٥٥ - ٱلرَّحْمَٰن
55 - Ar-Rahman (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه وجوه أولها مشرق الشمس والقمر ومغربهما، والبيان حينئذ في حكم إعادة ما سبق مع زيادة، لأنه تعالى لما قال: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } تفسير : [الرحمٰن: 5] دل على أن لهما مشرقين ومغربين، ولما ذكر: {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } تفسير : [الرحمٰن: 3، 4] دل على أنه مخلوق من شيء فبين أنه الصلصال الثاني: مشرق الشتاء ومشرق الصيف فإن قيل: ما الحكمة في اختصاصهما مع أن كل يوم من ستة أشهر للشمس مشرق ومغرب يخالف بعضها البعض؟ نقول: غاية انحطاط الشمس في الشتاء وغاية ارتفاعها في الصيف والإشارة إلى الطرفين تتناول ما بينهما فهو كما يقول القائل في وصف ملك عظيم له المشرق والمغرب ويفهم أن له ما بينهما أيضاً الثالث: التثنية إشارة إلى النوعين الحاصرين كما بينا أن كل شيء فإنه ينحصر في قسمين فكأنه قال: رب مشرق الشمس ومشرق غيرها فهما مشرقان فتناول الكل، أو يقال: مشرق الشمس والقمر وما يغرض إليهما العاقل من مشرق غيرهما فهو تثنية في معنى الجمع.
المحلي و السيوطي
تفسير : {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ } مشرق الشتاء ومشرق الصيف {وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ } كذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْمَشْرِقَيْنِ} مشرقي الشمس في الشتاء والصيف ومغربيها فيهما "ع"، أو مشرقي الشمس والقمر ومغربيهما، أو مشرقي الفجر والشمس ومغربي الشمس والشفق.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ}[17] قال: باطنها مشرق القلب ومغربه ومشرق اللسان ومغربه، ومشرق توحيده ومغربه مشاهدته. وقال تعالى: {أية : بِرَبِّ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ} تفسير : [المعارج:40] أي مشارق الجوارح بالإخلاص، ومغاربها بالطاعة للناس ظاهراً وباطناً.
السلمي
تفسير : مشرق القلب ومغربه ومشرق اللسان ومغربه. قال بعضهم: مشرقه توحيده مغربه مشاهدته ورب المشارق الجوارح المستعملة بالإخلاص ومغاربها الطاعة لله بالسنة.
البقلي
تفسير : مشرقة ازله ومغربه ابده ومشرقه ذاته ومغربه صفاته وايضا مشرقه فعله ومغربه امره وايضا المشرقين السر والروح والمغربين القلب والعقل يطلع منها شموس الذات واقمار الصفات الى عالم العقول والقلوب فاذا ذهب اوان التجلى استنرت تلك الشموس والاقمار من العقول والقلوب فصار القلوب والعقول مغاربها والاسرار والارواح مشارقها وايضا المشرقين هما الذات والصفات والمغربين الامر والافعال وايضا المشرقين النعوت والاسامى والمغربين الذات والصفات له سبحانه فى كل ذرة أثار هذه المشارق والمغارب قال سهل مشرق القلب ومغربه ومشرق اللسان ومغربه وقال بعضهم مشرقه توحيده مغربه مشاهدته.
اسماعيل حقي
تفسير : {رب المشرقين ورب المغربين} خبر متبدأ محذوف اى الذى فعل ماذكر من الافاعيل البديعة رب مشرقى الصيف والشتاء ومغربيهما ومن قضيته ان يكون رب بينهما من الموجودات قاطبة يعنى ان ذكر غاية ارتفاعهما وغاية احطاطهما اشارة الى ان الطرفين يتناولان مابينهما كما اذا قلت فى وصف ملك عظيم له المشرق والمغرب فانه يفهم منه ان له مابينهما ايضا، قال فى كشف الاسرار احد المشرقين هو الذى تطلع منه الشمس فى اطول يوم من السنة والثانى الذى تطلع منه فى اقصر يوم وبينهما مائة وثمانون مشرقا وكذا الكلام فى المغربين وقيل احد المشرقين للشمس والثانى للقمر وكذا المغربان واما قول عبد الله بن عمر رضى الله عنهما مابين المشرق والمغرب قبلة يعنى لاهل المشرق وهو أن تجعل مغرب الصيف على يمينك ومشرق الشتاء على يسارك فتكون مستقبل القبلة
اطفيش
تفسير : {رَبُّ المَشْرِقَيْنِ} مشرق الصيف وهو غاية ارتفاع الشمس ومشرق الشتاء وهو غاية انحطاط الشمس {وَرَبُّ المَغْرِبَيْنِ} مغرب الصيف ومغرب الشتاء وقيل: مغرب الشمس ومغرب القمر واضافهما لنفسه تشريفا لهما وقيل: المراد ما بينهما ورب خبر لمحذوف أي هو رب المشرقين وقرىء بالجر بدلا من ربكما.
اطفيش
تفسير : {رَبُّ} هو رب وقيل مبتدأ خبره مرج البحرين، والصحيح الأَول. {المَشْرِقَيْنِ} مشرق الشمس صيفا ومشرقها شتاء {وَرَبُّ المَغْرِبَيْنِ} مغربها صيفا ومغربها شتاء، وذلك مذهب الجمهور وابن عباس، وقال مجاهد وعكرمة: المشرقان مشرق الشتاء ومشرق الصيف، والمغربان مغرب الشتاء ومغرب الصيف. وقيل المشرقان مشرق الشمس والقمر، والمغربان مغرباهما. وعن ابن عباس المشرقان مشرق الفجر ومشرق الشفق من جهة القبلة، ويقرب منه ما قيل هما مطلع الفجر ومطلع الشمس والمغربان مغرب الشمس ومغرب الشفق، والمشرق والمغرب فى هذه السورة كلها اسما مكان، ويجوز أنهما اسما زمان وأنهما مصدران وناسب أن أذكر هنا أن المغرب الأَدنى مارد القيروان أو تونس إِلى طرابلس وتونس والأَوسط ماردت إِحداهما إِلى ما فوق أعمال تلمسان والأَقصى ما فوق ذلك، قيل سمى أقصى لأَنه أبعد الممالك الثلاث عن دار الخلافة فى صدر الإِسلام، قيل: وحد الأقصى من جهة المغرب البحر المحيط، ومن جهة المشرق وادى ماوية مع جبال تازا، ومن جهة الشمال البحر الرومى ومن جهة الجنوب جبل درن. قاله ابن خلدون، ومن الأَوسط الجزائر جزائر بنى مزغنة أخذها فرنسة سنة ست وأربعين ومائتين وألف وفى تقسيم فرنجة فرنسة وسائر الإفرنج أن المغرب الأَقصى عمالة فاس وعمالة مراكش وعمالة سوس وعمالة درعة وعمالة تفيلالت.
الالوسي
تفسير : خبر مبتدأ محذوف أي هو رب الخ، أو الذي فعل ما ذكر من الأفاعيل البديعة رب مشرقي الشمس صيفاً وشتاءاً ومغربيها كذلك على ما أخرجه جماعة عن ابن عباس، وروي عن مجاهد وقتادة وعكرمة أن {ٱلْمَشْرِقَيْنِ } مشرقا الشتاء ومشرق الصيف، و {ٱلْمَغْرِبَيْنِ } مغرب الشتاء ومغرب الصيف بدون ذكر الشمس، وقيل: المشرقان مشرقا الشمس والقمر، والمغربان مغرباهما. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس أن {ٱلْمَشْرِقَيْنِ } مشرق الفجر ومشرق الشفق، و {ٱلْمَغْرِبَيْنِ } مغرب الشمس ومغرب الشفق، وحكى أبو حيان في المغربين نحو هذا، وفي المشرقين أنهما مطلع الفجر ومطلع الشمس والمعول ما عليه الأكثرون من مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما، ومن قضية ذلك أن يكون سبحانه رب ما بينهما من الموجودات، وقيل: {رَبّ } مبتدأ والخبر قوله تعالى: { أية : مَرَجَ } تفسير : [الرحمن: 19] الخ، وليس بذاك. وقرأ أبو حيوة وابن أبـي عبلة {رَبّ } بالجر على أنه بدل من {أية : رَبّكُمَا}تفسير : [الرحمن: 16].
ابن عاشور
تفسير : استنئاف ابتدائي فيه بيان لجملة {أية : الشمس والقمر بحسبان}تفسير : [الرحمٰن: 5] وعطف {ورب المغربين} لأجل ما ذكرته آنفاً من مراعاة المزاوجة. وحذف المسند إليه على الطريقة التي سماها السكاكي باتباع الاستعمال الوارد على تركه أو ترك نظائره وتقدم غير مرة. والمشرق: جهة شروق الشمس، والمغرب: جهة غروبها. وتثنية المشرقين والمغربين باعتبار أن الشمس تطلع في فصلي الشتاء والربيع من سمت وفي فصلي الصيف والخريف من سمت آخر وبمراعاة وقت الطول ووقت القصر وكذلك غروبها وهي فيما بين هذين المشرقين والمغربين ينتقل طلوعها وغروبها في درجات متقاربة فقد يعتبر ذلك فيقال: المشارق والمغارب كما في قوله تعالى: {أية : فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنّا لقادرون} تفسير : في سورة المعارج (40). ومن زعم أن تثنية المشرقين لمراعاة مشرق الشمس والقمر وكذلك تثنية المغربين لم يغص على معنى كبير. وعلى ما فسّر به الجمهور {المشرقين} و{المغربين} بمشرقي الشمس ومغربيها فالمراد بــــ {المشرقين} النصف الشرقي من الأرض، وبــــ {المغربين} النصف الغربي منها. وربوبية الله تعالى للمشرقين والمغربين بمعنى الخلق والتصرف.
الشنقيطي
تفسير : قد أوضحنا الكلام عليه في أول الصافات في الكلام على قوله تعالى: {أية : رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ}تفسير : [الصافات: 5].
د. أسعد حومد
تفسير : (17) - رَبُّ مَشْرِقَي الشَّمْسِ اللَذَينِ تَبْزُغُ مِنْهُما في الصَّيْفِ والشِّتَاءِ، وَرَبُّ مَغْرِبَيْهَا اللذَيْنِ تَغْرُبُ فِيهِمَا في الصَّيْفِ والشِّتَاءِ. وَيَتَرَتَّبُ عَلى تَحوُّلِ الشَّمْسِ بَيْنَ هذِينِ المَشْرِقَيْنِ وَهذَينِ المَغْرِبَيْنِ تَقَلُّبُ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ، وَمَا يَكُونُ لِذَلِكَ مِنْ أَثَرٍ عَلَى مُنَاخِ الأرْضِ.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} قال: مشرق الشمس في الشتاءِ، ومشرقها في الصيف. {وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} [الآية: 17]. قال: مغرب الشمس في الشتاءِ ومغربها في الصيف. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لاَّ يَبْغِيَانِ} [الآية: 20]: لا يختلطان. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا إِسرائيل عن جابر الجعفي، عن عبد الله بن يحيى، عن علي بن أَبي طالب، عليه السلام، قال: {الُّلؤْلُؤُ}: الصغار منه {وَالمَرْجَانُ} [الآية: 22]: العظام. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {ٱلْمُنشَئَاتُ} [الآية: 24]: ما قد رفع قلعه من السفن، فأَما ما لم يرفع قلعه فليس بمنشأٍ، يعني: شراعه.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} معناه مَشرقُ الشِّتاءِ، ومَشرقُ الصَّيفِ. و: {أية : بِرَبِّ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ} تفسير : [المعارج: 40] معناه مَشرقُ كُلِّ يومٍ ومَغربُ كُلَّ يومٍ.
الجيلاني
تفسير : وكيف يليق بشأنه سبحانه الإنكار والتكذيب، مع أنه سبحانه {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} أي: مشرقي الظهور والبروز من عالم العماء واللاهوت إلى فضاء الأوصاف والأسماء المسمى: بالغيب والأعيان الثابتة، ثمَّ منها إلى عالم الشهادة في السير الهابط {وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن: 17] أي: مغربي الخفاء والبطون عن عالم الناسوت إلى برزخ الأعيان الثابتة، ثمَّ عنها إلى عالم اللاهوت في السير الصاعد؛ إذ يتوالد دائماً على شمس الحقيقة والحقية الذاتية، باعتبار تجلياتها حسب أسمائها وصفاتها، شروق وأفول، وطروق طلوع وغروب؟! وبالجملة: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 18] أيها المظهران الكاملان المجبولان على فطرة الشعور والعرفان. ومن أنى يتأتى التكذيب في شأ،ه سبحانه؛ إذ هو بمقتضى قدرته {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} أي: أرسل وأطلق بحر الوجود والعدم إلى حيث {يَلْتَقِيَانِ} [الرحمن: 19] أي: يتمازجان ويختلطان، بحيث لا يتمايزان عند المحجوب الفاقد عن الكشف والشهود؟! ويبقى {بَيْنَهُمَا} عنايةً منه سبحانه {بَرْزَخٌ} هو الإنسان الكامل المنكشف بكيفية انبساط بحر الوجود العذب على بحر العدم المالح، وامتداده عليه وانطباق سطوحهما، بحيث لا يتمايزان عند المحجوب الفاقد عين العبرة، وبصر البصيرة، وجعل سبحانه برزخ الإنسان الكامل على مقتضى الحكمة المعتدلة، بحيث {لاَّ يَبْغِيَانِ} [الرحمن: 20] أي: لا يبغي ويغلب كلّ من يجري الوجود والعدم على صاحبه في مرتبته ونشأته، حتى يبطل حكمة الظهور والبطون، والجلاء والخفاء، والإلوهية والعبودية، وسائر المتقابلات المترتبة على الشئون الإلهية المتفرعة على الأسماء الذاتية. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 21] أيها المكلفان الذاتية. وكيف لا تعتبران، ولا تشركان نعمه، مع أنه {يَخْرُجُ} حسب عنايته الآزلية {مِنْهُمَا} أي: من البحرين المذكورين {ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] أي: يخرج لكما أيها الثقلان المجبولان على فطرة الإيمان، من امتزاج البحرين المذكورين، لآلئ المعارف والحقائق، ومرجان الشهود والإيقان؟! {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 23] أيها الممنونان المغموران، المستغرقان في موائد كرمه. {وَلَهُ} سبحانه تفضلاً على عباده وامتناناً لهم {ٱلْجَوَارِ} أي: سفن الملل والأديان المنزلة من عنده سبحانه على عموم الرسل والأنبياء ليرشدوا بها أممهم إلى طريق التوحيد والعرفان {ٱلْمُنشَئَاتُ} المصنوعات المستحدثات {فِي ٱلْبَحْرِ} أي: بحر الوجود {كَٱلأَعْلاَمِ} [الرحمن: 24] أي: كالرواسي العظام التي يعلم ويشار بها للتائهين في بيداتء الوجود، الضالين في صحراء الجحود، إلى جادة اليقين والعيان. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 25] أيها المكلفان. وبالجلمة: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا} أي: على أرض القوابل والهيولى من التعينات المستتبعة لأنواع الإضافات، الحاصلة من تموجت بحر الوجود وتجلياته بمقتضى الكرم والجود، إنما هو {فَانٍ} [الرحمن: 26] لا وجود، ولا تحقق لها في ذواتها أصلاً، سوى أنها انبسط عليها أظلال الأسماء والصفات الإلهية. {وَ} بعد فناء نقوش الأمواج والأظلال بأسرها {يَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل بمقتضى صرافة وحدته، مستغنياً في ذاته عن عموم مظاهره ومخلوقاته؛ إذ هو سبحانه {ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} [الرحمن: 27] لا يشارك في وجوده، ولا ينازع في سلطانه، فمآل الكل إليه، كما أن مبدأه منه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. وإذ كان شأنه سبحانه هذا {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 28] أيها الأضلال الهلكى. وبالجملة: {يَسْأَلُهُ} ويستمد منه في كل زمان وآن، ويستظل تحت ظل جود وجوده كلُّ {مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} من فواعل المظاهر وقوابلها؛ إذ {كُلَّ يَوْمٍ} وآن {هُوَ} سبحانه {فِي شَأْنٍ} الرحمن: 29] لا يسبقه شأن، ولا يلحقه شأن مثله، فكلّ من المظاهر الإلهية في كل آن وطرفة في خلع صورة، ولبس أخرى حسب شئون الحق، وسرعة نفوذ قضائه. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 30] ايها المجبولان على فطرة الدراية والشعور. ثمَّ لما عدَّ سبحانه على عموم المكلفين نبذاً من نعمه العظام، على سبيل التنبيه والامتنان، أراد ، يشير إليه، ويبينه عليهم بالقيام على أداء حقوقها، ومواظبة شكرها؛ لئلا يغفلوا من الله، ولا يستحيوا عند الحساب في يوم الحشر والجزاء، فقال: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} نتجرد ونخلو لحسابكم، وتنقيد أعمالكم وجزائكم على مقتضاها {أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ} [الرحمن: 31] المثقلان بشكر نعمنا، وأداء حقوق كرمنا، ومتى سألناكما عن أعمالكما. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 32] وتنكران، مع أنَّا ما خفي علينا شيء من أعمالكم مطلقاً، لام من كفرانكم وعصيانكم، ولا من شكركم وإيمانكم. ثمَّ قال سبحاه منادياً لهم على وجه التوعيد والتوبيخ والتهديد: {يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ} المجبولين على فطرة التكليف بمقتضى الحكمة البالغة، عليكم أن تنقادوا وتطيعوا بعموم ما كلفتم به، والمثمر لحكمة المعرفة واليقين، إلاَّ {إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ} وقدرتهم {أَن تَنفُذُواْ} وتخرجوا فارين عن مقتضيات قهرنا وغضبنا {مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: من جهة العلويات والسفليات {فَٱنفُذُواْ} واخرجوا، مع أنكم {لاَ تَنفُذُونَ} ولا تقدرون على الخروج {إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: 33] أي: بقدرة واقتدار موهوبة لكم من قِبَل ربكم؛ إذ لا يصدر منكم مطلق الأفعال الحركات إلاَّ بإقدار وتمكينه سبحانه. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 34]. وكيف تنفذون وتفرون من حيطة قدرته وجلاله؛ إذ {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا} في النشأة الأخرى جزاءً لأعمالكم {شُوَاظٌ} لهب مشتعل {مِّن نَّارٍ} موقدة مسعرة {وَنُحَاسٌ} أي: دخان مظلم حاصل منها، وبالجملة: {فَلاَ تَنتَصِرَانِ} [الرحمن: 35] ولا تمتنعان عنهما، ولا تدفعانهما بحولكما إلاَّ بعناية ناشئة من الله، وفضل يدرككم من لدنه. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 36] وعليكم أن تشركوا آلاء الله، وتواظبوا على أداء حقوق نعمائه قبل حلول يوم الجزاء وبعده يوم الحشر. {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ} واندكت الأرض من خشية الله، ورهبته {فَكَانَتْ} السماء من كمال غضب الله {وَرْدَةً} حمراء مذبة {كَٱلدِّهَانِ} [الرحمن: 37] أي: تذوب كالدهن المذاب من شدة الخشية الإلهية، فلا يمكنكم حينئذ التدارك والتلافي. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 38] حيث يخبركم بالتهيئة والتدارك قبل حلول الساعة. بل {فَيَوْمَئِذٍ} أي: حين انشقاق السماء {لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} [الرحمن: 39] أي: لا يُسأل حينئذ لا عن ذنب الإنس ولا على ذنب الجان، ولا يتلفت إلى أعمالهما وأفعالهما، بل يبعثون من قبورهم، ويساقون نحو المحشر حيارى تائهئين للحساب والجزاء، فاعتنى سبحانه بشأنكم، ونبهكم على إعداد الزاد قبل يوم المعاد. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 40] وكيف لا تعتادون، ولا تتزودون ليومكم هذا؟!
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: هو تعالى رب كل ما أشرقت عليه الشمس والقمر، والكواكب النيرة، وكل ما غربت عليه، [وكل ما كانا فيه] فهي تحت تدبيره وربوبيته، وثناهما هنا لإرادة العموم مشرقي الشمس شتاء وصيفا، ومغربها كذلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):