Verse. 4932 (AR)

٥٥ - ٱلرَّحْمَٰن

55 - Ar-Rahman (AR)

سَنَفْرُغُ لَكُمْ اَيُّہَا الثَّقَلٰنِ۝۳۱ۚ
Sanafrughu lakum ayyuha alththaqalani

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«سنفرغ لكم» سنقصد لحسابكم «أيها الثقلان» الإنس والجن.

31

Tafseer

الرازي

تفسير : ولنذكر أولاً ما قيل فيه تبركاً بأقوال المشايخ ثم نحققه بالبيان الشافي فنقول: اختلف المفسرون فيه وأكثرهم على أن المراد سنقصدكم بالفعل، وقال بعضهم: خرج ذلك مخرج التهديد على ما هي عادة استعمال الناس فإن السيد يقول لعبده عند الغضب: سأفرغ لك، وقد يكون السيد فارغاً جالساً لا يمنعه شغل، وأما التحقيق فيه، فنقول: عدم الفراغ عبارة عن أن يكون الفاعل في فعل لا يمكنه معه إيجاد فعل آخر فإن من يخيط يقول: ما أنا بفارغ للكتابة، لكن عدم الفراغ قد يكون لكون أحد الفعلين مانعاً للفاعل من الفعل الآخر، يقال: هو مشغول بكذا عن كذا كما في قول القائل: أنا مشغول بالخياطة عن الكتابة، وقد يكون عدم الفراغ لكون الفعل مانعاً من الفعل لا لكونه مانعاً من الفاعل كالذي يحرك جسماً في زمان لا يمكن تسكينه في ذلك الزمان فهو ليس بفارغ للتسكين، ولكن لا يقال في مثل هذا الوقت أنا مشغول بالتحريك عن التسكين، فإن في مثل هذا الموضع لو كان غير مشغول به بل كان في نفس المحل حركة لا بفعل ذلك الفاعل لا يمكنه التسكين فليس امتناعه منه إلا لاستحالته بالتحريك، وفي الصورة الأولى لولا اشتغاله بالخياطة لتمكن من الكتابة، إذا عرفت هذا صار عدم الفراغ قسمين أحدهما: بشغل والآخر ليس بشغل، فنقول: إذا كان الله تعالى باختياره أوجد الإنسان وأبقاه مدة أرادها بمحض القدرة والإرادة لا يمكن مع هذا إعدامه، فهو في فعل لا يمنع الفاعل لكن يمنع الفعل ومثل هذا بينا أنه ليس بفراغ، وإن كان له شغل، فإذا أوجد ما أراد أولاً ثم بعد ذلك أمكن الإعدام والزيادة في آنه فيتحقق الفراغ لكن لما كان للإنسان مشاهدة مقتصرة على أفعال نفسه وأفعال أبناء جنسه وعدم الفراغ منهم بسبب الشغل يظن أن الله تعالى فارغ فحمل الخلق عليه أنه ليس بفارغ، فيلزم منه الفعل وهو لا يشغله شأن عن شأن يلزمه حمل اللفظ على غير معناه، واعلم أن هذا ليس قولاً آخر غير قول المشايخ، بل هو بيان لقولهم: سنقصدكم، غير أن هذا مبين، والحمد لله على أن هدانا للبيان من غير خروج عن قول أرباب اللسان. واعلم أن أصل الفراغ بمعنى الخلو، لكن ذلك إن كان في المكان فيتسع ليتمكن آخر، وإن كان في الزمان فيتسع للفعل، فالأصل أن زمان الفاعل فارغ عن فعله وغير فارغ لكن المكان مرئي بالخلو فيه، فيطلق الفراغ على خلو المكان في الظرف الفلاني والزمان غير مرئي، فلا يرى خلوه. ويقال: فلان في زمان كذا فارغ لأن فلاناً هو المرئي لا الزمان والأصل أن هذا الزمان من أزمنة فلان فارغ فيمكنه وصفه للفعل فيه، وقوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ } استعمال على ملاحظة الأصل، لأن المكان إذا خلا يقال: لكذا ولا يقال: إلى كذا فكذلك الزمان لكن لما نقل إلى الفاعل وقيل: الفاعل على فراغ وهو عند الفراغ يقصد إلى شيء آخر قيل في الفاعل: فرغ من كذا إلى كذا، وفي الظرف يقال: فرغ من كذا لكذا فقال لكم على ملاحظة الأصل، وهو يقوي ما ذكرنا أن المانع ليس بالنسبة إلى الفعل بل بالنسبة إلى الفعل. وأما {أَيُّهَ } فنقول: الحكمة في نداء المبهم والإتيان بالوصف بعده هي أن المنادي يريد صون كلامه عن الضياع، فيقول أولاً: يا أي نداء لمبهم ليقبل عليه كل من يسمع ويتنبه لكلامه من يقصده، ثم عند إقبال السامعين يخصص المقصود فيقول: الرجل والتزم فيه أمران أحدهما: الوصف بالمعرف باللام أو باسم الإشارة، فتقول: يا أيها الرجل أو يا أيهذا لا الأعرف منه وهو العلم، لأن بين المبهم الواقع على كل جنس والعلم المميز عن كل شخص تباعداً وثانيهما: توسط (هاء) التنبيه بينه وبين الوصف لأن الأصل في أي الإضافة لما أنه في غاية الإبهام فيحتاج إلى التمييز، وأصل التمييز على ما بينا الإضافة، فوسط بينهما لتعويضه عن الإضافة، والتزم أيضاً حذف لام التعريف عند زوال أي فلا تقول: يا الرجل لأن في ذلك تطويلاً من غير فائدة، فإنك لا تفيد باللام التنبيه الذي ذكرنا، فقولك: يا رجل مفيد فلا حاجة إلى اللام فهو يوجب إسقاط اللام عند الإضافة المعنوية، فإنها لما أفادت التعريف كان إثبات اللام تطويلاً من غير فائدة لكونه جمعاً بين المعرفين، وقوله تعالى: {ٱلثَّقَلاَنِ } المشهور أن المراد الجن والإنس وفيه وجوه أحدها: أنهما سميا بذلك لكونهما مثقلين بالذنوب ثانيهما: سميا بذلك لكونهما ثقيلين على وجه الأرض فإن التراب وإن لطف في الخلق ليتم خلق آدم لكنه لم يخرج عن كونه ثقيلاً، وأما النار فلما ولد فيها خلق الجن كثفت يسيراً، فكما أن التراب لطف يسيراً فكذلك النار صارت ثقيلة، فهما ثقلان فسميا بذلك ثالثها: الثقيل أحدهما: لا غير وسمي الآخر به للمجاورة والاصطحاب كمايقال: العمران والقمران وأحدهما عمر وقمر، أو يحتمل أن يكون المراد العموم بالنوعين الحاصرين، تقول: يا أيها الثقل الذي هو كذا، والثقل الذي ليس كذا، والثقل الأمر العظيم. قال عليه السلام: «حديث : إني تارك فيكم الثقلين».

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ} يقال: فَرَغت من الشغل أفرغُ فُروغاً وفَرَاغاً وتفرّغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلته. والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه، إنما المعنى سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، وهذا وعيد وتهديد لهم كما يقول القائل لمن يريد تهديده: إذاً أتفرغ لك أي أقصدك. وفرغ بمعنى قصد؛ وأنشد ٱبن الأنباري في مثل هذا لجرير:شعر : ألاَن وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ فهذا حينَ كُنْتُ لها عَذابَا تفسير : يريد وقد قصدت. وقال أيضاً وأنشده النحاس:شعر : * فَرَغْـتُ إلـى العَبْـدِ المقَيَّدِ فـي الحِجْـلِ تفسير : وفي الحديث: حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما بايع الأنصار ليلة العقبة، صاح الشيطان: يا أهل الجُبَاجب! هذا مُذَمَّم يبايع بني قَيْلة على حربكم؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«هذا إِزْبُ العَقَبة أَمَا والله يا عدوّ الله لأتفرغن لك» تفسير : أي أقصد إلى إبطال أمرك. وهذا ٱختيار القتبي والكسائي وغيرهما. وقيل: إن الله تعالى وعد على التقوى وأوعد على الفجور، ثم قال: «سَنَفْرُغُ لَكُمْ» مما وعدناكم ونوصل كُلاًّ إلى ما وعدناه؛ أي أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن ومقاتل وٱبن زيد. وقرأ عبد الله وأبيّ «سَنَفْرُغُ إِلَيْكُمْ» وقرأ الأعمش وإبراهيم «سَيُفْرَغُ لَكُمْ» بضم الياء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله. وقرأ ٱبن شهاب والأعرج «سَنَفْرَغُ لَكُمْ» بفتح النون والراء؛ قال الكسائي: هي لغة تميم يقولون فَرِغَ يَفرَغ، وحكي أيضاً فَرَغَ يَفرَغ ورواهما هُبيرة عن حفص عن عاصم. وروى الجُعْفي عن أبي عمرو «سَيَفْرَغُ» بفتح الياء والراء، ورويت عن ٱبن هُرْمز. وروي عن عيسى الثّقفي «سَنِفْرَغُ لَكُمْ» بكسر النون وفتح الراء، وقرأ حمزة والكسائي «سَيَفْرُغُ لَكُمْ» بالياء. الباقون بالنون وهي لغة تهامة. والثَّقلان الجنّ والإنس؛ سُمّيا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف. وقيل: سمّوا بذلك لأنهم ثقل على الأرض أحياءً وأمواتاً؛ قال الله تعالى: {أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} تفسير : [الزلزلة:2] ومنه قولهم: أعطه ثقله أي وزنه. وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قدر ووزن يُنافَسُ فيه فهو ثقل. ومنه قيل لبيض النعام ثقل؛ لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به. وقال جعفر الصادق: سمّيا ثقلين؛ لأنهما مثقلان بالذنوب. وقال: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} فجمع، ثم قال: {أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ} لأنهما فريقان وكل فريق جمع، وكذا قوله تعالى: {يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ} ولم يقل إن ٱستطعتما؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} تفسير : [النمل:45] و{أية : هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} تفسير : [الحج:19] ولو قال: سنفرغ لكما، وقال إن ٱستطعتما لجاز. وقرأ أهل الشام «أَيُّهُ الثَّقَلانِ» بضم الهاء. الباقون بفتحها وقد تقدّم. مسألة: هذه السورة و«الأَحْقَاف» و{قُلْ أُوحِيَ} دليل على أنّ الجنّ مخاطبون مكلَّفون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنُهم كمؤمنهم، وكافرُهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك. قوله تعالى: {يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ} الآية. ذكر ٱبن المبارك: وأخبرنا جويبر عن الضحاك قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت بأهلها، فتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الربّ، فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يأمر الله السماء التي تليها كذلك فينزلون فيكونون صفًّا من خلف ذلك الصف، ثم السماء الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة؛ فينزل الملَك الأعلى في بهائه وملكه ومجنّبته اليسرى جهنم، فيسمعون زفيرها وشهيقها، فلا يأتون قُطْراً من أقطارها إلا وجدوا صفوفاً من الملائكة، فذلك قوله تعالى: {يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} والسلطان العذر. وقال الضحاك أيضاً: بينما الناس في أسواقهم ٱنفتحت السماء، ونزلت الملائكة، فتهرب الجنّ والإنس، فتحدق بهم الملائكة، فذلك قوله تعالى: {لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} ذكره النحاس. قلت: فعلى هذا يكون في الدنيا، وعلى ما ذكر ٱبن المبارك يكون في الآخرة. وعن الضحاك أيضاً: إن ٱستطعتم أن تهربوا من الموت فٱهربوا. وقال ٱبن عباس: إن ٱستطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فٱعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان أي ببينة من الله تعالى. وعنه أيضاً أن معنى: {لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم. قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك. وقيل: لا تنفذون إلا إلى سلطان، الباء بمعنى إلى؛ كقوله تعالى: {أية : وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ} تفسير : [يوسف:100] أي إليّ. قال الشاعر:شعر : أَسِيئي بِنا أو أحسِنِي لا ملولةٌ لدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إِن تَقَلَّتِ تفسير : وقوله: «فَٱنْفُذُوا» أمر تعجيز. قوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ} أي لو خرجتم أرسل عليكم شواظ من نار، وأخذكم العذاب المانع من النفوذ. وقيل: ليس هذا متعلقاً بالنفوذ بل أخبر أنه يعاقب العصاة عذاباً بالنار. وقيل: أي بآلاءِ ربكما تكذبان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس عقوبة على ذلك التكذيب. وقيل: يحاط على الخلائق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون {يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ}، فتلك النار قوله: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ} والشواظ في قول ٱبن عباس وغيره اللهب الذي لا دخان له. والنُّحاس: الدخان الذي لا لهب فيه؛ ومنه قول أمية بن أبي الصَّلْت يهجو حسان بن ثابت رضي الله عنه، كذا وقع في تفسير الثعلبيّ والماورديّ بن أبي الصَّلْت، وفي «الصحاح» و«الوقف والابتداء» لابن الأنباري: أمية بن خلف قال:شعر : أَلاَ مَنْ مُبْلِغٌ حَسَّانَ عنِّي مُغَلْغَلَةً تَدُبُّ إلى عُكَاظِ أَلَيْسَ أبوكَ فينا كان قَيْناً لَدَى الْقَيْنَاتِ فَسْلاً في الحِفَاظَ يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشُدُّ كِيراً وينْفُخُ دَائباً لَهَبَ الشُّواظِ تفسير : فأجابه حسان رضي الله عنه فقال:شعر : هَجَوْتُكَ فَٱخْتَضَعْتَ لها بِذُلٍّ بِقافِيةٍ تَأَجَّجُ كالشُّواظِ تفسير : وقال رُؤبة:شعر : إنّ لهم من وَقْعِنَا أَقْيَاظاً ونارَ حربٍ تُسْعِرُ الشُّوَاظَا تفسير : وقال مجاهد: الشّواظ اللهب الأخضر المنقطع من النار. الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب. وقاله سعيد بن جبير. وقد قيل: إن الشواظ النار والدخان جميعاً؛ قاله أبو عمرو وحكاه الأخفش عن بعض العرب. وقرأ ٱبن كَثير «شِواظ» بكسر الشين. الباقون بالضم وهما لغتان؛ مثل صُوَار وصِوار لقطيع البقر. {وَنُحَاسٌ} قراءة العامة «وَنُحَاسٌ» بالرفع عطف على «شُوَاظ». وقرأ ٱبن كثير وٱبن محيصن ومجاهد وأبو عمرو «ونُحَاسٍ» بالخفض عطفاً على النار. قال المهدوي: من قال إن الشّواظ النارُ والدخان جميعاً فالجر في «نُحَاس» على هذا بيّن. فأما الجر على قول من جعل الشواظ اللهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ} وشيء من نحاس؛ فشيء معطوف على شواظ، ومن نحاس جملة هي صفة لشيء، وحذف شيء، وحذفت مِن لتقدم ذكرها في «مِنْ نَارٍ» كما حذفت على من قولهم: على من تنزل أنزل أي عليه. فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً بمن المحذوفة. وعن مجاهد وحُميد وعكرمة وأبي العالية «ونِحاسٍ» بكسر النون لغتان كالشِّواظ والشُّواظ. والنِّحاس بالكسر أيضاً الطبيعة والأصل؛ يقال: فلان كريم النِّحاس والنُّحاس أيضاً بالضم أي كريم النِّجار. وعن مسلم بن جُنْدَب «ونَحْسٌ» بالرفع. وعن حنظلة بن مرّة بن النعمان الأنصاري «ونَحْسٍ» بالجر عطف على نار. ويجوز أن يكون «ونِحاسٍ» بالكسر جمع نَحْسٍ كصَعْب وصِعاب «ونَحْسٌ» بالرفع عطف على «شواظ» وعن الحسن «ونُحُسٍ» بالضم فيها جمع نَحْس. ويجوز أن يكون أصله ونُحُوس فقصر بحذف واوه حسب ما تقدّم عند قوله: {أية : وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}تفسير : [النحل:16]. وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة «وَنَحُسُّ» بفتح النون وضم الحاء وتشديد السين من حَسَّ يَحُسّ حَسًّا إذا ٱستأصل؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} تفسير : [آل عمران:152] والمعنى ونقتل بالعذاب. وعلى القراءة الأولى «ونُحَاسٌ» فهو الصُّفْر المذاب يُصَبُّ على رؤوسهم؛ قاله مجاهد وقتادة، وروي عن ٱبن عباس. وعن ٱبن عباس أيضاً وسعيد بن جُبير أن النحاس الدخان الذي لا لهب فيه؛ وهو معنى قول الخليل؛ وهو معروف في كلام العرب بهذا المعنى؛ قال نابغة بني جَعْدة:شعر : يُضِيءُ كضَوْءِ سِرَاج السَّلِيـ ـطِ لم يَجْعَلِ اللَّهُ فيه نُحَاسَا تفسير : قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول السَّليط دهن السّمسم بالشام ولا دخان فيه. وقال مقاتل: هي خمسة أنهار من صُفْر مُذَاب، تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار؛ ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار. وقال ٱبن مسعود: النُّحَاس المُهْل. وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغليّ. وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة. {فَلاَ تَنتَصِرَانِ} أي لا ينصر بعضكم بعضاً يعني الجن والإنس.

ابن كثير

تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ} قال: وعيد من الله تعالى للعباد، وليس بالله شغل، وهو فارغ، وكذا قال الضحاك: هذا وعيد، وقال قتادة: قد دنا من الله فراغ لخلقه، وقال ابن جريج: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} أي: سنقضي لكم، وقال البخاري: سنحاسبكم، لا يشغله شيء عن شيء، وهو معروف في كلام العرب، يقال: لأتفرغن لك، وما به شغل، يقول: لآخذنك على غرتك. وقوله تعالى: {أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ} الثقلان: الإنس والجن كما جاء في الصحيح: «حديث : ويسمعها كل شيء إلا الثقلين» تفسير : وفي رواية: «حديث : إلا الإنس والجن»تفسير : . وفي حديث الصور: «حديث : الثقلان: الإنس والجن» تفسير : { فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ثم قال تعالى: {يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَـٰرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَـٰنٍ} أي: لا تستطيعون هرباً من أمر الله وقدره، بل هو محيط بكم، لا تقدرون على التخلص من حكمه، ولا النفوذ عن حكمه فيكم، أينما ذهبتم أحيط بكم، وهذا في مقام الحشر، الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد على الذهاب {إِلاَّ بِسُلْطَـٰنٍ} أي: إلا بأمر الله {أية : يَقُولُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ كَلاَّ لاَ وَزَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ } تفسير : [القيامة: 10 ــــ 12]. وقال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} تفسير : [يونس: 27] ولهذا قال تعالى: { يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الشواظ: هو لهب النار، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: الشواظ: الدخان، وقال مجاهد: هو اللهب الأخضر المنقطع، وقال أبو صالح: الشواظ هو اللهب الذي فوق النار ودون الدخان. وقال الضحاك {شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ}: سيل من نار. وقوله تعالى: {وَنُحَاسٌ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَنُحَاسٌ}: دخان النار، وروي مثله عن أبي صالح وسعيد بن جبير وأبي سنان. وقال ابن جرير: والعرب تسمي الدخان نحاساً، بضم النون وكسرها، والقراء مجمعة على الضم، ومن النحاس بمعنى الدخان قول نابغة جعدة:شعر : يُضيءُ كضَوْءِ سراجِ السّليـ ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ فيهِ نُحاساً تفسير : يعني: دخاناً، هكذا قال، وقد روى الطبراني من طريق جويبر عن الضحاك: أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن الشواظ فقال: هو اللهب الذي لا دخان معه، فسأله شاهداً على ذلك من اللغة، فأنشده قول أمية بن أبي الصلت في حسان:شعر : أَلا مَنْ مُبْلغٌ حَسَّانَ عنِّي مُغَلْغَلَةً تَدِبُّ إلى عُكاظِ أليسَ أبوكَ فينا كانَ قَيْناً لدى القَيْنات فَسْلاً في الحِفاظِ يمانِيّاً يظَلُّ يَشُدُّ كِيْراً ويَنْفُخُ دائِباً لَهَبَ الشُّواظِ تفسير : قال: صدقت، فما النحاس؟ قال: هو الدخان الذي لا لهب له، قال: فهل تعرفه العرب؟ قال: نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان يقول:شعر : يُضيءُ كضوءِ سراجِ السليـ ـطِ لم يجعلِ اللّهُ فيه نُحاساً تفسير : وقال مجاهد: النحاس: الصُّفْر، يذاب فيصب على رؤوسهم، وكذا قال قتادة، وقال الضحاك: ونحاس: سيل من نحاس، والمعنى على كل قول: لو ذهبتم هاربين يوم القيامة، لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار، والنحاس المذاب عليكم؛ لترجعوا، ولهذا قال: {فَلاَ تَنتَصِرَانِ فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {سَنَفْرُغُ لَكُمْ } سنقصد لحسابكم {أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ } الإِنس والجنّ.

الماوردي

تفسير : {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَنِ} فيه وجهان: أحدهما: أي لنقومن عليكم على وجه التهديد. الثاني: سنقصد إلى حسابكم ومجازاتكم على أعمالكم وهذا وعيد لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، وقال جرير: شعر : الآن وقد فرغت إلى نمير فهذا حين كنت لها عذاباً تفسير : أي قصدت لهم، والثقلان الإنس والجن سموا بذلك لأنهم ثقل على الأرض. {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقطَارِ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} فيه وجهان: أحدهما: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا، لن تعلموه إلا بسلطان، قاله عطية العوفي. الثاني: إن استطعتم أن تخرجوا من جوانب السموات والأرض هرباً من الموت فانفذوا، قاله الضحاك. {لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني إلا بحجة، قاله مجاهد، قاله ابن بحر: والحجة الإيمان. الثاني: لا تنفذون إلا بمُلْك وليس لكم مُلْك، قاله قتادة. الثالث: معناه لا تنفذون إلا في سلطانه وملكه، لأنه مالك السموات والأرض وما بينهما، قاله ابن عباس. {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن الشواظ لهب النار، قاله ابن عباس، ومنه قول أمية بن أبي الصلت يهجو حسان بن ثابت: شعر : يمانياً يظل يشد كيراً وينفخ دائباً لهب الشواظ تفسير : [فأجابه حسان فقال]: شعر : همزتك فاختضعت بذل نفسٍ بقافية تأجج كالشواظ تفسير : الثاني: أنه قطعة من النار فيها خضرة، قاله مجاهد. الثالث: أنه الدخان، رواه سعيد بن جبير، قال رؤبة بن العجاج: شعر : إن لهم من وقعنا أقياظا ونار حرب تسعر الشواظا تفسير : الرابع: أنها طائفة من العذاب، قاله الحسن. وأما النحاس ففيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه الصفر المذاب على رؤوسهم، قاله مجاهد، وقتادة. الثاني: أنه دخان النار، قاله ابن عباس، قال النابغة الجعدي: شعر : كضوء سراج السليــــ ـــط لم يجعل الله فيه نحاساً تفسير : الثالث: أنه القتل، قاله عبد الله بن أبي بكرة. الرابع: أنه نحس لأعمالهم، قاله الحسن.

ابن عبد السلام

تفسير : {سَنَفْرُغُ} سنتوفر عليكم على وجه التهديد، أو سنقصد إلى حسابكم، أو جزائكم توعداً، فالله تعالى لا يشغله شأن عن شأن {الثَّقَلانِ} الإنس والجن لأنهم ثقل على وجه الأرض.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏سنفرغ لكم أيها الثقلان‏}‏ قال‏:‏ قددنا من الله فراغ لخلقه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ‏{‏سنفرغ لكم أيها الثقلان‏}‏ قال‏:‏ وعيد‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏سنفرغ لكم أيها الثقلان‏} ‏ قال‏:‏ هذا وعيد من الله لعباده وليس بالله شغل، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏لا تنفذون إلا بسلطان‏}‏ يقول‏:‏ لا تخرجوا من سلطاني‏. وأخرج البزار والبيهقي عن طلحة بن منصور ويحيى بن وثاب رضي الله عنه أنهما قرآ‏ ‏"‏سيفرغ لكم‏"‏‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏لا تنفذون إلا بسلطان‏} ‏ قال‏:‏ إلا بملكة من الله‏. وأخرج ابن أبي الدنيا في هواتف الجان عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال‏:‏ كان سبب إسلام الحجاج بن علاط أنه خرج في ركب من قومه إلى مكة، فلما جن عليه الليل استوحش فقام يحرس أصحابه ويقول‏:‏ أعيذ نفسي وأعيذ أصحابي من كل جني بهذا النقب حتى أن أعود سالماً وركبي، فسمع قائلاً يقول ‏ {‏يا معشر الجن والإِنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السمٰوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان‏}‏ فلما قدم مكة أخبر بذلك قريشاً فقالوا له‏:‏ إن هذا فيما يزعم محمد أنه أنزل عليه‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏يرسل عليكما شواظ من نار‏} ‏ قال‏:‏ لهب النار ‏{‏ونحاس‏}‏ قال‏:‏ دخان النار‏.‏ وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والطستي والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله ‏ {‏يرسل عليكما شواظ من نار‏} ‏ قال‏:‏ الشواظ اللهب الذي لا دخان له‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت أمية بن أبي الصلت الثقفي وهو يقول‏: شعر : يظل يشب كيراً بعد كير وينفخ دائماً لهب الشواظ تفسير : قال‏:‏ فأخبرني عن قوله ‏{‏ونحاس‏}‏ قال‏:‏ هو الدخان الذي لا لهب فيه‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول‏: شعر : يضيء كضوء سراج السليط لم يجعل الله فيه نحاساً تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏يرسل عليكما شواظ من نار‏}‏ قال‏:‏ لهب من نار‏. وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏يرسل عليكما شواظ من نار‏} ‏ قال‏:‏ هو اللهب الأحمر المنقطع منها، وفي لفظ قال‏:‏ قطعة من نار حمرة ‏ {‏ونحاس‏}‏ قال‏:‏ يذاب الصفر فيصب على رؤوسهم‏. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ‏ {‏يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس‏}‏ قال‏:‏ واديان فالشواظ واد من نتن والنحاس واد من صفر والنتن نار‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {‏يرسل عليكما شواظ من نار‏}‏ قال‏:‏ نار تخرج من قبل المغرب تحشر الناس حتى أنها لتحشر القردة والخنازير، تبيت حيث باتوا، وتقيل حيث قالوا‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ونحاس‏} ‏ قال‏:‏ هو الصفر يعذبون به‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏فلا تنتصران‏} ‏ يعني الجن والإِنس‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏فإذا انشقت السماء فكانت وردة‏} ‏ يقول‏:‏ حمراء ‏ {‏كالدهان‏} ‏ قال‏:‏ هو الأديم الأحمر‏. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏فكانت وردة كالدهان‏} ‏ قال‏:‏ مثل لون الفرس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ‏ {‏فكانت وردة كالدهان‏} ‏ قال‏:‏ حمراء كالدابة الوردة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء رضي الله عنه ‏ {‏فكانت وردة كالدهان‏} ‏ قال‏:‏ وردة الجل ‏ {‏كالدهان‏} ‏ قال‏:‏ كصفاء الدهن، ألم تر العربي يقول‏:‏ الجل الورد‏. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عطاء ‏ {‏فكانت وردة كالدهان‏} ‏ قال‏:‏ لون السماء كلون دهن الورد في الصفرة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ‏{‏فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان‏}‏ قال‏:‏ هي اليوم خضراء كما ترون، وإن لها يوم القيامة لوناً آخر‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏فكانت وردة كالدهان‏} ‏ قال‏:‏ كالدهن‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏{‏فكانت وردة كالدهان‏} ‏ قال‏:‏ صافية كصفاء الدهن‏. وأخرج محمد بن نصر عن لقمان بن عامر الحنفيحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بشاب يقرأ ‏{‏فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان‏} ‏ فوقف فاقشعرّ وخنقته العبرة يبكي ويقول‏:‏ ويلي من يوم تنشق فيه السماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: يا فتى فوالذي نفسي بيده لقد بكيت الملائكة من بكائك "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان‏} ‏ قال‏:‏ لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا لأنه أعلم بذلك منهم ولكن يقول‏:‏ لم عملتم كذا وكذا‏؟‏ وأخرج ابن جرير وابن مردوية عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان‏} ‏ يقول‏:‏ لا أسألهم عن أعمالهم، ولا أسأل بعضهم عن بعض، وهو مثل قوله ‏{أية : ‏ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون‏}‏ تفسير : ‏[‏القصص: 78‏] ومثل قوله ‏{أية : ‏ولا تسأل عن أصحاب الجحيم‏}تفسير : ‏ ‏[البقرة: 119‏]‏. وأخرج ابن مردوية عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يحاسب أحد يوم القيامة فيغفر له، ويرى المسلم عمله في قبره يقول الله ‏{‏فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان‏} "‏‏.‏ تفسير : وأخرج آدم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان‏}‏ قال‏:‏ لا تسأل الملائكة عن المجرم يعرفونهم بسيماهم‏.‏ وأخرج هناد وعبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏يعرف المجرمون بسيماهم‏} ‏ قال‏:‏ بسواد وجوههم وزرقة عيونهم‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ‏{‏يعرف المجرمون بسيماهم‏}‏ قال‏:‏ بسواد الوجوه وزرقة العيون‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏فيؤخذ بالنواصي والأقدام‏}‏ قال‏:‏ تأخذ الزبانية بناصيته وقدميه، ويجمع فيكسر كما يكسر الحطب في التنور‏. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فيؤخذ بالنواصي والأقدام‏}‏ قال‏:‏ يأخذ الملك بناصية أحدهم فيقرنها إلى قدميه، ثم يكسر ظهره، ثم يلقيه في النار‏.‏ وأخرج هناد في الزهد عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره‏.‏ وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن رجل من كندة قال‏:‏ قلت لعائشة رضي الله عنها‏:‏ أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إنه يأتي عليه ساعة لا يملك لأحد شفاعة‏؟ قالت‏:‏ نعم لقد سألته، فقال‏: نعم حين يوضع الصراط وحين تبيض وجوه وتسود وجوه، وعند الجسر حتى يشحذ حتى يكون مثل شفرة السيف، ويسجر حتى يكون مثل الجمرة، فأما المؤمن فيجيزه ولا يضره، وأما المنافق فينطلق حتى إذا كان في وسطه خز في قدميه يهوى بيديه إلى قدميه، فهل رأيت من رجل يسعى حافياً فيؤخذ بشوكة حتى تكاد تنفذ قدميه، فإنه كذلك يهوى بيديه إلى قدميه فيضربه الزباني بخطاف في ناصيته فيطرح في جهنم يهوي فيها خمسين عاماً، فقلت‏:‏ أيثقل‏؟‏ قال‏:‏ يثقل خمس خلفات، فيومئذ ‏{‏يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام‏}‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه والضياء المقدسي في صفة النار عن أنس رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : والذي نفسي بيده لقد خلقت زبانية جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وبين حميم آن‏}‏ قال‏:‏ الذي انتهى حره‏. وأخرج الطستي والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله ‏{‏حميم آن‏} ‏ قال‏:‏ الآني الذي انتهى طبخه وحره، قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت نابغة بني ذبيان، وهو يقول‏: شعر : ويخضب لحية غدرت وخانت بأحمى من نجيع الجوف آني تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وبين حميم آن‏} ‏ قال‏:‏ قد آنى طبخه منذ خلق الله السموات والأرض‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏وبين حميم آن‏} ‏ قال‏:‏ قد بلغ إناه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ‏{‏وبين حميم آن‏} ‏ قال‏:‏ نار قد اشتد حرها‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير ‏{‏وبين حميم آن‏} ‏ قال‏:‏ النحاس انتهى حره‏.‏

السلمي

تفسير : قال ابن عطاء: الإشغال منفى عن الحق ومعناه أنه لا يتم شغله إلا بمعونته ولا يكمل شىء من ذلك إلا بتقديره وتدبيره.

القشيري

تفسير : أي للحساب يومَ القيامة - وليس به اشتغالٌ... تعالى اللَّهُ عن ذلك. ومعنى الآية: سنقصد لحسابكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {سنفرغ لكم} اى سنتجرد لحسابكم وجزآئكم وذلك يوم القيامة عن انتهاء شؤون الخلق المشار اليه بقوله تعالى {أية : كل يوم هو فى شأن}تفسير : فلا يبقى حينئذ الا شأن واحد هو الجزآء فعبر عنه بالفراغ لهم على المجاز المرسل فان الفراغ يلزمه التجرد والا فليس المراد الفراغ من الشغل لانه تعالى لايشغله شأن عن شأن وقيل هو مستعار من قول المهدد لصاحبه سأفرغ لك اى سأتجرد للايقاع بك من كل مايشغلنى عنه والمراد التوفر على النكاية فيه والانتقام منه فالخطاب للمجرمين منهما بخلافه على الاول {ايه الثقلان} قال الراغب الثقل والخفة متقابلان وكل مايترجح على مايوزن به او يقدر به يقال هو ثقيل واصله فى الاجسام ثم يقال فى المعانى اثقله الغرم والوزر انتهى والمراد هنا الانس والجن سميا بذلك لانهما ثقلا الارض يعنى انهما شبها بثقلى الدابة وفى حواشى ابن الشيخ شبه الارض بالحمولة التى تحمل الاثقال والانس والجن جعلا اثقالا محمولة عليها وجعل ماسواهما كالعلاوة او لرزانة آرآئهما او لانهما مثقلان بالتكليف او لعظم قدرهما فى الارض كما فى الحديث "حديث : انى خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتى"تفسير : وقال الصادق رضى الله عنه سميا ثقلين لانهما يثقلان بالذنوب او لما فيهما من الثقل وهو عين تأخرهما بالوجود لان من عادة الثقيل الابطاء كما ان من عادة الخفيف الاسراع والانس اثقل من الجن للركن الاغلب عليهم {فبأى آلاء ربكما} التى من جملتها التنبيه على ماسيلقونه يوم القيامة للتحذير عما يؤدى الى سواء الحساب {تكذبان} بأقوالكما واعمالكما قال فى كشف الاسرار اعلم ان بعض هذه السورة ذكر فيه الشدآئد والعذاب والنار والنعمة فيها من وجهين احدهما فى صرفها عن المؤمنين الى الكفار وتلك النعمة عظيمة تقتضى شكرا عظيما والثانى ان التخويف منها والتنبيه عليها نعمة عظيمة لان اجتهاد الانسان رهبة مما يؤلمه اكثر من اجتهاده رغبة فيما ينعمه

الطوسي

تفسير : سبع آيات حجازى وست في ما عداه، عد الحجازيون {من نار} ولم يعده الباقون. قرأ {شواظ} - بكسر الشين - أهل مكة. الباقون بضمها، وهما لغتان مثل صوار وصوار. وقرأ {نحاس} بالجر أهل مكة والبصرة، غير يعقوب عطفاً على (نار). الباقون بالرفع عطفاً على {شواظ} وقرأ اهل الكوفة إلا عاصماً {سيفرغ} على تقدير سيفرغ الله لكم. الباقون - بالنون - على وجه الاخبار من الله عن نفسه يعني قوله {سنفرغ لكم} من أبلغ الوعيد وأعظم التهديد. وقيل في معناه قولان: أحدهما - سنفرغ لكم من الوعيد وينقضي ويأتيكم المتوعد به فشبه ذلك بمن فرغ من شيء وأخذ في غيره. الثاني - إنا نستعمل عمل من يتفرغ للعمل لتجويده من غير تضجيع فيه كما يقول: القائل: سأتفرغ لك. والله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، لانه من صفات الاجسام، وهو من أبلغ الوعيد لأنه يقتضي أن يجازى بصغير ذنبه وكبيره إذا كان مستحقاً لسخط الله. والفراغ انتفاع القاطع عنه من القادر عليه. والشغل والفراغ من صفات الاجسام التي تحلها الأعراض، وشغلها عن الاضداد في تلك الحال ولذلك وجب ان يكون في صفة القديم تعالى مجازاً. وقوله {أيها الثقلان} خطاب للجن والانس، وإنما سميا ثقلين لعظم شأنهما بالاضافة إلى ما في الارض من غيرهما، فهما أثقل وزناً لعظم الشأن بالعقل والتمكين والتكليف لاداء الواجب في الحقوق، ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله "حديث : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي"تفسير : يريد عظيمي المقدار، فلذلك وصفهما بأنهما ثقلان. وقوله {إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض} قال الضحاك: ان استطعتم أن تنفذوها ربين من العذاب يقال: لهم ذلك يوم القيامة. وقال قوم: معناه إن استطعتم أن تنفذوها ربين من الموت فاهربوا فانه حيث كنتم أدرككم الموت. وقال ابن عباس: معناه إن استطعتم أن تعلموا ما فى السموات والارض فاعلموا أنه لا يمكنكم ذلك. وقوله {لا تنفذون إلا بسلطان} معناه إلا بحجة وبيان. وقيل معناه: إلا بملك وقهر، وليس لكم ذلك. وقال الزجاج: المعنى {فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} أي حيثما كنتم شاهدين. ثم حجة الله وسلطانه الذي يدل على توحيده وواحد الاقطار قطر وهي الاطراف - في قول سفيان - فانفذوا في صورة الأمر والمراد به التحدي. ثم قال {لا تنفذون إلا بسلطان} وهو القوة التي يتسلط بها على الأمر {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وقد فسرناه. وفائدة الآية أن عجز الثقلين عن الهرب من الجزاء كعجزهم عن النفوذ من الاقطار، وفي ذلك اليأس من رفع الجزاء بوجه من الوجوه، فلينظر امرء ما يختار لنفسه مما يجازى به. وقوله {يرسل عليكما شواظ من نار} فالشواظ لهب النار - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - ومنه قول رؤبة: شعر : إن لهم من وقعنا أيقاظاً ونار حرب تسعر الشواظا تفسير : والنحاس الصفر المذاب للعذاب - فى قول ابن عباس ومجاهد وسفيان وقتادة - وفي رواية أخرى عن ابن عباس وسعيد: النحاس الدخان قال النابغة الجعدي: شعر : يضيء كضوء سراج السليـ ـط لم يجعل الله فيها نحاساً تفسير : أي دخانا. والسليط دهن السمسم. وقال قوم: هو دهن السنام. وقال الفراء: هو دهن الزيت. وقوله {فلا تنتصران} أي لا تقدران على دفع ذلك عنكما، ووجه النعمة في إرسال الشواظ من النار والنحاس على الثقلين هو ما لهم في ذلك من الزجر في دار التكليف عن مواقعة القبيح، وذلك نعمة جزيلة، فلذلك قال {فبأي آلاء ربكما} معاشر الجن والانس {تكذبان}.

اطفيش

تفسير : {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} أي سنوفر عذابكم والانتقام منكم ايها المشركون وهذا وعيد وتهديد مستعار من قول الرجل لمن يهدده سافرغ لك يريد سأتجرد للايقاع بك من كل ما يشغلني وإلا فالله لا يشغله شأن عن شأن وقد يقول الرجل ذلك وما به شغل فيكون استعارة ايضا قال ابن عباس لكنه لم يجعل الخطاب للمشركين والفراغ للعذاب فقط بل الخطاب للخلق والفراغ للحساب وهو حسن ويجوز ان يكون المعنى ستنتهي الدنيا وتبلغ اخرها وتنتهي شؤون الخلق فلا يبقى إلا شأن واحد وهو الجزاء والحساب يوم القيامة ولا يفعل فيه غير الحساب والجزاء فجعل فراغا لهم على طريق التمثيل. وقيل سنتقصد لكم بعد القول والامهال وقرأ حمزة والكسائي سيفرغ لكم بالمثناة تحت أي الله وقرىء سافرغ لكم بالهمز وقرىء بالنون مفتوحا مع الراء وقرىء بالنون مكسورا مع فتح الراء وقرىء بياء مفتوحة مع الراء ومضمومة مع فتح الراء وقرأ ابى سنفرغ اليكم أي نقصد اليكم. {أَيُّهَ الثَّقَلانِ} قيل أراد المشركين منهم فقط وقيل: جمع الانس والجن قال جعفر بن محمد الصادق سموا لثقلهم بالذنوب وقيل: لثقلهم على الأرض أحياء وأمواتا ووجه التسمية لا يوحيها وقيل: لرزانة آرائهم وقدرهم وكل ذي قدر ثقل وفي الحديث: "حديث : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي "تفسير : جعلهما ثقلين اعظاما لهما وقيل: لثقلهما بالتكليف.

اطفيش

تفسير : {سَنَفْرُغُ لكمْ أيُّها الثَّقَلاَنِ} هذه الآية أشد علىَّ كما شد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {أية : فاستقم كما أُمرت} تفسير : [هود: 112] وأهوال القيامة لأَنها جاءت على شكل من له مملوك أنعم عليه ولم يشكر، فقال سأَترك الأَشغال كلها وأُعاملك بما تستحق، والله عز وجل لا يشغله شئ عن شئ، لكن قضى الأَشياء مرتبة، ولكن كنى عن التوفر فى الانتقام بحيث لا شئ يعارضه عن تمام الانتقام، كمن ترك المَهامَّ إِلى مُهِمّ واحد وذلك استعارة تمثيلية ويجوز أن تكون مفردة بأَن استعمل سنفرغ فى أن نأَخذ فى جزائكم فقط، فتكون تبعية بأَن يشبه الأَخذ فى الجزاء فقط بالتفرغ إِلى الشئ وحده، ويشتق منه تفرغ بمعنى نأَخذ فيه وحده، وعندى لا استعارة أصلية فى مثل هذا كنطق الحال وإنما التبع فى التشبيه فقط لا فى استعارة متقدمة، والآية وعيد تهديد على المعصية للمجموع، ويصدق خارجا بمن أصر لا تهديد لمن أصر وحده. كما قيل لأَن الثقلين يعم اللهم إِلا أن يراد سنميز لكم بالجزاء العاصى من المطيع، وقيل معنى سنفرغ سنقصد كما نادى إِبليس فى بيعة العقبة الثانية أو الثالثة على أن العقبة ثلاث إِلا أن محمداً والصبا قد جمعوا لكم، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : هذا أزب العقبة لأَتفرغن لك يا خبيث"تفسير : ، أى لأَقصدن إِبطال أمرك. وسمى الإِنس والجن ثقلين لشرف قدرهما مطلقا بنحو الرأى والصنائع بالنسبة إِلى الحيوان، بل إِذا كان المؤمن أفضل من الملائكة لمخالفته ما يهوى والصبر عليها، يكون الجنى المؤمن كذلك أفضل منهم لوجود العلة. قال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إِنى تركت فيكم ثقلين كتاب الله تعالى وعترتي"تفسير : ، أى شيئين عظيمين، وقيل سميا ثقلين لثقلهما بالتكليف، وقال الحسن لثقلهما بالذنوب وقيل لثقلهما على الأرض، وقيل هما على الأَرض كعدلى الدابة وغيرهما كالعلاوة، وحذف ألف أيها فى الخط تبعا للفظ إِثباتا لباب تبع الخط للفظ.

الالوسي

تفسير : {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} الفراغ في اللعنة يقتضي سابقة شغل والفراغ للشيء يقتضي لاحقيته أيضاً، والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن فجعل انتهاء الشؤون المشار إليها بقوله تعالى: { أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } تفسير : [الرحمٰن: 29] يوم القيامة إلى واحد هو جزاء المكلفين فراغاً لهم على سبيل التمثيل لأن من ترك أشغاله إلى شغل واحد يقال: فرغ له وإليه فشبه حال هؤلاء ـ وأخذه تعالى في جزائهم فحسب ـ بحال من فرغ له، وجازت الاستعارة التصريحية التبعية في {سَنَفْرُغُ } بأن يكون المراد سنأخذ في جزائكم فقط الاشتراك الأخذ في الجزاء فقط، والفراغ عن جميع المهام إلى واحد في أن المعنى به ذلك الواحد، وقيل: المراد التوفر في الانتقام والنكاية، وذلك أن الفراغ للشيء يستعمل في التهديد كثيراً كأنه فرغ عن كل شيء لأجله فلم يبق له شغل غيره فيدل على التوفر المذكور، وهو كناية فيمن يصح عليه، ومجاز في غير كالذي نحن فيه، ولعل مراد ابن عباس والضحاك بقولهما ـ كما أخرج ابن جرير عنهما ـ هذا وعيد من الله تعالى لعباده ما ذكر، والخطاب عليه قيل: للمجرمين، وتعقب بأن النداء الآتي يأباه، نعم المقصود بالتهديد هم، وقيل: لا مانع من تهديد الجميع، ثم إن هذا التهديد إنما هو بما يكون يوم القيامة، وقول ابن عطية: يحتمل أن يكون ذلك توعداً بعذاب الدنيا مما لا يكاد يلتفت إليه، وقيل: إن فرغ يكون بمعنى قصد، واستدل عليه بما أنشده ابن الأنباري لجرير: شعر : ألان وقد (فرغت) إلى نمير فهذا حين كنت لهم عذاباً تفسير : أي قصدت، وأنشد النحاس: شعر : فرغت إلى العبد المقيد في الحجل تفسير : وفي الحديث « حديث : لأتفرغن لك يا خبيث » تفسير : قال صلى الله عليه وسلم مخاطباً به أزب العقبة يوم بيعتها أي لأقصدن إبطال أمرك، ونقل هذا عن الخليل والكسائي والفراء. والظاهر أنهم حملوا ما في الآية على ذلك، فالمراد حينئذ تعلق الإرادة تعلقاً تنجيزياً بجزائهم. وقرأ حمزة والكسائي وأبو حيوة وزيد بن علي ـ سيفرغ ـ بياء الغيبة، وقرأ قتادة والأعرج {سنفرغ } بنون العظمة وفتح الراء مضارع فرغ بكسرها وهو لغة تميم كما أن {سنفرغ } في قراءة الجمهور مضارع فرغ بفتحها لغة الحجاز، وقرأ أبو السمال وعيسى {سنفرغ } بكسر النون وفتح الراء وهي على ما قال أبو حاتم لغة سفلى مضر، وقرأ الأعمش وأبو حيوة بخلاف عنهما وابن أبـي عبلة والزعفراني / ـ سيفرغ ـ بضم الياء وفتح الراء مبنياً للمفعول؛ وقرأ عيسى أيضاً {سنفرغ } بفتح النون وكسر الراء، والأعرج أيضاً ـ سيفرغ ـ بفتح الياء والراء وهي لغة، وقرىء (سأفرغ) بهمزة المتكلم وحده، وقرأ أبـيّ {سنفرغ إليكم} عداه بإلى فقيل: للحمل على القصد، أو لتضمينه معناه أي: سنفرغ قاصدين إليكم. {أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ } هما الإنس والجن من ثقل الدابة وهو ما يحمل عليها جعلت الأرض كالحمولة والإنس والجن ثقلاها، وما سواهما على هذا كالعلاوة، وقال غير واحد: سميا بذلك لثقلهما على الأرض، أو لرزانة رأيهما وقدرهما وعظم شأنهما. ويقال لكل عظيم القدر مما يتنافس فيه: ثقل، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي » تفسير : وقيل: سميا بذلك لأنهما مثقلان بالتكليف، وعن الحسن لثقلهما بالذنوب.

ابن عاشور

تفسير : هذا تخلّص من الاعتبار بأحوال الحياة العاجلة إلى التذكير بأحوال الآخرة والجزاء فيها انتُقل إليه بمناسبة اشتمال ما سَبق من دلائل سعة قدرة الله تعالى، على تعريض بأن فاعل ذلك أهلّ للتوحيد بالإِلهية، ومستحق الإِفراد بالعبادة، وإذ قد كان المخاطبون بذلك مشركين مع الله في العبادة انتُقل إلى تهديدهم بأنهم وأولياءَهم من الجن المسوِّلين لهم عبادة الأصنام سيعرضون على حكم الله فيهم. وحرف التنفيس مستعمل في مطلق التقريب المكنَّى به عن التحقيق، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : قال سوف أستغفر لكم ربي} تفسير : في سورة يوسف (98). والفراغ للشيء: الخلوُ عما يشغل عنه، وهو تمثيل للاعتناء بالشيء، شبّه حال المقبل على عمل دون عملٍ آخر بحال الوعاء الذي أُفْرغَ مما فيه ليُملأ بشيء آخر. وهذا التمثيل صالح للاستعمال في الاعتناء كما في قول أبي بكر الصديق لابنه عبد الرحمان افْرُغْ إلى أضيافك (أي تخل عن كل شغل لتشتغل بأضيافك وتتوفر على قِراهم) وصالح للاستعمال في الوعيد، كقول جرير:شعر : أَلاَنَ وقد فرغت إلى نَمير فهذا حين كنتُ لها عذاباً تفسير : والمناسب لسياق الآية باعتبار السابق واللاحق، أن تحمل على معنى الإِقبال على أمور الثقلين في الآخرة، لأن بعده {أية : يعرف المجرمون بسيماهم}تفسير : [الرحمٰن: 41]، وهذا لكفار الثقلين وهم الأكثر في حين نزول هذه الآية. و{الثقلان}: تثنية ثَقَل، وهذا المثنى اسم مفرد لمجموع الإِنس والجن. وأحسب أن الثّقَل هو الإِنسان لأنه محمول على الأرض، فهو كالثقل على الدابة، وأن إطلاق هذا المثنى على الإنس والجن من باب التغليب، وقيل غير هذا مما لا يرتضيه المتأمل. وقد عد هذا اللفظ بهذا المعنى مما يستعمل إلا بصيغة التثنية فلا يطلق على نوع الإنسان بانفراده اسم الثقل ولذلك فهو مثنى اللفظ مفرد الإطلاق. وأظن أن هذا اللفظ لم يطلق على مجموع النوعين قبل القرآن فهو من أعلام الأجناس بالغلبة، ثم استعمله أهل الإسلام، قال ذو الرمة:شعر : وميَّة أحسن الثقلين وَجها وسَالِفَةً وأحسنُهُ قَذالاً تفسير : أراد وأحسن الثقلين، وجعل الضمير له مفرداً. وقد أخطأ في استعماله إذ لا علاقة للجن في شيء من غرضه. وقرأ الجمهور {سَنَفْرُغُ} بالنون. وقرأه حمزة والكسائي بالياء المفتوحة على أن الضمير عائد إلى الله تعالى على طريقة الالتفات. وكُتب {أيُّه} في المصحف بهاء ليس بعدها ألف وهو رسم مراعى فيه حال النطق بالكلمة في الوصل إذ لا يوقف على مثله، فقرأها الجمهور بفتحة على الهاء دون ألف في حالتي الوصل والوقف. وقرأها أبو عمرو والكسائي بألف بعد الهاء في الوقف. وقرأه ابن عامر بضم الهاء تبعاً لضم الياء التي قبلها وهذا من الإِتباع.

القطان

تفسير : سنفرُغ لكم: هو مجرد تهديد لأن الله تعالى لا يشغله شيء، والمعنى سنحاسبكم. ايها الثقلان: الانس والجن. أن تنفذوا: تخرجوا. أقطار السماوات والأرض: جوانبهما. بسلطان: بقوة وقهر. الشواظ: لهب خالص بلا دخان. النحاس: الدخان لا لهب فيه. وهذا من بعض معانيه. وردة: لونها كحمرة الورد. كالدهان: وهو ما يدهن به. السيما: العلامة. النواصي: واحدها ناصية وهي مقدم الرأس، والأقدام معروفة، يعني يُجرّون من نواصيهم واقدامهم. الحميم: الماء الحار. آن: متناهٍ في الحرارة. سنحاسِبُكم أيها الانسُ والجنّ يومَ القيامة، وهذا وعيدٌ شديد من الله لعباده، فان الله تعالى لا يَشغَله شيء. ثم بين الله انه لا مهربَ في ذلك اليوم من الحساب والجزاء، كل واحد يحاسَب على عمله فقال: {يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ} ان استطعتم ان تخرجوا من جوانب السماوات والارض هارِبين فافعلوا... والحقيقةُ أنكم لا تستطيعون ذلك، إلا ان تَفِرّوا الى اللهِ بالتوبة الخالصة. {لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} وأعظمُ سلطان يتحصّن به الانسانُ هو التوبة، فإنها أكبر حصنٍ يقي التائب المخلص من عذاب الله. فبأيّ نعمة من نعم ربّكما تجحدان!؟. ثم بين بعض اهوال الساعة بقوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ} يُصَبّ عليكما لهبٌ من نارٍ ونحاسٌ مذاب، فلا تقدران على دفع هذا العذاب، بل يُساق المجرمون الى الحشْر سَوقاً نعوذ بالله منه. ثم بين الله تعالى أنه إذا جاء ذلك اليوم الشديد اختلّ نظام العالم، فتتصدّع السماوات ويصير لونها أحمر كالدِهان، وتصير مذابةً غير متماسكة. ويكون للمجرمين حينئذٍ علاماتٌ يمتازون بها عن سواهم كما قال تعالى: {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ} فيُجَرّون إلى جهنم من مقدَّم رؤوسهم وأَرجلِهم ويقال لهم توبيخاً وتقريعا: {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} فهم يترددون بين نارِها وبين ماءٍ متناهٍ في الحرارة. فاذا استغاثوا من النار يُغاثوا بالماءِ الحار الذي يشوي الوجوهَ كما قال تعالى في سورة الكهف: {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً} تفسير : [الكهف: 29]. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: سيفرغ لكم بالياء. والباقون: سنفرُغ لكم بالنون. وقرأ ابن كثير: شواظ بكسر الشين، والباقون: شواظ بضم الشين. وقرأ ابن كثير وابو عمرو ويعقوب: ونحاس بالجر، والباقون: ونحاس بالرفع.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَيُّهَ} (31) - وَيَتَوعَّدُ اللهُ العِبَادَ، وَيُحَذِّرُهُمْ من نفسهِ الكريمةِ، ويقول لهم إنَّ اللهَ سَيَتَجرَّدُ لِحِسَابِهِمْ، وَجَزَائِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَسَيَنْتَقِمُ مِنَ المُكَذِّبينَ الظَّالِمِينَ أنْفُسَهُمْ بِالكُفْرِ. سَنَفْرُغُ لَكُمْ - سَنَقْصدُ لِمُحَاسَبَتِكُمْ بَعْدَ الإِمْهَالِ.

الثعلبي

تفسير : {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} قرأ عبد الله وأبي (سنفرغ اليكم)، وقرأ الاعمش بضم الياء وفتح الراء على غير تسمية، وقرأ الأعرج بفتح النون والراء. قال الكسائي: هي لغة تميم، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بضم الياء وفتح الراء، واختاره أبو عبيد اعتباراً بقوله: {يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فاتبع الخبر الخبر، وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الراء، واختاره أبو حاتم. فإن قيل: إن الفراغ لا يكون إلاّ عن شغل والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن. قلنا: اختلف العلماء في معنى هذه الآية فقال قوم: هذا وعيد وتهديد من الله سبحانه وتعالى لهم كقول القائل: لأتفرغنّ لك وما به شغل، وهذا قول ابن عباس والضحاك، وقال آخرون: معناه سنقصدكم بعد الترك والإمهال ونأخذ في أمركم، وقد يقول القائل للذي لا شغل له: قد فرغت لي وفرغت لشتمي، أي أخذت فيه وأقبلت عليه. قال جرير بن الخطفي: شعر : ولما التقى القين العراقي بأسته فرغت إلى القين المقيّد بالحجل تفسير : أي قصدته بما يسوؤه، وهذا القول اختيار الفندي والكسائي. وقال بعضهم: إن الله سبحانه وعد على التقوى وأوعد على الفجور، ثم قال: سنفرغ لكم مما أوعدناكم وأخبرناكم فنحاسبكم ونجازيكم، وننجز لكم ما وعدناكم، ونوصل كلا إلى ما عدناه، فيتمّ ذلك ويفرغ منه، وإلى هذا ذهب الحسن ومقاتل وابن زيد، وقال ابن كيسان: الفراغ للفعل هو التوفر عليه دون غيره. {أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ} أي الجن والإنس، دليله قوله في عقبه {يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ} سمّيا ثقلين؛ لأنهما ثقل أحياءً وأمواتاً، قال الله سبحانه: {أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} تفسير : [الزلزلة: 2] وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قدر ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل؛ لأن واجده وصائده يفرح إذا ظفر به قال الشاعر: شعر : فتذكّرا ثقلاً رثيداً بعدما ألقت ذكاءُ يمينها في كافر تفسير : وقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي" تفسير : فجعلهما ثقلين إعظاماً لقدرهما، وقال جعفر الصادق: سمي الجن والانس ثقلين؛ لأنهما مثقلان بالذنوب. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ} ولم يقل: استطعتما؛ لأنهما فريقان في حال جمع كقوله سبحانه: {أية : فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} تفسير : [النمل: 45] وقوله سبحانه: {أية : هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} تفسير : [الحج: 19]. {أَن تَنفُذُواْ} تجوزوا {مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي أطرافها {فَٱنفُذُواْ} ومعنى الآية إن استطعتم ان تجوزوا اطراف السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا، وانما يقال لهم هذا يوم القيامة، وقال الضحاك: يعني هاربين من الموت، فأخبر أنه لا يجيرهم من الموت ولا محيص لهم منه، ولو نفذوا من أقطار السماوات والأرض كانوا في سلطان الله عز وجل وملكه، وقال ابن عباس: يعني: إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا، ولن تعلموه إلاّ بسلطان يعني البيّنة من الله سبحانه. {لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} أي حجة. قال ابن عباس وعطاء: لا تخرجون من سلطان، وقيل معناه إلاّ إلى سلطاني كقوله {أية : وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ} تفسير : [يوسف: 100] أي أحسن أليّ، وقال الشاعر: شعر : أسىء بنا أفأحسني لا ملومة لدينا ولا مقليّة إن تقلّت تفسير : وفي الخبر "يحاط على الخلق الملائكة وبلسان من نار ثم ينادون: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم. .. فذلك قوله تعالى...". {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ} قرأ ابن كثير وابن أبي إسحاق بكسر الشين، غيرهما بضمّه، وهما لغتان مثل صُوار من البقر، وصَوار وهو اللهب، قال حسان بن ثابت يهجو أُمية بن أبي الصلت: شعر : هجوتك فاختضعتَ لها بذلٍّ بقافية تأجج كالشواظ تفسير : وقال رؤبة: شعر : إن لهم من وقعنا أقياظا ونار حرب تسعر الشواظا تفسير : وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب {وَنُحَاسٌ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر السين عطفاً على النار، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون بالرفع عطفاً على الشواط، واختاره أبو عبيد. قال سعيد بن جبير: النحاس: الدخان، وهي رواية أبي صالح وابن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال النابغة: شعر : يضيء كضوء سراج السليط لم يجعل الله فيه نحاسا تفسير : قال الاصمعي: سمعت أعرابياً يقول: السليط: دهن السنام ولا دخان له، وقال مجاهد وقتادة: هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال مقاتل: هي خمسة أنهار من صفر ذائب تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار، وقال عبد الله بن مسعود: النحاس: المهل. ربيع: القطر. الضحّاك: دُرديّ الزيت. الكسائي: هو الذي له ريح شديدة {فَلاَ تَنتَصِرَانِ} فلا تنتقمان وتمتنعان. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَإِذَا ٱنشَقَّتِ} انفرجت {ٱلسَّمَآءُ} فصارت أبواباً لنزول الملائكة، بيانه قوله سبحانه: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً} تفسير : [الفرقان: 25] {فَكَانَتْ} صارت {وَرْدَةً} مشرقة، وقيل: متغيّرة، وقيل: بلون الورد. قال قتادة: إنها اليوم خضراء وسيكون لها يومئذ لون آخر {كَٱلدِّهَانِ} اختلفوا فيه. قال ابن عباس والضحاك وقتادة والربيع: يعني كلون غرس الورد، يكون في الربيع كميتاً أصفر، فإذا ضربه أول الشتاء يكون كميتاً أحمر، فإذا اشتدّ الشتاء يكون كميتاً أغبر، فشبه السماء في تلوّنها عند انشقاقها بهذا الغرس في تلوّنه، وقال مجاهد وأبو العالية: كالدّهن، وهي رواية شيبان عن قتادة، قال: الدهان جمع الدهن، وللدهن ألوان، شبّه السماء بألوانه. (وقال: ) عطاء بن أبي رياح: كعصير الزيت يتلوّن في الساعة ألواناً. (وقال: ) الحسين بن الفضل: كصبيب الدهن يتلوّن. (وقال: ) ابن جريج: تذوب السماء كالدهن الذائب وذلك حين يصيبها حر جهنم، (وقال: ) مقاتل: كدهن الورد الصافي. (وقال) مؤرخ: كالوردة الحمراء، (وقال: ) الكلبي: كالأديم الأحمر، وجمعه أدهنة. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن ماجة، قال: حدّثنا ابن أيوب قال: حدّثنا لقمان الحنفي قال حديث : أتى النبي صلى الله عليه وسلم على شاب في جوف الليل وهو يقرأ هذه الآية: {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ} فوقف الشاب وخنقته العبرة وجعل يقول: ويحي من يوم تنشق فيه السماء، ويحي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "يا فتى مثلها أو مثّلها، فوالذي نفسي بيده لقد بكت الملائكة يا فتى من بكائك ".

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ} معناه سَيُحاسبُكُم والثَّقلانُ: الجن والإِنسُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: سنفرغ لحسابكم ومجازاتكم بأعمالكم التي عملتموها في دار الدنيا.

همام الصنعاني

تفسير : 3089- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر قال تَلاَ قتادة: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ}: [الآية: 31]، قال: قد دَنا من الله فراغ لخلقه.