Verse. 4896 (AR)

٥٤ - ٱلْقَمَر

54 - Al-Qamar (AR)

وَمَاۗ اَمْرُنَاۗ اِلَّا وَاحِدَۃٌ كَلَمْحٍؚبِالْبَصَرِ۝۵۰
Wama amruna illa wahidatun kalamhin bialbasari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما أمرنا» لشيء نريد وجوده «إلا» مرة «واحدة كلمح بالبصر» في السرعة وهي قول: كن فيوجد (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون).

50

Tafseer

الرازي

تفسير : أي إلا كلمة واحدة، وهو قوله له: (كن) هذا هو المشهور الظاهر، وعلى هذا فالله إذا أراد شيئاً قال له: (كن) فهناك شيئان: الإرادة والقول، فالإرادة والقول، فالإرادة قدر، والقول قضاء، وقوله: {وٰحِدَةٌ } يحتمل أمرين أحدهما: بيان أنه لا حاجة إلى تكرير القول إشارة إلى نفاذ الأمر ثانيهما: بيان عدم اختلاف الحال، فأمره عند خلق العرش العظيم كأمره عند خلق النمل الصغير، فأمره عند الكل واحد وقوله: {كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } تشبيه الكون لا تشبيه الأمر، فكأنه قال: أمرنا واحدة، فإذن المأمور كائن كلمح بالبصر، لأنه لو كان راجعاً إلى الأمر لا يكون ذلك صفة مدح يليق به، فإن كلمة (كن) شيء أيضاً يوجد كلمح بالبصر هذا هو التفسير الظاهر المشهور، وفيه وجه ظاهر ذهب إليه الحكماء، وهي أن مقدورات الله تعالى هي الممكنات يوجدها بقدرته، وفي عدمها خلاف لا يليق بيانه بهذا الموضع لطوله لا لسبب غيره، ثم إن الممكنات التي يوجدها الله تعالى قسمان أحدهما: أمور لها أجزاء ملتئمة عند التئامها يتم وجودها، كالإنسان والحيوان والأجسام النباتية والمعدنية وكذلك الأركان الأربعة، والسموات، وسائر الأجسام وسائر ما يقوم بالأجسام من الأعراض، فهي كلها مقدرة له وحوادث، فإن أجزاءها توجد أولاً، ثم يوجد فيها التركيب والالتئام بعينها، ففيها تقديرات نظراً إلى الأجزاء والتركيب والأعراض وثانيهما: أمور ليس لها أجزاء ومفاصل ومقادير امتدادية، وهي الأرواح الشريفة المنورة للأجسام، وقد أثبتها جميع الفلاسفة إلا قليلاً منهم، ووافقهم جمع من المتكلمين، وقطع بها كثير ممن له قلب من أصحاب الرياضات وأرباب المجاهدات، فتلك الأمور وجودها واحد ليس يوجد أولاً أجزاء، وثانياً تتحقق تلك الأجزاء بخلاف الأجسام والأعراض القائمة بها، إذا عرفت هذا قالوا: الأجسام خلقية قدرية، والأرواح إبداعية أمرية، وقالوا إليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } تفسير : [الأعراف: 54] فالخلق في الأجسام والأمر في الأرواح ثم قالوا: لا ينبغي أن يظن بهذا الكلام أنه على خلاف الأخبار فإنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أول ما خلق الله العقل»تفسير : ، وروى عنه عليه السلام أنه قال: «حديث : خلق الله الأرواح قبل الأجسام بألفي عام» تفسير : وقال تعالى: {أية : ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } تفسير : [الزمر: 62] فالخلق أطلق على إيجاد الأرواح والعقل لأن إطلاق الخلق على ما يطلق عليه الأمر جائز، وإن العالم بالكلية حادث وإطلاق الخلق بمعنى الإحداث جائز، وإن كان في حقيقة الخلق تقدير في أصل اللغة ولا كذلك في الأحداث، ولولا الفرق بين العبارتين وإلا لاستقبح الفلسفي من أن يقول المخلوق قديم كما يستقبح من أن المحدث قديم، فإذن قوله صلى الله عليه وسلم خلق الله الأرواح بمعنى أحدثها بأمره، وفي هذا الإطلاق فائدة عظيمة وهي أنه صلى الله عليه وسلم لو غير العبارة وقال في الأرواح أنها موجودة بالأمر والأجسام بالخلق لظن الذي لم يرزقه الله العلم الكثير أن الروح ليست بمخلوقة بمعنى ليست بمحدثة فكان يضل والنبي صلى الله عليه وسلم بعث رحمة، وقالوا: إذا نظرت إلى قوله تعالى: {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } تفسير : [الإسراء: 85] وإلى قوله تعالى: {أية : خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } تفسير : [الحديد: 4] وإلى قوله تعالى: {أية : ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰماً } تفسير : [المؤمنون: 14] تجد التفاوت بين الأمر والخلق والأرواح والأشباح حيث جعل لخلق بعض الأجسام زماناً ممتداً هو ستة أيام وجعل لبعضها تراخياً وترتيباً بقوله: {ثُمَّ خَلَقْنَا } وبقوله: {فَخَلَقْنَا } ولم يجعل للروح ذلك، ثم قالوا: ينبغي أن لا يظن بقولنا هذا إن الأجسام لا بد لها من زمان ممتد وأيام حتى يوجدها الله تعالى فيه، بل الله مختار إن أراد خلق السموات والأرض والإنسان والدواب والشجر والنبات في أسرع من لمح البصر لخلقها كذلك، ولكن مع هذا لا تخرج عن كونها موجودات حصلت لها أجزاء ووجود أجزائها قبل وجود التركيب فيها ووجودها بعد وجود الأجزاء والتركيب فيها فهي ستة ثلاثة في ثلاثة كما يخلق الله الكسر والإنكسار في زمان واحد ولهما ترتيب عقلي. فالجسم إذن كيفما فرضت خلقه ففيه تقدير وجودات كلها بإيجاد الله على الترتيب والروح لها وجود واحد بإيجاد الله تعالى هذا قولهم. ولنذكر ما في الخلق والأمر من الوجود المنقولة والمعقولة أحدها: ما ذكرنا أن الأمر هو كلمة: {كُنَّ } والخلق هو ما بالقدرة والإرادة ثانيها: ما ذكروا في الأجسام أن منها الأرواح ثالثها: هو أن الله له قدرة بها الإيجاد وإرادة بها التخصيص، وذلك لأن المحدث له وجود مختص بزمان وله مقدار معين فوجوده بالقدرة واختصاصه بالزمان بالإرادة فالذي بقدرته خلق والذي بالإرادة أمر حيث يخصصه بأمره بزمان ويدل عليه المنقول والمعقول، أما المنقول فقوله تعالى: {أية : إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [يس: 82] جعل {كُنَّ } لتعلق الإرادة، واعلم أن المراد من: {كُنَّ } ليس هو الحرف والكلمة التي من الكاف والنون، لأن الحصول أسرع من كلمة كن إذا حملتها على حقيقة اللفظ فإن الكاف والنون لا يوجد من متكلم واحد إلا الترتيب ففي كن لفظ زمان والكون بعد بدليل قوله تعالى: {فَيَكُونُ } بالفاء فإذن لو كان المراد يكن حقيقة الحرف والصوت لكان الحصول بعده بزمان وليس كذلك، فإن قال قائل: يمكن أن يوجد الحرفان معاً وليس كلام الله تعالى ككلامنا يحتاج إلى الزمان قلنا: قد جعل له معنى غير ما نفهمه من اللفظ. وأما المعقول فلأن الاختصاص بالزمان ليس لمعنى وعلة وإن كان بعض الناس ذهب إلى أن الخلق والإيجاد لحكمة وقال: بأن الله خلق الأرض لتكون مقر الناس أو مثل هذا من الحكم ولم يمكنه أن يقول: خلق الأرض في الزمان المخصوص لتكون مقراً لهم لأنه لو خلقها في غير ذلك لكانت أيضاً مقراً لهم فإذن التخصيص ليس لمعنى فهو لمحض الحكمة فهو يشبه أمر الملك الجبار الذي يأمر ولا يقال له: لم أمرت ولم فعلت ولا يعلم مقصود الآمر إلا منه رابعها: هو أن الأشياء المخلوقة لا تنفك عن أوصاف ثلاثة أو عن وصفين متقابلين، مثاله الجسم لا بد له بعد خلقه أن يكون متحيزاً ولا بد له من أن يكون ساكناً أو متحركاً فإيجاده أولاً يخلقه وما هو عليه بأمره يدل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } تفسير : [الأعراف: 54] إلى أن قال: {أية : مُسَخَّرٰتٍ بِأَمْرِهِ } تفسير : [الأعراف: 54] فجعل مالها بعد خلقها من الحركة والسكون وغيرهما بأمره ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أول ما خلق الله تعالى العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر» تفسير : جعل الخلق في الحقيقة والأمر في الوصف، وكذلك قوله تعالى: {أية : خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ } تفسير : [السجدة: 4] ثم قال: {أية : يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَاء إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ } تفسير : [السجدة: 5] وقد ذكرنا تفسيره خامسها: مخلوقات الله تعالى على قسمين أحدهما: خلقه الله تعالى في أسرع ما يكون كالعقل وغيره وثانيهما: خلقه بمهلة كالسموات والإنسان والحيوان والنبات، فالمخلوق سريعاً أطلق عليه الأمر والمخلوق بمهلة أطلق عليه الخلق، وهذا مثل الوجه الثاني سادسها: ما قاله فخر الدين الرازي في تفسير قوله تعالى: {أية : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } تفسير : [فصلت: 11] وهو أن الخلق هو التقدير والإيجاد بعده بعدية ترتيبية لا زمانية ففي علم الله تعالى أن السموات تكون سبع سموات في يومين تقديرية فهو قدر خلقه كما علم وهو إيجاد فالأول خلق والثاني وهو الإيجاد أمر وأخذ هذا من المفهوم اللغوي قال الشاعر:شعر : وبعـض النـاس يخلـق ثـم لا يفـري تفسير : أي يقدر ولا يقطع ولا يفصل كالخياط الذي يقدر أولاً ويقطع ثانياً وهو قريب إلى اللغة لكنه بعيد الاستعمال في القرآن، لأن الله تعالى حيث ذكر الخلق أراد الإيجاد منه قوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ } تفسير : [العنكبوت: 61] ومنه قوله تعالى: {أية : أَوَ لَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ } تفسير : [يس: 77] وليس المراد أنا قدرنا أنه سيوجد منها إلى غير ذلك سابعها: الخلق هو الإيجاد ابتداء والأمر هو ما به الإعادة فإن الله خلق الخلق أولاً بمهلة ثم يوم القيامة ببعثهم في أسرع من لحظة، فيكون قوله: {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ } كقوله تعالى: {أية : فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وٰحِدَةٌ } تفسير : [الصافات: 19] وقوله: {أية : صَيْحَةً وٰحِدَةً } تفسير : [يس: 29] {أية : نَفْخَةٌ وٰحِدَةٌ } تفسير : [الحاقة: 13] وعلى هذا فقوله: {أية : إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } تفسير : [القمر: 49] إشارة إلى الوحدانية. وقوله تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ } إلى الحشر فكأنه بين الأصل الأول والأصل الآخر بالآيات ثامنها: الإيجاد خلق والإعدام أمر، يعني يقول للملائكة الغلاظ الشداد أهلكوا وافعلوا فلا يعصون الله ما أمرهم ولا يقفون الامتثال على إعادة الأمر مرة أخرى فأمره مرة واحدة يعقبه العدم والهلاك. وفيه لطيفة: وهي أن الله تعالى جعل الإيجاد الذي هو من الرحمة بيده، والإهلاك يسلط عليه رسله وملائكته، وجعل الموت بيد ملك الموت ولم يجعل الحياة بيد ملك، وهذا مناسب لهذا الموضع لأنه بين النعمة بقوله: {أية : إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } تفسير : [القمر: 49] وبين قدرته على النقمة فقال: {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ }. {أية : وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَـٰدِرُونَ } تفسير : [المؤمنون: 18] وهو كقوله: {أية : فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ } تفسير : [المؤمنون: 27] عند العذاب، وقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحاً } تفسير : [هود: 66] وقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا } تفسير : [هود: 82] وكما ذكر في هذه الحكايات العذاب بلفظ الأمر وبين الإهلاك به كذلك ههنا ولا سيما إذا نظرت إلى ما تقدم من الحكايات ووجدتها عين تلك الحكايات يقوي هذا القول وكذلك قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَـٰعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } تفسير : [القمر: 51] يدل على صحة هذا القول تاسعها: في معنى اللمح بالبصر وجهان أحدهما: النظر بالعين يقال: لمحته ببصري كما يقال: نظرت إليه بعيني والباء حينئذ كما يذكر في الآيات فيقال: كتبت بالقلم، واختار هذا المثال لأن النظر بالعين أسرع حركة توجد في الإنسان لأن العين وجد فيها أمور تعين على سرعة الحركة أحدها: قرب المحرك منها فإن المحرك العصبية ومنبتها الدماغ والعين في غاية القرب منه ثانيها: صغر حجمها فإنها لا تعصى على المحرك ولا تثقل عليه بخلاف العظام ثالثها: استدارة شكلها فإن دحرجة الكرة أسهل من دحرجة المربع والمثلث رابعها: كونها في رطوبة مخلوقة في العضو الذي هو موضعها وهذه الحكمة في أن المرئيات في غاية الكثرة بخلاف المأكولات والمسموعات والمقاصد التي تقصد بالأرجل والمذوقات، فلولا سرعة حركة الآلة التي بها إدراك المبصرات لما وصل إلى الكل إلا بعد طول زمان وثانيهما: اللمح بالبصر معناه البرق يخطف بالبصر ويمر به سريعاً والباء حينئذ للإلصاق لا للاستعانة كقوله: مررت به وذلك في غاية السرعة، وقوله: {بِٱلْبَصَرِ } فيه فائدة وهي غاية السرعة فإنه لو قال: كلمح البرق حين برق ويبتدىء حركته من مكان وينتهي إلى مكان آخر في أقل زمان يفرض لصح، لكن مع هذا فالقدر الذي مروره يكون بالبصر أقل من الذي يكون من مبتداه إلى منتهاه، فقال: {كَلَمْحِ } لا كما قيل: من المبدأ إلى المنتهى بل القدر الذي يمر بالبصر وهو غاية القلة ونهاية السرعة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ} أي إلا مرةً واحدة. {كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} أي قضائي في خلْقي أسرع من لمَحْ البصر. واللَّمح النظر بالعَجَلة؛ يقال: لمَحَ البرق ببصره. وفي الصحاح: لمحه وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف، والاسم اللمحة، ولمَحَ البَرقُ والنجمُ لمَحْاً أي لمَع. قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ} أي أشباهكم في الكفر من الأمم الخالية. وقيل: أتباعكم وأعوانكم. {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي من يتذكر. قوله تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ} أي جميع ما فعلته الأمم قبلهم من خير أو شر كان مكتوباً عليهم؛ وهذا بيان قوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}. {فِي ٱلزُّبُرِ} أي في اللوح المحفوظ. وقيل: في كتب الحفظة. وقيل: في أم الكتاب. {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} أي كل ذنب كبير وصغير مكتوب على عامله قبل أن يفعله ليجازى به، ومكتوب إذا فعله؛ سَطَرَ يَسْطُرُ سَطْراً كَتَب؛ وٱستطَرَ مثله. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} لما وصف الكفار وصف المؤمنين أيضاً. «وَنَهَرٍ» يعني أنهار الماء والخمر والعسل واللّبن؛ قاله ٱبن جريج. ووحد لأنه رأس الآية، ثم الواحد قد ينبىء عن الجميع. وقيل: في «نَهَرٍ» في ضياء وسَعة؛ ومنه النهار لضيائه، ومنه أنهرت الجرح؛ قال الشاعر:شعر : مَلكتُ بها كَفي فأنهرتُ فَتقَها يَرَى قائمٌ من دونها ما وراءَها تفسير : وقرأ أبو مِجْلَز وأبو نهيك والأعرج وطلحة بن مصرِّف وقتادة «وَنُهُرٍ» بضمتين كأنه جمع نهار لا ليل لهم؛ كسحاب وسُحُب. قال الفراء: أنشدني بعض العرب:شعر : إِنْ تَكُ ليليًّا فإنِّي نَهِرُ مَتَى أَرى الصُّبحَ فلا أَنتَظِرُ تفسير : أي صاحب النهار. وقال آخر:شعر : لَوْلا الثَّرِيدَانِ هَلَكْنا بالضُّمُرْ ثَرِيدُ ليْلٍ وثَريدٌ بالنُّهُرْ تفسير : {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} أي مجلس حقّ لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة {عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ} أي يقدر على ما يشاء. و «عِنْدَ» هاهنا عندية القُربة والزلفة والمكانة والرتبة والكرامة والمنزلة. قال الصادق: مدح الله المكان الصدق فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق. وقرأ عثمان البَتِّي «فيِ مَقَاعِدِ صِدْقٍ» بالجمع؛ والمقاعد مواضع قعود الناس في الأسواق وغيرها. قال عبد الله بن بريدة: إن أهل الجنة يدخلون كل يوم على الجبار تبارك وتعالى، فيقرؤون القرآن على ربهم تبارك وتعالى، وقد جلس كل إنسان مجلسه الذي هو مجلسه، على منابر من الدرّ والياقوت والزبرجد والذّهب والفضَّة بقدر أعمالهم، فلا تَقَرّ أعينهم بشيء قط كما تَقَرّ بذلك، ولم يسمعوا شيئاً أعظم ولا أحسن منه، ثم ينصرفون إلى منازلهم، قريرة أعينهم إلى مثلها من الغد. وقال ثور بن يزيد عن خالد بن مَعْدان: بلغنا أن الملائكة يأتون المؤمنين يوم القيامة فيقولون: يا أولياء الله ٱنطلقوا؛ فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة؛ فيقول المؤمنون: إنكم تذهبون بنا إلى غير بُغْيتنا. فيقولون: فما بغيتكم؟ فيقولون: مقعد صدق عند مليك مقتدر. وقد روي هذا الخبر على الخصوص بهذا المعنى؛ ففي الخبر: أن طائفة من العقلاء بالله عز وجل تزفها الملائكة إلى الجنة والناس في الحساب، فيقولون للملائكة: إلى أين تحملوننا؟ فيقولون إلى الجنة. فيقولون: إنكم لتحملوننا إلى غير بغيتنا؛ فيقولون: وما بغيتكم؟ فيقولون: المقعد الصدق مع الحبيب كما أخبر {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ}. والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَآ أَمْرُنَآ } لشيء نريد وجوده {إِلاَّ } أمرةٌ {وٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } في السرعة وهي قول (كن) فيوجد { أية : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }تفسير : [82:36].

ابن عبد السلام

تفسير : {كَلَمْحٍ} إذا أردنا شيئاً أمرنا به مرة واحدة من غير مثنوية فيكون ذلك الشيء مع أمرنا كلمح البصر في سرعته من غير إبطاء ولا تأخير.

ابو السعود

تفسير : {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ} أي كلمةٌ واحدةٌ سريعةُ التكوينِ وهُو قولُه تعالَى كُنْ أو إلا فعلةٌ واحدةٌ هو الإيجادُ بلا معالجةٍ {كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} في اليُسرِ والسرعةِ وقيلَ: معناهُ قولُه تعالَى: {أية : وَمَا أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ} تفسير : [سورة النحل، الآية 77] {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَـٰعَكُمْ} أي أشباهَكُم في الكفرِ من الأممِ وقيل: أتباعَكُم {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} يتعظُ بذلكَ {وَكُلُّ شَىْء فَعَلُوهُ} من الكفرِ والمعاصِي مكتوبٌ على التفصيلِ {فِى ٱلزُّبُرِ} أي في ديوانِ الحفظةِ {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ} من الأعمالِ {مُّسْتَطَرٌ} مسطورٌ في اللوحِ المحفوظِ بتفاصيلِه، ولما كانَ بـيانُ سوءِ حالِ الكفرةِ بقولِه تعالى {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ} الخ مِمَّا يستدعِي بـيانَ حُسنِ حالِ المؤمنينَ ليتكافأَ الترهيبُ والترغيبُ بـيّن ما لَهُم من حسنِ الحالِ بطريقِ الإجمالِ فقيلَ: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ} بالإيمانِ أي منَ الكفرِ والمعاصِي {فِي جَنَّـٰتِ} عظيمةِ الشأنِ {وَنَهَرٍ} أي أنهارٍ. كذلكَ والإفرادُ للاكتفاءِ باسمِ الجنسِ مراعاةً للفواصلِ، وقُرِىءَ نُهْرٍ جمعُ نَهَرٍ كأُسْدٍ وأَسدٍ {فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ} في مكانٍ مرضيَ وقُرِىءَ في مقاعدِ صدقٍ {عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ} أي مقربـينَ عند مليكٍ لا يُقادَرُ قدرُ ملكِه وسلطانِه فلا شيءَ إلاَّ وهو تحتَ ملكوتِه سبحانَهُ ما أعظمَ شأنَهُ. عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قرأَ سورةَ القمرِ في كلِّ غِبَ بعثَهُ الله تعالى يومَ القيامةِ ووجهُه مثلُ القمرِ ليلةَ البدرِِ".

القشيري

تفسير : أي إذا أردنا خَلْقَ شيءٍ لا يتعسَّرُ ولا يتعَذَّرُ علينا، نقول له: كُنْ - فيكون بقدرتنا. ولا يقتضي هذا استئناف قولٍ في ذلك الوقت ولكن استحقاق أن يقال لقوله القدم أن يكون أمراً لذلك المكون إنما يَحصل في ذلك الوقت. {كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ}: أي كما أن هذا القَدْرَ عندكم أي قَدْرَ ما يلمح أحدُكم ببصره لا تلحقكم به مشقةٌ - كذلك عندنا: إذا أردنا نخلق شيئاً - قلّ أو كَثُرَ، صَغُرَ أو كَبُرَ - لا تلحقنا فيه مشقة.

البقلي

تفسير : فى هذه الأية بيان ثلث مراتب مرتبة سر علم القدر القديم الذى كان موصوفا به وذلك العمل وسر القدر مشية اذ عينهما واحد ومن بطنان الازال الازال سار سر القدر الى المرتبة الثانية وهى الامر وحقيقة الامر قبل ظهوره فى الفعل فبلغنا الى المرتبة الثالثة وهى الفعل فلما وصل القدر والامر الى الفعل ظهر المقدرات من العدم بها باقل لمحة اى سير ان علم سر القدر من بطون ازل الازل الى عالم الامر والفعل اقل من لمحة على تقديركم اذا استحال الزمان فى مشية الرحمن لا يكون الا الارادة والعمل والامر وانها خارجة من علل الزمان هو ظهور القدم للعدم فاذا ظهر القدم للعدم صار المقدر مكونا كينونيته بالله فخرج على نعت صورة العلم والتقدير كانه مع التقدير من نحيث العلم لا من حيث الوجود فامره علمه وعلمه ارادته فاذا اراد كون الكون باشر انوارها فى كينونية جميع المقدرات بنعت الوحدة لا بنعت التفرقة وذلك قوله وما امرنا الا واحدة اذا اراد ما علم من نفسه تجلى من الارادة للعمل ومن العلم للارادة ومن الارادة والعلم للتقدير والحكمة فصار ذلك عين التوحيد فاذا تجلها بجميعها للامر يكون عين الجمع وعين الجمع محل الالتباس واهل الرسوم سموا ذلك الخلق والفعل وسمى ذلك الاول ظهور القدم للقدم وهو عين العين ويسمى الثانى ظهور الصفة فى الفعل والامر وهو عين الجمع وقال الحسين الامر عين الجمع والارادة عين العلم ثم بين ان افعال العباد جرت على سابق تقديره ومشيته مطورة فى الواح علمه وزبر تقديره وحذرهم بها حتى يرقبوا انفتاح مصادر اسراره ويروا لطائف انواره ويعرفوه بأياته وصفاته ويخافوا من قهره وجبروته.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما امرنا} لشىء نريد تكوينه {إلا واحدة} اى كلمة واحدة لاتثنى سريعة التكوين وهو قوله تعالى {أية : كن}تفسير : او الا فعلة واحدة وهو الايجاد بلا معالجة ومعاناة {كلمح بالبصر} فى اليسر والسرعة فان اللمح النظر بالعجلة فمعنى كلمح كنظر سريع قال فى القاموس لمح اليه كمنع اختلس النظر كألمح وفى المفردات اللمح لمعان البرق ورأيته لمحة برق قال ابن الشيخ لما اشتملت الآيات السابقة على وعيد كفار اهل مكة بالاهلاك عاجلا وآجلا والوعد للمؤمنين بالانتصار منهم جيىء بقوله {أية : انا كل شىء خلقناه بقدر}تفسير : تأكيدا للوعيد والوعد يعنى ان هذا الوعيد والوعد حق وصدق والموعود مثبت فى اللوح مقدر عند الله لايزيد ولا ينقص {أية : وذلك على الله يسير}تفسير : لان قضاءه فى خلقه اسرع من لمح البصر وقيل معنى الآية معنى قوله تعالى {أية : وما امر الساعة الا كلمح البصر}تفسير : قال بعض الكبار ليس المراد بكلمة كن حرف الكاف والنون وانما المراد بها المعنى الذى به كان ظهور الاشياء فكن حجاب للمعنى لمن فهم وكل انسان له فى باطنه قوة كن وماله فى ظاهره الا المعتاد وفى الآخرة يكون حكم كن منه فى الظاهر وقد يعطى الله ذلك لبعض الرجال فى هذه الدار بحكم الارث لرسول الله صلى الله عليه وسلم فانه تصرف بها فى عدة مواطن منه قوله فى غزوة تبوك كن أبا ذر فكان أبا ذر ثم لايخفى انه لم يعط احد من الملائكة وغيرهم حرف كن انما هى خاصة بالانسان لما انطوى عليه من الخلافة والنيابة وفى التأويلات النحمية وماامر تجلينا للاشياء لها علويها وسفليها الا تجعل واحد اى واحدانى الوصف لاكثرة فيه لكن يتكثر بحسب المتجلى له ويظهر فيه بحسبه ظهور الصورة الواحدة فى المرآئى المتكثرة يظهر فى الكبير كبيرا وفى الصغير صغيرا وفى المستطيل مستطيلا وفى مستدير مسديرا والصورة على حالتها المخلوقة عليها باقية لاتغير ولا تبديل بها كما يلمح الناظر ويرى فى اللمحة الواحدة مايحاذى بصره

الجنابذي

تفسير : {وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ} رفع توهّمٍ نشأ من قوله كلّ شيءٍ خلقناه بقدرٍ فانّه يتوهّم متوهّم انّه اذا كان كلّ شيءٍ خلقه بقدرٍ لم يتيسّر ذلك الاّ بعمّالٍ عديدةٍ يكون تحت كلّ عاملٍ عدّة عامل، فقال: ما امرنا فى خلق العالم وجميع ما فيه الاّ واحدةٌ اى فعلة واحدة، او كلمة واحدة، او نشأ من قوله بل السّاعة موعدهم فانّه يتوهّم انّه اذا كان السّاعة موعدهم فليكن امد السّاعة بقدر امد الدّنيا بل اطول منه فقال: وما أمرنا فى الاتيان بالسّاعة وجمع الخلائق فيها ومحاسبتهم الاّ واحدة {كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} فى اليسر والسّرعة.

فرات الكوفي

تفسير : [تقدم في ذيل الآية 59/ آل عمران آية المباهلة في حديث علي عليه السلام الاستشهاد بها].

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحِ بِالْبَصَرِ} كقول الله عز وجل: (أية : وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ). تفسير : [النحل:77] أي: بل هو أقرب. تفسير الحسن: أي إذا جاء عذاب كفار آخر هذه الأمة بالنفخة الأولى. قوله عز وجل: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ} أي: الذين على دينكم ومنهاجكم يقوله للمشركين: أي من أهلك من الأمم السالفة. {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي: من متفكر، يخوّفهم العذاب ويحذرهم. قوله عز وجل: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} أي: في الكتب، أي: قد كتب عليهم. {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} أي: مكتوب مسطر. قوله عز وجل: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ}، يعني جميع الأنهار، كقوله عز وجل: (أية : وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَآئِهَا) تفسير : [الحاقة:17] يعني بالملك جماعة الملائكة. وكقوله: (أية : وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) تفسير : [النحل: 16] يعني جماعة النجوم. وكقوله: (أية : وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ)تفسير : [النور:41] يعني جماعتها. وأنهار الجنة تجري في غير أخدود: الماء والعسل واللبن والخمر، وهو أبيض كله. فطين النهر مسك أذفر، ورضراضه الدر والياقوت، وحافاته قباب اللؤلؤ. قال تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}. أي عند الله. أي: إن الجنة في السماء والنار في الأرض.

اطفيش

تفسير : {وَمَا أَمْرَنَا إِلا وَاحِدَةٌ} إلا فعلة واحدة وهي الايجاد بلا معالجة ومعاناة أو إلا كلمة واحدة أو قوله واحدة سريعة التكوين وهي ان يقول كن بلا تكرير أو إلا مرة واحدة وقيل ما امر الساعة إلا مرة واحدة وقيل الا رجفة واحدة. {كَلَمْحِ بِالبَصَرٍ} في السرعة قال ابن عباس: يريدان قضائي في خلقي اسرع من الخطف بالبصر وقال الحسن وما أمرنا بمجيء السعة.

اطفيش

تفسير : {وما أمْرنا إلاَّ واحِدة} الأمر واحد الأمور، أى ما شأننا إلا فعلة واحدة لا تختلف ولا تتردد، وهى الايجاد بلا علاج، ولا صعوبة، أو الأمر ضد النهى، وهو قوله: {كن} اذا أراد شيئا أى توجه إرادته اليه وذلك على العموم فى قيام الساعة، لقوله تعالى: "أية : وما أمر الساعة إلاَّ كلمح البصر" تفسير : [النحل: 77] والصحيح الأول.

الالوسي

تفسير : {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ } أي ما شأننا إلا فعلة واحدة على نهج لا يختلف ووتيرة لا تتعدد وهي الإيجاد بلا معالجة ومشقة، أو ما أمرنا إلا كلمة واحدة، وهي قوله تعالى: {كُنْ} فالأمر مقابل النهي وواحد الأمور، فإذا أراد عز وجل شيئاً قال له: كن فيكون {كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } أي في اليسر والسرعة، وقيل: هذا في قيام الساعة فهو كقوله تعالى: { أية : وَمَا أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ } تفسير : [النحل: 77].

ابن عاشور

تفسير : عطف على قوله: {أية : إنا كل شيء خلقناه بقدر}تفسير : [القمر: 49] فهو داخل في التذييل، أي خلقناه كل شيء بعلم، فالمقصود منه وما يصلح له معلوم لنا فإذا جاء وقته الذي أعددناه حصل دَفعة واحدة لا يسبقه اختبار ولا نظَر ولا بداء. وسيأتي تحقيقه في آخر تفسير هذه الآية. والغرض من هذا تحذيرهم من أن يأخذهم العذاب بغتة في الدنيا عند وجود ميقاته وسبق إيجاد أسبابه ومقوماته التي لا يتفطنون لوجودها، وفي الآخرة بحلول الموت ثم بقيام الساعة. وعطف هذا عقب {أية : إنا كل شيء خلقناه بقدر}تفسير : [القمر: 49] مشعر بترتب مضمونه على مضمون المعطوف عليه في التنبيه والاستدلال حسب ما هو جارٍ في كلام البلغاء من مراعاة ترتب معاني الكلام بعضها على بعض حتى قال جماعة من أئمة اللغة: الفَراءُ وثعلبٌ والربعيُ وقطربٌ وهشامٌ وأبو عمرو الزاهد: إن العطف بالواو يفيد الترتيب، وقال ابن مالك: الأكثر إفادته الترتيب. والأمر في قوله: {وما أمرنا} يجوز أن يكون بمعنى الشأن، فيكون المراد به الشأن المناسب لسياق الكلام، وهو شأن الخلق والتكوين، أي وما شأن خلقنا الأشياء. ويجوز أن يكون بمعنى الإِذن فيراد به أمر التكوين وهو المعبر عنه بكلمة «كن» والمآل واحد. وعلى الاحتمالين فصفةُ {واحدة} وصف لموصوف محذوف دل عليه الكلام هو خبر عن {أمرنا}. والتقدير: إلا كلمة واحدةٌ، وهي كلمة (كُنْ) كما قال تعالى: {أية : إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون}تفسير : [يس: 82]. والمقصود الكناية عن أسرع ما يمكن من السرعة، أي وما أمرنا إلا كلمة واحدة. وذلك في تكوين العناصر والبسائط وكذلك في تكوين المركبات لأن أمر التكوين يتوجه إليها بعد أن تسبقه أوامر تكوينية بإيجاد أجزائها، فلكل مكوّن منها أمر تكوين يخصه هو كلمة واحدة فتبين أن أمر الله التكويني كلمة واحدة ولا ينافي هذا قوله: {أية : ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام}تفسير : [ق: 38] ونحوه، فخلق ذلك قد انطوى على مخلوقات كثيرة لا يُحصر عددها كما قال تعالى: {أية : يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق}تفسير : [الزمر: 6] فكل خلق منها يحصل بكلمة واحدة كلمح البصر على أن بعض المخلوقات تتولد منه أشياء وآثار فيعتبر تكوينه عند إيجاد أوّله. وصح الإِخبار عن (أمر) وهو مذكَّر بــــ {واحدة} وهو مؤنث باعتبار أن ما صْدَق الأمر هنا هو أمر التسخير وهو الكلمة، أي كلمة (كن). وقوله: {كلمح بالبصر} في موضع الحال من {أمرنا} باعتبار الإِخبار عنه بأنه كلمة واحدة، أي حصول مرادنا بأمرنا كلمح بالبصر، وهو تشبيه في سرعة الحصول، أي ما أمرنا إلا كلمة واحدة سريعة التأثير في المتعلّقةِ هي به كسرعة لمح البصر. وهذا التشبيه في تقريب الزمان أبلغ ما جاء في الكلام العربي وهو أبلغ من قول زهير:شعر : فهن وَوادِي الرسِّ كاليد للفَم تفسير : وقد جاء في سورة النحل (77) {أية : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} تفسير : فزيد هنالك {أو هو أقرب} لأن المقام للتحذير من مفاجأة الناس بها قبل أن يستعدوا لها فهو حقيق بالمبالغة في التقريب، بخلاف ما في هذه الآية فإنه لتمثيل أمْر الله وذلك يكفي فيه مجرد التنبيه إذ لا يتردد السامع في التصديق به. وقد أفادت هذه الآية إحاطة علم الله بكل موجود وإيجادَ الموجودات بحكمة، وصدورها عن إرادة وقدرة. واللمح: النظر السريع وإخلاس النظر، يقال: لَمحَ البصر، ويقال: لَمح البرق كما يقال: لمعَ البرق. ولما كان لمح البصر أسرع من لمح البرق قال تعالى: {كلمح بالبصر} كما قال في سورة النحل (77) {أية : إلا كلمح البصر}.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَاحِدَةٌ} (50) - يُخْبرُ اللهُ تَعَالى عَنْ نُفُوذِ مشِيئتِهِ في خَلْقِهِ فيقولُ: إِذَا أردْنا أمْراً قُلْنَا لَهُ: كُنْ. فَإِذا هُوَ كَائِنٌ، في مِثْلِ لَمْحِ البَصَرِ دُونَ إبْطَاءٍ وَلاَ تَأخِيرٍ، وَلاَ يَحْتَاجُ أمْرُنا إلى تَأكِيدِهِ مَرَّةً أُخْرَى. إلاّ وَاحِدَةٌ - كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ هيَ (كُنْ).

الثعلبي

تفسير : {وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ} وحقّه واحد، قال أبو عبيدة هو نعت للمعنى دون اللفظ مجازها: وما أمرنا إلا مرة واحدة، يعني الساعة وقيل: معناه وما أمرنا الشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة واحدة (كن فيكون) لا مراجعة فيها. {كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} وذُكر أن هذه الآيات نزلت في القدرية. أخبرنا أبو عبدالله الحسين بن محمد بن الحسن بقراءتي عليه في داري قال: حدّثنا الفضل ابن الفضل الكندي، قال: حدّثنا أبو عبدالله محمد بن عبد الله بن محمد بن النعمان قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين بن حفص قال: حدّثنا الحسن بن حفص قال: حدّثنا سفيان عن زياد ابن إسماعيل السهمي، عن محمد بن عباد المخزومي عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت هذه الآية {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ } الى آخر السورة. وأخبرنا الحسين قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا القرماني قال: حدّثنا عبد الأعلى بن حماد قال: حدّثنا المعتمر بن سليمان قال حدّثني أبو مخزوم عن سيار أبي الحكم قال: بلغنا أنّ وفد نجران قالوا: أمّا الارزاق والأقدار فبقدر الله، وأما الاعمال فليس بقدر، فأنزل الله سبحانه فيهم {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} الى آخر الآية. وأخبرنا الحسين قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا أبو حامد أحمد بن جعفر المستملي قال: حدّثنا ابن أبي العوام قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الصباح بن سهل البصري أبو سهل قال: حدّثنا جعفر بن سليمان عن خالد بن سلمة عن سعيد بن عمر عن عمر بن زرارة عن أبيه قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} الى آخر السورة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : نزلت هذه الآيات في ناس يكونون في آخر أُمتي يكذبون بقدر الله ". تفسير : وأخبرنا أحمد بن محمد بن يعقوب بن محمويه الفقيه بالقصر قال: حدّثنا أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل قال: حدّثنا الحسين بن عرفه العبدي قال: حدّثنا مروان بن شجاع الجزري عن عبدالملك بن جريج عن عطاء بن أبي رياح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع في زمزم قد ابتلّت أسافل ثيابه، فقلت له: قد تكلّم في القدر، فقال: أو قد فعلوها؟، قلت: نعم، قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلاّ فيهم {ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}، أُولئك شرار هذه الأُمة، لا تعودوا مرضاهم ولا تصلّوا على موتاهم. إنْ أريتني أحداً منهم فقأت عينيه بإصبعيَّ هاتين. وأخبرني عقيل بن محمد الفقيه أن أبا الفرج البغدادي أخبرهم عن محمد بن جرير قال: حدّثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدّثنا هشيم قال: أخبرنا حصين عن سعيد بن عبيده عن أبي عبد الرَّحْمن السلمي قال: لمّا نزلت هذه الآية {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل في شيء يستأنفه أو في شيء قد فرغ منه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اعملوا فكل ميسّر، سنيسره لليسرى وسنيسره للعسرى ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسين بن صقلاب قال: حدّثنا أبو الحسن احمد بن محمد بن عبيد الطوابيقي قال: حدّثنا علي بن حرب الطائي قال: حدّثنا أبو مسعود يعني الزجاج. قال: حدّثنا أبو سعد عن طلق بن حبيب عن كعب قال: نجد في التوراة أن القدرية يسحبون في النار على وجوههم. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثني موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا عبدالله بن محمد ابن سنان قال: حدّثنا عمرو بن منصور أبو عثمان العيسي قال: حدّثني أبو أسيد الثقفي، قال: حدّثني ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: تمارينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل شيء بقدر حتى هذه» وأشار بأصبعه السبابة حتى ضرب على ذراعه الأيسر ". تفسير : وأخبرني ابن السري النحوي في (درب حاجب) قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد العماني قال: أخبرنا عبد الله بن احمد بن عامر قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني علي بن موسى الرضا قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر قال: حدّثني أبي جعفر بن محمد قال: حدّثني أبي محمد بن علي قال: حدّثني أبي علي بن الحسين قال: حدّثني أبي الحسين بن علي قال: حدّثني أبي علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنّ الله عزّوجل قدّر المقادير ودبر التدبر قبل أن يخلق آدم بألفي عام ". تفسير : وأخبرني الحسين قال: حدّثنا عمر بن احمد بن القاسم النهاوندي قال: حدّثني أحمد بن حماد بن سفيان قال: حدّثنا السري بن عاصم الهمداني قال: حدّثنا محمد بن مصعب القرقساني عن الاوزاعي عن عبده بن أبي لبابة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن ". تفسير : وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدّثنا زكريا بن يحيى الساجي قال: حدّثنا محمد بن المثنى قال: حدّثني إبراهيم بن أبي الوزير قال: حدّثنا مروان بن معاوية الفزاري عن سيف الكوفي عن أبي فزارة قال: قال ابن عباس: إذا كثرت القدرية بالبصرة ائتفكت بأهلها، وإذا كثرت السبائية بالكوفة ائتفكت بأهلها. وبه عن الساجي قال: حدّثنا الحسن بن حميد قال: حدّثني عبد الله بن الحسن بن عبد الملك بن حسان الكلبي قال: حدّثني سعيد بن محمد الغساني قال: لما أخذ أبو شاكر الديصاني بالبصرة فأقرّ أنه ديصاني، وكان يجهر القول بالرفض والقدر، فقيل له: لِمَ اخترت القول بالقدر والرفض؟، قال: اخترت القول بالقدر لأُخرج أفعال العباد من قدرة الله، وأنه ليس بخالقها، فإذا جاز أن يخرج من قدرته شيء جاز أن تخرج الأشياء من قدرته كلها، واخترت القول بالرفض لاتصول بالطعن الى نقلة هذا الدين، فإذا بطل النقلة بطل المنقول. وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا عبد الله بن عبد الرَّحْمن الدقاق قال: حدّثنا محمد ابن عبدالعزيز قال: حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدّثنا الدراوردي قال: قال لي أبو سهيل: إذا سلم عليك القدرية فردّ عليهم كما ترد على اليهود قل: وعليك. {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ} أشباهكم في الكفر من الأُمم السالفة {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ} من خير أو شرع يعني الأشياع {فِي ٱلزُّبُرِ} في كتب الحفظة، وقيل: في اللوح المحفوظ. {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ} منهم ومن أعمالهم {مُّسْتَطَرٌ} مكتوب محفوظ عليهم. يقال: كتبت واكتتبت وسطرت واستطرت، وقرأ واقترأت. {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ } بساتين {وَنَهَرٍ} أنهار، ووحّده لأجل رؤوس الآي. كقوله سبحانه: {وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} [القمر: 45]، وقال الضحاك: يعني في ضياء وسعة، ومنه النهار قال الشاعر: شعر : ملكت بها كفي وانهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها تفسير : أي وسعت خرقها. وقرأ الأعرج وطلحة (ونُهُر) بضمتين كأنها جمع نُهار يعني لا ليل لهم. قال الفراء: أنشدني بعض العرب: شعر : إن تك ليلياً فإني نهر متى أتى الصبح فلا أنتظر تفسير : أي صاحب نهار، وقال الآخر: شعر : لولا الثريدان هلكنا بالضمر ثريد ليل وثريد بالنُهُر تفسير : {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} في مجلس حق لا لغو فيه ولا مأثم وهو الجنة {عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} ملك قادر و (عند) إشارة إلى القربة والرتبة. قال الصادق: مدح الله المكان بالصدق فلا يقعد فيه إلاّ أهل الصدق. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علويه قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب بن إبراهيم البكري عن صالح بن حيان عن عبدالله بن بريده أنّه قال في قوله سبحانه وتعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}: إنّ أهل الجنة يدخلون كل يوم على الجبار تبارك وتعالى فيقرأون عليه القرآن، وقد جلس كل امرئ منهم مجلسه الذي هو يجلسه على منابر الدر والياقوت والزمرد والذهب والفضة باعمالهم، فلم تقرّ أعينهم بشيء قط كما تقرّ أعينهم بذلك، ولم يسمعوا شيئاً أعظم ولا أحسن منه، ثم ينصرفون الى رحالهم ناعمين، قريرة أعينهم الى مثلها من الغد. وأخبرني الحسين قال: حدّثنا سعد بن محمد بن أبي إسحاق الصيرفي قال: حدّثنا محمد ابن عثمان بن أبي شيبة قال: حدّثنا زكريا بن يحيى قال: حدّثنا عمرو بن ثابت عن أبيه عن عاصم بن ضمرة عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً في مسجد المدينة، فذكر بعض أصحابه الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : "إن لله لواءً من نور وعموداً من زبرجد خلقهما قبل أن يخلق السماوات بألفي عام، مكتوب على رداء ذلك اللواء: لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، محمد خير البرية، صاحب اللواء أمام القوم" فقال علي: الحمد لله الذي هدانا بك وكرّمنا وشرفنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "يا علي أما علمت أن من أحبنا وانتحل محبتنا أسكنه الله تعالى معنا" وتلا هذه الآية {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} . تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن ماجة قال: حدّثنا الحسن ين أيوب. قال: حدّثنا عبد الله بن أبي زياد. قال: حدّثنا سيار قال: حدّثنا رياح القيسي عن ثور قال: بلغنا أن الملائكة يأتون المؤمنين يوم القيامة فيقولون: يا أولياء الله انطلقوا، فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: إنكم لتذهبون بنا الى غير بغيتنا، فيقال لهم: وما بغيتكم؟ فيقولون: المقعد مع الحبيب. وسمعت أبا القاسم يقول: سمعت أبا محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم البلاذري يقول: سمعت بكر بن عبد الرَّحْمن يقول: كان ذو النون المصري يحضّ أصحابه على التهجّد وقيام الليل. فإذا أحسّ منهم فترة قال: كدّوا يا أولياء الله، فإن للأولياء [في الجنة] مقعد صدق يكشف حجب يوم يرون الجليل حقّاً.