٥٤ - ٱلْقَمَر
54 - Al-Qamar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
49
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: الأولى: المشهور أن قوله: {إِنَّا كُلَّ شَىْء } متعلق بما قبله كأنه قال: ذوقوا فإنا كل شيء خلقناه بقدر، أي هو جزاء لمن أنكر ذلك، وهو كقوله تعالى: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } تفسير : [الدخان: 49] والظاهر أنه ابتداء كلام وتم الكلام عند قوله: {أية : ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } تفسير : [القمر: 48] ثم ذكر بيان العذاب لأن عطف: {أية : وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ } تفسير : [القمر: 50] يدل على أن قوله: {إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } ليس آخر الكلام. ويدل عليه قوله تعالى: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } تفسير : [الأعراف: 54] وقد ذكر في الآية الأولى الخلق بقوله: {إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ } فيكون من اللائق أن يذكر الأمر فقال: {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ } وأما ما ذكر من الجدل فنقول النبي صلى الله عليه وسلم تمسك عليهم بقوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـٰلٍ } تفسير : [القمر: 47] إلى قوله: {أية : ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } تفسير : [القمر: 48] وتلا آية أخرى على قصد التلاوة، ولم يقرأ الآية الأخيرة اكتفاء بعلم من علم الآية كما تقول في الاستدلالات: {أية : لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ } تفسير : [النساء: 29] الآية: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 121] الآية: {أية : وَإِذَا تَدَايَنتُم } تفسير : [البقرة: 283] الآية إلى غير ذلك. المسألة الثانية: {كُلٌّ } قرىء بالنصب وهو الأصح المشهور، وبالرفع فمن قرأ بالنصب فنصبه بفعل مضمر يفسره الظاهر كقوله: {أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ } تفسير : [يس: 39] وقوله: {أية : وَٱلظَّـٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ } تفسير : [الإنسان: 31] وذلك الفعل هو خلقناه وقد فسره قوله: {خَلَقْنَـٰهُ } كأنه قال: إنا خلقنا كل شيء بقدر، وخلقناه على هذا لا يكون صفة لشيء كما في قوله تعالى: {أية : وَمِن كُلّ شَىْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } تفسير : [الذاريات: 49] غير أن هناك يمنع من أن يكون صفة كونه خالياً عن ضمير عائد إلى الموصوف، وههنا لم يوجد ذلك المانع، وعلى هذا فالآية حجة على المعتزلة لأن أفعالنا شيء فتكون داخلة في كل شيء فتكون مخلوقة لله تعالى، ومن قرأ بالرفع لم يمكنه أن يقول كما يقول في قوله: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ } تفسير : [فصلت: 17] حيث قرىء بالرفع لأن كل شيء نكرة فلا يصح مبتدأ فيلزمه أن يقول: كل شيء خلقناه فهو بقدر، كقوله تعالى: {أية : وَكُلُّ شَىْء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } تفسير : [الرعد: 8] في المعنى، وهذان الوجهان ذكرهما ابن عطية في تفسيره وذكر أن المعتزلي يتمسك بقراءة الرفع ويحتمل أن يقال: القراءة الأولى وهو النصب له وجه آخر، وهو أن يقال: نصبه بفعل معلوم لا بمضمر مفسر وهو قدرنا أو خلقنا، كأنه قال: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، أو قدرنا كل شيء خلقناه بقدر، وإنما قلنا: إنه معلوم لأن قوله: {أية : ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَـٰلِقُ كُـلّ شَىْء } تفسير : [غافر: 62] دل عليه، وقوله: {وَكُلَّ شىْء بِمِقْدَارٍ } دل على أنه قدر وحينئذ لا يكون في الآية دلالة على بطلان قول المعتزلي وإنما يدل على بطلان قوله: {أية : ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } تفسير : [الزمر: 62] وأما على القراءة الثانية وهي الرفع، فنقول: جاز أن يكون كل شيء مبتدأ وخلقناه بقدر خبره وحينئذ تكون الحجة قائمة عليهم بأبلغ وجه، وقوله: {كُلّ شَىْء } نكرة فلا يصلح مبتدأ ضعيف لأن قوله: {كُلّ شَىْء } عم الأشياء كلها بأسرها، فليس فيه المحذور الذي في قولنا: رجل قائم، لأنه لا يفيد فائدة ظاهرة، وقوله: {كُلّ شَىْء } يفيد ما يفيد زيد خلقناه وعمرو خلقناه مع زيادة فائدة، ولهذا جوزوا ما أحد خير منك لأنه أفاد العموم ولم يحسن قول القائل أحد خير منك حيث لم يفد العموم. المسألة الثالثة: ما معنى القدر؟ قلنا: فيه وجوه أحدها: المقدار كما قال تعالى: {أية : وَكُلُّ شَىْء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } تفسير : [الرعد: 8] وعلى هذا فكل شيء مقدر في ذاته وفي صفاته، أما المقدر في الذات فالجسم وذلك ظاهر فيه وكذلك القائم بالجسم من المحسوسات كالبياض والسواد، وأما الجوهر الفرد مالا مقدار له والقائم بالجوهر مالا مقدار له بمعنى الامتداد كالعلم والجهل وغيرهما، فنقول: ههنا مقادير لا بمعنى الامتداد، أما الجواهر الفرد فإن الإثنين منه أصغر من الثلاثة، ولولا أن حجماً يزداد به الامتداد، وإلا لما حصل دون الامتداد فيه، وأما القائم بالجوهر فله نهاية وبداية، فمقدار العلوم الحادثة والقدر المخلوقة متناهية، وأما الصفة فلأن لكل شيء ابتدىء زماناً فله مقدار في البقاء لكون كل شيء حادثاً، فإن قيل: الله تعالى وصف به، ولا مقدار له ولا ابتداء لوجوده، نقول: المتكلم إذا كان موصوفاً بصفة أو مسمى باسم، ثم ذكر الأشياء المسماة بذلك الاسم أو الأشياء الموصوفة بتلك الصفة، وأسند فعلاً من أفعاله إليه يخرج هو عنه، كما يقول القائل: رأيت جميع من في هذا البيت فرأيتهم كلهم أكرمني، ويقول ما في البيت أحد إلا وضربني أو ضربته يخرج هو عنه لا لعدم كونه مقتضى الاسم، بل بما في التركيب من الدليل على خروجه عن الإرادة، فكذلك قوله: {خَلَقْنَـٰهُ } و{أية : خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } تفسير : [الزمر: 62] يخرج عنه لا بطريق التخصيص، بل بطريق الحقيقة إذا قلنا: إن التركيب وضعي، فإن هذا التركيب لم يوضع حينئذ إلا لغير المتكلم ثانيها: القدر التقدير، قال الله تعالى: {أية : فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ } تفسير : [المرسلات: 23] وقال الشاعر:شعر : وقـد قـدر الرحمـن مـا هـو قـادر تفسير : أي قدر ما هو مقدر، وعلى هذا فالمعنى أن الله تعالى لم يخلق شيئاً من غير تقدير، كما يرمي الرامي السهم فيقع في موضع لم يكن قد قدره، بل خلق الله كما قدر بخلاف قول الفلاسفة إنه فاعل لذاته والاختلاف للقوابل، فالذي جاء قصيراً أو صغيراً فلاستعداد مادته، والذي جاء طويلاً أو كبيراً فلاستعداد آخر، فقال تعالى: {كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } منا فالصغير جاز أن يكون كبيراً، والكبير جاز خلقه صغيراً ثالثها: {بِقَدَرٍ } هو ما يقال مع القضاء، يقال بقضاء الله وقدره، وقالت الفلاسفة في القدر الذي مع القضاء: إن ما يقصد إليه فقضاء وما يلزمه فقدر، فيقولون: خلق النار حارة بقضاء وهو مقضي به لأنها ينبغي أن تكون كذلك، لكن من لوازمها أنها إذا تعلقت بقطن عجوز أو وقعت في قصب صعلوك تخرقه، فهو بقدر لا بقضاء، وهو كلام فاسد، بل القضاء ما في العلم والقدر ما في الإرادة فقوله: {كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } أي بقدره مع إرادته، لا على ما يقولون إنه موجب رداً على المشركين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ } منصوب بفعل يفسره {خَلَقْنَٰهُ بِقَدَرٍ } بتقدير حال من كل أي مقدراً، وقرىء (كل) بالرفع مبتدأ خبره خلقناه.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِقَدَرٍ} على قدر ما أردنا من غير زيادة ولا نقصان، أو بحكم سابق وقضاء محتوم.
الخازن
تفسير : {إنا كل شيء خلقناه بقدر} أي مقدور ومكتوب في اللوح المحفوظ. وقيل: معناه قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له. وقال ابن عباس: كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدك. (فصل في سبب نزول الآية وما ورد في القدر وما قيل فيه) (م) "حديث : عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة"تفسير : قال وعرشه على الماء (م). عن أبي هريرة قال: "حديث : جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآية {إن المجرمين في ضلال وسعر} إلى قوله {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (م) عن طاوس قال: أدركت ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقدر الله تعالى قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز ". تفسير : عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر" تفسير : أخرجه الترمذي. وله عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه"تفسير : وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن ميمون وهو منكر الحديث. وفي حديث جبريل المتفق عليه: وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت ففيه ذم القدرية. عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر من مات منهم فلا تشهدوا جنازته ومن مرض منهم فلا تعودوه وهم من شيعة الدجال وحق على الله أن يلحقهم بالدجال ". تفسير : أخرجه أبو داود وله عن أبي هريرة مثله "وزاد فلا تجالسوهم ولا تفاتحوهم في الكلام". وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية" تفسير : أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. وروى ابن الجوزي في تفسيره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أمر منادياً فينادي نداء يسمعه الأولون والآخرون أي خصماء الله فتقوم القدرية فيأمر بهم إلى النار يقول الله ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ". تفسير : قال ابن الجوزي: وإنما قيل: خصماء الله، لأنهم يخاصمون في أنه لا يجوز أن يقدر المعصية على العبد ثم يعذبه عليها. وروي عن الحسن قال: والله لو أن قدرياً صام حتى يصير كالحبل، وصلّى حتى يصير كالوتر، ثم أخذ ظلماً حتى يذبح بين الركن والمقام لكبه الله على وجهه في سقر ثم قيل له ذق مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر. قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله اعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر ومعناه أن الله تعالى قدر الأشياء في القدم وعلم سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسن ما قدرها الله تعالى وأنكرت القدرية هذا وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يقدرها ولم يتقدم علمه بها وإنها مستأنفة العلم أي إنما يعلمها سبحانه وتعالى بعد وقوعها وكذبوا على الله سبحانه وتعالى عن أقوالهم الباطلة علواً كبيراً. وسميت هذه الفرقة قدرية، لإنكارهم القدر. قال أصحاب المقالات من المتكلمين: وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل ولم يبق أحد من أهل القبلة عليه. وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر ولكن تقول الخير من الله والشر من غيره تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. وحكى أبو محمد بن قتيبة في كتابه غريب الحديث، وأبو المعالي إمام الحرمين في كتابه الإرشاد في أصول الدين، أن بعض القدرية قالوا: لسنا بقدرية بل أنتم القدرية لاعتقادكم إثبات القدر. قال ابن قتبية وإمام الحرمين: هذا تمويه من هؤلاء الجهلة ومباهته وتواقح، فإن أهل الحق يفرضون أمورهم إلى الله تعالى. ويضيفون القدر والأفعال إلى الله تعالى وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم ومدعي الشيء لنفسه ومضيفه إليها أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره وينفيه عن نفسه. قال إمام الحرمين: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : القدرية مجوس هذه الأمة" تفسير : شبههم بهم لتقسيمهم الخير والشر في حكم الإرادة كما قسمت المجوس فصرفت الخير إلى يزدان والشر إلى أهرمن. ولا خفاء باختصاص هذا الحديث بالقدرية. وحديث: القدرية مجوس هذه الأمة، رواه أبو حازم عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجه أبو داود في سننه والحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين. وقال: صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم عن ابن عمر وقال الخطابي: إنما جعلهم صلى الله عليه وسلم مجوساً لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس لقولهم بالأصلين: النور والظلمة يزعمون أن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة فصاروا ثنوية وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله والشر إلى غيره والله سبحانه وتعالى خالق كل شيء الخير والشر جميعاً لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته فهما مضافان إليه سبحانه وتعالى خلقاً وإيجاداً وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلاً واكتساباً. قال الخطابي: وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله تعالى العبد وقهره على ما قدره وقضاه وليس الأمر كما يتوهمونه وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله تعالى بما يكون من اكساب العباد وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها. قال: والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر. ويقال: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد. والقضاء في هذا معناه الخلق كقوله تعالى: {أية : فقضاهن سبع سموات} تفسير : [فصلت: 12] أي خلقهن. وقد تظاهرت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل العقد والحل من السلف والخلف على إثبات قدر الله سبحانه وتعالى وقد قرر ذلك أثمة المتكلمين أحسن تقرير بدلائله القطعية السمعية والعقلية والله أعلم. وأما معاني الأحاديث المتقدمة، فقوله: جاء مشركو قريش إلى قوله إنا كل شيء خلقناه بقدر المراد بالقدر هنا القدر المعروف وهو ما قدره الله وقضاه وسبق به علمه وإرادته فكل ذلك مقدر في الأزل معلوم لله تعالى مراد له، وكذلك قوله: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء المراد منه تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره لا أصل القدر فإن ذلك أزلي لا أول له وقوله وعرشه على الماء أي قبل أن يخلق السموات والأرض، وقوله: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس. أو قال: الكيس والعجز. العجز: عدم القدرة. وقيل: هو ترك ما يجب فعله بالتسويف به وتأخيره عن وقته. وقيل: يحتمل العجز عن الطاعات ويحتمل العموم في أمور الدنيا والآخرة والكيس ضد العجز وهو النشاط والحذق بالأمور. ومعنى الحديث: أن العاجز قدر عجزه والكيس قدر كيسه. قوله تعالى: {وما أمرنا إلا واحدة} أي وما أمرنا إلا مرة واحدة وقيل معناه وأما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة واحدة {أية : كن فيكون} تفسير : [يس: 82] لا مراجعة فيه فعلى هذا إذا أراد الله سبحانه وتعالى شيئاً قال له كن فيكون فهنا بان فرق بين الإرادة والقول فالإرادة قدر والقول قضاء وقوله واحدة فيه بيان أنه لا حاجة إلى تكرير القول بل هو إشارة إلى نفاذ الأمر {كلمح البصر} قال ابن عباس: يريد أن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر. وعن ابن عباس أيضاً: معناه وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر {ولقد أهلكنا أشياعكم} أي أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم السالفة {فهل من مدكر} أي متعظ بأن ذلك حق فيخاف ويعتبر.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ} قرأ جمهور الناس: {كُلَّ} بالنصب، وقالوا: المعنى: إنَّا خلقنا كُلَّ شيء بقدر سابق، وليست خلقنا في موضع الصفة لشيء، وهذا مذهب أهل السُّنَّةِ وهذا المعنى يقتضى أَنَّ كُلَّ شيء مخلوق إلاَّ ما قام عليه الدليل أَنَّه ليس بمخلوق؛ كالقرآن والصفات. * ت *: قال الثعلبيُّ: قال ابن عباس: خَلَقَ اللَّه الخَلْقَ كُلَّهم بقدر، وَخَلَقَ الخيرَ والشَّرَّ، فخيرُ الخير: السعادةُ، وَشَرُّ الشَّرِّ: الشقاوة. وقوله سبحانه: {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ} قال * ع *: أي: إلاَّ قولة واحدة، وهي «كن». * ت *: قوله: إلاَّ قوله فيه قَلَقٌ ما، وكأَنَّه فَهِمَ أَنَّ معنى الآية راجع إلى قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }تفسير : [النحل:40] وعبارة الثعلبيِّ: أي: وما أمر الساعة إلاَّ واحدة، أي: إلاَّ رجفة واحدة، قال أبو عبيد هي نعت للمعنى دون اللفظ، مجازه: وما أمرنا إلاَّ مرة واحدة كن فيكون {كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ}، أي: كخطف بالبصر، فقيل له: إنَّه يعني الساعةَ، فقال: الساعة وجميع ما يريد، انتهى، وكلام أبي عبيد عندي حَسَنٌ. والأشياع: الفِرَقُ المتشابهة في مذهب، أو دين، ونحوهِ، الأَوَّلُ شيعةٌ للآخر، والآخرُ شيعة للأَوَّلِ، وكُلُّ شيء فعلته الأُمَم المُهْلَكَةُ في الزبر، أي: مكتوب محفوظ عليهم إلى يوم الحساب؛ قاله ابن عباس وغيره، و{مُّسْتَطَرٌ} أي: مُسَطَّر، وقرأ الجمهور: و{وَنَهَرٍ} ـــ بفتح النون والهاء ـــ؛ على أَنَّه اسم الجنس يريد به الأنهار، أو على أَنَّه بمعنى: وَسَعَةٍ في الأرزاق والمنازل، قال أبو حيان: وقرأ الأعمش «وَنُهُرٍ» ـــ بضم النون والهاء ـــ جمع نَهْرٍ؛ كـــ«رَهُنٍ» وَ«رَهْنٍ» انتهى. وقوله تعالى: {فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ} يحتمل أنْ يريدَ به الصّدقَ الذي هو ضِدُّ الكَذِبِ، أي: المقعد الذي صدقوا في الخبر به، ويحتمل أنْ يكون من قولك: عود صدق، أي: جيد، وَرَجُلٌ صِدْقٌ، أي: خير، والمليك المقتدر: اللَّه تعالى. * ت *: وقال الثعلبيُّ: {فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ} أي: في مجلس حَقٍّ لا لَغْوَ فيه ولا تأثيمَ، وهو الجنة عند مليك مقتدر، و{عِندَ}: إشارة إلى القربة والرُّتْبَةِ، انتهى. * ص *: قال أبو البقاء: {فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ}: بدل من قوله: {فِي جَنَّـٰتٍ} انتهى، قال المُحَاسِبِيُّ: وإذا أخذ أهلُ الجنة مجالسَهم، واطمأنوا في مقعد الصدق الذي وعده اللَّه لهم، فهم في القُرْبِ من مولاهم سبحانه على قدر منازلهم عنده، انتهى من كتاب «التَّوَهُّمِ» ثم قال المُحَاسِبيُّ بإثْرِ هذا الكلام: فلو رأيتهم، وقد سمعوا كلامَ ربهم، وقد داخل قلوبَهم السرورُ، وقد بلغوا غايةَ الكرامة ومنتهى الرضا والغِبْطَةِ، فما ظَنُّك بنظرهم إلى العزيز العظيم الجليل الذي لا تقع عليه الأوهام؛ ولا تحيطُ به الأفهام، ولا تحده الفِطَنُ، ولا تكيِّفه الفِكَرُ، الأَزَلِيُّ القديم، الذي حارت العقول عن إدراكه، وكَلَّتِ الألسن عن كُنْهِ صفاته؟!انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ} العامة على نصب "كل" على الاشتغال. وأبو السَّمَّالِ بالرفع وقد رجح الناس - بل بعضُهُمْ أَوْجَبَ - النَّصَب، قال: لأن الرفع يوهم ما لا يجوز على قواعد أهل السنة، وذلك أنه إذا رفع: "كل شيء" كان مبتدأ، و "خلقناه" صفة لـ "كُلّ" أو "شَيْء" و "بِقَدَرٍ" خبره. وحيئنذ يكون له مفهومٌ لا يخفى على مُتَأَمِّلِهِ، فيلزم أن يكون الشيء الذي ليس مخلوقاً لله تعالى لا بقدر كذا قدره بعضهم. وقال أبو البقاء: وإنما كان النصب أولى لدلالته على عموم الخلق، والرفع لا يدل على عمومية بل يفيد أن كل شيء مخلوق فهو بقدر. وقال مكي بن أبي طالب: كان الاختيار على أصول البصريين رفع "كُلّ" كما أن الاختيار عندهم في قولك: "زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ" الرفع والاختيار عند الكوفيين النصب فيه بخلاف قولنا: زَيْد أَكْرَمْتُهُ، لأنه قد تقدم في الآية شيء عمل فيما بعده وهو "إنَّ". والاختيار عندهم النصب فيه. وقد أجمع القراء على النصب في (كُلَّ) على الاختيار فيه عند الكوفيين ليدل ذلك على عموم الأشياء المخلوقات أنها لله تعالى بخلاف ما قاله أهلُ الزَّيْغِ من أن ثَمَّ مخلوقاتٍ لغير الله تعالى. وإنما دل النصب في "كل" على العموم، لأن التقدير: إنّا خَلَقْنَا كُلَّ شَيْء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر "فخلقناه" تأكيد وتفسير "لخَلَقْنَا" المضمر الناصب لـ "كُلَّ شَيْءٍ" فهذا لفظ عام يَعُمُّ جميع المخلوقات. ولا يجوز أن يكون "خَلَقْنَاهُ" صفة لـ "شَيْءٍ"؛ لأن الصفة والصلة لا يعملان قبل فيما قبل الموصوف ولا الموصول، ولا يكونان تفسيراً لما يعمل فيما قبلهُما، فإذا لم يبق "خَلَقْنَاهُ" صفة لم يبق إلا أنَّه تأكيدٌ وتفسيرٌ للمضمر الناصب وذلك يدل على العموم. وأيضاً فإن النصب هو الاختيار؛ (لأن "إنَّا" عندهم تطلب الفعل، فهُو أولى به فالنصب عندهم في "كل" هو الاختيار) فإذا انضاف إليه معنى العموم والخروج عن الشبه كان النصب أولى من الرفع. وقال ابن عطيه وقومٌ من أهل السنة: بالرفع. قال أبو الفتح: هو الوجهُ في العربية وقراءتنا بالنصب مع الجماعة. وقال الزمخشري: كل شيء منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر. وقرىء: كُلُّ شَيْءٍ بالرفع. والقَدَرُ والقَدْرُ: التقديرُ. وقرىء بهما أي خَلَقْنَا كل شيء مقدَّراً محكماً مرتباً على حَسْب ما اقتضته الحكمة أو مقدراً مكتوباً في اللوح المحفوظ معلوماً قبل كونه قد علمنا حاله وزمانه انتهى. وهو هنا يتعصب للمعتزلة لضعْف وجه الرفع. وقال قومٌ: إذا كان الفعل يتوهم فيه الوصف، وأن ما بعده يَصْلُحُ للخبر وكان المعنى على أن يكون الفعل هو الخبر اختار النصب في الاسم الأول حتى يتضح أن الفعل ليس بوصف. ومنه هذا الموضع، لأن قراءة الرفع تخيل أن النصب وصف وأن الخبر: "بَقَدَرٍ". وقد تنازع أهل السنة والقدرية في الاستدلال بهذه الآية، فأهل السنة يقولون: كُلّ شيء مخلوق لله تعالى، ودليلهم قراءة النصب؛ لأنه لا يفسر في هذا التركيب إلا ما يَصِحُّ أن يكون خبراً لو رفع الأول على الابتداء. وقال القَدَريَّة: القراءة برفع "كل" و "خَلَقْنَاهُ" في موضع الصفة لـ "كُلّ" أي أمْرُنَا أو شَأْنُنَا كُلُّ شيء خَلَقْنَاه فهو بقدر أو بمقدار. وعلى حد ما في هيئَتِهِ وزمنِهِ (وَغيْرِ ذَلِكَ). وقال بعض العلماء في القدر هنا وجوه: أحدها: أنه المقدار في ذاته وفي صفاته. الثاني: (أنه) التقدير لقوله: {أية : فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 23] وقال الشاعر: شعر : 4614-............................ وَقَدْ قَدَرَ الرَّحْمَنُ مَا هُوَ قَادِرُ تفسير : أي ما هو مقدِّر. الثالث: القدر الذي يقال مع القضاء، كقولك: كَان بِقَضَاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فقوله: (بقَدَرٍ) على قراءة الناصب متعلق بالفعل الناصب، وفي قراءة الرفع في محلّ رفع، لأنه خبرٌ لـ "كُلّ" و "كُلّ" وخبرها في محل رفع خبر "لإِنَّ". وسيأتي قريباً أنه عكس هذه؛ أعني في اختيار الرفع وهي قوله تعالى: {أية : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ} تفسير : [القمر: 52]، فإنه يختلف في رفعه، قالوا: لأن نَصْبَه يؤدي إلى فساد المعنى لأن الواقع خلافه، وذلك أنك لو نصبته لكان التقدير: فَعلُوا كُلَّ شَيْءٍ فِي الزُّبُرِ. وهو خلافُ الواقع، إذ في الزبر أشياء كثيرة جداً لم يَفْعَلُوها. وأما قراءة الرفع فتؤدي إلى أن كل شيء فعلوه هو ثابتٌ في الزُّبُرِ. وهو المقصود فلذلك اتفق على رَفْعِهِ. وهذان الموضعان من نُكَت المسائل الغَريبة التي اتُّفِقَ مجيئُها في سورة واحدةٍ ومَكَانَيْن مُتَقَارِبَيْن، ومما يدل على جلالة علم الإعراب وإفهامِهِ المعانيَ الغَامِضَة. فصل قال أهل السنة: إن الله تعالى قدر الأشياء أَيْ أي علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد منها ما سبق في علمه فلا محدث في العالم العلويّ والسفليّ إلا وهو صادرٌ عن علمِهِ تعالى وقدرتِهِ وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوعُ اكتساب ومحاولةٍ ونسبةٍ وإضافةٍ، وأن ذلك كله إنما جُعِلَ لهم بتيسير الله وبقدرة الله وإلهامه سبحانه وتعالى لا إله إلا هو ولا خالقَ غيره كما نص عليه القرآن والسنة. لا كما قال القَدَريَّة وغيرهمُ من أن الأعمال إلينا، والآجال بيد غَيرِنا. قال أبو ذرٍّ: "حديث : قَدِمَ وَفْد نَجْرَانَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: الأعمال إلينا والآجال بيد غيرِنا، فنزلت هذه الآيات إلى قوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} فقالوا يا محمد: يكتب علينا الذنب ويعذبنا؟ فقال: أنتم خصماء الله يَوْمَ القيامة ". تفسير : فصل روى أبو الزُّبَيْر عن جابرِ بنِ عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إِنَّ مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ المُكَذِّبُونَ لِقَدَر اللَّهِ، إنْ مَرِضُوا فَلاَ تَعُودُوهُم وإنْ مَاتُوا فَلاَ تَشْهَدُوهُم وإنْ لَقِيتُمُوهم فَلاَ تُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ"تفسير : . أخرجه ابن ماجه في سننه. وخرج أيضاً عن ابن عباس وجابر قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لهم في الإِسْلاَم نَصِيبٌ أَهْلُ الإرْجَاء والقَدَر ". تفسير : قوله: {وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ} أي إلا كلمة واحدة وهو قوله "كُنْ". "كَلَمْحِ بِالبَصَرِ" أي قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر. واللمح: النظر بالعَجَلة يقال: لَمَحَ البَرْق ببَصَره؛ وفي الصحاح: لَمَحَهُ وأَلْمَحَهُ إِذا أبصره بنظرٍ خفيف، والاسم اللَّمْحَة، ولَمَحَ البَرْقُ والنَّجْمُ لَمحاً، أي لَمَعَ. قال البغوي: قوله "وَاحِدَةٌ" يرجع إلى المعنى دون اللفظ أي وما أمرنا إلا واحدة. وقيل: معناه وأما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة واحدة كما تقدم، وهي رواية عَطَاءٍ عن ابْن عبَّاس، وروى الكلبي عنه: وما أمرنَا بمجيء الساعة في السرعة إلاَّ كَطَرْف البَصَر. فصل قال ابن الخطيب: إنَّ الله تعالى إذا أراد شيئاً قال له: كُنْ فهناك شيئان الإرادة والقَوْل، فالإرادة قَدَر، والقول قضاء، وقوله: "وَاحِدَةٌ" يحتمل أمرين: أحدهما: بيان أنه لا حاجة إلى تكرير القول إشارة إلى نَفَاذِ القَوْل. ثانيهما: بيان عدم اختلاف الحال فأمره عند خلق العرش العظيم كأمره عند خلق النَّمْلَة الصغيرة فأمره عند الكل واحد. وقوله: "كَلَمْحٍ بالبَصَرِ" تشبيه للكون لا تشبيه الأَمْر، فكأنه قال: أمرنا واحدة، فإذا المأمور كائنٌ كلمح بالبصر، لأنه لو كان راجعاً إلى الأمر لا يكون ذلك صفة مدح يليق به، فإن كلمة "كُنْ" شيء أيضاً يوجد كلمح بالبصر. ومعنى "كَلَمْحٍ بالبصَرِ" أي كنَظَر العَيْن. والباء للاستعانة مثل: كَتَبْتُ بالقَلَم، دخلت على الآلة ومثل بها؛ لأنها أسرع حركة في الإنسان؛ لأن العين وجد فيها قرب المحرَّك منها، ولا يفضل عليه بخلاف العِظام، واستدارة شكلها، فإن دَحْرَجَةَ الكُرَة أسرع من دحرجة المُثَلَّثِ والمربَّعِ، ولأنها في رُطُوبةٍ مخلوقة في العضو الذي هو موضعها، وهو الحكمة في كثرة المرئيَّات بخلاف المأكولات والمسموعات والمفاصل التي تُفْصَل بالأرجل والمذُوقات فلَوْلاَ سرعة حركة الآلة التي بها إدراك المبْصرات لما وصل إلى الكل إلا بعد طول بَيَان. وقيل: معنى: "كلمح بالبصر" البرق يمر به سريعاً، فالباء تكون للإلصاق، نحو: مَرَرْتُ بِهِ، وفي قوله: "كَلَمْحِ بِالبَصَرِ" ولم يقل: كلمح البرق فائدةٌ، وهي أن لَمْحَ البرق له مبدأٌ ونهاية فالذي يمر بالبصر منه يكون أدل من جملته مبالغة في القلة، ونهاية السرعة. قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ} أي أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم السابقة. وقيل: أتباعكم وأعوانكم. {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}، أي يتذكر ويعلم أن ذلك حق فيخاف ويعتبر. (قوله) {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ} أي جميع مَا فَعَلَتْهُ الأمم قبلهم من خير وشر فإنه مكتوب عليهم أي في كتب الحفظة. وقيل: في اللوح المحفوظ. وقيل: في أم الكتاب. قال القرطبي: وهذا بيان لقوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} أي "في الزُّبُرِ" أي في اللوح المحفوظ. قوله: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} أي كل صغير وكبير مكتوب على عامله قبل أن يفعلوه. وقرأ العامة مُسْتَطَرٌ بتخفيف الراء من السَّطْر وهو الكَتْب أي مُكْتَتَبٌ يقال: سَطَرْتُ واسْتَطَرْتُ وكَتَبْتُ وَاكْتَتَبْتُ وقرأ الأعمش وعِمْرَانُ بنُ حُدَيْر - وتروى عن عاصمٍ - بتشديدها، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مشتق من طَرّ الشاربُ والنباتُ أي ظَهَرَ وثَبَتَ بمعنى أن كل شيء قَلّ أو كَثُر ظاهرٌ في اللّوح غير خفي، فوزنه مُسْتَفْعَلٌ كمُسْتَخْرجٍ. والثاني: أنه من الاسْتِطَار كقراءة العامة، وإنما شددت الراء من أجل الوقوف كقولهم: هذا جَعْفَرّ ونفعلّ، ثم أجري الوصل مجرى الوقف فوزنه مُفْتَعَلٌ كقراءة الجمهور. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} العامة بالإفراد، وهو اسم جنس بدليل مقارنته للجمع والهاء مفتوحة كما هو الفصيح. وسكّنها مجاهدٌ والأعرج وأبو السَّمَّال "والفَيَّاض". وهي لغة تقدم الكلام عليها أول البقرة. قال ابن جُرَيْجٍ: معنى (نهر) أنهار الماء والخَمْر والعَسَل. ووُحِّدَ؛ لأنه رأس آية. ثم الواحد قد ينبىء عن الجمع. وقال الضحاك ليس المراد هنا نهر الماء، وإنما المراد سَعَةُ الأرزاق؛ لأن المادة تدل على ذلك كقول قَيْس بن الخَطِيمِ: شعر : 4615- مَلَكْتُ بِهَا كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا يَرَى قَائِمٌ مِنْ دُونها مَا وَرَاءَهَا تفسير : أي وسعته. ومنه: أَنْهَرْتُ الجُرْحَ. ومنه: النَّهَار، لضيائه. وقرأ أبو نهيك وأبو مجْلَز والأعمش وزهير الفُرْقُبيّ - ونقله القرطبي أيضاً عن طَلْحَة بن مُصَرِّف والأعرج وقتادة -: "ونُهُر" بضم النون والهاء وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون نهر بالتحريك وهو الأولى نحو: أُسُد في أَسَدٍ. والثاني: أن يكون جمع الساكن نحو: سُقُف في سَقْفٍ، ورُهُن في رَهْن. والجمع مناسب للجمع قبله في جَنَّات. وقراءة العامة بإفراده أبلغ، وقد تقدم كلام ابن عباس في قوله تعالى آخر البقرة {وَمَلائكته وكتابه} [البقرة: 285] بالإِفراد أنه أكثر من الكُتُب، وتقدم أيضاً تقرير الزمخشري لذلك. قال القرطبي (رحمةُ الله عليه) كأَنه جمع نهار لا ليل لهم كسَحَاب وسُحُب. قال الفراء: أنشدني بعض العرب: شعر : 4616- إِنْ تَك لَيْلِيًّا فَإِنِّي نَهِرُ مَتَى أَرَى الصُّبْحَ فَلاَ أَنْتَظِرُ تفسير : أي صاحب النهار. وقال آخر: شعر : 4617- لَوْلاَ الثَّرِيدُ إِنْ هَلَكْنَا بِالضُّمُرْ ثَرِيدُ لَيْلٍ وَثَرِيدٌ بِالنُّهُرْ تفسير : فصل لما وصف الكفار وصف المؤمنين أيضاً، فقال: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ} الجنات: اسم للأشجار أي هم خلالها وكذلك الأنهر، والمعنى: جنات وعند عيون كقوله: شعر : 4618- عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً ........................ تفسير : وجمعت الجنات إشارة إلى سَعَتِها وتنوعها، وأفرد النَّهَر؛ لأن المعنى في خلاله، فاستغني عن جمعه، وجمع في قوله: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} لئلا يتوهم أنه ليس في الجنة إلاّ نهر فيه. والتنكير فيه للتعظيم. قوله: "فِي مَقْعَدِ" يجوز أن يكون خبراً ثانياً وهو الظاهر، وأن يكون حالاً من الضمير في الجار لوقوعه خبراً، وجوّز أبو البقاء: أن يكون بدلاً من قوله: "فِي جَنَّاتٍ". وحيئنذ يجوز أن يكون بدلَ بعض، لأن المقعد بعضها، وأن يكون اشتمالاً، لأنها مشتملة، والأول أظهر. والعامة على إفراد مَقْعَدٍ مراداً به الجنس كما تقدم في: "نَهَر". وقرأ عُثْمَانُ البَتِّيُّ: مَقَاعِدَ. وهو مناسب للجمع قبله. و "مَقْعَدُ صِدْقٍ" من باب رَجُلُ صِدْقٍ في أنه يجوز أن يكون من إضافة الموصوف لصفته والصدق يجوز أن يراد به ضد الكذب أي صدقوا في الإخبار عنه. وأن يراد به الجَوْدَة والخَيْرِيَّة. وَمَلِيكٍ مثال مُبالغة، وهو مناسب هنا ولا يتوهم أن أصله "ملك"؛ لأنه هو الوارد في غير موضع وأن الكسرة أُشْبِعَتْ فتولد منها ياء؛ لأن الإشباع لم يرد إلا ضرورةً أو قليلاً وإن كان قد وقع في قراءة هشام: {أفئدة} [إبراهيم: 43] في آخر إبراهيم. فَلْيُلْتَفَتْ إليه. فصل قال: في مقعد صدق ولم يقل: في مجلس صدق؛ لأن القعود جلوس فيه مكثٌ ومنه: "قَوَاعِدَ البَيْتِ" [و] {أية : وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النور: 60]، ولا يقال جوالس فأشار إلى دَوَامِه وثَبَاتِهِ، ولأن حروف "ق ع د" كيف دارتْ تدل على ذلك والاستعمال في القعود يدل على ذلك ومنه: {أية : لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [النساء: 95]، وقوله {أية : مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} تفسير : [آل عمران: 121] إشارة إلى الثبات وكذا قوله: {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} تفسير : [ق: 17]، فذكر المقعد لدوامه أو لطوله وقال في المجلس: {أية : تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ} تفسير : [المجادلة: 11] إشارة إلى الحركة، وقال {أية : ٱنشُزُواْ} تفسير : [المجادلة: 11] إشارة إلى ترك الجلوس أي هو مجلس فلا يجب ملازمته بخلاف المقعد. فصل قال المفسِّرون: في مقعد صدق أي حق لا لغو فيه ولا تأثيم {عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} أي مالك قادر لا يعجزه شيء و "عِندَ" ههنا عندية القُرْبَة والزُّلْفَةِ والمكانة والرتبة والكرامة والمنزلة. قال (جَعفرُ) الصادق: مَدَحَ الله المكانَ بالصِّدق فلا يقع فيه إلا أهل الصدق. وروى الثعلبي في تفسيره عن أبيّ بن كعب (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورَةَ اقْتَرَبَت السَّاعَةُ فِي كُلّ غِبٍّ بُعِثَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ. وَمَنْ قَرَأَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ كَانَ أَفْضَلَ وَجَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَوَجْهُهُ مُسفرٌ عَلَى وُجُوهِ الخَلاَئِقِ ". تفسير : (اللَّهُمّ ارحمْنا، وارزقْنَا واسْتُرْنَا). (واللَّهُ أَعْلَمُ).
البقاعي
تفسير : ولما أخبر بقيام الساعة وما يتفق لهم فيها جزاء لأعمالهم التي قدرها عليهم وهي ستر فرضوا بها لاتباع الشهوات واحتجوا على رضاه بها، وكان ربما ظن ظان أن تماديهم على الكفر لم يكن بإرادته سبحانه، علل ذلك منبهاً على أن الكل فعله، وإنما نسبته إلى العباد بأمور ظاهرية، تقوم عليهم بها الحجة في مجاري عاداتهم، فقال: {إنا} أي بما لنا من العظمة {كل شيء} أي من الأشياء المخلوقة كلها صغيرها وكبيرها. ولما كان هذا التعميم في الخلق أمراً أفهمه النصب، استأنف قوله تفسيراً للعامل المطوي وإخباراً بجعل ذلك الخلق كله على نظام محكم وأمر مقدر مبرم {خلقناه بقدر *} أي قضاء وحكم وقياس مضبوط وقسمة محدودة وقودة بالغة وتدبير محكم في وقت معلوم ومكان محدود مكتوب في ذلك اللوح قبل وقوعه تقيسه الملائكة بالزمان وغيره من العد وجميع أنواع الأقيسة - فلا يخرم عنه مثقال ذرة لأنه لا منازع لنا مع ما لنا من القدرة الكاملة والعلم التام، فهذا العذاب بقدرتنا ومشيئتنا فاصبروا عليه وارضوا به كما كنتم ترضون أعمالكم السيئة ثم تحتجون على عبادنا بأنها مشيئتنا بنحو{أية : ولو شاء الله ما أشركنا}تفسير : [الأنعام: 148] فقد أوصلكم إلى ما ترون وانكشف أتم انكشاف أنه لا يكون شيء على خلاف مرادنا، ولا يقال لشيء قدرناه: لم؟ قال الرازي في اللوامع: الكمية ساقطة عن أفعاله كما أن الكيفية والكمية ساقطتان عن ذاته وصفته - انتهى. ولا يكون شيء من أمره سبحانه إلا ما هو على غاية الحكمة، ولو كان الخلق لا يبعثون بعد الموت ليقع القصاص والقياس العدل ليكون القياس جزافاً لا بقدر وعدل، لأن المشاهد أن الفساد في هذه الدار من المكلفين من الصلاح أضعافاً مضاعفة، وقرئ في الشواذ برفع "كل" وجعله ابن جني أقوى من النصب، وليس كذلك لأن الرفع لا يفيد ما ذكرته، وما حمله على ذلك إلا أنه معتزلي، والنصب على ما قدرته قاصم لأهل الاعتزال. ولما بين أن كل شيء بفعله، بين يسر ذلك وسهولته عليه فقال: {وما أمرنا} أي كل شيء أردناه وإن عظم أثره، وعظم القدر وحقر المقدورات بالتأنيث فقال: {إلا واحدة} أي فعلة يسيرة لا معالجة فيها وليس هناك إحداث قول لأنه قديم بل تعلق القدرة بالمقدور على وفق الأرادة الأزلية، ثم مثل لنا ذلك بأسرع ما يعقله وأخفه فقال؛ {كلمح بالبصر *} فكما أن لمح أحدكم ببصره لا كلفة عليه فيه، فكذلك الأفعال كلها، بل أيسر من ذلك. ولما أخبر بتمام قدرته، وكان إهلاك من ذكر من الكفار وإنجاء من ذكر من الأبرار في هذه السورة نحواً مما ذكر من أمر الساعة في السهولة والسرعة، دل على ذلك بإنجاء أوليائه وإهلاك أعدائه فذكر بهم جملة وبما كان من أحوالهم بأيسر أمر لأن ذلك أوعظ للنفوس وأزجر للعقول، فقال مقسماً تنبيهاً على عادتهم في الكفر مع هذا الوعظ فعل المكذب بهلاكهم لأجل تكذيبهم عاطفاً على ما تقديره: ولقد أنجينا رسلنا وأشياعهم من كل شيء خطر: {ولقد أهلكنا} أي بما لنا من العظمة {أشياعكم} الذين أنتم وهم شرع واحد في التكذيب، والقدرة عليكم كالقدرة عليهم، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فلذلك سبب عنه قوله: {فهل من مدكر *} أي بما وقع لهم أنه مثل من مضى بل أضعاف...، وأن قدرته سبحانه عليه كقدرته عليهم ليرجع عن غيه خوفاً من سطوته سبحانه. ولما تمت الدلالة على إحاطة القدرة بما شوهد من الأفعال الهائلة التي لا تسعها قدرة غيره سبحانه، وكانوا يظنون أن أحواله غير مضبوطة لأنه لا يمكن ضبطها ولا يسعها علم عالم ولا سيما إذا ادعى أنه واحد، شرع في إتمام الإخبار بعظمة القدر بالإخبار بأن أفعالهم كلها مكتوبة فضلاً عن كونها محفوظة فقال: {وكل شيء فعلوه} أي الأشياء في أيّ وقت كان، كأن بالكتابة {في الزبر *} أي كتب الحفظة فليحذروا من أفعالهم فإنها غير منسية، هذا ما أطبق عليه القراء مما أدى إلى هذا المعنى من رفع كل، لأنه لو نصب لأوهم تعلق الجار بالفعل فيوهم أنهم فعلوا في الزبر كل شيء من الأشياء وهو فاسد. ولما خصهم، عم بقوله واعظاً ومخوفاً ومحذراً بأن كل شيء محفوظ فمكتوب فمعروض على الإنسان يوم الجمع: {وكل صغير وكبير} من الجواهر والمعاني منهم ومن غيرهم {مستطر *} أي مكتوب على وجه عظيم من اجتهاد الحفظة في كتابته وتحريره مع يسر ذلك وسهولته. ولما أخبر عن أحوال الكفرة في الدنيا والآخرة واعظاً بها وإعلاماً بعظمته وعليّ صفاته وسعة مملكته وشامل علمه وقدرته، ختم بأحوال القسم الآخر من أهل الساعة وهم أهل طاعته تتميماً لذلك وإشارة وبشارة للسالك في أحسن المسالك، فقال مؤكداً رداً على المنكر: {إن المتقين} أي العريقين في وصف الخوف من الله تعالى الذي أداهم إلى أن لا يفعلوا شيئاً إلا بدليل. ولما كان من البساتين والمياه وما هو ظاهر بكل مراد على عكس ما عليه الضال البعيد عن القصد الواقع في الهلاك والنار قال: {في جنات} أي في بساتين ذات أشجار تسر داخلها، قال القشيري: والجمع إذا قوبل بالجمع فالأحاد تقابل الأحاد. ولما كانت الجنان لا تقوم وتدوم إلا بالماء قال: {ونهر *} وأفرده لأن التعبير بـ"في" مفهم لعمومهم به عموم ما كأنه ظرف وهم مظروفون له، ولكثرة الأنهار وعظمها حتى أنها لقرب بعضها من بعض واتصال منابعها وتهيئ جميع الأرض لجري الأنهار منها كأنها شيء واحد، وما وعد به المتقون من النعيم في تلك الدار فرقائقه معجلة لهم في هذه الدار، فلهم اليوم جنات العلوم وأنهار المعارف، وفي الآخرة الأنهار الجارية والرياض والأشجار والقصور والزخارف، وهو يصلح مع ذلك لأن يكون مما منه النهار فيكون المعنى: أنهم في ضياء وسعة لا يزايلونه أصلاً بضد ما عليه المجرم من العمى الناشئ عن الظلام، ولمثل هذه الأغراض أفرد مع إرادة الجنس لا للفاصلة فقط. ولما كانت البساتين لا تسكن في الدنيا لأنه ليس فيها جميع ما يحتاجه الإنسان، بين أن حال تلك غير حال هذه، فقال مبدلاً مما قبله: {في مقعد} أي تلك الجنان محل إقامتهم التي تراد للقعود {صدق} أي فيما أراده الإنسان صدق وجوده الإرادة ولا يقعد فيه إلا أهل الصدق، ولا يكون فيه إلا صدقه، لا لغو فيه ولا تأثيم، والتوحيد لإرادة الجنس مع أن الإبدال يفهم أنه لا موضع في تلك الجنان إلا وهو الصالح للتسمية بهذا الاسم ولأنهم لاتحاد قلوبهم ورضاهم كأنهم في مقعد واحد على أنه قرئ بالجمع. ولما كان هذا غير معهود، بين أن سببه تمكين الله لهم منه لاختصاصه لهم وتقريبه إياهم لإرضائه لهم، فقال مقيداً لذلك بالتعبير بالعندية لأن عنديته سبحانه تعالى منزهة عن قرب الأجسام والجهات: {عند مليك} أي ملك تام الملك {مقتدر} أي شامل اقدرة بالغها إلى حد لا يمكن إدراكه لغيره سبحانه كما تقدم قريباً، فهو يوصلهم إلى كل خير ويدفع عنهم كل ضير، وكما أن لهم في الآخرة عندية الإشهاد فلهم في الدنيا عندية الإمداد، ولهذا الاسم الشريف سر في الانتصار على الظالمين، ولقد ختمت السورة كما ترى كما ابتدئت به من أمر الساعة، وكانت البداية للبداية والنهاية للنهاية، وزادت النهاية بيان السبب الموجد لها، وهو قدرته سبحانه وعز شأنه وعظمت رحمته وإحسانه، وعفوه ومغفرته ورضوانه، ولتصنيف الناس فيها إلى كافر مستحق للانتقام، ومؤمن مؤهل لغاية الإكرام، لم يذكر الاسم الأعظم الجامع الذي يذكر في سياق مقتضى جمع الجلال والإكرام لصنف واحد وهو من يقع منه الإيمان ولا يتدنس بالعصيان، وهم الذين آمنوا، ولمشاركتها للسورتين اللتين بعدها في هذا العرض، وهو الكلام في حق الصنفين فقط من غير ذكر عارض ممن آمن، أشرك الثلاثة في الخلو عن ذكر الاسم الأعظم. فلم يذكر في واحدة منها وجاء فيها من الصفات ما يقتضي العظمة على أهل الكفران، وما ينبئ عن الإكرام والإحسان لأهل الإيمان{أية : ولمن خاف مقام ربه جنتان} تفسير : [الرحمن: 46] ولهذا ختمت هذه بصفة الملك المقتضي للسطوة التامة والإكرام البالغ وعدم المبالاة بأحد كائناً من كان، لأن الملك من حيث هو ملك إما يقتضي مقامه إهانة العدو وإكرام الولي، وجعل ذلك على وجه المبالغة أيضاً، كل ذلك للإعلام بأن تصريفه سبحانه لأحوال الآخرة كما قصد في هذه السورة من تصريفه في أحوال الدنيا من إهلاك الأعداء وإنجاء الأولياء، وكأن هذه السورة كانت هكذا لأنها جاءت عقب النجم التي شرح فيها الإسراء وكان للنبي صلى الله عليه وسلم من العظمة بخرق العوائد باختراق السماوات، والوصول إلى أنهى الغاية من المناجاة، وغيره من سر الملكوت ومحل الجبروت، بعد أن لوح بمقامه عليه الصلاة والسلام بالطور ليعلم الفرق ويوصف كل بما هو الحق، فكان ذلك مقتضياً لئلا يكون بعده من الناس إلا مؤمن خالص، فإن كان غيره فهو معاند شديد الكفر، وكأنها جعلت ثلاثاً لإرادة غاية التأكيد لهذا المعنى الشديد، فلما انقضت الثلاثة كان متبركاً به في معظم آيات الحديد ثم توجت كل آية من آيات المجادلة به إشارة إلى أنه قد حصل غاية التشوف إليه ترهيباً لمن يعصي ولا سيما من يظاهر، وترغيباً في الطاعة للملك الغافر، والله الموفق لما يريد إنه قوي فعال لما يريد.
السلمي
تفسير : قال القاسم: دخل فى هذا المعنى نفوس الخلق وأعمالهم وآثارهم وخطرت قلوبهم وأنفاسهم فى أوقاتهم وأخلاقهم المحمودة والمذمومة وآجالهم ومعايشهم إظهارًا لما سبق فيهم من العلم وإيجاد القدرة أنه ضبط كل شىء بتقديره لا انفكاك لأحد من ذلك تقديراً من العزيز العليم وقهر جميع الأشياء بإجراء إرادته عليهم وتيسيرهم على ما قدر عليهم ولهم. سمعت نصر بن محمد الصيدلانى يقول: سمعت محمد بن أبى العباس الحافظ يقول: سمعت محمد بن على بن أبى خالد يقول: سمعت يوسف بن الحسين وقد سئل عن شىء من القدر فقال: من أصولنا أن القضاء أمضى بنا من عزمنا.
القشيري
تفسير : أي بِقَدَرٍ مكتوب في اللوح المحفوظ. ويقال: خلقناه بقدر ما عَلِمْنا وأردْنا وأخبرْنا.
البقلي
تفسير : اعلم الحق سبحانه اهل معرفته به انه كان عالما بالعلم القديم ومريدا بالارادة الازلية قدر المقادير بعلمه لا بفعله وارادته لا بخلقه ولم يزل عالما بذلك مريدا لذلك فسر القدر نعته الازلى ووصفه الابدى فاوجدا الموجود ذات بما سبق القدر منه فى الازل ولا يتغير ابدا مما قدر وقضى ولو خرج المقدر بلباس المحور والاثبات لا تبديل له من سبق تقدير الاول قال الله تعالى لا تبديل لخلق الله ولا مبدل لكلماته فمقتضى الخطاب الرضا والتفويض والتوكل والتسليم حتى ينكشف انوار السوابق له فيصير مشاهدا لما سبق مكاشفا لما طرق قال القاسم دخل فى هذا المعنى نفوس الخلق وأثارهم واعمالهم وخطرات قلوبهم انفاسهم فى اوقاتهم واخلاقهم المحمودة والمذمومة واجالهم ومعايشهم اظهارا لما سبق فهم من العلم وايجاد القدرة انه ضبط كل شئ بتقديره لا انفكاك لاحد من ذلك تقدير امن العزيز العليم وقهر جميع الاشياء ابجراء ارادته عليهم وتيسرهم على ما در عليهم ولهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {انا كل شىء} من الاشياء وهو منصوب بفعل يفسره مابعده {خلقناه} حال كون ذلك الشىء ملتبسا {بقدر} متعين اقتضته الحكمة التى عليها يدور امر التكوين فقدر بمعنى التقدير وهو تسوية صورته وشكله وصفاته الظاهرة والباطنة على مقدار مخصوص اقتضته الحكمة وترتبت عليه المنفعة المنوطة بخلقه او خلقناه مقدرا مكتوبا فى اللوح قبل وقوعه لايغير ولا يبدل (مصرع) شعر : قضى الله امرا وجف القلب سر برخط لو ازلى دار وخموش كز هرجه قلم رفته در نكشند تفسير : فالمراد بالقدر تقديره فى علمه الازلى وكتبه فى اللوح المحفوظ وهو القدر المستعمل فى جنب القضاء فالقضاء وجود جميع المخلوقات فى اللوح المحفوظ مجتمعه والقدر وجودها فى الاعيان بعد حصول شرآئطها ولذا عبر بالخلق فانه انما يتعلق بالوجود الظاهرى فى الوقت المعين وفى الحديث "حديث : كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السموات والارض بخمسين الف سنة وعرشه على الماء"تفسير : وعنه عليه عليه السلام "حديث : كل شىء بقدر الله حتى العجز والكيس"تفسير : وعنه عليه السلام "حديث : لايؤمن عبد حتى يؤمن بأربع يشهد لا اله الا الله وانى رسول الله بعثنى بالحق ويؤمن بالبعث بعد الموت ويؤمن بالقدر خيره وشره"تفسير : اى حلوه ومره قال فى كشف الاسرار مذهب اهل سنت آنست كه نيكى وبدى هرجند فعل بنده است وبنده بدان مثاب ومعاقب است اما بخواست الله است وبقضا وتقدير او جنانكه رب العزة كفت {أية : قل كل من عند الله}تفسير : وقال تعالى {انا كل شىء خلقناه بقدر} قالى عليه السلام القدر خيره وشره من الله ففى الآية رد على القدرية والمعتزلة والخوارج وفى التأويلات النجمية خلقنا كل شىء اى موجود علمى وعينى فى الازل بمقدار معين مثل ماقال الذى اعطى كل شىء خلقه ثم هدى اى كل شىء مخلوق على مقتضى استعداده الذاتى وقابليته ا لاصلية الازلية لا زآئد فيه ولا ناقص كما قال الغزالى رحمه الله ليس فى الامكان ابدع من هذا الوجود لانه لو كان ولم يظهر لكان بخيلا وهو جواد ولكان عاجزا وهو قادر
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّا كُلَّ شيءٍ خلقناه بقدرٍ} أي: بتقدير سابق في اللوح قبل وقوعه، قد علمنا حالَه وزمانه قبل ظهوره، أو: خلقناه كل شيء مقدّراً محكماً مرتباً على حسب ما اقتضته الحكمة، و"كل": منصوب بفعل يُفسره الظاهر. وقرئ بالرفع شاذّاً، والنصب ألأولى؛ لأنه لو رفع لأمكن أن يكون "خلقنا" صفة لشيء، ويكون الخبر مقدراً، أي: إنا كل شيء مخلوق لنا حاصل بقدر، فيكون حجة للمعتزلة، باعتبار المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم يسبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم سبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، ويجوز أن يكون الخبر: "خلقناه"، فلا حجة فيه، ولا يجوز في النصب أن يكون "خلقنا" صفة لشيء؛ لأنه يفسر الناصب، والصفة لا تعمل في الموصوف، وما لا يعمل لا يفسر عاملاً. قال أبو هريرة: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يُخاصمونه في القدر، فنزلت الآية، وكان عمر يحلف أنها نزلت في القدرية، أي: على طريق الإخبار بالغيب. {وما أَمْرُنا إِلا واحدةٌ} أي: كلمة واحدة، سريعة التكوين، وهو قوله تعالى: {كن} أي: وما أمرنا لشيء نريد تكوينه إلاّ أن نقول له: كن، فيكون، أو: إلاّ فِعلة واحدة، وهو الإيجاد بلا معالجة، {كلمح بالبصر} في السرعة، أي: على قد ما يلمح أحد ببصره، وقيل: المراد سرعة القيامة، لقوله تعالى:{أية : وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ}تفسير : [النحل: 77]. {ولقد أهلكنا أشياعكم} أي: أشباهكم في الكفر من الأمم، وقيل: أتباعكم، {فهل من مُدَّكِر} من متعظ بذلك {وكلُّ شيءٍ فعلوه} من الكفر والمعاصي مكتوب على التفصيل {في الزُبرِ} في ديوان الحفظة، {وكل صغيرٍ وكبيرٍ} مِن الأعمال، ومِن كل ما هو كائن {مُسْتَطَرٌ} مسطور في اللوح بتفاصيله. ولمَّا بيَّن سوء حال الكفرة بقوله: {إن المجرمين...} الخ، بيَّن حُسن حال المؤمنين، جمعاً بين الترهيب والترغيب فقال: {إِنَّ المتقين} أي: الكفر والمعاصي {في جناتٍ} عظيمة {ونَهَرٍ} أي: أنهار كذلك، والإفراد للاكتفاء بذكر الجنس، مراعاة للفواصل، وقرئ: "ونُهُر" جمع "نَهَر"، كأَسَد وأُسُد. {في مقعد صدقٍ} في مكان مرضيّ، وقرئ "فيمقاعد صدق"، {عند مليكٍ مقتدرٍ} أي: مقربين عند مليك قادر لا يُقادَر قدر ملكه وسلطانه، فلا شيء إلا وهو تحت ملكوته، سبحانه، ما أعظم شأنه. والعندية: عندية منزلة وكرامة وزلفى، لا مسافة ولا محاسّة. الإشارة: هذه الآية وأشباهها هي التي غسلت القلوب من الأحزان والأغيار، وأراحت العبد من كدّ التدبير والاختيار؛ لأنّ العاقل إذا علمَ عِلم يقين أن شؤونه وأحواله، وكل ما ينزل به، قد عمّه القدر، لا يتقدّم شيء عن وقته ولا يتأخر، فوَّض أمره إلى الله، واستسلم لأحكام مولاه، وتلقى ما ينزل به من النوازل بالرضا والقبول، خيراً كان أو شرّاً، كما قال الشاعر: شعر : إِذا كانتِ الأَقْدارُ مِن مَالكِ المُلْكِ فَسِيَّان عِندي مَا يَسرُّ وما يُبكي تفسير : وقال آخر: شعر : تَسَلَّ الْهُمومِ تَسل فَما الدُّنيا سِوى ثوبٍ يُعارُ وسَلِّم للمُهَيْمنِ في قَضَاهُ ولاَ تَخْتَرْ فلَيْسَ لَكَ اخْتِيارُ فَما تَدرِي إِذا ما الليْلُ وَلَّى بِأَيِّ غَريبةٍ يَاتِي النَّهار تفسير : وقوله تعالى: {وما أَمْرُنا إِلا واحدةٌ..} الخ، هذا في عالمَ الأمر، ويُسمى عالم القدرة، وأما في عالم الخلق، ويسمى عالَم الحكمة، فجُلّه بالتدريج والترتيب، ستراً لأسرار الربوبية، وصوناً لسر القدرة الإلهية، ليبقى الإيمان بالغيب، فتظهر مزية المؤمن؟ ويُقال لأهل العناد المُتجبرة: ولقد أهلكنا أشياعكم؛ إما بالهلاك الحسي، أو المعنوي، كالطرد والبُعد، فهل من متعظٍ، يرجع عن عناده؟ وكل شيء فعلوه في ديوان صحائفهم، وكل صغير وكبير من أعمال العباد مسطورة في العلم القديم. إنَّ المتقين ما سوى الله، في جنات المعارف، وأنهار العلوم والحِكَم، في مقعد صدق، هو حضرة القدس، ومحل الأنس، عند مليك مقتدر. قال الورتجبي: مقامات العندية جنانها زفارف الأنس، وأنهارها أنوار القدس، أجلسهم الله في بساط الزلفة والمداناة، التي لا يتغير صاحبها بعلة القهر، ولا يزول عنها بالتستُّر والحجاب؛ لذلك سماه "مقعد صدق" أي: محل كرامة دائمة، ومزية قائمة، ومواصلة سرمدية، والله مقدّر قادر. انظر تمام كلامه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} بقدرٍ مخصوصٍ من امد بقائه واجله وكيفيّة بقائه، او بسبب عالم القدر، او بتقديرنا له فى عالم القدر، عن الصّادق (ع) انّ القدريّة مجوس هذه الامّة وهم الّذين ارادوا ان يصفوا الله بعد له فأخرجوه من سلطانه، وفيهم نزلت هذه الآيات يوم يسحبون (الى قوله) بقدرٍ.
اطفيش
تفسير : {إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} بنصب كل على الاشتغال وهو نص في ان كل شيء هو مخلوق لله وانه بقدره فهو أولى من قراءة الرفع لانها تحتمل ان يكون الخبر هو خلقناه فيكون المعنى كمعنى قراءة النصب وهو الصواب ويحتمل ان يكون الخبر بقدر وخلقناه صفة كل أو شيء فيوهم ان ثم مخلوقا لغير الله كما هو مذهب المعتزلة وهو باطل قاله بان هشام وخالد ومذهب المعتزلة ان الافعال الاختيارية والشرية مخلوقة لهم والشيء اسم للموجود أو معقد بالوجود فلا يرد انه لم يخلق جميع الممكنات. وعن الروداني ان ايهام الوصفية حاصل مع النصب ايضا لجواز نصب كل بخلقنا محذوفا على غير الاشتغال أي خلقنا كل شيء مخلوق مثل وفعلت فعلتك التي فعلت ويدفع بان ايهام الوصفية على النصب ضعيف عن احتمالها عن الرفع والتقدير الترتيب على مقتضى الحكمة أو الكتابة في اللوح قبل وقوعه أو سبقه في علم الله بلا أول قال سعيد بن جبير: كل شيء بقدر حتى هذه وضع السبابة على طرف اللسان ثم على طرف ابها اليسرى وفي الحديث "حديث : لايؤمن عبد حتى يؤمن بالله وبي وبالبعث والقدر خيره وشره "تفسير : . وعن علي: "حديث : لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يعلم أَن ما أَخطاه لم يكن ليصيبه وما أَصابه لم يكن ليخطئه "تفسير : . قال ابن مسعود: ما كفر قوم بعد نبوة إلا كان مفتاح ذلك التكذيب بالقدر. وفي الحديث "حديث : بني الاسلام على ثلاثة الجهاد ماض منذ بعثت الى آخر فئة من المسلمين تقاتل الدجال والكف عما لا تعلم والايمان بالقدر خيره وشره وانما اخاف على امتي حيف الائمة والتصديق بالنجوم والتكذيب بالقدر " تفسير : وعن بعض نزل أن المجرمين إليَّ بقدر في القدرية منهم أسقفا نجران جاءا إليه صلى الله عليه وسلم فقالا: يا محمد تزعم أن السماء بقدر والبحار بقدر وهذه الامور بقدر ونحن نقول الا المعاصي فنزلت وقيل: اختصمت قريش في القدر فنزلت وفي الحديث "حديث : كتب الله مقادير الاشياء كلها قبل ان يخلق السماوات والارض بخمسين ألف سنة "تفسير : وقال: كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس. وقال لكل أمة مجوس ومجوس هذه الامة القدرية لا تشهدوا جنائزهم ولا تعودوا مرضاهم وهم شيعة الدجال وحق على الله ان يلحقهم به ولا تجالسوهم ولا تفاتحوهم بالكلام ولا نصيب لهم ولا للمرجئة في الاسلام وينادي يوم القيامة بمسمع الاولين والآخرين اين خصماء الرحمن فتقوم القدرية فيأمر بهم الى النار وذلك انهم يخاصمون كيف يقدر المعصية على العبد ثم يعذبه بها قاله ابن الجوزي. وعن الحسن: لو صام قدري حتى يكون الحبل وصلى حتى يكون كالوتد وذبح ضلما بين الركن والمقام لكبه الله على وجهه في سقر وقيل له ذق مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر والقدر هنا تقدير الاشياء في الازل على صفة مخصوصة وامكنة وازمنة مخصوصة كالقضاء كما يطلب القضاء على معنى الايجاد كالقدر ومنه فقضاهن سبع سماوات أي خلقهن وزعمت القدري انه لم يعلم بالاشياء حتى تقع لعنهم الله. وقد انقرضت القدرية القائلون بذلك ولم يبق عليه احد من اهل القبلة وصار متأخروهم يثبتون القدر لكن يقولون ا لشر من غير الله لعنهم الله وقد موهت القدرية بقولهم السنا بقدرية بل انت لا عتقادكم القدر والجواب ان النسبة لادنى مخالطة أو انهم نسبوا الى القدر الذي اثبتوه لانفسهم وسموا مجوسا قيل لاضافتهم الخير لله والشر لانفسهم كقول المجوس الخير فعل النور والشر فعل الظلمة ونقول الكل لله خلقا وللعباد كسبا وليس القضاء والقدر جبرا كما توهم ومعنى التحديد بخمسين ألف سنة في الحديث تحديد وقت الكتابة واما علمه فلا أول له والكيس ضد العجز والمراد العجز والكيس في كل شيء. وادعى بعض ان المراد في الطاعة قيل: والمراد بالقدرية الجهمية.
اطفيش
تفسير : {إنَّا كلَّ شَيءٍ} منصوب على الاشتغال فهو بفعل الخبر، أى إنا خلقنا كل شىء {خَلقْناهُ} فهذه الجملة المحذوفة خبر ان {بقَدرٍ} متعلق بخلق المذكور لا المحذوف، فخلقناه المذكور مؤكد للمحذوف، ولم ينسحب التوكيد على بقدر، لو قدر مثله للمحذوف لانسحب عليه التوكيد، إنا خلقنا كل شىء بقدر، خلقناه بقدر، لكن لا حاجة الى تقديره،ولا دليل ونصب كل دليل على تقدير الناصب فقط، ولو علقنا بقدر المذكور لا بخلق المحذوف لم يحصل التأكيد أيضا إلا على تقدير مثله لخلق المذكور، ولرفع كل كما هو قراءة شاذة لكان خبره وقوله: {خلقناه بقدر} وهو المعنى المراد، فيحتمل أن يكون قوله: {خلقناه} نعتا لشىء، ويقدر خبر كل فيكون المعنى كل شىء متصف بأنه مخلوق لنا بقدر، فربما توهم أن ثم شيئا غير مخلوق لله تعالى، فلا يبطل الا بخارج وهو سائر الآيات، والدلائل التى نصبت أنه خالق سواه، فالنصب أولى لأنه لا احتمال معه. ومعنى بقدر بتقدير، أى باحكام واستيفاء لا مهملا، فذلك كقوله تعالى: "أية : وخلق كل شيء فقدره تقديراً" تفسير : [الفرقان: 2] أو المعنى بمقدار مخصوص أو المعنى أنه مكتوب فى اللوح قبل خلقه، الآية رد على من نفى القدر عن الله عز وجل، خاصم قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم فى القدر، فنزل: "أية : يوم يسحبون" تفسير : [القمر: 48] الى {بقدر} رواه أبو هريرة، وهو يقتضى أن يوم منصوب باذكر، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية" تفسير : نزل فيهما "أية : إنَّ المجرمين" تفسير : [القمر: 47] الى {بقدر} رواه ابن عباس، وكان ابن عباس يبغض القدرية جدا ويقول: لو أدركت بعضهم لفعلت به كذا وكذا، ثم قال: الزنى بقدر، والسرقة بقدر، وشرب الخمر بقدر، قال مجاهد: قلت لابن عباس: ما تقول فيمن يكذب بالقدر؟ قال: أجمع بينى وبينه، قلت: ما تصنع به؟ قال: أخنقه حتى يموت. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لكل أمة مجوس ومجوسا أمتي الذين يقولون لا قدر، إنْ مرضوا فلا تعودوهم، وإنْ ماتوا فلا تشهدوهم" تفسير : أو كل شىء له مقداره الذى قضاه الله له، وعن ابن عباس: كل شىء بقدر حتى وضعك يدك على خدك، قال عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أمر منادياً فينادي نداء يسمعه الأولون والآخرون أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية فيأمر بهم إلى النار" تفسير : يقول الله: {ذوقوا مس سقر * إنا كل شيء خلقناه بقدر} سماهم خصماء الرحمن لأنهم ينفون قدرة الله على أفعالهم فقالوا: انهم خلقوا أفعالهم ولم يخلقها الله، وقالوا: لا يقدر أن يخلق المعصية ويعذب عليها فاعلها، ولا يعلمها حتى تقع. وأما من قال لا يعلم شيئا حتى يقع معصية أو غيرها فقد انقطعوا، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام، وعرشه على الماء، وذلك كتابة في اللوح المحفوظ، وإلاَّ فلا أول لعلمه لأنه صفة أزلية" تفسير : ومن القدرية المعتزلية.
الالوسي
تفسير : {إِنَّا كُلَّ شَىْء } من الأشياء {خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } أي مقدراً مكتوباً في اللوح قبل وقوعه، فالقدر بالمعنى المشهور الذي يقابل القضاء، وحمل الآية على ذلك هو المأثور عن كثير من السلف، وروى الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبـي هريرة قال: «جاء مشركو قريش يخاصمون / رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 48-49]» وأخرج البخاري في «تاريخه» والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن عدي وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية » تفسير : أنزلت فيهم آية في كتاب الله { أية : إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ } تفسير : [القمر: 47] إلى آخر الآيات. وكان ابن عباس يكره القدرية جداً، أخرج عبد بن حميد عن أبـي يحيـى الأعرج قال سمعت ابن عباس وقد ذكر القدرية يقول: لو أدركت بعضهم لفعلت به كذا وكذا ثم قال: الزنا بقدر والسرقة بقدر وشرب الخمر بقدر. وأخرج عن مجاهد أنه قال: قلت لابن عباس: ما تقول فيمن يكذب بالقدر؟ قال: اجمع بيني وبينه قلت: ما تصنع به؟ قال: أخنقه حتى أقتله. وقد جاء ذمهم في أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لكل أمة مجوس ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم »تفسير : . وجوز كون المعنى إنا كل شيء خلقناه مقدراً محكماً مستوفى فيه مقتضى الحكمة التي يدور عليها أمر التكوين، فالآية من باب { أية : وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } تفسير : [الفرقان: 2] ونصب {كُلٌّ } بفعل يفسره ما بعده أي إنا خلقنا كل شيء خلقناه. وقرأ أبو السمال - قال ابن عطية: وقوم من أهل السنة - برفع (كل) وهو على الابتداء، وجملة {خَلَقْنَـٰهُ } هو الخبر، و {بِقَدَرٍ } متعلق به كما في القراءة المتواترة، فتدل الآية أيضاً على أن كل شيء مخلوق بقدر ولا ينبغي أن تجعل جملة {خَلَقْنَـٰهُ } صفة، ويجعل الخبر {بِقَدَرٍ } لاختلاف القراءتين معنى حينئذ، والأصل توافق القراآت، وقال الرضي: لا يتفاوت المعنى لأن مراده تعالى بكل شيء كل مخلوق سواء نصب {كُلٌّ } أو رفعته وسواء جعلت {خَلَقْنَـٰهُ } صفة مع الرفع، أو خبراً عنه، وذلك إن خلقنا كل شيء بقدر لا يريد سبحانه به خلقنا كل ما يقع عليه اسم شيء لأنه تعالى لم يخلق جميع الممكنات غير المتناهية واسم الشيء يقع على كل منها، وحينئذ نقول: إن معنى {كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } على أن {خَلَقْنَـٰهُ } هو الخبر كل مخلوق مخلوق بقدر وعلى أن {خَلَقْنَـٰهُ } صفة كل شيء مخلوق كائن بقدر والمعنيان واحد إذ لفظ {كُلٌّ } في الآية مختص بالمخلوقات سواء كان {خَلَقْنَـٰهُ } صفة له أو خبراً. وتعقبه السيد السند قدس سره بأنه لقائل أن يقول: إذا جعلنا {خَلَقْنَـٰهُ } صفة كان المعنى كل مخلوق متصف بأنه مخلوقنا كائن بقدر، وعلى هذا لا يمتنع نظراً إلى هذا المعنى أن يكون هناك مخلوقات غير متصفة بتلك الصفة فلا تندرج تحت الحكم، وأما إذا جعلناه خبراً أو نصبنا {كُلّ شَىْء } فلا مجال لهذا الاحتمال نظراً إلى نفس المعنى المفهوم من الكلام فقد اختلف المعنيان قطعاً ولا يجديه نفعاً أن كل مخلوق متصف بتلك الصفة في الواقع لأنه إنما يفهم من خارج الكلام ولا شك أن المقصود ذلك المعنى الذي لا احتمال فيه. وذكر نحوه الشهاب الخفاجي ولكون النصب نصاً في المقصود اتفقت القراآت المتواترة عليه مع احتياجه إلى التقدير وبذلك يترجح على الرفع الموهم لخلافه وإن لم يحتج إليه.
ابن عاشور
تفسير : استئناف وقع تذييلاً لما قبله من الوعيد والإِنذار والاعتبار بما حلّ بالمكذبين، وهو أيضاً توطئة لقوله: {أية : وما أمرنا إلا واحدة} تفسير : [القمر: 50] إلخ. والمعنى: إنا خلقنا وفعلنا كلّ ما ذكر من الأفعال وأسبابها وآلالتها وسلّطنَاه على مستحقيه لأنا خلقنا كل شيء بقدر، أي فإذا علمتم هذا فانتبهوا إلى أن ما أنتم عليه من التكذيب والإِصرار مماثل لما كانت عليه الأمم السالفة. واقترانُ الخبر بحرف (إنّ) يقال فيه ما قلناه في قوله: {أية : إن المجرمين في ضلال وسُعر}تفسير : [القمر: 47]. والخَلْق أصله: إيجاد ذات بشكل مقصود فهو حقيقة في إيجاد الذوات، ويطلق مجازاً على إيجاد المعاني التي تشبه الذوات في التميز والوضوح كقوله تعالى: {أية : وتخلقون إفكاً}تفسير : [العنكبوت: 17]. فإطلاقه في قوله: {إنا كلّ شيء خلقناه بقدر} من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه. و{شيء} معناه موجود من الجواهر والأعراض، أي خلقنا كل الموجودات جواهرها وأعراضها بقدَر. والقدَر: بتحريك الدال مرادف القدْر بسكونها وهو تحديد الأمور وضبطها. والمراد: أن خلْق الله الأشياء مصاحب لقوانين جارية على الحكمة، وهذا المعنى قد تكرر في القرآن كقوله في سورة الرعد (8) {أية : وكُلُّ شيء عنده بِمقدار} تفسير : ومما يشمله عمومُ كل شيء خلقُ جهنم للعذاب. وقد أشار إلى أن الجزاء من مقتضى الحكمة قوله تعالى: {أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجعون}تفسير : [المؤمنون: 115] وقوله: {أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصَّفْح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم}تفسير : [الحجر: 85، 86] وقوله: {أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين}تفسير : [الدخان: 38 ـــ 40] فترى هذه الآيات وأشباهها تُعقّب ذكر كون الخلق كله لحكمة بذكر الساعة ويوم الجزاء. فهذا وجه تعقيب آيات الإِنذار والعقاب المذكورة في هذه السورة بالتذييل بقوله: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} بعد قوله: {أية : أكفاركم خيرٌ من أولٰئكم}تفسير : [القمر: 43] وسيقول: {أية : ولقد أهلكنا أشياعكم}تفسير : [القمر: 51]. فالباء في {بقدر} للملابسة، والمجرور ظرف مستقر، فهو في حكم المفعول الثاني لفعل {خلقناه} لأنه مقصود بذاته، إذ ليس المقصود الإِعلام بأن كل شيء مخلوق لله، فإن ذلك لا يحتاج إلى الإِعلام به بَلْه تأكيده بل المقصود إظهار معنى العلم والحكمة في الجزاء كما في قوله تعالى في سورة الرعد (8) {أية : وكل شيء عنده بمقدار}.تفسير : ومما يستلزمه معنى القَدر أن كل شيء مخلوقٍ هو جارٍ على وفق علم الله وإرادته لأنه خالق أصول الأشياء وجاعلُ القوى فيها لتنبعث عنها آثارها ومتولَّداتُها، فهو عالم بذلك ومريد لوقوعه. وهذا قد سمي بالقدَر في اصطلاح الشريعة كما جاء في حديث جبريل الصحيح في ذكر ما يقع به الإِيمان: وتؤمن بالقدر خيره وشره. وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله في القدَر فنزلت: {أية : يوم يُسحَبُون في النار على وجوههم ذوقوا مس سَقر إنا كل شيء خلقناه بقدر}تفسير : [القمر: 48، 49]. ولم يذكُرْ راوي الحديث تعيينَ معنى القَدَر الذي خاصم فيه كفار قريش فبقي مجملاً ويظهر أنهم خاصموا جَدلاً ليدفعوا عن أنفسهم التعنيف بعبادة الأصنام كما قالوا: {أية : لو شاء الرحمان ما عبدناهم}تفسير : [الزخرف: 20]، أي جدلاً للنبي صلى الله عليه وسلم بموجَب ما يقوله من أن كل كائن بقدر الله جهلاً منهم بمعاني القَدر. قال عياض في «الإِكمال» «ظاهره أن المراد بالقدر» هنا مرادُ الله ومشيئته وما سيق به قدره من ذلك، وهو دليل مساق القصة التي نزلت بسببها الآية» اهــــ. وقال الباجي في «المنتقَى»: يحتمل من جهة اللغة معاني: أحدها: أن يكون القَدَر ههنا بمعنى مقدر لا يُزاد عليه ولا ينقص كما قال تعالى: {أية : قد جعل الله لكل شيء قدراً}تفسير : [الطلاق: 3]. والثاني: أن المراد أنه بقدرته، كما قال: {أية : بل قادرين على أن نسوّي بَنَانَه}تفسير : [القيامة: 4]. والثالث: بقَدر، أي نخلقه في وقته، أي نقدّر له وقتاً نخلقه فيه» اهــــ. قلت: وإذ كان لفظ (قدر) جنساً، ووقع معلّقاً بفعل متعلق بضمير {كل شيء} الدال على العموم كان ذلك اللفظ عاماً للمعاني كلها فكل ما خلقه الله فَخَلْقُه بقدر، وسبب النزول لا يخصص العموم، ولا يناكد موقعَ هذا التذييل على أن السلف كانوا يطلقون سبب النزول على كل ما نزلت الآية للدلالة عليه ولو كانت الآية سابقة على ما عَدُّوه من السبب. واعلم أن الآية صريحة في أن كل ما خلقه الله كان بضبط جارياً على حكمة، وأما تعيين ما خلقه الله مما ليس مخلوقاً له من أفعال العباد مثلاً عند القائلين بخلق العباد أفعالهم كالمعتزلة أو القائلين بكسب العبد كالأشعرية، فلا حجة بالآية عليهم لاحتمال أن يكون مصب الإِخبار هو مضمون {خلقناه} أو مضمون {بقدر}، ولاحتمال عموم {كل شيء} للتخصيص، ولاحتمال المرادِ بالشيء مَا هو، وليس نفي حجيّة هذه الآية على إثبات القدَر الذي هو محَل النزاع بين الناس بمبطل ثبوت القدَر من أدلة أخرى. وحقيقة القدر الاصطلاحي خفيّة فإن مقدار تأثر الكائنات بتصرفات الله تعالى وبتسبب أسبابها ونهوض موانعها لم يبلغ علمُ الإِنسان إلى كشف غوامضه ومعرفة ما مكّن الله الإِنسان من تنفيذ لما قدّره الله، والأدلة الشرعية والعقلية تقتضي أن الأعمال الصالحة والأعمالَ السيئة سَواء في التأثر لإِرَادة الله تعالى وتعلقِ قدرته إذا تعلقت بشيء، فليست نسبة آثار الخير إلى الله دون نسبة أثر الشر إليه إلا أدباً مع الخالق لقنه الله عبيده، ولولا أنها منسوبة في التأثر لإرادة الله تعالى لكانت التفرقة بين أفعال الخير وأفعال الشر في النسبة إلى الله ملحقة باعتقاد المجوس بأنّ للخير إلهاً وللشر إلهاً، وذلك باطل لقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : وتؤمن بالقدر خيره وشره»تفسير : ، وقوله: «حديث : القدريّة مجوس هذه الأمة»تفسير : رواه أبو داود بسنده إلى ابن عمر مرفوعاً. وانتصب {كل شيء} على المفعولية لــــ {خلقناه} على طريقة الاشتغال، وتقديمه على {خلقناه} ليتأكد مدلوله بذكر اسمه الظاهر ابتداء، وذكر ضميره ثانياً، وذلك هو الذي يقتضي العدول إلى الاشتغال في فصيح الكلام العربي فيحصل توكيد للمفعول بعد أن حصل تحقيق نسبة الفعل إلى فاعله بحرف {إنّ} المفيد لتوكيد الخبر وليتصل قوله: {بقدر} بالعامل فيه وهو {خلقناه}، لئلا يلتبس بالنعت لشيء لو قيل: إنا خلقنا كل شيء بقَدَر، فيظن أن المراد: أنا خلقنا كل شيء مُقدّر فيبقى السامع منتظراً لخبر {إن}.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الكلام عليه في سورة الزخرف في بعض المناقشات التي ذكرناها في الكلام على قوله تعالى:{أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ}تفسير : [الزخرف: 81].
د. أسعد حومد
تفسير : {خَلَقْنَاهُ} (49) - يُخبِرُ اللهُ تَعَالى عَنْ نُفُوذِ قُدْرَتِهِ في خَلْقِهِ فَيَقُولُ: لَقَدْ خَلَقْنَا الخَلائِقَ جَميعاً بِتَقْدِيرِنا، وَكَونَّاهَا عَلَى مُقْتَضَى الحِكْمَةِ البَالِغَةِ، وَبِحَسَبِ السُّنَنِ التِي وَضَعْنَاهَا في الخَلِيقَةِ. وهذا مِثْلُ قَولِهِ تَعَالَى: (أية : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) تفسير : وَجَاءَ في الصَّحِيحِ (حديث : اسْتَعِنْ بِاللهِ وَلا تَعْجَزْ فَإِنْ أَصَابَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، وَلا تَقُلْ لَوْ أَني فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)تفسير : . خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ - بِتَقْدِيرٍ سَابِقٍ، أَوْ مُقَدّراً مُحْكَماً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):