٥٤ - ٱلْقَمَر
54 - Al-Qamar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
54
Tafseer
الرازي
تفسير : قد ذكرنا تفسير المتقين والجنات في سور منها: {ٱلطُّورِ } وأما النهر ففيه قراءات فتح النون والهاء كحجر وهو اسم جنس ويقوم مقام الأنهار وهذا هو الظاهر الأصح وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا شك أن كمال اللذة بالبستان أن يكون الإنسان فيه، وليس من اللذة بالنهر أن يكون الإنسان فيه، بل لذته أن يكون في الجنة عند النهر، فما فمعنى قوله تعالى: {وَنَهَرٍ }؟ نقول: قد أجبنا عن هذا في تفسير قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ } تفسير : [الذاريات: 15] في سورة الذاريات، وقلنا: المراد في خلال العيون، وفيما بينها من المكان وكذلك في جنات لأن الجنة هي الأشجار التي تستر شعاع الشمس، ولهذا قال تعالى: {أية : فِى ظِلَـٰلٍ وَعُيُونٍ } تفسير : [المرسلات: 41]. وإذا كانت الجنة هي الأشجار الساترة فالإنسان لا يكون في الأشجار وإنما يكون بينها أو خلالها، فكذلك النهر، ونزيد ههنا وجهاً آخر وهو أن المراد في جنات وعند نهر لكون المجاورة تحسن إطلاق اللفظ الذي لا يحسن إطلاقه عند عدم المجاورة كما قال:شعر : "علفتهـا تبنـاً ومـاء بـارداً" تفسير : وقالوا: تقلدت سيفاً ورمحاً، والماء لا يعلف والرمح لا يتقلد ولكن لمجاورة التبن والسيف حسن الإطلاق فكذلك هنا لم يأت في الثاني بما أتى به في الأول من كلمة في. المسألة الثانية: وحد النهر مع جمع الجنات وجمع الأنهار وفي كثير من المواضع كما في قوله تعالى: {أية : تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } تفسير : [البقرة: 25] إلى غيره من المواضع فما الحكمة فيه؟ نقول: أما على الجواب الأول فنقول: لما بين أن معنى في نهر في خلال فلم يكن للسامع حاجة إلى سماع الأنهار، لعلمه بأن النهر الواحد لا يكون له خلال. وأما في قوله تعالى: {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } فلو لم يجمع الأنهار لجاز أن يفهم أن في الجنات كلها نهراً واحداً كما في الدنيا فقد يكون نهر واحد ممتد جار في جنات كثيرة وأما على الثاني فنقول: الإنسان يكون في جنات لأنا بينا أن الجمع في جنات إشارة إلى سعتها وكثرة أشجارها وتنوعها والتوحيد عندما قال: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [محمد: 15] وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } تفسير : [التوبة: 111] لاتصال أشجارها ولعدم وقوع القيعان الخربة بينها، وإذا علمت هذا فالإنسان في الدنيا إذا كان في بيت في دار وتلك الدار في محلة، وتلك المحلة في مدينة، يقال إنه في بلدة كذا، وأما القرب فإذا كان الإنسان في الدنيا بين نهرين بحيث يكون قربه منهما على السواء يقال إنه جالس عند نهرين، فإذا قرب من أحدهما يقال من عند أحد نهرين دون الآخر، لكن في دار الدنيا لا يمكن أن يكون عند ثلاثة أنهار وإنما يمكن أن يكون عند نهرين، والثالث منه أبعد من النهرين، فهو في الحقيقة ليس يكون في زمان واحد عند أنهار والله تعالى يذكر أمر الآخرة على ما نفهمه في الدنيا، فقال: عند نهر لما بينا أن قوله: {وَنَهَرٍ } وإن كان يقتضي في نهر لكن ذلك للمجاورة كما في تقلدت سيفاً ورمحاً، وأما قوله: {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } فحقيقته مفهومة عندنا لأن الجنة الواحدة قد يجري فيها أنهار كثيرة أكثر من ثلاثة وأربعة، فهذا ما فيه مع أن أواخر الآيات يحسن فيها التوحيد دون الجمع، ويحتمل أن يقال و{نهر} التنكير للتعظيم. وفي الجنة نهر وهو أعظم الأنهر وأحسنها، وهو الذي من الكوثر، ومن عين الرضوان وكان الحصول عنده شرفاً وغبطه وكل أحد يكون له مقعد عنده وسائر الأنهار تجري في الجنة ويراها أهلها ولا يرون القاعد عندها فقال: {فِى جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ } أي ذلك النهر الذي عنده مقاعد المؤمنين، وفي قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ } تفسير : [البقرة: 249] لكونه غير معلوم لهم، وفي هذا وجه حسن أيضاً ولا يحتاج على الوجهين أن نقول: نهر في معنى الجمع لكونه اسم جنس. المسألة الثالثة: قال ههنا: {فِى } وقال في الذاريات: {أية : وَعُيُونٍ } تفسير : [الذاريات: 15] فما الفرق بينهما؟ نقول: إنا إن قلنا في نهر معناه في خلال فالإنسان يمكن أن يكون في الدنيا في خلال عيون كثيرة تحيط به إذا كان على موضع مرتفع من الأرض والعيون تنفجر منه وتجري فتصير أنهاراً عند الامتداد ولا يمكن أن يكون وفي خلال أنهار وإنما هي نهران فحسب، وأما إن قلنا: إن المراد عند نهر فكذلك وإن قلنا:...أي عظيم عليه مقاعد، فنقول: يكون ذلك النهر ممتداً واصلاً إلى كل واحد وله عنده مقعد عيون كثيرة تابعة، فالنهر للتشريف والعيون للتفرج والتنزه مع أن النهر العظيم يجتمع مع العيون الكثيرة فكان النهر مع وحدته يقوم مقام العيون مع كثرتها وهذا كله مع النظر إلى أواخر الآيات ههنا وهناك يحسن ذكر لفظ الواحد ههنا والجمع هناك. المسألة الرابعة: قرىء: {فِى جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ } على أنها جمع نهار إذ لا ليل هناك وعلى هذا فكلمة في حقيقة فيه فقوله: {فِي جَنَّـٰتِ } ظرف مكان، وقوله: {وَنَهَرٍ } أي وفي نهر إشارة إلى ظرف زمان، وقرىء {ونهر} بسكون الهاء وضم النون على أنه جمع نهر كأسد في جمع أسد نقله الزمخشري، ويحتمل أن يقال: نهر بضم الهاء جمع نهر كثمر في جمع ثمر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍ } بساتين {وَنَهَرٍ } أريد به الجنس ،وقرىء بضم النون والهاء جمعاً كأسد وأسد،و المعنى إنهم يشربون من أنهارها الماء واللبن والعسل والخمر.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَنَهَرٍ} أنهار الماء والخمر واللبن والعسل، أو النهر الضياء والنور، أو سعة العيش ومنه اشتق نهر الماء.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه بسند واه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : النهر الفضاء والسعة ليس بنهر جار ". تفسير : وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {في جنات ونهر} قال: النهر السعة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: شعر : ملكت بها فأنهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن شريك في قوله {في جنات ونهر} قال: جنات وعيون. وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر بن عياش رضي الله عنه أن عاصماً قرأ {في جنات ونهر} مثلثة منتصبة النون، قال أبو بكر رضي الله عنه: وكان زهير القرشي يقرأ {ونهر} يريد جماعة النهر. وأخرج الحكيم الترمذي عن بريدة حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله {في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر} قال: إن أهل الجنة يدخلون على الجبار كل يوم مرتين فيقرأ عليهم القرآن، وقد جلس كل امرىء منهم مجلس الذي هو مجلسه على منابر الدر والياقوت والزبرجد والذهب والفضة بالأعمال، فلا تقر أعينهم قط كما تقر بذلك، ولم يسمعوا شيئاً أعظم منه ولا أحسن منه، ثم ينصرفون إلى رحالهم قريرة أعينهم ناعمين إلى مثلها من الغد ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله {إن المتقين في جنات ونهر} قال: في نور وضياء. وأخرج الحكيم الترمذي عن ثور بن يزيد رضي الله عنه قال: بلغنا أن الملائكة يأتون المؤمنين يوم القيامة فيقولون: يا أولياء الله انطلقوا، فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: إنكم تذهبون بنا إلى غير بغيتنا، فيقال لهم: وما بغيتكم؟ فيقولون: المقعد مع الحبيب وهو قوله {إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر} . وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: دخلت المسجد وأنا أرى أني قد أصبحت فإذا عليَّ ليل طويل، وإذا ليس فيه أحد غيري، فقمت فسمعت حركة خلفي ففزعت فقال: أيها الممتلىء قلبه فرقاً لا تفرق، أو لا تفزع، وقل: اللهم إنك مليك مقتدر ما تشاء من أمر يكون، ثم سل ما بدا لك قال سعيد: فما سألت الله شيئاً إلا استجاب لي. وأخرج أبو نعيم عن جابر قال: حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً في مسجد المدينة فذكر بعض أصحابه الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا دجانة أما علمت أن من أحبنا وابتلي بمحبتنا أسكنه الله تعالى معنا" ثم تلا {في مقعد صدق عند مليك مقتدر} .
القشيري
تفسير : لهم بساتين وأنهار، والجمعُ إذا قوبل بالجمع فالآحادُ تُقابَلُ بالآحاد. فظاهرُ هذا الخطاب يقتضي أن يكون لكل واحدٍ من المتقين جنةٌ ونَهْرٌ. {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ}: أي في مجلس صِدْقٍ. {عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}: أراد به عِنْديََّةَ القُرْبة والزلفة. ويقال: مقعد الصدق أي مكان الصدق، والصادق في عبادته مَنْ لا يتعبَّدُ على ملاحظة الأطماع ومطالعة الأعواض. ويقال: مَنْ طلب الأعواض هَتَكَتْه الأطماع، ومَنْ صَدَقَ في العبوديَّة تحرَّرَ عن المقاصد الدَّنِيَّة. ويقال: مَنْ اشتغل بالدنيا حَجَبَتْه الدنيا عن الآخرة، ومَنْ أَسَرَه نعيمُ الجنة حُجِبَ عن القيامة بالحقيقة، ومَنْ قام بالحقيقة شُغِلَ عن الكوْن بجملته.
البقلي
تفسير : قوله {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} وصف الله سبحانه منازل المتقين الذين اقبلوا على الله بنعت المعرفة والمحبة وخرجوا مما دونه من البرية وتلك المنازل علما بالمشاهدة ومقامات العندية جناها رفارف الانس وانهارها انوار القدس اجلسهم الله فى بساط الزلفة والمداناة التى لا يتغير صاحبها بعلة القهر ولا يزول عنها السر والحجاب لذلك سماء مقعد صدق واى محل كرامة دائمة وقربة قائمة ومواصلة سرمدية قال جعفر مجح المكان بالصدق فلا تقعد فيه الا اهل الصدق وهو المقعد الذى يصدق الله فيه مواعيد اوليائه بان يبيح لهم النظر الى وجهه الكريم قال الواسطى اهل الصفوة وللمتحققون فى انوار المعارف الذين لا يحجبهم الجنة لا النعيم ولاثنى عنه اولئك فى مقعد صدق عند مليك مقتدر يا اخى هؤلاء غرباء الله فى الدنيا والأخرة ادخلهم الله فى اغرب منازل وهو مقام مجالسيته الحق معه حيث لا يطلع عليهم الا اهل الصدق فى عشقه واهل الشوق فى طلبه واهل المعرفة به والله بذلك مقتدر قادر لذلك قال عند مليك مقتدر واظهرناهم فقراء المعرفة الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال الفقراء جلساء الله سئل ابو يزيد عن الغريب قال الغريب من اذا طالبه الحق فى الدنيا لم يجدوه ولو طالبه مالك فى النار لم يجده ولو طلبه رضوان فى الجنة لم يجده فقيل فاين يكون يا ابا يزيد فقال ان المتقين فى جنات ونهر فى مقعد صدق عند مليك مقتدر.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان المتقين} اى من الكفر والمعاصى {فى جنات} اى بساتين عظيمة الشان بحيث لايوصف نعيمها و ما اعد فيها لاهلها {ونهر} اى انهار كذلك يعنى انهار الماء والخمر والعسل واللبين والافراد للافراد للاكتفاء باسم الجنس مراعاة للفواصل
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} النّهر بالسّكون والنّهر بالتّحريك مجرى الماء.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم الحسني [أ: الحسيني. قال حدثنا فرات] معنعناً: عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: تذاكر أصحابنا الجنة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال النبي: حديث : إن أول أهل الجنة دخولاً علي بن أبي طالب [عليه السلام. أ، ب] تفسير : . قال: فقال أبو دجانة الأنصاري [رضي الله عنه. ر]: يا رسول الله أليس أخبرتنا أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك؟ قال [أ، ب: فقال]: حديث : بلى يا أبا دجانة أما علمت أن لله لواء من نور وعموده من ياقوت مكتوب على ذلك اللواء: لا إله إلا الله محمد رسول الله آل محمد خير البرية، صاحب اللواء أمام القوم تفسير : . قال: فسر بذلك علي فقال: الحمد لله يا رسول الله الذي أكرمنا وشرفنا بك. قال: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : أبشر يا علي ما من عبد يحبك وينتحل مودتك إلا بعثه الله يوم القيامة معنا. ثم قرأ النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] هذه الآية: {إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر} . تفسير : قال: حدثني القاسم بن الحسن بن حازم القرشي معنعناً: حديث : عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: اكتنفنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم عنده [قال. ر] فاطلع [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام. [قال. أ، ب]: فقال النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب]: تريدون أن أريكم أول من يدخل الجنة؟ قال: فقالوا: نعم. قال: هذا. فقام أبو دجانة الأنصاري فقال: يا رسول الله سمعتك وأنت تقول: أن الجنة محرمة على النبيين وسائر الأمم حتى تدخلها أنت. قال: يا أبا دجانة أما علمت أن لله لواء من نور عموده من ياقوت مكتوب على ذلك اللواء: لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي. قال: فدخل علي بن أبي طالب عليه السلام فأجلسه بين يديه ثم ضرب بيده إلى منكبه فقال له: أبشر يا علي إنه من أحبك وانتحل محبتك وأقر بولايتك أسكنه [الله. ب] معنا. ثم تلا هذه الآية: {إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر} .
اطفيش
تفسير : {إِنَّ المُتَّقِينَ فِى جَنَاتٍ} بساتين {وَنَهَرٍ} مفرد كالنهر بالفتح والاسكان والمراد الجنس وقيل: سعة وقيل: الضياء كضياء النهار وقرىء بالفتح والاسكان وقرأ الأعمش نهر بضم النون والهاء جمع نهر بفتح النون والهاء كاسد وأسد وإنما قيل كضياء النهار لانه ليل عندهم ويشربون من انهارها ما شاءوا من لبن أو خمر أو عسل أو ماء طين الأنهار مسك وضواضها الدر والياقوت وحفاتها الياقوت.
اطفيش
تفسير : {إنَّ المتَّقينَ} للشرك وما دونه من المعاصى، ودخل فى ذلك العاصى التائب {في جنات} عظيمة {ونَهَرٍ} أى أنهار عظيمة استعمال المفرد المجرد من أل، والإضافة فى الايجاب بمعنى الجمع للفاصلة، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى السعة يصح للكثير، وهى سعة المساكن والأرزاق، وعن محمد بن كعب: النهر النور والضياء، شبه الضياء المنتشر بالماء المتدفق من منبعه على الاستعارة، أو النهر النهار، فان الجنة دائما كضوء الضحى بلا شمس، وليس حقيقة بلا مجاز، لأن النهار ما كان بشمس بعد ليل، ويدل للأول قراءة نهر باسكان الهاء، ونهر بضمتين.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ } أي من الكفر والمعاصي، وقيل: من الكفر. {فِي جَنَّـٰتِ } عظيمة الشأن {وَنَهَرٍ } أي أنهار كذلك، والإفراد للاكتفاء باسم الجنس مراعاة للفواصل، وعن ابن عباس تفسيره بالسعة، وأنشد عليه قول لبيد بن ربيعة ـ كما في «الدر المنثور» ـ أو قيس بن الخطيم ـ كما في «البحر» ـ يصف طعنة: شعر : ملكت بها كفي (فأنهرت) فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها تفسير : أي أوسعت فتقها. والمراد بالسعة سعة المنازل على ما هو الظاهر، وقيل: سعة الرزق والمعيشة، وقيل: ما يعمهما. وأخرج الحكيم والترمذي في «نوادر الأصول» عن محمد بن كعب قال: {وَنَهَرٍ } أي في نور وضياء وهو على الاستعارة بتشبيه الضياء المنتشر بالماء المتدفق من منبعه، وجوز أن يكون بمعنى النهار على الحقيقة، والمراد أنهم لا ظلمة ولا ليل عندهم في الجنات. وقرأ الأعرج ومجاهد وحميد وأبو السمال والفياض بن غزوان {وَنَهَرٍ } بسكون الهاء، وهو بمعنى {نهر} مفتوحها، وقرأ الأعمش وأبو نهيك وأبو مجلز واليمانى {ونهر } بضم النون والهاء، وهو جمع نهر المفتوح أو الساكن ـ كأسد وأسد، ورهن ورهن ـ وقيل: جمع نهار، والمراد أنهم لا ظلمة ولا ليل / عندهم كما حكى فيما مر، وقيل: قرىء بضم النون وسكون الهاء.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني لأنه لما ذكر أن كل صغير وكبير مستطرِ على إرادة أنه معلوم ومجازىً عليه وقد علم جزاء المجرمين من قوله: {أية : إن المجرمين في ضلال وسعر}تفسير : [القمر: 47] كانت نفس السامع بحيث تتشوف إلى مقابل ذلك من جزاء المتقين وجريا على عادة القرآن من تعقيب النذارة بالبشارة والعكس. وافتتاح هذا الخبر بحرف {إن} للاهتمام به. و{في} من قوله: {في جنات} للظرفية المجازية التي هي بمعنى التلبس القوي كتلبس المظروف بالظرف، والمراد في نعيم جنات ونهر فإن للجنات والأنهار لذات متعارفة من اللهو والأُنس والمحادثة، واجتناء الفواكه، ورؤية جَرَيَانِ الجداول وخرير الماء، وأصوات الطيور، وألوان السوابح. وبهذا الاعتبار عطف {نهر} على {جنات} إذ ليس المراد الإخبار بأنهم ساكنون جناتٍ فإن ذلك يغني عنه قوله بعد: {في مقعد صدق عند مليك مقتدر}، ولا أنهم منغمسون في أنهار إذ لم يكن ذلك مما يقصده السامعون. ونهَرَ: بفتحتين لغة في نهْر بفتح فسكون. والمراد به اسم الجنس الصادق بالمتعدد لقوله تعالى: {أية : من تحتهم الأنهار}تفسير : [الأعراف: 43]، وقوله: {في مقعد صدق} إما في محل الحال من المتقين وإما في محل الخبر الثاني لــــ {إنّ}. والمقعد: مكان القعود. والقعود هنا بمعنى الإِقامة المطمئنة كما في قوله تعالى: {أية : اقعدوا مع القاعدين}تفسير : [التوبة: 46]. والصدق: أصله مطابقة الخبر للواقع ثم شاعت له استعمالات نشأت عن مجاز أو استعارة ترجع إلى معنى مصادفة أحد الشّيء على ما يناسب كمال أحوال جنسه، فيقال: هو رَجُل صدق، أي تمام رُجلة، وقال تأبط شراً:شعر : إني لمهد من ثنائي فقاصد به لابنِ عَمِّ الصدق شُمس بن مالك تفسير : أي ابن العم حقا، أي موف بحق القرابة. وقال تعالى: {أية : ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوّأ صدق}تفسير : [يونس: 93] وقال في دعاء إبراهيم عليه السلام {أية : واجعل لي لسان صدق في الآخرين}تفسير : [الشعراء: 84] ويسمى الحبيب الثابت المحبة صَديقاً وصدّيقاً. فمقعد صدق، أي مقعد كامل في جنسه مرضي للمستقر فيه فلا يكون فيه استفزاز ولا زوال، وإضافة {مقعد} إلى {صدق} من إضافة الموصوف إلى صفته للمبالغة في تمكن الصفة منه. والمعنى: هم في مقعد يشتمل على كل ما يحمده القاعد فيه. والمَليك: فعيل بمعنى المالك مبالغة وهو أبلغ من مَلِك، ومقتدر: أبلغ من قادر، وتنكيره وتنكير مُقتدر للتعظيم. والعندية عندية تشريف وكرامة، والظرف خبر بعد خبر.
الشنقيطي
تفسير : أي في جنات وأنهار كما أوضح تعالى ذلك في قوله {أية : تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}تفسير : [البقرة: 25]، وقوله تعالى: {أية : فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى}تفسير : [محمد: 15]. وقد ذكرنا كثيراً من أمثلة إطلاق المفرد، وإرادة الجمع كما هنا في القرآن العظيم، مع تنكير المفرد وتعريفه، وإضافته، وأكثرنا أيضاً من الشواهد العربية على ذلك في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى:{أية : ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً}تفسير : [الحج: 5]، وفي غير ذلك من المواضع. والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَنَّاتٍ} (54) - وَبَعْدَ أنْ أخْبَرَ اللهُ تَعَالى عَنْ حَالِ الأشْقِيَاءِ، في الآياتِ السَّابِقَاتِ، وَمَا يُلاَقُونَه مِنَ العَذابِ وَالسَّحْبِ عَلَى الوُجُوهِ في النَّارِ، ذَكَر هُنا حَالَ السُّعَداءِ، فَقَالَ: إنَّ المؤْمِنينَ المتَّقِينَ يَكُونُونَ في الجَنَّاتِ نَاعِمينَ في الظِّلالِ الوَارِفةِ، وَالمآكلِ الشَّهِيَّةِ، وَالمَشَارِبِ اللذِيذَةِ، مُتَمَتِّعِينَ بِمَنَاظِرِ المِيَاهِ المُتَدَفِّقَةِ، وَالأنْهارِ الجَارِيةِ في أرْضِ الجَنَّةِ. نَهَرٍ - أَنْهَارٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):