٥٥ - ٱلرَّحْمَٰن
55 - Ar-Rahman (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الصلصال وجهان أحدهما: هو بمعنى المسنون من صل اللحم إذا أنتن، ويكون الصلصال حينئذ من الصلول وثانيهما: من الصليل يقال: صل الحديد صليلاً إذا حدث منه صوت، وعلى هذا فهو الطين اليابس الذي يقع بعضه على بعض فيحدث فيما بينهما صوت، إذ هو الطين اللازب الحر الذي إذا التزق بالشيء ثم انفصل عنه دفعة سمع منه عند الانفصال صوت، فإن قيل: الإنسان إذا خلق من صلصال كيف ورد في القرآن أنه خلق من التراب وورد أنه خلق من الطين ومن حمأ ومن ماء مهين إلى غير ذلك نقول: أما قوله {أية : مّن تُرَابٍ } تفسير : [الحج: 5] تارة، و {أية : مّن مَّاء مَّهِينٍ } تفسير : [المرسلات: 20] أخرى، فذلك باعتبار شخصين آدم خلق من الصلصال ومن حمأ وأولاده خلقوا من ماء مهين، ولولا خلق آدم لما خلق أولاده، ويجوز أن يقال: زيد خلق من حمأ بمعنى أن أصله الذي هو جده خلق منه، وأما قوله: {أية : مّن طِينٍ لاَّزِبٍ } تفسير : [الصافات: 11] {أية : مّنْ حَمَإٍ } تفسير : [الحجر: 26] وغير ذلك فهو إشارة إلى أن آدم عليه السلام خلق أولاً من التراب، ثم صار طيناً ثم حمأ مسنوناً ثم لازباً، فكأنه خلق من هذا ومن ذاك، ومن ذلك، والفخار الطين المطبوخ بالنار وهو الخزف مستعمل على أصل الاشتقاق، وهو مبالغة الفاخر كالعلام في العالم، وذلك أن التراب الذي من شأنه التفتت إذا صار بحيث يجعل ظرف الماء والمائعات ولا يتفتت ولا ينقع فكأنه يفخر على أفراد جنسه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} لما ذكر سبحانه خلق العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيهما من الدلالات على وحدانيته وقدرته ذكر خلق العالم الصغير فقال: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} باتفاق من أهل التأويل يعني آدم. {مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ} الصلصال الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة، شبهه بالفَخَّار الذي طبخ. وقيل: هو طين خلط برمل. وقيل: هو الطين المنتن من صَلَّ اللحمُ وأَصلَّ إذا أنتن؛ وقد مضى في «الحجر». وقال هنا: {مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ} وقال هناك: {أية : مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}تفسير : [الحجر:26]. وقال: {أية : إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ}تفسير : .[الصافات:11] وقال: {أية : كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} تفسير : [آل عمران:59] وذلك متفق المعنى؛ وذلك أنه أخذ من تراب الأرض فعجنه فصار طيناً، ثم ٱنتقل فصار كالحمإ المسنون، ثم ٱنتقل فصار صلصالاً كالفخَّار. {وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} قال الحسن: الجانّ إبليس وهو أبو الجنّ. وقيل: الجانّ واحد الجنّ، والمارج اللهب؛ عن ٱبن عباس، وقال: خلق الله الجانَّ من خالص النار. وعنه أيضاً من لسانها الذي يكون في طرفها إذا ٱلتهبت. وقال الليث: المارج الشُّعْلة الساطعة ذات اللهب الشديد. وعن ٱبن عباس أنه اللهب الذي يعلو النار فيختلط بعضه ببعض أحمر وأصفر وأخضر؛ ونحوه عن مجاهد؛ وكله متقارب المعنى. وقيل: المارج كل أمر مرسل غير ممنوع، ونحوه قول المبرد؛ قال المبرد: المارج النار المرسلة التي لا تمنع. وقال أبو عبيدة والحسن: المارج خلط النار، وأصله من مرج إذا ٱضطرب وٱختلط؛ ويروى أن الله تعالى خلق نارين فمرج إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما الأخرى وهي نار السموم فخلق منها إبليس. قال القُشَيريّ: والمارج في اللغة المرسل أو المختلط وهو فاعل بمعنى مفعول؛ كقوله: {أية : مَّآءٍ دَافِقٍ} تفسير : [الطارق:6] و{أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} تفسير : [الحاقة:21] والمعنى ذو مرج؛ قال الجوهري في الصحاح: و{مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} نار لا دخان لها خلق منها الجان. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}. قوله تعالى: {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} أي هو رب المشرقين. وفي الصافات {أية : وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ} تفسير : [الصافات: 5] وقد مضى الكلام في ذلك هنالك.
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى خلقه الإنسان من صلصال كالفخار، وخلقه الجان من مارج من نار، وهو طرف لهبها، قاله الضحاك عن ابن عباس، وبه يقول عكرمة ومجاهد والحسن وابن زيد، وقال العوفي عن ابن عباس: من مارج من نار: من لهب النار؛ من أحسنها، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: من مارج من نار: من خالص النار، وكذلك قال عكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» تفسير : ورواه مسلم عن محمد بن رافع وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق به. وقوله تعالى: {فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟ تقدم تفسيره { رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} يعني: مشرقي الصيف والشتاء، ومغربي الصيف والشتاء، وقال في الآية الأخرى: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ} تفسير : [المعارج: 40] وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم، وبروزها منه إلى الناس. وقال في الآية الأخرى: { رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} وهذا المراد منه جنس المشارق والمغارب، ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس قال: {فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟ وقوله تعالى: { مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} قال ابن عباس: أي: أرسلهما. وقوله: {يَلْتَقِيَانِ} قال ابن زيد: أي: منعهما أن يلتقيا بما جعل بينهما من البرزخ الحاجز الفاصل بينهما، والمراد بقوله: البحرين: الملح والحلو، فالحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس، وقد قدمنا الكلام على ذلك في سورة الفرقان عند قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً} تفسير : [الفرقان: 53] وقد اختار ابن جرير ههنا: أن المراد بالبحرين: بحر السماء، وبحر الأرض، وهو مروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطية وابن أبزى، قال ابن جرير: لأن اللؤلؤ يتولد من ماء السماء وأصداف بحر الأرض، وهذا وإن كان هكذا، لكن ليس المراد بذلك ما ذهب إليه، فإنه لا يساعده اللفظ؛ فإنه تعالى قد قال: { بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} أي: وجعل بينهما برزخاً، وهو الحاجز من الأرض؛ لئلا يبغي هذا على هذا، وهذا على هذا، فيفسد كل واحد منهما الآخر، ويزيله عن صفته التي هي مقصودة منه، وما بين السماء والأرض لا يسمى برزخاً وحجراً محجوراً. وقوله تعالى: { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} أي: من مجموعهما، فإذا وجد ذلك من أحدهما، كفى؛ كما قال تعالى:{أية : يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} تفسير : [الأنعام: 130] والرسل إنما كانوا في الإنس خاصة دون الجن، وقد صح هذا الإطلاق. واللؤلؤ معروف، وأما المرجان فقيل: هو صغار اللؤلؤ، قاله مجاهد وقتادة وأبو رزين والضحاك، وروي عن علي، وقيل: كباره وجيده، حكاه ابن جرير عن بعض السلف، ورواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس، وحكاه السدي عمن حدثه عن ابن عباس، وروي مثله عن علي ومجاهد أيضاً ومرة الهمداني، وقيل: هو نوع من الجواهر أحمر اللون، قال السدي عن أبي مالك عن مسروق عن عبد الله قال: المرجان الخرز الأحمر، قال السدي: وهو البسَّذ بالفارسية، وأما قوله: {أية : وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} تفسير : [فاطر: 12] فاللحم من كل من الأجاج والعذب، والحلية إنما هي من المالح دون العذب. قال ابن عباس: ما سقطت قط قطرة من السماء في البحر، فوقعت في صدفة، إلا صار منها اللؤلؤ، وكذا قال عكرمة، وزاد: فإذا لم تقع في صدفة، نبتت بها عنبرة، وروي من غير وجه عن ابن عباس نحوه. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا أمطرت السماء، فتحت الأصداف في البحر أفواهها، فما وقع فيها، يعني: من قطر، فهو اللؤلؤ. إسناده صحيح، ولما كان اتخاذ هذه الحلية نعمة على أهل الأرض، امتن بها عليهم فقال: { فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟ وقوله تعالى: {وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ} يعني: السفن التي تجري {فِى ٱلْبَحْرِ} قال مجاهد: ما رفع قلعه من السفن، فهي منشآت، وما لم يرفع قلعه، فليس بمنشآت، وقال قتادة: المنشآت، يعني: المخلوقات، وقال غيره، المنشآت بكسر الشين، يعني: البادئات {كَٱلأَعْلَـٰمِ} أي: كالجبال، في كبرها وما فيها من المتاجر والمكاسب المنقولة من قطر إلى قطر، وإقليم إلى إقليم، مما فيه صلاح الناس في جلب ما يحتاجون إليه من سائر أنواع البضائع، ولهذا قال: { فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا العرار بن سويد عن عميرة بن سعد قال: كنت مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه على شاطىء الفرات، إذ أقبلت سفينة مرفوع شراعها، فبسط علي يديه، ثم قال: يقول الله عز وجل: {وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلَـٰمِ} والذي أنشأها تجري في بحوره ما قتلت عثمان، ولا مالأت على قتله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {خَلَقَ ٱلإِنسَٰنَ } آدم {مِن صَلْصَٰلٍ } طين يابس يسمع له صلصلة أي صوت إذا نقر {كَٱلْفَخَّارِ } وهو ما طبخ من الطين.
الماوردي
تفسير : {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَاْلْفَخَّارِ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه الطين المختلط برمل، قاله ابن عباس. الثاني: انه الطين الرطب الذي إذا عصرته بيدك خرج الماء من بين أصابعك، وهذا مروي عن عكرمة. الثالث: أنه الطين اليابس الذي تسمع له صلصلة، قاله قتادة. الرابع: انه الطين الأجوف الذي إذا ضرب بشيء صلّ وسُمِع له صوت. الخامس: أنه الطين المنتن، قاله الضحاك، مأخوذ من قولهم صلَّ اللحم إذا أنتن. والمخلوق من صلصال كالفخار هو آدم عليه السلام. قال عبد الله بن سلام: خلق الله آدم من تراب من طين لازب، فتركه كذلك أربعين سنة، ثم صلصله كالفخار أربعين سنة، ثم صوره فتركه جسداً لا روح فيه أربعين سنة، فذلك مائة وعشرون سنة، كل ذلك والملائكة تقول سبحان الذي خلقك، لأمر ما خلقك. {وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارِ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه لهب النار، قاله ابن عباس. الثاني: خلط النار، قاله أبو عبيدة. الثالث: أنه [اللهب] الأخضر والأصفر [والأحمر] الذي يعلو النار إذا أوقدت ويكون بينها وبين الدخان، قاله مجاهد. الرابع: أنها النار المرسلة التي لا تمتنع، قاله المبرد. الخامس: أنها النار المضطربة التي تذهب وتجيء، وسمي مارجاً لاضطرابه وسرعة حركته. وفي الجان المخلوق من مارج من نار قولان: أحدهما: أنه أبوالجن، قاله أبو فروة يعقوب عن مجاهد. الثاني: أنه إبليس، وهو قول مأثور. وفي النار التي خلق من مارجها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها من النار الظاهرة بين الخلق، قاله الأكثرون. الثاني: من نار تكون بين الجبال من دون السماء وهي كالكلة الرقيقة، قاله الكلبي. الثالث: من نار دون الحجاب ومنها هذه الصواعق وترى خلق السماء منها، قاله الفراء. {رَبُّ الْمَشْرِقْينِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أن المشرقين مشرق المشس في الشتاء والصيف، والمغربين مغرب الشمس في الشتاء والصيف، قاله ابن عباس. الثاني: أن المشرقين مشرق الشمس والقمر، والمغربين مغربهما. الثالث: أن المشرقين الفجر والشمس، والمغربين الشمس والغسق وأغمض سهل بن عبد الله بقول رابع: ان المشرقين مشرق القلب واللسان، والمغربين مغرب القلب واللسان. {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} أما البحران ففيهما خمسة أوجه: أحدهما: أنه بحر السماء وبحر الأرض،قاله ابن عباس. الثاني: بحر فارس والروم، قاله الحسن، وقتادة. الثالث: أنه البحر المالح والأنهار العذبة، قاله ابن جريج. الرابع: أنه بحر المشرق وبحر المغرب يلتقي طرفاهما. الخامس: انه بحر اللؤلؤ وبحر المرجان. وأما {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: تفريق البحرين، قاله ابن صخر. الثاني: إسالة البحرين، قاله ابن عباس. الثالث: استواء البحرين، قاله مجاهد. وأصل المرج، الإهمال كما تمرج الدابة في المرج. {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبغِيَانِ} في البزخ الذي بينهما أربعة أقاويل: أحدها: أنه حاجز، قاله ابن عباس. الثاني: أنه عرض الأرض، قاله مجاهد. الثالث: أنه ما بين السماء والأرض، قاله عطية، والضحاك. الرابع: أنه الجزيرة التي نحن عليها وهي جزيرة العرب، قاله الحسن، وقتادة. وفي قوله: {لاَّ يَبْغِيَانِ} ثلاثة أقاويل: أحدها: لا يختلطان لا يسيل العذب على المالح ولا المالح على العذب، قاله الضحاك. الثاني: لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه، قاله مجاهد، وقتادة. الثالث: لا يبغيان أن يلتقيا، قاله ابن زيد، وتقدير الكلام، مرج البحرين يلتقيان لولا البرزخ الذي بينهما أن يلتقيا. وقال سهل: البحران طريق الخير وطريق الشر، والبرزخ الذي بينهما التوفيق والعصمة. {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الَّلؤلُؤ وَالْمَرْجَانُ} وفي المرجان أربعة أقاويل: أحدها: عظام اللؤلؤ وكباره، وقاله علي وابن عباس، ومنه قول الأعشى: شعر : من كل مرجانة في البحر أخرجها تيارها ووقاها طينة الصدف تفسير : الثاني: أنه صغار اللؤلؤ، قاله الضحاك وأبو رزين. الثالث: أنه الخرز الأحمر كالقضبان، قاله ابن مسعود. الرابع: أنه الجوهر المختلط، مأخوذ من مرجت الشيء إذا خلطته وفي قوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا} وجهان: أحدهما: ان المراد أحدهما وإن عطف بالكلام عليهما. الثاني: أنه خارج منهما على قول ابن عباس أنهما بحر السماء وبحر الأرض، لأن ماء السماء إذا وقع على صدف البحر انعقد لؤلؤاً، فصار خرجاً منهما. وفيه وجه ثالث: أن العذب والمالح قد يلتقيان فيكون العذب كاللقاح للمالح فنسب إليهما كما نسب الولد إلى الذكر والأنثى وإن ولدته الأنثى، ولذلك قيل إنه لا يخرج اللؤلؤ إلا من موضع يلتقي فيه العذب والمالح. {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَئَاتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ} أما الجواري فهي السفن واحدتها جارية سميت بذلك لأنها تجري في الماء بإذن الله تعالى، والجارية هي المرأة الشابة أيضاً سميت بذلك لأنه يجري فيها ماء الشباب. وأما المنشآت ففيها خمسة أوجه: أحدها: أنها المخلوقات، قاله قتادة مأخوذ من الإنشاء. الثاني: أنها المحملات، قاله مجاهد. الثالث: أنها المرسلات، ذكره ابن كامل. الرابع: المجريات، قاله الأخفش. الخامس: أنها ما رفع قلعه منها وهي الشرع فهي منشأة، وما لم يرفع ليست بمنشأة، قاله الكلبي. وقرأ حمزة {الْمُنشَئَاتُ} بكسر الشين، وفي معناه على هذه القراءة وجهان: أحدهما: البادئات، قاله ابن إسحاق والجارود بن أبي سبرة. الثاني: أنها يكثر نشأً بجريها وسيرها في البحر كالأعلام، قاله ابن بحر. وفي قوله: {كَالأَعْلاَمِ} وجهان: أحدهما: يعني الجبال سميت بذلك لارتفاعها كارتفاع الأعلام، قاله السدي. قالت الخنساء: شعر : وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار تفسير : الثاني: أن الأعلام القصور، قاله الضحاك. {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ} فيه قولان: أحدهما: يسألونه الرزق لأهل الأرض فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء وأهل الأرض، لأهل الأرض، قاله ابن جريج وروته عائشة مرفوعاً. الثاني: أنهم يسألونه القوة على العبادة، قاله ابن عطاء، وقيل إنهم يسألونه لأنفسهم الرحمة، قاله أبو صالح. قال قتادة: لا استغنى عنه أهل السماء ولا أهل الأرض، قال الكلبي: وأهل السماء يسألونه المغفرة خاصة لأنفسهم ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونه المغفرة والرزق.
ابن عطية
تفسير : قال كثير من المفسرين: {الإنسان} آدم. وقال آخرون: أراد اسم الجنس، وساغ ذلك من حيث أبوهم مخلوق من الصلصال. واختلف الناس في اشتقاق الصلصال، فقال مكي فيما حكى النقاش: هو من صلّ اللحم وغيره إذا نتن، فهي إشارة إلى الحمأة. وقال الطبري وجمهور المفسرين: هو من صلّ إذا صوت، وذلك في الطين لكرمه وجودته، فهي إشارة إلى ما كان من تربة آدم من الطين الحر، وذلك أن الله تعالى خلقه من طيب وخبيث ومختلف اللون، فمرة ذكر في خلقه هذا، ومرة هذا، وكل ما في القرآن في ذلك صفات ترددت على التراب الذي خلق منه. و "الفخار": الطين الطيب إذا مسه الماء فخر أي ربا وعظم. و: {الجان} اسم جنس، كالجنة. و: "المارج" اللهب المضطرب من النار. قال ابن عباس: وهو أحسن النار المختلط من ألوان شتى. وحديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: "كيف بك إذا كنت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأمانتهم" . تفسير : وكرر قوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} تأكيداً أو تنبيهاً لنفوس وتحريكاً لها، وهذه طريقة من الفصاحة معروفة، وهي من كتاب الله في مواضع، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كلام العرب وذهب قوم منهم ابن قتيبة وغيره إلى أن هذا التكرار إنما هو لما اختلفت النعم المذكورة كرر التوقيف مع كل واحدة منها، وهذا حسن. قال الحسين بن الفضل: التكرار لطرد الغفلة ولا تأكيد. وخص ذكر {المشرقين والمغربين} بالتشريف في إضافة الرب إليهما لعظمهما في المخلوقات وأنهما طرفا آية عظيمة وعبرة وهي الشمس وجريها. وحكى النقاش أن {المشرقين} مشرقا الشمس والقمر، {والمغربين} كذلك على ما في ذلك من العبر، وكل متجه، ومتى وقع ذكر المشرق والمغرب فهي إشارة إلى الناحيتين بجملتهما، ومتى وقع ذكر المشارق والمغارب فهي إشارة إلى تفصيل مشرق كل يوم ومغربه، ومتى ذكر المشرقان والمغربان، فهي إشارة إلى نهايتي المشارق والمغارب، لأن ذكر نهايتي الشيء ذكر لجميعه. قال مجاهد: هو مشرق الصيف ومغربه، ومشرق الشتاء ومغربه.
ابن عبد السلام
تفسير : {صَلْصَال}ٍ طين مختلطة برمل "ع"، أو طين إذا عصرته بيدك خرج الماء من بين أصابعك، أو طين يابس يسمع له صلصلة، أو أجوف إذا ضرب صَلَّ: أي سمع له صوت، أو طين منتن من صلَّ اللحم إذا أنتن يريد آدم تركه طيناً لازباً أربعين سنة ثم صلصله كالفخار أربعين ثم صوره جسداً لا روح فيه أربعين فذلك مائة وعشرون سنة كل ذلك تمر به الملائكة فتقول سبحان الذي خلقك لأمَرٍ مَّا خلقك.
النسفي
تفسير : {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ } طين يابس له صلصلة {كَٱلْفَخَّارِ } أي الطين المطبوخ بالنار وهو الخذف. ولا اختلاف في هذا وفي قوله {أية : مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ }تفسير : [الحجر: 26] {أية : مّن طِينٍ لاَّزِبٍ }تفسير : [الصافات: 11] {أية : مّن تُرَابٍ }تفسير : [غافر: 67] لاتفاقها معنى لأنه يفيد أنه خلقه من تراب ثم جعله طيناً ثم حمأ مسنوناً ثم صلصالاً {وَخَلَقَ ٱلْجَانَّ } أبا الجن قيل: هو إبليس {مِن مَّارِجٍ } هو اللهب الصافي الذي لا دخان فيه. وقيل: المختلط بسواد النار من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط {مّن نَّارٍ } هو بيان لما رج كأنه قيل: من صاف من نار أو مختلط من نار، أو أراد من نار مخصوصة كقوله {أية : فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ }تفسير : [الليل: 14] {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ } أراد مشرقي الشمس في الصيف والشتاء ومغربيهما. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ } أي أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متلاقيين لا فصل بين الماءين في مرأى العين {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ } حاجز من قدرة الله تعالى {لاَّ يَبْغِيَانِ } لا يتجاوزان حديهما ولا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة {فَبِأَىّ الاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ يَخْرُجُ } {يَخْرُجُ } مدني وبصري {مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ } بلا همز: أبو بكر ويزيد وهو كبار الدر {وَالمَرْجَانُ } صغاره. وإنما قال {مِنْهُمَا } وهما يخرجان من الملح لأنهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال يخرجان منهما كما يقال يخرجان من البحر ولا يخرجان من جميع البحر ولكن من بعضه وتقول: خرجت من البلد وإنما خرجت من محلة من محاله. وقيل: لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب {فَبِأَىّ الاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ }. {وَلَهُ } ولله {ٱلْجَوَارِ } السفن جمع جارية. قال الزجاج: الوقف عليها بالياء والاختيار وصلها، وإن وقف عليها واقف بغير ياء فذا جائز على بعد ولكن يروم الكسر في الراء ليدل على حذف الياء {المنشآت} المرفوعات الشرع {المنشآت} بكسر الشين، حمزة ويحيـى الرافعات الشرع أو اللاتي ينشئن الأمواج بجريهن { فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلَـٰمِ } جمع علم وهو الجبل الطويل {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا } على الأرض {فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبّكَ } ذاته {ذُو ٱلْجَلْـٰلِ } ذو العظمة والسلطان وهو صفة الوجه {وَٱلإكْرَامِ } بالتجاوز والإحسان، وهذه الصفة من عظيم صفات الله وفي الحديث «حديث : ألظوا بياذا الجلال والإكرام»تفسير : وروي أنه عليه السلام مر برجل وهو يصلي ويقول يا ذا الجلال والإكرام فقال: قد استجيب لك. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } والنعمة في الفناء باعتبار أن المؤمنين به يصلون إلى النعيم السرمد. وقال يحيـى بن معاذ: حبذا الموت فهو الذي يقرب الحبيب إلى الحبيب. {يَسْأَلُهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } وقف عليها نافع كل من أهل السماوات والأرض مفتقرون إليه فيسأله أهل السماوات ما يتعلق بدينهم وأهل الأرض ما يتعلق بدينهم ودنياهم، وينتصب {كُلَّ يَوْمٍ } ظرفاً بما دل عليه {هُوَ فِى شَأْنٍ } أي كل وقت وحين يحدث أموراً ويجدد أحوالاً كما روي أنه عليه السلام تلاها فقيل له: وما ذلك الشأن؟ فقال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين. وعن ابن عيينة: الدهر عند الله يومان: أحدهما اليوم الذي هو مدة الدنيا فشأنه فيه الأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، والآخر يوم القيامة فشأنه فيه الجزاء والحساب. وقيل: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شأناً. وسأل بعض الملوك وزيره عن الآية فاستمهله إلى الغد وذهب كئيباً يفكر فيها فقال غلام له أسود: يا مولاي أخبرني ما أصابك لعل الله يسهل لك على يدي فأخبره فقال: أنا أفسرها للملك فأعلمه فقال: أيها الملك شأن الله أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيماً ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مبتلي، ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً، ويفقر غنياً ويغني فقيراً. فقال الأمير: أحسنت وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة فقال: يا مولاي هذا من شأن الله. وقيل: سوق المقادير إلى المواقيت. وقيل: إن عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي: قوله {أية : فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ }تفسير : وقد صح أن الندم توبة، وقوله {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ }تفسير : فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين: يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمة، وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ولكن على حمله. وكذا قيل: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى مخصوص بقوم إبراهيم وموسى عليهما السلام. وأما قوله {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها. فقام عبد الله وقبل رأسه وسوع خراجه {فَبِأَىّ الاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ سَنَفْرُغُ لَكُمْ } مستعار من قول الرجل لمن يتهدده «سأفرغ لك» يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنه، والمراد التوفر على النكاية فيه والانتقام منه. ويجوز أن يراد ستنتهي الدنيا وتبلغ آخرها وتنتهي عند ذلك شئون الخلق التي أرادها بقوله {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } فلا يبقى إلي شأن واحد وهو جزاؤكم فجعل ذلك فراغاً لهم على طريق المثل. {سيفرغ} حمزة وعلي أي الله تعالى {أَيُّه ٱلثَّقَلاَنِ } الإنس والجن سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ }. {يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنّ وَٱلإنْسِ } هو كالترجمة لقوله {أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ } {إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَـٰرِ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ } أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض هرباً من قضائي فاخرجوا، ثم قال {لاَ تَنفُذُونَ } لا تقدرون على النفوذ {إِلاَّ بِسُلْطَـٰنٍ } بقوة وقهر وغلبة وأنى لكم ذلك؟ وقيل: دلهم على العجز عن قوتهم للحساب غداً بالعجز عن نفوذ الأقطار اليوم. وقيل: يقال لهم هذا يوم القيامة حين تحدق بهم الملائكة فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة احتاطت به {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مّن نَّارٍ } وبكسر الشين: مكي وكلاهما اللهب الخالص {وَنُحَاسٌ } أي دخان {وَنُحَاسٌ } مكي وأبو عمرو فالرفع عطف على شواظ، والجر على نار، والمعنى إذا خرجتم من قبوركم يرسل عليكما لهب خالص من النار ودخان يسوقكم إلى المحشر {فَلاَ تَنتَصِرَانِ } فلا تمتنعان منهما {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَاء } انفك بعضها من بعض لقيام الساعة {فَكَانَتْ وَرْدَةً } فصارت كلون الورد الأحمر. وقيل: أصل لون السماء الحمرة ولكن من بعدها ترى زرقاء {كَٱلدّهَانِ } كدهن الزيت كما قال {أية : كَٱلْمُهْلِ }تفسير : [المعارج: 8] وهو دردي الزيت وهو جمع دهن وقيل: الدهان الأديم الأحمر {فبأيّ ءالآ ءربّكما تكذّبان فيومئذٍ} أي فيوم تنشق السماء {لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } أي ولا جن فوضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن كما يقال: هاشم ويراد ولده والتقدير: لا يسئل إنس ولا جان عن ذنبه. والتوفيق بين هذه الآية وبين قوله {أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }تفسير : [الحجر: 92] وقوله {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ } تفسير : [الصافات: 24] أن ذلك يوم طويل وفيه مواطن فيسألون في موطن ولا يسألون في آخر. وقال قتادة: قد كانت مسئلة ثم ختم على أفواه القوم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. وقيل: لا يسئل عن ذنبه ليعلم من جهته ولكن يسئل للتوبيخ. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ} بسواد وجوههم وزرقة عيونهم { فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِى وَٱلاْقْدَامِ } أي يؤخذ تارة بالنواصي وتارة بالأقدام. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ}
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ * وَخَلَقَ ٱلْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} الآية: اخْتُلِفَ في اشتقاقِ «الصَّلْصَال»؛ فقيل: هو من صَلَّ: إذا أَنْتَنَ، فهي إشارةٌ إلى الحَمْأَةِ، وقال الجمهور: هو من صَلَّ: إذَا صَوَّتَ، وذلك في الطين لجودته، فهي إشارة إلى ما كان في تربة آدم من الطين الحُرِّ؛ وذلك أَنَّ اللَّه تعالى خلقه من طين مختلِفٍ، فمرَّةً ذكر في خلقه هذا، ومرَّةً هذا، وكُلُّ ما في القرآن صفاتٌ ترددتْ على التراب الذي خُلِقَ منه، و«الفَخَّارُ»: الطين الطَّيِّبُ إذا مَسَّهُ الماء فخر، أي: رَبَا وَعَظُمَ، والجانُّ: اسم جنس كالجِنَّةِ، قال الفخر: وفي الجانِّ وجه آخر: أنَّه أبو الجنِّ، كما أَنَّ الإنسان هنا أبو الإنْسِ خُلِقَ من صَلْصَالٍ، ومَنْ بعده خُلِقَ من صُلْبِهِ؛ كذلك الجَانُّ هنا أبو الجَنِّ خُلِقَ من نارٍ، ومَنْ بعده من ذرِّيَّتِهِ، انتهى، و«المارج»: اللهب المُضْطَرِبْ من النار، قال ابن عباس: وهو أحسنُ النَّارِ المختلِطِ من ألوانٍ شَتَّىٰ، قال أبو حيَّان: المَارِجُ المختلِطُ من أصْفَر، وأخضَرَ، وأحْمَرَ، انتهى. وكَرَّرَ سبحانه قوله: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تِكَذِّبَانِ}؛ تأكيداً وتنبيهاً للنفوس، وتحريكاً لها، وهذه طريقة من الفصاحة معروفة، وهي من كتاب اللَّه في مواضع؛ وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كلام العرب، وذهب قوم إلى أَنَّ هذا التكرار إنَّما هو لما اختلفت النعم المذكورة كَرَّرَ التوقيفَ مع كُلِّ واحدة منها، قال * ع *: وهذا حسَنٌ، وقال الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: التكرار لِطَرْدِ الغَفْلَةِ، وللتأكيد، وخَصَّ سبحانه ذكرَ المَشْرِقَيْنِ والمغربين بالتشريف في إضافة الرب إليهما؛ لعظمهما في المخلوقات. * ت *: وتحتمل الآية أَنْ يرادَ المشرقين والمغربين وما بينهما كما هو في «سورة الشعراء» واختلف الناس في {ٱلْبَحْرَيْنِ}؛ قال * ع *: والظاهر عندي أَنَّ قوله تعالى: {ٱلْبَحْرَيْنِ} يريد بهما نَوْعَي الماءِ العَذْبِ والأُجِاجِ، أي: خلطهما في الأرض، وأرسلهما متداخلين في وضعهما في الأرض، قريب بعضهما من بعض، ولا بَغْيَ، قال * ع *: وذكر الثعلبيُّ في {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} ألغازاً وأقوالاً باطنةً يجب أَلاَّ يُلْتَفَتَ إلَىٰ شَيْءٍ منها. * ت *: ولا شَكَّ في اطِّرَاحِهَا، فمنها نقله عن الثوريِّ {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ}: فاطمة وعليٌّ، {الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ}: الحَسَنُ والحُسَيْنُ، ثم تمادَىٰ في نحو هذا مِمَّا كان الأَوْلَىٰ به تركُهُ، ومَرِجَ الشَّيْءُ، أي: اختلط، و«البَرْزَخُ»: الحاجز، قال البخاريُّ {لاَّ يَبْغِيَانِ}: لا يختلطان، انتهى، قال ابن مسعود: {وَالمَرْجَانُ}: حجر أحمر، وهذا هو الصواب، قال عطاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: وهو البُسذ.
ابن عادل
تفسير : قوله: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ}. لما ذكر الله - تعالى - خلق العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيها من الدلالات على وحدانيته وقدرته، ذكر خلق العالم الصَّغير، فقال: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ}. قال المفسرون: يعني: آدم من صلصال وهو الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة، وشبهه بالفخَّار الذي طبخ. وقيل: هو طين خلط برملٍ. وقيل: هو الطين المُنتنُ، من صلَّ اللحم وأصلَّ: إذا أنْتَنَ. وقال هنا: {مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ}. وقال في "الحجر": {أية : مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} تفسير : [الحجر: 26] وقال: {أية : إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} تفسير : [الصافات: 11]. وقال: {أية : كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} تفسير : [آل عمران: 59]. وكله متفق المعنى، وذلك أنه أخذ من تراب الأرض، فعجنه فصار طيناً، ثم انتقل فصار كالحَمَأ المسنون، ثم يبس فصار صلصالاً كالفخار. فقوله: "كالفخَّار" نعت لـ "صَلْصَالٍ". وتقدم تفسيره. قوله: {وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ}. قيل هو اسم جنس كالإنسان. وقيل: هو أبو الجن "إبليس". وقيل: هو أبوهم، وليس بـ "إبليس". قوله: {مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} "من" الأولى لابتداء الغاية. وفي الثانية وجهان: أحدهما: أنها للبيان. والثاني: أنها للتبعيض. و "المَارِجُ": قيل: ما اختلط من أحمر وأصفر وأخضر، وهذا مشاهد في النار ترى الألوان الثلاثة مختلطاً بعضها ببعض. وقيل: الخالص. وقيل: الأحمر وقيل: الحمرة في طرف النَّار. وقيل المختلط بسواد. وقيل: اللهب المضطرب. وقال الليث: "المارج": الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه اللهب الذي يعلو النَّار، فيختلط بعضه ببعض أحمر وأخضر وأصفر، ونحوه عن مجاهد. وقيل: "المَارِجُ" المرسل غير ممنوع. قال المبرد: "المارج": النار المرسلة التي لا تمنع. وقال أبو عبيدة والحسن: "المارج": المختلط النار، وأصله من مرج إذا اضطرب، واختلط. قال القرطبي: يروى أن الله - تعالى - خلق نارين، فمرج إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما الأخرى، وهي نار السَّمُوم، فخلق منها "إبليس". قال القشيري: "والمارج" في اللغة: المرسل أو المختلط، وهو فاعل بمعنى مفعول كقوله: {أية : مَّآءٍ دَافِقٍ} تفسير : [الطارق: 6] و{أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 21]، والمعنى: "ذو مرج". {مِّن نَّارٍ} نعت لـ {مَّارِجٍ}. وتقدم الكلام على قوله: "فبأي آلاء" إلى آخرها. قوله تعالى: {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ}. العامة على رفعه. وفيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه مبتدأ، خبره {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ}، وما بينهما اعتراض. الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: "هُو ربُّ" أي: ذلك الذي فعل هذه الأشياء. الثالث: أنه بدل من الضمير في "خلق". وابن أبي عبلة: "ربّ" بالجر، بدلاً أو بياناً لـ "ربّكما". قال مكي: ويجوز في الكلام الخفض على البدل من "ربكما"، كأنه لم يطلع على أنها قراءة منقولة. و "المشرقان": قيل: مشرقا الشتاء والصيف ومغرباهما. وقيل: مشرقا الشمس والقمر ومغرباهما، وذكر غاية ارتفاعهما، وغاية انحطاطهما إشارة إلى أن الطرفين يتناول ما بينهما كقولك في وصف ملك عظيم: (له المشرق والمغرب) فيفهم منه أن له ما بينهما. ويؤيده قوله تعالى: {أية : بِرَبِّ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ} تفسير : [المعارج: 40]. قوله تعالى: {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} أي: خلَّى وأرسل وأهمل، يقال: مرج الناس السلطان، أي: أهملهم، وأصل المَرْج الإهمال كما تمرج الدَّابة في المَرْعى ويقال: مرج خلط. وقال الأخفش: ويقول قوم: أمرج البحرين مثل "مرج" فيكون "فَعَلَ وأفْعَلَ" بمعنى. و "البَحْرين": قال ابن عباس رضي الله عنهما: بحر السماء، وبحر الأرض. قال سعيد بن جبير: يلتقيان في كل عام. وقيل: يلتقي طرفاهما. وقال الحسن وقتادة: بحر "فارس" و "الروم". وقال ابن جريج: البحر المالح، والأنهار العذبة. وقيل: بحر المشرق، وبحر المغرب يلتقي طرفاهما. وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان. "بينهما برزخ" حاجز. قوله: "يلتقيان" حال من "البَحريْنِ" وهي قريبة من الحال المقدرة، ويجوز بتجوّز أن تكون مقارنة. و "بَينهُمَا بَرزخٌ" يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون حالاً، وأن يكون الظَّرف وحده هو الحال، و "البَرْزَخُ" فاعل به، وهو أحسن لقربه من المفرد. وفي صاحب الحال وجهان: أحدهما: هو البحرين. والثاني: هو فاعل "يَلْتقيان". و "لا يَبْغِيَان" حال أخرى كالتي قبلها، أي: مرجهُمَا غير باغيين أو يلتقيان غير باغِيين، أو بينهما برزخٌ في حال عدم بغيهما، وهذه الحال في قوة التعليل، إذ المعنى: "لئلاَّ يَبْغِيانِ". وقد تمحّل بعضهم، وقال: أصل ذلك لئلا يبغيا ثم حذف حرف العلة، وهو مطّرد مع "أن" و "إن"، ثم حذفت "أن" أيضاً، وهو حذف مطرد، كقوله: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ} تفسير : [الروم: 24]، فلما حذفت "أن" ارتفع الفعل، وهذا غير ممنوع، إلا أنه تكرر فيه الحذف. وله أن يقول: قد جاء الحذف أكثر من ذلك فيما هو أخفى من هذا، كما سيأتي في قوله: {أية : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} تفسير : [الواقعة: 82]. فصل في مناسبة هذه الآية لما قبلها لما ذكر الشمس والقمر، وهما يجريان في الفلك كما يجري الفلك في البحر، كقوله: {أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 33]، فذكر البحرين عقيب المشرقين والمغربين، أو لأن المشرقين والمغربين يكونان في البر والبحر، فذكر البحر بعد ذكر البر؛ لانحصار البر والبحر بين المشرق والغرب. قوله: "بينهما بَرْزَخ" أي: حاجز، "لا يبْغِيَان"، فعلى القول الأول بأنهما بحر السماء، وبحر الأرض، فالحاجز الذي بينهما هو ما بين السماء والأرض. قاله الضحاك. وعلى الأقوال الباقية: الحاجز: هو الأرض التي بينهما. قاله الحسن وقتادة. وقال بعضهم: الحاجز: هو القدرة الإلهية. وقوله: "لا يَبْغِيَان". قال قتادة: لا يبغيان على النَّاس فيغرقانهم، جعل بينهم وبين الناس اليبس. وقال مجاهد وقتادة أيضاً: لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه. وقال ابن زيد: "لا يبغيان" أي يلتقيان، تقديره: مرج البحرين يلتقيان لولا البرزخ الذي بينهما لا يبغيان أن يلتقيا. وقيل: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، أي: بينهما مدة قدرها الله تعالى، وهي مدة الدنيا فهما لا يبغيان، فإذا أذنَ الله بانقضاء الدنيا صار البحران شيئاً واحداً، وهو كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ} تفسير : [الانفطار: 3]. وقال سهل بن عبد الله: البحران: طريق الخير والشر، والبرزخ الذي بينهما التوفيق والعصمة. فصل في إحاطة البحار بالأرض قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - خلق في الأرض بحاراً تحيط بها الأرض، وخلق بحراً محيطاً بالأرض أحاط به الهواء، كما قال به أهل الهيئةِ، وهذه البحار التي في الأرض لها اتصال بالبحر المحيط، ثم إنهما لا يبغيان على الأرض، ولا يغطيانها بفضل الله لتكون الأرض بارزة يتخذها الإنسان مكاناً، وعند النظر إلى أمر الأرض يحار الطبيعي ويتلجلج في الكلام، فإن عندهم أن طبع الأرض يكون في المركز مغموراً بالماء، ويكون الماء محيطاً بجميع جوانبه، فإذا سئلوا عن ظهور الأرض من الماء قالوا: جذب في الأرض. فإذا قيل لهم: لماذا تجذب؟ وما سبب الجذب؟. فالذي عنده قليل من الحق أسند ذلك إلى إرادة الله تعالى ومشيئته، والآخر يقول: ذلك بحسب اتصالات الكواكب وأوضاعها. فإن قيل له: لماذا اختلفت أوضاع الكواكب على الوجه الذي أوجب البرد في بعض الأرض دون بعض؟ بهت كما بهت الذي كفر، ويرجع إلى الحق إن هداه الله تعالى. وقال ابن الخطيب: ومعنى الآية أن الله - تعالى - أرسل بعض البحرين إلى بعض، ومن شأنهما الاختلاط فحجزهما ببرزخ من قدرته، فهما لا يبغيان، أي: لا يجاوز كل واحدٍ منهما ما حد له. و "البَغْي": مجاوزة الحد، أو من الابتغاء وهو الطَّلب، أي: لا يطلبان غير ما قدر لهما. قوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} قرأ نافع، وأبو عمرو: "يُخْرَجُ" مبنيًّا للمفعول، والباقون: مبنيًّا للفاعل على المجاز. قالوا: ثم مضاف محذوف، أي "من أحدهما"؛ لأن ذلك لم يؤخذ من البحر العذب حتى عابُوا قول الشاعر: [الطويل] شعر : 4634- فَجَاءَ بِهَا ما شِئْتَ مِنْ لطَمِيَّةٍ على وجْهِهَا مَاءُ الفُراتِ يَمُوجُ تفسير : قال مكي: "كما قال: {أية : عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ} تفسير : [الزخرف: 31]، أي: من إحدى القريتين، فحذف المضاف كثير شائع". وقيل: هو كقوله: {أية : نَسِيَا حُوتَهُمَا} تفسير : [الكهف: 61] وإنما الناسي فتاه، ويعزى هذا لأبي عبيدة. قال البغوي: وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئين، ثم يخص أحدهما بفعل، كقوله: {أية : يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} تفسير : [الأنعام: 130]، ثم كانت الرسل من الإنس. وقيل: يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ومن الآخر المرجان. وقيل: بل يخرجان منهما جميعاً. ثم ذكروا أقاويل. منها: أنهما يخرجان من المِلْح في المواضع الذي يقع فيه العذب، وهذا مشاهد عند الغواصين، وهو قول الجمهور، فناسب ذلك إسناده إليهما. ومنها: قول ابن عباس رضي الله عنهما: تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر، والصدف تفتح أفواهها للمطر، وقد شاهده الناس، فيكون تولده من بحر السماء، وبحر الأرض. وهذا قول الطبري. ومنها: أن العذب في الملح كاللقاح، كما يقال: الولد يخرج من الذَّكر والأنثى. ومنها: أنه قيل: منهما من حيثُ هما نوع واحد، فخروج هذه الأشياء إنما هي منهما، كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً} تفسير : [نوح: 16] وإنما هو في واحدةٍ منهن. وقال الزمخشري: "فإن قلت: لم قال: "منهما"، وإنما يخرجان من الملح؟ قلت: لما التقيا، وصارا كالشيء الواحد، جاز أن يقال: يخرجان منهما كما يقال: يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر، وإنما يخرجان من بعضه، وتقول: خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلَّةٍ واحدة من محاله، بل من دارٍ واحدة من دُورهِ، وقيل: لا يخرجان إلاَّ من ملتقى الملح والعذب". انتهى. وقال بعضهم: كلام الله أولى بالاعتبار من كلام بعض النَّاسِ، فمن الجائز أن يسوقها من البحر العذب إلى الملح، واتفقُوا أنهم لم يخرجوها إلا من الملح، وإذا كان في البر أشياء تخفى على التُّجَّار المترددين القاطعين المفاوز، فكيف بما هو في قَعْرِ البحر؟. فالجواب عن هذا: أن الله لا يخاطب الناس، ولا يمنن عليهم إلا بما يألفون، ويشاهدون. و "اللؤلؤ": قيل: كِبارُ الجوهر، والمرجان: صغاره. قاله علي، وابن عباس، والضحاك رضي الله عنهم. وقيل بالعكس، وأنشدوا قول الأعشى رحمه الله: [البسيط] شعر : 4635- مِنْ كُلِّ مَرْجَانةٍ فِي البَحْرِ أحْرَزَهَا تيَّارُهَا ووقَاهَا طينهَا الصَّدَفُ تفسير : أراد اللؤلؤة الكبيرة. قاله علي، وابن عباس أيضاً. وقيل: "المرجان": حجر أحمر. وقيل: حجر شديد البياض، والمرجان أعجمي. قال ابن دريد: لم أسمع فيه كلاماً منصرفاً. و "اللؤلؤ"، بناء غريب لم يرد على هذه الصيغة إلا خمسة ألفاظ: اللؤلؤ، و "الجُؤجؤ" وهو الصَّدر، و "الدُّردؤ"، و "اليُؤيُؤ" - لطائر - و "البُؤبؤ" - بالموحدتين - وهو الأصل، و "اللُّؤلُؤ" - بضمتين - والهمز هو المشهور. وإبدال الهمزة واواً شائع فصيح وقد تقدم ذلك. وقرأ طلحة: "اللُّؤلِىء" - بكسر اللام الثالثة - وهي لغة محفوظة، ونقل عنه أبو الفضل: "اللُّولِي" بقلب الهمزة الأخيرة ياء ساكنة، كأنه لما كسر ما قبل الهمزة قلبها ياء استثقالاً. وقرأ أبو عمرو في رواية: "يُخْرِجُ" أي: الله تعالى، وروي عنه، وعن ابن مقسم: "نُخْرِج" بنون العظمةِ. و "اللؤلؤ والمرجان" على هاتين القراءتين منصوبان. فصل في مناسبة نعمة اللؤلؤ والمرجان للنعم السابقة قال ابن الخطيب: فإن قيل: أي نعمة عظيمة في "اللُّولؤ والمرجان" حتى ذكرهما مع نعمة تعليم القرآن وخلق الإنسان؟. وأجاب بأن النعم منها خلق الضَّروريات كالأرض التي له مكاناً، وكذا الرزق الذي به بقاؤه. ومنها ما يحتاج إليه، وإن لم يكن ضروريًّا كالحيوان، وإجراء الشمس والقمر. ومنها المنافع وإن لم يكن محتاجاً إليها كالفاكهة، وخلق البحار، كقوله تعالى: {أية : وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} تفسير : [البقرة: 164]. ومنها الزينة وإن لم يكن نافعاً كاللؤلؤ والمرجان، كقوله تعالى: {أية : وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} تفسير : [النحل: 14]، فالله تعالى ذكر أنواع النعم الأربعة، وصدرها بالنعمة العظيمة التي هي الروح وهو العلم بقوله: {أية : عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [الرحمن: 2]، أو يقال: بأن المقصود منه عجائب الله لا بيان النعم؛ لأن النعم سبق ذكرها فذكر خلق الإنسان من صلصال، وخلق الجان من مارج من نارٍ، وهذان من العجائب الدَّالة على القدرة، لا من النعم. واعلم أن الأركان أربعة: التراب والماء والهواء والنار، فالله تعالى بيّن بقوله: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ}، أن التراب أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: {وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ}، أن النار أيضاً أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} أن الماء أصل لمخلوق آخر كالحيوان عجيب، بقي الهواء لكنه غير محسوس، فلم يذكر أنه أصل مخلوق، لكن بين كونه منشئاً للجواري التي في البحر كالأعلام. فقال: "ولهُ الجوارِ". العامة على كسر "الراء"؛ لأنه منقوص على "مفاعِل" والياء محذوفة لفظاً لالتقاء الساكنين. وقرأ عبد الله والحسن، ويروى عن أبي عمرو، "برفع الراء تناسياً للمحذوف". ومنه: [الرجز] شعر : 4636- لَهَا بَنَاتٌ أرْبَعٌ حِسَانُ وأرْبَعٌ فثَغْرُهَا ثَمَانُ تفسير : وهذا كما قالوا: هذا شاكٍ وقد تقدم تقرير هذا في الأعراف عند قوله: {أية : وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} تفسير : [الأعراف: 41]. قوله: "المُنشآتُ". قرأ حمزة، وأبو بكر بخلاف عنه بكسر الشِّين، بمعنى أنها تنشىء الموج بجريها، أو تنشىء السير إقْبَالاً وإدباراً، أو التي رفعت شراعها، والشِّراع: القلاع. وعن مجاهد: كل ما رفعت قلعها فهي من المنشآت، وإلا فليست منها ونسبة الرَّفع إليها مجاز، كما يقال: أنشأت السَّحابة المطر. والباقون: بالفتح، وهو اسم مفعول، أي أنشأها الله، أو الناس، أو رفعوا شراعها. وقرأ ابن أبي عبلة: "المُنَشَّآت" بتشديد الشين مبالغة. والحسن: "المُنشَّأة" بالإفراد وإبدال الهمزة ألفاً وتاء محذوفة خطاً، فأفرد الصفة ثقة بإفهام الموصوف الجمعية، كقوله: {أية : وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} تفسير : [آل عمران: 15]. وأما إبداله الهمزة ألفاً وإن كان قياسها بين بين، فمبالغة في التخفيف. كقوله: [البسيط] شعر : 4637- إنَّ السِّباعَ لَتَهْدَا فِي مَرَابِضِهَا ........................... تفسير : أي: "لتهدأ" وأما كتابتها بإلقاء المحذوفة، فاتباعاً للفظها في الوصل. و "في البَحْر" متعلق بـ "المنشآت" أو "المنشأة"، ورسمه بالتاء بعد الشين في مصاحف "العراق" يقوي قرءاة الكسر، ورسمه بدونها يقوي قراءة الفتح، وحذفوا الألف كما تحذف في سائر جمع المؤنث السالم. و "كالأعلام" حال، إما من الضمير المستكنّ في "المنشآت"، وإما من "الجواري" وكلاهما بمعنى واحد. فصل في المراد بالجواري "الجَوَارِي" جمع جارية. وهي اسم أو صفة للسفينة، وخصها بالذكر؛ لأن جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك، فيقولون: "لك الفُلْك، ولك المُلْك". وإذا خافوا الغرقَ دعوا الله خاصة، وسميت السفينة جارية؛ لأن شأنها ذلك وإن كانت واقفةً في السَّاحل كما سماها في موضع آخر بـ "الجارية"، فقال تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ} تفسير : [الحاقة: 11]. وسماها بالفلك قبل أن تكون كذلك، فقال لنوح عليه الصلاة والسلام: {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} تفسير : [هود: 37] ثم بعد ما عملها سمَّاها سفينة، فقال: {أية : فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ} تفسير : [العنكبوت: 15]. واعلم أن المرأة المملوكة تسمى أيضاً جارية؛ لأن شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها، بخلاف الزَّوجة، فهو من الصفات الغالبة. و "السفينة": "فعيلة" بمعنى "فاعلة" عند ابن دريد، أي: تسفن الماء و "فَعِيلَة" بمعنى "مفعولة" عند غيره بمعنى منحوتة، قال ابن الخطيب: فالفُلك أولاً، ثم السفينة، ثم الجارية. والأعلام: الجبال، والعلم: الطويل، قال: [الرجز] شعر : 4638- إذَا قطعْنَ علماً بَدَا عَلَمْ تفسير : وقالت الخنساء في صخر: [البسيط] شعر : 4639- وإنَّ صَخْراً لتَأتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ كَأنَّهُ علمٌ فِي رَأسِهِ نَارُ تفسير : أي "جبل"، فالسفن في البحر كالجبال في البر. وجمع "الجواري" ووحد "البحر"، وجمع "الأعلام" إشارة إلى عظمةِ البحر.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {وخلق الجان من مارج من نار} قال: من لهب النار. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {من مارج من نار} قال: من لهبها من وسطها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {من مارج} قال: خالص النار. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {من مارج} قال: من شهب النار. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {من مارج} قال: اللهب الأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير {من مارج} قال: الخضرة التي تقطع من النار السواد الذي يكون بين النار وبين الدخان. وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خلقت الملائكة من نور، وخلق الجن من مارج من نار، وخلق آدم كما وصف لكم ". تفسير : قوله تعالى: {رب المشرقين} الآية. أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {رب المشرقين ورب المغربين} قال: للشمس مطلع في الشتاء ومغرب في الشتاء، ومطلع في الصيف ومغرب في الصيف، غير مطلعها في الشتاء وغير مغربها في الشتاء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {رب المشرقين ورب المغربين} قال: مشرق الشتاء ومغربه، ومشرق الصيف ومغربه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة وعكرمة مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {رب المشرقين} قال: مشرق النجم ومشرق الشفق {ورب المغربين} قال: مغرب الشمس ومغرب الشفق.
ابو السعود
تفسير : {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ} تمهيدٌ للتوبـيخِ على إخلالِهم بمواجبِ شكرِ النعمةِ المتعلقةِ بذواتِ كلِّ واحدٍ من الثقلينِ. والصلصالُ الطينُ اليابسُ الذي له صلصلةٌ، والفخَّارُ الخزفُ. وقد خلقَ الله تعالى آدمَ عليهِ السلامُ من ترابٍ جعلَهُ طيناً ثم حمأً مسنوناً ثم صلصالاً فلا تنافيَ بـين الآيةِ الناطقةِ بأحدِها وبـينَ ما نطقَ بأحدِ الآخرينِ. {وَخَلَقَ ٱلْجَانَّ} أي الجِنَّ أو أبَا الجِنِّ. {مِن مَّارِجٍ} من لهبٍ صافٍ {مّن نَّارٍ} بـيانٌ لمارجٍ فإنَّه في الأصلِ للمضطربِ، منْ مَرَجَ إذا اضطربَ. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ} مما أفاضَ عليكُما في تضاعيفِ خلقِكما من سوابغِ النعمِ {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} بالرفعِ على خبريَّة مبتدأٍ محذوفٍ أي الذي فعلَ ما ذُكِرَ من الأفاعيلِ البديعةِ ربُّ مشرقي الصيفِ والشتاءِ ومغربـيهما، ومن قضيتِه أن يكونَ ربَّ ما يبنهُمَا منَ الموجوداتِ قاطبةً، وقيلَ على الابتداءِ والخبرُ قولُه تعالى مرجَ الخ. وقُرِىءَ بالجرِّ على أنَّه بدلٌ من ربِّكُما. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ} ممَّا في ذلكَ من فوائدَ لا تُحصى من اعتدالِ الهواءِ واختلافِ الفصولِ وحدوثِ ما يناسبُ كلَّ فصلٍ في وقتِه إلى غيرِ ذلكَ. {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} أي أرسلَهُما منْ مرجتُ الدابَّةَ إذا أرسلتُها والمَعْنى أرسلَ البحرَ المِلْحَ والبحرَ العذبَ {يَلْتَقِيَانِ} أي يتجاورانِ ويتماسُّ سطوحُهما لا فصلَ بـينَهما في مرأى العينِ وقيلَ: أرسلَ بحرَيْ فارسَ والرومِ يلتقيانِ في المحيطِ لأنهما خليجانِ يتشعبانِ منه {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ} أي حاجزٌ من قُدرةِ الله عزَّ وجَلَّ أو منَ الأرضِ {لاَّ يَبْغِيَانِ} أي لا يبغِي أحدُهما على الآخرِ بالممازجةِ وإبطالِ الخاصِّيةِ أو لا يتجاوزانِ حدَّيهُما بإغراقِ ما بـينهُما {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ} وليسَ منهُما شيءٌ يقبلُ التكذيبَ {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ} الدرُّ {وَالمَرْجَانُ} الخرزُ الأحمرُ المشهورُ وقيلَ: اللؤلؤُ كبارُ الدرِّ والمرجانُ صغارُه فنسبةُ خروجِهما حينئذٍ إلى البحرينِ معَ أنَّهما إنما يخرجانِ من المِلْحِ على ما قالُوا، لما قيلَ: أنَّهما لا يخرجانِ إلا من مُلتقى المِلْحِ والعذبِ، أو لأنَّهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد ساغ أن يقال يخرجان منهما كما يقال يخرجان من البحرِ مع أنهما لا يخرجانِ من جميعِ البحرِ، ولكنْ من بعضِه وهو الأظهرُ. وقُرِىءَ يُخرَجُ مبنياً للمفعولِ من الإخراجِ ومبنياً للفاعلِ بنصبِ اللؤلؤُ والمرجانُ وبنونِ العظمةِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {خلق الانسان من صلصال كالفخار} بيافريد انسانرا از كل خشك مانند سفاكل بخته كه دست بروى زنى آواز كند، الصلصال الطين اليابس الغير المطبوخ الذى له صلصلة اى صوت يسمع من يبسه وصح عن رسول الله عليه السلام انه قال "حديث : اذا تكلم الله بالوحى سمع اهل السموات لصوته صلصلة كصلصلة الجرس على الصفوان والفخار"تفسير : الخزف أى الطين المطبوخ بالنار وتشبيهه بالفخار لصونه باليبس اذا نقر كأنه صور بصورة من يكثر التفاخر اولا لانه اجوف وقد خلق الله آدم عليه السلام من تراب جعله طينا ثم حمأ مسنونا ثم صلصالا ثم صب عليه ماء الاحزان فلا ترى ابن آدم الا يكابد حزنا فلا تنافى بين الآية الناطقة باحدها وبين مانطق باحد الآخرين
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {خَلَقَ الإِنسانَ} آدم {من صلصالٍ} من طين يابس، له صلصلة، أي: صوت {كالفَخَّار} كالطين المطبوخ بالنار وهو الخزف. ولا تخالف بين هذا وبين قوله:{أية : مِّنْ حَمإٍ مَّسْنُونٍ}تفسير : [الحجر: 26] و {أية : مِّن طِينٍ لاَّزِب}تفسير : [الصافات: 11] لاتفاقهما معنىً، لأنَّ المعنى: أنَّ أصل خلقه من تراب، ثم جعله طيناً، ثم حمأً مسنوناً، ثم صلصالاً. {وخَلَقَ الجانَّ} أي: الجن، او أبا الجن إبليس، {من مَارجٍ من نار} والمارج هو اللهب الصافي، الذي لا دخان فيه، وقيل: المختلط بسواد النار، من: مَرجَ الشي: إذا اضطرب أو اختلط، و"مِن": بيانية، كأ،ه قيل: مِن صاف النار، أو مختلط من النار، أو أراد: من نار مخصوصة. {فبأي آلاءِ ربكما تُكَذِّبان} مما أفاض عليكما في تضاعيف خلقكما من سوابغ النعم. قال القشيري: وكرّر سبحانه هذه الآية في غير موضع،على جهة التقرير بالنعمة على التفاصيل. نعمة بعد نعمة، ووجه النعمة في خلق آدم من طين: أنه رقّاه إلى رتبةٍ بعد أن خلقه من طين، وكذلك القول في {مارج من نار} .هـ. يعني: أنَّ آدم رقّاه إلى رتبة الروحانية والخلافة، والجن إلى رتبة التصرُّف الباطني في الآدمي وغيره. {ربُّ المشْرِقَين وربُّ المغربين} أي: مشرقي الشمس في الصيف والشتاء، ومَغْربيها. قال ابن الحشا: المشرق الشتوي: هو النقطة التي تطلع فيها الشمس فيها في الأفق في نصف دجنبر، أقصر ما يكون النهار من أيام السنة، والمشرق الصيفي: هو النقطة التي تطلع فيها الشمس في نصف يونية، أطول ما يكون من أيام السنة. والمغربان: حيث تغرب في هذين اليومين، ومشارق الشمس ومغاربها في سائر أيام السنة ليس هذين المشرقين والمغربين.هـ. وقوله: في نصف دجنبر ونصف يونية، هذا في زمانه، وأمّا اليوم فهي على ثمانية أيام ونحوها، لزيادة حركة الإقبال. قال ابن عطية: متى وقع ذكر المشرق والمغرب فهو إشارة إلى الناحيتين، أي: مشرق الصيف والشتاء ومغربهما. ومتى وقع ذكر المشارق والمغارب فيهو إشارة إلى تفصيل مشرق كل يوم ومغربه، ومتى ذكر المشرقان فهو إشارة إلى نهايتي المشارق والمغارب؛ لأنّ ذكر نهايتي الشيء ذكر لجميعه. هـ. {فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان} قال القشيري: ووجه النعمة في مشرق الشمس ومغربها: جريانه على ترتيب بديع؛ ليكمل انتفاع الخلق بذلك. هـ. {مَرَجَ البحرين يلتقيان} أي: أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متلاقيين، لا فصل بين الماءين بإسماك أحدهما عن الآخر في مرأى العين. قال في الحاشية: ويُقرب ما ذكره ما هو مشهود في الريف مع الماء، فاعتبر به، وبالأبيض من البيضة مع الأصفر منها، وقيل: أرسل بحري فارس والروم يلتقيان في المحيط؛ لانهما خلجان يتشعبان منه، {بينهما برزخٌ} حاجز من قدرة ا لله تعالى، {لا يَبغِيان} لا يتجاوزان حدّيهما، ولا يبغي أحدُهما على الآخر بالممازجة وإبطال الخاصية، أو: لا يتجاوزان حدّيهما بإغراق ما بينهما، {فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان} وليس شيء منها يقبل التكذيب. {يَخْرُجُ منهما اللؤلؤُ والمَرجانُ} اللؤلؤ: الدرّ، والمَرجان: الخرزُ الأحمر المشهور. قلت: هو شجر ينبت في الحجر في وسط البحر، وهو موجود في بحر المغرب، ما بين طنجة وسبتة. وقال الطرطوشي: هو عروق حُمر يطلع من البحر كأصابع الكف، وشاهدناه بأرض المغرب مراراً. هـ. وقيل: اللؤلؤ: كِبار الدر، والمرجان: صِغاره. وإنما قال: "منهما" وهما إنما يخرجان من الملح؛ لأنهما لمّا التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يُقال: يخرجان منهما. ونقل الأخفش عن قوم: أنهما يخرجان من المالح والعذب، وليس لِمن ردّه حجة قاطعة، ومَن أثبت أَولى ممن نفى. هـ. قال أبو حيان: والظاهر خروجهما منهما، وحكاه الأخفش عن قوم. هـ. {فبأي آلاء ربكما تُكَذَّبان} مع ظهور هذه النعمة. {وله الجوارِ} أي: السفن، جمع: جارية، {المُنشَئاتُ} المرفوعات الشُرَّع، وقرأ حمزة ويحيى بكسر الشين، أي: الرافعات الشُروع، أي القلاع، أو: اللاتي يُنشئن الأمواج بمَخْرهن {في البحر كالأعلام} كالجبال الشاهقة، جمع عَلَم، وهو الجبل الطويل، {فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان} مِن خلق مواد السفن والإرشاد إلى أخذها، وكيفية تركيبها، وإجرائها في البحر، بأسباب لا يَقدر على خلقها وجمعها وترتيبها غيره سبحانه. {كُلُّ مَن عليها} على الأرض {فانِ ويبقى وجهُ ربك} أي: ذاته، قال القشيري: وفي بقائه سبحانه خَلَفُ من كلِّ تلفٍ، وتسليةٌ للمؤمنين عما يُصيبهم من المصائب، ويفوتهم من المواهب. هـ. {ذو الجلال} ذو العظمة والسلطان، {والإِكرام} أي: الفضل التام بالتجاوز والإحسان. وهذه الصفة من عظم صفات الله تعالى، وفي الحديث: "ألظوا - أي: تعلقوا - بيا ذا الجلال والإكرام" يعني: نادوه به، يُقال: ألظ بالمكان: إذا أدام به، وألظ بالدعاء: إذا لزمه، وروي أنه صلى الله عليه وسلم مرّ برجل يُصلِّي، ويقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال:"حديث : قد استُجيب لك"تفسير : . {فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان} فإنَّ إفناءهم وإخراجهم من ضيق هذه الدار الدنية، وإحياءهم وإبقاءهم في الدار الباقية في النعيم السرمدي من عظائم النِعم. الإشارة: اختص مظهَر الإنسان عن سائر المظاهر باعتدال خلقته، لطافةً وكثافةً، معنىً وحسّاً، روحانيّاً وبشريةٌ، فلذلك فاقت معرفته إذا عرف سائر المخلوقات، بخلاف الجن والملائكة، اللطافةُ غالبة عليهم، فمَن كان منهم عارفاً لا تجده إلا متحرفاً، غالباً عليه الهيمان والسُكْر، وأمّا الآدمي فمَن غلبت رَوحانيتُه على صلصاليته، ومعناه على حسه، كان كالملائكة أو أفضل، ومَن غلبت طينتُه على روحانيته، وحسُّه على معناه، كان كالبهائم أو أضل. وقوله تعالى: {رَبُّ المشرقين وربُّ المغربين} أي: رب مشرق شمس العرفان وقمر الإيمان، ومغربهما عند غين الأنوار والأغيار. وقال القشيري: يُشير مشرق الروح والقلب، ومغرب النفس والهوى. هـ. فإذا أشرق نور الروح والقلب غابت ظلمة النفس والهوى، وإذا استولت ظلمة النفس والهوى على الروح والقلب غربت شمسهما، {فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان} مع ما في ذلك في اللطائف الغامضة، والغوامض الخفية، من عدم سكون الروح والقلب إلى التجلِّي الجمالي، وعدم اضطراب النفس والهوى بالتجلِّي القهري الجلالي؛ لأنَّ الكامل من هذه الطائفة هو الذي يُشاهد الجمالَ في الجلال، والجلالَ في الجمال، فلا يسكن إلى شيء، ولا يقف مع شيء. وقوله تعالى: {مَرَجَ البحرين يلتقيان} يُشير إلى بحر علم الشريعة، وبحر علم الحقيقة، يلتقيان في الإنسان الكامل، {بينهما برزخ} وهو العقل، فإنه يحجز الشريعةَ أن تعدو محلها، والحقيقة أن تُجاوز محلها، فالشريعة محلها الظواهر، والحقيقة محلها البواطن، والعقل برزخ بينهما، يقوم بحُكم كل واحدة منهما، فمَن خفَّ عقله غلبت إحداهما عليه، إمّا الشريعة، فيكون يابساً جامداً لا يخلو من فسوق، وإمّا الحقيقة، فيكون إما سكراناً أو زنديقاً. {فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان؟} حيث هَدى العبدَ إلى القيام بحقهما، وإنزال كل واحدة في محلها، {يَخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} فيخرج من بحر الحقيقة جواهرَ الحِكم ويواقيت العلوم، ومن بحر الشريعة مَرجان تحرير النقول، وتحقيق مبانيها، والإتيان بها من معادنها، {فبأي آلاء ربكما تُكذَّبان} حيث وفَّق غوّاص بحر الحقيقة إلى استخراج أسرارها، وغوّاص بحر الشريعة إلى إظهار أنوارها. {وله الجوارِ}، أي: سفن الأفكار الجارية في قلزوم بحر الذات وتيار الصفات. {المنشأت} في بحر الذات، مع رسوخ عقلها، كالجبل الراسي، فتعوم سفنُ أفكار العارفين في بحر الجبروت وأنوار الملكوت، ثم ترسي في مرساة العبودية، للقيام بآداب الربوبية، {فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان} مع عظيم هذا اللطف الكبير، والمنَّة الكريمة، حيث يتلاطم عليهم أموَاجُ بحر الذات، فيكونوا من المغرقين في الزندقة، أو ذهاب العقل بالكلية، لكن مَنْ صَحبَ رئيسا عارفاً لا يخاف من الغرق إن شاء الله. {كلُّ مَن عليها فانٍ} كل مَنْ على بساط المملكة فَانٍ متلاشٍ، {ويبقى وجه ربك} أي: ذاته المقدسة، فلا موجود معها على الحقيقة، كما قال الشاعر: شعر : فَالْكُلُّ دُونَ اللَّه إِنْ حَقَّقْتَه عَدمٌ عَلَى التَّفْصِيل والإجمال تفسير : وهذا معلوم عند أرباب الأذواق، مُقرر عند أهل الفناء والبقاء، فلا يجحده إلاَّ جهول، كما قال تعالى: {فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان}؟. وذكر شؤونه تعالى في خلقه، فقال: {يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى إنه {خلق الإنسان} وأنشائه ويعني به آدم عليه السلام {من صلصال} وهو الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة - فى قول قتادة - {كالفخار} أي مثل الطين الذي طبخ بالنار حتى صار خزفا {وخلق الجان من مارج من نار} فالمارج هو المختلط الأجزاء، قال الحسن أبليس ابو الجن، وهو مخلوق من لهب النار، كما أن آدم ابو البشر مخلوق من طين. وصف الله تعالى الانسان الذي هو آدم ابو البشر انه خلقه من صلصال. وفي موضع آخر {أية : من طين لازب} تفسير : وفي موضع آخر {أية : من حمأ مسنون}تفسير : وفى موضع آخر {أية : خلقه من تراب } تفسير : وإختلاف هذه الألفاظ لا تناقض فيها، لانها ترجع إلى أصل واحد وهو التراب، فجعله طيناً. ثم صار كالحمأ المسنون. ثم يبس فصار صلصالا كالفخار. وقوله {فبأي آلاء ربكما تكذبان} معناه فبأى نعم ربكما يا معشر الجن والانس تكذبان؟! وإنما كررت هذه الآية، لانه تقرير بالنعمة عند ذكرها على التفصيل نعمة نعمة. كأنه قيل بأى هذه الآلاء تكذبان. ثم ذكرت آلاء أخر فاقتضت من التذكير والتقرير بها ما اقتضت الأولى ليتأمل كل واحد فى نفسها وفى ما تقتضيه صفتها من حقيقتها التي تتفصل بها من غيرها. وقوله {رب المشرقين ورب المغربين} تقديره هو رب المشرقين، فهو خبر ابتداء، ولو قرىء بالخفض رداً على قوله {فبأى آلاء ربكما تكذبان} لكان جائزاً غير انه لم يقرأ به أحد. والمعنى انه الخالق لمشرق الشتاء ومشرق الصيف، وهو عند غاية طول النهار فى الصيف وغاية قصره فى الشتاء {ورب المغربين} مثل ذلك - وهو قول مجاهد وقتادة وابن زيد - والمشرق موضع شروق الشمس، وهو طلوعها تقول: شرقت الشمس تشرق شروقاً إذا طلعت واشرقت إذا أضائت وصفت. والمغرب موضع غروب الشمس. والغروب مصيرها فى حد الغروب وهو المغيب، غربت تغرب غروباً، ومنه الغريب وهو الصابر فى حد الغائب عن النفس وأصله الحد ومنه الغروب مجاري الدموع لزوالها من حدها إلى الحد الآخر. وقوله {فبأي آلاء ربكما تكذبان} أي فبأي نعمة ربكما معاشر الجن والانس تكذبان. وقد بينا الوجه فى تكراره. وواحد الآلاء ألى على وزن (معاً) و (ألا) على وزن (قفا) عن أبي عبيدة. وقوله {مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان} معنى مرج أرسل - فى قول ابن عباس. وقال الحسن وقتادة و (البحران) بحر فارس والروم. وقال ابن عباس فى رواية أخرى هما بحر السماء وبحر الارض {يلتقيان} فى كل عام. وقيل البحران الملح والعذب. وقيل: مرج البحرين خلط طرفيهما عند التقائهما من غير أن يختلط جملتها {لا يبغيان} أي لا يبغي أحدهما على الآخر بأن يقلبه إلى مثل حاله فى الملوحة والعذوبة. ومرج معناه أرسل باذهاب الشيئين فصاعداً فى الارض، فمرج البحرين أرسلهما بالاجراء في الارض يلتقيان، ولا يختلطان، ذلك تقدير العزيز العليم. والبرزخ الحاجز بين الشيئين، ومنه البرزخ الحاجز بين الدنيا والآخرة. وقال قتادة: البرزخ الحاجز أن يبغي الملح على العذب أو العذب على الملح. وقال مجاهد: معناه لا يبغيان لا يختلطان ومعناه لا يبغيان على الناس. والنعمة بتسخير الشمس أنها تجري دائبة بمنافع الخلق فى الدنيا والدين، فبأي آلاء ربكما تكذبان معاشر الجن والانس.
الجنابذي
تفسير : {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ} الصّلصال الطّين الطّيّب خلط بالرّمل، او الطّين ما لم يجعل خزفاً {كَٱلْفَخَّارِ} الفخّارة الجرّة جمعها الفخّار، او هو الخزف.
الأعقم
تفسير : {خلق الإِنسان} آدم {من صلصال} من طين يابس يسمع له صلصلة، وقيل: الحمأ مختلط أحمر المنتن {كالفخار} كالآجر {وخلق الجان} أبو الجن كما أن آدم أبو الإِنس، وقيل: هو إبليس {من مارج من نار} مختلط أحمر وأبيض وأسود، وقيل: مختلط أحمر وأصفر {فبأي آلاء ربكما تكذبان} {رب المشرقين ورب المغربين} قيل: مشرق الشتاء ومشرق الصيف {مرج البحرين يلتقيان} أرسل البحر المالح والبحر العذب متجاورين متلاقين لا فصل بين الماءين في العين، {بينهما برزخ لا يبغيان} حاجز من قدرة الله سبحانه لا يبغي أحدهما على الآخر فيختلطان {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} اللؤلؤ: الدر، والمرجان: الخرز الأحمر، وقيل: اللؤلؤ كبار الدر، والمرجان صغاره، وقيل: هو بحر فارس والروم، وقيل: هو بحر السماء والأرض يلتقيان في كل عام، وروي في الثعلبي: مرج البحرين علي وفاطمة، بينهما برزخ محمد، يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين (عليهم السلام) {وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام} السفن كالأعلام كالجبال العظام {كل من عليها فان} أي كل من على الأرض {ويبقى وجه ربك} يعني يبقى ربك وذكر الوجه تأكيداً {ذو الجلال والإِكرام} {يسأله من في السماوات والأرض} يعني يسأل الملائكة والجن والإِنس وغيرهم حوائجهم {كل يوم هو في شأن} يوم يحيي ويميت ويأمر وينهي، وكذلك صحة أو سقم وشابٌ وشيبٌ ونجاة وهلاك، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد سُئِل عن هذه الآية وما ذلك الشأن فقال: "حديث : يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين" تفسير : {سنفرغ لكم} قيل: هذا تهديد، وفي قراءة أبي سنفرغ إليكم على معنى سنقصد اليكم وهو مستعار من قول الرجل لمن يتهدد سأفرغ لك، والثقلان الجن والانس، وعنه: "حديث : إني تارك فيكم الثقلان كتاب الله وعترتي" تفسير : وسميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض.
اطفيش
تفسير : {خَلَقَ الإِنسَانَ} آدم {مِن صَلْصَالٍ} الطين اليابس الذي له صلصلة أي صوت اذا نقر من صل وذلك لجودة الطين اشارة الى ما كان من الجودة في طينه وذلك قول الجمهور وقيل الصلصال المنتن من صل اذا انتن وعليه مجاهد {كَالفَخَّارِ} ما طبخ من الطين بالنار وهو الخزف أي له صوت كصوت الفخار إذا انكسر.
الالوسي
تفسير : تمهيد للتوبيخ على إخلالهم بمواجب شكر النعمة المتعلقة بذاتي كل واحد من الثقلين. والمراد بالإنسان آدم عند الجمهور، وقيل: الجنس وساغ ذلك لأن أباهم مخلوق مما ذكر. والصلصال الطين اليابس الذي له صلصلة، وأصله ـ كما قال الراغب ـ تردد الصوت من الشيء اليابس، ومنه قيل: صل المسمار، وقيل: هو المنتن من الطين من قولهم: صل اللحم، وكأن أصله صلال فقلبت إحدى اللامين صاداً ويبعد ذلك قوله سبحانه: {كَٱلْفَخَّارِ } وهو الخذف أعني ما أحرق من الطين حتى تحجر وسمي بذلك لصوته إذا نقر كأنه تصور بصورة من يكثر التفاخر. وقد خلق الله تعالى آدم عليه السلام من تراب جعله طيناً ثم حمأ مسنوناً ثم صلصالاً فلا تنافي بين الآية الناطقة بأحدها وبين ما نطق بأحد الآخرين.
ابن عاشور
تفسير : هذا انتقال إلى الاعتبار بخلق الله الإِنسان وخلقه الجن. والقول في مجيء المسند فعلاً كالقول في قوله: {أية : علّم القرآن}تفسير : [الرحمٰن: 2]. والمراد بالإِنسان آدم وهو أصل الجنس وقوله: {أية : من صلصال} تفسير : تقدم نظيره في سورة الحجر (2). والصلصال: الطين اليابس. والفخار: الطين المطبوخ بالنار ويُسمى الخزَف. وظاهر كلام المفسرين أن قوله: {كالفخار} صفة لــــ {صلصال}. وصرح بذلك الكواشي في «تلخيص التبصرة» ولم يعرجوا على فائدة هذا الوصف. والذي يظهر لي أن يكون كالفخار حالاً من {الإنسان}، أي خلقه من صلصال فصار الإِنسان كالفخار في صورة خاصة وصلابة. والمعنى أنه صلصال يابس يشبه يبس الطين المطبوخ والمشبه غير المشبه به، وقد عبر عنه بالحمأ المسنون، والطين اللازب، والتراب. و{الجانُّ}: الجن والمراد به إبليس وما خرج عنه من الشياطين، وقد حكى الله عنه قوله: {أية : خلقتني من نار وخلقته من طين}تفسير : [ص: 76]. والمارج: هو المختلط وهو اسم فاعل بمعنى اسم المفعول مثل دافق، وعيشة راضية، أي خلق الجان من خليط من النار، أي مختلط بعناصر أخرى إلا أن النار أغلَب عليه كما كان التراب أغلب على تكوين الإنسان مع ما فيه من عنصر النار وهو الحرارة الغريزية والمقصود هنا هو خلق الإنسان بقرينة تذييله بقوله: {أية : فبأي ألاء ربكما تكذبان}تفسير : [الرحمٰن: 16] وإنما قُرن بخلق الجان إظهاراً لكمال النعمة في خلق الإنسان من مادة لَينة قابلاً للتهذيب والكمال وصدور الرفق بالموجودات التي معه على وجه الأرض. وهو أيضاً تذكير وموعظة بمظهر من مظاهر قدرة الله وحكمته في خلق نوع الإِنسان وجنس الجان. وفيه إيماء إلى ما سبق في القرآن النازِل قبل هذه السورة من تفضيل الإنسان على الجان إذ أمر الله الجانّ بالسجود للإِنسان، وما ينطوي في ذلك من وفرة مصالح الإِنسان على مصالح الجان، ومِن تأهله لعمران العالم لكونه مخلوقاً من طينته إذ الفضيلة تحصل من مجموع أوصاف لا من خصوصيات مفردة.
الشنقيطي
تفسير : الصلصال: الطين اليابس الذي تسمع له صلصلة، أي صوت إذا قرع بشيء، وقيل الصلصال المنتن، والفخار الطين المطبوخ، وهذه الآية بين الله فيها طوراً من أطوار التراب الذي خلق منه آدم، فبين في آيات أنه خلقه من تراب كقوله تعالى:{أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ}تفسير : [آل عمران: 59] وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ}تفسير : [الحج: 5] وقوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ}تفسير : [الروم: 20] وقوله تعالى {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ}تفسير : [غافر: 67] وقوله تعالى {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ}تفسير : [طه: 55]. وقد بينا في قوله تعالى: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} وقوله {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} أن المراد بخلقهم منها هو خلق أبيهم آدم منها، لأنه أصلهم وهم فروعه، ثم إن الله تعالى عجن هذا التراب بالماء فصار طيناً، ولذا قال {أية : ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً}تفسير : [الإسراء: 61] وقال {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ}تفسير : [المؤمنون: 12] وقال تعالى:{أية : وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ}تفسير : [السجدة: 7]. وقال {أية : أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ}تفسير : [الصافات: 11] وقال تعالى: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ}تفسير : [ص: 71] ثم خمر هذا الطين فصار حمأً مسنوناً، أي طيناً أسود متغير الريح، كما قال تعالى {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}تفسير : [الحجر: 26] الآية. قال تعالى: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}تفسير : [الحجر: 28] وقال عن إبليس {أية : قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}تفسير : [الحجر: 33] والمسنون قيل المتغير وقيل المصور وقيل الأملس، ثم يبس هذا الطين فصار صلصالاً. كما قال هنا: {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ}تفسير : [الرحمن: 14] وقال{أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}تفسير : [الحجر: 26]. فالآيات يصدق بعضها بعضاً، ويتبين فيها أطوار ذلك التراب كما لا يخفى. قوله {وَٱلْجَآنَّ} أي وخلق الجان وهو أبو الجن، وقيل هو إبليس. وقيل: هو الواحد من الجن. وعليه فالألف واللام للجنس، والمارج: اللهب الذي لا دخان فيه، وقوله {مِّن نَّارٍ} بيان لمارج. أي من لهب صاف كائن من النار. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنه تعالى خلق الجان من النار، جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في الحجر{أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ}تفسير : [الحجر: 26-27] وقوله تعالى {أية : قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}تفسير : [الأعراف: 12]. وقد أوضحنا الكلام على هذا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة: 34].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: خلق الإِنسان من صلصال كالفخار: أي خلق آدم من طين يابس يسمع له صلصلة كالفخار وهو ما طبخ من الطين. وخلق الجان من مارج من نار: أي أبا الجن من لهب النار الخالص من الدخان وهو مختلط أحمر وأزرق وأصفر. رب المشرقين ورب المغربين: أي مشرق الشتاء، مشرق الصيف أي مطلع طلوع الشمس فيهما. وكذا المغربين في الصيف والشتاء. مرج البحرين يلتقيان: أي أرسل البحرين العذب والملح يلتقيان في رأي العين. بينهما برزخ لا يبغيان: أي بينهما حاجز لا يبغي أحدهما على الآخر فيختلط به. يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان: أي يخرج من مجموعها الصادق بأحدهما وهو الملح اللؤلؤ والمرجان وهو خرز أحمر، وهو صغار اللؤلؤ. وله الجوار المنشأت في البحر كالأعلام: أي السفن المحدثات في البحر كالأعلام أي كالجبال عظماً وارتفاعاً. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر ما أفاض الرحمن جل جلاله من رحمته التي وسعت كل شيء من آلاء ونعم لا تحصى ولا تعد ولا تحصر فقال تعالى {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} أي الرحمن الذي تجاهله المبطلون وقالوا: وما الرحمن؟ الرحمن الذي خلق الإِنسان آدم أول إنسان خلقه ومن أي شيء خلقه {مِن صَلْصَالٍ} أي من طين ذي صلصلة وصوت {كَٱلْفَخَّارِ} خلق الإِنسان، وخلق الجان وهو عالم كعالم الإِنسان خلق أصله من مارج وهو ما مرج واختلط من لهب النار. فبأي يا معشر الجن والإِنس {آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} إنها نعم تفوق عد الإِنسان مَنْ رب المشرقين ورب المغربين من خلقهما من ملكهما من سخرهما لفائدة الإِنسان؟ إنه الرحمن فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ لا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد. الرحمن مرج البحرين الملح والعذب أرسلهما على بعضهما فمرجا. كأنهما اختلطا إذا جعل بينهما برزخاً حاجزاً فهما لا يبغيان فلا يختلط أحدهما بالثاني، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ يُخرج منهما اللؤلؤ والمرجان من خلق في مجموع البحرين اللؤلؤ والمرجان وهما خرز أبيض وأحمر وأخضر ولفائدة من خلقهما الرحمن؟ إنها لفائدة الإِنسان إذاً هما نعمة ورحمة من رحمات الرحمن {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} {وَلَهُ ٱلْجَوَارِ} أي للرحمن الجوار المنشآت المصنوعات في البحر في أحواض السفن كالأعلام علواً وارتفاعا تظهر في البحر كما تظهر الجبال في البر لمصلحة من خلقها الرحمن لمصلحة الإِنسان فهي إذاً رحمة الرحمن ونعمته على الإِنسان فبأي آلاء ربكما يا معشر الإِنس والجن تكذبان؟ اقروا واعترفوا واشكروا الرحمن. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان أصل خلق الإِنسان والجان فالأول من طين لازب ذي صلصال كالفخار والثاني من مارج من نار وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن خلق الملائكة كان من نور. 2- معرفة مطالع الشمس ومغاربها في الشتاء والصيف وهما مطلعان ومغربان. 3- معرفة صناعة اللؤلؤ والمرجان، والسفن التي هي في البحر كالجبال علواً وظهوراً. 4- وجوب شكر الرحمن على إنعامه على الإِنس والجان.
القطان
تفسير : الصلصال: الطين اليابس الذي له صوت اذا نُقر. والفَخّار: الطين المطبوخ المصنّع. المارج: الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد التى لا دخان فيها. رب المشرقَين ورب المغربين: الشمس تشرق كل يوم من مكان، وتغرب في مكان، ولذلك ورد ايضا {أية : وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ} تفسير : [الصافات: 5] في سورة الصافات. مرجَ البحرين: أرسلهما واجراهما. يلتقيان: يتجاوران. برزخ: حاجز. لا يبغيان: لا يطغى احدهما على الآخر فيمتزجان. اللؤلؤ: هو الدر المعروف المخلوق في الأصداف. المرجان: نوع احمر من حيوان البحر ايضا يُتخذ حلياً. الجواري: السفن الكبيرة. المنشآت: المصنوعات. كالأعلام: كالجبال، والعلَم هو الجبل العالي. بعد ان منّ الله على الخلق بما هيأ لهم من نعمٍ لا تحصى في هذا الكون، ينتقل هنا الى الامتنان عليهم بنعمه في ذواتِ أنفسهم، وفي خاصةِ وجودهم وإنشائهم. خلَقَ جنسَ الانسان من طينٍ يابس غير مطبوخ، وخلق الجانَّ من لهيبٍ مشتعل من نار، وهو ربُّ مشرِقَي الشمسِ في الصيف والشتاء، ورب مغربَيها اللذين يترتب عليهما تقلُّبُ الفصول الأربعة وتقلب الهواء وتنوعه، وما يلي ذلك من الأمطار والشجر والنبات والأنهار الجارية. ثم ذكر نعمه تعالى على عبادِه في البحر وما فيه من فوائدَ وخيرات فقال: {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} أرسل البحرَ المالحَ والبحرَ العذب متجاورَين متلاقيين لا يبغي أحدُهما على الآخر، فقد حجَز بينهما ربُّهما بحاجزٍ من قدرته.. فبأيّ هذه المنافع تكذّبان ايها الثّقلان!!. ومن البحر المالح والعذب يخرجُ اللؤلؤ والمرجان، يتّخذ الناس منهما حِليةً يلبسونها. وفيهما تجري السفن الكبار المصنوعات بأيديكم كالجبال الشاهقة، حاملةً ما ينفع الناس ويقضي مصالحهم. وبعد ذكر هذه النِعم التي أوجدها في البر والبحر - بيّن ان هذا كله فانٍ لا يدوم، وانه لا يبقى الا الله تعالى، وكل من في الوجود مفتقِر إليه، وهو الحي الباقي في شئونه يُحيي ويميت، ويرزقُ ويعزّ ويذلّ، ويعطي ويمنع. {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} فجميعُ أهل الأرض يذهبون ويموتون، وكذلك أهلُ السماوات، ولا يبقى سوى الله، فَهو ذو الجلال وحده. ولا يقال ذو الجلال الا في النسبة الى الله. ثم قال والاكرام لأن الله تعالى كريمٌ يكرم الانسان وينظر اليه بعين العطف والعناية، و الكريم لا يُخاف بل يُحَبُّ ويطاع. وكل من في السماوات والارض مفتقِر إليه تعالى، محتاجٌ الى رحمته ونواله ولذلك يقول: {يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}. فهو يحيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويعطي ويمنع، ويغفر ويعاقب. قال عبد الله بن حنيف: تلا علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقلنا: يا رسول الله، وما ذلك الشأن؟ قال: ان يغفر ذنبا، ويفرّج كربا، ويرفع قوما ويضع آخرين. قراءات قرأ الجمهور: يخرُج بفتح الياء وضم الراء. وقرأ نافع وابو عمرو ويعقوب: يُخرَج بضم الياء وفتح الراء على البناء للمجهول. وقرأ الجمهور: المنشَئات بفتح الشين. وقرأ حمزة وابو بكر: المنشِئات بكسر الشين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلإِنسَانَ} {صَلْصَالٍ} (14) - لَقَدْ خَلَقَ اللهُ آدمَ أبَا البَشَرِ مِنْ طِينٍ يابِسٍ، لَهُ صَلْصَلةٌ إذا نُقِرَ بِاليَدِ. صَلْصَالٍ - طِينٍ يَابِسٍ يُسْمَعُ لَهُ صَلْصَلَةٌ.
الثعلبي
تفسير : {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ * وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ} وهو أب الجن، وقال الضحاك: هو إبليس، وقال أبو عبيدة: الجان واحد الجن {مِن مَّارِجٍ} لهب صاف وخالص لا دخان فيه. قال ابن عباس: هو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا لهبت. عكرمة: هو أحسنها. مجاهد: هو ما اختلط بعضه ببعض من اللهب الاحمر والاصفر والاخضر الذي يعلو النار إذا أُوقدت، وهو من قولهم: مرج القوم إذا اختطلوا، ومرجت عهودهم وأماناتهم. {مِّن نَّارٍ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} مشرق الصيف والشتاء {وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} مغرب الصيف والشتاء. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} {مَرَجَ} أرسل {ٱلْبَحْرَيْنِ} العذب والملح وخلاّهما وخلقهما {يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ} حاجز وحائل من قدرة الله وحكمته {لاَّ يَبْغِيَان} لا يختلطان ولا يتغيران ولا يبغي أحدهما على صاحبه، وقال قتادة: لا يبغيان على الناس بالغرق، وقال الحسن: (مرج البحرين) يعني بحر الروم وبحر الهند واسم الحاجز بينهما، وعن قتادة أيضاً: يعني بحر فارس والروم، (بينهما برزخ) وهو الجزائر، وقال مجاهد والضحاك: يعني بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام. {يَخْرُجُ} قرأ أهل المدينة وأبو عمرو ويعقوب بضم الياء وفتح الراء على غير تسمية الفاعل، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. الباقون على الضدّ. {مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ} أي من البحرين، قال أهل المعاني: إنّما يخرج من أحدهما وهو الملح دون العذب، ولكن هذا جائز في كلام العرب ان يذكر شيئاً ثم يخصّ أحدهما بفعل دون الآخر، كقول الله سبحانه: {أية : يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} تفسير : [الأنعام: 130] والرسل من الإنس دون الجن، قاله الكلبي. قال: وجعل القمر فيهن نوراً وإنما هو في واحدة منهما، وقال بعضهم يخرج من ماء السماء وماء البحر اللؤلؤ وهو أعظم من الدر، واحدتها لؤلؤة. {وَالمَرْجَانُ} وهو صغارها، وقال مرّة: المرجان جيّد اللؤلؤ، وروى السدّي عن أبي مالك أن المرجان الخرز الأحمر، وقال عطاء الخراساني هو البسذ، يدل عليه قول ابن مسعود: المرجان حجر، والذي حكينا من أن المراد بالبحرين القطر والبحر، وأن الكناية في قوله: (منهما) راجعة إليهما [وهو] قول الضحاك، ورواية عطية عن ابن عباس وليث عن مجاهد. وتصديقهم ما أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا علي بن محمد بن لؤلؤ قال: أخبرنا الهيثم بن خلف قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: حدّثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج قرأ {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} قال: إذا مطرت السماء فتحت الأصداف أفواهها، فحيث وقعت قطرة كانت لؤلؤة. ولقد ذكر لي أن نواة كانت في جوف صدف، فأصابت بعض النواة ولم يصب بعضها فكانت حيث القطرة من النواة لؤلؤة وسائرها نواة. وأخبرنا الحسين قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي بن عبدالله قال: قرأ أبي على أبي محمد بن الحسن بن علويه القطان من كتابه وأنا اسمع، قال: حدّثنا بعض أصحابنا قال: حدّثني رجل من أهل مصر يقال له: طسم قال: حدّثنا أبو حذيفة عن أبيه عن سفيان الثوري في قول الله سبحانه: {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} قال: فاطمة وعلي {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} قال: الحسن والحسين. وروي هذا القول أيضاً عن سعيد بن جبير، وقال: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ} محمد صلى الله عليه وسلم والله أعلم. وقال أهل الإشارة {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} أحدهما معرفة القلب والثاني معصية النفس، بينهما برزخ الرحمة والعصمة. {لاَّ يَبْغِيَانِ} لا تؤثر معصية النفس في معرفة القلب، وقال ابن عطاء: بين العبد وبين الرب بحران: أحدهما بحر النجاة، وهو القرآن من تعلق به نجا، والثاني بحر الهلاك وهو الدنيا من تمسك بها وركن إليها هلك، وقيل: بحرا الدنيا والعقبى، بينهما برزخ وهو القبر قال الله سبحانه: {أية : وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} تفسير : [المؤمنون: 100]. {لاَّ يَبْغِيَانِ} لا يحل أحدهما بالآخر، وقيل: بحرا العقل والهوى {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ} لطف الله تعالى. {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} التوفيق والعصمة، وقيل: بحر الحياة وبحر الوفاة، بينهما برزخ وهو الأجل، وقيل: بحر الحجة والشبهة، بينهما برزخ وهو النظر والاستدلال {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} الحق والصواب. {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَلَهُ ٱلْجَوَارِ} السفن الكبار {ٱلْمُنشَئَاتُ} كسر حمزة سينها، وهي رواية المفضل عن عاصم تعني المقبلات المبتديات اللاتي أنشأن بجريهن وسيرهن، وقرأ الآخرون بفتحه أي المخلوقات المرفوعات المسخّرات {فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} كقول الناس: (ما عليها أكرم من فلان) يعنون الأرض، وما بين لابتيها أفضل منه يريدون جُزئَي المدينة {فَانٍ} هالك، قال ابن عباس: لمّا أُنزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض فأنزل الله تعالى {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ} قراءة العامة بالواو، وقرأ عبد الله ذي الجلال بالياء نعت الربّ. أخبرني الحسين احمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن منصور الكناني قال: حدّثنا الحرث بن عبد الله قال: أخبرنا عبد الرَّحْمن بن عثمان الوقاصي، قال: حدّثنا محمد بن كعب القرظي قال: قال عبد الله بن سلام: بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن سلام إنّ الله عز وجل يقول: {ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} فأمّا الإكرام فقد عرفت فما الجلال؟ فقال: بأبي أنت إنّا نجد في الكتب أنّها الجنة المحيطة بالعرش. قال: فكم بينهما وبين الجنات التي يسكن الله عباده؟ قال: مدى سبعمائة سنة، قال: فنزل جبرئيل بتصديقه. وأخبرني الحسين قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا بن ماهان قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا حماد بن سلمة قال: حدّثنا سعيد الجزيري عمّن سمع اللجلاج يقول: سمعت معاذ بن جبل وكان له أخاً وصديقاً قال: سمعته يقول: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ برجل يصلّي وهو يقول: يا ذا الجلال والإكرام. فقال صلى الله عليه وسلم "قد استجيب لك" . تفسير : وأخبرني الحسين قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشر قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب المصيصي قال: حدّثنا هلال بن العلاء قال: حدّثنا أبو الجرار قال: حدّثنا عمار بن زريق عن الأعمش عن يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أَلِظوا ب (يا ذا الجلال والإكرام) ". تفسير : واخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن صقلاب قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب. قال: حدّثنا محمد بن يونس عن بسر بن عمر قال: حدّثنا وهيب بن خالد عن ابن عجلان عن سعيد المنقري قال: الحح رجل فقعد ينادي: يا ذا الجلال والإكرام. فنودي: إني قد سمعت فما حاجتك؟ {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} من ملك وإنس وجنّ وغيرهم لا غنى لأحد منهم منه قال ابن عباس: وأهل السماوات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونه الرزق والمغفرة. {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} قال مقاتل: أُنزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئاً، فأنزل الله سبحانه: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}. أخبرني أبو القاسم عبد الرَّحْمن بن محمد إبراهيم الحوضي قال: أخبرنا أبو أحمد عبد الله ابن عدي الحافظ قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن طويط أبو القاسم البزاز قال: حدّثنا إبراهيم ابن محمد بن يوسف الفريابي قال: حدّثنا عمر بن بكر قال: حدّثنا حارث بن عبيدة بن رياح الغسّاني عن أبيه عن عبدة بن أبي رياح عن مثبت بن عبد الله الأزدي عن أبيه عن عبد الله بن منيب قال: حديث : تلا علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ} فقلنا: يا رسول الله وما ذاك الشأن؟ قال: "يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين" . تفسير : وحدّثنا أبو بكر محمد بن احمد بن عبدوس إملاءً قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد ابن يحيى البزاز، قال: حدّثنا يحيى بن الربيع المكي قال: حدّثنا سفيان بن عيينة قال: حدّثنا أبو حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن ممّاخلق الله سبحانه وتعالى لوحاً من درّة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله سبحانه فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء، فذلك قوله سبحانه {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}. وقال مجاهد وعبيدة بن عمير: من شأنه أن يجيب داعياً ويعطي سائلا ويفكّ غائباً ويشفي سقيماً ويغفر ذنباً ويتوب على قوم، وقال سفيان بن عيينة: الدهر كله عند الله سبحانه يومان: أحدهما مدة أيام الدنيا والآخر يوم القيامة، والشأن الذي هو فيه اليوم الذي هو مدة الدنيا، الاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأن يوم القيامة الجزاء والحساب والثواب والعقاب، وقال الحسين بن الفضل هو سوق المقادير إلى المواقيت. ويقال: شأنه سبحانه أنّهُ يخرج في كل يوم وليلة ثلاثة عساكر: عسكراً من أصلاب الآباء إلى الأرحام، وعسكراً من الأرحام إلى الدنيا، وعسكراً من الدنيا إلى القبور، ثم يرحلون جميعاً إلى الله سبحانه، وقال الربيع بن أنس: يخلق خلقاً ويميت آخرين ويرزقهم ويكلؤهم. سويد بن جبلة الفراري: يعتق رقاباً ويقحم عقاباً ويعطي رغاباً، وقال بعضهم: هو الجمع والتفريق. أبو سليمان الداراني: هو إيصاله المنافع إليك، ودفعه المضار عنك. فلم نغفل عن طاعة من لا يغفل عنا؟ وقال أيضاً: في هذه الآية كل يوم له إلى العبيد برّ جديد. ويحكى أن بعض الأمراء سأل وزيره عن معنى هذه الآية فلم يعرفه واستمهله إلى الغد، فرجع الوزير إلى داره كئيباً، فقال له غلام أسود من غلمانه: يا مولاي ما أصابك؟ فزجره. فقال: يا مولاي، أخبرني، فلعلّ الله سبحانه يسهّل لك الفرج على يديّ، فأخبره بذلك فقال له: عد إلى الأمير وقل له: إن لي غلاماً أسود إن أذنت له فسّر لك هذه الآية، ففعل ذلك ودعا الأمير الغلام وسأله عن ذلك فقال: أيها الأمير شأن الله هو انه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الميت من الحي يخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافىً، ويعافي مبتلىً، ويعز ذليلا، ويذل عزيزاً، ويفقر غنياً ويغني فقيراً. فقال الأمير: أحسنت يا غلام، قد فرّجت عني. ثم أمر الوزير بخلع ثياب الوزارة وكساها الغلام، فقال: يا مولاي، هذا شأن الله عز وجل. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} قال الإِمام زيد بن علي عليهما السلام: الصِّلصالُ: الطِّينُ اليابسُ الذي لم يُطبخْ وإذا طُبخْ فهو فَخارٌ. والمَارجُ: الخالطُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ * وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} [الرحمن: 14-15]، خلق القوة الإنسانية من العناصر السفلية المتأثرة بالعناصر العلوية، وخلق القوة الجنية من العناصر العلوية المكتسبة بسبب الهوى ألوان العناصر السفلية، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 16]؛ يعني: أيتها القوتان أبنعمة استعداد قبول الأثر من العناصر العلوية، أم بنعمة قوة الاكتساب من العناصر السفلية تكذبان؟ {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن: 17]؛ يعني: رب مشرق شمس النبوة ومشرق قمر الولاية في العالم الجسماني، ورب مغرب شمس النبوة ومغرب قمر الولاية في العلم الروحاني، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 18]؛ يعني: أبنعمة إشراقها لأجل الكسب، أم بنعمة إغرابها لأجل الاستراحة تكذبان أيتها القوتان؟ {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ *بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} [الرحمن: 19-20]؛ يعني: مرج البحرين: الروحاني، والجسماني {يَلْتَقِيَانِ *بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ} [الرحمن:19-20] الإنسان؛ أي: حاجز يمنعهما أن يتغيرا؛ يعني: إن لم يكن حاجز القلب بين القوى العلوية والسفلية لتغير مزاج القوى النورانية العلوية من دخان القوى الظلمانية السفلية، ويصل أيضاً حاصبات القوى السفلية من غلبات أنوار القوى العلوية؛ لأن القوى السفلية ضعيفة عاجزة عن حمل الأنوار العلوية إن لم يكن بينهما واسطة اللطف من القوى السفلية وأكثر من القوى العلوية، كما أن - القصرون - ألين من العظم وأخشن من اللحم، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 21] أيتها القوتان، أبنعمة مرج البحرين، أم بنعمة الحاجز الذي إن لم يكن هو بطل ومتغير استعدادكما تكذبان؟ {يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ} [الرحمن: 22]؛ يعني: من البحر العلوي يخرج لؤلؤ أنوار الأسرار السري، ومن البحر السفلي يخرج مرجان نيران العشق القلبي، {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 23] أيتها القوتان تكذبان؟ {وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} [الرحمن: 24]؛ يعني: له بيض الخواطر المسخرة في بحر الإنسان الذي فيه البحران يلتقيان، {كَٱلأَعْلاَمِ} [الرحمن: 24]؛ ليقطع بعلامتها ويميز الخاطر العلوي من السفلي وإلا شيء من الجني، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 25]، أفبنعمة تسخير السفن، أم بنعمة الأعلام أيها القوتان تكذبان؟
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا من نعمه تعالى على عباده، حيث أراهم [من] آثار قدرته وبديع صنعته، أن { خَلَقَ } أبا الإنس وهو آدم عليه السلام { مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ } أي: من طين مبلول، قد أحكم بله وأتقن، حتى جف، فصار له صلصلة وصوت يشبه صوت الفخار الذي طبخ على النار. { وَخَلَقَ الْجَانَّ } أي: أبا الجن، وهو إبليس اللعين { مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ } أي: من لهب النار الصافي، أو الذي قد خالطه الدخان، وهذا يدل على شرف عنصر الآدمي المخلوق من الطين والتراب، الذي هو محل الرزانة والثقل والمنافع، بخلاف عنصر الجان وهو النار، التي هي محل الخفة والطيش والشر والفساد. ولما بين خلق الثقلين ومادة ذلك وكان ذلك منة منه [تعالى] على عباده قال: { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }.
همام الصنعاني
تفسير : 3082- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {مِن صَلْصَالٍ}: [الآية: 14]، قال: مِنْ طينٍ له صلصلة، وكَانَ يَابِساً، خُلِقَ الإنسانُ منه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):