Verse. 4908 (AR)

٥٥ - ٱلرَّحْمَٰن

55 - Ar-Rahman (AR)

وَالسَّمَاۗءَ رَفَعَہَا وَوَضَعَ الْمِيْزَانَ۝۷ۙ
Waalssamaa rafaAAaha wawadaAAa almeezana

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والسماء رفعها ووضع الميزان» أثبت العدل.

7

Tafseer

الرازي

تفسير : ورفع السماء معلوم معنى، ونصبها معلوم لفظاً فإنها منصوبة بفعل يفسره قوله: {رَفَعَهَا } كأنه تعالى قال: رفع السماء، وقرىء {وَٱلسَّمَاء } بالرفع على الابتداء والعطف على الجملة الابتدائية التي هي قوله: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ } تفسير : [الرحمٰن: 5] وأما وضع الميزان فإشارة إلى العدل وفيه لطيفة وهي أنه تعالى بدأ أولاً بالعلم ثم ذكر ما فيه أشرف أنواع العلوم وهو القرآن، ثم ذكر العدل وذكر أخص الأمور له وهو الميزان، وهو كقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ } تفسير : [الحديد: 25] ليعمل الناس بالكتاب ويفعلوا بالميزان ما يأمرهم به الكتاب فقوله: {أية : عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ } تفسير : [الرحمـٰن: 2] {وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ } مثل: {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ } فإن قيل: العلم لا شك في كونه نعمة عظيمة، وأما الميزان فما الذي فيه من النعم العظيمة التي بسببها يعد في الآلاء؟ نقول: النفوس تأبى الغبن ولا يرضى أحد بأن يغلبه الآخر ولو في الشيء اليسير، ويرى أن ذلك استهانة به فلا يتركه لخصمه لغلبة، فلا أحد يذهب إلى أن خصمه يغلبه فلولا التبيين ثم التساوي لأوقع الشيطان بين الناس البغضاء كما وقع عند الجهل وزوال العقل والسكر، فكما أن العقل والعلم صارا سبباً لبقاء عمارة العالم، فكذلك العدل في الحكمة سبب، وأخص الأسباب الميزان فهو نعمة كاملة ولا ينظر إلى عدم ظهور نعمته لكثرته وسهولة الوصول إليه كالهواء والماء اللذين لا يتبين فضلهما إلا عند فقدهما.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ } أثبت العدل.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْمِيزَانَ} ذو اللسان، أو الحكم، أو العدل.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ}[7] قال: باطنها الأمر والنهي على الجوارح.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ}. سَمَكَ السماءَ وأعلاها، وعلى وصفِ الإتقانِ والإحكام بناها، والنجومَ فيها أجراها، وبثَّ فيها كواكبَها، وحفظ عن الاختلالِ مناكِبهَا، وأثبت على ما شاءَ مشارقَها ومغاربَهَا.. وَخَلَقَ الميزانَ بين الناس ليعتبروا الإنصافَ في المعاملات بينهم. ويقال: الميزانُ العَدْلُ. {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ}. احفظوا العَدْل في جميع الأمور؛ في حقوق الآدميين وفي حقوق الله، فيعتبرُ العدلُ، وتَرْكُ الحَيْفِ ومجاوزةُ الحدِّ في كل شيءٍ؛ ففي الأعمال يُعْتَبَرُ الإخلاصُ، وفي الأحوال الصدقُ، وفي الأنفاس الحقائقُ ومساواةُ الظاهرِ والباطنِ وتَرْكُ المداهنةِ والخداعِ والمكرِ ودقائق الشِّرِك وخفايا النفاق وغوامض الجنايات. {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ}. وأقيموا الوزن بالمكيال الذي تحبون أن تُكَالوا به، وعلى الوصف الذي ترجون أن تنالوا به مطعمكم ومشربكم دون تطفيف.

البقلي

تفسير : رفع سماء المعرفة والتوحيد بحيث لا يلحقها الا اهل الاصطفائية بالولاية فى الازل ولا ينالها كل مدع كذاب ووضع ميزان الصدق والاخلاص ليوزن به العبودية فى بساط الربوبية.

اسماعيل حقي

تفسير : {والسماء رفعها} انتصاب بمحذوف يفسره المذكور اى خلقها مرفوعة محلا كما هو محسوس مشاهد وكذا رتبة حيث جعلها منشأ احكامه وقضاياه وتنزل اوامره ومحل ملائكته وقال بعضهم رفعها من السفل الى العلو سقفا لمصالح العباد وجعل بينهما مسيرة خمسمائة عام وذلك لان السماء دخان فاربه موج الماء الذى كان فى الارض {ووضع الميزان} اى شرع العدل وامر به بأن وفر كل مستحق لما استحقه ووفى كل ذى حق حقه حتى انتظم به امر العالم واستقام كما قال عليه السلام "حديث : بالعدل قامت السموات والارض"تفسير : قيل فعلى هذه الميزان هو القرءآن وقيل هو مايعرف به مقادير الاشياء من ميزان وميكال ونحوهما فالمعنى خلق كل ماتوزن به الاشياء ويعرف مقاديرها موضوعا مخفوضا على الارض حيث علق به احكام عباده وقضاياهم وما تعبدهم به من التسوية والتعديل فى اخذهم واعطائهم قال سعدى المفتى وانت خبير بأن قوله {أية : أن لاتطغوا فى الميزان واقيموا الوزن}تفسير : اشد ملاءمة لهذا المعنى ولهذا اقتصر عليه الزمخشرى (قال الكاشفى) وضع الميزان وبيا فريد يامنزل كردانيد ترازورا يا الهام داد خلق را بكيفيت يجاد آن، ليتوصل به الا الانصاف والانتصاف وكان ذلك فى زمان نوح عليه السلام اذ لم يكن قبله كيل ووزن وذراع قال قتادة فى هذه الآية اعدل يا ابن آدم كما تحب أن يعدل عليك واوف كما تحب أن يوفى لك فأن العدل صلاح الناس

الجنابذي

تفسير : {وَٱلسَّمَآءَ} اى سماء عالم الطّبع وسماء الارواح وسماء روح الانسان وسماء الولاية {رَفَعَهَا} بحيث لا يبلغ ابصاركم الى ما هى عليه {وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} قد سبق انّه لا اختصاص للميزان بذى الكفّتين بل كلّما يوزن ويقاس به شيءٌ آخر هو ميزان لذلك الشّيء فالميزان ذو الكفّتين والقبان والكيل والزّرع وخيوط البنّائين وغيرها من المحسوسات الّتى يقاس بها اشياء اُخر موازين، وشريعة كلّ نبىّ ميزان لامّته كما انّ ولاية كلّ ولىٍّ وخلافته لنبيّه ميزانٌ لاتباعه فى اعمالهم، والنّفوس الانسانيّة والعقول المعاشيّة والعقول المعاديّة موازين للاعضاء والقوى والاعمال وتمييز الاشياء باوصافها، وميزان الكلّ هو الولاية بوجهها الى عالم الكثرات.

اطفيش

تفسير : والآية {وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا} خلقها مرفوعة محلا ومرتبة فانها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومنزل أوامره ونواهيه ومسكن ملائكته الذين لا يفترون عن العبادة وينزلون بالوحي الى انبيائه وبينها وبين الارض خمس مائة عام وقيل: كانت على الارض ورفعها وقيل: رفعتها نملة بقدرته. {وَوَضَعَ المِيزَانَ} اي العدل أي امر به كما فسره بقوله {أَلا تَطْغَوْا فِى المِيزَانِ} أي لا تجاوزا العدل هذا مذهب الجمهور وقيل قام بالعدل بين خلقه واعطى كل ذي حق حقه فانتظم امر العالم قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بالعدل قامت السماوات والارض "تفسير : وان تفسير ايضا لدالة عدله على النهي عن عدم العدل وقيل: اراد كل ما يوزن به الاشياء ويعرف مقاديرها من ميزان ومكيال ومقياس وغير ذلك خلقه موضوعا على الارض حيث علق احكام عباده بالعدل في الاخذ والاعطاء. وقرأ عبدالله ابن مسعود وخفض الميزان ويجوز كون ان المصدرية ولا نافية أي لئلا تطغوا وأسقط ابن مسعود ان على إرادة القول أي قال لا تطغوا في الميزان أي لا تظلموا فيه وصف السماء بالرفعة ووصف الارض بما فيها بلفظ الوضع اظهاراً للتفاوت ووصفها به أيضاً بعد على التحقيق وقرىء برفع السماء على الابتداء.

اطفيش

تفسير : {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا} رفعا حسيا، كانت على الأَرض ورفعها إِلى حيث هى، وفتقها سبعا أو رفعا حسيا كذلك، لكن بمعنى خلقها فى موضعها المرتفع ويناسبه قوله تعالى: {أية : وَالأَرْضَ وَضَعَهَا...} تفسير : [الرحمن: 10] لأَن وضعها خلقها فى موضعها لا وضع من عال، ويجوز أن يراد الرتبى والحسى جمعا بين الحقيقة والمجاز أو عموم المجاز ونصب السماء على الاشتغال والجملة المقدرة خبر سادس. {وَوَضعَ الميزَانَ} شرع العدل من معنى قولهم: وضعت الشئ أى أثبته، والزيادة والنقص والمساواة فى الحس تتبين بالميزان الحسى فشبه به العدل، فهو ميزان معنوى، فالميزان بمعنى العدل استعارة أصلية تصريحية، وذلك بأَن يعطى كل ذى حق حقه، قال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : بالعدل قامت السماوات والأَرض"تفسير : ، أى بقيتا على حالهما. وقيل: المراد بقاء ما فيهما من الأَحياء، إِذ لولا العدل لهلك ما فيها، وأما أهل السموات فذكرهم مبالغة، إِذ لا يقع لديهم ما يحتاج للحكم بالعدل بينهم، أو أراد بالعدل فى الحديث وضع الأَشياء فى مواضعها بالحكمة، وعن ابن عباس: المراد فى الآية ما تعرف به المقادير وزنا أو كيلا أو ذرعا أو نحو ذلك، كلفهم به ليتوصلوا به إِلى حقوق لله تعالى وحقوق العباد، ولفظ الميزان حقيقة فى كل ما يعرف به المقدار من تلك الأَشياء ونحوها، وقيل المراد الميزان المعروف، وأنه حقيقة فيه فقط. ويرجح هذا والذى قبله قوله تعالى: {أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} ويجوز أن يراد بالميزان العدل والميزان الحسى جميعا بين الحقيقة والمجاز، وأن يراد عموم المجاز واللام مقدرة، أى لئلا تطغوا، أى كراهة أن تطغوا، فلا نافية وأن مصدرية والعامل وضع والميزان فى موضع الضمير، والمعنى: لأَجل أن تحافظوا على شأنه لا تنقصوا منه ولا تزيدوا عليه، ومن شاء الزيادة من ماله فبعد تحقيق كمال الوزن، ومن شاء النفقص من حقه، فبعد تحصيل حقه، وجاز قبل، لكن لا يصوغ الميزان ناقصا، والوزن بمعنى الموزون، ويجوز أن تكون (أن) مفسرة و (لا) ناهية لتقدم ما فيه معنى القول دون حروفه، وهو وضع بمعنى شرع، والشرع وحى والوحى قول وهو أولى لسلامته من تفسيره بموضع الظاهر موضع المضمر إِذ لا معنى لوضع الميزان، لئلا تطغوا فى الميزان إِلا بالتأَويل الذى ذكرت، ولسلامته من تفسير الميزان بالموزون. وأيضا يناسب كون (لا) ناهية قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} ففيه عطف الأَمر والنهى عطف إِنشاء على إِنشاء، وإِذا جعلنا (أن) مصدرية و (لا) نافية، كان العطف عطف إِنشاء على إِخبار، ويدل على أن (لا) ناهية، قراءة لا تطغوا بإِسقاط (أن) مع حذف نون تطغون، وذكر بعض أن التأَويل بالمصدر فى جعلها مصدرية وجعل (لا) نافية مسوغ لعطف الإِنشاء على الخبر، موجب لتأَويل الإِنشاء بالمصدر لعطفه على المؤول بالمصدر، فيكون مجردا عن الإِنشاء، وهو مبنى على جواز الإِنشاء بالمصدر وجواز دخول حرف المصدر على الإِنشاء، وقد علمت بطلانه ومعنى إِقامة الوزن بالقسط، تقويم الوزن بالعدل، وهو انتفاء البخس فى الكيل والوزن كما قال مجاهد: أقيموا لسان الميزان إِذا أردتم الأَخذ أو الإِعطاء أو أقيموا بالشرع أقوالكم وأفعالكم أو ذلك كله، وقيل الإِقامة باليد والقسط بالقلب، والوزن هنا بالمعنى المصدرى، ومعنى خسر الميزان نقص آلة الوزن بصوغها ناقصة أو بعدم إِكمال الوزن، ويجوز أن يكون مصدرا وأن يكون بمعنى موزون، ولا يخفى ما فى تكرير مادة الوزن فى المواضع من التأَكيد والحث على ترك البخس والميزان مفعول به، والمعنى: لا تجعلوا أنفسكم خاسرة الميزان بنصب الميزان فى عبارتى هذه بخاسرة، لأَن خسر الثلاثى متعدٍ بنفسه لواحد كقوله تعالى: {أية : خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} تفسير : [الأعراف: 9] وخسروا الدنيا والآخرة، وكقراءة فتح التاء وكسر السين وقراءة فتحها وضم السين وقراءة فتحها، إِلا أن تعديه فى الآية إِلى الميزان لا يخلو من ملاحظة معنى حرف السبب، أى بسبب الميزان، بأَن لا تراعوا ما ينبغى فيه، ويجوز أن يكون المعنى لا تكونوا ممن خفت موازينه يوم القيامة، وقيل المعنى لا تخسروا موزون الميزان بتقدير مضاف.

الالوسي

تفسير : {وَٱلسَّمَاء رَفَعَهَا } أي خلقها مرفوعة ابتداءاً لا أنها كانت مخفوضة ورفعها، والظاهر أن المراد برفعها الرفع الصوري الحسي، ويجوز أن يكون المراد به ما يشمل الصوري والمعنوي بطريق عموم المجاز أو الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من يرى جوازه. ورفعها المعنوي الرتبـي لأنها منشأ أحكامه تعالى وقضاياه ومتنزل أوامره سبحانه ومحل ملائكته عز وجل. وقرأ أبو السمال {وَٱلسَّمَاءُ } بالرفع على الابتداء، ولا إشكال فيه لأن الجملة عليه اسمية معطوفة على مثلها، وإنما الإشكال في النصب لأنه بفعل مضمر على شريطة التفسير أي ورفع السماء فتكون الجملة فعلية فإن عطفت على جملة ـ { أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } تفسير : [الرحمن: 6] الكبرى لزم تخالف الجملتين المعطوفة والمعطوف عليها بالاسمية والفعلية وهو خلاف الأولى، وإن عطفت على جملة {يَسْجُدَانِ } الصغرى لزم أن تكون خبراً ـ للنجم والشجر ـ مثلها، وذلك لا يصح إذ لا عائد فيها إليهما، وكذا يقال في العطف على كبرى وصغرى { أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } تفسير : [الرحمن: 5] وأجاب أبو علي باختيار الثاني، وقال: لا يلزم في المعطوف على الشيء أن يعتبر فيه حال ذلك الشيء، وتلا باب قولهم متقلداً سيفاً ورمحاً، وبعضهم باختيار الأول ويحسن التخالف إذا تضمن نكتة، قال الطيبـي: الظاهر أن يعطف على جملة {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } ليؤذن بأن الأصل أجرى الشمس والقمر، وأسجد النجم والشجر، فعدل إلى معنى دوام التسخير والانقياد في الجملتين الأوليين، ومعنى التوكيد في الأخيرة والكلام فيما يتعلق بالرفع والنصب فيما إذا ولي العاطف جملة ذات وجهين مفصل في كتب النحو. {وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ } أي شرع العدل وأمر به بأن وفر على كل مستعد مستحقه، ووفى كل ذي حق حقه حتى انتظم أمر العالم واستقام كما قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : بالعدل قامت السماوات والأرض » تفسير : أي بقيتا على أبلغ نظام وأتقن إحكام، وقال بعضهم: المراد بقاء من فيهما من الثقلين إذ لولا العدل أهلك أهل الأرض بعضهم بعضاً، وأما الملأ الأعلى فلا يقع بينهم ما يحتاج للحكم والعدل، فذكرهم للمبالغة، والذي أختاره أن المراد بالسمٰوات والأرض العالم جميعه ولا شك أنه لولا العدل لم يكن العالم منتظماً. ومنشأ ما ذكره القائل ظن أن المراد بالعدل في الحديث العدل في الحكم لفصل الخصومات ونحوه وليس كما ظن بل المراد به عدل الله عز وجل وإعطاؤه سبحانه كل شيء خلقه. وتفسير الميزان بما ذكر هو المروي عن مجاهد والطبري والأكثرين، وهو مستعار للعدل استعارة تصريحية؛ وعن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك أن المراد به ما يعرف به مقادير الأشياء من الآلة المعروفة والمكيال المعروف ونحوهما، فالمعنى خلقه موضوعاً مخفوضاً على الأرض حيث علق به أحكام عباده وقضاياهم المنزلة من السماء وما تعبدهم به من التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم، والمشهور أنه بهذا المعنى مجاز أيضاً من استعمال المقيد في المطلق، وقيل: هو حقيقة، فالواضع لم يضعه إلا لما يعرف به المقادير على أي هيئة ومن أي جنس كان، والناس لما ألفوا المعروف لا يكاد يتبادر إلى أذهانهم من لفظ الميزان سواه، وقيل: المراد به المعروف واللفظ فيه حقيقة ولا يسلم الوضع للعام. / ورجح القولان الأخيران بأن ما بعد أشدّ ملاءمة لهما وبين الوضع والرفع عليهما تقابل، وقد قرأ عبد الله ـ وخفض الميزان ـ والأول بأنه أتم فائدة فَزِنْ ذلك بميزان ذهنك.

ابن عاشور

تفسير : اطّرد في هذه الآية أسلوب المقابلة بين ما يُشبه الضدين بعد مقابلةِ ذِكر الشمس والقمرِ بذِكر النجممِ والشجر، فجيء بِذكر خلق السماء وخلق الأرض. وعاد الكلام إلى طريقة الإِخبار عن المسند إليه بالمسند الفعلي كما في قوله: {أية : الرحمٰن علم القرآن}تفسير : [الرحمٰن: 1، 2]، وهذا معطوف على الخبر فهو في معناه. ورفع السماء يقتضي خلقَها. وذُكر رفعها لأنه محل العبرة بالخلق العجيب. ومعنى رفعها: خلقُها مرفوعة إذ كانت مرفوعة بغير أعمدة كما يقال للخياط: وسّع جيب القميص، أي خِطْه واسعاً على أن في مجرد الرفع إيذاناً بسموّ المنزلة وشرفها لأن فيها منشأَ أحكام الله ومصدرَ قضائه، ولأنها مكان الملائكة، وهذا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه. وتقديم السماء على الفعل الناصب له زيادةٌ في الاهتمام بالاعتبار بخلقها. و{الميزان}: أصله اسمُ آلة الوزن، والوزن تقديرُ تعادُلِ الأشياء وضبط مقادير ثقلها وهو مِفعال من الوزن، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : والوزن يومئذٍ الحق فمن ثقلت موازينه} تفسير : في سورة الأعراف (8)، وشاع إطلاق الميزان على العدل باستعارة لفظ الميزان للعدل على وجه تشبيه المعقول بالمحسوس. والميزان هنا مراد به العدل، مثل الذي في قوله تعالى: {أية : وأنزلنا معهُم الكتاب والميزان}تفسير : [الحديد: 25] لأنه الذي وضعه الله، أي عيّنه لإِقامة نظام الخلق، فالوضع هنا مستعار للجعل فهو كالإِنزال في قوله: {وأنزلنا معهم الكتاب والميزان}. ومنه قول أبي طلحة الأنصاري «وإنّ أحبَّ أموالي إليّ بئرحاءٍ وأنها صدقة لله فضَعْهَا يا رسول الله حيثُ أراكَ الله» أي اجعلها وعينها لما يدُلُّك الله عليه فإطلاق الوضع في الآية بعد ذكر رفع السماء مشاكلة ضِدية وإيهامُ طباق مع قوله: {رفعها} ففيه محسِّنان بديعيان. وقرن ذلك مع رفع السماء تنويهاً بشأن العدل بأن نسب إلى العالم العلوي وهو عالم الحق والفضائل، وأنه نزل إلى الأرض من السماء أي هو مما أمر الله به، ولذلك تكرر ذلك العدل مع ذكر خلق السماء كما في قوله تعالى: {أية : هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق} تفسير : في سورة يونس (5)، وقوله: {أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} تفسير : في سورة الحجر (85)، وقوله: {أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق} تفسير : في سورة الدخان (38، 39). وهذا يصدّق القول المأثور: "بالعدل قامت السماوات والأرض". وإذ قد كان الأمر بإقامة العدل من أهم ما أوصى الله به إلى رسوله قُرن ذكر جعله بذكر خلق السماء فكأنه قيل ووضع فيها الميزان. و (أنْ) في قوله: {ألا تطغوا} يجوز أن تكون تفسيرية لأن فعل وضع الميزان فيه معنى أمر الناس بالعدل. وفي الأمر معنى القول دون حروفه فهو حقيق بأن يأتي تفسيرُه بحرف (أنْ) التفسيرية. فكان النهي عن إضاعة العدل في أكثر المعاملات تفسيراً لذلك. فتكون (لا) ناهية. ويجوز أن تكون (أنْ) مصدرية بتقدير لاَم الجر محذوفة قبلَها. والتقدير: لئلا تَطْغَوْا في الميزان، وعلى كلا الاحتمالين يراد بالميزان ما يشمل العدل ويشمل ما به تقدير الأشياء الموزونة ونحوها في البيع والشراء، أي من فوائد تنزيل الأمر بالعدل أن تجتنبوا الطغيان في إقامة الوزن في المعاملة. وتكون (لا) نافية، وفعْل {تطغوا} منصوباً بــــ (أن) المصدرية. ولفظ {الميزان} يسمح بإرادة المعنيين على طريقة استعمال المشترك في معنييه. وفي لفظ الميزان وما قارنه من فعل {وضع} وفعلي {لا تَطْغَوْا} و{أقيموا} وحرف الباء في قوله: {بالقسط} وحرف {في} من قوله: {في الميزان} ولفظ {القسط}، كل هذه تظاهرت على إفادة هذه المعاني وهذا من إعجاز القرآن. والطغيان: دحض الحق عمداً واحتقاراً لأصحابه، فمعنى الطغيان في العدل الاستخفاف بإضاعته وضعف الوازع عن الظلم. ومعنى الطغيان في وزن المقدرات تطفيفه. و{في} من قوله: {في الميزان} ظرفية مجازية تفيد النهي عن أقل طغيان على الميزان، أي ليس النهي عن إضاعة الميزان كله بل النهي عن كل طغيان يتعلق به على نحو الظرفية في قوله تعالى: {أية : وارزقوهم فيها واكسوهم}تفسير : [النساء: 5]، أي ارزقوهم من بعضها وقول سَبرة بنِ عَمْرو الفقعسي:شعر : سَبرةَ بنِ عَمْرو الفقعسي ونَشرب في أثمانها ونُقامر تفسير : إذْ أراد أنهم يشربون الخمر ببعض أثمان إبلهم ويقامرون، أي أن لهم فيها منافع أخرى وهي العطاء والأكل منها لقوله في صدر البيت:شعر : نُحابي بها أكفاءنا ونُهينُها تفسير : وقوله تعالى: {وأقيموا الوزن بالقسط} عطف على جملة {ألا تطغوا في الميزان} على احتمال كون المعطوف عليها تفسيرية. وعلى جملة {ووضع الميزان} على احتمال كون المعطوف عليها تعليلاً. والإِقامة: جعل الشيء قائماً، وهو تمثيل للإِتيان به على أكمل ما يراد له وقد تقدم عند قوله: {أية : ويقيمون الصلاة} تفسير : في سورة البقرة (3). والوزن حقيقته: تحقيق تعادل الأجسام في الثقل، وهو هنا مراد به ما يشمل تقدير الكميات وهو الكيل والمقياس. والقسط: العدل وهو معرب من الرومية وأصله قسطاس ثم اختصر في العربية فقالوا مرة: قسطاس، ومرة: قسط، وتقدم في قوله تعالى: {أية : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} تفسير : في سورة الأنبياء (47). والباء للمصاحبة. والمعنى: اجعلوا العدل ملازماً لما تقوّمونه من أموركم كما قال تعالى: {أية : وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى}تفسير : [الأنعام: 152] وكما قال: {أية : ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا}تفسير : [المائدة: 8]، فيكون قوله: {بالقسط} ظرفاً مستقراً في موضع الحال، أو الباء للسببية، أي راعوا في إقامة التمحيص ما يقتضيه العدل، فيكون قوله: {بالقسط} طرفاً لغواً متعلقاً، وقد كان المشركون يعهدون إلى التطفيف في الوزن كما جاء في قوله تعالى: {أية : ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون}تفسير : [المطففين: 1 ـــ 3]. فلما كان التطفيف سنة من سنن المشركين تصدت للآية للتنبيه عليه، ويجيء على الاعتبارين تفسير قوله: {ولا تخسروا الميزان} فإن حُمل الميزان فيه على معنى العدل كان المعنى النهي عن التهاون بالعدل لغفلة أو تسامح بعد أن نهى عن الطغيان فيه، ويكون إظهار لفظ الميزان في مقام ضميره تنبيهاً على شدة عناية الله بالعدل، وإنْ حُمل فيه على آلة الوزن كان المعنى النهي عن غبن الناس في الوزن لهم كما قال تعالى في سورة المطففين (3) {أية : وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون}.تفسير : والإِخسار: جعل الغير خاسرا والخسارة النقص. فعلى حمل الميزان على معنى العدل يكون الإِخسار جعل صاحب الحق خاسراً مغبوناً؛ ويكون {الميزان} منصوباً على نزع الخافص، وعلى حمل الميزان على معنى آلة الوزن يكون الإِخسار بمعنى النقص، أي لا تجعلوا الميزان ناقصاً كما قال تعالى: {أية : ولا تنقصوا المكيال والميزان}تفسير : [هود: 84]، وقد علمت هذا النظم البديع في الآية الصالح لهذه المحامل.

الشنقيطي

تفسير : قوله: والسماء رفعها قد بينا الآيات الموضحة له في سورة ق في الكلام على قوله:{أية : أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا}تفسير : [ق: 6] الآية. وقوله: {وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}، قد قدمنا الكلام عليه في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ}تفسير : [الشورى: 17] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : (7) - وَقَدْ رَفَعَ اللهُ تَعَالى السَّماءَ وَأقَامَ العَالمَ عَلَى العَدْلِ، وَفَرَضَ العَدْلَ عَلَى عِبَادِهِ، لِكَي تَنْتَظِمَ شُؤُونُ الحَيَاةِ. وَضَعَ المِيزانَ - شَرَعَ العَدْلَ وَأمرَ بِهِ الخَلْقَ.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} [الآية: 7]. قال: يقول: وضع العدل. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن /78 و/ مجاهد: {وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} [الآية: 10]. يعني: للخلق. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {ٱلْعَصْفِ} ورق الحنطة. {وَٱلرَّيْحَانُ} [الآية: 12]: الرزق. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن اَبي نجيح، عن مجاهد: {مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ} [الآية: 14]. يقول: كما يصنع الفخار. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: "المَارج" [الآية: 15] اللهب الأَصفر والأَخضر، الذي يعلو النار إِذا أُوقدت.