Verse. 4914 (AR)

٥٥ - ٱلرَّحْمَٰن

55 - Ar-Rahman (AR)

فَبِاَيِّ اٰلَاۗءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبٰنِ۝۱۳
Fabiayyi alai rabbikuma tukaththibani

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(فبأي آلاء) نعم (ربكما) أيها الإنس والجن (تكذبان) ذكرت إحدى وثلاثين مرة، والاستفهام فيها للتقرير لما روي الحاكم عن جابر قال: "" قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: مالي أراكم سكوتا، لَلْجن كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة (فبأي آلاء ربكما تكذبان) إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد "".

13

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مباحث: الأول: الخطاب مع من؟ نقول: فيه وجوه الأول: الإنس والجن وفيه ثلاثة أوجه أحدها: يقال: الأنام اسم للجن والإنس وقد سبق ذكره، فعاد الضمير إلى ما في الأنام من الجنس ثانيها: الأنام اسم الإنسان و الجان لما كان منوياً وظهر من بعد بقوله: {أية : وَخَلَقَ ٱلْجَانَّ } تفسير : [الرحمٰن: 15] جاز عود الضمير إليه، وكيف لا وقد جاز عود الضمير إلى المنوي، وإن لم يذكر منه شيء، تقول: لا أدري أيهما خير من زيد وعمرو ثالثها: أن يكون المخاطب في النية لا في اللفظ كأنه قال فبأي آلاء ربكما تكذبان أيها الثقلان الثاني: الذكر والأنثى. فعاد الضمير إليهما والخطاب معهما الثالث: فبأي آلاء ربك تكذب، فبأي آلاء ربك تكذب، بلفظ واحد والمراد التكرار للتأكيد الرابع: المراد العموم، لكن العام يدخل فيه قسمان بهما ينحصر الكل ولا يبقى شيء من العام خارجاً عنه فإنك إذا قلت: إنه تعالى خلق من يعقل ومن لا يعقل، أو قلت: الله يعلم ما ظهر وما لم يظهر إلى غير ذلك من التقاسيم الحاصرة يلزم التعميم، فكأنه قال: يا أيها القسمان: {فَبِأَيِّ ءَالاء رَبِّكُمَا تُكَذّبَانِ } واعلم أن التقسيم الحاصر لا يخرج عن أمرين أصلاً ولا يحصل الحصر إلا بهما، فإن زاد فهناك قسمان قد طوى أحدهما في الآخر، مثاله إذا قلت: اللون إما سواد وإما بياض، وإما حمرة وإما صفرة وإما غيرها فكأنك قلت: اللون إما أسود وإما ليس بسواد أو إما بياض وإما ليس ببياض، ثم الذي ليس ببياض إما حمرة وإما ليس بحمرة وكذلك إلى جملة التقسيمات، فأشار إلى القسمين الحاصرين على أن ليس لأحد ولا لشيء أن ينكر نعم الله الخامس: التكذيب قد يكون بالقلب دون اللسان، كما في المنافقين، وقد يكون باللسان دون القلب كما في المعاندين وقد يكون بهما جميعاً، فالكذب لا يخرج عن أن يكون باللسان أو بالقلب فكأنه تعالى قال: يا أيها القلب واللسان فبأي آلاء ربكما تكذبان فإن النعم بلغت حداً لا يمكن المعاند أن يستمر على تكذيبها، السادس: المكذب مكذب بالرسول والدلائل السمعية التي بالقرآن ومكذب بالعقل والبراهين والتي في الآفاق والأنفس فكأنه تعالى قال: يا أيها المكذبان بأي آلاء ربكما تكذبان، وقد ظهرت آيات الرسالة فإن الرحمن علم القرآن، وآيات الوحدانية فإنه تعالى خلق الإنسان وعلمه البيان، ورفع السماء ووضع الأرض السابع: المكذب قد يكون مكذباً بالفعل وقد يكون التكذيب منه غير واقع بعد لكنه متوقع فالله تعالى قال: يا أيها المكذب تكذب وتتلبس بالكذب، ويختلج في صدرك أنك تكذب، {فَبِأَيِّ ءَالاء رَبِّكُمَا تُكَذّبَانِ }، وهذه الوجوه قريبة بعضها من بعض والظاهر منها الثقلان، لذكرهما في الآيات من هذه السورة بقوله: {أية : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ } تفسير : [الرحمٰن: 31]، وبقوله: {أية : يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ }تفسير : [الرحمٰن: 33] وبقوله: {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ * وَخَلَقَ ٱلْجَانَّ } تفسير : [الرحمٰن: 14، 15] إلى غير ذلك، (والزوجان) لوروده في القرآن كثير والتعميم بإرادة نوعين حاصرين للجميع، ويمكن أن يقال: التعميم أولى لأن المراد لو كان الإنس والجن اللذان خاطبهما بقوله: {فَبِأَيِّ ءَالاء رَبِّكُمَا تُكَذّبَانِ } ما كان يقول بعد خلق الإنسان، بل كان يخاطب ويقول: خلقناك يا أيها الإنسان من صلصال وخلقناك يا أيها الجان أو يقول: خلقك يا أيها الإنسان لأن الكلام صار خطاباً معهما، ولما قال الإنسان، دل على أن المخاطب غيره وهو العموم فيصير كأنه قال: يا أيها الخلق والسامعون إنا خلقنا الإنسان من صلصال كالفخار، وخلقنا الجان من مارج من نار. وسيأتي باقي البيان في مواضع من تفسير هذه السورة إن شاء الله تعالى الثاني: ما الحكمة في الخطاب ولم يسبق ذكر مخاطب، نقول: هو من باب الالتفات إذ مبنى افتتاح السورة على الخطاب مع كل من يسمع، فكأنه لما قال: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ } تفسير : [الرحمٰن: 1، 2] قال: اسمعوا أيها السامعون، والخطاب للتقريع والزجر كأنه تعالى نبه الغافل المكذب على أنه يفرض نفسه كالواقف بين يدي ربه يقول له ربه: أنعمت عليك بكذا وكذا، ثم يقول: فبأي آلائي تكذب ولا شك أنه عند هذا يستحي استحياء لا يكون عنده فرض الغيبة الثالث: ما الفائدة في اختيار لفظة الرب وإذا خاطب أراد خطاب الواحد فلم قال: {رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } وهو الحاضر المتكلم فكيف يجعل التكذيب المسند إلى المخاطب وارداً على الغائب ولو قال: بأي آلائي تكذبان كان أليق في الخطاب؟ نقول: في السورة المتقدمة قال: {أية : وكَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ } تفسير : [القمر: 23] {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ } تفسير : [القمر: 33] وقال: {أية : كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } تفسير : [القمر: 42] وقال: {أية : فَأَخَذْنَـٰهُمْ } تفسير : [القمر: 42] وقال: {أية : كَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } تفسير : [القمر: 21] كلها بالاستناد إلى ضمير المتكلم حيث كان ذلك للتخويف فالله تعالى أعظم من أن يخشى فلو قال: أخذهم القادر أو المهلك لما كان في التعظيم مثل قوله: {فَأَخَذْنَـٰهُمْ } ولهذا قال تعالى: {أية : وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } تفسير : [آل عمران: 28] وهذا كما أن المشهور بالقوة يقول أنا الذي تعرفني فيكون في إثبات الوعيد فوق قوله أنا المعذب فلما كان الإسناد إلى النفس مستعملاً في تلك السورة عند الإهلاك والتعذيب ذكر في هذه السورة عند بيان الرحمة لفظ يزيل الهيبة وهو لفظ الرب فكأنه تعالى قال فبأي آلاء ربكما تكذبان وهو رباكما الرابع: ما الحكمة في تكرير هذه الآية وكونه إحدى وثلاثين مرة؟ نقول: الجواب عنه من وجوه الأول: إن فائدة التكرير التقرير وأما هذا العدد الخاص فالأعداد توقيفية لا تطلع على تقدير المقدرات أذهان الناس والأولى أن لا يبالغ الإنسان في استخراج الأمور البعيدة في كلام الله تعالى تمسكاً بقول عمر رضي الله تعالى عنه حيث قال مع نفسه عند قراءته سورة عبس: كل هذا قد عرفناه فما الأب ثم رفع عصا كانت بيده وقال هذا لعمر الله التكليف وما عليك يا عمر أن لا تدري ما الأب ثم قال: اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه وسيأتي فائدة كلامه تعالى في تفسير السورة إن شاء الله تعالى الجواب الثاني: ما قلناه: إنه تعالى ذكر في السورة المتقدمة: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } أربع مرات لبيان ما في ذلك من المعنى وثلاث مرات للتقرير والتكرير وللثلاث والسبع من بين الأعداد فوائد ذكرناها في قوله تعالى: {أية : وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } تفسير : [لقمان: 27] فلما ذكرنا العذاب ثلاث مرات ذكر الآلاء إحدى وثلاثين مرة لبيان ما فيه من المعنى وثلاثين مرة للتقرير الآلاء مذكورة عشر مرات أضعاف مرات ذكر العذاب إشارة إلى معنى قوله تعالى: {أية : مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا } تفسير : [الأنعام: 160]، الثالث: إن الثلاثين مرة تكرير بعد البيان في المرة الأولى لأن الخطاب مع الجن والإنس، والنعم منحصرة في دفع المكروه وتحصيل المقصود، لكن أعظم المكروهات عذاب جهنم ولها سبعة أبواب وأتم المقاصد نعيم الجنة ولها ثمانية أبواب فإغلاق الأبواب السبعة وفتح الأبواب الثمانية جميعه نعمة وإكرام، فإذا اعتبرت تلك النعم بالنسبة إلى جنسي الجن والإنس تبلغ ثلاثين مرة وهي مرات التكرير للتقرير، والمرة الأولى لبيان فائدة الكلام، وهذا منقول وهو ضعيف، لأن الله تعالى ذكر نعم الدنيا والآخرة، وما ذكره اقتصار على بيان نعم الآخرة الرابع: هو أن أبواب النار سبعة والله تعالى ذكر سبع آيات تتعلق بالتخويف من النار، من قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ }، إلى قوله تعالى: {أية : يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ } تفسير : [الرحمٰن: 31 ـ 44] ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك جنتين حيث قال: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } تفسير : [الرحمٰن: 46] ولكل جنة ثمانية أبواب تفتح كلها للمتقين، وذكر من أول السورة إلى ما ذكرنا من آيات التخويف ثماني مرات: {فَبِأَيِّ ءَالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } سبع مرات للتقرير بالتكرير استيفاء للعدد الكثير الذي هو سبعة، وقد بينا سبب اختصاصه في قوله تعالى: {أية : سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } تفسير : [لقمان: 27] وسنعيد منه طرفاً إن شاء الله تعالى، فصار المجموع ثلاثين مرة المرة الواحدة التي هي عقيب النعم الكثيرة لبيان المعنى وهو الأصل والتكثير تكرار فصار إحدى وثلاثين مرة.

البيضاوي

تفسير : {فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ} الخطاب للثقلين المدلول عليهما بقوله: {لِلأَنَامِ } وقوله: {أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ }. {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ} الصلصال الطين اليابس الذي له صلصلة، والفخار الخزف وقد خلق الله آدم من تراب جعله طيناً ثم حمأ مسنوناً، ثم صلصالاً فلا يخالف ذلك قوله خلقه من تراب ونحوه. {وَخَلَقَ ٱلْجَانَّ} الجن أو أبا الجن. {مِن مَّارِجٍ} من صاف من الدخان. {مّن نَّارٍ} بيان لـ {مَّارِجٍ} فإنه في الأصل للمضطرب من مرج إذ اضطرب. {فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } مما أفاض عليكما في أطوار خلقتكما حتى صيركما أفضل المركبات وخلاصة الكائنات. {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما. {فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ} مما في ذلك من الفوائد التي لا تحصى، كاعتدال الهواء واختلاف الفصول وحدوث ما يناسب كل فصل فيه إلى غير ذلك. {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} أرسلهما من مرجت الدابة إذا أرسلتها، والمعنى أرسل البحر الملح والبحر العذب. {يَلْتَقِيَانِ } يتجاوران ويتماس سطوحهما، أو بحري فارس والروم يلتقيان في المحيط لأنهما خليجان يتشعبان منه. {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ} حاجز من قدرة الله تعالى أو من الأرض. {لاَّ يَبْغِيَانِ} لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة وإبطال الخاصية، أو لا يتجاوزان حديهما بإغراق ما بينهما. {فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانِ} كبار الدر وصغاره، وقيل المرجان الخرز الأحمر، وإن صح أن الدر يخرج من الملح فعلى الأول إنما قال منهما لأنه مخرج من مجتمع الملح والعذب، أو لأنهما لما اجتمعا صارا كالشيء الواحد فكأن المخرج من أحدهما كالمخرج منهما. وقرأ نافع وأبو عمرو ويعقوب {يَخْرُجُ}، وقرىء «نُخْرِجُ» و «يَخْرُجُ» بنصب {الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ }. {فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ} أي السفن جمع جارية، وقرىء بحذف الياء ورفع الراء كقوله:شعر : لَهَا ثَنَايَا أَرْبَعٌ حِسَانٌ ــ @ ــ وَأَرْبَعٌ فَكُلُهَا ثَمَانٍ. تفسير : {المُنْشَآتُ} المرفوعات الشرع، أو المصنوعات وقرأ حمزة وأبو بكر بكسر الشين أي الرافعات الشرع، أو اللاتي ينشئن الأمواج أو السير. {فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلَـٰمِ} كالجبال جمع علم وهو الجبل الطويل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَبِأَىّ الاء } نعم {رَبّكُمَا } أيها الإِنس والجن {تُكَذّبَانِ } ذكرت إحدى وثلاثين مرة والاستفهام فيها للتقرير لما روى الحاكم عن جابر قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال (حديث : ما لي أراكم سكوتاً للجن كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة فبأي آلاء ربكما تكذبان إلا قالوا ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد) .

ابن عبد السلام

تفسير : {ءَالآءِ} الآلاء: النعم "ع"، أو القدرة قاله ابن زيد والكلبي، {تُكَذِّبَانِ} للثقلين اتفاقاً وكررها تقريراً لهم بما عدده عليهم في هذه السورة من النعم، يقررهم عند كل نعمة منها كقول القائل: أما أحسنت إليك أعطيتك مالاً أما أحسنت إليك بنيت لك داراً أما أحسنت إليك ومثله قول مهلهل [بن ربيعة] شعر : على أن ليس عدلاً من كليب إذا طرد اليتيم عن الجزور على أن ليس عدلاً من كليب إذا ماضيم جيران المجير على أن ليس عدلاً من كليب إذا خرجت مخبأة الخدور

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}. فبأي آلاء ربكما تجحدان؟ والآلاءُ النَّعماء. والتثنيةُ في الخطاب للمُكلَّفين من الجِنِّ والإِنس. ويقال: هي على عادة العرب في قولهم: خليليَّ، وقِفَا، وأرحلاها بأغلام، وأرجراها بأغلام. قوله جلّ ذكره: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ}. {ٱلإِنسَانَ}: يعني آدم، والصلصالُ الطينُ اليابس الذي إذا حُرِّكَ صَوَّتَ كالفخار. ويقال: طين مخلوط بالرمل. ويقال: مُنَتَّنٌ؛ من قولهم صَلَّ وأَصَلَّ إذا تَغيرَّ. {وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ}. المارج: هو اللهب المختلط بواد النار. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}. يُذَكِّرُ الخَلْقَ من الجن والإنس كما سبق - وكرَّر اللَّهُ سبحانه هذه الآية في غير موضع على جهة التقرير بالنعمة على التفصيل، أي نعمةً بعد نعمة. ووجُه النعمة في خلق آدم من طين أنه رقاه إلى رتبته بعد أن خلقه من طين. ويقال ذَكَّرَ آدمَ نِسبتَه وذكَّرنا نسبَتنا لئلا نْعَجبَ بأحوالنا. ويقال عَرَّفَه قدَرَه لئلا يتعدَّى طَوْرَه. قوله جلّ ذكره: {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}. {ٱلْمَشْرِقَيْنِ}: مشرق الصيف ومشرق الشتاء وكذلك مغربيهما. ووجه النعمة في ذلك جريانهما على ترتيب واحدٍ حتى يكمل انتفاع الخَلْقِ بهما. ويقال: مشرق القلب ومغربه، وشوارق القلب وغواربه إنما هي الأنوار والبصائر التي جرى ذِكْرُ بعضها فيما مضى.

اسماعيل حقي

تفسير : {فبأى آلاء ربكما تكذبان} الخطاب للثقلين المدلول عليهما بقوله تعالى {أية : للانام} تفسير : لعمومه لهما واشتماله عليهما وسينطق به قوله تعالى {أية : ايها الثقلان}تفسير : وكذا فى ذكر ابوى الفريقين بقوله {أية : خلق الانسان}تفسير : خلق الجان اشعار بأن الخطاب لهما جميعا والآلاء النعم واحدها الى والى والو والى والى كما فى القاموس فى بحر العلوم الآلاء النعم الظاهرة والباطنة الواصلة الى الفريقين وبهذا يظهر فساد ماقيل من ان الآلاء هى النعم الظاهرة فحسب والنعماء هى النعم الباطنة والصواب انهما من الالفاظ المترادفة كالأسود والليوث والفلك والسفن وفى التأويلات النجمية الآلاء هى النعمة الظاهرة والنعماء الباطنة والآيات المتوالية تدل على هذا لانها نعمة ظاهرة بالنسبة الى اهل الظاهر ومعنى تكذيبهم بالآلاء كفرهم بها والتعبير عن الكفر بالتكذيب لما أن دلالة الآلاء المذكورة على وجوب الايمان والشكر شهادة منها بذلك فكفرهم بها تكذيب بها لامحالة اى فاذا كان الامر كما فصل فبأى فرد من افراد آلاء مالككما ومربيكما بتلك الآلاء تكذبان مع ان كلا منها ناطق بالحق شاهد بالصدق فالاستفهام للتقرير اى للحمل على الاقرار بتلك النعم ووجوب الشكر عليها (روى) عن جابر رضى الله عنه انه قال قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها قال "حديث : مالى أراكم سكوتا للجن كانوا احسن منكم ردا ماقرأت عليهم هذه الآية مرة {فبأى آلاء ربكما تكذبان} الا قالوا ولا بشىء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد"تفسير : قال فى بحر العلوم وفيه دلالة بينة على ان الآلاء أراد بها النعم المطلقة الشاملة للظاهرة والباطنة لا المقيدة بالظاهرة كما سبق اليه بعض الاوهام انهى قال فى آكام المرجان دلت الآية على ان الجن كلهم مكلفون ولا خلاف فيه بين اهل النظر وزعمت الحشوية انهم مضطرون الى افعالهم وانهم ليسوا مكلفين والدليل على انهم مكلفون مافى القرءآن من ذم الشياطين ولعنهم والتحذير من غوآئلهم وشرهم وذلك ما اعده الله لهم من العذاب وهذه الخصال لايفعلها الله الا لمن خالف الامر والنهى وارتكب الكبائر وهتك المحارم مع تمكنه من ان لايفعل ذلك وقدرته على فعل خلافه ويدل على ذلك ايضا انه كان من دين النبى عليه السلام لعن الشياطين والبيان عن حالهم وانهم يدعون الى الشر والمعاصى ويوسوسون بذلك وتكرار هذه الآية فى هذه الصورة لطرف الغفلة وتأكيد الحجة وتذكير النعمة وتقرير الكرامة من قوله كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وكقولك لرجل احسنت اليه بأنواع الايادى وهو ينكرها الم تكن فقيرا فأغنيتك افتنكر هذا ألم تكن عريانا فكسوتك أفتنكر هذا الم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا وقال الشاعر شعر : لاتقطعن الصديق ماطرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره زر ثم زر وزر تفسير : وقال فى برهان القرءآن تكررت الآية احدى وثلاثين مرة ثمان منها ذكرها عقيب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله وبدائع صنعه ومبدأ الخلق ومعادهم ثم سبع منها عقيب آيات فيها ذكر النار وشدائدها على عدد ابواب جهنم وحسن ذكر الآلاء عقيبها لان فى خوفها ودفعها نعما توازى النعم المذكورة او لانها حلت بالاعداء وذلك يعد من اكبر النعماء وبعد هذه السبع ثمان فى وصف الجنات واهلها على عدد ابواب الجنة وثمان اخرى بعدها للجنتين دونهما فمن اعتقد الثمانى الاولى وعمل بموجبها استسحق كلتا الثمانيتين من الله ووقاه السبع السابقة، يقول الفقير من لطائق اسرار هذا المقام ان لفظ ال فى اول اسم الرحمن المعنون به هذه السورة الجليلة دل على تلك الاحدى والثلاثين

الجنابذي

تفسير : {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} روى عن الرّضا (ع) انّه قال: {أية : عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [الرحمن: 2]، الله علّم القرآن قبل خلق الانسان وذلك امير المؤمنين (ع) قيل علّمه البيان؟ - قال: علّمه بيان كلّ شيءٍ يحتاج اليه النّاس، قيل: الشّمس والقمر بحسبان؟ - قال: هما بعذابٍ، قيل: الشّمس والقمر يعذّبان؟ - قال: سألت عن شيءٍ فأتقنه، انّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله يجريان بأمره مطيعان له ضوؤهما من نور عرشه وحرّهما من جهنّم فاذا كانت القيامة عاد الى العرش نورهما وعاد الى النّار حرّهما فلا يكون شمسٌ ولا قمرٌ وانّما عناهما لعنهما الله، اوليس قد روى النّاس انّ رسول الله (ص) قال: انّ الشّمس والقمر نوران فى النّار؟ - قال: بلى، قال: اما سمعت قول النّاس: فلان وفلان شمس هذه الامّة ونورها؟ فهما فى النّار، والله ما عنى غيرهما، قيل: {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} تفسير : [الرحمن: 6]؟ - قال: النّجم رسول الله (ص) وقد سمّاه الله فى غير موضعٍ فقال: {أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ}تفسير : [النجم:1]، وقال {أية : وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} تفسير : [النحل:16] فالعلامات الاوصياء (ع)، والنّجم رسول الله (ص)، قيل: يسجدان؟ - قال: يعبدان، وقوله والسّماء رفعها ووضع الميزان؟ - قال: السّماء رسول الله (ص) رفعه الله اليه، والميزان امير المؤمنين (ع) نصبه لخلقه، قيل: الاّ تطغوا فى الميزان؟ - قال: لا تعصوا الامام، قيل: {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ} ؟ - قال: اقيموا الامام بالعدل، قيل: {وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ}؟ - فاق: لا تبخسوا الامام حقّه ولا تظلموه، وقوله: والارض وضعها للانام؟ - قال: للنّاس فيها فاكهة، {وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ}؟ - قال: يكبر ثمر النّخل فى القمع ثمّ يطلع منه، قوله {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ}؟ - قال: الحبّ الحنطة والشّعير والحبوب، والعصف التّبن والرّيحان ما يؤكل منه. وعن الصّادق (ع) فى تفسير قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟ - فباىّ النّعمتين تكفران؟ - بمحمّدٍ (ص) ام بعلىٍّ (ع)؟ وفى خبرٍ، اَبالنّبىّ (ص) ام بالوصىّ (ع)؟! ولمّا كان التّكرار فى مقام الامتنان بتعدّد النّعم مطلوباً كرّر قوله: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تقريراً لها عند المقرّين بها، وتوبيخاً للمكذّبين بها، ولذلك ورد عن النّبىّ (ص): انّه لمّا قرئ هذه السّورة على النّاس وسكتوا ولم يقولوا شيئاً، قال: الجنّ احسن جواباً منكم لمّا قرأت عليهم {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟ - قالوا: لا بشيءٍ من آلاء ربّنا نكذّب.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ} يعني الثقلين: الجن والإنس. قال تعالى: {خَلَقَ الإِنسَانَ} يعني ءادم {مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} وهو التراب اليابس الذي يسمع له صلصلة. وقال مجاهد: الذي قد صلَّ، أي: أنتن. قوله عز وجل: (كَالْفَخَّارِ) له صوت كالفخار المتكسر إذا حرّك. وكان آدم في حالات قبل أن ينفخ فيه الروح. قال تعالى في آية أخرى: (أية : مِن طِينٍ) تفسير : [السجدة:7]. وقال: (أية : مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ) تفسير : [الحجر:26] أي: من طين منتن فيما ذكروا عن عطاء بن السايب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال تعالى: {وَخَلَقَ الْجَآنَّ} يعني إبليس {مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ}. تفسير الحسن: من لسان النار ولهبها. قال ابن عباس: من خالص النار. وقال مجاهد: من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر. يعني الاختلاط. كقوله تعالى: (أية : فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ)تفسير : [سورة ق:5] أي: ملتبس، وهو المختلط.

اطفيش

تفسير : {فَبِأَىِّ ءَالآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} بأي متعلق بتكذبان وقدم لان لاي الاستفهامية الصدر والاستفهام تقرير وآلاء جمع (إلىّ أو ألىّ أو ألْو) ومعناه النعم والخطاب للثقلين المدول عليهما بالآنام وبقوله أيها الثقلان لذكر الانسان والجان عقب ذلك ولأن الجن والانس هما العقلاء وأصل الخطاب للعاقل وذكرت احدى وثلاثين مرة تقريراً للنعمة وتأكيداً في التذكير بها كقولك لم تفتقر فأغنيتك أفتنكر هذا ألم تكن عريانا فكسوتك أفتنكر هذا ألم تكن ذليلا فعززتك أفتنكر هذا، وهكذا...

اطفيش

تفسير : {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} الفاء لترتيب التوبيخ على كفران ما ذكر من النعم وصنوف الأَنعام، وكل ما ذكر مثل هذه الجملة فترتيب على ما اتصل به فلا تكرير فى ذلك، ولو كان تكريرا لكان بلا فاء بل مجردا أو بالواو لا بالفاء المبنية على ما قبلها، وذلك كقولك لعبدك: ألا تطيعنى وقد ألبستك، ألا تطيعنى وقد زوجتك، ألا تطيعنى وقد خففت عنك الخدمة، ألا ألا، وقولك لمن أنعمت عليه مرارا وكفر النعمة: ألم تكن فقيرا فأَغنيتك، أتنكر هذا، ألم تكن عريانَ فكسوتك، أفتنكر هذا، ألم تكن خاملا فعززتك، أفتنكر هذا. وهذا كثير فى كلام العرب والعجم مطردا لا ينكره إِلا جاهل معاند. ونقول لو لم يذكر هذا التكرير إِلا فى القرآن لكان معجزا، إِذ لا يجد الإِنسان ثقلا فى تكريره على نفسه، بل كل واحد طرى جديد كأَنه منفرد، كما يجد القارئ جدة تعجب ونشاط كلما قرأ قصة الخضر وموسى فى قوله تعالى: {أية : حَتَّى إِذَا رَكِبَا} تفسير : [الكهف: 71]، كأَنه أول ما سمعها وجاء التكرير أيضا فى الشعر. قال الشاعر: شعر : على أن ليس عدلا من كليب إِذا ما ضيم جيــران المجيــر على أن ليس عدلا من كليب إِذا رجف العضاة من الدبـور على أن ليس عدلا من كليب إِذا خرجـت مخبــأَة الخـــدور على أن ليس عدلا من كليب إِذا ما أعلنت نجــوى الأمـور على أن ليس عدلا من كليب إِذا خيف المخوف من الثغور على أن ليس عدلا من كليب غـــداة تأَثـل الأَمـــر الكبيـــر على أن ليس عدلا من كليب إِذا مـا جـار جـأش المستجير تفسير : وللعرب قصائد على هذا النمط من التكرير، ومنه قول بعض المولدين ممن لو احتج به لجاز: أبا الفضل إِنى لم أقم، وذكر رب لمزيد التوبيخ فإِن معناه مالك مرب منعم ومن هو كذلك لا يليق به أن يكفر ويعصى مع وضوح دلائله كأَنها ناطقة، حتى أن الكفر بها كتكذيب من تكلم لما عبر بالتكذيب والخطاب للثقلين كما أنهما المراد بالأَنام أو الداخلان فيه، كما مر وكما صرح به فى قوله عز وجل {أية : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَنِ} تفسير : [الرحمن: 31] وقيل الخطاب للذكر والأُنثى من بنى آدم وهو بعيد، وقيل للواحد على العموم البدلى الصلوحى من خطاب الواحد بخطاب الاثنين، كما هو قول فى قوله تعالى: {أية : ألْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} تفسير : [ق: 24] على عادة العرب فى سفر ثلاثة يخاطب منهم الواحد الاثنين وهو أبعد من الذى قبله. قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم - سورة الرحمن على أصحابه ولم يجيبوه فقال: "حديث : الجن أفضل منكم فإِني كلما قرأت {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تَكَذِّبَانِ} قالوا لا بشئ من آلائك نكذب"تفسير : . رواه جابر بن عبد الله، ولفظ ابن عمر من رواية الطبرى والبزار والدارقطنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ سورة الرحمن على أصحابه فسكتوا فقال: "حديث : مالي أسمع الجن أحسن جواباً لربها منكم، ما أتيت على قول الله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان} إِلاَّ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر"تفسير : . ومثله للترمذى ذكر الله عز وجل ثمانى مرات فى عجائب خلق الله تعالى ومبدأ الخلق ومعادهم وسبعا فى ذكر النار وشدتها عدد أبواب النار، وثمانى فى وصف الجنتين وأهلهما على عدد أبواب الجنة، وثمانى فى الجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانى الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وأغلقت عنه أبواب النار أعاذنا الله منها، والجملة إِحدى وثلاثون آية {خَلَقَ الإِنسَانَ} آدم {مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} هذا بيان لأَصل خلقة بنى آدم، فبنو آدم خلقوا من صلصال كالفخار بواسطة أبيهم، فما بالهم يفتخرون ولا يشكرون النعمة، وقد قيل الإِنسان بنو آدم لخلق أصلهم من ذلك، والجمهور على الأَول لأَنه المخلوق حقيقة من صلصال كالفخار بلا واسطة، والصلصال الطين المتيبس وهو مأخوذ من الصلصلة، وهى تردد الصوت من الشئ اليابس، وقيل الطين المنتن، من قولهم: صل اللحم، أى تغيرت رائحته. ويرده قوله تعالى: {كَالْفَخَّارِ} وهو ما أُحرق من الطين حتى تحجر، فإِنه ليس فيه رائحة اللحم المنتن. وفى آية أخرى خلقه من تراب، وفى أخرى من حمأ مسنون، فذلك كله واقع، أصله تراب جعل طينا ثم حمأَ مسنونا ثم صلصالا كالفخار، وأصل الصاد الثانية لام أدغمت فيها اللام الأُولى، ولفظ الآية يلوح أن الإِنسان متصور بصورة من يكثر التفاخر.

الالوسي

تفسير : الخطاب للثقلين لأنهما داخلان في {الأنام} [الرحمن:10] على ما اخترناه، أو لأن الأنام عبارة عنهما على ما روي عن الحسن، وسينطق بهما في قوله تعالى: { أية : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ } تفسير : [الرحمٰن: 31] وفي الأخبار كما ستعلمه إن شاء الله تعالى قريباً ما يؤيده، وقد أبعد من ذهب إلى أنه خطاب للذكر والأنثى من بني آدم، وأبعد أكثر منه من قال: إنه خطاب على حد { أية : أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ } تفسير : [ق: 24] ويا شرطي أضربا عنقه، يعني أنه خطاب للواحد بصورة الاثنين. والفاء لترتيب الإنكار. والتوبيخ على ما فصل من فنون النعماء وصنوف الآلاء الموجبة للإيمان والشكر حتماً. والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية الكلية والتربية مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد النكير وتشديد التوبيخ. ومعنى تكذيبهم بشيء من آلائه تعالى كفرهم به إما بإنكار كونه منه عز وجل مع عدم الاعتراف بكونه نعمة في نفسه كتعليم القرآن وما يستند إليه من النعم الدينية، وإما بإنكار كونه منه تعالى مع الاعتراف بكونه نعمة في نفسه كالنعم الدنيوية الواصلة إليهم بإسناده إلى غيره سبحانه استقلالاً، أو اشتراكاً صريحاً، أو دلالة فإنه إشراكهم لآلهتهم به تعالى في العبادة من دواعي إشراكهم لها به تعالى فيما يوجبها، والتعبير عن كفرهم المذكور بالتكذيب لما أن دلالة الآلاء المذكورة على وجوب الإيمان والشكر شهادة منها بذلك فكفرهم بها تكذيب لا محالة أي فإذا كان الأمر كما فصل فبأي فرد من أفراد نعم مالككما ومربيكما بتلك النعم تكذبان مع أن كلاً منها ناطق بالحق شاهد بالصدق. ويندب أن يقول سامع هذه الآية: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد، فقد أخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والدارقطني في «الافراد» وابن مردويه والخطيب في «تاريخه» بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما « حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة {ٱلرَّحْمَـٰنُ } على أصحابه فسكتوا فقال: مالي أسمع الجن أحسن جواباً لربها منكم ما أتيت على قول الله تعالى: {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } إلا قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد » .تفسير : وأخرج الترمذي وجماعة وصححه الحاكم عن جابر بن عبد الله نحوه. وقرىء {فَبِأى } بالتنوين في جميع السورة / كأنه حذف منه المضاف إليه وأبدل منه {ءالاء رَبّكُمَا} بدل معرفة من نكرة.

ابن عاشور

تفسير : الفاء للتفريع على ما تقدم من المنن المدمجة مع دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحقّية وَحي القرآن، ودلائل عظمة الله تعالى وحكمته باستفهام عن تعيين نعمة من نعم الله يتأتى لهم إنكارها، وهو تذييل لما قبله. و(أيِّ) استفهام عن تعيين واحد من الجنس الذي تضاف إليه وهي هنا مستعملة في التقرير بذكر ضِدّ ما يقربه مثل قوله: {أية : ألم نشرح لك صدرك}تفسير : [الشرح: 1]. وقد بينته عند قوله تعالى: {أية : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} تفسير : في سورة الأنعام (130)، أي لا يستطيع أحد منكم أن يجحد نعم الله. والآلاء: النعم جمع: إلْي بكسر الهمزة وسكون اللام، وأَلْي بفتح الهمزة وسكون اللام وياء في آخره ويقال أَلْوُ بواو عوض الياء وهو النعمة. وضمير المثنى في {ربكما تكذبان} خطاب لفريقين من المخاطبين بالقرآن. والوجه عندي أنه خطاب للمؤمنين والكافرين الذين ينقسم إليهما جنس الإِنسان المذكور في قوله: {أية : خلق الإنسان}تفسير : [الرحمٰن: 3] وهم المخاطبون بقوله: {أية : ألا تطغوا في الميزان}تفسير : [الرحمٰن: 8] الآية والمنقسم إليهما الأنام المتقدم ذكره، أي أن نعم الله على الناس لا يجحدها كافر بَلْهَ المؤمن، وكل فريق يتوجه إليه الاستفهام بالمعنى الذي يناسب حاله. والمقصود الأصلي: التعريض بالمشركين وتوبيخهم على أن أشركوا في العبادة مع المنعِم غيرَ المنعِم، والشهادةُ عليهم بتوحيد المؤمنين، والتكذيب مستعمل في الجحود والإِنكار. وقيل التثنية جرت على طريقة في الكلام العربي أن يخاطبوا الواحد بصيغة المثنى كقوله تعالى: {أية : ألقيا في جهنم كل كفار عنيد}تفسير : [ق: 24] ذكر ذلك الطبري والنسفي. ويجوز أن تكون التثنية قائمة مقام تكرير اللفظ لتأكيد المعنى مثل: لَبيك وسعديك، ومعنى هذا أن الخطاب لواحد وهو الإنسان. وقال جمهور المفسرين: هو خطاب للإنس والجن، وهذا بعيد لأن القرآن نزل لخطاب الناس ووعظهم ولم يأت لخطاب الجن، فلا يتعرض القرآن لخطابهم، وما ورد في القرآن من وقوع اهتداء نفر من الجن بالقرآن في سورة الأحقاف وفي سورة الجن يحمل على أن الله كلّف الجن باتباع ما يتبين لهم في إدراكهم، وقد يُكلف الله أصنافاً بما هم أهل له دون غيرهم، كما كلّف أهل العلم بالنظر في العقائد وكما كلّفهم بالاجتهاد في الفروع ولم يكلف العامة بذلك، فما جاء في القرآن من ذكر الجن فهو في سياق الحكاية عن تصرفات الله فيهم وليس لتوجيه العمل بالشريعة. وأما ما رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله الأنصاري «حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمٰن وهم ساكتون فقال لهم «لقد قرأتُها على الجن ليلةَ الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله: {فبأي ألاء ربكما تكذبان} قالوا: لا بشيء من نِعمك ربَّنا نكذب فلك الحمد». تفسير : قال الترمذي: هو حديث غريب وفي سنده زهير بن محمد وقد ضعفه البخاري وأحمد بن حنبل. وهذا الحديث لو صح فليس تفسيراً لضمير التثنية لأن الجن سمعوا ذلك بعد نزوله فلا يقتضي أنهم المخاطبون به وإنما كانوا مقتدين بالذين خاطبهم الله، وقيل الخطاب للذكور والإِناث وهو بعيد. والتكذيب مستعمل في معنى الجحد والإِنكار مجازاً لتشنيع هذا الجحد. وتكذيب الآلاء كناية عن الإِشراك بالله في الإِلهية. والمعنى: فبأي نعمة من نعم الله عليكم تنكرون أنها نعمة عليكم فأشركتم فيها غيره بَلْه إنكار جميع نعمه إذ تعبدون غيره دواماً.

د. أسعد حومد

تفسير : {آلاۤءِ} (13) - فَبِأيٍّ مِنَ النِّعَمِ المُتَقَدِّمَةِ تُكَذِّبُونَ يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنْسِ؟، إنَّكُم لاَ تَسْتَطِيعُونَ أنْ تُنْكِرُوا مِنْهَا شَيْئاً فَإِنَّها ظَاهِرةٌ عَلَيكُم، وَأنْتُمْ مَغْمُورُونَ بِها. آلاء - نِعَمِ اللهِ. تُكَذِّبَانِ - تَكْفُرانِ يَا أيُّها الثّقَلانِ.