Verse. 4893 (AR)

٥٤ - ٱلْقَمَر

54 - Al-Qamar (AR)

اِنَّ الْمُجْرِمِيْنَ فِيْ ضَلٰلٍ وَّسُعُرٍ۝۴۷ۘ
Inna almujrimeena fee dalalin wasuAAurin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن المجرمين في ضلال» هلاك بالقتل في الدنيا «وسعر» نار مستعرة بالتشديد أي مهيجة في الآخرة.

47

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {إن المجرمين في ضلال وسعر} وفي الآية مسائل: الأولى: فيمن نزلت الآية في حقهم؟ أكثر المفسرين اتفقوا على أنها نازلة في القدرية روى الواحدي في تفسيره قال: سمعت الشيخ رضي الدين المؤيد الطوسي بنيسابور، قال: سمعت عبد الجبار قال: أخبرنا الواحدي قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن ابن محمد السراج قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله الكعبي، قال: حدثنا حمدان بن صالح الأشج حدثنا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي داود، حدثنا سفيان الثوري عن زياد بن إسماعيل المخزومي عن محمد بن عباد بن جعفر عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ } إلى قوله: {أية : إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } تفسير : [القمر: 49] وكذلك نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية نزلت في القدرية. وروي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : مجوس هذه الأمة القدرية» تفسير : وهم المجرمون الذين سماهم الله تعالى في قوله: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ } وكثرت الأحاديث في القدرية وفيها مباحث الأول: في معنى القدرية الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم: نزلت الآية فيهم، فنقول: كل فريق في خلق الأعمال يذهب إلى أن القدري خصمه، فالجبري يقول القدري من يقول: الطاعة والمعصية ليستا بخلق الله وقضائه وقدره، فهم قدرية لأنهم ينكرون القدر والمعتزلي يقول: القدري هو الجبري الذي يقول حين يزني ويسرق الله قدرني فهو قدري لإثباته القدر، وهما جميعاً يقولان لأهل السنة الذي يعترف بخلق الله وليس من العبد إنه قدري، والحق أن القدري الذي نزلت فيه الآية هو الذي ينكر القدر ويقول بأن الحوادث كلها حادثة بالكواكب واتصالاتها ويدل عليه قوله جاء مشركو قريش يحاجون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فإن مذهبهم ذلك، وما كانوا يقولون مثل ما يقول المعتزلة إن الله خلق لي سلامة الأعضاء وقوة الإدراك ومكنني من الطاعة والمعصية، والله قادر على أن يخلق في الطاعة إلجاء والمعصية إلجاء، وقادر على أن يطعم الفقير الذي أطعمه أنا بفضل الله، والمشركون كانوا يقولون: {أية : أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ } تفسير : [يس: 47] منكرين لقدرة الله تعالى على الإطعام، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مجوس هذه الأمة هم القدرية» تفسير : فنقول: المراد من هذه الأمة، إما الأمة التي كان محمد صلى الله عليه وسلم مرسلاً إليهم سواء آمنوا به أو لم يؤمنوا كلفظ القوم، وإما أمته الذين آمنوا به فإن كان المراد الأول فالقدرية في زمانه هم المشركون الذين أنكروا قدرة الله على الحوادث فلا يدخل فيهم المعتزلة، وإن كان المراد هو الثاني فقوله: «حديث : مجوس هذه الأمة» تفسير : يكون معناه الذين نسبتهم إلى هذه الأمة كنسبة المجوس إلى الأمة المتقدمة، لكن الأمة المتقدمة أكثرهم كفرة، والمجوس نوع منهم أضعف شبهة وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة تكون نوعاً منهم أضعف دليلاً ولا يقتضي ذلك الجزم بكونهم في النار فالحق أن القدري هو الذي ينكر قدرة الله تعالى، إن قلنا: إن النسبة للنفي أو الذي يثبت قدرة غير الله تعالى على الحوادث إن قلنا: إن النسبة للإثبات وحينئذ يقطع بكونه: {فِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ } وإنه ذائق مس سقر. البحث الثاني: في بيان من يدخل في القدرية التي في النص ممن هو منتسب إلى أنه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إن قلنا: القدرية سموا بهذا الاسم لنفيهم قدرة الله تعالى فالذي يقول لا قدرة لله على تحريك العبد بحركة هي الصلاة وحركة هي الزنا مع أن ذلك أمر ممكن لا يبعد دخوله فيهم، وأما الذي يقول: بأن الله قادر غير أنه لم يجبره وتركه مع داعية العبد كالوالد الذي يجرب الصبي في حمل شيء تركه معه لا لعجز الوالد بل للابتلاء والامتحان، لا كالمفلوج الذي لا قوة له إذا قال لغيره: احمل هذا فلا يدخل فيهم ظاهراً وإن كان مخطئاً، وإن قلنا إن القدرية سموا بهذا الاسم لإثباتهم القدرة على الحوادث لغير الله من الكواكب، والجبري الذي قال: هو الحائط الساقط الذي لا يجوز تكليفه بشيء لصدور الفعل من غيره وهم أهل الإباحة، فلا شك في دخوله في القدرية فإنه يكفر بنفيه التكليف وأما الذي يقول: خلق الله تعالى فينا الأفعال وقدرها وكلفنا، ولا يسأل عما يفعل فما هو منهم. البحث الثالث: اختلف القائلون في التعصب أن الاسم بالمعتزلة أحق أم بالأشاعرة؟ فقالت: المعتزلة الاسم بكم أحق لأن النسبة تكون للإثبات لا للنفي، يقال للدهري: دهري لقوله بالدهر، وإثباته، وللمباحي إباحي لإثباته الإباحة وللتنوية تنوية لإثباتهم الإثنين وهما النور والظلمة، وكذلك أمثله وأنتم تثبتون القدر، وقالت الأشاعرة: النصوص تدل على أن القدري من ينفي قدرة الله تعالى ومشركو قريش ما كانوا قدرية إلا لإثباتهم قدرة لغير الله، قالت: المعتزلة إنما سمي المشركون قدرية لأنهم قالوا: إن كان قادراً على الحوادث كما تقول يا محمد فلو شاء الله لهدانا ولو شاء لأطعم الفقير، فاعتقدوا أن من لوازم قدرة الله تعالى على الحوادث خلقه الهداية فيهم إن شاء، وهذا مذهبكم أيها الأشاعرة، والحق الصراح أن كل واحد من المسلمين الذين ذهبوا إلى المذهبين خارج عن القدرية، ولا يصير واحد منهم قدرياً إلا إذا صار النافي نافياً للقدرة والمثبت منكراً للتكليف. المسألة الثانية: المجرمون هم المشركون ههنا كما في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُؤُوسَهُمْ } تفسير : [السجدة: 12] وقوله: {أية : يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي } تفسير : [المعارج: 11] وفي قوله: {أية : يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ } تفسير : [الرحمٰن: 41] فالآية عامة، وإن نزلت في قوم خاص. وجرمهم تكذيب الرسل والنذر بالإشراك وإنكار الحشر وإنكار قدرة الله تعالى على الإحياء بعد الإماتة، وعلى غيره من الحوادث. المسألة الثالثة: {فِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ } يحتمل وجوهاً ثلاثة أحدها: الجمع بين الأمرين في الدنيا أي هم في الدنيا في ضلال وجنون لا يعقلون ولا يهتدون، وعلى هذا فقوله: {يُسْحَبُونَ } بيان حالهم في تلك الصورة وهو أقرب ثانيها: الجمع في الآخرة أي هم في ضلال الآخرة وسعر أيضاً. أما السعر فكونهم فيها ظاهر، وأما الضلال فلا يجدون إلى مقصدهم أو إلى ما يصلح مقصداً وهم متحيرون سبيلاً، فإن قيل: الصحيح هو الوجه الأخير لا غير لأن قوله تعالى: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ } ظرف القول أي يوم يسحبون يقال لهم ذوقوا، وسنبين ذلك فنقول: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ } يحتمل أن يكون منصوباً بعامل مذكور أو مفهوم غير مذكور، والاحتمال الأول له وجهان أحدهما: العامل سابق وهو معنى كائن ومستقر غير أن ذلك صار نسياً منسياً ثانيهما: العامل متأخر وهو قوله: {ذُوقُواْ } تقديره: ذوقوا مس سقر يوم يسحب المجرمون، والخطاب حينئذ مع من خوطب بقوله: {أية : أَكُفَّـٰرُكُمْ خَيْرٌ مّنْ أُوْلَـئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ } تفسير : [القمر: 43] والاحتمال الثالث: أن المفهوم هو أن يقال لهم: يوم يسحبون ذوقوا، وهذا هو المشهور، وقوله تعالى: {ذُوقُواْ } استعارة وفيه حكمة وهو أن الذوق من جملة الإدراكات فإن المذوق إذا لاقى اللسان يدرك أيضاً حرارته وبرودته وخشونته وملاسته، كما يدرك سائر أعضائه الحسية ويدرك أيضاً طعمه ولا يدركه غير اللسان، فإدراك اللسان أتم، فإذا تأذى من نار تأذى بحرارته ومرارته إن كان الحار أو غيره لا يتأذى إلا بحرارته فإذن الذوق إدراك لمسي أتم من غيره في الملموسات فقال: {ذُوقُواْ } إشارة إلى أن إدراكهم بالذوق أتم الإدراكات فيجتمع في العذاب شدته وإيلامه بطول مدته ودوامه، ويكون المدرك له لا عذر له يشغله وإنما هو على أتم ما يكون من الإدراك فيحصل الألم العظيم. وقد ذكرنا أن على قول الأكثرين يقال لهم أو نقول مضمر. وقد ذكرنا أنه لا حاجة إلى الإضمار إذا كان الخطاب مع غير من قيل في حقهم: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـٰلٍ } فإنه يصير كأنه قال: ذوقوا أيها المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم مس سقر يوم يسحب المجرمون المتقدمون في النار.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} أي في حَيْدةٍ عن الحق و «سُعُرٍ» أي ٱحتراق. وقيل: جنون على ما تقدّم في هذه السورة. {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ} في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القَدَر فنزلت: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ} {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} خرجه الترمذي أيضاً وقال: حديث حسن صحيح. وروى مسلم عن طاوس قال: أدركت ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقَدَر. قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : كلٌّ شيءٍ بقَدر حتى العَجْز والكَيْس ـ أو ـ الكَيْس والعَجْز» تفسير : وهذا إبطال لمذهب القدَرية. {ذُوقُواْ} أي يقال لهم ذوقوا، ومسّها ما يجدون من الألم عند الوقوع فيها. و «سَقَر» ٱسم من أسماء جهنم لا ينصرف؛ لأنه ٱسم مؤنث معرفة، وكذا لَظَى وجهنم. وقال عطاء: «سَقَر» الطبق السادس من جهنم. وقال قُطْرب: «سَقَر» من سَقَرته الشمسُ وصَقَرته لَوّحَتْه. ويوم مُسَمْقِرٌ ومُصَمْقِرٌ: شديدُ الحرّ. الثانية: قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ} قراءة العامة {كُلَّ} بالنصب. وقرأ أبو السَّمَّال «كُلُّ» بالرفع على الابتداء. ومن نصب فبإضمار فعل وهو ٱختيار الكوفيين؛ لأن إنّ تطلب الفعل فهي به أولى، والنصب أدلّ على العموم في المخلوقات لله تعالى؛ لأنك لو حذفت {خَلَقْنَاهُ} المفسِّر وأظهرت الأوّل لصار إنا خلقنا كلّ شيء بقدر. ولا يصح كون خلقناه صفة لشيء؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف، ولا تكون تفسيراً لما يعمل فيما قبله. الثالثة: الذي عليه أهل السنة أن الله سبحانه قدّر الأشياء؛ أي علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا يحدث حدث في العالم العلويّ والسفليّ إلا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع ٱكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة، وأن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير الله تعالى وبقدرته وتوفيقه وإلهامه، سبحانه لا إلٰه إلا هو، ولا خالق غيره؛ كما نص عليه القرآن والسنة، لا كما قالت القدَريّة وغيرهم من أن الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا. قال أبو ذَرٍّ رضي الله عنه:حديث : قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا؛ فنزلت هذه الآيات إلى قوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} فقالوا: يا محمد يكتب علينا الذنب ويعذبنا؟ فقال: «أنتم خصماء الله يوم القيامة».تفسير : الرابعة: روى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن مجوس هذه الأمة المكذّبون بأقدار الله إن مرِضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم وإن لقيتموهم فلا تسلّموا عليهم»تفسير : . خرجه ٱبن ماجه في سننه. وخرج أيضاً عن ٱبن عباس وجابر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صنفان من أمتي ليس لهم في الإسلام نصيب أهل الإرجاء والقَدَر»تفسير : . وأسند النحاس: وحدّثنا إبراهيم بن شريك الكوفي قال حدّثنا عقبة بن مكرم الضّبي قال حدّثنا يونس بن بكير عن سعيد بن ميسرة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : القدَريّة الذين يقولون الخير والشر بأيدينا ليس لهم في شفاعتي نصيب ولا أنا منهم ولا هم منّي» تفسير : وفي صحيح مسلم أن ٱبن عمر تبرأ منهم ولا يتبرأ إلا من كافر، ثم أكد هذا بقوله: والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أُحُد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقَدَر. وهذا مثل قوله تعالى في المنافقين: {أية : وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ}تفسير : [التوبة:54] وهذا واضح. وقال أبو هريرة: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن».

ابن كثير

تفسير : يخبرنا تعالى عن المجرمين: أنهم في ضلال عن الحق، وسعر مما هم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء، وهذا يشمل كل من اتصف بذلك من كافر ومبتدع من سائر الفرق، ثم قال تعالى: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} أي: كما كانوا في سعر وشك وتردد، أورثهم ذلك النار، وكما كانوا ضلالاً، يسحبون فيها على وجوههم، لا يدرون أين يذهبون، ويقال لهم تقريعاً وتوبيخاً: {ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ}. وقوله تعالى: { إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ} كقوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} وكقوله تعالى: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ } تفسير : [الأعلى: 1 ــــ 3] أي: قدر قدراً، وهدى الخلائق إليه، ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل برئها، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة القدرية، الذين نبغوا في أواخر عصر الصحابة، وقد تكلمنا على هذا المقام مفصلاً وما ورد فيه من الأحاديث في شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري رحمه الله، ولنذكر ههنا الأحاديث المتعلقة بهذه الآية الكريمة. قال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان الثوري عن زياد بن إسماعيل السهمي، عن محمد بن عباد بن جعفر عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } وهكذا رواه مسلم والترمذي وابن ماجه من حديث وكيع عن سفيان الثوري به. وقال البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا يونس بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ما نزلت هذه الآيات: { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } إلا في أهل القدر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن صالح الأنطاكي، حدثني قرة بن حبيب عن كنانة، حدثني جرير بن حازم عن سعيد بن عمرو بن جعدة، عن ابن زرارة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية: { ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } قال: «حديث : نزلت في أناس من أمتي يكونون في آخر الزمان يكذبون بقدر الله»تفسير : وحدثنا الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن شجاع الجزري عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع من زمزم، وقد ابتلت أسافل ثيابه، فقلت له: قد تكلم في القدر، فقال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: { ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } أولئك شرار هذه الأمة، فلا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، إن رأيت أحداً منهم، فقأت عينيه بأصبعي هاتين. وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر، وفيه مرفوع، فقال: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي عن بعض إخوته عن محمد بن عبيد المكي عن عبد الله بن عباس قال: قيل له: إن رجلاً قدم علينا يكذب بالقدر، فقال: دلوني عليه، وهو أعمى، قالوا: وما تصنع به يا أبا عباس؟ قال: والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه، لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته في يدي، لأدقنها؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج تصطفق ألياتهن مشركات، هذا أول شرك هذه الأمة، والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيراً، كما أخرجوه من أن يكون قدر شراً» تفسير : ثم رواه أحمد عن أبي المغيرة عن الأوزاعي عن العلاء بن الحجاج عن محمد بن عبيد، فذكر مثله، لم يخرجوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد: حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو صخر عن نافع قال: كان لابن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه، فكتب إليه عبد الله بن عمر أنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إلي؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر»تفسير : . ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به. وقال أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون: لا قدر، إن مرضوا، فلا تعودوهم، وإن ماتوا، فلا تشهدوهم» تفسير : لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه. وقال أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا رشدين عن أبي صخر حميد بن زياد عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : سيكون في هذه الأمة مسخ، ألا وذاك في المكذبين بالقدر والزنديقية» تفسير : ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي صخر حميد بن زياد به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن الطباع، أخبرني مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم، عن طاوس اليماني قال: سمعت ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس»تفسير : ورواه مسلم منفرداً به من حديث مالك. وفي الحديث الصحيح: «حديث : استعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك أمر، فقل: قدر الله، وما شاء فعل، ولا تقل: لو أني فعلت كذا، لكان كذا؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان» تفسير : وفي حديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «حديث : واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك، لم ينفعوك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يضروك، جفت الأقلام، وطويت الصحف»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث عن معاوية عن أيوب بن زياد، حدثني عبادة ابن الوليد بن عبادة، حدثني أبي قال: دخلت على عبادة وهو مريض، أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي، فقال: أجلسوني، فلما أجلسوه، قال: يا بني إنك لم تطعم الإيمان، ولم تبلغ حق حقيقة العلم بالله، حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك، لم يكن ليصيبك، وما أصابك، لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» تفسير : يا بني إن مت، ولست على ذلك، دخلت النار. ورواه الترمذي عن يحيى بن موسى البلخي عن أبي داود الطيالسي عن عبد الواحد بن سليم عن عطاء بن أبي رباح عن الوليد بن عبادة عن أبيه، به، وقال: حسن صحيح غريب. وقال سفيان الثوري عن منصور عن ربعي بن خراش، عن رجل عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يؤمن أحد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره» تفسير : وكذا رواه الترمذي من حديث النضر بن شميل عن شعبة عن منصور به، ورواه من حديث أبي داود الطيالسي عن شعبة عن منصور عن ربعي عن علي، فذكره وقال: هذا عندي أصح، وكذا رواه ابن ماجه من حديث شريك عن منصور عن ربعي عن علي به. وقد ثبت في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن وهب وغيره عن أبي هانىء الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» تفسير : زاد ابن وهب: {أية : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} تفسير : [هود: 7] ورواه الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب. وقوله تعالى: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} وهذا إخبار عن نفوذ مشيئته في خلقه؛ كما أخبرنا بنفوذ قدره فيهم، فقال: {وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَٰحِدَةٌ} أي: إنما نأمر بالشيء مرة واحدة، لا نحتاج إلى تأكيد بثانية، فيكون ذلك الذي نأمر به حاصلاً موجوداً كلمح البصر، لا يتأخر طرفة عين، وما أحسن ما قال بعض الشعراء:شعر : إذا ما أرادَ اللّهُ أمراً فَإِنَّما يقولُ له كُنْ قَوْلَةً فيكونُ تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَـٰعَكُمْ} يعني: أمثالكم وسلفكم من الأمم السابقة المكذبين بالرسل، {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}؟ أي: فهل من متعظ بما أخزى الله أولئك، وقدر لهم من العذاب؟ كما قال تعالى: {أية : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَـٰعِهِم مِّن قَبْلُ} تفسير : [سبأ: 54] وقوله تعالى: { وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى ٱلزُّبُرِ} أي: مكتوب عليهم في الكتب التي بأيدي الملائكة عليهم السلام، {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ} أي: من أعمالهم {مُّسْتَطَرٌ} أي: مجموع عليهم، ومسطر في صحائفهم، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا سعيد بن مسلم بن بانك، سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، حدثني عوف بن الحارث، وهو ابن أخي عائشة لأمها، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب؛ فإن لها من الله طالباً» تفسير : ورواه النسائي وابن ماجه من طريق سعيد بن مسلم بن بانك المدني، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم وغيرهم. وقد رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة سعيد بن مسلم هذا من وجه آخر. ثم قال سعيد: فحدثت بهذا الحديث عامر بن هشام، فقال لي: ويحك يا سعيد بن مسلم لقد حدثني سليمان بن المغيرة: أنه عمل ذنباً، فاستصغره، فأتاه آت في منامه فقال له: يا سليمانشعر : لا تَحْقِرَنَّ منَ الذُّنوبِ صَغيرا إِنَّ الصغير غَداً يَعُود كَبيرا إِنَّ الصَّغيرَ ولو تَقادَمَ عهدُهُ عِنْدَ الإِلٰهِ مُسَطَّرٌ تَسْطيرا فازْجُرْ هَواك على البطالَةِ لا تكُنْ صَعْبَ القيادِ وشَمِّرَنْ تَشْميرا إنَّ المُحِبَّ إذا أحَبَّ إلهَهُ طارَ الفؤادُ وأُلْهِمَ التَّفْكيرا فاسأَلْ هدايتَكَ الإلهَ بِنِيَّةٍ فَكَفى بربِّكَ هادياً ونَصيرا تفسير : وقوله تعالى: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ} أي: بعكس ما الأشقياء فيه من الضلال والسعر، والسحب في النار على وجوههم، مع التوبيخ والتقريع والتهديد. وقوله تعالى: {فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ} أي: في دار كرامة الله ورضوانه، وفضله وامتنانه، وجوده وإحسانه {عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ} أي: عند الملك العظيم، الخالق للأشياء كلها ومقدرها، وهو مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس عن عبد الله بن عمرو، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين؛ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» تفسير : انفرد بإخراجه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة بإسناده مثله. آخر تفسير سورة اقتربت، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَٰلٍ } هلاك بالقتل في الدنيا {وَسُعُرٍ } نار مُسَعَّرة بالتشديد أي مهيجة في الآخرة.

الماوردي

تفسير : {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} روى إسماعيل بن زياد عن محمد بن عباد عن أبي هريرة أن مشركي قريش أتوا النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت. {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} فيه وجهان: أحدهما: على قدر ما أردنا من غير زيادة ولا نقصان، قاله ابن بحر. الثاني: بحكم سابق وقضاء محتوم، ومنه قول الراجز: شعر : وقدر المقدر الأقدارا. تفسير : {وَمَآ أَمْرُنْآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بَالْبَصَرِ} يعني أن ما أردناه من شيء أمرنا به مرة واحدة ولم نحتج فيه إلى ثانية، فيكون ذلك الشيء مع أمرنا به كلمح البصر في سرعته من غير إبطاء ولا تأخير. {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} فيه وجهان: أحدهما: أن المستطر المكتوب، قاله الحسن وعكرمة وابن زيد، لأنه مسطور. الثاني: أنه المحفوظ، قاله قتادة. {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن النهر أنهار الماء، والخمر، والعسل، واللبن، قاله ابن جريج. الثاني: أن النهر الضياء والنور، ومنه النهار، قاله محمد بن إسحاق، ومنه قول الراجز: شعر : لولا الثريدان هلكنا بالضمر ثريد ليل وثريد بالنهر تفسير : الثالث: أنه سعة العيش وكثرة النعيم، ومنه اسم نهر الماء، قاله قطرب. {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِند مَلِيكٍ مّقْتَدِرِ} فيه وجهان: أحدهما: مقعد حق لا لغو فيه ولا تأثيم. الثاني: مقعد صدق لله وعد أولياءه به، والمليك والملك واحد، وهو الله كما قال ابن الزبعري: شعر : يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذا أنابوا تفسير : ويحتمل ثالثاً: أن المليك مستحق الملك، والملك القائم بالملك والمقتدر بمعنى القادر. ويحتمل وصف نفسه بالاقتدار ها هنا وجهين: أحدهما: لتعظيم شأن من عنده من المتقين لأنهم عند المقتدر أعظم قدراً، وأعلى مجزاً. الثاني: ليعلموا أنه قادر على حفظ ما أنعم به عليهم ودوامه لهم، والله أعلم.

النسفي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـٰلٍ } عن الحق في الدنيا {وَسُعُرٍ } ونيران في الآخرة أو في هلاك ونيران {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ } يجرون فيها {عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } ويقال لهم {ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } كقولك «وجد مس الحمى وذاق طعم الضرب» لأن النار إذا أصابتهم بحرها فكأنها تمسهم مساً بذلك. و {سَقَرَ } غير منصرف للتأنيث والتعريف لأنها علم لجهنم من سقرته النار إذا لوحته {إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } كل منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر، وقرىء بالرفع شاذاً والنصب أولى لأنه لو رفع لأمكن أن يكون {خَلَقْنَـٰهُ } في موضع الجبر وصفاً لـ {شَىْء } ويكون الخبر {بِقَدَرٍ } وتقديره: إنا كل شيء مخلوق لنا كائن بقدر، ويحتمل أن يكون {خَلَقْنَـٰهُ } هو الخبر وتقديره: إنا كل شيء مخلوق لنا بقدر، فلما تردد الأمر في الرفع عدل إلى النصب وتقديره. إنا خلقنا كل شيء بقدر فيكون الخلق عاماً لكل شيء وهو المراد بالآية. ولا يجوز في النصب أن يكون {خَلَقْنَـٰهُ } صفة لـ {شَىْء } لأنه تفسير الناصب والصفة لا تعمل في الموصوف. والقدْر والقدَر التقدير أي بتقدير سابق أو خلقنا كل شيء مقدراً محكماً مرتباً على حسب ما اقتضته الحكمة، أو مقدراً مكتوباً في اللوح معلوماً قبل كونه قد علمنا حاله وزمانه. قال أبو هريرة: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت الآية، وكان عمر يحلف أنها نزلت في القدرية {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ } إلا كلمة واحدة أي وما أمرنا لشيء نريد تكوينه إلا أن نقول له كن فيكون {كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } على قدر ما يلمح أحدكم ببصره. وقيل: المراد بأمرنا القيامة كقوله {أية : وَمَا أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ }تفسير : [النحل: 77]. {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَـٰعَكُمْ } أشباهكم في الكفر من الأمم {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } متعظ {وَكُلُّ شَىْء فَعَلُوهُ } أي أولئك الكفار أي وكل شيء مفعول لهم ثابت {فِى ٱلزُّبُرِ } في دواوين الحفظة فـ {فَعَلُوهُ } في موضع جر نعت لـ {شَىْء } و {فِى ٱلزُّبُرِ }خبر لـ {كُلٌّ } {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ } من الأعمال ومن كل ما هو كائن {مُّسْتَطَرٌ } مسطور في اللوح {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ } وأنهار اكتفى باسم الجنس وقيل: هو السعة والضياء ومنه النهار {فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ } في مكان مرضي {عِندَ مَلِيكٍ } عندية منزلة وكرامة لا مسافة ومماسة {مُّقْتَدِرٍ } قادر. وفائدة التنكير فيهما أن يعلم أن لا شيء إلا هو تحت ملكه وقدرته وهو على كل شيء قدير.

ابن عادل

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} قيل: في ضلال بعد عن الحق. قال الضحاك: وسعر أي نار تسعّر عليهم. وقيل: ضلال ذهب عن طريق الجنة في الآخرة. وسُعُر جمع سَعِير: نار مستعرة. وقال الحسين بن الفضل: إن المجرمين في ضلال في الدنيا ونارٍ في الآخرة. قال قتادة: في عناء وعذاب. ثم بين عذابهم فقال: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} ويقال لهم: {ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ}. فصل أكثر المفسرين على أن هذه الآية في القَدَرِيَّة. وفي الحديث: أَنَها نزلت في القَدَرِيَّة. وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : مَجُوسُ هَذِه الأُمَّةِ القَدَرِيَّةُ فَهُمُ المُجُرِمُونَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى في قوله: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} ". تفسير : واعلم أن الجَبْريَّ من يقول: القدريُّ من يقول الطاعة والمعصية بفعلِي فهم ينكرون القَدَر. والفريقان متّفقان على أن السُّنِّيَّ القائلَ بأن الأفعال خلق الله وبسببٍ من العبد ليس بقَدَرٍ. قال ابن الخطيب: والحقُّ أن القَدَرِيَّ هو الذي يُنْكِرُ القَدَرَ، ويَنْسِبُ الحوادث لاتصال الكواكب لما رُوِيَ أنَّ قريشاً خَاصَمُوا في القَدَر ومذهبهم أن الله مكَّن العبد مِن الطاعة والمعصية، وهو قادر على خلق ذلك في العبد، وقادر على أن يُطْعِمَ الفَقِيرَ، ولهذا قالوا: {أية : أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ} تفسير : [يس: 47] منكرين لقدرته تعالى على الإِطعام. وأما قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأمة"تفسير : . فإِن أريد بالأمة المرسل إليهم مطلقاً كالقَوْم، فالقدرية في زمانه هم المشركون المنكرون قدرته على الحوادث، فلا يدخل فيهم المعتزلة. وإن كان المراد بالأمة من آمن به - عليه الصلاة والسلام - فمعناه أن نسبة القدرية إليهم كنسبة المَجُوس إلى الأمة المتقدمة، فإن المجوس أضعفُ الكَفَرَة المتقدمين شبهةً وأشدّهم مخالفةً للعقل، وكذا القدرية في هذه الأمة وكونهم كذلك لا يقتضي الجَزْم بكونهم في النار. فالحق أن القدريَّ هو الذي يُنْكِر قدرةَ الله تَعَالَى. فصل روى مُسْلِمٌ عن أبي هريرة، قال: جاءَ مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القدر، فنزلت هذه الآية: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} إلى قوله: {أية : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} تفسير : [القمر: 49]. وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "حديث : كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلاَئِقِ كُلَّهَا مِنْ قَبْلِ أن يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ قال: وَعَرْشُهُ عَلَى الماء"تفسير : . وعن طاوس اليماني قال: أدركت ما شاء الله من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون: كُلّ شيء بقدر الله. وسمعت من عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : كُلُّ شَيْءٍ بقَدَرٍ حَتَى العَجْزُ والكَيْسُ أو الكَيْسُ والعَجْزُ ". تفسير : وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: حديث : قال رسول الله: لا يؤمن بالله عبدٌ حتى يؤمن بأربع: يشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّه، وأَنِّي رسولُ الله بَعَثَنِي بالحقِّ ويؤمن بالبعث بعد الموت ويؤمن بالقَدَر. وزاد عُبَيْدُ الله: خَيْرِهِ وشَرِّهِتفسير : . وهذه الأدلة تبطل مذاهب القدرية. قوله: "ذُوقُوا" فيه إضمار القول. وقرأ أبو عمرو - في رواية محبوب عنه - مَسَّقَرَ. وخطَّأَهُ ابنُ مجاهد، وهو معذُورٌ؛ لأن السِّين الأخيرة من "مَسَّ" مدغم فيها فلا تدغم في غيرها لأنه متى أدغم فيها لزم تحريكها ومتى أدغمت هي لزم سكونها فتَنَافَى الجمعُ بينهما. قال أبو حيان: والظَّنُّ بأبي عمرو أنه لم يُدْغِمْ حتى حذفَ أحد الحرفين لاجتماع الأمثال ثم أدغم. قال شهاب الدين: كلام ابن مجاهد إنما هو فيما قالوه أنه أدغم أما إِذا حَذَف وأدغم فلا إِشكال. و (سَقَرُ) علم لجهنّم أعَاذَنَا الله منها، مشتقة من سَقَرَتْهُ الشَّمْسُ والنارُ أي لَوَّحَتْهُ. ويقال: صَقَرَ بالصاد، وهي مبدلة من السين لأجلِ القاف. قال ذو الرمة: شعر : 4612- إِذَا ذَابَت الشَّمْسُ اتَّقَى صَقراتِهَا بِأَفْنَانِ مَرْبُوع الصَّرِيمَةِ مُعْبِل تفسير : و "سَقَرُ" متحتِّم المنع من الصرف؛ لأن حركة الوسط تنزلت منزلة الحرف الرابع، كعَقْرَبَ وزَيْنَبَ. قال القرطبي: و "سقر" اسم من أسماء جهنم مؤنث لا ينصرف، لأنه اسم مؤنث معرفة وكذلك "لظى وجهنم". وقال عطاء: "سقر" الطابق السادس من النار. وقال قطرب: ويَوْمٌ مُسْمَقِرٌّ ومُصْمَقِرٌّ: شديد الحر. ومسها ما يوجد من الألم عند الوقوع فيها. فصل العامل في (يَوْمَ يُسْحَبُونَ) يحتمل أن يكون منصوباً بعامل مفهوم غير مذكور. وهذا العالم يحتمل أن يكون سابقاً وهو قوله: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ}. والعامل في الحقيقة على هذا الوجه أيضاً مفهوم من (فِي) كأنه فيه بمعنى كائن غير أن ذلك صار نَسْياً مَنْسيًّا. ويحتمل أن يكون متأخراً وهو قوله: "ذُوقُوا" تقديره: "ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ يَوْمَ يُسْحَبُ المُجْرمُونَ". والخطاب حينئذ مع من خوطب بقوله: {أية : أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم} تفسير : [القمر: 43]. ويحتمل أن يكون منصوباً بالقول المقدر أي يُقَالُ لهم يَوْمَ يُسْحَبُونَ ذُوقوا. وهو المشهور. والذوق استعارة للمبالغة لقوة الإدراك في الذَّوْقِ؛ فإن الإنسان يشارك غيره في اللَّمْس، ويُخْتَصُّ بإدراك المطعوم فيحصل الألم العظيم، والمعنى ذوقوا أيها المُكَذِّبُونَ بمحمد صلى الله عليه وسلم - مَسَّ سَقَر يَوْم يُسحب المجرمون المتقدمون في النار.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد ومسلم وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت ‏ {‏يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسَّ سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر‏}‏‏ . وأخرج البزار وابن المنذر بسند جيد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‏:‏ ما أنزلت هذه الآية ‏ {‏إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر‏} ‏ إلا في أهل القدر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وابن شاهين وابن منده والباوردي في الصحابة والخطيب في تالي التلخيص وابن عساكر عن زرارة رضي الله عنه ‏حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية ‏{‏ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر‏} ‏ قال‏: ‏‏"في أناس من أمتي في آخر الزمان يكذبون بقدر الله"‏‏ ‏.‏ تفسير : وأخرج ابن عدي وابن مردويه والديلمي وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي أمامة رضي الله عنه‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إن هذه الآية نزلت في القدرية ‏{‏إن المجرمين في ضلال وسعر‏} "‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن المنذر عن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه، وكانت أمه لبابة بنت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قالت‏:‏ كنت أزور جدي ابن عباس رضي الله عنهما في كل يوم جمعة قبل أن يكف بصره، فسمعته يقرأ في المصحف فلما أتى على هذه الآية ‏{‏إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم‏} ‏ قال‏:‏ يا بنية ما أعرف أصحاب هذه الآية ما كانوا بعد وليكونن‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قيل له‏:‏ قد تكلم في القدر، فقال‏:‏ أو فعلوها‏؟‏ والله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم ‏ {‏ذوقوا مسَّ سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر‏} ‏ أولئك شرار هذه الأمة، لا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم إن أريتني واحداً منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين‏. وأخرج الطبراني وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ نزلت هذه الآية في القدرية ‏ {‏يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسَّ سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏إنا كل شيء خلقناه بقدر‏} ‏ قال‏:‏ خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق لهم الخير والشر بقدر‏.‏ وأخرج مسلم عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه عن ابن عباس قال‏:‏ كل شيء بقضاء وقدر حتى وضعك يدك على خدك‏. وأخرج أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن شاهين في السنة عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ طلبت هذا القدر فيما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم فوجدته في ‏{‏اقتربت الساعة‏} ‏، ‏ {‏وكل شيء فعلوه في الزبر‏} ‏، {‏وكل صغير وكبير مستطر‏}‏‏ . وأخرج سفيان بن عيينة في جامعه عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ إنما نزلت هذه ‏ {‏يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسَّ سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر‏} ‏ تعيير الأهل القدر‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ‏{‏وكل شيء فعلوه في الزبر‏} ‏ قال‏:‏ في الكتاب‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله تعالى ‏ {‏وكل صغير وكبير مستطر‏}‏ قال‏:‏ مسطور في الكتاب‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏ {‏وكل صغير وكبير مستطر‏} ‏ قال‏:‏ محفوظ مكتوب‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏وكل صغير وكبير مستطر‏} ‏ قال‏:‏ مكتوب‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عكرمة ‏ {‏مستطر‏}‏ مكتوب في سطر‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ‏ {‏ولقد أهلكنا أشياعكم‏} ‏ قال‏:‏ أشياعهم من أهل الكفر من الأمم السالفة ‏ {‏فهل من مدكر‏} يقول‏:‏ هل من أحد يتذكر‏؟‏‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ ما طنَّ ذباب إلا بقدر، ثم قرأ ‏ {‏وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر قال‏:‏ المكذبون بالقدر مجرمو هذه الأمة، وفيهم أنزلت هذه الآية ‏ {‏إن المجرمين في ضلال وسعر‏} ‏ إلى قوله ‏{‏إنا كل شيء خلقناه بقدر‏}‏‏ . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إنا كل شيء خلقناه بقدر‏} ‏ قال‏:‏ يقول خلق كل شيء فقدره، فقدر الدرع للمرأة، والقميص للرجل، والقتب للبعير، والسرج للفرس، ونحو هذا‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ جاء العاقب والسيد وكانا رأسي النصارى بنجران فتكلما بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بكلام شديد في القدر، والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت ما يجيبهما بشيء حتى انصرفا، فأنزل الله ‏{‏أكفاركم خير من أولئكم‏} ‏ الذين كفروا وكذبوا بالله قبلكم {‏أم لكم براءة في الزبر‏} ‏ في الكتاب الأول إلى قوله ‏{‏ولقد أهلكنا أشياعكم‏} ‏ الذين كفروا وكذبوا بالقدر قبلكم ‏ {‏وكل شيء فعلوه في الزبر‏} ‏ في أم الكتاب ‏ {‏وكل صغير وكبير مستطر‏}‏ يعني مكتوب إلى آخر السورة‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن محمد بن كعب قال‏:‏ كنت أقرأ هذه الآية فما أدري من عني بها حتى سقطت عليها ‏ {‏إن المجرمين في ضلال وسعر‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏كلمح بالبصر‏}‏ فإذا هم المكذبون بالقدر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال‏:‏ نزلت هذه الآية في أهل التكذيب إلى آخر الآية، قال مجاهد‏:‏ قلت لابن عباس‏:‏ ما تقول فيمن يكذب بالقدر‏؟‏ قال‏:‏ اجمع بيني وبينه، قلت‏:‏ ما تصنع به‏؟‏ قال‏:‏ أخنقه حتى أقتله‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : صنفان من أمتي ليس لهما في الإِسلام نصيب المرجئة والقدرية، أنزلت فيهم آية من كتاب الله ‏{‏إن المجرمين في ضلال وسعر‏} ‏ إلى آخر الآية‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ إني لأجد في كتاب الله قوماً يسحبون في النار على وجوههم يقال لهم ‏ {‏ذوقوا مسَّ سقر‏}‏ لأنهم كانوا يكذبون بالقدر وإني لا أراهم فلا أدري أشيء كان قبلنا أم شيء فيما بقي‏. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ ما نزلت هذه الآية إلا تعييراً لأهل القدر ‏{‏ذوقوا مسَّ سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر‏}‏‏ .‏ وأخرج أحمد عن حذيفة بن اليمان قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن لكل أمة مجوساً وإن مجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر، فمن مرض فلا تعودوه وإن مات فلا تشهدوه، وهم من شيعة الدجال حق على الله أن يلحقهم به ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت بأذني هاتين رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إن أول ما خلق الله القلم قيل‏:‏ اكتب لا بد قال‏:‏ وما لا بد قال‏:‏ القدر، قال‏:‏ وما القدر‏؟‏ قال‏:‏ تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك إن مت على غير ذلك دخلت النار‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا كان يوم القيامة أمر الله منادياً ينادي أين خصماء الله‏؟‏ فيقومون مسودة وجوههم مزرقة عيونهم مائلاً شفاههم يسيل لعابهم، يقذرهم من رآهم، فيقولون‏:‏ والله يا ربنا ما عبدنا من دونك شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثنا‏ً"‏تفسير : قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ لقد أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون، ثم تلا ابن عباس ‏{أية : ‏يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون‏}‏ ‏تفسير : [‏المجادلة: 18‏]‏، هم والله القدريون ثلاث مرات‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ ذكر لابن عباس أن قوماً يقولون في القدر فقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ إنهم يكذبون بكتاب الله فلآخذن بشعر أحدهم فَلأَنصينَّهُ، ان الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً، وأول شيء خلق القلم، وأمره أن يكتب ما هو كائن، فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه‏. وأخرج عبد بن حميد عن أبي يحيى الأعرج قال‏:‏ سمعت ابن عباس رضي الله عنهما وذكر القدرية، فقال‏:‏ لو أدركت بعضهم لفعلت به كذا وكذا ثم قال‏:‏ الزنا بقدر، والسرقة بقدر، وشرب الخمر بقدر‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏{‏إنا كل شيء خلقناه بقدر‏} ‏ قال رجل‏:‏ يا رسول الله ففيم العمل‏؟‏ أفي شيء نستأنفه أم في شيء قد فرغ منه‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : اعملوا فكل ميسر سنيسره لليسرى وسنيسره للعسرى‏ "‏‏.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان المجرمين} اى المشركين من الاولين والآخرين {فى ضلال وسعر} اى فى هلاك ونيران مسعرة والتسعير آتش نيك آفروختن وقيل فى ضلال عن الحق فى الدنيا ونيران فى الآخرة

الطوسي

تفسير : هذا إخبار من الله تعالى بأن المجرمين الذين أرتكبوا معاصي الله وتركوا طاعاته فى ضلال وسعر، ومعناه فى ضلال عن الحق وعدول عنه {وفي سعر} يعني في عذاب النار تسعرهم ومعناه إنهم يصيرون اليه، وإنما جمع بين الضلال والسعر، لانه لازم لهم ومنعقد بحالهم وإن كان الضلال بعصيانهم والسعر بالعقاب على الضلال، وكأنهم قد حصلوا فيه بحصولهم في سببه الذي يستحق به. وقيل معنى في ضلال يعني في ذهاب عن طريق الجنة والآخرة في نار مسعرة. وقوله {يوم يسحبون} أي يوم يجرون فى النار على وجوههم {ذوقوا مسّ سقر} أي يقال لهم مع ذلك ذوقوا مس سقر، وهو كقولهم وجدت مس الحمى وكيف ذقت طعم للضرب. وقيل: إن سقر جهنم وقيل: هو باب من ابوابها، ولم يصرف للتعريف والتأنيث. ولما وصف العقاب قال {إنا كل شيء خلقناه بقدر} أي العقاب على مقدار الاستحقاق الذي تقتضيه الحكمة وكذلك غيره فى كل خصلة. وفي نصب (كل) ثلاثة أوجه: أحدها - على تقدير إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر. الثاني - انه جاء على زيداً ضربته. الثالث - على البدل الذي يشتمل عليه، كأنه قال {إن كل شيء خلقناه بقدر} أي هو مقدر فى اللوح المحفوظ. وقوله {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} فاللمح خطف البصر، والمعنى وما أمرنا إذا أردنا ان يكون شيئاً إلا مرة واحدة إنما نقول له كن فيكون أي هذه منزلته فى سرعته وإنطياعه. ثم قال تعالى مخاطباً لكفار قريش وغيرهم {ولقد أهلكنا أشياعكم} يعني اتباع مذهبكم فى كفرهم بعبادة الأوثان تتابعوا قرناً بعد قرن في الاهلاك بعذاب الاستئصال. والشيعة أتباع القائد إلى أمر. وقيل: المعنى ولقد أهلكنا اشياعكم ممن هو منكم كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله فهي لكل أمة فهل من متعظ. وقال الحسن: هو على الامم السالفة {فهل من مدكر} معناه فهل من متذكر لما يوجبه هذا الوعظ من الانزجار عن مثل ما سلف من أعمال الكفار لئلا يقع به ما وقع بهم من الاهلاك. وقوله {وكل شيء فعلوه في الزبر} يعني في الكتب التي كتبتها الحفظة. وقال ابن زيد في الكتاب. وقال الضحاك في الكتب وقوله {وكل صغير، وكبير مستطر} قال ابن عباس معناه إن جميع ذلك مكتوب مسطور في الكتاب المحفوظ، لانه من أعظم العبرة في علم ما يكون قبل أن يكون على التفصيل، وبه قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد. ثم قال تعالى {إن المتقين} يعني الذين اتقوا معاصيه وفعلوا واجباته {في جنات} يعني بساتين تجنها الأشجار {ونهر} أي انهار، فوضع نهراً في موضع أنهار، لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير، والنهر المجرى الواسع من مجاري الماء، وهو خلاف الجدول، لانه المجرى الصغير الشديد الجرى من مجاري الماء {في مقعد صدق} معناه في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم {عند مليك مقتدر} أي بالمكان الذي كرمه لأوليائه المليك المقتدر. وقيل: فى مقعد صدق عند المليك المقتدر بما هو عليه من صدق دوام النعيم به. وقال الفراء: معنى {في جنات ونهر} أي فى ضياء وسعة، ويقال: أنهر دمه إذا سال وانهر بطنه إذا جاء بطنه مثل جرى النهر.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ} فى الدّنيا {وَسُعُرٍ} فى الآخرة او كلاهما فى الآخرة او كلاهما فى الدّنيا، ويكون المراد بالسّعر الجنون.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ المُجْرِمِينَ فِى ضَلاَلٍ} عن الحق في الدنيا {وَسُعُرٍ} نيران في الآخرة وقيل: الضلال عذابهم في الدنيا والسعر عذابهم في الآخرة وقيل: السعر الجنون والأكثرون ان المجرمين هنا المشركون وقيل السعر الشقاء.

اطفيش

تفسير : {إنَّ المُجْرمين} من كل أمة أو أنكم يا كفار مكة، أو كفار العرب، ويلتحق بهم غيرهم، وأظهر ليصفهم بالاجرام، وعلى الأول تدخل كفار هذه الأمة بالأولى، لأن الكلام نزل فى شأنهم {في ضلال} فى هلاك، عبر به عن الهلاك، لأن الضلال فى الدين سببه وملزومه، أو بعد عن الحق فى الدنيا، ونار توقد يوم القيامة عليهم {وسُعُرٍ} نيران توقد، وذلك لأن الكلام قيل فى العذاب، ولقوله تعالى: {يَومَ يسْحبُون في النَّار عَلى وجُوهِهِم ذُوقُوا مَسَّ سَقَر} ولا سيما إن علقنا يوم بما تعلق به فى ضلال، وقد علقه بعض بمحذوف أى يعذبون يوم يسحبون، أو يهانون يوم يسحبون، أو بالقول المقدر الناصب لجملة ذوقوا الخ، أى يقال لهم: يوم يسحبون فى النار على وجوههم ذوقوا الخ، قيل: يجوز تعليقه بذوقوا على معنى ذوقوا أيها المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم يسحب المجرمون من الأمم السابقة، فأنتم تساوونهم فى العذاب، كما ساويتموهم فى الكفر فى الدنيا، وهو ضعيف لأن حاصله أنه يقال لهم فى الدنيا: ذوقوا يوم القيامة ومس سقر ألم عذابها، وهو مجز لأن مسها سبب الألم وملزومه، والذوق فى مثل ذلك شائع كما يقال: وجد مس الحمى، وذاق طعم الضرب، أو شبه سقر بحيوان ورمز اليه بلازمه وهوالمس، أو شبه اتصالهم بهم بالمس، وسقر نار الآخرة، ويطلق أيضا على طبقة مخصوصة منها، وذلك من سقرته النار غيرته.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ } من الأولين والآخرين {فِي ضَلَـٰلٍ } في هلاك {وَسُعُرٍ } ونيران مسعرة، أو في ضلال عن الحق [في الدنيا] ونيران في الآخرة، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: في خسران وجنون.

ابن عاشور

تفسير : هذا الكلام بيان لقوله: {أية : والساعة أدهى وأمر}تفسير : [القمر: 46]. واقتران الكلام بحرف {إن} لفائدتين؛ إحداهما: الاهتمام بصريحه الإِخباري، وثانيهما: تأكيد ما تضمنه من التعريض بالمشركين، لأن الكلام وإن كان موجهاً للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو لا يشك في ذلك فإن المشركين يبلغهم ويشيع بينهم وهم لا يؤمنون بعذاب الآخرة فكانوا جديرين بتأكيد الخبر في جانب التعريض فتكون {إنّ} مستعملة في غرضيها من التوكيد والاهتمام. والتعبير عنهم بــــ {المجرمين} إظهار في مقام الإِضمار لإِلصاق وصف الإِجرام بهم. والضلال: يطلق على ضد الهدى ويطلق على الخُسران، وأكثر المفسرين على أن المراد به هنا المعنى الثاني. فعن ابن عباس: المراد الخسران في الآخرة، لأن الظاهر أن {يوم يسحبون في النار} طرف للكون في ضلال وسعُر على نحو قوله تعالى: {أية : يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذٍ واجفة}تفسير : [النازعات: 6 ـــ 8]، وقوله: {أية : ويوم القيامة هم من المقبوحين}تفسير : [القصص: 42] فلا يناسب أن يكون الضلال ضد الهدى. ويجوز أن يكون {يوم يسحبون} ظرفاً للكون الذي في خبر {إن}، أي كائنون في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار. فالمعنى: أنهم في ضلال وسعر يوم القيامة و{سُعُر} جمع سعير، وهو النار، وجُمع السعير لأنه قوي شديد. والسحْبُ: الجَرّ، وهو في النار أشد من ملازمة المكان لأنه به يتجدد مماسة نار أخرى فهو أشد تعذيباً. وجُعل السحْب على الوجوه إهانة لهم. و{ذوقوا مس سقر} مقول قول محذوف، والجملة مستأنفة. والذوق مستعار للإِحساس. وصيغة الأمر مستعملة في الإِهانة والمجازاة. والمس مستعمل في الإِصابة على طريقة المجاز المرسل. وسَقَر: عَلَم على جهنم، وهو مشتق من السَّقْر بسكون القاف وهو التهاب في النار، فــــ {سقر} وضع علَماً لجهنم، ولذلك فهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، لأن جهنم اسم مؤنث معنىً اعتبروا فيه أن مسماه نار والنار مؤنثة. والآية تتحمل معنى آخر، وهو أن يراد بالضلال ضد الهدى وأن الإِخبار عن المجرمين بأنهم ليسوا على هُدى، وأن ما هم فيه باطل وضلال، وذلك في الدنيا، وأن يُراد بالسُّعر نيران جهنم وذلك في الآخرة فيكون الكلام على التقسيم. أو يكون السُّعر بمعنى الجنون، يقال: سُعُر بضمتين وسُعْر بسكون العين، أي جنون، من قول العرب ناقة مسعورة، أي شديدة السرعة كأن بها جنوناً كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : إنا إذاً لفي ضلال وسعر} تفسير : في هذه السورة (24). وروي عن ابن عباس وفسر به أبو علي الفارسي قائلاً: لأنهم إن كانوا في السعير لم يكونوا في ضلال لأن الأمر قد كشف لهم وإنما وصف حالهم في الدنيا، وعليه فالضلال والسعر حاصلان لهم في الدنيا.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إن المجرمين في ضلال وسعر: أي الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك والمعاصي في ضلال في الدنيا ونار مستعرة في الآخرة. ذوقوا مسَّ سقر: أي يوم يسحبون في النار على وجوههم يقال لهم ذوقوا مس سقر جهنم. إنا كل شيء خلقناه بقدرٍ: أي إنا خلقنا كل شيء بتقدير سابق لخلقنا له وذلك بكتابته في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض فهو يقع كما كتب كمية وصورة وزمانا ومكاناً لا يتخلف في شيء من ذلك. وما أمرنا إلا واحدة: أي وما أمرنا إذا أردنا خلق شيء إلا أمرةً واحدة فيتم وجوده. كلمح بالبصر: الشيء بسرعة كلمح البصر وهو النظر بعجلة. ولقد أهلكنا أشياعكم: أي ولقد أهلكنا أمثالكم أيها المشركون من الأمم السابقة. فهل من مدّكر؟: أي فاذكروا واتعظوا بهذا خيراً لكم من هذا الإِعراض. وكل شيء فعلوه في الزبر: أي وكل ما فعله العباد هو مسجل في كتب الحفظة من الملائكة. وكل صغير وكبير مستطر: أي وكل صغير وكبير من سائر الأعمال والأحداث في اللوح المحفوظ مستطر مكتوب. إن المتقين في جنات ونهر: إن الذين اتقوا ربهم فلم يشركوا به ولم يفسقوا عن أمره في جنات يشربون من أنهار الماء واللبن والخمر والعسل المصفى. في مقعد صدق: أي في مجلس حق لا لغو به ولا تأثيم. عند مليك مقتدر: عند مليك أي ذي ملك وسلطا مقتدر على ما يشاء وهو الله جل جلاله. معنى الآيات: قوله تعالى {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} يخبر تعالى عن حال المجرمين وهم الذين أجرموا على أنفسهم فأفسدوها بالشرك وغشيان الذنوب يخبر تحذيراً وإنذاراً بأن المجرمين في ضلال في حياتهم الدنيا، وسعر ونار مستعرة متأججة يوم القيامة يوم يسحبون في النار على وجوههم يقال لهم ذوقوا تهكماً بهم مسّ سقر تذوقوا العذاب، وسقر طبق من أطباق جهنم وباب من أبوابها. وقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} إعلام منه تعالى عن نظام الكون الذي خلقه تعالى وهو أن كل حادث يحدث في هذا العالم قد سبق به علم الله وتقديره له فحَدَّد ذاته وصفاته وأعماله ومآله إلى جنة أو إلى نارٍ، إن كان إنسانا أو جانا وليس هناك شيء يحدث بدون تقدير سابق له وعلم تام به قبل حدوثه. وقوله تعالى: {وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} يخبر تعالى عن قدرته كما أخبر عن علمه بأنه تعالى إذا أراد إيجاد شيء في الوجود لم يزد على أمرٍ واحد وهو كن فإذا بالمطلوب يكون كما أراد تعالى أزلاً أن يكون، وبسرعة كسرعة لمح البصر الذي هو نظرة سريعة. وقوله تعالى وهو يخاطب مشركي قريش {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ} أي أمثالكم في الكفر والعصيان أي من الأمم السابقة {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي متذكر متعظ معتبر قبل فوات الوقت وحصول المكروه من العذاب في الدنيا وفي الآخرة. وقوله تعالى {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ} أي أولئك المشركون {فِي ٱلزُّبُرِ} أي في كتب الحفظة من الملائكة الكرام الكاتبين، وكل صغير وكبير من أعمالهم وأعمال غيرهم بل كل حادثةٍ في الأكوان هي مسطرة في اللوح المحفوظ كتاب المقادير. وقوله تعالى {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} هذا الإِخبار يقابل الإِخبار الأول أن المجرمين في ضلال وسعر فالأول إعلام وتحذير وترهيب وهذا إخبار وبشرى وترغيب حيث أخبر أن المتقين الذين اتقوا ربهم فلم يشركوا به ولم يفسقوا عن أمره إنهم في جنات بساتين ذات قصور وحور، وأنهار وأشجار هم جالسون في مقعد صدق في مجلس حق لا لغو يسمع فيه ولا تأثيم يلحق جالسه عند مليك أي ذي ملك وسلطان مقتدر على فعل كل ما يريده سبحانه لا إله إلا هو ولا رب سواه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان مصير المجرمين وضمنه تخويف وتحذير من الإِجرام الموبق للإِنسان. 2- تقرير عقيدة القضاء والقدر. 3- تقرير أن أعمال العباد مدونة في كتب الكرام الكاتبين لا يترك منها شيء. 4- تقرير أن كل صغيرة وكبيرة من أحداث الكون هي في كتاب المقادير اللوح المحفوظ. 5- بيان مصير المتقين مع الترغيب في التقوى إذ هي ملاك الأمر وجماع الخير. 6- ذكر الجوار الكريم وهو مجاورة الله رب العالمين في الملكوت الأعلى في دار السلام.

د. أسعد حومد

تفسير : {ضَلاَلٍ} (47) - إِنَّ المُشْرِكِينَ لَفي ضَلاَلٍ عَنِ الطَّرِيقِ السَّوِيِّ، وَلَفِي عمَايَةٍ عَنِ الهُدى في الدُّنيا، وَسَيكُونُ مَصِيرَهُمُ العَذَابُ في نَارِ جَهَنَّمَ المُسْتَعِرَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ. سُعُرٍ - جَمْعِ سَعيرٍ وَهُوَ النَّارُ المُتَلَظِّيَةُ - أَوْ هُوَ الجُنُونُ.

همام الصنعاني

تفسير : 3071- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ}: [الآية: 47]، قال: ضلال وعناء. 3072- عبد الرزاق، عن داود بن قيس، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي قال: كنت أقرأ هذه الآية، فلا أدري ما عنى بها حتى سقطت عليها: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ...} [الآية: 47] إلى {كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} [الآية: 50]، فإذا هم المكذبون بالقَدَرِ. 3074- عبد الرزاق، عن محمد بن يحيى، عن الثَّوري، عن زياد بن إسماعيل، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن أبي هريرة، قال: جاء مشركوا قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}: [الآيات: 47-49].