٥٤ - ٱلْقَمَر
54 - Al-Qamar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
44
Tafseer
الرازي
تفسير : تتميماً لبيان أقسام الخلاص وحصره فيها، وذلك لأن الخلاص إما أن يكون لاستحقاق من يخلص عن العذاب كما أن الملك إذا عذب جماعة ورأى فيهم من أحسن إليه فلا يعذبه، وإما أن يكون لأمر في المخلص كما إذا رأى فيهم من له ولد صغير أو أم ضعيفة فيرحمه وإن لم يستحق ويكتب له الخلاص، وإما أن لا يكون فيه ما يستحق الخلاص بسببه ولا في نفس المعذب مما يوجب الرحمة لكنه لا يقدر عليه بسبب كثرة أعوانه وتعصب إخوانه، كما إذا هرب واحد من الملك والتجأ إلى عسكر يمنعون الملك عنه، فكما نفى القسمين الأولين كذلك نفى القسم الثالث وهو التمتع بالأعوان وتحزب الإخوان، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في حسن الترتيب وذلك لأن المستحق لذاته أقرب إلى الخلاص من المرحوم، فإن المستحق لم يوجد فيه سبب العذاب والمرحوم وجد فيه ذلك، ووجد المانع من العذاب، وما لا سبب له لا يتحقق أصلاً، وماله مانع ربما لا يقوى المانع على دفع السبب، وما في نفس المعذب من المانع أقوى من الذي بسبب الغير، لأن الذي من عنده يمنع الداعية ولا يتحقق الفعل عند عدم الداعية، والذي من الغير بسبب التمتع لا يقطع قصده بل يجتهد وربما يغلب فيكون تعذيبه أضعاف ما كان من قبل، بخلاف من يرق له قلبه وتمنعه الرحمة فإنها وإن لم تمنعه لكن لا يزيد في حمله وحبسه وزيادته في التعذيب عند القدرة، فهذا ترتيب في غاية الحسن. المسألة الثانية: {جَمِيعٌ } فيه فائدتان إحداهما الكثرة والأخرى الاتفاق، كأنه قال: نحن كثير متفقون فلنا الانتصار ولا يقوم غير هذه اللفظة مقامها من الألفاظ المفردة، إنما قلنا: إن فيه فائدتين لأن الجمع يدل على الجماعة بحروفه الأصلية من ج م ع وبوزنه وهو فعيل بمعنى مفعول على أنهم جمعوا جمعيتهم العصبية، ويحتمل أن يقال: معناه نحن الكل لا خارج عنا إشارة إلى أن من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم لا اعتداد به قال تعالى في نوح: {أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ } تفسير : [الشعراء: 111] {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْى } تفسير : [هود: 27] وعلى هذا {جَمِيعٌ } يكون التنوين فيه لقطع الإضافة كأنهم قالوا: نحن جمع الناس. المسألة الثالثة: ما وجه إفراد المنتصر مع أن نحن ضمير الجمع؟ نقول: على الوجه الأول ظاهر لأنه وصف الجزء الآخر الواقع خبراً فهو كقول القائل: أنتم جنس منتصر وهم عسكر غالب والجميع كالجنس لفظه لفظ واحد، ومعناه جمع فيه الكثرة، وأما على الوجه الثاني فالجواب عنه من وجهين أحدهما: أن المعنى وإن كان جميع الناس لا خارج عنهم إلا من لا يعتد به، لكن لما قطع ونون صار كالمنكر في الأصل فجاز وصفه بالمنكر نظراً إلى اللفظ فعاد إلى الوجه الأول وثانيهما: أنه خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون أحد الخبرين معرفة والآخرين نكرة، قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ * ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } تفسير : [البروج: 14 ـ 16] وعلى هذا فقوله: {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ } أفرده لمجاورته {جَمِيعٌ }، ويحتمل أن يقال معنى: {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ } أن جميعاً بمعنى كل واحد كأنه قال: نحن كل واحد منا منتصر، كما تقول: هم جميعهم أقوياء بمعنى أن كل واحد منهم قوي، وهم كلهم علماء أي كل واحد عالم فترك الجمع واختار الإفراد لعود الخبر إلى كل واحد فإنهم كانوا يقولون: كل واحد منا يغلب محمداً صلى الله عليه وسلم كما قال أبي بن خلف الجمحي وهذا فيه معنى لطيف وهو أنهم ادعوا أن كل واحد غالب، والله رد عليهم بأجمعهم بقوله:
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ } أي كفار قريش {نَحْنُ جَمِيعٌ } أي جمع {مُّنتَصِرٌ } على محمد ولما قال أبو جهل يوم بدر إنا جمع منتصر نزل:
ابن عبد السلام
تفسير : {مُّنتَصِرٌ} لآلهتهم بالعبادة، أو لأنفسهم بالظهور.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {سيهزم الجمع ويولون الدبر} قال: كان ذلك يوم بدر قالوا {نحن جميع منتصر} فنزلت هذه الآية. وأخرج البخاري والنسائي وابن المنذر والطبراني وأبو نعيم في الدلائل وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر: "حديث : أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبداً، فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك، فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يثب في الدرع يوم بدر ويقول "حديث : هزم الجمع وولوا الدبر ". تفسير : وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وأنا بمكة وإني لجارية ألعب {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} . وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أنزل الله على نبيه بمكة قبل يوم بدر {سيهزم الجمع ويولون الدبر} فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله أي جمع سيهزم؟ فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم مصلتا بالسيف وهو يقول {سيهزم الجمع ويولون الدبر} وكانت ليوم بدر فأنزل الله فيهم {أية : حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب}تفسير : [المؤمنون: 64] الآية وأنزل الله {أية : ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً}تفسير : [إبراهيم: 28] الآية ورماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوسعتهم الرمية وملأت أعينهم وأفواههم، حتى إن الرجل ليقتل وهو يقذي عينيه، فأنزل الله {أية : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}تفسير : [الأنفال: 17]. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما نزلت {سيهزم الجمع ويولون الدبر} قال عمر رضي الله عنه: جعلت أقول: أي جمع سيهزم؟ حتى كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع وهو يقول {سيهزم الجمع ويولون الدبر} فعرفت تأويلها يومئذ. وأخرجه ابن جرير ومن وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما موصولاً. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية رضي الله عنه {سيهزم الجمع ويولون الدبر} قال: يوم بدر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: "حديث : هزموا وولوا الدبر ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله {والساعة أدهى وأمر} قال: ذكر الله قوم نوح وما أصابهم من العذاب، وذكر عاداً وما أصابهم من الريح، وذكر ثمود وما أصابهم من الصيحة، وذكر قوم لوط وما أصابهم من الحجارة، وذكر آل فرعون وما أصابهم من الغرق، فقال: {أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر} إلى قوله {والساعة أدهى وأمر} يعني أدهى مما أصاب أولئك وأمرّ. وأخرج ابن المبارك في الزهد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بادروا بالأعمال سبعاً ما ينتظر أحدكم إلا غنى مطغياً أو فقراً منسياً أو مرضاً مفسداً أو هرماً مفنداً أو موتاً مجهزاً أو الدجال، والدجال شر غائب ينتظر أو الساعة {والساعة أدهى وأمر} ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن معقل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله جعل عقوبة هذه الأمة السيف وجعل موعدهم الساعة {والساعة أدهى وأمر} ".
ابو السعود
تفسير : وقولُه تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} إضرابٌ من التبكيتِ المذكورِ إلى وجهٍ آخرَ من التبكيتِ. والالتفاتُ للإيذانِ باقتضاءِ حالِهم للإعراضِ عنهُم وإسقاطِهم عن رتبةِ الخطابِ وحكايةِ قبائِحهم لغيرِهم أي بلْ أيقولونَ واثقينَ بشوكتِهم نحنُ أولُو حزمٍ ورأيٍ أمرُنا مجتمعٌ لا نُرامُ ولا نُضامُ أو منتصرٌ من الأعداءِ لا نُغلبُ أو متناصرٌ بعضُنا بعضاً. والإفرادُ باعتبارِ لفظِ الجميعِ. وقولُه تعالَى: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ} ردٌّ وإبطالٌ لذلكَ، والسينُ للتأكيدِ أي يُهزم جمعُهم البتةَ {وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} أي الأدبارَ وقد قُرِىءَ كذلكَ. والتوحيدُ لإرادةِ الجنسِ أو إرادةِ أن كلّ واحدٍ منهم يولِّي دبرَه وقد كان كذلكَ يومَ بدرٍ. (قال سعيدُ بنُ المسيِّبِ: سمعتُ عمَر بنَ الخطابِ رضيَ الله عنُهُ يقولُ: لما نزلتْ سُيهزمُ الجمعُ ويولونَ الدبرَ كنتَ لا أدرِي أيَّ جمعٍ يُهزمُ فلمَّا كانَ يومَ بدرٍ رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يلبَسُ الدرعَ ويقولُ: {سُيهزمُ الجمعُ ويولونَ الدبرَ} فعرفتُ تأويلَها). وقُرِىءَ سَيهزمُ الجمعَ أي الله عزَّ وعَلاَ {بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} أي ليسَ هَذا تمامَ عقوبتِهم، بلِ الساعةُ موعدُ أصلِ عذابِهم وهَذا من طلائعِه {وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ} أي في أقصى غايةٍ من الفظاعةِ والمرارةِ. والداهيةُ الأمرُ الفظيعُ الذي لا يُهتدَى إلى الخلاصِ عنْهُ. وإظهارُ الساعةِ في موقعِ إضمارِها لتربـيةِ تهويلها. {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ} من الأولينَ والآخرينَ {فِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ} أي في هلاكٍ ونيرانٍ مسعرةٍ وقيلَ: في ضلال عن الحقِّ في الدُّنيا، ونيرانٍ في الآخرةِ. وقولُه تعالَى: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ} الخ منصوبٌ إمَّا بما يُفهمُ من قولِه تعالَى في ضلالٍ أي كائنونَ في ضلالٍ وسعرٍ يومَ يجرونَ {فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} وإما بقول مقدر بعده أي يوم يسحبون يقال لهم {ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ} أي قاسُوا حرَّها وألمَها. وسقرُ علمُ جهنَّم ولذلكَ لم يُصرفْ منْ سقرتْهُ النارُ وصقرتْهُ إذا لوَّحتْهُ. والقولُ المقدرُ على الوجهِ الأولِ حالٌ من ضميرِ يسحبونَ. {إِنَّا كُلَّ شَىْء} من الأشياءِ {خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ} أي ملتبساً بقدرٍ معينٍ اقتضْتُه الحكمةُ التي عليَها يدورُ أمرُ التكوينِ أو مقدراً مكتوباً في اللوحِ قبلَ وقوعِه. وكلَّ شيءٍ منصوبٌ بفعلٍ يفسرُه ما بعَدُه وقُرىءَ بالرفعِ على أنَّه مبتدأٌ وخلقناهُ خبرُهُ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ام يقولون} جهلا منهم {نحن جميع منتصر} تبكيت والالتفات للايذان باقتضاء حالهم للاعراض عنهم واسقاطهم عن رتبة الخطاب وحكاية قبائحهم لغيرهم يقال نصره من عدوه فانتصر اى منعه فامتنع اى بل أيقولون واثقين بشوكتهم نحن اولوا حزم ورأى امرنا مجتمع لانرام ولانضام او منتصر من الاعدآء منتقم لانغلب او متناصر بنصر بعضنا بعض على أن يكون افتعل بمعنى تفعل كاختصم والافراد فى منتصر باعتبار لفظ الجميع قال ابو جهل وقد ركب يوم بدر فرسا كميتا كان يعلفه كل يوم فرقا من ذرة وقد حلف انه يقتل محمدا صلى الله عليه وسلم نحن تنتصر اليوم من محمد واصحابه فقتلوه يومئذ وجر رأسه الى رسول الله ابن مسعود رضى الله عنه وفيه اشارة الى كفار صفات النفس واختلاف انواعها مثل البهيمة والسبعية والشيطانية والهوآئية والحيوانية وتناصر بعضها بنصر بعض وتعاون بعض بمعاونة بعض
الجنابذي
تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ} التفات من الخطاب {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} بل ايعتمدون على جماعتهم وعصابتهم ويقولون: نحن متّفقون ومنتصرون ممّن اراد بنا سوءً ولو كان المريد الله او الملائكة، ووحّد منتصراً لملاحظة لفظ جميعٍ فانّه مفرد فى اللّفظ كالكلّ وان كان معناه جمعاً، وللاشارة الى انّ الجماعة المتّفقة تكون كالرّجل الواحد، او الضّمير لكلّ واحدٍ اى نحن جميع ومنتصر كلّ واحدٍ منّا ممّن يخالفنا فكيف بجماعتنا.
اطفيش
تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمٍيعٌ} جماعة أمرنا مجمتع منتصرون بقوتنا كما قال. {مُّنتَصِرٌ} ممتنع لا يرام أو منتصر على الأعداء ومحمدا وينصر بعضه بعضا وافراده نظر للفظ جميع وهو نعته فلا حاجة الى ان نقول أفرد لرؤوس الاي أو الى أن نقول أفرد على معنى كل واحد منا منتشر وهذا أولى من الذي قبله قيل ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فقدم في الصف واقل: ننتصر اليوم من محمد وأصحابه فنزل.
اطفيش
تفسير : {أم يَقُولُون} بل ايقولون، وهذا على طريق الالتفات الى الكفار خاصة بالغيبة بعد الخطاب لهم، أو مع غيرهم لاسقاطهم عن ربتة الخطاب لشدة قبائحهم {نَحنُ جَميعٌ} جماعة {مُنتصرٌ} أمرنا مجتمع لا يرام ولا يضام، أو منتصر من الأعداء، أو منتقم منهم، أو ممتنع لا يغلب أو ينصر بعضنا بعضا، أو منتصرون على جنود الله تعالى، وأفرد منتصر رعاية للفظ جميع.
الالوسي
تفسير : وقالوا في قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ } إنه إضراب من التبكيت المذكور إلى تبكيت آخر بطريق الالتفات للإيذان بإفضاء حالهم إلى الإعراض عنهم وإسقاطهم عن رتبة الخطاب وحكاية قبائحهم لغيرهم، أي بل أيقولون واثقين بشوكتهم نحن جماعة أمرنا مجتمع لا يرام ولا يضام، أو منتصر من الأعداء لا يغلب، أو متناصر ينصر بعضنا بعضاً. والذي يترجح في نظر الفقير أن الخطاب في الموضعين خاص على ما يقتضيه السياق بكفار أهل مكة أو العرب وهو ظاهر في الموضع الثاني لا يحتاج إلى شيء، وأما في الموضع الأول فوجهه أن تكون الإضافة مثلها في الدراهم كلها كذا، وطور سيناء، ويوم الأحد ولم يقل أأنتم للتنصيص على كفرهم المقتضي لهلاكهم، ويجوز أن يعتبر في { أية : أَكُفَّـٰرُكُمْ } تفسير : [القمر: 43] ضرب من التجريد الذي ذكروه في نحو { أية : لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ } تفسير : [فصلت: 28] فكأنه جرد منهم كفار وأضيفوا إليهم، وفي ذلك من المبالغة ما فيه، ويجوز أن يكون هذا وجهاً للعدول عن أأنتم، وربما يترجح به كون الخيرية المنفية باعتبار لين الشكيمة في الكفر، وكأنه لما خوف سبحانه الكفار الذين كذبوا الآيات وأعرضوا عنها وقالوا هي سحر مستمر بذكر ما حل بالأمم السالفة مما تبرق وترعد منه أسارير الوعيد قال عز وجل لهم: لم لا تخافون أن يحل بكم مثل ما حل بهم أأنتم أقل كفراً وعناداً منهم ليكون ذلك سبباً للأمن من حلول نحو عذابهم بكم أم أعطاكم الله عز وجل براءة من عذابه أم أنتم أعز منهم منتصرون على جنود الله تعالى؟ وعدل سبحانه عن أم أنتم جميع منتصر إلى ما في النظم الجليل للإشارة إلى أن ذلك مما لا تحقق له أصلاً إلا باللفظ ومحض الدعوى التي لا يوافق عليها، فتأمل فأسرار كلام الله تعالى لا تتناهى، ثم لا تعجل بالاعتراض على ما قلناه وإن لم يكن لنا سلف فيه حسبما تتبعنا. ثم إن {جَمِيعٌ } على ما أشير إليه بمعنى الجماعة التي أمرها مجتمع وليس من التأكيد في شيء بل هو خبر {نَحْنُ }، وجوز أن يكون بمعنى مجتمع خبر مبتدأ محذوف وهو أمرنا والجملة خبر {نَحْنُ } وأن يكون هو الخبر والإسناد مجازي، و {مُّنتَصِرٌ } على ما سمعت إما بمعنى ممتنع يقال: نصره فانتصر إذا منعه فامتنع. والمراد بالامتناع عدم المغلوبية أو هو بمعنى منتقم من الأعداء أو هو من النصر بمعنى العون؛ والافتعال بمعنى التفاعل كالاختصام والتخاصم. وكان الظاهر منتصرون إلا أنه أفرد باعتبار لفظ الجميع فإنه مفرد لفظاً، جمع معنى، ورجح هناجانب اللفظ عكس { أية : بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } تفسير : [النمل: 55] لخفة الإفراد مع رعاية الفاصلة وليس في الآية رعاية جانب المعنى أولاً، ثم رعاية جانب اللفظ ثانياً على عكس المشهور، وإن كان ذلك جائزاً على الصحيح كما لا يخفى على الخبير. وقرأ أبو حيوة وموسى الأسواري وأبو البرهسم ـ أم تقولون ـ بتاء الخطاب.
ابن عاشور
تفسير : {أم} منقطعة لإِضراب انتقالي. والاستفهام المقدر بعد (أم) مستعمل في التوبيخ، فإن كانوا قد صرحوا بذلك فظاهر، وإن كانوا لم يصرحوا به فهو إنباء بأنهم سيقولونه. وعن ابن عباس: أنهم قالوا ذلك يوم بَدر. ومعناه: أن هذا نزل قبلَ يوم بدر لأن قوله: {سيهزم الجمع} إنذار بهزيمتهم يوم بدر وهو مستقبل بالنسبة لوقت نزول الآية لوجود علامة الاستقبال. وغير أسلوب الكلام من الخطاب الموجه إلى المشركين بقوله: {أية : أكفاركم خير}تفسير : [القمر: 43] الخ إلى أسلوب الغيبة رجوعاً إلى الأسلوب الجاري من أول السورة في قوله: {أية : وإن يروا آية يعرضوا}تفسير : [القمر: 2] بعد أن قُضي حق الإِنذار بتوجيه الخطاب إلى المشركين في قوله: {أية : أكفاركم خير من أولٰئكم أم لكم براءة في الزبر}تفسير : [القمر: 43]. والكلام بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم وتعريض بالنِّذارة للمشركين مبني على أنهم تحدثهم نفوسهم بذلك وأنهم لا يحسبون حالهم وحال الأمم التي سيقت إليهم قصصُها متساويةً، أي نحن منتصرون على محمد صلى الله عليه وسلم لأنه ليس رسول الله فلا يؤيده الله. و{جميع} اسم للجماعة الذين أمرهُم واحد، وليس هو بمعنى الإحاطة، ونظيره ما وقع في خبر عمر مع علي وعباس رضي الله عنهم في قضية ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم من أرض فَدَكَ، قال لهما: «حديث : ثم جئتماني وأمركما جميع وكلمتكما واحدة»تفسير : ، وقول لبيد:شعر : عَرِيت وكان بها الجميعُ فأبكروا منها وغودَر نْؤيُها وثُمامها تفسير : والمعنى: بل أيدَّعون أنهم يغالبون محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأنهم غالبونهم لأنهم جَميع لا يُغلبون. ومنتصر: وصف {جميع}، جاء بالإِفراد مراعاة للفظ {جميع} وإن كان معناه متعدداً. وتغيير أسلوب الكلام من الخطاب إلى الغيبة مشعر بأن هذا هو ظنهم واغترارهم، وقد روي أنّ أبا جهل قال يوم بدر: «نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه». فإذا صح ذلك كانت الآية من الإِعجاز المتعلق بالإِخبار بالغيب. ولعل الله تعالى ألقى في نفوس المشركين هذا الغرور بأنفسهم وهذا الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه ليشغلهم عن مقاومته باليد ويقصرهم على تطاولهم عليه بالألسنة حتى تكثر أتباعه وحتى يتمكن من الهجرة والانتصار بأنصار الله. فقوله: {سيُهزم الجمع ويُوَلُّون الدُّبُر} جواب عن قولهم: {نحن جميع منتصر} فلذلك لم تعطف الجملة على التي قبلها. وهذا بشارة لرسوله صلى الله عليه وسلم بذلك وهو يعلم أن الله منجز وعده ولا يَزيد ذلك الكافرين إلا غروراً فلا يعيروه جانب اهتمامهم وأخذ العدة لمقاومته كما قال تعالى في نحو ذلك: {أية : وَيُقَلِّلُكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً}تفسير : [الأنفال: 44]. والتعريف في {الجمع} للعهد، أي الجمع المعهود من قوله: {نحن جميع منتصر} والمعنى: سيهزم جمعهم. وهذا معنى قول النحاة: اللام عوض عن المضاف إليه. والهزم: الغلب، والسين لتقريب المستقبل، كقوله: {أية : قل للذين كفروا ستغلبون}تفسير : [آل عمران: 12]. وبني الفعل للمجهول لظهور أن الهازم المسلمون. و{يولُّون}: يجعلون غيرهم يلي، فهو يتعدى بالتضعيف إلى مفعولين، وقد حذف مفعوله الأول هنا للاستغناء عنه إذ الغرض الإِخبار عنهم بأنهم إذا جاء الوغى يفرون ويولُّونكم الأدبار. و{الدُّبُر}: الظهر، وهو ما أدبر، أي كان وراءً، وعكسه القبل. والآية: إخبار بالغيب، فإن المشركين هُزموا يوم بدر، وولوا الأدبار يومئذٍ، وولوا الأدبار في جمع آخر وهو جمع الأحزاب في غزوة الخندق ففرُّوا بليل كما مضى في سورة الأحزاب وقد ثبت في «الصحيح» أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج لصف القتال يوم بدر تلا هذه الآية قبل القتال، إيماء إلى تحقيق وعد الله بعذابهم في الدنيا. وأفرد الدبر، والمراد الجمعُ لأنه جنس يصدق بالمتعدد، أي يولي كل أحد منهم دبره، وذلك لرعاية الفاصلة ومزاوجة القرائن، على أن انهزام الجمع انهزامة واحدة ولذلك الجيش جهة تولٍّ واحدة. وهذا الهزم وقع يوم بدر. روي عن عكرمة أن عمر بن الخطاب قال: «حديث : لما نَزلت {سيهزم الجمع ويولون الدبر} جَعَلْتُ أقول: أيُّ جمع يهزم؟ فلما كان يومُ بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع، ويقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر}» تفسير : اهــــ، أي لم يتبين له المراد بالجمع الذي سيُهزم ويولِّي الدبر فإنه لم يكن يومئذٍ قتال ولا كان يخطر لهم ببال.
د. أسعد حومد
تفسير : (44) - أَمْ يَقُولُ هؤلاءِ المُشْرِكُونَ: نَحْنُ وَاثِقُونَ بِقُوَّتِنَا وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِنا، فَلَنْ تَسْتَطِيعَ يَدٌ أَنْ تَمْتَدَّ إِلينا بِسُوءٍ؟. نَحْنُ جَميعٌ - نَحْنُ جَمَاعَةٌ مُجْتَمِعٌ أَمْرُنا. مُنْتَصِرٌ - مُمْتَنِعٌ لا يُغْلَبُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):