Verse. 4889 (AR)

٥٤ - ٱلْقَمَر

54 - Al-Qamar (AR)

اَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ اُولٰۗىِٕكُمْ اَمْ لَكُمْ بَرَاۗءَۃٌ فِي الزُّبُرِ۝۴۳ۚ
Akuffarukum khayrun min olaikum am lakum baraatun fee alzzuburi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أكفاركم» يا قريش «خير من أولئكم» المذكورين من قوم نوح إلى فرعون فلم يعذروا «أم لكم» يا كفار قريش «براءة» من العذاب «في الزبر» الكتب والاستفهام في الموضعين بمعنى النفي أي ليس الأمر كذلك.

43

Tafseer

الرازي

تفسير : تنبيهاً لهم لئلا يأمنوا العذاب فإنهم ليسوا بخير من أولئك الذين أهلكوا وفيه مسائل: المسألة الأولى: الخطاب مع أهل مكة فينبغي أن يكون كفارهم بعضهم وإلا لقال: أنتم خير من أولئكم، وإذا كان كفارهم بعضهم فكيف قال: {أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ } ولم يقل: أم لهم كما يقول القائل: جاءنا الكرماء فأكرمناهم، ولا يقول: فأكرمناكم؟ نقول: الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن المراد منه أكفاركم المستمرون على الكفر الذين لا يرجعون وذلك لأن جمعاً عظيماً ممن كان كافراً من أهل مكة يوم الخطاب أيقنوا بوقوع ذلك، والعذاب لا يقع إلا بعد العلم بأنه لم يبق من القوم من يؤمن فقال: الذين يصرون منكم على الكفر يا أهل مكة خير، أم الذين أصروا من قبل؟ فيصح كون التهديد مع بعضهم، وأما قوله تعالى: {أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ } ففيه وجهان أحدهما: أم لكم لعمومكم براءة فلا يخاف المصر منكم لكونه في قوم لهم براءة وثانيهما: أم لكم براءة إن أصررتم فيكون الخطاب عاماً والتهديد كذلك، فالشرط غير مذكور وهو الإصرار. المسألة الثانية: ما المراد بقوله: {خَيْرٌ }، وقول القائل: خير يقتضي اشتراك أمرين في صفة محمودة مع رجحان أحدهما على الآخر ولم يكن فيهم خير ولا صفة محمودة؟ نقول: الجواب عنه من وجوه أحدها: منع اقتضاء الاشتراك يدل عليه قول حسان:شعر : (أتهجوه ولست له بكفء) فشركما لخيركما الفداء تفسير : مع اختصاص الخير بالنبي عليه السلام والشر بمن هجاه وعدم اشتراكهما في شيء منهما ثانيها: أن ذلك عائد إلى ما في زعمهم أي: أيزعم كفاركم أنهم خير من الكفار المتقدمين الذين أهلكوا وهم كانوا يزعمون في أنفسهم الخير، وكذا فيمن تقدمهم من عبدة الأوثان ومكذبي الرسل وكانوا يقولون: إن الهلاك كان بأسباب سماوية من اجتماع الكواكب على هيئة مذمومة ثالثها: المراد: أكفاركم أشد قوة، فكأنه قال: أكفاركم خير في القوة؟ والقوة محمودة في العرف رابعها: أن كل موجود ممكن ففيه صفات محمودة وأخرى غير محمودة فإذا نظرت إلى المحمودة في الموضعين وقابلت إحداهما بالأخرى، تستعمل فيها لفظ الخير، وكذلك في الصفات المذمومة تستعمل فيها لفظ الشر؟ فإذا نظرت إلى كافرين وقلت: أحدهما خير من الآخر فلك حينئذ أن تريد أحدهما خير من الآخر في الحسن والجمال، وإذا نظرت إلى مؤمنين يؤذيانك قلت: أحدهما شر من الآخر، أي في الأذية لا الإيمان فكذلك ههنا أكفاركم خير لأن النظر وقع على ما يصلح مخلصاً لهم من العذاب، فهو كما يقال أكفاركم فيهم شيء مما يخلصهم لم يكن في غيرهم فهم خير أم لا شيء فيهم يخلصهم لكن الله بفضله أمنهم لا بخصال فيهم. المسألة الثالثة: {أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ } إشارة إلى سبب آخر من أسباب الخلاص، وذلك لأن الخلاص إما أن يكون بسبب أمر فيهم أو لا يكون كذلك، فإن كان بسبب أمر فيهم وذلك السبب لم يكن في غيرهم من الذين تقدموهم فيكونون خيراً منهم وإن كان لا بسبب أمر فيهم فيكون بفضل الله ومسامحته إياهم وإيمانه إياهم من العذاب فقال لهم: أنتم خير منهم فلا تهلكون أم لستم بخير منهم لكن الله آمنكم وأهلكهم وكل واحد منهما منتف فلا تأمنوا، وقوله تعالى: {أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِى ٱلزُّبُرِ } إشارة إلى لطيفة وهي أن العاقل لا يأمن إلا إذا حصل له الجزم بالأمن أو صار له آيات تقرب الأمر من القطع، فقال: لكم براءة يوثق بها وتكون متكررة في الكتب، فإن الحاصل في بعض الكتب ربما يحتمل التأويل أو يكون قد تطرق إليه التحريف والتبديل كما في التوراة والإنجيل، فقال: هل حصل لكم براءة متكررة في كتب تأمنون بسببها العذاب فإن لم يكن كذلك لا يجوز الأمن لكن البراءة لم تحصل في كتب ولا كتاب واحد ولا شبه كتاب، فيكون أمنهم من غاية الغفلة وعند هذا تبين فضل المؤمن، فإنه مع ما في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، من الوعد لا يأمن وإن بلغ درجة الأولياء والأنبياء، لما في آيات الوعيد من احتمال التخصيص، وكون كل واحد ممن يستثنى من الأمة ويخرج عنها فالمؤمن خائف والكافر آمن في الدنيا، وفي الآخرة الأمر على العكس.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ} خاطب العرب. وقيل: أراد كفار أمّة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: ٱستفهام، وهو ٱستفهام إنكار ومعناه النفي؛ أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدّم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم. {أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ} أي في الكتب المنزلة على الأنبياء بالسلامة من العقوبة. وقال ٱبن عباس: أم لكم في اللوح المحفوظ براءة من العذاب. {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} أي جماعة لا تطاق لكثرة عددهم وقوتهم، ولم يقل منتصرين ٱتباعاً لرؤوس الآي؛ فرد الله عليهم فقال: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ} أي جمع كفار مكة، وقد كان ذلك يوم بدر وغيره. وقراءة العامة «سَيُهْزَمُ» بالياء على ما لم يسم فاعله «الْجَمْعُ» بالرفع. وقرأ رُوَيس عن يعقوب «سَنَهْزِمُ» بالنون وكسر الزاي «الْجَمْعَ» نصباً. {وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} قراءة العامة بالياء على الخبر عنهم. وقرأ عيسى وٱبن إسحاق ورُوَيس عن يعقوب «وَتُوَلُّونَ» بالتاء على الخطاب. و {ٱلدُّبُرَ } ٱسم جنس كالدرهم والدينار فوحّد والمراد الجمع لأجل رؤوس الآي. وقال مقاتل: ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدّم من الصّف وقال: نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه؛ فأنزل الله تعالى: {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ. سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}. وقال سعيد بن جبير حديث : قال سعد بن أبي وقّاص: لما نزل قوله تعالى: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} كنت لا أدري أي الجمع ينهزم، فلما كان يوم بَدْر رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم يَثِب في الدرع ويقول: اللهم إن قريشاً جاءتك تُحَادُّك وتُحادُّ رسولَك بفخرها و خُيَلائها فأخنهم الغداةَ ـ ثم قال ـ {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} فعرفت تأويلهاتفسير : . وهذا من معجزات النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر. أخنى عليه الدهر: أي أتى عليه وأهلكه، ومنه قول النابغة:شعر : أَخْنَـى عليـه الـذي أَخْنَـى علـى لُبَـدِ تفسير : وأخنيت عليه: أفسدت. قال ٱبن عباس: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين؛ فالآية على هذا مكية. وفي البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: لقد أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة وإني لجارية ألعب: {بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ}. وعن ٱبن عباسحديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر: «أَنْشدُكَ عهدَك ووعدَك اللّهم إن شئت لم تُعبدْ بعدَ اليوم أبداً» فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده وقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك؛ وهو في الدّرْع فخرج وهو يقول: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} {بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} يريد القيامة تفسير : . {وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ} أي أدهى وأمرّ مما لحقهم يوم بدر. و «أَدْهَى» من الداهية وهي الأمر العظيم؛ يقال: دهاه أمر كذا أي أصابه دهواً ودهياً. وقال ٱبن السكيت: دهته داهية دهواء ودهياء وهي توكيد لها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَكُفَّارُكُمْ } يا قريش {خَيْرٌ مّنْ أُوْلَٰئِكُمْ } المذكورين من قوم نوح إلى فرعون فلم يعذبوا؟ {أَمْ لَكُمْ } يا كفار قريش {بَرَآءَةٌ } من العذاب {فِى ٱلزُّبُرِ } الكتب؟ والاستفهام في الموضعين بمعنى النفي أي ليس الأمر كذلك.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَكُفَّارُكُمْ} ليس كفاركم خيراً ممن أهلك من القرون {بَرَآءَةٌ فِى الزُّبُرِ} الكتب السالفة أنكم لا تهلكون.

الخازن

تفسير : {أكفاركم خير من أولئكم} يعني أقوى وأشد من الذين أحللت بهم نقمتي مثل قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون وهذا استفهام إنكار، أي، ليسوا بأقوى منهم {أم لكم براءة} يعني من العذاب {في الزبر} أي في الكتب أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية {أم يقولون} يعني كفار مكة {نحن جميع} يعني أمرنا {منتصر} يعني من أعدائنا والمعنى: نحن يد واحدة على من خالفنا منصرون ممن عادانا. ولم يقل منصرون لموافقة رؤوس الآي. وقيل: معناه نحن كل واحد منا منتصر كما يقال: كلهم عالم، يعني: كل واحد منهم عالم. قال الله تعالى: {سيهزم الجمع} يعني كفار مكة {ويولون الدبر} يعني الأدبار فوحد لأجل رؤوس الآي. وقيل في الإفراد، إشارة إلى أنهم في التولية والهزيمة كنفس واحدة، فلا يتخلف أحد عن الهزيمة ولا يثبت أحد للزحف فَهُمْ في ذلك كرجل واحد (خ). عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة يوم بدر "حديث : اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد هذا اليوم أبداً فأخذ ابو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك فخرج وهو في الدرع وهو يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر" تفسير : {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} فصدق الله وعده وهزمهم يوم بدر. وقال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما نزلت سيهزم الجمع ويولون الدبر: كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في درعه ويقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر فعلمت تأويلها {بل الساعة موعدهم} يعني جميعاً والساعة أدهى وأمر، أي أعظم داهية وأشد مرارة من الأسر والقتل يوم بدر. قوله عز وجل: {إن المجرمين} يعني المشركين {في ضلال وسعر} قيل في بعد عن الحق وسعر أي نار تسعر عليهم. وقيل: في ضلال في الدنيا ونار مسعرة في الآخرة. وقيل: في ضلال، أي عن طريق الجنة وسعر أي عذاب الآخرة ثم بين عذابهم فقال تعالى: {يوم يسحبون} أي يجرون {في النار على وجوههم} ويقال لهم {ذوقوا مس سقر} أي ذوقوا أيها المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم مس سقر.

اسماعيل حقي

تفسير : {أكفاركم} يامعشر العرب {خير} عند الله قوة وشدة وعدة وعدة {من اولئكم} الكفار المعدودين قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون والمعنى انه اصابهم مااصابهم مع ظهور خيريتهم منكم فيما ذكر من الامور فهل تطمعون أن لايصيبكم مثل ذلك انتم شر منهم مكانا واسوء حالا {ام لكم برآءة فى الزبر} اضراب وانتقال من التبكيت بما ذكر الى التبكيت بوجه آخر اى بل الكم برآءة وامن من عذاب الله بمقابلة كفركم ومعاصيكم نازلة فى الكتب السماوية فلذلك تصرون على ما أنتم عليه وتأمنون بتلك البرآءة والمعنى به الانكار يعنى لم ينزل لكم فى الكتب السماوية ان من كفر منكم فهو فى امن من عذاب الله

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أكُفاركم} يا معشر العرب: أو: يا أهل مكة {خيرٌ من أُولئِكم} الكفار المعدودين في السورة؛ قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، والمعنى: أنه أصابهم ما أصابهم مع ظهور خيريتهم منكم قوةً وآلةً ومكانةً في الدنيا، أو: كانوا أقلّ منكم كفراً وعناداً، فهل تطمعون ألاَّ يُصيبكم مثل ما أصابهم، وأنتم شر منهم مكانةً، وأسوأ حالاً؟ {أم لكم براءةٌ في الزُبُر} أم نزلت عليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة: أنَّ مَن كفر منكم وكذّب الرسول كان آمناً مِن عذاب الله، فأمِنتم بتلك البراءة؟ {أم يقولون نحنُ جميعٌ} أي: جماعة أمرنا جميع {منتصِرٌ} ممتنع لا نُرام ولا نُضام، والالتفات للإيذان باقتضاء حالهم الإعراض عنهم، وإسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية قبائحهم لغيرهم، أي: أيقولون واثقين بشوكتهم: نحن أولو حزم ورأي، أمرنا مجتمع لا يقدَر علينا، أو: منتصرون من الأعداء، لا نغلب، أو: متناصرون، ينصر بعضُنا بعضاً. والإفراد باعتبار لفظ "جميع". {سيُهزم الجَمْعُ} جمع أهل مكة، {ويُولُّون الدُّبر} الأدبار. والتوحيد لإرادة الجنس، أو: إرادة أنّ كل منهم يُولّي دبره، وقد كان كذلك يوم بدر. قال عمر رضي الله عنه: لما نزلت: {سيهزم الجمع ويُولون الدبر} كنت لا أدري أي جمع يُهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يلبس الدرع، ويقول: {سيُهزم الجمع ويُولون الدبر} فعرفت تأويلها، فالآية مكية على الصحيح، {بل الساعةُ موعدُهُم} أي: ليس هذا تمام عقوبتهم، بل الساعة موعد أصل عذابهم، وهذا طلائعه، {والساعةُ أدْهَى وأَمرُّ} أي: أقصى غاية من الفظاعة والمرارة من عذاب الدنيا. والداهية: الأمر الفظيع الذي لا يُهْتَدَى إلى الخلاص منه، وإظهار الساعة في موضع إضمارها تربيةً لهولها. {إِنَّ المجرمين} من الأولين والآخرين {في ضلالٍ} عن الحق في الدنيا {وسُعُرٍ} ونيران تحرق في الآخرة، أو: لفي هلاك ونيران مسعرة، {يوم يُسحبون في النار} يُجرّون فيها {على وجوههم} ويقال لهم: {ذُوقوا مَسَّ سَقَرَ} أي: قيسوا حرها وأَلمها، كقولك: وَجَدَ مسَّ الحمَّى، وذاق طعم الضرب؛ لأن النار إذا أصابتهم بحرّها فكأنها تمسهم مسّاً بذلك، و"سقر" غير مصروف للعلمية والتعريف؛ لأنها علم لجهنم، من: سقَرتْه النار: إذا لَوّحتْه. الإشارة: ما قيل في منكري خصوصية النبوة، يُقال في منكري خصوصية الولاية إذا استغل بأذاهم، يعني: أنَّ مَن أنكر على الأولياء المتقدمين قد أصابهم ما أصابهم، إما ذُل في الظاهر، أو طرد في الباطن، وأنتم أيها المنكرون على أهل زمانكم مثلُهم. أمنتقدكم خير مِن أولئكم أم لكم براءة مِن العذاب في كتب الله تعالى؟ أم يقولون: نحن جميع، أي: مجتمعون على الدين، لا يُصيبنا ما أصاب الكفار، فيُقال لهم: سيُهزم جمعكم، ويتفرّق شملكم، وتُفضوا إلى ما أسلفتم، نادمين على ما فعلتم، ولن ينفع الندم حين تزل القدم، فتبقون في حسرة البُعد على الدوام، فالكفار حُرموا من جنة الزخارف، وأنتم تُحرمون من جنة المعارف، مع غم الحجاب وذُل البُعد عن الحضرة القدسية، إن المجرمين - وهم أهل الطعن والانتقاد - في ضلال عن طريق الوصول إلى الله، ونيران القطيعة، يوم يُسْبَحون على وجوههم، فينهمكون في الدنيا في الحظوظ والشهوات، وفي الآخرة في نار البُعد والقطيعة، على دوام الأوقات، ويقال لهم: ذُوقوا مرارةَ الحجاب وسوء الحساب، وكل هذا بقدر وقضاء سابق، كما قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}.

اطفيش

تفسير : {أَكُفَّارُكُمْ} يا أهل مكة أو معشر العرب. {خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ} الكفار المعدودين قوة وعدة في الدنيا أو أقل كفرا وعنادا يعني أن كفاركم مثل اولائكم الذين هم أقوام هود وصالح ونوح ولوط وفرعون بل شر منهم {أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ} من العذاب {فِى الزُّبُرِ} الكتب المقتدمة والاستفهام انكاري.

الالوسي

تفسير : {أَكُفَّـٰرُكُمْ خَيْرٌ مّنْ أُوْلَٰئِكُمْ } أي الكفار المعدودين قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، والمراد الخيرية باعتبار الدنيا وزينتها ككثرة القوة والشدة ووفور العدد والعدة، أو باعتبار لين الشكيمة في الكفر بأن يكون الكفار المحدث عنهم بالخيرية أقل عناداً وأقرب طاعة وانقياداً. وظاهر كلام كثير أن الخطاب هنا عام للمسلمين وغيرهم حيث قالوا: أكفاركم يا معشر العرب خير الخ والاستفهام إنكاري في معنى النفي فكأنه قيل: ما كفاركم خير من أولئكم الكفار المعدودين بأن يكونوا أكثر منهم قوة وشدة وأوفر عدداً وعدة، أو بأن يكونوا ألين شكيمة في الكفر والعصيان / والضلال والطغيان بل هم دونهم في القوة وما أشبهها من زينة الدنيا، أو أسوأ حالاً منهم في الكفر، وقد أصاب من هو خير ما أصاب فكيف يطمعون هم في أن لا يصيبهم نحو ذلك، وكذا قيل في الخطاب في قوله تعالى: {أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِى ٱلزُّبُرِ } وجعل بتقدير أم لكفاركم وهو إضراب وانتقال إلى تبكيت آخر فكأنه قيل: بل ألكفاركم براءة وأمن من تبعات ما يعملون من الكفر والمعاصي وغوائلها في الكتب السماوية فلذلك يصرون على ما هم عليه ولا يخافون، واختار بعضهم في هذا أنه خاص بالكفار.

ابن عاشور

تفسير : هذه الجملة كالنتيجة لحاصل القصص عن الأمم التي كذبت الرسل من قوم نوح فمن ذكر بعدهم ولذلك فُصِلت ولم تعطف. وقد غير أسلوب الكلام من كونه موجَّهاً للرسول صلى الله عليه وسلم إلى توجيهه للمشركين ليُنتقل عن التعريض إلى التصريح اعتناء بمقام الإِنذار والإِبلاغ. والاستفهام في قوله: {أكفاركم خير من أُولَٰئِكم} يجوز أن يكون على حقيقته، ويكون من المحسن البديعي الذي سماه السكاكي «سوْقَ المعلوم مساق غيره». وسماه أهل الأدب من قبله بــــ «تجاهل العارف». وعدل السكاكي عن تلك التسمية وقال لوقوعه في كلام الله تعالى نحو قوله: {أية : وإنا أو إياكم لعلى هُدىً أو في ضلال مبين}تفسير : [سبأ: 24] وهو هنا للتوبيخ كما في قول ليلى ابنة طريف الخارجية ترثي أخاها الوليد بن طريف الشيباني:شعر : أبا شَجر الخابُورِ ما لكَ مُورِقَا كأنَّك لَم تَجْزَع على ابنِ طريف تفسير : الشاهد في قولها: كأنك لم تجزع الخ. والتوبيخ عن تخطئتهم في عدم العذاب الذي حَلَّ بأمثالهم حتى كأنهم يحسبون كفّارهم خيراً من الكفّار الماضين المتحدَّث عن قصصهم، أي ليس لهم خاصية تربأ بهم عن أن يلحقهم ما لَحق الكفار الماضين. والمعنى: أنكم في عدم اكتراثكم بالموعظة بأحوال المكذبين السابقين لا تخلون عن أن أحد الأمرين الذي طمأنكم من أن يصيبكم مثل ما أصابهم. و{أم} للإِضراب الانتقالي. وما يقدر بعدها من استفهام مستعمل في الإِنكار. والتقدير: بل ما لكم براءة في الزبر حتى تكونوا آمنين من العقاب. وضمير {كفاركم} لأهل مكة وهم أنفُسُهم الكفارُ، فإضافة لفظ (كفار) إلى ضميرهم إضافة بيانية لأن المضاف صنف من جنس من أضيف هو إليه فهو على تقدير {مِن} البيانية. والمعنى: الكفارُ منكم خير من الكفار السالفين، أي أأنتم الكفار خير من أولئك الكفار. والمراد بالأَخْيَرية انتفاء الكفر، أي خير عند الله الانتقام الإِلهي وادعاء فارق بينهم وبين أولئك. والبراءة: الخلاص والسلامة مما يضرّ أو يشقّ أو يكلّف كلفة. والمراد هنا: الخلاص من المؤاخذة والمعاقبة. و{الزّبر}: جمع زبور، وهو الكتاب، وزبور بمعنى مزبور، أي براءة كتبت في كتب الله السالفة. والمعنى: ألكم براءة في الزبر أن كفاركم لا ينالهم العقاب الذي نال أمثالهم من الأمم السالفة. و{في الزبر} صفة {براءة}، أي كائنة في الزبر، أي مكتوبة في صحائف الكتب. وأفاد هذا الكلام ترديد النجاة من العذاب بين الأمرين: إما الاتصاف بالخيْر الإِلهي المشار إليه بقوله تعالى: {أية : إن أكرمكم عند الله أتقاكم}تفسير : [الحجرات: 13]، وإما المسامحة والعفو عما يقترفه المرء من السيئات المشار إليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لعل الله أطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»تفسير : . والمعنى انتفاء كلا الأمرين عن المخاطبين فلا مَأْمَنَ لهم من حلول العذاب بهم كما حلّ بأمثالهم. والآية تُوذن بارتقاب عذاب ينال المشركين في الدنيا دون العذاب الأكبر، وذلك عذاب الجوع الذي في قوله تعالى: {أية : فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين}تفسير : [الدخان: 10] كما تقدم، وعذاب السيف يوم بدر الذي في قوله تعالى: {أية : يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}تفسير : [الدخان: 16].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف، في الكلام على قوله تعالى:{أية : فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً}تفسير : [الزخرف: 8]، وفي صدر سورة الروم، وغير ذلك من المواضع.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أكفاركم خير من أولئكم: أي أكفاركم يا قريش خير من أولئكم الكفار المذكورين من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وملائه؟ فلذا هم لا يعذبون. أم لكم براءة في الزبر: أم لكم يا كفار قريش براءة من العذاب في الزبر أي الكتب الإِلهية. أم يقولون نحن جميع منتصر: أم يقولون أي كفار قريش نحن جميع أي جمع منتصر على محمد وأصحابه. سيهزم الجمع ويولون الدبر: أي سيهزم جمعهم ويولون الدبر هاربين منهزمين وكذلك كان في بدر. بل الساعة موعدهم: أي الساعة موعدهم بالعذاب والمراد من الساعة يوم القيامة. والساعة أدهى وأمر: أي وعذاب الساعة وأهوالها أي هي أي أعظم بلية وأمر أي أشد مرارة من عذاب الدنيا قطعاً. معنى الآيات: يقول تعالى مبكتا مشركي قريش مؤنباً إياهم وهم الذين إن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم يقول الله تعالى لهم: {أَكُفَّٰرُكُمْ} يا قريش خير من كفار الأمم السابقة كعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون فلذا هم آمنون من العذاب الذي نزل بكفار الآخرين، أم لكم براءة من العذاب جاءت في الكتب مسطورة اللَّهم لا ذا ولا ذاك ما كفاركم بخير من أولئكم، وليس لكم براءة في الزبر، وإنما أنتم ممهلون فإما أن تتوبوا وأما أن تؤخذوا. وقوله تعالى عنهم {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ} أي جمع منتصر على كل من يحاربنا ويريد أن يفرق جمعنا نعم قالوا هذا، ولكن سيهزم الجمع ويولون الدبر، وقد تم هذا في بدر بعد سنيات ثلاث أو أربع وهزم جمعهم في بدر وولوا الأدبار هاربين إلى مكة. وقوله تعالى {بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} أي الساعة التي ينكرونها ويكذبون بها هي موعد عذابهم الحق أما عذاب الدنيا فهو ليس شيء إذا قيس بعذاب الآخرة. {وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ} أي أعظم بلية وأكبر داهية تصيب الإِنسان وعذابها، {وَأَمَرُّ} أي وعذابها أمر من عذاب الدنيا كله. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان حقيقة يغفل عنها الناس وهي أن الكفر كله واحد ومورد للهلاك. 2- لا قيمة أبداً لقوة الإِنسان إزاء قوة الله تعالى. 3- صدق القرآن في إخباره بغيب لما يقع ووقع كما أخبر وهو آية أنه وحي الله وكلامه. 4- القيامة موعد لقاء البشرية كافة بحيث لا يتخلف عنه أحد.

القطان

تفسير : أم لكم براءة: أم عندكم كتابٌ فيه نجاتكم من العذاب. الزُبُر: جمع زبور، وهي الكتب السماوية. ويولّون الدبُر: يعطونكم ظهورهم عندما ينهزمون. أدهى: أعظم. وأمر: اشد مرارة. سعر: نيران مستعرة. سقَر: اسم من اسماء جهنم، ومسّ سقر: حرها، بقدَر: بتقدير حسب حكمة بالغة. وما أمرُنا الا واحدة: كن فيكون. كلمح بالبصر: كلمح البصر لشدة سرعته. أشياعكم: أشباهكم، وأتباعكم وانصاركم. مستطر: مكتوب. ونهَر: أنهار. في مقعد صدقٍ: في مكان مرضي. عند مليكٍ مقتدر: عظيم القدرة. يوجَّه الخطابُ هنا الى قريشٍ ومن والاهم. أكفاركم يا معشَر قريشٍ أقوى من تلك الأقوامِ التي ذُكرت، فأنتم لستم بأكثرَ منهم قوة، ولا أوفرَ عددا. وهل عندكم صكٌّ مكتوب فيه براءتكم من العذاب!. ام ان المشركين يقولون: نحن واثِقون بقوّتنا ونحن منتصِرون. وقد ردّ الله عليهم مقالَهم بأنهم سيُهزمون ويولّون الدبُر. وقد صدق الله وعدَه فهزمهم جميعاً ونصرَ رسولَه الكريم صلى الله عليه وسلّم. ثم بيّن الله أن الهزيمةَ هي عذابُ الدنيا، وان موعدَهم يومُ القيامة، فيه العذاب الشديد الذي ليس له مثيل، وكل عذابٍ دونَ جهنمَ بسيط وقليل. ففي ذلك اليوم يكون المجرمون من المشركين في هلاكٍ وجحيم مستعر، {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} ويقال لهم: {ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ} قاسوا عذابَ جهنم. ثم بين الله تعالى أن كلّ ما يوجد في هذا الكون يحدُث بقضائه وأمرِه وتقديره على ما تقتضيه حكمته، وان أمْرَه ينفَذُ بكلمة {أية : كُنْ فَيَكُونُ} تفسير : [البقرة: 117] بأسرعَ من لمح البصر. ثم بين لهم انه أهلكَ اقواماً كثيرا أشباههم فهل يعتبرون؟ وان كل شيء فعلوه في الدنيا سيَجِدونه مكتوباً مسجّلاً لا يغيبُ منه شيء. {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} كلّ صغيرٍ وكبير من الأعمال مسجَّل مسطور. وبعد ان بين مقام الكافرين وما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة، ذكر ما ينالُه المتقون من الكرامة عند ربهم في جنّاتٍ وأنهارٍ متعددة. {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ} في مجلسٍ كريم في ضيافةِ الرحمن الرحيم، القويّ العزيز، عظيمِ القدرة جلّ جلاله.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلَئِكُمْ} (43) - أَكُفَّارُكُم، أَيَّها المُشْرِكُونَ مِنْ قُريشٍ، خَيْرٌ وَأَفْضَلُ مِنْ كُفَّارِ الأُمَمِ السَّالِفَةِ الذِينَ أَبادَهُمُ اللهُ (أُولئِكُمْ)، أَمْ إِنَّكُمْ تَمْلِكُونَ بَرَاءَةً مِنَ اللهِ عَلى أَنَّهُ لَنْ يُوقِعَ بِكُمْ عَذَابَه وَنَكَالَهُ، فَأَنْتُمْ تَعْتَمِدُونَ عَلَى هذِهِ البَرَاءَةِ، وَتَطْمَئِنُّونَ إِليهَا؟. الزُّبُرِ - الصُّحُفِ أَوِ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ} وهي الكُتبُ. واحدُها زَبورٌ.