ترك العذاب حيث لم يقل: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى } كما قال في الحكايات الثلاث، نقول: لأن التكرار ثلاث مرات بالغ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا هل بلغت ثلاثاً» تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : فنكاحها باطل باطل باطل» تفسير : والإذكار تكرر ثلاث مرات فبثلاث مرار حصل التأكيد وقد بينا أنه تعالى ذكر: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى } في حكاية نوح للتعظيم وفي حكاية ثمود للبيان وفي حكاية عاد أعادها مرتين للتعظيم والبيان جميعاً واعلم أنه تعالى ذكر: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى } في ثلاث حكايات أربع مرات فالمرة الواحدة للإنذار، والمرات الثلاث للإذكار، لأن المقصود حصل بالمرة الواحدة، وقوله تعالى: {أية : فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } تفسير : [الرحمٰن: 13] ذكره مرة للبيان وأعادها ثلاثين مرة غير المرة الأولى كما أعاد: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } ثلاث مرات غير المرة الأولى فكان ذكر الآلاء عشرة أمثال ذكر العذاب إشارة إلى الرحمة التي قال في بيانها {أية : مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ فَلاَ يَجْزِى إِلاَّ مِثْلَهَا } تفسير : [الأنعام: 160] وسنبين ذلك في سورة: الرحمن. المسألة الرابعة: {إِلا ءالَ لُوطٍ } استثناء مماذا؟ إن كان من الذين قال فيهم: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَـٰصِباً} فالضمير في عليهم عائد إلى قوم لوط وهم الذين قال فيهم: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ } ثم قال: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ } لكن لم يستثن عند قوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ } وآله من قومه فيكون آله قد كذبوا ولم يكن كذلك؟ الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن الاستثناء ممن عاد إليهم الضمير في عليهم وهم القوم بأسرهم غير أن قوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ } لا يوجب كون آله مكذبين، لأن قول القائل: عصى أهل بلدة كذا يصح وإن كان فيها شرذمة قليلة يطيعون فكيف إذا كان فيهم واحد أو اثنان من المطيعين لا غير، فإن قيل: ماله حاجة إلى الاستثناء لأن قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ } يصح وإن نجا منهم طائفة يسيرة نقول: الفائدة لما كانت لا تحصل إلا ببيان إهلاك من كذب وإنجاء من آمن فكان ذكر الإنجاء مقصوداً، وحيث يكون القليل من الجمع الكثير مقصوداً لا يجوز التعميم والإطلاق من غير بيان حال ذلك المقصود بالاستثناء أو بكلام منفصل مثاله: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ } تفسير : [الحجر: 30، 31] استثنى الواحد لأنه كان مقصوداً، وقال تعالى: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } تفسير : [النمل: 23] ولم يستثن إذ المقصود بيان أنها أوتيت، لا بيان أنها ما أوتيت، وفي حكاية إبليس كلاهما مراد ليعلم أن من تكبر على آدم عوقب ومن تواضع أثيب كذلك القول ههنا، وأما عند التكذيب فكأن المقصود ذكر المكذبين فلم يستثن الجواب الثاني: أن الاستثناء من كلام مدلول عليه، كأنه قال: إنا أرسلنا عليهم حاصباً فما أنجينا من الحاصب إلا آل لوط، وجاز أن يكون الإرسال عليهم والإهلاك يكون عاماً كما في قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } تفسير : [الأنفال: 25] فكان الحاصب أهلك من كان الإرسال عليه مقصوداً ومن لم يكن كذلك كأطفالهم ودوابهم ومساكنهم فما نجا منهم أحد إلا آل لوط. فإن قيل إذا لم يكن الاستثناء من قوم لوط بل كان من أمر عام فيجب أن يكون لوط أيضاً مستثنى؟ نقول: هو مستثنى عقلاً لأن من المعلوم أنه لا يجوز تركه وإنجاء أتباعه والذي يدل عليه أنه مستثنى قوله تعالى عن الملائكة: {أية : نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ } تفسير : [العنكبوت: 32] في جوابهم لإبراهيم عليه السلام حيث قال: {أية : إِنَّ فِيهَا لُوطاً } تفسير : [العنكبوت: 32] فإن قيل قوله في سورة الحجر: {أية : إِلا ءالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ } تفسير : [الحجر: 59] استثناء من المجرمين وآل لوط لم يكونوا مجرمين فكيف استثنى منهم؟ والجواب مثل ما ذكرنا فأحد الجوابين إنا أرسلنا إلى قوم يصدق عليهم إنهم مجرمون وإن كان فيهم من لم يجرم ثانيهما: إلى قوم مجرمين بإهلاك يعم الكل إلا آل لوط، وقوله تعالى: {نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ } كلام مستأنف لبيان وقت الإنجاء أو لبيان كيفية الاستثناء لأن آل لوط كان يمكن أن يكونوا فيهم ولا يصيبهم الحاصب كما في عاد كانت الريح تقلع الكافر ولا يصيب المؤمن منها مكروه أو يجعل لهم مدفعاً كما في قوم نوح، فقال: {نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ } أي أمرناهم بالخروج من القرية في آخر الليل والسحر قبيل الصبح وقيل هو السدس الأخير من الليل.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ} أخبر عن قوم لوط أيضاً لما كذّبوا لوطاً. {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً} أي ريحاً ترميهم بالحصباء وهي الحصى؛ قال النّضر: الحاصب الحصباء في الريح. وقال أبو عبيدة: الحاصب الحجارة. وفي الصحاح: والحاصب الريح الشديدة التي تثير الحصباء وكذلك الحَصِبة؛ قال لَبِيد:شعر : جَرَّتْ عليها أَنْ خَوَتْ مِن أهلَها أذيالَها كُلُّ عَصُوفٍ حَصِبَهْ تفسير : عصفت الريح أي ٱشتدّت فهي ريح عاصفٌ وعَصُوف. وقال الفَرَزْدق:شعر : مستقبلين شمالَ الشامِ تَضرِبُنَا بحاصبٍ كنَديفِ القُطْنِ منثورِ تفسير : {إِلاَّ آلَ لُوطٍ} يعني من تبعه على دينه ولم يكن إلا بنتاه {نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ} قال الأخفش: إنما أجراه لأنه نكرة، ولو أراد سَحَر يوم بعينه لما أجراه، ونظيره: {أية : ٱهْبِطُواْ مِصْراً} تفسير : [البقرة:61]لما نكّره، فلما عرّفه في قوله: {أية : ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [يوسف:99] لم يُجْرِه، وكذا قال الزجاج: «سحر» إذا كان نكرة يراد به سحَر من الأسحار يصرف، تقول أتيته سحراً، فإذا أردت سحر يومك لم تصرفه، تقول: أتيته سَحَر يا هذا، وأتيته بسحر. والسَّحَرُ: هو ما بين آخر الليل وطلوع الفجر، وهو في كلام العرب ٱختلاط سواد الليل ببياض أوّل النهار؛ لأن في هذا الوقت يكون مخاييل الليل ومخاييل النهار. {نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا} إنعاماً منّا على لوط وٱبنتيه؛ فهو نَصْب لأنه مفعول به. {كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ} أي من آمن بالله وأطاعه. {وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ} يعني لوطاً خوّفهم {بَطْشَتَنَا} عقوبتنا وأَخْذنا إياهم بالعذاب {فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ} أي شَكُّوا فيما أنذرهم به الرسول ولم يصدّقوه، وهو تفاعل من المِرْية. {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ} أي أرادوا منه تمكينهم ممن كان أتاه من الملائكة في هيئة الأضياف طلباً للفاحشة على ما تقدّم. يقال: راوَدْته على كذا مُرَاوَدةً ورِوَاداً أي أردتُه. وراد الكلأَ يروده رَوْداً ورِياداً، وٱرْتادَه ٱرتياداً بمعنًى أي طلبه؛ وفي الحديث: «حديث : إذا بال أحدكم فلْيَرْتَدْ لِبوله» تفسير : أي يطلب مكاناً ليناً أو منحدراً. {فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ} يروى أن جبريل عليه السلام ضربهم بجناحه فَعُموا. وقيل: صارت أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شقّ، كما تطمس الريح الأعلام بما تسفي عليها من التراب. وقيل: لا، بل أعماهم الله مع صحة أبصارهم فلم يروهم. قال الضحاك: طمس الله على أبصارهم فلم يروا الرسل؛ فقالوا: لقد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا؟ فرجعوا ولم يروهم. {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} أي فقلنا لهم ذوقوا، والمراد من هذا الأمر الخبر؛ أي فأذقتهم عذابي الذي أنذرهم به لوط. {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ} أي دائم عام ٱستقر فيهم حتى يفضي بهم إلى عذاب الآخرة. وذلك العذاب قَلْب قريتهم عليهم وجعل أعلاها أسفلها. و «بُكْرَةً» هنا نكرة فلذلك صرفت. {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} العذاب الذي نزل بهم من طمس الأعين غير العذاب الذي أهلكوا به فلذلك حسن التكرير. {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ} تقدم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن قوم لوط كيف كذبوا رسولهم وخالفوه، وارتكبوا المكروه من إتيان الذكور، وهي الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، ولهذا أهلكهم الله هلاكاً لم يهلكه أمة من الأمم، فإنه تعالى أمر جبريل عليه السلام، فحمل مدائنهم حتى وصل بها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم، وأرسلها، وأتبعت بحجارة من سجيل منضود، ولهذا قال ههنا: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَـٰصِباً} وهي الحجارة {إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ} أي: خرجوا من آخر الليل، فنجوا مما أصاب قومهم، ولم يؤمن بلوط من قومه أحد، ولا رجل واحد، حتى ولا امرأته، أصابها ما أصاب قومها، وخرج نبي الله لوط وبنات له من بين أظهرهم سالماً لم يمسسه سوء، ولهذا قال تعالى: { كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا} أي: ولقد كان قبل حلول العذاب بهم قد أنذرهم بأس الله وعذابه، فما التفتوا إلى ذلك، ولا أصغوا إليه، بل شكوا فيه، وتماروا به. {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ} وذلك ليلة ورد عليه الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل، في صور شباب مرد حسان؛ محنة من الله بهم، فأضافهم لوط عليه السلام، وبعثت امرأته العجوز السوء إلى قومها فأعلمتهم بأضياف لوط، فأقبلوا يهرعون إليه من كل مكان، فأغلق لوط دونهم الباب، فجعلوا يحاولون كسر الباب، وذلك عشية، ولوط عليه السلام يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه، ويقول لهم: {أية : هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِى} تفسير : [هود: 78] يعني: نساءهم {إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ} {أية : قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} تفسير : [هود: 79] أي: ليس لنا فيهن أرب، {أية : وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} تفسير : [هود: 79] فلما اشتد الحال، وأبوا إلا الدخول، خرج عليهم جبريل عليه السلام، فضرب أعينهم بطرف جناحه، فانطمست أعينهم، يقال: إنها غارت من وجوههم، وقيل: إنه لم تبق لهم عيون بالكلية، فرجعوا على أدبارهم يتحسسون بالحيطان، ويتوعدون لوطاً عليه السلام إلى الصباح. قال الله تعالى: { وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ} أي: لا محيد لهم عنه، ولا انفكاك لهم منه، {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ } أي بالأمور المنذرة لهم على لسانه.

الماوردي

تفسير : {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً} فيه خمسة أوجه: أحدها: أن الحصب الحجارة التي رموا بها من السماء، والحصباء هي الحصى وصغار الأحجار. الثاني: أن الحاصب الرمي بالأحجار وغيرها، ولذلك تقول العرب لما تسفيه الريح حاصباً، قال الفرزدق: شعر : مستقبلين شمال الشام تضربنا بحاصب كنديف القطن منثور تفسير : الثالث: أن الحاصب السحاب الذي حصبهم. الرابع: أن الحاصب الملائكة الذين حصبوهم. الخامس: أن الحاصب الريح التي حملت عليهم الحصباء. {إِلاَّ ءَالَ لُوطٍ} يعني ولده ومن آمن به. {نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ} والسحر هو ما بين آخر الليل وطلوع الفجر، وهو في كلام العرب اختلاط سواد آخر الليل ببياض أول النهار لأن هذا الوقت يكون مخاييل الليل ومخاييل النهار. {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ} يعني ضيف لوط وهم الملائكة الذين نزلوا عليه في صورة الرجال، وكانوا على أحسن صورهم، فراودوا لوطاً عليهم طلباً للفاحشة. {فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ} والطمس محو الأثر ومنه طمس الكتاب إذا محي، وفي طمس أعينهم وجهان: أحدهما: أنهم اختفوا عن أبصارهم حتى لم يروهم، مع بقاء أعينهم، قاله الضحاك. الثاني: أعينهم طمست حتى ذهبت أبصارهم وعموا فلم يروهم، قاله الحسن، وقتادة. {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه وعيد بالعذاب الأدنى، قاله الضحاك. الثاني: أنه تقريع بما نالهم من عذاب العمى الحال، وهو معنى قول الحسن، وقتادة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ} أخبر عن قوم لوط لما كذبوا لوطاً. ثم قال: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً} والحاصب فاعل من حصب إذا رَمَى بالحَصَا وهي الحجارة. وقال النَّضْرُ: الحَاصِبُ الحَصْبَاءُ في الرِّيح. وقال أبو عبيدة: الحاصب الحِجارة. وفي الصِّحاح: الحَاصِبُ الريح الشديدة التي تثير الحَصْبَاء، وكذلك الحَصْبَةُ، قال لَبيدٌ: شعر : 4608- جَرَّتْ عَلَيْهَا أَنْ خَوَتْ مِنْ أَهْلِهَا أَذْيَالَها كُلُّ عَصُوفٍ حَصِبَهْ تفسير : (يقال): عَصَفَتِ الرِّيحُ أي اشتدت فهي ريحٌ عَاصِفٌ وعَصُوفٌ. وقال الفرزدق: شعر : 4609- مُسْتَقْبِلِينَ شَمَالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُنَا بِحَاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ تفسير : قوله: {إِلاَّ آلَ لُوطٍ} فيه وجهان: أحدهما: أنه متصل ويكون المعنى: أنه أرسل الحاصب على الجميع إلا أهله، فإنه لم يرسلْ عليهم. والثاني: أنه منقطع. قال شهاب الدين: ولا أدري ما وَجْهُهُ؛ فإن الانقطاع وعدمه عبارة عن عدم دخول المستثنى في المستثنى منه، وهذا داخلٌ ليس إلاَّ. وقال أبو البقاء: هو استثناء منقطع. وقيل: متصل؛ لأن الجميع أرسل عليهم الحاصب فهَلَكُوا إلا آلَ لوط. وعلى الوجه الأول يكون الحاصب لم يرسل على آل لوط. انتهى. وهو كلام مُشْكِلٌ. فصل قال ابن الخطيب: الحاصب رامي الحَصْبَاء، وهي الحجارة؛ كقوله: {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} تفسير : [الحجر: 74] وقول الملائكة: {أية : لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ} تفسير : [الذاريات: 33] مع أنَّ المرسلَ عليهم ليس بحاصب فيحتمل أن يكون المعنى: لنرسل عليهم ريحاً حاصباً بالحجارة. ويجوز تذكير الرِّيح؛ لأن تأنيثها غير حقيقي. ويحتمل أن يكون المراد عذاب حاصب لأن (أَرْسَلْنَا) يدل على مُرسلِ وهو مرسل الحجارة وحاصبها، وأفرد للجنس. وقوله: "إنَّا أَرْسَلْنَا" كأنه جواب من قال: كَيْفَ كَانَ أَمْرُهُمْ؟ والاستثناء في قوله: {إِلاَّ آلَ لُوطٍ} من الضمير في "عَلَيْهِمْ" وهو يعود على قوم لوط فيقتضي أن آلَهُ كَذَّبُوا، لكن قد يكون أهله قليلاً فعمهم ظاهر اللفظ فبين بالاستثناء خروجهم لأن المقصودَ بيانُ هلاكهم ومن نجا أو يكون الاستثناء من كلامٍ مدلول عليه أي فما أنجينا من الحاصب إلا آل لوط، ويكون الإرسال عليهم والإهلاك عامًّا، فكأن الحاصب أهلك من كان الإرسال عليه مقصوداً وغيرهم، كالأطفال والدَّوَابِّ. والمراد بآل لوط: من تبع على دينه إلا بِنْتَاهُ. قوله: "نَجَّيْنَاهُمْ" تفسير وجواب لقائل يقول: فَمَا كان من شأن آلِ لوط؟ كقوله تعالى: {أية : أَبَىٰ} تفسير : [البقرة: 34] بعد قوله: "إلاَّ إبْلِيسَ". وقد تقدم في البقرة. قوله: "بِسَحَرٍ" الباء حالية أو ظرفية، وانصرف "سَحَرٌ" لأنه نكرة، ولو قصد به وقتٌ بعينه لمنع (مِنَ) الصَّرف للتعريف والعدل عن أل هذا هو المشهور. وزعم صَدْرُ الاَفَاضِلِ أنه مبني على الفتح كَأَمْسِ مبنياً على الكسر. و "نِعْمَةً" إما مفعولٌ له، وإما مصدرٌ بفِعلٍ من لفظهما أو من معنى "نَجَّيْنَاهُمْ"؛ لأن تنجيتهم إنعامٌ، فالتأويل إما في العامل وإما في المصدر. و "مِنْ عِنْدِنَا" إما متعلق بنعْمةٍ، وإما بمحذوفٍ صفةً لها. والكاف في "كَذَلِكَ" نعت مصدر محذوف أي مِثْلُ ذَلِكَ الْجَزَاءِ نَجْزِي. فصل قال الأخفش: إنّما جُرَّ سَحَر، لأنه نكرة، ولو أراد يوماً بعينه لم يَجُرَّه. وكذا قال الزجاج: سحرٌ إذا كان نكرة يراد به سحر من الأسحار يصرف، نقول: سَحرُنَا هذا، وأتيته بسَحَرٍ، والسَّحَرُ هو ما بين آخر الليل وطلوع الفجر، وهو في كلام العرب اختلاط سواد الليل بِبَيَاضِ النهار؛ لأن في هذا الوقت تكون مخاييل الليل ومخاييل النهار. {نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا} إنعاماً على لوط وابْنَتَيْهِ. {كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ}، أي كما جازينا لوطاً وأهله بالإنجاء، فكذلك نجزي من شكر أي آمن بالله وأطاعه. قال المفسرون: هو وعد لأمة محمد - عليه الصلاة والسلام - بأنه يصونهم عن الهلاك العام. قال ابن الخطيب: ويمكن أن يقال: هو وعد لهؤلاء بالثواب يوم القيامة، كما أنجاكم في الدنيا من العذاب؛ لقوله تعالى: {أية : وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 145]. قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا} هي العذاب الذي أصابهم، أو هي عذاب الآخرة، لقوله: {أية : يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [الدخان: 16]، وقوله: "فَتَمَارَوا بِالنُّذُرِ" أي فشكُّوا فيما أنذرهم به الرسول ولم يصدقوه، وهو تَفَاعَلُوا من المِرْيَة. وهذه الآية تدل على أن المراد بالنذر الإنذارات. قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ} المراودة من الرَّوْدِ، يقال: رَاوَدْتُهُ عَلَى كَذَا مُرَاوَدَةً، ورَواداً أيْ أَرَدْتُهُ. وَرادَ الكَلأَ يَرُودُهُ رَوْداً وَرِياداً، وارْتَادَهُ أيضاً أي طَلَبَهُ. وفي الحديث: "حديث : إذَا بَالَ أَحَدكُمْ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ" تفسير : أي يطلب مكاناً ليناً أو منْحَدراً. قال ابن الخطيب: ومنه الإرادة وهي المطالبة غَيْرَ أن المطالبة تستعمل في العين، يقال: طَالَبَ زَيْدٌ عَمْراً بالدَّرَاهِمِ، والمراودة لا تستعمل إلا في العمل، فيقال: رَاوَدَهُ عَنِ الْمُسَاعَدَةِ، ولهذا تعدى المراودة إلى مفعول ثانٍ والمطالبة بالباء وذلك لأن الشغل منوطٌ باختيار الفاعل، والعين قد توجد من غير اختيار منه فلهذا يفترق الحال بين قولك: أَخْبِرْنِي عَنْ أَمْرِ زَيْدٍ وأَخْبِرْنِي بأَمْر زَيْدٍ، وكذا قوله: "أَخْبَرَنِي زَيْدٌ عَنْ مَجِيءِ فُلاَنٍ" وقوله: "أَخْبَرَنِي بمجيئه"؛ فإن من قال عن مجيئه ربما يكون الإخبار عن كيفية المجيء لا عن نفسه، وأخبرني بمجيئه، لا يكون إلا عن نفس المجيء. والضيف يقع على الواحد والجماعة، والمعنى أرادوا منه تمكينهم ممن أتاه من الملائكة. قوله: "فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ" قرأ العامّة فَطَمسنَا مخففاً. وابن مِقْسِم مشدَّداً على التكثير، لأجل المتعلق أو لشدة الفعل في نفسه. والضمير في: "رَاوَدُوهُ" عائد على قومِ لوط. وأسند إليهم لأن جميعهم راضٍ بذلك، والمراد الذين دخلوا عليه. روي أن جِبْرِيلَ - عليه الصلاة والسلام - ضربهم بجناحه فَعَمُوا. وقيل: صارت أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شِقّ، كما تطمس الريح الأثر والأعلام بما تَسْفِي عليهم من التراب، وقال الضحاك: بل أعماهم الله تعالى فلم يَرَوا الرسل. وقالوا: لقد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا فرجعوا ولم يروهم. وهذا قول ابن عباس. فإن قيل: قال ههنا: فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ، وقال في يس: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ} تفسير : [يس: 66] فما الفرق؟ فالجواب: هذا يؤيد قول ابن عباس: بأن المراد من الطمس الحَجْبُ عن الإدراك، ولم يجعل على بصرهم شيء. وفي "يس" أراد أنه لو شاء لجعل على بصرهم غشاوة أو أَلْزَقَ أحد الجَفْنَيْن بالآخَرِ فتكون العينُ جلدةً. وروي أنهم صارت أعينهم مع وجودهم كالصفحة الواحدة. قوله: {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} الخطاب لهم، أي قلنا على لسان الملائكة فذوقوا، وهو خطاب كل مكذب، أي إنْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ فَذُوقُوا. قال القرطبي: والمراد من هذا الأمر الخبر أي: فَأَذَقْتُهُمْ عَذَابي الذي أنذرَهُمْ به لوطٌ. فإن قيل: إذا كان المراد بقوله: "عذابي" هو العذاب العاجل، وبقوله: "ونُذُر" هو العذاب الآجل فهما لم يكونا في زَمَانٍ واحد فكيف قال: ذوقوا؟ فالجواب: أن العذاب الآجل أوله متصل بآخر العذاب العاجل فهما كالواقع في زمان واحد وهو كقوله تعالى: {أية : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} تفسير : [نوح: 25]. قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً} انصرف "بكرةً"؛ لأنه نكرة ولو قصد به وقت بعينه امتنع الصرف للتأنيث والتعريف. وهذا كما تقدم في "غَدْوَةٍ". ومنعها زيدُ بن عليٍّ الصرف، ذهب بها إلى وقتٍ بعينه. قال صاحب المختصر: انتصب بُكْرَة على الظرف أي بكرة من البكر كقوله: {أية : أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى} تفسير : [الإسراء: 1]. قال الزمخشري: والتنكير يدل على أنه كان في بعض الليل وتمسك بقراءة من قرأ: مِنَ اللِّيْلِ. قال ابن الخطيب: وهو غير ظاهر، والأظهر أن يقال: بأن الوقت المبهم يذكر لبيان أن تَعْيِينَ الوقت ليس بمقصود للمتكلم، كقوله: خَرَجْنَا فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ مَعَ أن الخروج لا بدّ وأن يكون في بعضِ الأوقات، وكذلك قوله: "صَبّحَهُمْ بُكْرَةً" أي بكرة من البكر، و{أية : أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} تفسير : [الإسراء: 1] أي ليلاً من الليالي. ومعنى صبحهم قال لهم: عِمُوا صباحاً، كقوله: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [آل عمران: 21]. والمراد بقوله: بكرة أول أزمنة الصبح. أو انتصب "بُكْرَةً" على المصدر كقولك: ضَرَبْتُهُ سَوْطاً؛ لأن الضرب يكون بالسَّوْطِ وغيره، وكذلك الصبح يكون بكرةً وبَعْدَها. ومعنى "مستقر" أي ثابت عليهم لا يدفعه أحد عنهم، أو دائم لأنهم انتقلوا منه إلى عذاب الجحيم، وهو دائم، أو بمعنى قدر الله عليهم وقوعه ولم يصبهم بطريق الاتفاق وذلك العذاب قلب قريتهم عليهم، وجعل أعلاها أسْفَلَهَا. وقوله: {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} أي العذاب الذي نزل بهم من طَمْسِ الأَعْيُن غير العذاب الذي أهلكوا به، فلذلك حسن التكرير.

القشيري

تفسير : فأرسلنا عليهم {حَاصِباً}: أي: حجارةً رُمُوا بها. {كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ}: أي: جعلنا إنجاءَهم في إِهلاك أعدائهم. وهكذا نجزي من شكر؛ فمثل هذا نعامِلُ به مَن شَكَرَ نعمتنا. والشُّكْرُ على نِعَم الدفع أتمُّ من الشكر على نِعَم النفع - ولا يَعْرِفُ ذلك إلا كلُّ مُوَفَّق كَيِّس.

اسماعيل حقي

تفسير : {كذبت قوم لوط بالنذر} اى بالانذارات او بالمنذرين كما سبق

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {كذبت قومُ لوط بالنُذر} وقد تقدّم، {إِنّا أرسلنا عليهم} أي: على قوم لوط {حاصِباً} أي: ريحاً تحصبهم، أي: ترميهم بالحصباء، {إِلا آلَ لوطٍ} ابنتيه ومَن آمن معه، {نجيناهم بسَحَرٍ} ملتبسين بسَحَرٍ من الأسحار، ولذا صرفه، وهو آخر الليل، أو: السُدس الأخير منه، وقيل: هما سحران، فالسَحَر الأعلى: قبل انصداع الفجر، والآخر: عند انصداعه، {نعمةً مِن عندنا} أي: إنعاماً منا، وهو علة لنجَّينا، {كذلك} أي: مثل ذلك الجزاء العجيب {نجزي من شَكَرَ} نعمتنا بالإيمان والطاعة. {ولقد أَنذَرَهم} لوط {بطشَتنا} أخذتنا الشديدة بالعذاب، {فتمَارَوا} فكذّبوا {بالنُذُر} بإنذاره متشاكّين فيه، {ولقد راودوه عن ضيفه} قصدوا الفجور بأضيافه، {فطمسنا أعينَهم} فمسخناها وسويناها كسائر الوجه، أي: صارت وجوههم صفيحة واحدة لا ثقب فيها. رُوي أنهم لمَّا قصدوا دار لوط، وعالجوا بابها ليدخلوا، قالت الرسل للوط: خلّ بينهم وبين الدخول، فإنّا رُسل ربك، لن يصلوا إليك. وفي رواية: لمّا مُنعوا من الباب تسوّروا الحائط، فدخلوا، فصفعهم جبريل بجناحه؛ فتركهم عُمياً يترددون، ولا يهتدون إلى الباب، فأخرجهم لوط عُمياً. وقلنا لهم على ألسنة الرسل، أو بلسان الحال: {فذُوقوا عذابي ونُذُرِ} أي: وبال إنذاري، والمراد به: الطمس؛ فإنه من جملة ما أُنذروا به. {ولقد صبَّحهم بُكرةً} أول النهار {عذابٌ مستقِرٌ} لا يفارقهم حتى يُسلمهم إلى النار، وفي وصفه بالاستقرار إيماء إلى أنّ عذاب الطمس ينتهي إليه، {فذوقوا عذابي ونُذُرِ} حكاية لما قيل لهم حينئذ من جهته - تعالى - تشديداً للعتاب. {ولقد يَسَّرنا القرآنَ للذكر فهل من مُّدكرِ} قال النسفي: وفائدة تكرير هذه الآية، أن يجدّدوا عند سماع كل نبأ من أنباء الأولين ادّكاراً واتعاظاً إذا سمعوا الحث على ذلك، وأن يستأنفوا تنبُّهاً واستيقاظاً إذا سمعوا الحثّ على ذلك، وهكذا حكم التكرير في قوله:{أية : فَبِأَيِّ ءَالآءِ رَبِّكُمَا تُكّذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 13] عند كل نعمة عدّها، وقوله:{أية : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}تفسير : [المرسلات: 15] عند كل آية أوردها، وكذا تكرير القصص في أنفسها؛ لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصوّرة في الأذهان، مذكّرة غير منسيّةٍ في كل أوان. هـ. الإشارة: قال القشيري: يُشير إلى أنَّ كل مَن غلبته الشهوةُ البهيمية - شهوة الجماع - يجب عليه أن يقهر تلك الصفة، ويكسرها بأحجار ذكر "لا إله إلا الله"، ويُعالج تلك الصفة بضدها، وهو العفة. هـ. فالإشارة بقوم لوط إلى الشهوات الجسمانية، فقد كذّب الروحَ حين دعتها إلى مقام الصفا، ودعتها النفسُ بالميل إليها إلى الحضيض الأسفل، فإذا أراد اللّهُ نصر عبده أرسل عليها حاصب الواردات والمجاهدات، فمحتْ أوصافها الذميمة، ونقلتها إلى مقام الروحانية، قال تعالى: {إنا أرسلنا عليه حاصباً إلا آل لوط} يعني الأوصاف المحمودة، نجيناهم في آخر ليل القطيعة، أو: الروح وأوصافها الحميدة، نجيناها في وقت النفحات من التدنُّس بأوصاف النفس الأمّارة، نعمةً من عندنا، لا بمجاهدة ولا سبب، كذلك نَجزي من شكر نعمة العناية، وشكر مَن جاءت على يديه الهداية، وهم الوسائط من شيوخ التربية. ولقد أنذر الروحُ النفسَ وهواها وجنودها بطشَتنا: قهرنا، بوارد قهري، مِن خوف مُزعج، أو شوقٍ مُقلق، حتى يُخرجها من وطنها، فتَماروا بالنُذر، وقالوا: لم يبقَ مَن يُخرجنا مِن وطننا، فقد انقطعت التربية، ولا يمكن إخراجنا بغيرها، ولقد راودوه عن ضيفه، راودوا الروحَ عن نور معرفته ويقينه، بالميل إلى شهوات النفس؛ فطمسنا أعينهم، فلم يتمكنوا من رد الروح إذا سبقت لها العناية، فيُقال للنفس وجنودِها، ذوقوا عذابي ونُذُري بالبقاء مع الخواطر والهموم، ولقد صبّحهم أول نهار المعرفة حين أشرقت شموس العيان عذاب مستقر، وهو مَحق أوصاف النفس، والغيبة عنها أبداً سرمداً. والله تعالى أعلم. ثم ذَكَرَ قوم فرعون، تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ}.

اطفيش

تفسير : {كذَّبَتْ قَومُ لُوطٍ بالنُّذُر * إنَّا أرْسَلنا عَليْهم حاصِباً} مَلَكاً يرميهم بالحصباء، أو ريحا يرميهم بها، والريح يذكر ويؤنث، فلا نحتاج الى أن نقول ذكر حاصبا، ولم يؤنث لأنه اسم للريح، وقيل: حاصبا ما رماهم الله به من الحجارة، واسناد الحصب اليها من صورة الاسناد الى الآلة فى هذا القول، وفى تفسيره بالريح، أو خلق الله تعالى العقل للريح أو الحجارة، فرمتهم بأنفسها، فالاسناد حقيق {إلاَّ آل لُوطٍ} من آمن به، ويقال بناته، ويقال ابنتيه {نجَّيناهُم} من الحاصب {بسَحرٍ} فى سحر متعلق بنجينا، أو الباء للملابسة متعلقة بمحذوف حال من الهاء، أى ملابسين للسحر بالدخول فيه، وهو الثلث الأخير أو السدس الأخير، أو الوقت الأخير من الليل، أو المخالط لضوء الفجر.

ابن عاشور

تفسير : القول في مفرداته كالقول في نظائره، وقصة قوم لوط تقدمت في سورة الأعراف وغيرها. وعرف قوم لوط بالإِضافة إليه إذ لم يكن لتلك الأمة اسم يعرفون به عند العرب. ولم يُحك هنا ما تلقَّى به قوم لوط دعوة لوط كما حكي في القصص الثلاث قبل هذه، وقد حكي ذلك في سورة الأعراف وفي سورة هود وفي سورة الحجر لأن سورة القمر بنيت على تهديد المشركين عن إعراضهم عن الاتّعاظ بآيات الله التي شاهدوها وآثار آياته على الأمم الماضية التي علموا أخبارها وشهدوا آثارها، فلم يكن ثمة مقتض لتفصيل أقوال تلك الأمم إلا ما كان منها مشابهاً لأقوال المشركين في تفصيله ولم تكن أقوال قوم لوط بتلك المثابة، فلذلك اقتصر فيها على حكاية ما هو مشترك بينهم وبين المشركين وهو تكذيب رسولهم وإعراضهم عن نذره. والنذر تقدم. وجملة {إنا أرسلنا عليهم حاصباً} استئناف بياني ناشىء عن الإِخبار عن قوم لوط بأنهم كذبوا بالنذر. وكذلك جملة {نجيناهم بسحر}، وجملة {كذلك نجزي من شكر}. والحاصب: الريح التي تحصِب، أي ترمي بالحصباء ترفعها من الأرض لقوتها، وتقدم في قوله تعالى: {أية : فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً} تفسير : في سورة [العنكبوت: 40]. والاستثناء حقيقي لأن آل لوط من جملة قومه. وآل لوط: قرابته وهم بَنَاتُه، ولوط داخل بدلالة الفحوى. وقد ذكر في آيات أخرى أن زوجة لوط لم يُنجها الله ولم يذكر ذلك هنا اكتفاء بمواقع ذكره وتنبيهاً على أن من لا يؤمن بالرسول لا يعد من آله، كما قال: {أية : يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح}تفسير : [هود: 46] وذكر {بسحر}، أي في وقت السحر للإِشارة إلى إنجائهم قبيل حلول العذاب بقومهم لقوله بعده: {ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر}. وانتصب {نعمة} على الحال من ضمير المتكلم، أي إنعاماً منا. وجملة {كذلك نجزي من شكر} معترضة، وهي استئناف بياني عن جملة {نجّيناهم بسحر} باعتبار ما معها من الحال، أي إنعاماً لأجل أنه شكر، ففيه إيماء بأن إهلاك غيرهم لأنهم كفروا، وهذا تعريض بإنذار المشركين وبشارة للمؤمنين. وفي قوله: {من عندنا} تنويه بشأن هذه النعمة لأن ظرف (عند) يدل على الادخار والاستئثار مثل (لدن) في قوله: {من لدنا}. فذلك أبلغ من أن يقال: نعمة منا أو أنعمنا.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: كذبت قوم لوط بالنذر: كذبت قوم لوط بالنذر التي أنذرهم بها وخوفهم منها لوط عليه السلام. إنا أرسلنا عليهم حاصبا: أي ريحاً ترميهم بالحصباء وهي الحجارة الصغيرة فهلكوا. إلا آل لوط نجيناهم بسحر: أي بِنتاهُ وهو معهم نجاهم الله تعالى من العذاب حيث غادروا البلاد قبل نزول العذاب بها. نعمة من عندنا: أي إنعاماً منا عليهم ورحمة منا بهم. كذلك نجزي من شكر: أي مثل هذا الجزاء بالنجاة من الهلاك نجزي من شكرنا بالإِيمان والطاعة. ولقد أنذرهم بطشتنا: أنذرهم لوط أي خوفهم أخذتنا إياهم بالعذاب. فَتَمَارَوْاْ بالنذر: أي فتجادلوا وكذبوا بالنذر التي أنذرهم بها وخوفهم منها. ولقد راودوه عن ضيفه: أي أن يخلى بينهم وبين ضيفه وهم ملائكة ليخبثوا بهم. فطمسنا أعينهم: أي ضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم فكانت كباقي وجوههم. ولقد صبحهم بكرة عذابٌ مستقر: أي نزل بهم بكرة صباحاً عذاب مستقر لا يفارقهم أبداً هلكوا به في الدنيا ويصحبهم في البرزخ ويلازمهم في الآخرة. ولقد يسرنا القرآن للذكر: أي سهلناه للحفظ والتذكير به والعمل بما فيه. فهل من مدّكر؟: أي من متذكر فيعمل بما فيه فينجو من النار ويسعد في الجنة. ولقد جاء آل فرعون النذر: أي قوم فرعون الإِنذارات على لسان موسى وهارون عليهما السلام. كذبوا بآياتنا كلها: أي فلم يؤمنوا بل كذبوا بآياتنا التسع التي آتيناها موسى. فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر: أي فأخذناهم بالعذاب وهو الغرق أخذ قوى مقتدر على كل شيء لا يعجزه شيء. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر موجز لقصص عدد من الأمم السابقة تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديداً للمشركين المصرين على الشرك بالله والتكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنذاراً لأهل الشرك والمعاصي في كل زمان ومكان فقال تعالى {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ} وهم أهل قرى سدوم وعمورة كذبوا رسولهم لوطاً بن أخي إبراهيم عليه السلام هاران. كذبوا بالنذر وهي الآيات التي أنذرهم لوط بها وخوفهم من عواقبها. وقوله تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً} أي لما كذبوا بالنذر وأصروا على الكفر وإتيان الفاحشة أرسلنا عليهم حاصباً ريحاً تحمل الحصباء الحجارة الصغيرة فأهلكناهم بعد قلب البلاد بجعل عاليها سافلها. وقوله تعالى {إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ} والمراد من آل لوط لوط ومن آمن معه من ابنتيه وغيرهما نجاهم الله تعالى بسحر وهو آخر الليل. وقوله {نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا} أي كان إنجاؤهم إنعاماً منا عليهم ورحمة منا بهم. وقوله تعالى {كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ} أي كهذا الإِنجاء أي من العذاب الدنيوي نجزي من شكرنا فآمن بنا وعمل صالحاً طاعة لنا وتقربا إلينا وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا} أي إننا لم نأخذهم بظلم منا ولا بدون سابق إنذار منا لا، لا بل أخذناهم بظلمهم، وبعد تكرر إنذارهم، فكانوا إذا أنذروا تماروا بما أنذروا فجادلوا فيه مستهزئين مكذبين، ومن أعظم ظلمهم أنهم راودوا لوطاً عن ضيفه من الملائكة وهم في صورة بشر، فلما راودوه عنهم ليفعلوا الفاحشة ضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم فأصبحت كسائر وجوههم لا حاجب ولا مقلة ولا مكان للعين بالكلية وقولنا لهم فذوقوا عذابي ونذري أي لأولئك الذين راودوا لوطاً عن ضيفه. أما باقي الأمة فهلاكهم كان كما أخبر تعالى عنه بقوله: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً} أي صباحاً {عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ} أي دائم لهم ملازم لا يفارقهم ذاقوه في الدنيا موتاً وصاحبهم برزخاً ويلازمهم في جهنم لا يفارقهم. وقلنا لهم فذوقوا عذابي ونذر حيث كنتم تمارون وتستهزئون وقوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} أي القرآن للحفظ وسهلناه للفهم والاتعاظ به والتذكر فهل من مدّكر أي فهل من متذكر متعظ معتبر فيقبل على طاعة الله متجنباً معاصيه فينجو ويسعد وقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ} أي قوم فرعون من القبط وجنده منهم كذلك جاءتهم النذر على لسان موسى وأخيه هارون فكذبوا وأصروا على الكفر والظلم، وكذبوا بآيات الله كلها وهي تسع آيات آتاها الله تعالى موسى أولها العصا وآخرها انفلاق البحر فبسبب ذلك أخذناهم أخذ عزيز غالب لا يمانع في مراده مقتدر لا يعجزه شيء فأغرقناهم أجمعين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير ربوبية الله تعالى وألوهيته بالالتزام وتقرير التوحيد وإثبات النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم. إذ أفعال الله العظيمة من إرسال الرسل والأخذ للظلمة الكافرين بأشد أنواع العقوبات من أجل أن الناس لم يعبدوا ولم يطيعوا دال على ربوبيته وألوهيته، وقص هذا القصص من أميّ لم يقرأ ولم يكتب دال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. 2- بيان جزاء الشاكرين لله تعالى بالإِيمان به وطاعته وطاعة رسله. 3- مشروعية الضيافة وإكرام الضيف، وفي الحديث: حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه . تفسير : 4- تيسير القرآن وتسهيله للحفظ والاتعاظ والاعتبار.

القطان

تفسير : حاصبا: ريحا تحمل الحصباء. السحَر: آخر الليل. بطشَتَنا: عذابنا الشديد. فتماروا بالنذر: فشكّوا وجادلوا في الانذارات. راودوه عن ضيفه: نازعوه في ضيوفه ليفجُروا بهم، وهم يظنون انهم من البشر. الضيف يطلق على الواحد والجمع. فطمسنا أعينهم: حجبناها عن الإبصار فلم تر شيئا. بكرة: أول النهار. مستقر: دائمٌ وثابتٌ مستمر. ثم يذكر قصص قوم لوطٍ وفرعونَ باختصار، فقد كذّبت قوم لوط بما جاءهم من انذار، فأرسل الله عليهم ريحاً شديدةً ترميهم بالحصى، ونجّى آل لوط المؤمنين من هذا العذاب في آخر الليل، وذلك كله نعمةٌ من الله {كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ} {أية : إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} تفسير : [النمل: 57]. {وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ} لقد أنذرهم رسولُهم لوط من عذابِ الله فشكّوا في ذلك وسخِروا منه، بل توعّدوه كما جاء في سورة الشعراء: {أية : قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ} تفسير : [الشعراء: 167]. ثم طلبوا منه ضيوفَه ليأخذوهم ويفجُروا بهم لَمّا رأوهم على صورة شبابٍ مُرْدٍ حسان، فَطَمَسَ الله أعينَهم وحجَبها عن الإبصار. وذهبَ الملائكةُ بعدَ أن أفهموا لوطاً بأنْ يخرج ليلاً من تلك القرية الظالمة. وصبَّحَهم عذابٌ مستقر أهلكهم ودمّر بلادَهم وقال الله لهم: {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} ثم كرر الآية الكريمة {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ} يسّرناهُ على الأفهام للاتعاظ والتذكُّر من قبل أصحابها. ثم ذكر قصة فرعون وآله بآيتين، وأنهم كذّبوا رسولهم موسى، ولم يؤمنوا بآيات الله. {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} لقد أهلكهم الله إهلاك قويّ لا يُغلب، عظيمِ القدرة على ما يشاء. وقد ذُكرت قصة فرعون وموسى بعدد من السور بين مطول ومختصر.

د. أسعد حومد

تفسير : (33) - كَذَّبَ قَوْمُ لُوطٍ نَبِيَّهُم لُوطاً فِيما جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهم مِنْ آياتٍ، وَفِيما أَنْذَرَهُمْ بِهِ مِنْ عَذَابٍ.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى المكذبين من قوم "عاد وثمود" ذكر هنا قوم لوط وقوم فرعون وما حل بهم من العذاب والدمار، تذكيراً لكفار مكة بانتقام الله من أعدائه وأعداء رسله، وختم السورة الكريمة ببيان سنة الله في عقاب الكفرة المجرمين. اللغَة: {حَاصِباً} الحاصب: الحجارة وقيل: هي الريح الشديد التي تثير الحصباء وهي الحصى {بَطْشاً} عقابنا الشديد {ٱلزُّبُرِ} الكتب السماوية جمع زبور وهو الكتاب الإِلهي {أَدْهَىٰ} أفظع من الداهية وهي الأمر المنكر العظيم {سُعُرٍ} خسرانٍ وجنون {سَقَرَ} اسم من أسماء جهنم أعاذنا الله منها. سَبَبُ النّزول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء مشركوا قريشٍ يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}. التفسِير: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ} أي كذبوا بالإِنذارات التي أنذرهم بها نبيهم لوط عليه السلام {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً} أي أرسلنا عليهم حجارة قذفوا بها من السماء قال ابن كثير: أمر تعالى جبريل فحمل مدائنهم حتى وصل بها إِلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم وأرسلها وأُتبعت بحجارةٍ من سجيلٍ منضود، والحاصب هي الحجارة {إِلاَّ آلَ لُوطٍ} أي غير لوطٍ وأتباعه المؤمنين {نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ} أي نجيناهم من الهلاك قُبيل الصبح وقت السَّحر {نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا} أي إِنعاماً منَّا عليهم نجيناهم من العذاب {كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ} أي مثل ذلك الجزاء الكريم، نجزي من شكر نعمتنا بالإِيمان والطاعة {وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا} أي ولقد خوفهم لوط عقوبتنا الشديدة، وانتقامنا منهم بالعذاب {فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ} أي فتشككوا وكذبوا بالإِنذار والوعيد {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ} أي طلبوا منه أن يسلّم لهم أضيافه وهم الملائكة ليفجروا بهم بطريق اللواطة {فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ} أي أعمينا أعينهم وأزلنا أثرها حتى فقدوا أبصارهم قال المفسرون: لما جاءت الملائكة إِلى لوط في صورة شبابٍ مردٍ حسان، أضافهم لوط عليه السلام، فجاء قومه يُهرعون إِليه لقصد الفاحشة بهم، فأغلق لوط دونهم الباب، فجعلوا يحاولون كسر الباب، فخرج عليهم جبريل فضرب أعينهم بطرف جناحه فانطمست أعينهم وعموا {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} أي فذوقوا عذابي وإِنذاري الذي أنذركم به لوط {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ} أي جاءهم وقت الصبح عذابٌ دائم متصل بعذاب الآخرة قال الصاوي: وذلك أن جبريل قلع بلادهم فرفعها ثم قلبها بهم وأمطر عليهم حجارة من سجيل، واتصل عذاب الدنيا بعذاب الآخرة فلا يزول عنهم حتى يصلوا إِلى النار {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} أي فذوقوا أيها المجرمون عذابي الأليم، وإِنذاري لكم على لسان رسولي {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ} أي ولقد يسرنا القرآن للحفظ والتدبر فهل من متعظٍ ومعتبر؟ قال المفسرون: حكمة تكرار ذلك في كل قصة، التنبيهُ على الاتعاظ والتدبر في أنباء الغابرين، وللإِشارة إِلى أن تكذيب كل رسولٍ مقتضٍ لنزول العذاب كما كرر قوله {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 13] تقريراً للنعم المختلفة المعدودة، فكلما ذكر نعمةً وبَّخ على التكذيب بها {وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ} أي جاء فرعون وقومه الإِنذارات المتكررة فلم يعتبروا قال أبو السعود: صُدّرت قصتهم بالقسم المؤكد لإِبراز كمال الاعتناء بشأنها، لغاية عظم ما فيها من الآيات وكثرتها، وهول ما لاقوه من العذاب، وفرعون رأس الطغيان {كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا} أي كذَّبوا بالمعجزات التسع التي أعطيها موسى {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} أي فانتقمنا منهم بإِغراقهم في البحر، وأخذناهم بالعذاب أخذ إِلهٍ غالب في انتقامه، قادرٍ على إِهلاكهم لا يعجزه شيء.. ثم خوَّف تعالى كفار مكة فقال {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ}؟ الاستفهام إِنكاري للتقريع والتوبيخ أي أكفاركم يا معشر العرب خيرٌ من أولئكم الكفار الذين أحللت بهم نقمتي مثل قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم فرعون، حتَّى لا أعذبهم؟ قال القرطبي: استفهام إنكار ومعناه النفي أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم {أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ} أي أم لكم يا كفار قريش براءة من العذاب في الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء؟ {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} أي بل أيقولون نحن جمعٌ كثير، واثقون بكثرتنا وقوتنا، منتصرون على محمد؟ قال تعالى رداً عليهم {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} أي سيهزم جمع المشركين ويولون الأدبار منهزمين قال ابن الجوزي: وهذا مما أخبر الله به نبيه من علم الغيب، فكانت الهزيمةُ يوم بدر {بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} أي ليس هذا تمام عقابهم بل القيامة موعد عذابهم {وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ} أي أعظم داهيةً وأشدُّ مرارةً من القتل والأسر {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} أي إِن المجرمين في حيرةٍ وتخبطٍ في الدنيا، وفي نيرانٍ مسعَّرة في الآخرة قال ابن عباس: في خسرانٍ وجنون {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} أي يوم يُجرُّون في النار على وجوههم عقاباً وإِذلالاً لهم {ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ} أي يقال لهم: ذوقوا أيها المكذبون عذاب جهنم قال أبو السعود: وسقر علمٌ لجهنم ولذلك لم يُصرف {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} أي إِنا خلقنا كل شيءٍ مقدَّراً مكتوباً في اللوح المحفوظ من الأزل {وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} أي وما شأننا في الخلق والإِيجاد إِلا مرة واحدة كلمح البصر في السرعة نقول للشيء: كن فيكون قال ابن كثير: أي إِنما نأمر بالشيء مرة واحدة لا نحتاج إِلى تأكيد بثانية، فيكون ذلك موجوداً كلمح البصر لا يتأخر طرفة عين {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ} أي ووالله لقد أهلكنا أشباهكم ونظراءكم في الكفر والضلال من الأمم السالفة {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي فهل من يتذكر ويتعظ؟ {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ} أي وجميع ما فعلته الامم المكذبة من خير وشر مكتوب عليهم، مسجل في كتب الحفظة التي بأيدي الملائكة قال ابن زيد: {فِي ٱلزُّبُرِ} أي في دواوين الحفظة {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} أي وكل صغيرٍ وكبير من الأعمال مسطورٌ في اللوح المحفوظ، مثبتٌ فيه {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} أي في جنات وأنهار قال القرطبي: يعني أنهار الماء، والخمر، والعسل، واللبن {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} أي في مكانٍ مرضيٍ، ومقام حسن {عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} أي عند ربٍ عظيم جليل، قادرٍ في ملكه وسلطانه، لا يعجزه شيء، وهو الله رب العالمين. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة التمثيلية {أية : فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [القمر: 11] شبه تدفق المطر من السحاب بانصباب أنهار انفتحت بها أبواب السماء، وانشق بها أديم الخضراء بطريق الاستعارة التمثيلية. 2- جناس الاشتقاق {يَدْعُ ٱلدَّاعِ}. 3- الكناية {أية : وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ}تفسير : [القمر: 13] كناية عن السفينة التي تحوي الأخشاب والمسامير. 4- التشبيه المرسل والمجمل {أية : كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}تفسير : [الحاقة: 7] ومثله {أية : فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ}تفسير : [القمر: 31]. 5- صيغة المبالغة {أية : بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ}تفسير : [القمر: 25] أي كثير الكذب عظيم البطر لأن فعَّال وفعل للمبالغة. 6- الإطناب بتكرار اللفظ {بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ} لزيادة التخويف والتهويل. 7- المقابلة بين المجرمين والمتقين {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} و{إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ}. 8- الطباق بين {صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ}. 9- السجع المرصَّع غير المتكلف الذي يزيد في جمال اللفظ وموسيقاه إقرأ مثلاً قوله تعالى {ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} الخ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ } لوطا عليه السلام، حين دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن الشرك والفاحشة التي ما سبقهم بها أحد من العالمين، فكذبوه واستمروا على شركهم وقبائحهم، حتى إن الملائكة الذين جاءوه بصورة أضياف حين سمع بهم قوم لوط، جاؤوهم مسرعين، يريدون إيقاع الفاحشة فيهم، لعنهم الله وقبحهم، وراودوه عنهم، فأمر الله جبريل عليه السلام، فطمس أعينهم بجناحه، وأنذرهم نبيهم بطشة الله وعقوبته { فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ } { وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ } قلب الله عليهم ديارهم، وجعل أسفلها أعلاها، وتتبعهم بحجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك للمسرفين، ونجى الله لوطا وأهله من الكرب العظيم، جزاء لهم على شكرهم لربهم، وعبادته وحده لا شريك له.