٥٤ - ٱلْقَمَر
54 - Al-Qamar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
41
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما الفائدة في لفظ: {آل فِرْعَوْنَ } بدل قوم فرعون؟ نقول: القوم أعم من الآل، فالقوم كل من يقوم الرئيس بأمرهم أو يقومون بأمره، والآل كل من يؤول إلى الرئيس خيرهم وشرهم أو يؤول إليهم خيره وشره، فالبعيد الذي لا يعرفه الرئيس ولا يعرف هو عين الرئيس وإنما يسمع اسمه، فليس هو بآله، إذا عرفت الفرق، نقول: قوم الأنبياء الذين هم غير موسى عليهم السلام، لم يكن فيهم قاهر يقهر الكل ويجمعهم على كلمة واحدة، وإنما كانوا هم رؤساء وأتباعاً، والرؤساء إذا كثروا لا يبقى لأحد منهم حكم نافذ على أحد، أما على من هو مثله فظاهر، وأما على الأراذل فلأنهم يلجئون إلى واحد منهم ويدفعون به الآخر، فيصير كل واحد برأسه، فكأن الإرسال إليهم جميعاً، وأما فرعون فكان قاهراً يقهر الكل، وجعلهم بحيث لا يخالفونه في قليل ولا كثير، فأرسل الله إليه الرسول وحده، غير أنه كان عنده جماعة من التابعين المقربين مثل قارون تقدم عنده لماله العظيم، وهامان لدهائه، فاعتبرهم الله في الإرسال، حيث قال: في مواضع: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ } تفسير : [الزخرف: 46] وقال تعالى: {أية : بآياتنا... إلى فرعون وهامان وقارون } تفسير : [غافر: 23، 24] وقال في العنكبوت: {أية : وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَلَقَدْ جَاءهُمْ مُّوسَىٰ } تفسير : [العنكبوت: 39] لأنهم إن آمنوا آمن الكل بخلاف الأقوام الذين كانوا قبلهم وبعدهم، فقال: {وَلَقَدْ جَاء ءالَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ } وقال كثيراً مثل هذا كما في قوله: {أية : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } تفسير : [غافر: 46]، {أية : وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُ } تفسير : [غافر: 28] وقال: بلفظ الملأ أيضاً كثيراً. المسألة الثانية: قال: {وَلَقَدْ جَاء } ولم يقل في غيرهم جاء لأن موسى عليه السلام ما جاءهم، كما جاء المرسلون أقوامهم، بل جاءهم حقيقة حيث كان غائباً عن القوم فقدم عليهم، ولهذا قال تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآء ءالَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ } تفسير : [الحجر: 61] وقوله تعالى: {أية : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [التوبة: 128] حقيقة أيضاً لأنه جاءهم من الله من السموات بعد المعراج، كما جاء موسى قومه من الطور حقيقة. المسألة الثالثة: النذر إن كان المراد منها الإنذارات وهو الظاهر، فالكلام الذي جاءهم على لسان موسى ويده تلك، وإن كان المراد الرسل فهو لأن موسى وهرون عليهما السلام جاءه وكل مرسل تقدمهما جاء لأنهم كلهم قالوا ما قالا من التوحيد وعبادة الله وقوله بعد ذلك: {كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } من غير فاء تقتضي ترتب التكذيب على المجيء فيه وجهان أحدهما: أن الكلام تم عند قوله: {وَلَقَدْ جَاء ءالَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ } وقوله: {كَذَّبُواْ } كلام مستأنف والضمير عائد إلى كل من تقدم ذكرهم من قوم نوح إلى آل فرعون ثانيهما: أن الحكاية مسوقة على سياق ما تقدم، فكأنه قال: (فكيف كان عذابي ونذر وقد كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم)، وعلى الوجه الأول آياتنا كلها ظاهرة، وعلى الوجه الثاني المراد آياته التي كانت مع موسى عليه السلام وهي التسع في قول أكثر المفسرين، ويحتمل أن يقال: المراد أنهم كذبوا بآيات الله كلها السمعية والعقلية فإن في كل شيء له آية تدل على أنه واحد. وقوله تعالى: {فَأَخَذْنَـٰهُمْ } إشارة إلى أنهم كانوا كالآبقين أو إلى أنهم عاصون يقال: أخذ الأمير فلاناً إذا حبسه، وفي قوله: {عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } لطيفة وهي أن العزيز المراد منه الغالب لكن العزيز قد يكون (الذي) يغلب على العدو ويظفر به وفي الأول يكون غير متمكن من أخذه لبعده إن كان هارباً ولمنعته إن كان محارباً، فقال أحد غالب لم يكن عاجزاً وإنما كان ممهلاً.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ} يعني القبط و «النُّذُرُ» موسى وهارون. وقد يطلق لفظ الجمع على الاثنين. {كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا} معجزاتنا الدالة على توحيدنا ونبوّة أنبيائنا؛ وهي العصا، واليد، والسَّنون، والطمسة، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. وقيل: {ٱلنُّذُرُ } الرسل؛ فقد جاءهم يوسف وبنوه إلى أن جاءهم موسى. وقيل: {ٱلنُّذُرُ } الإنذار. {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ} أي غالب في ٱنتقامه {مُّقْتَدِرٍ } أي قادر على ما أراد.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن فرعون وقومه: أنهم جاءهم رسول الله موسى وأخوه هارون بالبشارة إن آمنوا، والنذارة إن كفروا، وأيدهما بمعجزات عظيمة، وآيات متعددة، فكذبوا بها كلها، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، أي: فأبادهم الله، ولم يبق منهم مخبر، ولا عين ولا أثر، ثم قال تعالى: {أَكُفَّـٰرُكُمْ}؟ أي: أيها المشركون من كفار قريش {خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَـٰئِكُمْ} يعني من الذين تقدم ذكرهم ممن أهلكوا بسبب تكذيبهم الرسل، وكفرهم بالكتب، أأنتم خير من أولئكم؟ {أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِى ٱلزُّبُرِ} أي: أم معكم من الله براءة أن لا ينالكم عذاب ولا نكال؟ ثم قال تعالى مخبراً عنهم: { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} أي: يعتقدون أنهم يتناصرون بعضهم بعضاً، وأن جميعهم يغني عنهم من أرادهم بسوء. قال الله تعالى: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} أي: سيتفرق شملهم ويغلبون. قال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا خالد عن خالد، وقال أيضاً: حدثنا محمد، حدثنا عفان بن مسلم عن وهيب عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر: «حديث : أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبداً» تفسير : فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك، فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ } وكذا رواه البخاري والنسائي في غير موضع من حديث خالد، وهو ابن مهران الحذاء، به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد عن أيوب عن عكرمة قال: لما نزلت: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يثب في الدرع وهو يقول: «حديث : سيهزم الجمع ويولون الدبر» تفسير : فعرفت تأويلها يومئذ. وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف: أن ابن جريج أخبرهم، أخبرني يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين، فقالت: نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة، وإني لجارية ألعب: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ} هكذا رواه ههنا مختصراً، ورواه في فضائل القرآن مطولاً، ولم يخرجه مسلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ جآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ } قومه معه {ٱلنُّذُرُ } الإِنذار على لسان موسى وهارون فلم يؤمنوا .
الشوكاني
تفسير : {ٱلنُّذُرُ} يجوز أن يكون جمع نذير، ويجوز أن يكون مصدر بمعنى: الإنذار كما تقدّم، وهي الآيات التي أنذرهم بها موسى، وهذا أولى لقوله: {كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا كُلَّهَا } فإنه بيان لذلك، والمراد بها: الآيات التسع التي تقدّم ذكرها {فَأَخَذْنَـٰهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } أي: أخذناهم بالعذاب أخذ غالب في انتقامه قادر على إهلاكهم لا يعجزه شيء، ثم خوّف سبحانه كفار مكة فقال: {أَكُفَّـٰرُكُمْ خَيْرٌ مّنْ أُوْلَـئِكُمْ } والاستفهام للإنكار، والمعنى النفي، أي: ليس كفاركم يا أهل مكة، أو يا معشر العرب خير من كفار من تقدّمكم من الأمم الذين أهلكوا بسبب كفرهم، فكيف تطمعون في السلامة من العذاب، وأنتم شرّ منهم. ثم أضرب سبحانه عن ذلك، وانتقل إلى تبكيتهم بوجه آخر هو أشد من التبكيت بالوجه الأوّل، فقال: {أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِى ٱلزُّبُرِ } والزبر هي الكتب المنزلة على الأنبياء، والمعنى: إنكار أن تكون لهم براءة من عذاب الله في شيء من كتب الأنبياء. ثم أضرب عن هذا التبكيت، وانتقل إلى التبكيت لهم بوجه آخر، فقال: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ } أي: جماعة لا تطاق لكثرة عددنا وقوّتنا، أو أمرنا مجتمع لا نغلب، وأفرد منتصراً اعتباراً بلفظ جميع. قال الكلبي: المعنى نحن جميع أمرنا ننتصر من أعدائنا، فردّ الله سبحانه عليهم بقوله: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ } أي: جمع كفار مكة، أو كفار العرب على العموم. قرأ الجمهور {سيهزم} بالتحتية مبنياً للمفعول. وقرأ ورش عن يعقوب: {سنهزم} بالنون وكسر الزاي ونصب الجمع. وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة بالتحتية مبنياً للفاعل، وقرىء بالفوقية مبنياً للفاعل {وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } قرأ الجمهور {يولون} بالتحتية، وقرأ عيسى، وابن أبي إسحاق، وورش عن يعقوب بالفوقية على الخطاب، والمراد بالدبر: الجنس، وهو في معنى الإدبار، وقد هزمهم الله يوم بدر، وولوا الأدبار، وقتل رؤساء الشرك، وأساطين الكفر، فلله الحمد. {بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ } أي: موعد عذابهم الأخرويّ، وليس هذا العذاب الكائن في الدنيا بالقتل والأسر والقهر، وهو تمام ما وعدوا به من العذاب، وإنما هو مقدّمة من مقدّماته وطليعة من طلائعه، ولهذا قال: {وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ } أي: وعذاب الساعة أعظم في الضرّ وأفظع، مأخوذ من الدهاء، وهو النكر والفظاعة، ومعنى أمرّ: أشد مرارة من عذاب الدنيا، يقال: دهاه أمر كذا، أي: أصابه دهواً ودهياً. {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ } أي: في ذهاب عن الحقّ وبعد عنه، وقد تقدّم في هذه السورة تفسير {وَسُعُرٍ }، فلا نعيده {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } والظرف منتصب بما قبله، أي: كائنون في ضلال وسعر يوم يسحبون، أو بقول مقدّر بعده، أي: يوم يسحبون يقال لهم: {ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أي: قاسوا حرّها وشدّة عذابها، وسقر: علم لجهنم. وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بإدغام سين {مسّ} في سين {سقر} {إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } قرأ الجمهور بنصب "كل" على الاشتغال. وقرأ أبو السماك بالرفع، والمعنى: أن كل شيء من الأشياء خلقه الله سبحانه ملتبساً بقدر قدّره، وقضاء قضاه سبق في علمه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، والقدر: التقدير، وقد قدّمنا الكلام على تفسير هذه الآية مستوفى. {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } أي: إلا مرة واحدة، أو كلمة واحدة كلمح بالبصر في سرعته، واللمح: النظر على العجلة والسرعة. وفي الصحاح لمحه وألمحه: إذا أبصره بنظر خفيف، والاسم اللمحة. قال الكلبي: وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلاّ كطرف البصر. {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَـٰعَكُمْ } أي: أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم، وقيل: أتباعكم وأعوانكم {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } يتذكر ويتّعظ بالمواعظ، ويعلم أن ذلك حق، فيخاف العقوبة، وأن يحل به ما حلّ بالأمم السالفة {وَكُلُّ شَىْء فَعَلُوهُ فِى ٱلزُّبُرِ } أي: جميع ما فعلته الأمم من خير أو شرّ مكتوب في اللوح المحفوظ، وقيل: في كتب الحفظة {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } أي: كل شيء من أعمال الخلق وأقوالهم وأفعالهم مسطور في اللوح المحفوظ صغيره وكبيره، وجليله وحقيره، يقال: سطر يسطر سطراً كتب، وأسطر مثله. ثم لما فرغ سبحانه من ذكر حال الأشقياء ذكر حال السعداء فقال: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ } أي: في بساتين مختلفة، وجنان متنوعة، وأنهار متدفقة. قرأ الجمهور: {ونهر} بفتح الهاء على الإفراد، وهو جنس يشمل أنهار الجنة، وقرأ مجاهد، والأعرج، وأبو السماك بسكون الهاء وهما لغتان، وقرأ أبو مجلز، وأبو نهشل، والأعرج، وطلحة بن مصرف، وقتادة (نهر) بضم النون، والهاء على الجمع {فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ } أي: في مجلس حقّ لا لغو فيه ولا تأثيم، وهو الجنة {عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } أي قادر على ما يشاء لا يعجزه شيء، و{عند} هنا كناية عن الكرامة، وشرف المنزلة، وقرأ عثمان البستي: (في مقاعد صدق). وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس {أَكُفَّـٰرُكُمْ خَيْرٌ مّنْ أُوْلَـئِكُمْ } يقول: ليس كفاركم خير من قوم نوح، وقوم لوط. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن منيع، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عنه في قوله: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } قال: كان ذلك يوم بدر قالوا: {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ } فنزلت هذه الآية. وفي البخاري، وغيره عنه أيضاً أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر: «حديث : أنشدك عهدك ووعدك، اللَّهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبداً»تفسير : ، فأخذ أبو بكر بيده، وقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك، فخرج، وهو يثب في الدرع، ويقول: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ * بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ }. وأخرج مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل شيء بقدر حتى العجز، والكيس». وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } قال: مسطور في الكتاب.
الماوردي
تفسير : {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ} يعني أكفاركم خير من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم. {أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزُّبُرِ} يعني في الكتب السالفة براءة من الله تعالى أنكم ليس تهلكون كما أهلكوا، ومنه قول الشاعر: شعر : وترى منها رسوماً قد عفت مثل خط اللام في وحي الزبر تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} يعني بالعدد والعدة، وقد كان من هلك قبلهم أكثر عدداً وأقوى يداً، ويحتمل انتصارهم وجهين: أحدهما: [لأنفسهم بالظهور]. الثاني: لآلهتهم بالعبادة. فرد الله عليهم فقال: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيْوَلُّونَ الدُّبُرَ} يعني كفار قريش وذلك يوم بدر، وهذه معجزة أوعدهم الله بها فحققها، وفي ذلك يقول حسان: شعر : ولقد وليتم الدبر لنا حين سال الموت من رأس الجبل تفسير : {بَلِ الْسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} يعني القيامة. {وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن موقف الساعة أدهى وأمر من موقف الدنيا في الحرب التي تولون فيها الدبر. الثاني: أن عذاب الساعة أدهى وأمر من عذاب السيف في الدنيا. وفي قوله {أدْهَى} وجهان: أحدهما: أخبث. الثاني: أعظم. {وَأَمَرُّ} فيه وجهان: أحدهما: معناه أشد لأن المرارة أشد الطعوم. الثاني: معناه أنفذ، مأخوذ من نفوذ المرارة فيما خالطته.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ} المراد بآله خواصُّه، والنُّذُر مُوسَى وهَارُونُ. ولقد يطلق لفظ الجمع على الاثنين. وقيل: المراد بآل فرعون القِبط. فإن قيل: ما الفائدة في قوله: "آلَ فِرْعَوْنَ" بدل "قَوْمِ فِرَعوْنَ"؟ فالجواب: أن القوم أعم من الآل فالقوم كل من يقوم الرئيس بأمرهم، أو يقومون هم بأمره وقوم فرعون: كانوا تحت قهره بحيث لا يخالفونه في قليل ولا كثير، فأرسل إليه الرسول وحده غير أنه كان عنده جماعة من المقربين مثل قَارُون. مقدم عنده لمالِهِ العَظِيم، وهَامَان لِدَهَائِهِ، فاعتبرهم الله في الإرسال، حيث قال في مواضع: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} تفسير : [الزخرف: 46] وقال: {أية : إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ} تفسير : [غافر: 24] وقال في العنكبوت: {أية : وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ} تفسير : [العنكبوت: 39] لأنهم إن آمنوا آمن الكل، بخلاف الأقوام الذين كانوا قبلهم وبعدهم، فقال: {وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ} وقال: {أية : أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [غافر: 46]. فإن قيل: كيف قال: "ولقد جاءهم" ولم يقل في غيره: جاء؟ فالجواب: لأن موسى - عليه الصلاة والسلام - لما جاءهم كان غائباً عن القوم فقدم عليهم، كما قال: {أية : فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ} تفسير : [الحجر: 61]، وقال تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [التوبة: 128] حقيقة أيضاً، لأنه جاءهم من الله من السموات بعد المعراج، كما جاء موسى قومه من الطور حقيقة. والنذر: الرسل وقد جاءهم يوسف وبنوه إلى أن جاءهم موسى. وقيل: النذر الإنذاراتُ. قوله: "كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا" فيه وجهان: أحدهما: أن الكلام تمّ عند قوله: {وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ} وقوله: "كَذَّبُوا" كلام مستأنف، والضمير عائد إلى كل مَنْ تقدم ذكرهم من قوم نوح إلى آل فرعون. والثاني: أن الحكاية مسوقةٌ على سياق ما تقدم فكأنه قيل: فَكَيْفَ كَانَ؟ فقال: كذبوا بآياتنا كلها فَأَخَذْنَاهُمْ. فعلى الوجه الأولى آياتنا كلها ظاهر، وعلى الثاني المراد بالآيات التي كانت مع موسى - عليه الصلاة والسلام - كالعصا، واليد، والسِّنِينَ، والطمسِ، والجرادِ، والطوفانِ، والجرادِ، والقُمَّلِ، والضفادعِ والدَّمِ. قوله: {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ} هذا مصدر مضاف لِفاعله، والمعنى أخَذْنَاهُمْ بالعذاب أخَذْ عَزِيزٍ غالب في انتقامه (مُقْتَدِرٍ) قادرٍ على إهلاكهم، لا يُعْجِزُه مَا أرَادَ. ثم خوف أهل مكة فقال: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ} أي أشد وأقوى من الذين أحللت بهم نِقْمَتي من قوم نوح وعاد وثمود، وقم لوط. وهذا استفهام بمعنى الإنكار، أي ليسوا بأقوى منهم، فمعناه نفي أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم. وقوله: "خَيْرٌ" مع أنه لا خير فيهم إما أن يكون كقول حسان: شعر : 4610-.......................... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ تفسير : أهو بحسب زعمهم، واعتقادهم، أو المراد بالخير شدة القوة، أو لأن كل مُمْكِن فلا بدّ وأن يكون فيه صفات محمودة، والمراد تلك الصفات. {أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ} أي في الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بالسلامة من العقوبة. وقال ابن عباس - ( رضي الله عنهما -) أم لكم في اللوح المحفوظ براءة من العذاب. قوله: "أَمْ يَقُولُونَ" العامة على الغيبة، وأبو حيوة وأبو البَرَهسم وموسى الأسوَاريّ بالخطاب، جرياً على ما تقدم من قوله: "كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ"... إلى آخره. والمعنى نحن جماعة لا نُطَاقُ لكثرة عددهمْ وقوتهم، ولم يقل: منتصرين اتباعاً لرؤوس الآي. وقال ابن الخطيب: قولهم: "جميعٌ" يحتمل الكثرة، والاتّفاق، ويحتمل أن يكون معناه نحن جميع الناس إشارة إلى أن من آمن لا عبرة به عندهم كقول قوم نوح: {أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ} تفسير : [الشعراء: 111] فيكون التنوين فيه عوضاً من الإضافة. وأفرد منتصر مراعاةً للفظ "جميع" أو يكون مرادهم كل واحد منتصر كقولك: كُلُّهُمْ عَالِمٌ أي كل واحد فيكون المعنى أن كل واحد منا غالب؛ فردّ الله تعالى عليهم بأنهم يهزمون جَمِيعُهُمْ. قوله: "سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ" العامة على سَيُهْزَمُ مبنياً للمفعول و "الجَمْعُ" مرفوعٌ به. وقرىء: سَتَهْزِمُ بتاء الخطاب، خطاباً للرسول - عليه الصلاة والسلام - "الْجَمْعَ" مفعول به. وأبو حيوة في رواية يعقوب: سَنَهْزِمُ بنون العظمة، و "الْجَمْعَ" منصوب أيضاً. وابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: سَيَهْزِمُ بياء الغيبة مبنياً للفاعل (الجَمْعَ) منصوب أي سيَهْزِمُ اللَّهُ. و "يُوَلُّونَ" العامة على الغيبة. وأبو حيوة وأبو عمرو - في رواية - وتُوَلُّونَ بتاء الخطاب، وهي واضحة والدُّبُر هنا اسم جنس، وحسن هنا لوقوعه فاصلةً بخلاف: {أية : لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ} تفسير : [الحشر: 12]. وقال الزمخشري: أي الأدبار، كما قال: شعر : 4611- كُلُوا فِي بَعْضِ بطْنِكُمُ تَصِحُّوا ............................ تفسير : وقرىء الأدبار. قال أبو حيان: وليس مثل بعضِ بَطْنِكُمْ؛ لأن الإفراد هنا له محسّن، ولا محسن لإِفراد بَطْنِكُمْ. قال ابن الخطيب: وأفْردَ "الدُّبُرُ" هنا وجُمع في غيره؛ لأن الجمع هو الأصل، لأن الضمير ينوب مناب تَكْرار العاطف فكأنه قيل: تولى هذا وهذا. وأفرد لمناسبة المقاطع. وفيه إشارة إلى أن جميعهم يكونون في الانهزام كشخص واحد، وأما قوله: {أية : فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} تفسير : [الأنفال: 15] فجمع لأن كل واحد برأسه منهيّ عن رأسه، وأما قوله: {أية : وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ} تفسير : [الأحزاب: 15] أي كل واحد قال: أنا أثبت ولا أوَلِّي دُبُرِي. فصل قال مقاتل: ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدم من الصف وقال: نحن نَقْتَصُّ اليومَ من مُحَمَّد وأصحابِهِ فأنزل الله تعالى: {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ}. وقال سعيد بن المسيب: "حديث : سمعت عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول: لما نزل: سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّون الدُّبُرَ كنت لا أدري أي جمع يهزم فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب في درعه ويقول: {سَيُهْزَمُ الجَمْع وَيُوَلُّون الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} أعظم نائبةً وأشدّ مرارةً من الأسر والقتل يوم بدر"تفسير : ، وفي رواية حديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يَثِبُ في دِرْعِهِ ويقول: "اللَّهُمَّ إنَّ قُرَيْشاً حَادَّتْكَ وتُحَادّ رَسُولَكَ بفَخْرِهَا بخَيْلِهَا فَأَخْنِهِمُ العَدَاوَةَ"، ثم قال: {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}تفسير : . وقال عمر - (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) -: فَعَرَفْتُ تَأْويلهَا. وهذا من معجزات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبعُ سِنينَ، فالآية على هذا مكية. وفي البخاري عن عائشةَ أمِّ المؤمنين - (رضي الله عنهما) - قالت: لقد أنْزِلَ على مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - بمكة، وإني لجارية ألعبُ: {بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ}. "حديث : وعن ابن عباس (- رضي الله عنهما -) أن النبي صلى الله عليه وسلم - قال وهو في قُبَّةٍ له يوم بدر: "أَنْشُدُكَ عَهْدَك ووَعْدَكَ، اللَّهمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْم أبداً". فأخذ أبو بكر بيده وقال: حَسْبُك يا رسول الله قد أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّك وهو في الدِّرع فخرج وهو يقول: سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيولُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ". تفسير : {بل الساعة موعدهم} يريد يوم القيامة {والساعة أدهى وأمر} مما لَحِقَهُمْ. فصل "أدْهَى" من الداهية وهي الأمر العظيم يقال: أَدْهَاهُ أَمْرُ كَذَا أي أصابه دَهْواً ودَهْياً. وقال ابن السِّكِّيت: دَهَتْهُ دَاهِيَةٌ دَهْوَاءُ ودَهْيَاءُ، وهي توكيد لها.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد جاء آل فرعون النذر} اكتفى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بالنذر اى وبالله لقد جاءهم الانذارات من جهة موسى وهرون عليهما السلام كأنه قيل فماذا فعلوا حنيئذ فقيل {كذبوا بآياتنا كلها} يعنى الآيات التسع وهى اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وحل عقدة من لسانه وانفلاق البحر {فأخذناهم} بالعذاب عند التكذيب {اخذ عزيز} لايغالب يعنى كرفتن غالبى كه مغلوب نكردد در كرفتن {مقتدر} لايعجزه شىء والمقصود ان الله تعالى هو العزيز المقتدر ولذا اخذهم بتكذيبهم ولم يمنعه من ذلك مانع والمراد بالعذاب هو الاغراق فى بحر القلزم او النيل، يقول الفقير لعل سر الغرق ان فرعون وصل الى موسى بسبب الماء الذى ساقه اليه فى تابوته فلم يشكر لانعمة الماء ولا نعمة موسى فانقلب الحال عليه بضد ذلك حيث اهلكه الله وقومه بالماء الذى هو سبب الحياة لغيرهم ووجه ادخال الطمس فى العذاب بالنسبة الى قوم لوط ودرج الطوفان ونحوه فى الآيات بالاضافة الى آل لوط ظاهر لان المقصود هو العذاب المتعلق بالوجود والطمس كذلك دون بعض آيات فرعون
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد جاء آلَ فرعونَ النُذُر} موسى وهارون، جمعهما لغاية ما عالجا في إنذارهم، أو: بمعنى الإنذار، وصدّر قصتهم بالتوكيد القسمي؛ لإبراز كمال الإعتناء بشأنها؛ لغاية عِظَم ما فيها من الآيات، وكثرتها، وهول ما لاقوه من العذاب، واكتفى بذكر آل فرعون؛ للعلم بأنَّ نفسه أولى بذلك، {كذَّبوا بآياتنا كلها} وهي التسع {فأخذناهم أَخْذَ عزيزٍ} لا يغالَب {مقتدرٍ} لا يعجزه شيء. الإشارة: النفوس الفراعنة، التي حكمت المشيئة بشقائها، لا ينفع فيها وعظ ولا تذكير؛ لأنَّ الكبرياء من صفة الحق، فمَن نازع اللّهَ فيها قصمة الله وأبعده. ثم هدّد قريشاً بما نزل على مَن قبلهم، فقال: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ}.
الطوسي
تفسير : قرأ روح وزيد {سنهزم} بالنون على وجه الاخبار من الله تعالى عن نفسه الباقون بالياء على ما لم يسم فاعله. اخبر الله تعالى عن آل فرعون انه جاءهم النذر. ويحتمل ان يكون جمع نذير، وهو الرسول المخوف. ويحتمل ان يكون المراد به الانذار على ما بيناه ومعناه إنه جاءهم التخويف من معاصي الله والوعيد عليها. ثم اخبر تعالى عنهم بأنهم {كذبوا بآياتنا} يعني حججنا وبراهيننا {كلها} وآل فرعون خاصته الذين كانوا ينضافون اليه بالقرابة. والموافقة فى المذهب، ويقال: آل القرآن آل الله، لأنهم بمنزلة الآل فى الخاصة والاضافة. والانذار الاعلام بموقع المخافة ليتقى. والنذر والانذار مثل النكر والانكار. وهو جمع نذير وهم الرسل. والداعي إلى تكذيب الرسل الشبهة الداخلة على العقلاء والتقليد والعادة السيئة وغير ذلك. ثم اخبر تعالى انه اخذهم بالعذاب والاهلاك {أخذ عزيز مقتدر} وهو القاهر الذي لا يقهر ولا ينال، مقتدر على جميع ما يريده لكثرة مقدوراته. ثم قال {أكفاركم} يعني قريش وأهل مكة {خير من أولئكم} الكفار، والمعنى إنهم ليسوا بخير من كفار قوم نوح وعاد وثمود. وقوله {أم لكم براءة في الزبر} معناه ألكم براءة فى الكتب المنزلة من عذاب الله. وقوله {أم يقولون نحن جميع منتصر} قال الزجاج: معناه أيقولون ذلك إدلالا بقوتهم. ويحتمل أن يكون أرادوا نحن جميع أي يد واحدة على قتاله وخصومته {منتصر} أي ندفعه عنا وينصر بعضنا بعضاً فقال الله تعال مكذباً لظنونهم {سيهزم الجمع} معناه إن جميعهم سيهزمون {ويولون الدبر} ولا يثبتون لقتالك، وكان كذلك فكان موافقته لما أخبر به معجزاً له لانه إخبار بالغيب قبل كونه، وانهزم المشركون يوم بدر وقتلوا وسبوا على ما هو معروف. ثم قال {بل الساعة} يعني القيامة {موعدهم} للجزاء لهم بأنواع العقاب والنيران وقوله {والساعة أدهى وأمر} فالأدهى الاعظم فى الدهاء. والدهاء عظم سبب الضرر مع شدة انزعاج النفس وهو من الداهية وجمعه دواه، والداهية البلية التي ليس فى إزالتها حيلة، والمراد ما يجري عليهم من القتل والاسر عاجلا لا يخلصهم من عذاب الآخرة بل عذاب الآخرة أدهى وأمر. والأمر الاشد في المرارة، وهي ضرب من الطعم به يكون الشيء مراً. ويحتمل الأمر الاشد في استمرار البلاء، لان الاصل التمرر. وقيل مرارة لشدة مرورها وطلبها الخروج بحدة. وقيل: الأمر الاشد مرارة من القتل والاسر.
الأعقم
تفسير : {ولقد جاء آل فرعون} أي قومه الذين اتبعوه في دينه {النذر} الآيات، وقيل: الرسل موسى وهارون {كذّبوا بآياتنا كلها} بالآيات التسع التي جاء بها موسى، وقيل: بجميع الآيات لأن التكذيب ببعضها تكذيب بكلها {فأخذناهم} بالعذاب {أخذ عزيز} قادر ولا يمتنع عليه شيء {مقتدر} على ما يشاء ثم خوف قومه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينزل بهم مثل ذلك، فقال: {أكفاركم خيرٌ من أولئكم} أي ليس كفار قريش خير من هؤلاء الذين تقدم ذكرهم لا في القوة ولا في العدد {أم لكم براءة في الزبر} من العذاب في الكتب السابقة وهذا إنكار، أي ليس لهم ذلك {أم يقولون نحن جميع منتصر} أي كما ليسوا بخير من أولئك ولا لهم براءة كذلك لا جمع لهم يمنعهم عذابي وينصرهم {سيهزم الجمع} يعني وإن جمعوا الجموع فإن الله يهزمها {ويولّون الدبر} قيل: يوم بدر {بل الساعة موعدهم} يعني يوم القيامة موعدهم جميعاً {والساعة أدهى} سميت بذلك لسرعة مجئيها إذ هي أعظم بلية وأشد مرارة من عذاب يوم بدر لأن عذاب النار يدوم {إن المجرمين} إلى آخر السورة نزلت في وفد نجران، وقيل: في القدرية من هذه الأمة وعن كعب نجد في التوراة أن القدرية {يسحبون} {على وجوههم} في النار، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : لعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً"، قيل: يا رسول الله ومن القدرية؟ قال: "قوم يعملون المعاصي يقولون الله قدرها عليهم" قيل: ومن المرجئة؟ قال: "هم قوم يقولون الايمان بلا عمل وقد علمنا أن المحبرة أعداء الرحمان وشهود الشيطان" تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : القدرية مجوس هذه الأمَّة" تفسير : {في ضلال} في ذهاب عن الحق وعن وجه النجاة، وقيل: في هلاك، {وسعر} نار مسعرة {يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسّ سقر} أي عذاب النار، والسقر جهنم، وقيل: باب من أبوابها {إنا كل شيء خلقناه بقدر} يعني كل شيء خلقناه على قدر معلوم، فاللسان على مقدار يصلح الكلام، واليد للبطش، والرجل للمشي، والعين للبصر، والاذن للسمع، والمعدة للطعام، وقيل: خلق النار بمقدار استحقاق أهلها، ومتى قيل: هلاّ حملتم ذلك على أفعال العباد وأنه خلق فيهم الخير والشر، قلنا: ليس في الظاهر ذلك لأن أفعالهم ليست بخلق الله تعالى لأن فيها الكفر والظلم {وما أمرنا إلاَّ واحدة كلمح بالبصر} قيل: أراد قيام الساعة، يعني إذا أردنا قيامها أعدنا السماوات والأرض وجميع المخلوقات في قدر لمح البصر بسرعة {ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدّكر} {وكل شيء فعلوه في الزبر} {وكل صغير وكبير مستطر} وعيد لهم، ولقد أهلكنا أشياعكم من كان على دينكم معتبر لكم، وقيل: الأمم السالفة فهل من مدَّكر؟ {وكل شيء فعلوه} الأتباع {في الزبر} في الكتب التي كتبها الحفظة، وقيل: في اللوح {وكل صغير وكبير} من أفعالهم {مستطر} مكتوب {إن المتقين} الذين اتقوا المعاصي {في جنات ونهر} أنهار جارية {في مقعد صدق} قيل: في مجلس حق لا لغو فيه وهو الجنة ووصف المكان بالصدق لأنه يدوم وغيره يزول {عند مليك مقتدر} قيل: في علم الله صائر إلى ذلك الموضع، وقيل: المكان الذي هيَّأه لأوليائه والمليك الملك، والمقتدر هو القادر تبارك وتعالى.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَونَ} تباعة واكتفى بذكرهم عن ذكره لانه اولى {النُّذُرُ} موسى وهارون وقيل وغيرهما من الانبياء لانهما عرضا عليهم ما انذر به المرسلون أو كتب موسى أو آياته التسع ويصح في النذر ان يكون مصدرا مفردا وكذا فيما سبق.
اطفيش
تفسير : {ولقد جاء آل فرعون النُّذر} حقيقة الإنذار وجنسه أو الانذارت، أو المنذرون الذين هم موسى وهارون ومن أعانهما من المؤمنين أوالأنبياء السابقون قبلهما، لأن الدعوة واحدة، ويدل لهذا قوله تعالى: {كذَّبوا بآياتنا كُلِّها} آيات الأشياء كلها، وهذا لابقاء العموم على ظاهره أولى من أن يقال: المراد آيات موسى التسع، ووجه التعبير بالتسع أنهن المعهودة على عهد فرعون، ودخل فرعون فى الكلام بالأولى، لأنه رأس قومه فى الكفر، وامامهم فيه، وكأنه قيل: ما فعل آل فرعون إذ جاءهم النذر؟ فقال: كذبوا ولما أشعر قوله تعالى: {ولقد جاء آل فرعون النذر} بالعقاب على نسق ما مر فى السورة من ذكر هذه العبارة فى العذاب، صار محلا، لأن يقال: فماذا وقع بهم؟ فأجاب بقوله: {فأخَذْناهم أخذ عَزيزٍ مُقْتَدر} بعد ذكره موجبه الذى هو تكذيبهم بالآيات كلها، وواو كذبوا وهاء اخذناهم لآل فرعون، لقرب ذكرهم، وليجرى على نسق ما قبله من ذكر كل قوم بما لاق بهم، وزعم بعضهم أن الضميرين لهؤلاء الأقربين، وهم آل فرعونه، ولمن ذكر قبل مع بعد، وأن الكلام تم فى قوله: {النذر} وهو خلاف الظاهر، وانما تم فى قوله: {أخذ عزيز مقتدر} والفاء تفريع وتسبب، والعزيز المقتدر الله تعالى، فالنصب على المفعولية المطلقة المجردة عن التشبيه، إذ ليس المراد تشبيه أخذه بأخذ أحد عزيز مقتدر، بل أراد للتعظيم بالعزة والاقتدار، وهو افتعال من القدرة للمبالغة، وهنا تم الكلام على الأمم فصرف الكلام على كفار هذه الأمة فقال: {أكفَّاركُم} معشر العرب، أو يا أهل مكة، ويلتحق بهم غيرهم، والخطاب إما للمؤمنين أو مع غيرهم، فيشكل عليه أنه يلزم أن يكون الاستفهام الانكارى فى الآية متوجها الى المؤمنين، مع أنه لا عتاب عليهم، وأيضا لا يناسبه قوله تعالى: {أم لكم براءة في الزبر} فانه لا يدعى المؤمنون أن لهم براءة فى الزبر، ويجاب بأن اللفظ خطاب عليهم لأجل كفارهم، والمراد به اسماع كفارهم، ويقدر مضاف أى أم لكفاركم براءة فى الزبر، واما للكفار بأن يخاطب كل كافر ينافى الكفار أو جرد منهم لشدة كفرهم كفاراً آخرين، ولم يقل أنتُم للنص على كفرهم. {خيرٌ} بالمال والعدد والعدة وقوة الأبدان وطول عمر {مِن أولئكُم} من قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وآل فرعون، لا بل أو أولئكم خير وقد أصابهم الهلاك بكفرهم، فكيف لا تخافون أن يصيبكم بكفركم، وقيل يجوز أكفاركم خير من أولئكم بلين الشكيمة فى الكفر، وفيه نظر، لأنا لا نسلم أن كفَّار العرب أو أهل مكة أشد كفرا، بل الأمم السابقة أشد كفرا {أمْ لَكُم بَراءةٌ} بل ألكم براءة، أى لكفاركم براءة من العقاب على كفركم {في الزُّبُرْ} الكتب السماوية، واختار بعض أن هذا الخطاب للكفار بالذات، والأول للمؤمنين أو مع غيرهم،وفيه تلوين الخطاب، وهو خلاف الظاهر.
الالوسي
تفسير : صدرت قصتهم بالتوكيد القسمي لإبراز كمال الاعتناء بشأنها لغاية عظم ما فيها من الآيات وكثرتها وهول ما لاقوه من العذاب وقوة إيجابها للاتعاظ والاكتفاء بذكر آل فرعون للعلم بأن نفسه أولى بذلك فإنه رأس الطغيان ومدعي الألوهية، والقول: بأنه إشارة إلى إسلامه مما لا يلتفت إليه. و {ٱلنُّذُرُ } إن كان جمع نذير بمعنى الإنذار فالأمر ظاهر وكذا إن كان مصدراً، وأما إن كان جمع نذير بمعنى المنذر فالمراد به موسى وهٰرون وغيرهما لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون أي وبالله تعالى لقد جاءهم المنذرون، أو الإنذارات، أو الإنذار.
ابن عاشور
تفسير : لما كانت عدوة موسى عليه السلام غير موجهة إلى أمة القبط، وغيرَ مراد منها التشريع لهم. ولكنها موجهة إلى فرعون وأهل دولته الذين بأيديهم تسيير أمور المملكة الفرعونية، ليسمحوا بإطلاق بني إسرائيل من الاستعباد، ويمكنوهم من الخروج مع موسى خص بالنذر هنا آل فرعون، أي فرعون وآله لأنه يصدر عن رأيهم، ألا ترى أن فرعون لم يستأثر بردّ دعوة موسى بل قال لمن حوله: {أية : ألا تستمعون}تفسير : [الشعراء: 25] وقال: {أية : فماذا تأمرون}تفسير : [الشعراء: 35] وقالوا: {أية : أرْجِهِ وأخاه}تفسير : [الشعراء: 36] الآية، ولذلك لم يكن أسلوب الإخبار عن فرعون ومن معه مماثلاً لأسلوب الإخبار عن قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط إذ صدر الإِخبار عن أولئك بجملة {أية : كذبت}تفسير : [القمر: 18]، وخولف في الإِخبار عن فرعون فصدر بجملة {ولقد جاء آل فرعون النذر} وإن كان مآل هذه الأخبار الخمسة متماثلاً. والآل: القرابَة، ويطلق مجازاً على من له شدة اتصال بالشخص كما في قوله تعالى: {أية : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}تفسير : [غافر: 46]. وكان الملوك الأقدمون ينوطون وزارتهم ومشاورتهم بقرابتهم لأنهم يأمنون كيدهم. والنُذر: جمع نذير: اسم مصدر بمعنى الإِنذار. ووجه جمعه أن موسى كرر إنذارهم. والقول في تأكيد الخبر بالقَسَم كالقول في نظائره المتقدمة. وإسناد التكذيب إليهم بناء على ظاهر حالهم وإلا فقد آمن منهم رجل واحد كما في سورة غافر. وجملة {كذبوا بآياتنا كلها} بدل اشتمال من جملة {جاء آل فرعون النذر} لأن مجيء النذر إليهم ملابس للآيات، وظهور الآيات مقارن لتكذيبهم بها فمجيء النذر مشتمل على التكذيب لأنه مقارنُ مقارنِهِ. وقوله: {بآياتنا} إشارة إلى آيات موسى المذكورة في قوله تعالى: {أية : فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد}تفسير : [الأعراف: 133] وهي تسع آيات منها الخمس المذكورة في آية الأعراف والأربع الأخر هي: انقلاب العصا حية، وظهور يده بيضاء، وسِنُو القحط، وانفلاق البحر بمرأى من فرعون وآله، ولم ينجع ذلك في تصميمهم على اللحاق ببني إسرائيل. وتأكيد {آياتنا} بــــ {كلِّها} إشارة إلى كثرتها وأنهم لم يؤمنوا بشيء منها، وتكذيبهم بآية انفلاق البحر تكذيب فعلي لأن موسى لم يَتحدَّهُم بتلك الآية وقوم فرعون لما رأوا تلك الآية عدّوها سحراً وتوهموا البحر أرضاً فلم يهتدوا بتلك الآية. والأخذ: مستعار للانتقام، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : أو يأخذهم في تقلّبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف} تفسير : في سورة النحل (46، 47). وهذا الأخذ: هو إغراق فرعون ورجالُ دولته وجنده الذين خرجوا لنصرتِه كما تقدم في الأعراف. وانتصب {أخذ عزيز مقتدر} على المفعولية المطلقة مبيناً لنوع الأخذ بأفظع ما هو معروف للمخاطبين من أخذ الملوك والجبابرة. والعزيز: الذي لا يغلب. والمقتدر: الذي لا يَعجِز. وأريد بذلك أنه أخْذ لم يبق على العدوّ أيّ إبقاء بحيث قطع دابر فرعون وآله.
الشنقيطي
تفسير : تضمنت هاتان الآيتان ثلاثة أمور: الأول: أن آل فرعون جاءتهم النذر. الثاني: أنهم كذبوا بآيات الله. الثالث: أن الله أخذهم أخذ عزيز مقتدر. وهذه الأمور الثلاثة المذكورة هنا جاءت موضحة في آيات أخر من كتاب الله، أما الأول منها وهو أن آل فرعون وقومه جاءهم النذر، فقد أوضحه تعالى في آيات كثيرة من كتابه. اعلم أولاً أن قوله {جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ} [القمر: 41]، قيل: هو جمع نذير وهو الرسول: وقيل هو مصدربمعنى الإنذار فعلى أنه مصدر. فقد بينت الآيات القرآنية بكثرة أن الذي جاءهم بذلك الإنذار هو موسى وهارون، وعلى أنه جمع نذير أي منذر، فالمراد به موسى وهارون، وقد جاء في آيات كثيرة إرسال موسى وهارون لفرعون كقوله تعالى في طه:{أية : فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ}تفسير : [طه: 47]. ثم بين تعالى إنذارهما له في قوله {أية : إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}تفسير : [طه: 48] ونحوها من الآيات، وفي هذه الآية سؤال معروف، وهو أن الله تبارك وتعالى أرسل لفرعون نبيين هما موسى وهارون، كما قال تعالى:{أية : فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 16] وهنا جمع النذر في قوله {وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُر}، وللعلماء عن هذا أجوبة. أحدها أن أقل الجمع اثنان كما هو المقرر في أصول مالك بن أنس رحمه الله، وعقده صاحب مراقي السعود بقوله: شعر : أقل معنى الجمع في المشتهر لاثنان في رأي الإمام الحمير تفسير : قالوا، ومنه قوله تعالى:{أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}تفسير : [التحريم: 4] ولهما قلبان فقط وقوله:{أية : فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ}تفسير : [النساء: 11] والمراد بالإخوة اثنان فصاعداً كما عليه الصحابة فمن بعدهم خلافاً لابن عباس، وقوله {أية : وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ}تفسير : [طه: 130] وله طرفان. ومنها ما ذكره الزمخشري وغيره من أن المراد بالنذر موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء، لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون. ومنها أن النذر مصدر بمعنى الإنذار. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق في الجواب، أن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع المرسلين، ومن كذب نذيراً واحداً فقد كذب جميع النذر، لأن أصل دعوة جميع الرسل واحدة، وهي مضمون لا إله إلا الله كما أوضحه تعالى بقوله:{أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ}تفسير : [النحل: 36] وقوله تعالى:{أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ}تفسير : [الأنبياء: 25]. وقوله تعالى:{أية : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}تفسير : [الزخرف: 45]. وأوضح تعالى أن من كذب بعضهم فقد كذب جميعهم في قوله تعالى:{أية : وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً}تفسير : [النساء: 150-151] الآية، وأشار إلى ذلك في قوله: {أية : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}تفسير : [البقرة: 285]. وقوله {أية : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}تفسير : [البقرة: 136] وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ}تفسير : [النساء: 152] الآية. وقد أوضح تعالى في سورة الشعراء أن تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع الرسل، وذلك في قوله: {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الشعراء: 105] ثم بين أن تكذيبهم للمرسلين إنما وقع بتكذيبهم نوحاً وحده، حيث فرد ذلك بقوله:{أية : إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ}تفسير : [الشعراء: 106] - إلى قوله -{أية : قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ}تفسير : [الشعراء: 117] وقوله تعالى:{أية : كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الشعراء: 123]، ثم بين أن ذلك بتكذيب هود وحده، حيث فرده بقوله: {أية : إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ}تفسير : [الشعراء: 124] ونحو ذلك في قوله تعالى في قصة صالح وقومه، ولوط وقومه، وشعيب وأصحاب الأيكة، كما هو معلوم، وهو واضح لا خفاء فيه، ويزيده إيضاحاً قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنا معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد"تفسير : يعني أنهم كلهم متفقون في الأصول وإن اختلفت شرائعهم في بعض الفروع. وأما الأمر الثاني: وهو كون فرعون وقومه كذبوا بآيات الله، فقد جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأعراف: 132]، وقوله تعالى:{أية : وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ}تفسير : [طه: 56]. وقوله تعالى:{أية : فَأَرَاهُ ٱلآيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ}تفسير : [النازعات: 20-21]. وقوله تعالى:{أية : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ}تفسير : [النمل: 12-14]. وأما الأمر الثالث وهو قوله تعالى:{أية : فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 42]، فقد جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى:{أية : وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الذاريات: 38] - إلى قوله - {أية : فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ}تفسير : [الذاريات: 40] وقوله تعالى: {أية : فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}تفسير : [طه: 78] وقوله تعالى:{أية : وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}تفسير : [البقرة: 50] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: {أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِر} يوضحه قوله تعالى:{أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}تفسير : [هود: 102]. وقد روى الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم تلا قوله تعالى {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ} الآية،تفسير : والعزيز الغالب، والمقتدر: شديد القدرة عظيمها.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 41- ولقد جاء آل فرعون الإنذارات المتتابعة. 42- كذبوا بآياتنا ومعجزاتنا التى جاءت على يد رسلنا، فأهلكناهم إهلاك قوى لا يُغْلَب. عظيم القدرة. 43- أأنتم - أيها الكفار - أقوى من أولئكم الأقوام السابقين الذين أهلكوا؟. بل ألكم براءة من العذاب فيما نزل من الكتب السماوية؟ 44- بل أيقول هؤلاء الكفار: نحن جمع مؤتلف ممتنع على أعدائه لا يغلب؟. 45- سيغلب هذا الجمع، ويفرون مولين الأدبار. 46- بل القيامة موْعد عذابهم، والقيامة أعظم داهية وأقسى مرارة. 47- إن المجرمين من هؤلاء وأولئك فى هلاك وجحيم مستعر. 48- يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم يقال لهم: قاسوا آلام جهنم وحرارتها. 49- إنا خلقنا كل شئ، خلقناه بتقدير على ما تقتضيه الحكمة. 50- وما أَمْرُنا لشئ أردناه إلا كلمة واحدة هى أن نقول له: "كن" فيكون فى سرعة الاستجابة كلمح البصر.
د. أسعد حومد
تفسير : {آلَ} (41) - وَلَقَدْ جَاءَ مُوسَى وَهَارُونُ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَومِهِ بِآياتٍ بَيِّنَاتٍ، وَمُعْجِزاتٍ بَاهِراتٍ (وَهِيَ تِسْعُ آيَاتٍ: اليَدُ والعَصَا والطُّوفَانُ وَالجَرَادُ.. الخ) وفِيها إِنْذَارٌ وَتَحْذِيرٌ إِذا اسْتَمَرُّوا مُقِيمِينَ عَلَى كُفْرِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ وَفَسَادِهِمْ في الأَرْضِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ } أي: فرعون وقومه { النُّذُرُ } فأرسل الله إليهم موسى الكليم، وأيده بالآيات الباهرات، والمعجزات القاهرات وأشهدهم من العبر ما لم يشهد عليه أحدا غيرهم فكذبوا بآيات الله كلها، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فأغرقهم في اليم هو وجنوده. والمراد من ذكر هذه القصص تحذير [الناس و] المكذبين لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ } أي: هؤلاء الذين كذبوا أفضل الرسل، خير من أولئك المكذبين، الذين ذكر الله هلاكهم وما جرى عليهم؟ فإن كانوا خيرا منهم، أمكن أن ينجوا من العذاب، ولم يصبهم ما أصاب أولئك الأشرار، وليس الأمر كذلك، فإنهم إن لم يكونوا شرا منهم، فليسوا بخير منهم، { أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ } أي: أم أعطاكم الله عهدا وميثاقا في الكتب التي أنزلها على الأنبياء، فتعتقدون حينئذ أنكم الناجون بإخبار الله ووعده؟ وهذا غير واقع، بل غير ممكن عقلا وشرعا، أن تكتب براءتهم في الكتب الإلهية المتضمنة للعدل والحكمة، فليس من الحكمة نجاة أمثال هؤلاء المعاندين المكذبين، لأفضل الرسل وأكرمهم على الله، فلم يبق إلا أن يكون بهم قوة ينتصرون بها، فأخبر تعالى أنهم يقولون: { نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ } قال تعالى مبينا لضعفهم، وأنهم مهزومون: { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ } فوقع كما أخبر، هزم الله جمعهم الأكبر يوم بدر، وقتل من صناديدهم وكبرائهم ما ذلوا به ونصر الله دينه ونبيه وحزبه المؤمنين. ومع ذلك، فلهم موعد يجمع به أولهم وآخرهم، ومن أصيب في الدنيا منهم، ومن متع بلذاته، ولهذا قال: { بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ } الذي يحازون به، ويؤخذ منهم الحق بالقسط، { وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ } أي: أعظم وأشق، وأكبر من كل ما يتوهم، أو يدور بالبال. { إِنَّ الْمُجْرِمِينَ } أي: الذين أكثروا من فعل الجرائم، وهي الذنوب العظيمة من الشرك وغيره، من المعاصي { فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ } أي: هم ضالون في الدنيا، ضلال عن العلم، وضلال عن العمل، الذي ينجيهم من العذاب، ويوم القيامة في العذاب الأليم، والنار التي تتسعر بهم، وتشتعل في أجسامهم، حتى تبلغ أفئدتهم. { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ } التي هي أشرف ما بهم من الأعضاء، وألمها أشد من ألم غيرها، فيهانون بذلك ويخزون، ويقال لهم: { ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ } أي: ذوقوا ألم النار وأسفها وغيظها ولهبها. { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } وهذا شامل للمخلوقات والعوالم العلوية والسفلية، أن الله تعالى وحده خلقها لا خالق لها سواه، ولا مشارك له في خلقها. وخلقها بقضاء سبق به علمه، وجرى به قلمه، بوقتها ومقدارها، وجميع ما اشتملت عليه من الأوصاف، وذلك على الله يسير، فلهذا قال: { وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ } فإذا أراد شيئا قال له كن فيكون كما أراد، كلمح البصر، من غير ممانعة ولا صعوبة. { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ } من الأمم السابقين الذين عملوا كما عملتم، وكذبوا كما كذبتم { فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } أي: متذكر يعلم أن سنة الله في الأولين والآخرين واحدة، وأن حكمته كما اقتضت إهلاك أولئك الأشرار، فإن هؤلاء مثلهم، ولا فرق بين الفريقين. { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ } أي: كل ما فعلوه من خير وشر مكتوب عليهم في الكتب القدرية { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ } أي: مسطر مكتوب، وهذا حقيقة القضاء والقدر، وأن جميع الأشياء كلها، قد علمها الله تعالى، وسطرها عنده في اللوح المحفوظ، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. { إِنَّ الْمُتَّقِينَ } لله، بفعل أوامره وترك نواهيه، الذين اتقوا الشرك والكبائر والصغائر. { فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ } أي: في جنات النعيم، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من الأشجار اليانعة، والأنهار الجارية، والقصور الرفيعة، والمنازل الأنيقة، والمآكل والمشارب اللذيذة، والحور الحسان، والروضات البهية في الجنان، ورضوان الملك الديان، والفوز بقربه، ولهذا قال: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ } فلا تسأل بعد هذا عما يعطيهم ربهم من كرامته وجوده، ويمدهم به من إحسانه ومنته، جعلنا الله منهم، ولا حرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا. تم تفسير سورة اقتربت، ولله الحمد والشكر
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):