٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذه السورة مشتملة على أنواع كثيرة من التكاليف، وذلك لأنه تعالى أمر الناس في أول هذه السورة بالتعطف على الأولاد والنساء والأيتام، والرأفة بهم وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم، وبهذا المعنى ختمت السورة، وهو قوله: {أية : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ } تفسير : [النساء: 176] وذكر في أثناء هذه السورة أنواعا أخر من التكاليف، وهي الأمر بالطهارة والصلاة وقتال المشركين ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس لثقلها على الطباع، لا جرم افتتح السورة بالعلة التي لأجلها يجب حمل هذه التكاليف الشاقة، وهي تقوى الرب الذي خلقنا والاله الذي أوجدنا، فلهذا قال: { يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روى الواحدي عن ابن عباس في قوله: {يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } أن هذا الخطاب لأهل مكة، وأما الأصوليون من المفسرين فقد اتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلفين، وهذا هو الأصح لوجوه: أحدها: أن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق. وثانيها: أنه تعالى علل الأمر بالاتقاء بكونه تعالى خالقاً لهم من نفس واحدة، وهذه العلة عامة في حق جميع المكلفين بأنهم من آدم عليه السلام خلقوا بأسرهم، وإذا كانت العلة عامة كان الحكم عاما. وثالثها: أن التكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة، بل هو عام في حق جميع العالمين، وإذا كان لفظ الناس عاما في الكل، وكان الأمر بالتقوى عاما في الكل، وكانت علة هذا التكليف، وهي كونهم خلقوا من النفس الواحدة عامة في حق الكل، كان القول بالتخصيص في غاية البعد. وحجة ابن عباس أن قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأرْحَامَ } مختص بالعرب لأن المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم. فيقولون أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم، وإذا كان كذلك كان قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } مختصا بالعرب، فكان أول الآية وهو قوله: { أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } مختصا بهم لأن قوله في أول الآية: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ } وقوله بعد ذلك: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأرْحَامَ } وردا متوجهين إلى مخاطب واحد، ويمكن أن يجاب عنه بأنه ثبت في أصول الفقه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها، فكان قوله: {يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } عاما في الكل، وقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأرْحَامَ }. خاصاً بالعرب. المسألة الثانية: أنه تعالى جعل هذا المطلع مطلعا لسورتين في القرآن: إحداهما: هذه السورة وهي السورة الرابعة من النصف الأول من القرآن. والثانية: سورة الحج، وهي أيضا السورة الرابعة من النصف الثاني من القرآن، ثم إنه تعالى علل الأمر بالتقوى في هذه السورة بما يدل على معرفة المبدأ، وهو أنه تعالى خلق الخلق من نفس واحدة، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وكمال حكمته وجلاله، وعلل الأمر بالتقوى في سورة الحج بما يدل على كمال معرفة المعاد، وهو قوله: {أية : إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ } تفسير : [الحج: 1] فجعل صدر هاتين السورتين دلالة على معرفة المبدأ ومعرفة المعاد، ثم قدم السورة الدالة على المبدأ على السورة الدالة على المعاد، وتحت هذا البحث أسرار كثيرة. المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى أمرنا بالتقوى وذكر عقبيه أنه تعالى خلقنا من نفس واحدة، وهذا مشعر بأن الأمر بالتقوى معلل بأنه تعالى خلقنا من نفس واحدة، ولا بد من بيان المناسبة بين هذا الحكم وبين ذلك الوصف، فنقول: قولنا إنه تعالى خلقنا من نفس واحدة، مشتمل على قيدين: أحدهما: أنه تعالى خلقنا، والثاني: كيفية ذلك التخليق، وهو أنه تعالي إنما خلقنا من نفس واحدة، ولكل واحد من هذين القيدين أثر في وجوب التقوى. أما القيد الأول: وهو أنه تعالى خلقنا، فلا شك أن هذا المعنى علة لأن يجب علينا الانقياد لتكاليف الله تعالى والخضوع لأوامره ونواهيه، وبيان ذلك من وجوه: الأول: أنه لما كان خالقا لنا وموجداً لذواتنا وصفاتنا فنحن عبيده وهو مولى لنا، والربوبية توجب نفاذ أوامره على عبيده، والعبودية توجب الانقياد للرب والموجد والخالق، الثاني: أن الإيجاد غاية الإنعام ونهاية الإحسان، فإنك كنت معدوما فأوجدك، وميتا فأحياك، وعاجزا فأقدرك. وجاهلا فعلمك، كما قال إبراهيم عليه السلام: {الذي خلقني فهو يهدين والذين هو يطعمني ويسقين} فلما كانت النعم بأسرها من الله سبحانه وجب على العبد أن يقابل تلك النعم بإظهار الخضوع والانقياد، وترك التمرد والعناد، وهذا هو المراد بقوله: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } تفسير : [البقرة: 28] الثالث: وهو أنه لما ثبت كونه موجدا وخالقاً وإلها وربا لنا. وجب علينا أن نشتغل بعبوديته وأن نتقي كل ما نهى عنه وزجر عنه، ووجب أن لا يكون شيء من هذه الأفعال موجباً ثواباً ألبتة، لأن هذه الطاعات لما وجبت في مقابلة النعم السالفة امتنع أن تصير موجبة للثواب، لأن أداء الحق إلى المستحق لا يوجب شيئاً آخر، هذا إذا سلمنا أن العبد أتى بتلك الطاعات من عند نفسه ابتداء، فكيف وهذا محال، لأن فعل الطاعات لا يحصل إلا إذا خلق الله القدرة على الطاعة، وخلق الداعية على الطاعة، ومتى حصلت القدرة والداعي كان مجموعهما موجبا لصدور الطاعة عن العبد، وإذا كان كذلك كانت تلك الطاعة إنعاما من الله على عبده، والمولى إذا خص عبده بإنعام لم يصر ذلك الإنعام موجبا عليه إنعاماً آخر، فهذا هو الاشارة إلى بيان أن كونه خالقاً لنا يوجب علينا عبوديته والاحتراز عن مناهيه. وأما القيد الثاني: وهو أن خصوص كونه خالقاً لنا من نفس واحدة يوجب علينا الطاعة والاحتراز عن المعصية، فبيانه من وجوه: الأول: أن خلق جميع الأشخاص الانسانية من الانسان الواحد أدل على كمال القدرة، من حيث أنه لو كان الأمر بالطبيعة والخاصية لكان المتولد من الانسان الواحد، لم يكن إلا أشياء متشاكلة في الصفة متشابهة في الخلقة والطبيعة، فلما رأينا في أشخاص الناس الأبيض والأسود والأحمر والأسمر والحسن والقبيح والطويل والقصير، دل ذلك على أن مدبرها وخالقها فاعل مختار، لا طبيعة مؤثرة، ولا علة موجبة، ولما دلت هذه الدقيقة على أن مدبر العالم فاعل مختار قادر على كل الممكنات عالم بكل المعلومات، فحينئذ يجب الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه، فكان ارتباط قوله: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ } بقوله: {خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } في غاية الحسن والانتظام. والوجه الثاني: وهو أنه تعالى لما ذكر الأمر بالتقوى ذكر غقبيه الأمر بالاحسان إلى اليتامى والنساء والضعفاء، وكون الخلق بأسرهم مخلوقين من نفس واحدة له أثر في هذا المعنى، وذلك لأن الأقارب لا بد وأن يكون بينهم نوع مواصلة ومخالطة توجب مزيد المحبة، ولذلك ان الانسان يفرح بمدح أقاربه وأسلافه، ويحزن بذمهم والطعن فيهم، وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها» تفسير : وإذا كان الأمر كذلك، فالفائدة في ذكر هذا المعنى أن يصير ذلك سبباً لزيادة شفقة الخلق بعضهم على البعض. الوجه الثالث: أن الناس اذا عرفوا كون الكل من شخص واحد تركوا المفاخرة والتكبر وأظهروا التواضع وحسن الخلق. الوجه الرابع: أن هذا يدل على المعاد، لأنه تعالى لما كان قادرا على أن يخرج من صلب شخص واحد أشخاصا مختلفين، وأن يخلق من قطرة من النطفة شخصا عجيب التركيب لطيف الصورة، فكيف يستبعد إحياء الأموات وبعثهم ونشورهم، فتكون الآية دالة على المعاد من هذا الوجه {أية : لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى } تفسير : [النجم: 31]. الوجه الخامس: قال الأصم: الفائدة فيه: أن العقل لا دليل فيه على أن الخلق يجب أن يكونوا مخلوقين من نفس واحدة، بل ذلك إنما يعرف بالدلائل السمعية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمياً ما قرأ كتابا ولا تتلمذ لأستاذ، فلما أخبر عن هذا المعنى كان إخبارا عن الغيب فكان معجزا، فالحاصل أن قوله: {خَلَقَكُمْ } دليل على معرفة التوحيد، وقوله: {مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } دليل على معرفة النبوة. فان قيل: كيف يصح أن يكون الخلق أجمع من نفس واحدة مع كثرتهم وصغر تلك النفس؟ قلنا: قد بين الله المراد بذلك لأن زوج آدم اذا خلقت من بعضه، ثم حصل خلق أولاده من نطفتهما ثم كذلك أبدا، جازت إضافة الخلق أجمع الى آدم. المسألة الرابعة: أجمع المسلمون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم عليه السلام، إلا أنه أنث الوصف على لفظ النفس، ونظيره قوله تعالى: {أية : أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ }تفسير : [الكهف: 74] وقال الشاعر:شعر : أبوك خليفة ولدته أخرى فأنت خليفة ذاك الكمال تفسير : قالوا فهذا التأنيث على لفظ الخليفة. قوله تعالى: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } فيه مسائل: المسألة الأولى: المراد من هذا الزوج هو حواء، وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان: الأول: وهو الذي عليه الأكثرون أنه لما خلق الله آدم ألقى عليه النوم، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى، فلما استيقط رآها ومال اليها وألفها، لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه، واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها». تفسير : والقول الثاني: وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني: أن المراد من قوله: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } أي من جنسها وهو كقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا }تفسير : [النحل: 72] وكقوله: {أية : إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 164] وقوله: {أية : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [التوبة: 128] قال القاضي: والقول الأول أقوى، لكي يصح قوله: {خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين، لا من نفس واحدة، ويمكن أن يجاب عنه بأن كلمة «من» لابتداء الغاية، فلما كان ابتداء التخليق والايجاد وقع بآدم عليه السلام صح أن يقال: خلقكم من نفس واحدة، وأيضا فلما ثبت أنه تعالى قادر على خلق آدم من التراب كان قادرا أيضا على خلق حواء من التراب، وإذا كان الأمر كذلك، فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم. المسألة الثانية: قال ابن عباس: إنما سمي آدم بهذا الاسم لأنه تعالى خلقه من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها؛ فلذلك كان في ولده الأحمر والأسود والطيب والخبيث والمرأة إنما سميت بحواء لأنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم فكانت مخلوقة من شيء حي، فلا جرم سميت بحواء. المسألة الثالثة: احتج جمع من الطبائعيين بهذه الآية فقالوا: قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } يدل على أن الخلق كلهم مخلوقون من النفس الواحدة، وقوله: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } يدل على أن زوجها مخلوقة منها، ثم قال في صفة آدم: {أية : خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } تفسير : [آل عمران: 59] فدل على أن آدم مخلوق من التراب، ثم قال في حق الخلائق: {أية : مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ }تفسير : [طه: 55] وهذه الآيات كلها دالة على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة يصير الشيء مخلوقا منها، وأن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال. أجاب المتكلمون فقالوا: خلق الشيء من الشيء محال في العقول، لأن هذا المخلوق إن كان عين ذلك الشيء الذي كان موجودا قبل ذلك لم يكن هذا مخلوقا ألبتة، واذا لم يكن مخلوقا امتنع كونه مخلوقا من شيء آخر، وإن قلنا: إن هذا المخلوق مغاير للذي كان موجوداً قبل ذلك، فحينئذ هذا المخلوق وهذا المحدث إنما حدث وحصل عن العدم المحض، فثبت أن كون الشيء مخلوقا من غيره محال في العقول، وأما كلمة {مِنْ } في هذه الآية فهو مفيد ابتداء الغاية، على معنى أن ابتداء حدوث هذه الأشياء من تلك الأشياء لا على وجه الحاجة والافتقار، بل على وجه الوقوع فقط. المسألة الرابعة: قال صاحب «الكشاف»: قرىء {وَخَالَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا } بلفظ اسم الفاعل، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هو خالق. قوله تعالى: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء }. وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: بث منهما: يريد فرق ونشر، قال ابن المظفر: البث تفريقك الأشياء، يقال: بث الخيل في الغارة وبث الصياد كلابه، وخلق الله الخلق فبثهم في الأرض، وبثثت البسط إذا نشرتها، قال الله تعالى: {وَزَرَابِيّ مَبْثُوثَةٌ } قال الفراء والزجاج: وبعض العرب يقول: أبث الله الخلق. المسألة الثانية: لم يقل: وبث منهما الرجال والنساء لأن ذلك يوجب كونهما مبثوثين عن نفسهما وذلك محال، فلهذا عدل عن هذا اللفظ إلى قوله: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء }. فان قيل: لم لم يقل: وبث منهما رجالا كثيراً ونساء كثيراً؟ ولم خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء؟ قلنا: السبب فيه والله أعلم أن شهرة الرجال أتم، فكانت كثرتهم أظهر، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة، وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج والبروز، واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول. المسألة الثالثة: الذين يقولون: إن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر، وكانوا مجتمعين في صلب آدم عليه السلام، حملوا قوله: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء } على ظاهره، والذين أنكروا ذلك قالوا: المراد بث منهما أولادهما ومن أولادهما جمعا آخرين، فكان الكل مضافا اليهما على سبيل المجاز. قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }. فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: {تَسَاءلُونَ } بالتخفيف والباقون بالتشديد، فمن شدد أراد: تتساءلون فأدغم التاء في السين لاجتماعهما في أنهما من حروف اللسان وأصول الثنايا واجتماعهما في الهمس، ومن خفف حذف تاء تتفاعلون لاجتماع حروف متقاربة، فأعلها بالحذف كما أعلها الأولون بالإدغام، وذلك لأن الحروف المتقاربة إذا اجتمعت خففت تارة بالحذف وأخرى بالإدغام. المسألة الثانية: قرأ حمزة وحده {وَٱلأرْحَامَ } بجر الميم قال القفال رحمه الله: وقد رويت هذه القراءة عن غير القراء السبعة عن مجاهد وغيره، وأما الباقون من القراء فكلهم قرؤا بنصب الميم. وقال صاحب «الكشاف»: قرىء {وَٱلأرْحَامَ } بالحركات الثلاث، أما قراءة حمزة فقد ذهب الأكثرون من النحويين إلى أنها فاسدة، قالوا: لأن هذا يقتضي عطف المظهر على المضمر المجرور وذلك غير جائز. واحتجوا على عدم جوازه بوجوه: أولها: قال أبو علي الفارسي: المضمر المجرور بمنزلة الحرف، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه، إنما قلنا المضمر المجرور بمنزلة الحرف لوجوه: الأول: أنه لا ينفصل ألبتة كما أن التنوين لا ينفصل، وذلك أن الهاء والكاف في قوله: به، وبك لا ترى واحدا منفصلا عن الجار ألبتة فصار كالتنوين. الثاني: أنهم يحذفون الياء من المنادى المضاف في الاختيار كحذفهم التنوين من المفرد، وذلك كقولهم: يا غلام، فكان المضمر المجرور مشابها للتنوين من هذا الوجه، فثبت أن المضمر المجرور بمنزلة حرف التنوين، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه لأن من شرط العطف حصول المشابهة بين المعطوف والمعطوف عليه، فإذا لم تحصل المشابهة ههنا وجب أن لا يجوز العطف. وثانيها: قال علي بن عيسى: إنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع. فلا يجوز أن يقال: اذهب وزيد، وذهبت وزيد بل يقولون: يا غلام، فكان المضمر المجرور مشابها للتنوين من هذا الوجه، فثبت أن المضمر المجرور بمنزلة حرف التنوين، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه لأن من شرط العطف حصول المشابهة بين المعطوف والمعطوف عليه، فإذا لم تحصل المشابهة ههنا وجب أن لا يجوز العطف. وثانيها: قال علي بن عيسى: إنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع. فلا يجوز أن يقال: اذهب وزيد، وذهبت وزيد بل يقولون: اذهب أنت وزيد، وذهبت أنا وزيد. قال تعالى: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا }تفسير : [المائدة: 24] مع ان المضمر المرفوع قد ينفصل، فاذا لم يجز عطف المظهر على المضمر المجرور مع انه أقوى من المضمر المجرور بسبب أنه قد ينفصل، فلأن لا يجوز عطف المظهر على المضمر المجرور مع أنه ألبتة لا ينفصل كان أولى. وثالثها: قال أبو عثمان المازني: المعطوف والمعطوف عليه متشاركان، وإنما يجوز عطف الأول على الثاني لو جاز عطف الثاني على الأول، وههنا هذا المعنى غير حاصل، وذلك لأنك لا تقول: مررت بزيدوك، فكذلك لا تقول مررت بك وزيد. واعلم أن هذه الوجوه ليست وجوها قوية في دفع الروايات الواردة في اللغات، وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة، والظاهر أنه لم يأت بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة، والقياس يتضاءل عند السماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التي هي أوهن من بيت العنكبوت، وأيضا فلهذه القراءة وجهان: أحدهما: أنها على تقدير تكرير الجار، كأنه قيل تساءلون به وبالأرحام. وثانيها: أنه ورد ذلك في الشعر وأنشد سيبويه في ذلك:شعر : فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجبتفسير : وأنشد أيضا:شعر : نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب غوط نفانف تفسير : والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن. واحتج الزجاج على فساد هذه القراءة من جهة المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تحلفوا بآبائكم»تفسير : فإذا عطفت الأرحام على المكنى عن اسم الله اقتضى ذلك جواز الحلف بالارحام، ويمكن الجواب عنه بأن هذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونه في الجاهلية لأنهم كانوا يقولون: أسألك بالله والرحم، وحكاية هذا الفعل عنهم في الماضي لا تنافي ورود النهي عنه في المستقبل، وأيضاً فالحديث نهي عن الحلف بالآباء فقط، وههنا ليس كذلك، بل هو حلف بالله أولا ثم يقرن به بعده ذكر الرحم، فهذا لا ينافي مدلول ذلك الحديث، فهذا جملة الكلام في قراءة قوله: {وَٱلأرْحَامَ } بالجر. أما قراءته بالنصب ففيه وجهان: الأول: وهو اختيار أبي علي الفارسي وعلي بن عيسى أنه عطف على موضع الجار والمجرور كقوله:شعر : فلسنا بالجبال ولا الحديدا تفسير : والثاني: وهو قول أكثر المفسرين: أن التقدير: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج، وعلى هذا الوجه فنصب الأرحام بالعطف على قوله: {ٱللَّهِ } أي: اتقوا الله واتقوا الأرحام أي اتقوا حق الأرحام فصلوها ولا تقطعوها قال الواحدي رحمه الله: ويجوز أيضاً أن يكون منصوبا بالاغراء، أي والأرحام فاحفظوها وصلوها كقولك: الأسد الأسد، وهذا التفسير يدل على تحريم قطيعة الرحم، ويدل على وجوب صلتها. وأما القراءة بالرفع فقال صاحب «الكشاف»: الرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف كأنه قيل: والأرحام كذلك على معنى والأرحام مما يتقى، أو والأرحام مما يتساءل به. المسألة الثالثة: أنه تعالى قال أولا: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ } ثم قال بعده: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } وفي هذا التكرير وجوه: الأول: تأكيد الأمر والحث عليه كقولك للرجل: اعجل اعجل فيكون أبلغ من قولك: اعجل الثاني: أنه أمر بالتقوى في الأول لمكان الإنعام بالخلق وغيره، وفي الثاني أمر بالتقوى لمكان وقوع التساؤل به فيما يلتمس البعض من البعض. الثالث: قال أولا: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ } وقال ثانيا: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } والرب لفظ يدل على التربية والإحسان، والاله لفظ يدل على القهر والهيبة، فأمرهم بالتقوى بناء على الترغيب، ثم أعاد الأمر به بناء على الترهيب كما قال: {أية : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً } تفسير : [السجدة: 16] وقال: {أية : وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً }تفسير : [الأنبياء: 90] كأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته لأنه شديد العقاب عظيم السطوة. المسألة الرابعة: اعلم أن التساؤل بالله وبالأرحام قيل هو مثل أن يقال: بالله أسألك، وبالله أشفع إليك، وبالله أحلف عليك، إلى غير ذلك مما يؤكد المرء به مراده بمسألة الغير، ويستعطف ذلك الغير في التماس حقه منه أو نواله ومعونته ونصرته، وأما قراءة حمزة فهي ظاهرة من حيث المعنى، والتقدير: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، لأن العادة جرت في العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيره بالرحم فيقول: أسألك بالله والرحم، وربما أفرد ذلك فقال: أسألك بالرحم، وكان يكتب المشركون الى رسول الله صلى الله عليه وسلم: نناشدك الله والرحم أن لا تبعث الينا فلانا وفلانا، وأما القراءة بالنصب فالمعنى يرجع الى ذلك، والتقدير: واتقوا الله واتقوا الأرحام، قال القاضي: وهذا أحد ما يدل على أنه قد يراد باللفظ الواحد المعاني المختلفة، لأن معنى تقوى الله مخالف لمعنى تقوى الأرحام، فتقوى الله إنما يكون بالتزام طاعته واجتناب معاصيه، واتقاء الأرحام بأن توصل ولا تقطع فيما يتصل بالبر والافضال والاحسان، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى لعله تكلم بهذه اللفظة مرتين، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال. المسألة الخامسة: قال بعضهم: اسم الرحم مشتق من الرحمة التي هي النعمة، واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي»تفسير : ووجه التشبيه أن لمكان هذه الحالة تقع الرحمة من بعض الناس لبعض. وقال آخرون: بل اسم الرحم مشتق من الرحم الذي عنده يقع الإنعام وأنه الأصل، وقال بعضهم: بل كل واحد منهما أصل بنفسه، والنزاع في مثل هذا قريب. المسألة السادسة: دلت الآية على جواز المسألة بالله تعالى. روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سألكم بالله فأعطوه»تفسير : وعن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع: منها ابرار القسم. المسألة السابعة: دل قوله تعالى: {وَٱلأرْحَامَ } على تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها، قال تعالى: {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } تفسير : [محمد: 22] وقال: {لا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } قيل في الأول: إنه القرابة، وقال: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً} تفسير : [الإسراء: 23] وقال: {أية : وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ } تفسير : [النساء: 36] وعن عبد الرحمن بن عوف: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته»تفسير : وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرحم وما من عمل عصى الله به أعجل عقوبة من البغي واليمين الفاجرة» تفسير : وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ان الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء ويدفع الله بهما المحذور والمكروه» تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» تفسير : قيل الكاشح العدو، فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها، ثم إن أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه بنوا على هذا الأصل مسألتين: إحداهما: أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت، والعم والخال، قال لأنه لو بقي الملك لحل الاستخدام بالإجماع، لكن الاستخدام إيحاش يورث قطيعة الرحم، وذلك حرام بناء على هذا الأصل، فوجب أن لا يبقى الملك، وثانيهما: أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها لان ذلك الرجوع إيحاش يورث قطيعة الرحم، فوجب أن لا يجوز، والكلام في هاتين المسألتين مذكور في الخلافيات. ثم أنه تعالى ختم هذه الآية بما يكون كالوعد والوعيد والترغيب والترهيب فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } والرقيب هو المراقب الذي يحفظ عليك جميع أفعالك. ومن هذا صفته فإنه يجب أن يخاف ويرجى، فبين تعالى أنه يعلم السر وأخفى، وأنه إذا كان كذلك يجب أن يكون المرء حذرا خائفا فيما يأتي ويترك.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} قد مضى في «البقرة» اشتقاق{الناس} ومعنى التقوى والرب والخلق والزوج والبث، فلا معنى للإعادة. وفي الآية تنبيه على الصانع. وقال {وَاحِدَةٍ} على تأنيث لفظ النفس. ولفظ النفس يؤنث وإن عني به مذكر. ويجوز في الكلام {من نفس واحد} وهذا على مراعاة المعنى؛ إذ المراد بالنفس آدم عليه السلام؛ قاله مجاهد وقتادة. وهي قراءة ابن أبي عبلة «واحد» بغير هاء. {وبثَّ} معناه فرّق ونشر في الأرض؛ ومنه { أية : وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ } تفسير : [الغاشية: 16] وقد تقدّم في «البقرة» و {مِنْهُمَا} يعني آدام وحوّاء. قال مجاهد: خلقت حوّاء من قُصَيْرَي آدم. وفي الحديث: « حديث : خلقت المرأة من ضِلع عَوْجاء » تفسير : ، وقد مضى في البقرة. {رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} حَصَر ذريتهما في نوعين؛ فاقتضى أن الخُنْثى ليس بنوع، لكن له حقيقة تردّه إلى هذين النوعين وهي الآدمية فيلحق بأحدهما، على ما تقدم ذكره في «البقرة» من اعتبار نقص الأعضاء وزيادتها. الثانية ـ قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} كرّر الاتقاء تأكيداً وتنبيهاً لنفوس المأمورين. و «الذي» في موضع نصب على النعت. «وَالأَرحَامَ» معطوف. أي اتقوا الله أن تعصوه. واتقوا الأرحام أن تقطعوها. وقرأ أهل المدينة «تَسَّاءلُونَ» بإدغام التاء في السين. وأهل الكوفة بحذف التاء، لاجتماع تائين، وتخفيف السين؛ لأن المعنى يعرف؛ وهو كقوله: { أية : وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ } تفسير : [المائدة: 2] و «تَنَزَّلُ» وشبهه. وقرأ إبراهيم النخعي وقتادة والأعْمَش وحَمْزة {وَٱلأَرْحَامِ} بالخفض. وقد تكلم النحويون في ذلك. فأما البصريون فقال رؤساؤهم: هو لَحْن لا تحِلّ القراءة به. وأما الكوفيون فقالوا: هو قبيح؛ ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا عِلّة قبحه؛ قال النحاس: فيما علمتُ. وقال سيبويه: لم يعطف على المضمر المخفوض؛ لأنه بمنزلة التنوين، والتنوين لا يعطف عليه. وقال جماعة: هو معطوف على المكنِيّ؛ فإنهم كانوا يتساءلون بها، يقول الرجل: سألتك بالله والرحِم؛ هكذا فسره الحسن والنخعِيّ ومجاهد، وهو الصحيح في المسألة، على ما يأتي. وضعّفه أقوام منهم الزجاج، وقالوا: يقبح عطف الاسم الظاهر على المضمر في الخفض إلا بإظهار الخافض؛ كقوله { أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ } تفسير : [القصص: 81] ويقبح «مررت به وزيدٍ» قال الزجاج عن المازني: لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان، يحل كل واحد منهما محل صاحبه؛ فكما لا يجوز «مررت بزيد وبك» كذلك لا يجوز «مررت بك وزيد». وأما سيبويه فهي عنده قبيحة ولا تجوز إلاّ في الشعر؛ كما قال: شعر : فاليوم قرّبتَ تَهجُونا وتشتِمُنا فاذهبْ فما بكَ والأيامِ من عَجَب تفسير : عطف «الأيام» على الكاف في «بك» بغير الباء للضرورة. وكذلك قول الآخر: شعر : نعلِّق في مِثل السَّوَارِي سيوفنا وما بينها والكَعْبِ مَهْوى نَفَانِفُ تفسير : عطف «الكعب» على الضمير في «بينها» ضرورة. وقال أبو عليّ: ذلك ضعيف في القياس. وفي (كتاب التذكرة المهدية) عن الفارسي أن أبا العباس المبرّد قال: لو صليتُ خلف إمام يقرأ {مَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيِّ} و«اتَّقُوا الله الذَّي تَسَاءَلُوَن بِه وَالأْرحَامِ» لأخذت نعلي ومضيت. قال الزجاج: قراءة حَمْزَةَ مع ضعفها وقبحها في العربية خطأ عظيم في أصول أمر الدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا تحلفوا بآبائكم » تفسير : فإذا لم يجز الحلف بغير الله فكيف يجوز بالرّحِم. ورأيت إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أن الحلِف بغير الله أمر عظيم، وأنه خاص لله تعالى. قال النحاس: وقول بعضهم {وَٱلأَرْحَامَ} قَسَمٌ خطأ من المعنى والإعراب؛ لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على النصب. وروى شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: حديث : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء قوم من مضر حُفاةً عراةً، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير لِما رأى من فاقتهم، ثم صلى الظهر وخطب الناس فقال: {يَأَيُّها النَّاسُ ٱتقُوا رَبَّكُمُ}، إلى {وَالأَرْحَامَ}؛ ثم قال: «تصدّق رجل بديناره تصدّق رجل بدرهمه تصدّق رجل بصاع تمره» تفسير : وذكر الحديث. فمعنى هذا على النصب؛ لأنه حضّهم على صلة أرحامهم وأيضاً فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : من كان حالِفا فليحلف بالله أو ليصمت » تفسير : . فهذا يرّد قول من قال: المعنى أسألك بالله وبالرّحم. وقد قال أبو إسحاق: معنى {تَسَاءَلُونَ بِهِ} يعني تطلبون حقوقكم به. ولا معنى للخفض أيضاً مع هذا. قلت: هذا ما وقفت عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة «وَالأَرْحَامِ» بالخفض، واختاره ابن عطية. وردّه الإمام أبو النصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيريّ، واختار العطف فقال: ومثل هذا الكلامِ مردود عند أئمة الدين؛ لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القرّاء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواتراً يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن ردّ ذلك فقد ردّ على النبي صلى الله عليه وسلم، واستقبح ما قرأ به وهذا مقام محذور، ولا يقلَّد فيه أئمة اللغة والنحو؛ فإن العربية تُتلقّى من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشك أحد في فصاحته. وأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر؛ لأنه عليه السلام قال لأبي العُشَرَاء. « حديث : وأبِيك لو طعنت في خاصرته » تفسير : . ثم النهي إنما جاء في الحلفِ بغير الله، وهذا توسل إلى الغير بحق الرّحم فلا نهي فيه. قال القشيري: وقد قيل هذا إقسام بالرّحم، أي اتقوا الله وحق الرحم، كما تقول: افعل كذا وحقِّ أبيك. وقد جاء في التنزيل: «والنَّجْمِ، والطّورِ، والتِّينِ، لَعْمرُك» وهذا تكلفٌ. قلت: لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أنه يكون «وَالأَرْحَامِ» من هذا القبيل، فيكون أقسم بها كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيداً لها حتى قرنها بنفسه. والله أعلم. ولِلّهِ أن يُقسِم بما شاء ويبيح ما شاء، فلا يبعد أن يكون قسماً. والعرب تُقسم بالرحم. ويصح أن تكون الباء مرادةً فحذفها كما حذفها في قوله: شعر : مَشائيمُ ليسوا مُصلِحِينَ عَشِيرةً ولا ناعِبٍ إلاّ بِبَيْنٍ غُرابُها تفسير : فجر وإن لم يتقدّم باء. قال آبن الدَّهان أبو محمد سعيد بن مبارك: والكوفي يُجيز عطف الظاهر على المجرور ولا يمنع منه. ومنه قوله: شعر : آبَكَ أيِّهْ بِيَ أو مُصَدَّرِ من حُمُر الجِلّةِ جَأْبٍ حَشْوَرِ تفسير : ومنه: شعر : فاذْهَبْ فما بِكَ والأيَّامِ مِنْ عَجَبِ تفسير : وقـول الآخـر: شعر : وما بَيْنها والكَعْبِ غَوْطٌ نَفَانِفُ تفسير : ومنه: شعر : فحسبُك والضَّحّاكِ سَيْفٌ مُهَنَّدُ تفسير : وقول الآخر: شعر : وقد رَامَ آفاقَ السّماءِ فلم يَجِدْ له مَصعَداً فيها ولا الأرْضِ مَقْعَدَا تفسير : وقول الآخر: شعر : ما إنْ بها والأُمورِ مِنْ تَلَفٍ ما حُمّ مِنْ أمرِ غَيْبِهِ وَقَعَا تفسير : وقول الآخر: شعر : أمُرُّ على الكَتِيبَة لَسْتُ أدرِي أحَتْفِيَ كان فيها أمْ سِواها تفسير : فـ «سواها» مجرور الموضع بفِي. وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى: { أية : وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ } تفسير : [الحجر: 20] فعطف على الكاف والميم. وقرأ عبدالله بن يزيد «وَالأَرْحَامُ» بالرفع على الآبتداء، والخبر مقدر، تقديره: والأرحام أهل أن توصل. ويحتمل أن يكون إغراء لأن من العرب من يرفع المغرى. وأنشد الفراء: شعر : إن قوما منهم عُمَيْرٌ وأشْبَا هُ عُمَيْرٍ ومنهم السفّاحُ لَجَديرون باللِّقاء إذا قا ل أخو النّجْدَةِ السلاحُ السلاحُ تفسير : وقد قيل: إنّ {وَالأَرحَامَ} بالنصب عطف على موضع به؛ لأن موضعه نصب، ومنه قوله: شعر : فلسنا بالجبال ولا الحديدا تفسير : وكانوا يقولون: أنشُدُك بالله والرّحِمَ. والأظهر أنه نصب بإضمار فعلٍ كما ذكرنا. الثالثة ـ اتفقت المِلة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرّمة. وقد صح حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال لأَسْمَاءَ وقد سألته أأصِلُ أمِّي «نعم صِلي أمك» تفسير : فأمرها بصلتها وهي كافرة. فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافر، حتى انتهى الحال بأبي حنيفة وأصحابه فقالوا بتوارث ذوِي الأرحام إن لم يكن عصبةٌ ولا فرضٌ مُسَمَّى، ويُعتَقُون على مَن ٱشتراهم من ذوِي رَحِمهم لحُرمة الرّحم؛ وعَضَدُوا ذلك بما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : من ملك ذا رحم محرم فهو حرّ » تفسير : . وهو قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبدالله بن مسعود، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. وهو قول الحسن البصري وجابر بن زيد وعطاء والشعبي والزهِريّ، وإليه ذهب الثوري وأحمد وإسحاق. ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال: الأول ـ أنه مخصوص بالآباء والأجداد. الثاني ـ الجناحان يعني الأخوة. الثالث ـ كقول أبي حنيفة. وقال الشافعيّ: لا يَعتِق عليه إلا أولاده وآباؤه وأمهاته، ولا يعتِق عليه إخوتُه ولا أحدٌ من ذوي قرابته ولُحمته. والصحيح الأول للحديث الذي ذكرناه وأخرجه الترمِذيّ والنسائي. وأحسن طرقِه رواية النسائِي له؛ رواه من حديث ضَمرة عن سفيان عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من ملك ذا رحمٍ محرمٍ فقد عتق عليه » تفسير : . وهو حديث ثابت بنقل العدل عن العدل ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بِعلّةٍ توجِب تركه؛ غير أن النسائي قال في آخره: هذا حديث مُنكَر. وقال غيره: تفرّد به ضمرة. وهذا هو معنى المنكر والشاذّ في اصطلاح المحدّثين. وضمرة عدل ثِقة، وانفِراد الثقةِ بالحديث لا يضره. والله أعلم. الرابعة ـ واختلفوا من هذا الباب في ذوي المحارِمِ من الرضاعة. فقال أكثر أهلِ العلم لا يدخلون في مقتضى الحديث. وقال شريك القاضي بعتقهم. وذهب أهلُ الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب لا يعتق على الابن إذا ملكه؛ واحتجوا بقوله عليه السلام: « حديث : لا يَجْزِي ولدٌ والداً إلا أن يَجِده مملوكاً فيشتريه فيعتِقَه » تفسير : . قالوا: فإذا صحّ الشراء فقد ثبت الملك، ولصاحب الملك التصرف. وهذا جهل منهم بمقاصد الشرع؛ فإن الله تعالى يقول: { أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } تفسير : [الإسراء:23] فقد قرن بين عبادته وبين الإحسان للوالدين في الوجوب، وليس من الإحسان أن يبقى والده في ملكه وتحت سلطانه؛ فإذاً يجب عليه عِتقُه إما لأجْل الملك عملا بالحديث « حديث : فيشترِيَه فيعتقَه » تفسير : ، أو لأجْل الإحسان عملا بالآية. ومعنى الحديث عند الجمهور أنّ الولد لما تسبب إلى عِتق أبيه باشترائه نسبَ الشرعُ العتقَ إليه نسبةَ الإيقاعِ منه. وأما اختلاف العلماء فيمن يعتِق بالمِلك، فوجه القول الأوّل ما ذكرناه من معنى الكتاب والسُّنة، ووجه الثاني إلحاق القرابة القريبة المحرّمة بالأب المذكور في الحديث، ولا أقربَ للرجل من ابنه فيحمل على الأب، والأخُ يقاربه في ذلك لأنه يُدْلي بالأبوّة؛ فإنه يقول: أنا ٱبن أبيه. وأمّا القول الثالث فمتعلَّقُه حديث ضمرة وقد ذكرناه. والله أعلم. الخامسة ـ قوله تعالى: {وَٱلأَرْحَامَ} الرحِم اسم لكافّة الأقارب من غير فرق بين المَحْرم وغيره. وأبو حنيفة يعتبر الرحِم المحرَّم في منع الرجوع في الهبة، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة؛ ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام. فاعتبار المحْرّم زيادة على نص الكتاب من غير مُستَند. وهم يرون ذلك نسْخا، سيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة، وقد جوّزوها في حق بني الأعمام وبني الأخوال والخالات. والله أعلم. السادسة: قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } أي حفيظاً؛ عن ابن عباس ومجاهد. ابن زيد: عليماً. وقيل: {رقيباً} حافظاً؛ قيل: بمعنى فاعل. فالرّقيب من صفات الله تعالى، والرّقيب الحافظ والمنتظِر؛ تقول: رَقَبْت أرْقُب رِقْبَة ورِقْبَاناً إذا انتظرت. والْمَرْقَب: المكان العالي المشرِف، يقف عليه الرقيب. والرّقيب: السهم الثالث من السبعة التي لها أنصباء. ويقال: إن الرقيب ضرب من الحَيَّات، فهو لفظٌ مُشتركٌ. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} خطاب يعم بني آدم. {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ} هي آدم. {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} عطف على خلقكم أي خلقكم من شخص واحد وخلق منه أمكم حواء من ضلع من أضلاعه، أو محذوف تقديره من نفس واحدة خلقها وخلق منها زوجها، وهو تقرير لخلقهم من نفس واحدة. {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً} بيان لكيفية تولدهم منهما، والمعنى ونشر من تلك النفس والزوج المخلوقة منها بنين وبنات كثيرة، واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها، إذ الحكمة تقتضي أن يكن أكثر، وذكر {كَثِيراً} حملاً على الجمع وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى، والنعمة الباهرة التي توجب طاعة موليها، أو لأن المراد به تمهيد الأمر بالتقوى فيما يتصل بحقوق أهل منزله وبني جنسه على ما دلت عليه الآيات التي بعدها. وقرىء «وخالق» «وباث» على حذف مبتدأ تقديره وهو خالق وباث. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ} أي يسأل بعضكم بعضاً تقول أسألك بالله، وأصله تتساءلون فأدغمت التاء الثانية في السين. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بطرحها. {وَٱلأَرْحَامَ} بالنصب عطف على محل الجار والمجرور كقولك: مررت بزيد وعمراً، أو على الله أي اتقوا الله واتقوا الأرحام فصلوها ولا تقطعوها. وقرأ حمزة بالجر عطفاً على الضمير المجرور وهو ضعيف لأنه كبعض الكلمة. وقرىء بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره والأرحام كذلك، أي مما يتقى أو يتساءل به. وقد نبه سبحانه وتعالى إذ قرن الأرحام باسمه الكريم على أن صلتها بمكان منه. وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : الرحم معلقة بالعرش تقول ألا من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله»تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} حافظاً مطلعاً.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومنبهاً لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم عليه السلام {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وهي حواء عليها السلام خلقت من ضلعه الأيسر، من خلفه وهو نائم، فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا وكيع عن أبي هلال عن قتادة، عن ابن عباس، قال: خلقت المرأة من الرجل، فجعل نهمتها في الرجل، وخلق الرجل من الأرض، فجعل نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم. وفي الحديث الصحيح: «حديث : إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج»تفسير : . وقوله: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} أي: وذرأ منهما، أي: من آدم وحواء، رجالاً كثيراً ونساء، ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر. ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} أي: واتقوا الله بطاعتكم إياه. قال إبراهيم ومجاهد والحسن: {ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ} أي: كما يقال: أسألك بالله وبالرحم، وقال الضحاك: واتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ولكن بروها وصلوها، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن والضحاك والربيع وغير واحد. وقرأ بعضهم: {والأرحام} بالخفض على العطف على الضمير في به، أي: تساءلون بالله وبالأرحام، كما قال مجاهد وغيره. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} أي: هو مراقب لجميع أحوالكم وأعمالكم، كما قال: {أية : وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [البروج: 9]. وفي الحديث الصحيح: «حديث : اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» تفسير : وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب. ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة؛ ليعطف بعضهم على بعض، ويحننهم على ضعفائهم. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه أولئك النفر من مضر - وهم مجتابو النمار ـ أي من عريهم وفقرهم قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر، فقال في خطبته: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ}، حتى ختم الآية. وقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} تفسير : [الحشر: 18]، ثم حضهم على الصدقة فقال: «حديث : تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره» تفسير : وذكر تمام الحديث، وهكذا رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود في خطبة الحاجة، وفيها: ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} الآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يََٱ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } من أهل مكة {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ } أي عقابه بأن تطيعوه {ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } آدم {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } حواء بالمد من ضلع من أضلاعه اليسرى {وَبَثَّ } فَرَّقَ وَنَشرَ {مِنْهُمَا } من آدم وحوّاء {رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً } كثيرة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءَلُونَ } فيه إدغام التاء في الأصل في السين، وفي قراءة بالتخفيف بحذفها أي تتساءلون {بِهِ } فيما بينكم حيث يقول بعضكم لبعض (أسألك بالله) و(أنشدك بالله) {وَ} اتقوا { ٱلأَرْحَامِ } أن تقطعّوها، وفي قراءة بالجرّ عطفا على الضمير في «به»،وكانوا يتناشدون بالرحم {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } حافظاً لأعمالكم فيجازيكم بها أي لم يزل متصفا بذلك.
الشوكاني
تفسير : المراد بالناس: الموجودون عند الخطاب من بني آدم، ويدخل من سيوجد بدليل خارجي، وهو الإجماع على أنهم مكلفون بما كلف به الموجودون، أو تغليب الموجودين على من لم يوجد، كما غلب الذكور على الإناث في قوله: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ } لاختصاص ذلك بجمع المذكر. والمراد بالنفس الواحدة هنا: آدم. وقرأ ابن أبي عبلة، "واحد" بغير هاء على مراعاة المعنى، فالتأنيث باعتبار اللفظ، والتذكير باعتبار المعنى. قوله: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } قيل: هو معطوف على مقدر يدل عليه الكلام، أي: خلقكم من نفس واحدة خلقها أولاً، وخلق منها زوجها، وقيل: على خلقكم، فيكون الفعل الثاني داخلاً مع الأوّل في حيز الصلة. والمعنى: وخلق من تلك النفس التي هي عبارة عن آدم زوجها، وهي حواء. وقد تقدم في البقرة معنى التقوى، والربّ، والزوج، والبث، والضمير في قوله: {مِنْهَا } راجع إلى آدم وحواء المعبر عنهما بالنفس، والزوج. وقوله: {كَثِيراً } وصف مؤكد لما تفيده صيغة الجمع لكونها من جموع الكثرة وقيل: هو نعت لمصدر محذوف، أي: بثاً كثيراً. وقوله: {وَنِسَاء } أي: كثيرة، وترك التصريح به استغناء بالوصف الأوّل. قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأرْحَامَ} قرأ أهل الكوفة بحذف التاء الثانية، وأصله تتساءلون تخفيفاً لاجتماع المثلين. وقرأ أهل المدينة، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بإدغام التاء في السين؛ والمعنى: يسأل بعضكم بعضاً بالله والرحم، فإنهم كانوا يقرنون بينهما في السؤال، والمناشدة، فيقولون: أسألك بالله والرحم، وأنشدك الله والرحم، وقرأ النخعي، وقتادة، والأعمش، وحمزة: {وَٱلأرْحَامِ} بالجر. وقرأ الباقون بالنصب. وقد اختلف أئمة النحو في توجيه قراءة الجر، فأما البصريون، فقالوا: هي لحن لا تجوز القراءة بها. وأما الكوفيون، فقالوا هي قراءة قبيحة. قال سيبويه في توجيه هذا القبح: إن المضمر المجرور بمنزلة التنوين، والتنوين لا يعطف عليه. وقال الزجاج، وجماعة: بقبح عطف الاسم الظاهر على المضمر في الخفض إلا بإعادة الخافض كقوله تعالى {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأرْضَ } تفسير : [القصص: 81] وجوز سيبويه ذلك في ضرورة الشعر، وأنشد:شعر : فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب تفسير : ومثله قول الآخر:شعر : تعلق في مثل السوارى سيوفنا وما بينها والكعب وهوىً نفانف تفسير : بعطف الكعب على الضمير في بينها. وحكى أبو علي الفارسي أن المبرد قال: لو صليت خلف إمام يقرأ: "وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأرْحَامَ" بالجر، لأخذت نعلي، ومضيت. وقد ردّ الإمام أبو نصر القشيري ما قاله القادحون في قراء الجرّ، فقال: ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواتراً، ولا يخفى عليك أن دعوى التواتر باطلة، يعرف ذلك من يعرف الأسانيد التي رووها بها، ولكن ينبغي أن يحتج للجواز بورود ذلك في أشعار العرب، كما تقدم، وكما في قول بعضهم:شعر : وحسبك والضحاك سيف مهند تفسير : وقول الآخر:شعر : وقد رام آفاق السماء فلم يجد له مصعداً فيها ولا الأرض مقعداً تفسير : وقول الآخر:شعر : ما إن بها ولا الأمور من تلف ما حُمَّ من أمر غَيْبِه وَقَعَا تفسير : وقول الآخر: شعر : أمر على الكتيبة لست أدري أحتفي كان فيها أم سواها تفسير : فسواها في موضع جرّ عطفاً على الضمير في فيها، ومنه قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرٰزِقِينَ }تفسير : [الحجر: 30]. وأما قراءة النصب، فمعناها واضح جليّ؛ لأنه عطف الرحم على الاسم الشريف، أي: اتقوا الله واتقوا الأرحام فلا تقطعوها، فإنها مما أمر الله به أن يوصل وقيل إنه عطف على محل الجار والمجرور في قوله {بِهِ } كقولك مررت بزيد وعمراً، أي: اتقوا الله الذي تساءلون به، وتتساءلون بالأرحام. والأوّل أولى. وقرأ عبد الله بن يزيد، "والأرحام" بالرفع على الابتداء، والخبر مقدّر، أي: والأرحام صلوها، أو والأرحام أهل أن توصل، وقيل: إن الرفع على الإغراء عند من يرفع به، ومنه قول الشاعر:شعر : إن قوماً منهم عمير وأشبا هُ عمير ومنهم السفاح لجديرون باللقاء إذا قا ل أخ النجدة السلاح السلاح تفسير : و{الأرحام} اسم لجميع الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره، لا خلاف في هذا بين أهل الشرع، ولا بين أهل اللغة. وقد خصص أبو حنيفة، وبعض الزيدية الرحم بالمحرم، في منع الرجوع في الهبة، مع موافقتهم على أن معناها أعم، ولا وجه لهذا التخصيص. قال القرطبي: اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة، وأن قطيعتها محرّمة، انتهى. وقد وردت بذلك الأحاديث الكثيرة الصحيحة. والرقيب: المراقب، وهي صيغة مبالغة، يقال رقبت أرقب رقبة ورقباناً: إذا انتظرت. قوله: {وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ } خطاب للأولياء، والأوصياء. والإيتاء: الإعطاء. واليتيم: من لا أب له. وقد خصصه الشرع بمن لم يبلغ الحلم. وقد تقدم تفسير معناه في البقرة مستوفي، وأطلق اسم اليتيم عليهم عند إعطائهم أموالهم، مع أنهم لا يعطونها إلا بعد ارتفاع اسم اليتم بالبلوغ مجازاً باعتبار ما كانوا عليه، ويجوز أن يراد باليتامى المعنى الحقيقي، وبالإيتاء ما يدفعه الأولياء، والأوصياء إليهم من النفقة، والكسوة لا دفعها جميعاً،وهذه الآية مقيدة بالآية الأخرى، وهي قوله تعالى: {أية : فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} تفسير : [النساء: 6] فلا يكون مجرد ارتفاع اليتم بالبلوغ مسوغاً لدفع أموالهم إليهم، حتى يؤنس منهم الرشد. قوله: {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ } نهي لهم عن أن يصنعوا صنع الجاهلية في أموال اليتامى، فإنهم كانوا يأخذون الطيب من أموال اليتامى، ويعوضونه بالرديء من أموالهم، ولا يرون بذلك بأساً وقيل المعنى: لا تأكلوا أموال اليتامى، وهي محرّمة خبيثة، وتدعوا الطيب من أموالكم. وقيل المراد: لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم، وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله، والأوّل أولى؛ فإن تبدل الشيء بالشيء في اللغة أخذه مكانه، وكذلك استبداله، ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَـٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } تفسير : [البقرة: 108] وقوله: {أية : أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ } تفسير : [البقرة: 61] وأما التبديل فقد يستعمل كذلك كما في قوله: {أية : وَبَدَّلْنَـٰهُمْ بجنتيهم جَنَّتَيْنِ } تفسير : [سبأ: 16] وأخرى بالعكس، كما في قولك بدّلت الحلقة بالخاتم: إذا أذبتها، وجعلتها خاتماً، نص عليه الأزهري. قوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ } ذهب جماعة من المفسرين إلى أن المنهي عنه في هذه الآية هو الخلط، فيكون الفعل مضمناً معنى الضم، أي: لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، ثم نسخ هذا بقوله تعالى: {أية : وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوٰنُكُمْ } تفسير : [البقرة: 220] وقيل: إن "إلى" بمعنى "مع"، كقوله تعالى: {أية : مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 52] والأوّل أولى. والحوب: الإثم يقال حاب الرجل يحوب حوباً: إذا أثم، وأصله الزجر للإبل، فسمي الإثم حوباً لأنه يزجر عنه. والحوبة: الحاجة. والحوب أيضاً: الوحشة، وفيه ثلاث لغات: ضم الحاء وهي قراءة الجمهور. وفتح الحاء، وهي قراءة الحسن، قال الأخفش: وهي لغة تميم. والثالثة الحاب. وقرأ أبيّ بن كعب حاباً على المصدر، كقال قالا. والتحوب التحزن، ومنه قول طفيل:شعر : فذوقوا كما ذقنا غداة مُجّجرٍ من الغيظ في أكبادنا والتحوب تفسير : قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ } وجه ارتباط الجزاء بالشرط أن الرجل كان يكفل اليتيمة لكونه ولياً لها ويريد أن يتزوجها، فلا يقسط لها في مهرها، أي: يعدل فيه، ويعطيها ما يعطيها غيره من الأزواج، فنهاهم الله أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى ما هو لهنّ من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهنّ من النساء سواهنّ، فهذا سبب نزول الآية كما سيأتي، فهو نهي يخص هذه الصورة. وقال جماعة من السلف: إن هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية، وفي أوّل الإسلام من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء، فقصرهم بهذه الآية على أربع، فيكون وجه ارتباط الجزاء بالشرط أنهم إذا خافوا ألا يقسطوا في اليتامى، فكذلك يخافون ألا يقسطوا في النساء، لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى، ولا يتحرجون في النساء، والخوف من الأضداد، فإن المخوف قد يكون معلوماً، وقد يكون مظنوناً، ولهذا اختلف الأئمة في معناه في الآية، فقال أبو عبيدة: {خِفْتُمْ } بمعنى أيقنتم. وقال آخرون: {خِفْتُمْ } بمعنى ظننتم. قال ابن عطية: وهو الذي اختاره الحذاق، وأنه على بابه من الظن لا من اليقين، والمعنى: من غلب على ظنه التقصير في العدل لليتيمة، فليتركها، وينكح غيرها. وقرأ النخعي وابن وثاب: "تُقْسِطُواْ" بفتح التاء من قسط: إذا جار، فتكون هذه القراءة على تقدير زيادة "لا"، كأنه قال: وإن خفتم أن تقسطوا. وحكى الزجاج أن أقسط يستعمل استعمال قسط، والمعروف عند أهل اللغة أن أقسط بمعنى عدل، وقسط بمعنى جار. و«ما» في قوله: {مَا طَابَ } موصولة، وجاء "بما" مكان "من". لأنهما قد يتعاقبان، فيقع كل واحد منهما مكان الآخر كما في قوله: {أية : وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا } تفسير : [الشمس: 5] {أية : فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِ} {وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ أَرْبَع } تفسير : [النور: 45]. وقال البصريون: إن «ما» تقع للنعوت كما تقع لما لا يعقل، يقال ما عندك؟ فيقال ظريف وكريم، فالمعنى: فانكحوا الطيب من النساء، أي: الحلال، وما حرّمه الله، فليس بطيب، وقيل: إن «ما» هنا مدّية، أي: ما دمتم مستحسنين للنكاح، وضعفه ابن عطية. وقال الفراء: إن «ما» ها هنا مصدرية. قال النحاس: وهذا بعيد جداً. وقرأ ابن أبي عبلة: "فَٱنكِحُواْ منْ طَابَ}. وقد اتفق أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له، وأنه يجوز لمن لم يخف أن يقسط في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة، و«من» في قوله: {مّنَ ٱلنّسَاء } إما بيانية، أو تبعيضية، لأن المراد غير اليتائم. قوله: {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ } في محل نصب على البدل من «ما» كما قاله أبو علي الفارسي. وقيل: على الحال، وهذه الألفاظ لا تنصرف للعدل والوصفية، كما هو مبين في علم النحو، والأصل: انكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً. وقد استدل بالآية على تحريم ما زاد على الأربع، وبينوا ذلك بأنه خطاب لجميع الأمة، وأن كل ناكح له أن يختار ما أراد من هذا العدد، كما يقال للجماعة: اقتسموا هذا المال، وهو ألف درهم، أو هذا المال الذي في البدرة درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. وهذا مسلم إذا كان المقسوم قد ذكرت جملته، أو عين مكانه، أما لو كان مطلقاً، كما يقال: اقتسموا الدراهم، ويراد به ما كسبوه، فليس المعنى هكذا. والآية من الباب الآخر لا من الباب الأوّل. على أن من قال لقوم يقتسمون مالاً معيناً كثيراً اقتسموه مثنى وثلاث ورباع، فقسموا بعضه بينهم درهمين درهمين، وبعضه ثلاثة ثلاثة، وبعضه أربعة أربعة، كان هذا هو المعنى العربيّ، ومعلوم أنه إذا قال القائل جاءني القوم مثنى، وهم مائة ألف. كان المعنى أنهم جاؤوه اثنين اثنين، وهكذا جاءني في القوم ثلاث ورباع، والخطاب للجميع بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد، كما في قوله تعالى: {أية : فٱقتلوا ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 5] {أية : أَقِيمُواْ الصلاة}تفسير : [النور: 56]، {أية : أَتَوْا ٱلزَّكَوٰةَ } تفسير : [النور: 56] ونحوها، فقوله: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ } معناه لينكح كل فرد منكم ما طاب له من النساء اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً، هذا ما تقتضيه لغة العرب. فالآية تدلّ على خلاف ما استدلوا بها عليه، ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ *تَعْدِلُواْ فَوٰحِدَةً } فإنه وإن كان خطاباً للجميع، فهو بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد. فالأولى أن يستدل على تحريم الزيادة على الأربع بالسنة لا بالقرآن. وأما استدلال من استدّل بالآية على جواز نكاح التسع باعتبار الواو الجامعة، فكأنه قال: انكحوا مجموع هذا العدد المذكور، فهذا جهل بالمعنى العربي، ولو قال: انكحوا اثنتين وثلاثاً وأربعا كان هذا القول له وجه، وأما مع المجيء بصيغة العدل فلا، وإنما جاء سبحانه بالواو الجامعة دون "أو"، لأن التخيير يشعر بأنه لا يجوز إلا أحد الأعداد المذكورة دون غيره، وذلك ليس بمراد من النظم القرآني. وقرأ النخعي، ويحيـى بن وثاب "ثلث وربع" بغير ألف. قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوٰحِدَةً } فانكحوا واحدة، كما يدل على ذلك قوله: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ } وقيل: التقدير فالزموا، أو فاختاروا واحدة. والأول أولى، والمعنى: فإن خفتم ألا تعدلوا بين الزوجات في القسم، ونحوه، فانكحوا واحدة، وفيه المنع من الزيادة على الواحدة لمن خاف ذلك. وقرىء بالرفع على أنه مبتدأ، والخبر محذوف. قال الكسائي: أي فواحدة تقنع. وقيل التقدير: فواحدة فيها كفاية، ويجوز أن تكون واحدة على قراءة الرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: فالمقنع واحدة. قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } معطوف على واحدة، أي: فانكحوا واحدة، أو انكحوا ما ملكت أيمانكم من السراري، وإن كثر عددهنّ، كما يفيده الموصول. والمراد: نكاحهن بطريق الملك لا بطريق النكاح، وفيه دليل على أنه لا حق للمملوكات في القسم، كما يدل على ذلك جعله قسيماً للواحدة في الأمن من عدم العدل، وإسناد الملك إلى اليمين، لكونها المباشرة لقبض الأموال، وإقباضها، ولسائر الأمور التي تنسب إلى الشخص في الغالب، ومنه:شعر : إذا ما راية نصبت لمجد تلقاها عرابة باليمين تفسير : قوله: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ } أي ذلك أقرب إلى ألا تعولوا، أي: تجوروا، من عال الرجل يعول: إذا مال وجار، ومنه قولهم عال السهم عن الهدف: مال عنه، وعال الميزان إذا مال، ومنه:شعر : قالوا تبعنا رسول الله واطرحوا قول الرسول وعالوا في الموازين تفسير : ومنه قول أبى طالب:شعر : بميزان صدق لا يغل شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل تفسير : ومنه أيضاً:شعر : فنحن ثلاثة وثلاث ذود لقد عال الزمان على عيالي تفسير : والمعنى: إن خفتم عدم العدل بين الزوجات، فهذه التي أمرتم بها أقرب إلى عدم الجور، ويقال عال الرجل يعيل: إذا افتقر، وصار عالة، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } تفسير : [التوبة: 28]، ومنه قول الشاعر:شعر : وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغنيّ متى يعيل تفسير : وقال الشافعي: {أَلاَّ تَعُولُواْ } ألا تكثر عيالكم. قال الثعلبي: وما قال هذا غيره، وإنما يقال أعال يعيل: إذا كثر عياله. وذكر ابن العربي أن عال تأتي لسبعة معان: الأوّل عال: مال. الثاني زاد. الثالث جار. الرابع افتقر الخامس أثقل، السادس قام بمؤونة العيال، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وابدأ بمن تعول»تفسير : ، السابع عال: غلب، ومنه عيل صبري، قال: ويقال أعال الرجل: كثر عياله. وأما عال بمعنى كثر عياله، فلا يصح، ويجاب عن إنكار الثعلبي لما قاله الشافعي، وكذلك إنكار ابن العربي لذلك، بأنه قد سبق الشافعي إلى القول به زيد بن أسلم وجابر بن زيد، وهما إمامان من أئمة المسلمين لا يفسران القرآن هما، والإمام الشافعي بما لا وجه له في العربية. وقد أخرج ذلك عنهما الدارقطني في سننه. وقد حكاه القرطبي عن الكسائي، وأبي عمر الدوري، وابن الأعرابي، وقال أبو حاتم: كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا، ولعله لغة. وقال الثعلبي: قال أستاذنا أبو القاسم بن حبيب: سألت أبا عمر الدوري عن هذا، وكان إماماً في اللغة غير مدافع، فقال: هي لغة حمير، وأنشد:شعر : وإن الموت يأخذ كل حي بلا شك وإن أمشي وعالا تفسير : أي: وإن كثرت ماشيته وعياله. وقرأ طلحة بن مصرف: "أَن لا تعيلوا" قال ابن عطية: وقدح الزجاج في تأويل عال من العيال بأن الله سبحانه قد أباح كثرة السراري، وفي ذلك تكثير العيال، فكيف يكون أقرب إلى أن لا يكثروا، وهذا القدح غير صحيح، لأن السراري إنما هي مال يتصرف فيه بالبيع، وإنما العيال الحرائر ذوات الحقوق الواجبة. وقد حكى ابن الأعرابي أن العرب تقول: عال الرجل إذا كثر عياله، وكفى بهذا. وقد ورد عال لمعان غير السبعة التي ذكرها ابن العربي، منها عال: اشتدّ وتفاقم، حكاه الجوهري، وعال الرجل في الأرض: إذا ضرب فيها، حكاه الهروي، وعال: إذا أعجز، حكاه الأحمر، فهذه ثلاثة معان غير السبعة والرابع عال كثر عياله، فجملة معاني عال أحد عشر معنى. قوله: {وَءاتُواْ ٱلنّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً } الخطاب للأزواج. وقيل: للأولياء. والصدقات بضم الدال جمع صدقة كثمرة، قال الأخفش: وبنو تميم يقولون صدقة، والجمع صدقات، وإن شئت فتحت، وإن شئت أسكنت. والنحلة بكسر النون وضمها لغتان، وأصلها العطاء نحلت فلاناً: أعطيته، وعلى هذا، فهي منصوبة على المصدرية لأن الإيتاء بمعنى الإعطاء. وقيل: النحلة التدين فمعنى نحلة تديناً، قاله الزجاج، وعلى هذا، فهي منصوبة على المفعول له. وقال قتادة: النحلة الفريضة، وعلى هذا فهي منصوبة على الحال. وقيل: النحلة طيبة النفس، قال أبو عبيد: ولا تكون النحلة إلا عن طيبة نفس. ومعنى الآية على كون الخطاب للأزواج: أعطوا النساء اللاتي نكحتموهنّ مهورهنّ التي لهن عليكم عطية، أو ديانة منكم، أو فريضة عليكم، أو طيبة من أنفسكم. ومعناها على كون الخطاب للأولياء: أعطوا النساء من قراباتكم التي قبضتم مهورهنّ من أزواجهنّ تلك المهور. وقد كان الولي يأخذ مهر قريبته في الجاهلية، ولا يعطيها شيئاً، حكى ذلك عن أبي صالح، والكلبي. والأوّل أولى، لأن الضمائر من أوّل السياق للأزواج. وفي الآية دليل على أن الصداق واجب على الأزواج للنساء، وهو مجمع عليه، كما قال القرطبي، قال: وأجمع العلماء أنه لا حدّ لكثيره، واختلفوا في قليله. وقرأ قتادة: «صدقاتهن» بضم الصاد وسكون الدال. وقرأ النخعي، وابن وثاب بضمهما. وقرأ الجمهور بفتح الصاد وضم الدال. قوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } الضمير في {منه} راجع إلى الصداق الذي هو واحد الصدقات، أو إلى المذكور، وهو الصدقات، أو هو بمنزلة اسم الإشارة، كأنه قال من ذلك، و{نفساً} تمييز. وقال أصحاب سيبويه: منصوب بإضمار فعل لا تمييز، أي: أعني نفساً. والأوّل أولى، وبه قال الجمهور. والمعنى: فإن طبن، أي: النساء لكم أيها الأزواج، أو الأولياء عن شيء من المهر {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } وفي قوله: {طِبْنَ } دليل على أن المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم إنما هو طيبة النفس لا مجرد ما يصدر منها من الألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس، فإذا ظهر منها ما يدل على عدم طيبة نفسها لم يحلّ للزوج، ولا للوليّ، وإن كانت قد تلفظت بالهبة، أو النذر، أو نحوهما. وما أقوى دلالة هذه الآية على عدم اعتبار يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها لنقصان عقولهنّ، وضعف إدراكهنّ، وسرعة انخداعهن، وانجذابهنّ إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب، أو ترهيب. وقوله: {هَنِيئاً مَّرِيئاً } منصوبان على أنهما صفتان لمصدر محذوف، أي: أكلا هنيئاً مريئاً، أو قائمان مقام المصدر، أو على الحال، يقال: هناه الطعام والشراب يهنيه، ومرأه وأمرأه من الهنيء، والمريء، والفعل هنأ، ومرأ، أي: أتى من غير مشقة، ولا غيظ، وقيل: هو الطيب الذي لا تنغيص فيه. وقيل: المحمود العاقبة الطيب الهضم. وقيل: مالا إثم فيه، والمقصود هنا أنه حلال لهم خالص عن الشوائب. وخص الأكل لأنه معظم ما يراد بالمال وإن كان سائر الانتفاعات به جائزة كالأكل. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } قال: آدم {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } قال: حواء من قصيري آدم، أي: قصيري أضلاعه. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر قال: خلقت حواء من خلف آدم الأيسر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال: من ضلع الخلف، وهو من أسفل الاضلاع. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ } قال: تعاطون به. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع قال: تعاقدون وتعاهدون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: يقول أسألك بالله والرحم. وأخرج ابن جرير، عن الحسن نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام، وصلوها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } قال: حفيظاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: إن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له، فلما بلغ اليتيم طلب ماله، فمنعه عمه، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ } يعني الأوصياء، يقول: أعطوا اليتامى أموالهم: {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ } يقول: لا تستبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم، يقول: لا تذروا أموالكم الحلال، وتأكلوا أموالهم الحرام. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان، عن مجاهد قال: لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدّر لك: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ } قال: مع أموالكم تخلطونها، فتأكلونها جميعاً {إِنَّهُ كَانَ حُوباً } إثماً. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء، ولا يورثون الصغار يأخذه الأكبر، فنصيبه من الميراث طيب، وهذا الذي يأخذ خبيث. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة قال: مع أموالكم. وأخرج ابن جرير، عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، وجعل وليّ اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {أية : ويَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوٰنُكُمْ } تفسير : [البقرة: 220] قال: فخالطوهم. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما: أن عروة سأل عائشة عن قول الله عز وجل: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ } قالت: يابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في مالها، ويعجبه مالها، وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سننهنّ في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ، وأن الناس قد استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله: {أية : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 127] قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: {أية : وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } تفسير : [النساء: 127] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال، والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها، وجمالها من باقي النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كن قليلات المال، والجمال. وأخرج البخاري، عن عائشة: أن رجلاً كانت له يتيمة، فنكحها، وكان لها عذق، فكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ } أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق، وفي ماله. وقد روي هذا المعنى من طرق. وأخرج ابن جرير، من طريق العوفي، عن ابن عباس في الآية قال: كان الرجل يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى، فنهى الله عن ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال: قصر الرجال على أربع نسوة من أجل أموال اليتامى. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ } قال: كان الرجل يتزوج ما شاء، فقال: كما تخافون ألا تعدلوا في اليتامى، فخافوا في النساء ألا تعدلوا فيهنّ، فقصرهم على الأربع. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال: كانوا في الجاهلية ينكحون عشراً من النساء الأيامى، وكانوا يعظمون شأن اليتيم، فتفقدوا من دينهم شأن اليتامى، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه في الآية قال: كما خفتم ألا تعدلوا في اليتامى، فخافوا ألا تعدلوا في النساء إذا جمعتموهنّ عندكم. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق محمد بن أبي موسى الأشعري عنه قال: فإن خفتم الزنا، فانكحوهن، يقول: كما خفتم في أموال اليتامى ألا تقسطوا فيها، فكذلك فخافوا على أنفسكم ما لم تنكحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي مالك: {مَا طَابَ لَكُمْ } قال: ما أحلّ لكم. وأخرج ابن جرير، عن الحسن، وسعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن عائشة نحوه. وأخرج الشافعي، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، والنحاس في ناسخه، والدارقطني، والبيهقي، عن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم، وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اختر منهنّ» تفسير : وفي لفظ: «حديث : أمسك منهنّ أربعاً، وفارق سائرهن»تفسير : هذا الحديث أخرجه هؤلاء المذكورون من طرق، عن إسماعيل بن علية، وغندر، وزيد بن زريع، وسعيد بن أبي عروبة، وسفيان الثوري، وعيسى بن يونس، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، والفضل بن موسى، وغيرهم من الحفاظ عن معمر، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، فذكره. وقد علل البخاري هذا الحديث، فحكى عنه الترمذي أنه قال: هذا حديث غير محفوظ. والصحيح ما روي عن شعيب، وغيره، عن الزهري حدثت، عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة، فذكره، وأما حديث الزهري، عن أبيه: أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر: لأرجمنّ قبرك، كما رجم قبر أبي رغال. وقد رواه معمر، عن الزهري مرسلاً، وهكذا رواه مالك عن الزهري مرسلاً. قال أبو زرعة: وهو أصح. ورواه عقيل، عن الزهري: بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد قال أبو حاتم: وهذا وهم، إنما هو الزهري، عن عثمان بن أبي سويد. وقد ساقه أحمد برجال الصحيح، فقال: حدثنا إسماعيل، ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا معمر، عن الزهري قال أبو جعفر في حديثه: أخبرنا ابن شهاب، عن سالم عن أبيه أن غيلان، فذكره، وقد روى من غير طريق معمر، والزهري، فأخرجه البيهقي، عن أيوب، عن نافع، وسالم، عن ابن عمر: أن غيلان فذكره. وأخرج أبو داود وابن ماجه في سننهما عن عمير الأسدي قال: أسلمت، وعندي ثمان نسوة، فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: حديث : اختر منهنّ أربعاً. تفسير : قال ابن كثير: إن إسناده حسن. وأخرج الشافعي في مسنده، عن نوفل بن معاوية الديلي قال: أسلمت، وعندي خمس نسوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أمسك أربعاً، وفارق الأخرى»تفسير : . وأخرج ابن ماجه، والنحاس في ناسخه، عن قيس بن الحارث الأسدي قال: «أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: حديث : اختر منهنّ أربعاً، وخلّ سائرهنّ، ففعلت.تفسير : وهذه شواهد للحديث الأوّل، كما قال البيهقي. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي في سننه عن الحكم قال: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق اثنتين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية يقول: إن خفت ألا تعدل في أربع فثلاث، وإلا فثنتين، وإلا فواحدة، فإن خفت ألا تعدل في واحدة، فما ملكت يمينك. وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله. وأخرج أيضاً، عن الضحاك: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ } قال: في المجامعة والحبّ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } قال: السراري. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ } قال: حديث : ألا تجوروا. تفسير : قال ابن أبي حاتم قال أبي: هذا حديث خطأ، والصحيح، عن عائشة موقوف. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طرق، عن ابن عباس في قوله: {أَلاَّ تَعُولُواْ } قال: ألا تميلوا. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: ألا تميلوا، ثم قال: أما سمعت قول أبي طالب:شعر : بميزان قسط لا يخيس شعيرة ووازن صدق وزنه غير عائل تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد: قال: ألا تميلوا. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي رزين، وأبي مالك، والضحاك مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم في الآية، قال: ذلك أدنى ألا يكثر من تعولوا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان بن عيينة قال: ألا تفتقروا. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوّج أيمة أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، ونزلت: {وَءاتُواْ ٱلنّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {نِحْلَةً } قال: يعني: بالنحلة المهر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عائشة: {نِحْلَةً } قالت: واجبة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبـي حاتم، عن ابن جريج: {وَءاتُواْ ٱلنّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً } قال: فريضة مسماة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عن شئ منه} قال: من الصداق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق عليّ، عن ابن عباس: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً } يقول: إذا كان من غير إضرار، ولا خديعة، فهو هنيء مريء، كما قال الله.p>>
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُم الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني آدم، وفي ذلك نعمة عليكم لأنه أقرب إلى التعاطف بينكم. {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يعني حواء، قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن خلقت من ضلع آدم، وقيل الأيسر، ولذلك قيل للمرأة: ضلع أعوج. {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثيراً وَنِسَاءً} روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نزولها عليه: "حديث : خُلِقَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ فَهَمَّهَا فِي الرَّجُلُ مِنَ التَّرابِ فَهَمُّهُ فِي التُّرابِ ". تفسير : {وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ} ومعنى قوله تساءلون به، هو قولهم أسألك بالله وبالرحم، وهذا قول مجاهد وإبراهيم، وقرأ حمزة والأرحام بالكسر على هذا المعنى. وفي الأرحام قولٌ آخر: أنه أراد صِلُوها ولا تقطعوها، وهو قول قتادة، والسدي، لأن الله تعالى قصد بأول السورة حين أخبرهم أنهم من نفس واحدة أن يتواصلواْ ويعلمواْ أنهم إخوة وإن بعدواْ. {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيباً} فيه تأويلان: أحدهما: حفيظاً، وهو قول مجاهد. والثاني: عليماً، وهو قول ابن زيد.
ابن عطية
تفسير : " يا " حرف نداء, "أي" منادى مفرد - و"ها " تنبيه، و {الناس} - نعت لأي أو صلة على مذهب أبي الحسن الأخفش، "والرب": المالك، وفي الآية تنبيه على الصانع وعلى افتتاح الوجود، وفيها حض على التواصل لحرمة هذا النسب وإن بعد، وقال: {واحدة} على تأنيث لفظ النفس، وهذا كقول الشاعر: [الوافر] شعر : أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرى وأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالُ تفسير : وقرأ ابن أبي عبلة - "من نفس واحد" بغير هاء، وهذا على مراعاة المعنى، إذ المراد بالنفس آدم صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما، والخلق في الآية: بمعنى الاختراع، ويعني بقوله: {زوجها} حواء، والزوج في كلام العرب: امرأة الرجل، ويقال زوجة، ومنه بيت أبي فراس: [الطويل] شعر : وإنَّ الذي يَسْعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتي كَساعٍ إلى أُسْدِ الشَّرىَ يَسْتَبِيلُها تفسير : وقوله {منها} ، قال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة: إن الله تعالى خلق آدم وَحِشاً في الجنة وحده، ثم نام فانتزع الله أحد أضلاعه القصيرى من شماله، وقيل: من يمينه فخلق منه حواء، ويعضد هذا القول الحديث الصحيح في قوله عليه السلام: "حديث : إن المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت تقيمها كسرتها" تفسير : وكسرها طلاقها. وقال بعضهم: معنى {منها} من جنسها، واللفظ يتناول المعنيين، أو يكون لحمها وجواهرها في ضلعه، ونفسها من جنس نفسه، و {بث} معناه: نشر، كقوله تعالى: {أية : كالفراش المبثوث} تفسير : [القارعة:4] أي المنتشر، وحصره ذريتها إلى نوعين الرجال والنساء مقتض أن الخنثى ليس بنوع، وأنه وإن فرضناه مشكل الظاهر عندنا، فله حقيقة ترده إلى أحد هذين النوعين، وفي تكرار الأمر بالاتقاء تأكيد وتنبيه لنفوس المأمورين. و {الذي} في موضع نصب على النعت - و {تساءلون} معناه: تتعاطفون به، فيقول أحدكم: أسألك بالله أن تفعل كذا وما أشبهه وقالت طائفة معناه: {تساءلون به} حقوقكم وتجعلونه مقطعاً لها وأصله: " تتساءلون" فأبدلت التاء الثانية سيناً وأدغمت في السين، وهذه قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وابن عمرو، بخلاف عنه، وقرأ الباقون - " تساءلون" - بسين مخففة وذلك لأنهم حذفوا التاء الثانية تخفيفاً فهذه تاء تتفاعلون تدغم في لغة وتحذف في أخرى لاجتماع حروف متقاربة، قال أبو علي: وإذا اجتمعت المتقاربة خففت بالحذف والإدغام والإبدال كما قالوا: طست فأبدلوا من السين الواحدة تاء، إذ الأصل طس: قال العجاج: [الرجز] شعر : لَوْ عَرَضَتْ لأَيْبُلِيِّ قسِّ أشعثَ في هيكله مندسِّ حنَّ إليها كَخَنِينِ الطَّسِّ تفسير : وقال ابن مسعود - " تسألون " - خفيفة بغير ألف، و {الأرحام} نصب على العطف على موضع به لأن موضعه نصب، والأظهر أنه نصب بإضمار فعل تقديره: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وهذه قراءة السبعة إلا حمزة، وعليها فسر ابن عباس وغيره، وقرأ عبد الله بن يزيد - والأرحامُ - بالرفع وذلك على الابتداء والخبر مقدر, تقديره: والأرحام أهل أن توصل، وقرأ حمزة وجماعة من العلماء - " والأرحامِ" - بالخفض عطفاً على الضمير، والمعنى عندهم: أنها يتساءل بها كما يقول الرجل: أسألك بالله وبالرحم، هكذا فسرها الحسن وإبراهيم النخعي ومجاهد، وهذه القراءة عند رؤساء نحويي البصرة لا تجوز، لأنه لا يجوز عندهم أن يعطف ظاهر على مضمر مخفوض، قال الزجاج عن المازني: لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان يحل كل واحد منهما محل صاحبه، فكما لا يجوز: مررت بزيدوك، فكذلك لا يجوز مررت بك وزيد، وأما سيبويه فهي عنده قبيحة لا تجوز إلا في الشعر، كما قال: [البسيط] شعر : فَالْيَوْمَ قَدْ بِتَّ تهجونا وتَشْتُمُنا فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ والأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ تفسير : وكما قال: [الطويل] شعر : نُعَلِّقُ فِي مِثْلِ السَّوَاري سُيوفَنَا وَمَا بَيْنَها والْكَعْبِ غَوْطُ نَفَانِفِ تفسير : واستهلها بعض النحويين، قال أبو علي: ذلك ضعيف في القياس. قال القاضي أبو محمد: المضمر المخفوض لا ينفصل فهو كحرف من الكلمة، ولا يعطف على حرف، ويرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان: أحدهما أن ذكر الأرحام فيما يتساءل به لا معنى له في الحض على تقوى الله، ولا فائدة فيه أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها، وهذا تفرق في معنى الكلام وغض من فصاحته، وإنما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدة مستقلة، والوجه الثاني أن في ذكرها على ذلك تقريراً للتساؤل بها والقسم بحرمتها، والحديث الصحيح يرد ذلك في قوله عليه السلام: " حديث : من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" تفسير : وقالت طائفة: إنما خفض - " والأرحامِ" - على جهة القسم من الله على ما اختص به لا إله إلا هو من القسم بمخلوقاته، ويكون المقسم عليه فيما بعد من قوله: {إن الله كان عليكم رقيباً} وهذا كلام يأباه نظم الكلام وسرده، وإن كان المعنى يخرجه - و {كان} في هذه الآية ليست لتحديد الماضي فقط، بل المعنى: كان وهو يكون، والرقيب: بناء الاسم الفاعل من رقب يرقب إذا أحد النظر بالبصر أو بالبصيرة إلى أمر ما ليتحققه على ما هو عليه، ويقترن بذلك حفظ ومشاهدة وعلم بالحاصل عن الرقبة، وفي قوله {عليكم} ضرب من الوعيد، ولم يقل " لكم " للاشتراك الذي كان يدخل من أنه يرقب لهم ما يصنع غيرهم، ومما ذكرناه قيل للذي يرقب خروج السهم من ربابة الضريب في القداح رقيب، لأنه يرتقب ذلك، ومنه قول أبي دؤاد: [مجزوء الكامل] شعر : كَمَقَاعِدِ الرُّقَبَاءِ لِلضُّرَبَاءِأَيْدِيهِمْ نَوَاهِدْ
ابن عبد السلام
تفسير : {نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} آدم عليه الصلاة والسلام. {زَوْجَهَا} حواء، خلقت من ضلعه الأيسر، ولذا قيل للمرأة: "ضلع أعوج"، قال الرسول صلى الله عليه وسلم لما نزلت: " حديث : خلقت المرأة من الرجل فهمها الرجل، وخلق الرجل من التراب فهمه في التراب". تفسير : {تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} كقوله: أسألك بالله وبالرحم، [أو] والأرحام صلوها ولا تقطعوها، أخبر أنه خلقهم من نفس واحدة ليتواصلوا ويعلموا أنهم إخوة. {رَقِيبًا} حفيظاً، أو عليماً.
النسفي
تفسير : نزلت بالمدينة آياتها مائة وست وسبعون آية {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } يا بني آدم {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم أبيكم {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } معطوف على محذوف كأنه قيل: من نفس واحدة أنشأها وخلق منها زوجها، والمعنى شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها وهي أنه أنشأها من تراب وخلق منها زوجها حواء من ضلع من أضلاعه {وَبَثَّ مِنْهُمَا } ونشر من آدم وحواء {رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء } كثيرة أي وبث منهما نوعي جنس الإنس وهما الذكور والإناث، فوصفها بصفة هي بيان وتفصيل لكيفية خلقهم منها، أو على خلقكم والخطاب في «يا أيها الناس» للذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى خلقكم من نفس آدم وخلق منها أمكم حواء وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء غيركم من الأمم الفائتة للحصر. فإن قلت: الذي تقتضيه جزالة النظم أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يعدو إليها، فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره داعياً إليها؟ قلت: لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة، ومن قدر على نحوه كان قادراً على كل شيء، ومن المقدورات عقاب الكفار والفجار فالنظر فيه يؤدي إلى أن يتقي القادر عليه ويخشى عقابه، ولأنه يدل على النعمة السابغة عليهم فحقهم أن يتقوه في كفرانها. قال عليه السلام عند نزول الآية«حديث : خلقت المرأة من الرجل فهمّها في الرجل وخلق الرجل من التراب فهمّه في التراب»تفسير : {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ } والأصل «تتساءلون» فأدغمت التاء في السين بعد إبدالها سيناً لقرب التاء من السين للهمس. «تساءلون به» بالتخفيف: كوفي على حذف التاء الثانية استثقالاً لاجتماع التاءين أي يسأل بعضكم بعضاً بالله وبالرحم فيقول بالله وبالرحم: افعل كذا على سبيل الاستعطاف {وَٱلأرْحَامَ } بالنصب على أنه معطوف على اسم الله تعالى أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، أو على موضع الجار والمجرور كقولك «مررت بزيد وعمراً»، وبالجر: حمزة على عطف الظاهر على الضمير وهو ضعيف، لأن الضمير المتصل كاسمه متصل والجار والمجرور كشيء واحد فأشبه العطف على بعض الكلمة {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } حافظاً أو عالماً. {وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ } يعني الذين ماتت آباؤهم فانفردوا عنهم. واليتم: الانفراد ومنه الدرة اليتيمة، وقيل: اليتم في الأناسي من قبل الآباء، وفي البهائم من قبل الأمهات، وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء إلا أنه قد غلب أن يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال، فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم زال هذا الاسم عنهم. وقوله عليه السلام«حديث : لا يتم بعد الحلم »تفسير : تعليم شريعة لا لغة يعني أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار. والمعنى وآتوا اليتامى أموالهم بعد البلوغ، وسماهم يتامى لقرب عهدهم إذا بلغوا بالصغر، وفيه إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عن حد البلوغ أن أونس منهم الرشد، وأن يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ } ولا تستبدلوا الحرام ــ وهو مال اليتامى ــ بالحلال وهو مالكم، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث ــ وهو اختزال أموال اليتامى ــ بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها. والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز ومنه التعجل بمعنى الاستعجال {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ } «إلى» متعلقة بمحذوف وهي في موضع الحال أي مضافة إلى أموالكم. والمعنى ولا تضموها إليها في الإنفاق حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم قلة مبالاة بما لا يحل لكم وتسوية بينه وبين الحلال {إنّهُ } إن أكلها {كَانَ حُوباً كَبِيراً } ذنباً عظيماً {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ } أي لا تعدلوا. أقسط أي عدل {فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ } يقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور وهو جمع يتيمة ويتيم، وأما أيتام فجمع يتيم لا غير {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ } ما حل لكم {مّنَ ٱلنّسَاء } لأن منهن ماحرم الله كاللاتي في آية التحريم. وقيل: «ما» ذهاباً إلى الصفة لأن ما يجيء في صفات من يعقل فكأنه قيل: الطيبات من النساء، ولأن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء ومنه قوله تعالى {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } قيل: كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا الزنا فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات، أو كانوا يتحرجون من الولاية في أموال اليتامى ولا يتحرجون من الاستكثار من النساء مع أن الجور يقع بينهن إذا كثرن فكأنه قيل: إذا تحرجتم من هذا فتحرجوا من ذلك. وقيل: وإن خفتم أن لا تقسطوا في نكاح اليتامى فانكحوا من البالغات. يقال طابت الثمرة أي أدركت {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ } نكرات. وإنما منعت الصرف للعدل والوصف، وعليه دل كلام سيبويه ومحلهن النصب على الحال «من النساء» أو «مما طاب» تقديره: فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثاً وثلاثاً وأربعاً أربعاً. فإن قلت: الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين اثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع؟ قلت: الخطاب للجميع فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال ـــــ وهو ألف درهم ـــــ درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، ولو أفردت لم يكن له معنى. وجيء بالواو لتدل على تجويز الجمع بين الفرق، ولو جيء بـ «أو» مكانها لذهب معنى التجويز {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ } بين هذه الأعداد {فَوٰحِدَةً } فالزموا أو فاختاروا واحدة {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } سوّى في اليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء من غير حصر {ذٰلِكَ } إشارة إلى اختيار الواحدة والتسري {أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ } أقرب من أن لا تميلوا ولا تجوروا، يقال عال الميزان عولاً إذا مال، وعال الحاكم في حكمه إذا جار. ويحكى عن الشافعي رحمه الله أنه فسر « أن لا تعولوا» أن لا تكثر عيالكم واعترضوا عليه بأنه يقال: أعال يعيل إذا كثر عياله. وأجيب بأن يجعل من قولك «عال الرجل عياله يعولهم» كقولك «مانهم يمونهم» إذا أنفق عليهم لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال. وكلام مثله من أعلام العلم حقيق بالحمل على السداد وأن لا يظن به تحريف تعيلوا إلى تعولوا كأنه سلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات {وَءاتُواْ ٱلنّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ } مهورهن {نِحْلَةً } من نحله كذا إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلاً، وانتصابها على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء فكأنه قال: وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم، أو على الحال من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس. وقيل: نحلة من الله تعالى عطية من عنده وتفضلاً منه عليهن. وقيل: النحلة الملة وفلان ينتحل كذا أي يدين به يعني وآتوهن مهورهن ديانة على أنها مفعول لها. والخطاب للأزواج، وقيل للأولياء لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ } للأزواج {عَن شَىْء مّنْهُ } أي من الصداق إذ هو في معنى الصدقات {نَفْساً } تمييز وتوحيدها لأن الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه، والمعنى فإن وهبن لكم شيئاً من الصدقات وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقهم وسوء معاشرتكم. وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس فقيل« فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً» ولم يقل «فإن وهبن لكم» إعلاماً بأن المراعي هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة {فَكُلُوهُ } الهاء يعود على «شيء»{هَنِيئَاً } لا إثم فيه {مَّرِيئاً } لا داء فيه، فسرهما النبي عليه السلام أو هنيئاً في الدنيا بلا مطالبة، مريئاً في العقبى بلا تبعة، وهما صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه، وهما وصف مصدر أي أكلاً هنيئاً مريئاً، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء، وهذه عبارة عن المبالغة في الإباحة وإزالة التبعة. هنياً مرياً بغير همز: يزيد، وكذا حمزة في الوقف، وهمزهما الباقون. وعن علي رضي الله عنه: إذا اشتكى أحدكم شيئاً فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها ثم ليشتر بها عسلاً فليشربه بماء السماء فيجمع الله له هنيئاً ومريئاً وشفاء ومباركاً.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الناس} خطاب للكافة فهو كقوله يا بني آدم {اتقوا ربكم} أي احذروا أمر ربكم أن تخالفوه فيما أمركم به أو نهاكم عنه ثم وصف نفسه بكمال القدرة فقال تعالى {الذي خلقكم من نفس واحدة} يعني من أصل واحد وهو آدم أبو البشر عليه السلام وإنما أنث الوصف على لفظ النفس وإن كان المراد به الذكر فهو كما قال بعضهم: شعر : أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال تفسير : فإنما قال ولدته أخرى لتأنيث {وخلق منها زوجها} يعني حواء وذلك أن الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام ألقى عليه النوم ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى، وهو قصير. فلما استيقظ رآها جالسة عند رأسه فقال لها: من أنت؟ قال: امرأة قال: لماذا خلقت قالت خلقت لتسكن إليّ فمال إليها وألفها لأنها خلقت منه واختلفوا في أي وقت خلقت حواء. فقال كعب الأحبار ووهب وابن إسحاق خلقت قبل دخوله الجنة وقال ابن مسعود وابن عباس إنما خلقت في الجنة بعد دخوله إياها {وبث منهما} يعني نشر وأظهر من آدم وحواء {رجالاً كثيراً ونساء} إنما وصف الرجال بالكثرة دون النساء لأن حال الرجال أتم وأكمل وهذا كالتنبيه عن أن اللائق بحال الرجال الظهور والاستشهار وبحال النساء الاختفاء والخمول {واتقوا الله الذي تساءلون به} إنما كرر التقوى للتأكيد وأنه أهل أن يتقى والتساؤل بالله هو كقولك أسألك بالله واحلف عليك بالله واستشفع إليك بالله {والأرحام} قرئ بفتح الميم ومعناه واتقوا الأرحام أن تقطعوها وقرئ بكسر الميم فهو كقولك سألتك بالله وبالرحم وناشدتك بالله وبالرحم لأن العرب كان من عادتهم أن يقولوا ذلك والرحم القرابة. وإنما استعير اسم الرحم للقرابة لأنهم خرجوا من رحم واحدة وقيل هو مشتق من الرحمة لأن القرابة يتراحمون ويعطف بعضهم على بعض. وفي الآية دليل على تعظيم حق الرحم والنهي عن قطعها ويدل على ذلك أيضاً الأحاديث الواردة في ذلك (ق) عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله" تفسير : (ق) عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من سره أن يبسط عليه من رزقه وينسأ في أثره فليصل رحمه"تفسير : قوله وينسأ في أثره أي يؤخر له في أجله. (ق) عن جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يدخل الجنة قاطع" تفسير : قال سفيان في روايته يعني قاطع رحم وعن الحسن قال من سألك بالله فأعطه ومن سألك بالرحم فأعطه وعن ابن عباس قال: الرحم معلقة بالعرش فإذا أتاها الواصل بشت به وكلمته وإذا أتاها القاطع احتجبت عنه {إن الله كان عليكم رقيباً} يعني حافظاً والرقيب في صفة الله تعالى هو الذي لا يغفل عما خلق فيلحقه نقص ويدخل عليه خلل وقيل هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء من أمر خلقه فبيّن بقوله: {إن الله كان عليكم رقيباً} إنه يعلم السر وأخفى، وإذا كان كذلك فهو جدير بأن يخاف ويتقى.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {تساءلون} خفيفاً بحذف التاء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وعباس مخير. الباقون بالتشديد أي بإدغام تاء التفاعل في السين {والأرحام} بالجر حمزة. الباقون بالنصب. {ما طاب} بالإمالة: حمزة. {واحدة} بالرفع: يزيد: الباقون بالنصب. {هنيّاً مريّاً} بالتشديد فيهما: يزيد وحمزة في الوقف على أيهما وقف، وإذا انفرد {هنيئاً} / همزها كل القرآن: يزيد. {قيماً} ابن عامر ونافع. الباقون {قياماً} {ضعافاً} بالإمالة: خلف عن حمزة وابن سعدان والعجلي وخلف لنفسه وقتيبة على أصله. {وسيصلون} بضم الياء: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل. الباقون بفتحها. الوقوف: {ونساء} ج. لأن الجملتين وإن اتفقتا إلا أنه اعترضت المعطوفات {والأرحام} ط {رقيباً} ه {بالطيب} ص {إلى أموالكم} ط {كبيراً} ه {ورباع} ج {أيمانكم} ط {أن لا تعولوا} ط لابتداء حكم آخر {نحلة} ط لأن المشروط خارج عن أصل الشرط الموجب {مريئاً} ه {معروفاً} ه {النكاح} ج بناء على أنه ابتداء شرط بعد بلوغ النكاح، أو مجموع الشرط والجواب جواب "إذا" و"حتى" تكون داخلة على جملة شرطية مقدمها حملية، وثالثها شرطية أخرى. {أموالهم} ج {أن يكبروا} ط لابتداء جملتين متضادتين {فليستعفف} ج {بالمعروف} ط للعود إلى أصل الموجب بعد وقوع العارض. {عليهم} ط {حسيباً} ه {والأقربون} الأول ص {أو أكثر} ط بتقدير جعلناه نصيباً مفروضاً {معروفاً} ه {خافوا عليهم} ص {سديداً} ه {ناراً} ط {سعيراً} ه. التفسير: لما كانت هذه السورة مشتملة على تكاليف كثيرة من التعطيف على الأولاد والنساء والأيتام وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم، ومن الأمر بالطهارة والصلاة، والجهاد والدية، ومن تحريم المحارم وتحليل غيرهن إلى غير ذلك من السياسات ومكارم الأخلاق التي يناط بها صلاح المعاش والمعاد، افتتح السورة ببعث المكلفين على التقوى. ومن غرائب القرآن أن فيه سورتين صدرهما {يا أيها الناس} إحداهما في النصف الأول وهي الرابعة من سوره، والأخرى في النصف الثاني وهي أيضاً في الرابعة من سوره. ثم التي في النصف الأول مصدرة بذكر المبدأ {اتقوا ربكم الذي خلقكم} والتي في النصف الثاني مصدرة بذكر المعاد {أية : اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} تفسير : [الحج:1] ثم إنه تعالى علل الأمر بالتقوى بأنه خلقنا من نفس واحدة. أما القيد الأوّل وهو أنه خلقنا فلا شك أنه علة لوجوب الانقياد لتكاليفه والخشوع لأوامره ونواهيه، لأن المخلوقية هي العبودية ومن شأن العبد امتثال أمر مولاه في كل ما يأمره وينهاه. وأيضاً الإيجاد غاية الإحسان فيجب مقابلتها بغاية الإذعان، على أن مقابلة نعمته بالخدمة محال لأن توفيق تلك الخدمة نعمة أخرى منه. وأما القيد الثاني وهو خصوص أنه خلقنا من نفس واحدة، فإنما يوجب علينا الطاعة لأن خلق أشخاص غير محصورة من إنسان واحد مع تغاير أشكالهم وتباين أمزجتهم واختلاف أخلاقهم دليل ظاهر وبرهان باهر على وجود مدبر مختار وحكيم قدير، ولو كان ذلك بالطبيعة أو لعلة موجبة كان كلهم على حد واحد ونسبة واحدة. ثم في / هذا القيد فوائد أخر منها: أنه يأمر عقبه بالإحسان إلى اليتامى والنسوان، وكونهم متفرعين من أصل واحد وأرومة واحدة أعون على هذا المعنى ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" تفسير : ومنها أنهم إذا عرفوا ذلك تركوا المفاخرة وأظهروا التواضع وحسن الخلق. ومنها أن تصوّر ذلك يذكر أمر المعاد فليس الإعادة بأصعب من الإبداء. ومنها أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يقرأ كتاباً. وأجمع المفسرون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم عليه السلام، والتأنيث في الوصف نظراً إلى لفظة النفس. {وخلق منها زوجها} حواء من ضلع من أضلاعها. وقال أبو مسلم: المرادوخلق من جنسها زوجها لقوله {أية : جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} تفسير : [النحل:72] ولأنه تعالى قادر على خلق حواء من التراب فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم؟ والجواب أن الأمر لو كان كما ذكره أبو مسلم لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة وهو خلاف النص وخلاف ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها" تفسير : احتج جمع من الطبائعيين بالآية على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة، وإن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال. والجواب أنه لا يلزم من إحداث شيء في صورة واحدة من المادة لحكمة أن يتوقف الإحداث على المادة في جميع الصور. قال في الكشاف: قوله: {وخلق منها} معطوف على محذوف أي أنشأها وخلق منها، أو معطوف على {خلقكم} والخطاب للذين بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي خلقكم من نفس آدم لأنهم من جنس المفرع منه، وخلق منها أمكم حواء {وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء} غيركم من الأمم الفائتة للحصر. أقول: وإنما التزم الإضمار في الأول والتخصيص في الثاني دفعاً للتكرار، ولا تكرار بالحقيقة إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس خلق زوجها منه ولا خلق الرجال والنساء من الأصلين جميعاً. نعم لو كان المراد بقوله: {وخلق منها} إلى آخره بيان الخلق الأول وتفصيله، لكان الأولى عدم دخول الواو إلا أن المراد وصف ذاته تعالى بالأوصاف الثلاثة جميعاً من غير ترتيب يستفاد من النسق وإلا كان الأنسب أن يقال: "فبث" بالفاء. فدل العطف بالواو في الجميع على أن المراد هو ما ذكرنا، وأن / التفصيل والترتيب موكول إلى قضية العقل فافهم والله تعالى أعلم. ومعنى بث فرق ونشر. وإنما خص وصف الكثرة بالرجال اعتماداً على الفهم، ولأن شهرة الرجال أتم فكانت كثرتهم أظهر. وفيه تنبيه على أن اللائق بحال الرجال والاشتهار والخروج، واللائق بحال النسوان الاختفاء والخمول. وإنما يقل الرجال والنساء معرفتين لئلا يلزم كونهما مبثوثين من نفسهما، ثم إن هذا البث معناه محمول على ظاهره عند من يرى أن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر مجتمعين في صلب آدم، وأما عند من ينكر ذلك فالمراد أنه بث منهما أولادهما، ومن أولادهما جمعاً آخرين وهلم جراً، فأضيف الكل إليهما على سبيل المجاز. {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} من قرأ بالنصب فللعطف على اسم الله أي واتقوا حق الأرحام فلا تقطعوها وهو اختيار أكثر الأئمة كمجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج. وأما للعطف على محل الجار والمجرور كقوله: شعر : فلسنا بالجبال ولا الحديدا تفسير : وهو اختيار أبى علي الفارسي وعلي بن عيسى. وقيل: منصوب الإغراء أي والأرحام فاحفظوها وصلوها. ومن قرأ بالجر فلأجل العطف على الضمير المجرور في {به} وهذا وإن كان مستنكراً عند النحاة بدون إعادة الخافض لأن الضمير المتصل من تتمة ما قبله ولا سيما المجرور فأشبه العطف على بعض الكلمة، إلا أن قراءة حمزة مما ثبت بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز الطعن فيها لقياسات نحوية واهية كبيت العنكبوت. وقد طعن الزجاج فيها من جهة أخرى وهي أنها تقتضي جواز الحلف بالأرحام وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : لا تحلفوا بآبائكم" تفسير : والجواب أن المنهي عنه هو الحلف بالآباء وههنا حلف أولاً بالله ثم قرن به الرحم فأين أحدهما من الآخر؟ ولئن سلمنا أن الحلف بالرحم أيضاً منهي عنه لكن لا نسلم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما المنهي عنه ما حلف به على سبيل التعظيم، وأما الحلف بطريق التأكيد فلا بأس بها، ولهذا جاء في الحديث "حديث : أفلح وأبيه إن صدق" تفسير : سلمنا أنها منهي عنها مطلقاً لكن المراد ههنا حكاية ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من قولهم في الاستعطاف والتساؤل وهو سؤال البعض البعض: أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم. وقرىء {والأرحام} بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي والأرحام كذلك أي أنها مما يتقى ويتساءل به. فإن قيل: لم قال أولاً {اتقوا ربكم} ثم قال بعده {وااتقوا الله}؟ قلنا: أما تكرار الأمر فللتأكيد كقولك للرجل: عجل عجل. وأما تخصيص الرب بالأول والله بالثاني فلأن الغرض في الأول الترغيب بتذكير النعمة والإحسان والتربية، وفي الثاني الترهيب. ولفظ الله يدل على كمال القدرة والقهر فكأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته وإلا فإنه شديد العقاب فاتق سخطه. قال العلماء: في الآية دليل على جواز المسألة بالله. روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : من سألكم بالله فأعطوه" تفسير : . وعن البراء بن عازب قال: حديث : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع... تفسير : منها إبرار القسم. ولا يخفى ما في الآية من تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها حيث قرن الأرحام باسمه، وقال في سورة البقرة: {أية : لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى} تفسير : [البقرة:83] وعن عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل: "حديث : أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته" تفسير : وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله"تفسير : . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : ليس الواصل بالمكافىء الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها" تفسير : عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة "تفسير : . فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها، فلهذا بنى أصحاب أبي حنيفة على هذا الأصل مسألتين: إحداهما أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت والعم والخال لأنه لو بقي الملك حل الاستخدام بالإجماع، لكن الاستخدام إيحاش وقطيعة رحم. والثانية أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها حذراً من / الإيحاش والقطيعة. ثم إنه ختم الآية بما يتضمن الوعد والوعيد فقال: {إن الله كان عليكم رقيباً} مراقباً يحفظ عليكم جميع أعمالكم فيجازيكم بحسبها. ثم إنه سبحانه بعد تقديم موجبات الشفقة على الضعفة ومن له رحم ماسة قال {وآتوا اليتامى أموالهم} وأصل اليتيم الانفراد ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة. فاليتامى هم الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم. فاليتيم لغة يتناول الصغير والكبير إلا أنه في عرف الشرع اختص بالذي لم يبلغ الحلم. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يتم بعد الحلم" تفسير : . والمراد أنه إذا احتلم لا تجري عليه أحكام الصغار لأنه في تحصيل مصالحه يستغني بنفسه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره. فإن قيل: إذا كان اسم اليتيم في الشرع مختصاً بالصغير فما دام يتيماً لا يجوز دفع أمواله إليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيماً فكيف قال: {وآتوا التيامى أموالكم}؟ ففي الجواب طريقان: أحدهما أن المراد باليتامى الكبار البالغون، سماهم بذلك على مقتضى اللغة أو لقرب عهدهم باليتم كقوله: {أية : فألقى السحرة ساجدين} تفسير : [الشعراء:46] أي الذين كانوا سحرة قبل السجود. ويؤكد هذا الطريق قوله فيما بعد {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} والإشهاد لا يصح قبل البلوغ بل إنما يصح بعد البلوغ. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تستأمر اليتيمة في نفسها "تفسير : ولا تستأمر إلا وهي بالغة. وعلى هذا يكون في الآية إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عند حد البلوغ ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، وأن لا يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار، ويوافقه ما رواه مقاتل والكلبي أنها نزلت حديث : في رجل من غطفان كان معه مال كثير لأبن أخ يتيم. فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره - يعني جنته -. فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثبت الأجر وبقي الوزر. فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بيقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال: ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والدهتفسير : . قيل: لأنه كان مشركاً. الطريق الثاني أن المراد بهم الصغار أي الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتيم أموالهم، وآتوهم من أموالهم ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والخطاب للأولياء والأوصياء. {ولا / تتبدلوا الخبيث بالطيب} قال الفراء والزجاج: أي لا تستبدلوا الحرام - وهو مال اليتامى - بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه. والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز كالتعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث - وهو اختزال أموال اليتامى والاعتزال عنها حتى تتلف - بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها. وقال كثير من المفسرين: هذا التبدل هو أن يأخذ الجيد من مال اليتيم ويجعل مكانه الرديء، قال صاحب الكشاف: هذا ليس بتبدل وإنما هو تبديل. يريد أن الباء في بدل تدخل على المأخوذ، وفي تبدل على المعطى. ولما كان المأخوذ الطيب كان تبديلاً. ثم وجهه بأنه لعله يكارم صديقاً له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي فيكون الباء في موضعه. وقيل: معنى الآية أن يأكل مال اليتيم سلفاً مع التزام بدلة بعد ذلك فيكون متبدلاً الخبيث بالطيب. {ولا تأكلوا أموالهم} منضمة {إلى أموالكم} وفي الانفاق تسوية بين المالين في الحل {إنه} أي الأكل {كان حوباً كبيراً} ذنباً عظيماً. والحاب مثله، والتركيب يدور على الضعف، والمراد بالأكل مطلق التصرف إلا أنه خص بالذكر لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف. وقيل: "إلى" ههنا بمعنى "مع" والفائدة في زيادة قوله: {إلى أموالكم} أكل أموال اليتامى محرم على الإطلاق زيادة التقبيح والتوبيخ لأنهم إذا كانوا مستغنين عنها بما لهم من المال الحلال ومع ذلك طمعوا في مال اليتيم كانوا بالذم أحرى، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم. {وإن خفتم ألاتقسطوا} أقسط الرجل عدل وقسط جار. وقال الزجاج: أصلهما جميعاً من القسط وهو النصيب. فإذا قالوا قسط فمعناه ظلم صاحبه في قسطه من قولهم: قاسطته فقسطته أي غلبته على قسطه. وإذا قالوا أقسط بالهمز فمعناه صار ذا قسط مثل أنصف إذا أتى بالنصف فيلزمه العدالة والتسوية. واعلم أن قوله: {وإن خفتم} شرط وقوله: {فانكحوا} جواب له. ولا بد من بيان أن هذا الجزاء كيف يتعلق بهذا الشرط وللمفسرين فيه وجوه: الأول ما روي عن عروة حديث : أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب الرجل في مالها وجمالها إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها. ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة ردية لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها. فقال تعالى وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا غيرهن ما طاب لكم من العدد. قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله تعالى {يستفتونك في النساء} [النساء:127] الآية. تفسير : فقوله فيها:{أية : وما يتلى عليكم في الكتاب / في يتامى النساء} تفسير : [النساء:127] المراد منه هذه الآية وهي قوله: {وإن خفتم أن لا تقسطوا}. وعبر في الكشاف عن هذه الرواية بعبارة أخرى وهي: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها فيتزوجها ضناً بها عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشر منهن فيخاف لضعفهن وفقد من يغضب لهن أن يظلمهن حقوقهن ويفرط فيما يجب لهن فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن {ما طاب لكم}. الثاني وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي منقولاً عن ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة وما في أكل أموال اليتامى من الحوب الكبير، خاف الأولياء لحوق الحوب فتحرجوا من ولاية اليتامى. وكان الرجل منهم ربما كانت تحته العشر من الأزواج وأكثر فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهم فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فكونوا خائفين من ترك العدل بين النساء لأنهن كالتيامى في تعجيز والضعف، فقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فكأنه غير متحرج. الثالث: كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم ذلك فكونوا خائفين من الزنا أيضاً وانكحوا ما حل لكم من النساء. الرابع روي عن عكرمة كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فإذا أنفق مال نفسه على النسوة أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن. فقيل: إن خفتم أن تظلموا اليتامى بأكل أموالهم عند كثرة الزوجات فقد حظرت لكم أن تنكحوا أكثر من أربع ليزول هذا الخوف، فإن خفتم في الأربع أيضاً فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما فكأنه قيل: إن خفتم الأربع فثلاثاً وإن خفتم فاثنتين وإن خفتم فواحدة. قال الظاهريون: النكاح واجب لقوله: {فانكحوا} وظاهر الأمر للوجوب. وعورض بقوله تعالى: {أية : ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم} تفسير : [النساء:25] ولو سلم فالوجوب بحالة الخوف فلا يلزم منه الوجوب على الإطلاق وأيضاً الآية سيقت لبيان وجوب تقليل الأزواج لا لأصل الوجوب وإنما قال: {ما طاب} ولم يقل من طاب لأنه أراد به الجنس. تقول: ما عندك؟ فيقال: رجل أو امرأة. تريد ما ذلك الشيء الذي عندك أو ما تلك الحقيقة. ولأن الإناث من العقلاء تنزل منزلة غير العقلاء ومنه قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} ولأن "ما" و"من" يتعاقبان. قال تعالى {أية : والسماء وما بناها } تفسير : [الشمس:5] {أية : فمنهم من يمشي على بطنه} تفسير : {النور:45]. قال المفسرون: معنى {ما طاب لكم} أي ما حل لكم من النساء لأن فيهن من يحرم نكاحها كما سيجيء. واعترض عليه الإمام بأن قوله: {فانكحوا} أمر إباحة فيؤول المعنى إلى قوله: أبحت لكم نكاح من هي مباحة لكم وهذا كلام مستدرك سلمناه، لكن الآية تصير مجملة لأن أسباب الحل والإباحة غير مذكورة في هذه الآية. وإذا حملنا الطيب / عن استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص وأنه أولى من الإجمال عند التعارض لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلاً، والجواب عن الأول أن ذكر الشيء ضمناً ثم صريحاً لا يعد تكراراً بدليل قوله: {أية : كلوا من طيبات ما رزقناكم} تفسير : [البقرة:57] وعن الثاني أن قوله: {ما طاب لكم} بمعنى ما حل لكم إذا كان إشارة إلى ما بقي بعد ما أخرجته آية التحريم فلا إجمال. وأما قوله: {مثنى وثلاث ورباع} ولم يوجد في كلام الفصحاء إلا هذه، وأحاد وموحد وجوّزوا إلى عشار ومعشر قياساً على قول الكميت: شعر : ولم يستر يثوك حتى رميت فوق الرجال خصالاً عشارا تفسير : فاتفق النحويون على أن فيها عدلاً محققاً. وذلك أن فائدتها تقسيم أمر ذي أجزاء على عدد معين، ولفظ المقسوم عليه في غير العدد مكرر على الإطراد في كلام العرب نحو: قرأت الكتاب جزءاً جزءاً، وجاءني القوم رجلاً رجلاً وجماعة جماعة. وكان القياس في باب العدد أيضاً التكرير عملاً بالاستقراء وإلحاقاً للفرد المتنازع فيه بالأعم الأغلب، فلما وجد ثلاث مثلاً غير مكرر لفظاً حكم بأن أصله لفظ مكرر وليس إلأ ثلاثة ثلاثة. فعند سيبويه منع صرف مثل هذا للعدل والوصف الأصلي، فإن هذا التركيب لم يستعمل إلا وصفاً بخلاف المعدول عنه. وقيل: إن فيه عدلاً مكرراً من حيث اللفظ لأن أصله كان ثلاثة ثلاثة مرتين فعدل إلى واحد ثم إلى لفظ ثلاث أو مثلث. وقيل: إن فيه العدل والتعريف إذ لا يدخله اللام خلافاً لما في الكشاف. وإذا جرى على النكرة فمحمول على البدل، وضعف بعدم جريانه على المعارف ولوقوعه حالاً. فمعنى الآية فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثاً وثلاثاً وأربعاً أربعاً، فإن خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد فواحدة. فمن قرأ بالنصب أراد: فاختاروا أو انكحوا أو الزموا واحدة، ومن قرأ بالرفع أراد: فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة وذروا الجمع رأساً فإن الأمر كله يدور مع العدل فأينما وجدتموه فعليكم به. ثم قال: {أو ما ملكت أيمانكم} فسوّى في السهولة بين الحرة الواحدة وبين ما شاء من الإماءة لأنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر لا على المرء أكثر منهن أو أقل، عدل بينهن في القسم أم لم يعدل، عزل عنهن أم لم يعزل، ولما كانت التسوية بينها وبينهن احتج بها الشافعي في بيان أن نوافل العبادات أفضل من النكاح وذلك للإجماع على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري، فوجب أن يكون أفضل من النكاح لأن الزائد على أحد المتساويين يكون زائداً على المساوي الآخر، ولمانع أن يمنع التسوية فإن قول الطبيب مثلاً / للمريض: كل التفاح أو الرمان يحتمل أن يكون للتسوية بينهما وقد يكون للمقاربة أي إن لم تجد التفاح فكل الرمان فإنه قريب منه في دفع الحاجة للضرورة، ومع وجود هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال على أن فضل الحرة على الأمة معلوم شرعاً وعقلاً. وههنا مسألتان: الأولى أكثر الفقهاء على أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد، لأن هذا الخطاب إنما يتناول إنساناً متى طابت له امرأة قدر على نكاحها والعبد ليس كذلك لأنه لا يمكن من النكاح إلا بإذن مولاه. وأيضاً إنه قال بعد ذلك {فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} وهذا لا يكون إلا للأحرار، فكذا الخطاب الأوّل لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد فيبعد أن يدخل التقييد في اللاحق دون السابق. وكذا قوله: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} والعبد لا يأكل فيكون لسيده. وقال مالك: يحل للعبد أن يتزوج بالأربع تمسكاً بظاهر الآية. ومن الفقهاء من سلم أن ظاهر الآية يتناول العبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس. قالوا: أجمعنا على أن الرق له تأثير في نقصان حقوق النكاح كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر. الثانية ذهب جماعة إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد لأن قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} إطلاق في جميع الأعداد لصحة استثناء كل عدد منه، وقوله: {مثنى وثلاث ورباع} لا يصلح مخصصاً لذلك العموم لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينافي ثبوت الحكم في الباقي، بل نقول: ذكرها يدل على نفي الحرج والحجر مطلقاً، فإن من قال لولده افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدرسة وإلى البستان كان تصريحاً في أن زمام الاختيار بيده ولا يكون تخصيصاً. وايضاً ذكر جميع الأعداد متعذر، فذكر بعضها تنبيه على حصول الإذن في جميعها. ولئن سلمنا لكن الواو للجمع المطلق فيفيد الإذن في جمع تسعة بل ثمانية عشر لتضعيف كل منها. وأما السنة فلما ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات عن تسع وقد أمرنا باتباعه في قوله: {أية : فاتبعوه} تفسير : [الأنعام:153] وأقل مراتب الأمر الإباحة، وقد قال صلى الله عليه وسلم " حديث : فمن رغب عن سنتي فليس مني" تفسير : والمعتمد عند الجمهور في جوابهم أمران: أحدهما الخبر كنحو ما روي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمسك أربعاً وفارق واحدة" تفسير : وزيف بأن القرآن دل على عدم الحصر، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز، وبأن الأمر بمفارقة الزائدة قد يكون لمانع النسب أو الرضاع. وأقول: إن القرآن لم / يدل على عدم الحصر، غايته أنه لم يدل على الحصر فيكون مجملاً. وبيان المجمل بخبر الواحد جائز, وأيضاً قوله "أمسك أربعاً" على الإطلاق وكذا "فارق واحدة" دليل على أن المانع هو الزيادة على الأربع لا غيرها، وكذا في نظائر هذا الحديث. وثانيهما إجماع فقهاء الأمصار. وضعف بأن الإجماع مع وجود المخالف لا ينعقد، وبتقدير التسليم فإن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به. والجواب أن المخالف إذا كان شاذاً فلا يعبأ به، والقرآن لم يدل على عدم الحصر حتى يلزم نسخ الإجماع إياه ولكن الإجماع دل على وجود مبين في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم. ولئن سلم أن القرآن دل على عدم الحصر فالإجماع يكشف عن وجود ناسخ في عهده وذلك جائز بالاتفاق. لا يقال: فعلى تقدير الحصر كان ينبغي أن يقال مثنى أو ثلاث أو رباع بأو الفاصلة، لأنا نقول: يلزم حينئذٍ أن لا يجوز النكاح إلا على أحد هذه الأقسام، فلا يجوز لبعضهم أن يأتي بالتثنية، ولفريق ثان بالتثليث، والآخرين بالتربيع، فيذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو. {ذلك أدنى أن لا تعولوا} أي اختيار الواحدة أو التسري أقرب من أن لا تميلوا أو لا تجوروا. وكلا اللفظين مروي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم من قولهم: عال الميزان عولاً إذا مال. وعال الحاكم في حكمه إذا جار. ومنه عالت الفريضة إذا زادت سهامها. وفيه الميل عن الاعتدال. وقيل: معناه أن لا تفتقروا. ورجل عائل أي فقير وذلك أنه إذا قل عياله قلت نفقاته فلم يفتقر. ونقل عن الشافعي أنه قال: معناه أن لا تكثروا عيالكم. وطعن فيه بعض القاصرين بأن هذا في اللغة معنى "تعيلوا" لا معنى "تعولوا" يقال: أعال الرجل إذا كثر عياله. ومنه قراءة طاوس {أن لا تعيلوا} وأيضاً إنه لا يناسب أول الآية {وإن خفتم أن لا تقسطوا} وأيضاً هب أنه يقل العيال في اختيار الحرة الواحدة، فكيف يقل عند اختيار التسري ولا حصر لهن؟ والجواب عن الأوّل أن الشافعي لم يذهب إلى تفسير اللغة وإنما زعم أنه تعالى أشار إلى الشيء بذكر لازمه أي جعل الميل والجور كناية عن كثرة العيال، لأن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور. وقرر الكناية في الكشاف على وجه آخر، وهو أنه جعل قوله تعالى: {أن لا تعولوا} من عال الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم. ولا شك أن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال. فالحاصل أنه ذكر اللازم وهو الإنفاق وأراد الملزوم وهو كثرة العيال. والحاصل على ما قلنا أنه ذكر اللازم وهو الميل والجور وأراد الملزوم وهو كثرة العيال. والجواب عن الثاني أن حمل الكلام على ما لا يلزم منه تكرار أولي وبتقدير التسليم فتفسير الشافعي أيضاً يؤل إلى تفسير الجمهور لكن بطريق الكناية كما قررنا. وعن الثالث أن / الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب فينفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضاً فكأنه لا عيال. وأيضاً إذا عجز المولى باعهن وتخلّص منهن بخلاف المهائر فإن الخلاص عنهن يفتقر إلى تسليم المهر إليهن. وقال في الكشاف: العزل عن السراري جائز بغير إذنهن فكن مظان قلة الولد بالإضافة إلى التزوج. {وآتوا النساء صدقاتهن} أي مهورهن. والخطاب للأزواج وهو قول علقمة وقتادة والنخعي واختيار الزجاج لأن ما قبله خطاب للناكحين. وقيل: خطاب للأولياء لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي البنات من مهورهن شيئاً، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له ابنة: هينئاً لك النافجة - يعنون أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه. وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته. فنهى الله عن ذلك وأمر بدفع الحق إلى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة. قال القفال: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة فيكونوا قد أمروا بدفع المهور التي سموها لهن، ويحتمل أن يراد الالتزام كقوله: {أية : حتى يعطوا الجزية عن يد} تفسير : [التوبة:29] أي حتى يضمنوها ويلتزموها. فيكون المعنى أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلتزم سواء سمي ذلك أو لم يسم إلا ما خص به الرسول صلى الله عليه وسلم من الموهوبة. قال: ويجوز أن يراد الوجهان جميعاً. أما قوله نحلة فقد قال ابن عباس وقتادة ابن جريج وابن زيد: أي شريعة وديانة. فيكون مفعولاً له، أو حالاً من الصدقات أي ديناً من الله شرعه وفرضه. وقال الكلبي: أي عطية وهبة فيكون نصباً على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، أو الحال على من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء من غير مطالبة منهن، لأن ما يؤخذ بالمطالبة لا يسمى نحلة، أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيب نفس، وإنما سميت عطية من الزوج لأن الزوج لا يملك بدله شيئاً، لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله. وإنما الذي استحقه الزوج هو الاستباحة لا الملك. والنحلة العطية من غير بدل. وقال قوم: إن الله تعالى جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركاً بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر وكان ذلك عطية من الله تعالى ابتداء. ثم لما أمرهم بإيتاء الصدقات أباح لهم جواز قبول إبرائها وهبتها. وانتصب {نفساً} على التمييز وإنما وحد لأنه لا يلبس أن النفس لهن لأنهن أنفس ولو جمعت لجاز، والضمير في {منه} للصداق أو للمذكور في قوله: {طبن} وبناء الكلام على الإبهام ثم التمييز دون أن يقول سمحن أو وهبن. وفي قوله: {عن شيء منه} دون أن يقول عنه تنبيه على أن قبول ذلك إنما يحل إذا طابت نفوسهن بالهبة من غير اضطرار وسوء معاشرة من الزوج يحملهن على ذلك وبعث لهن على تقليل الموهوب، / ولهذا ذكر الضمير في {منه} لينصرف إلى الصداق الواحد فيكون متناولاً بعضه، ولو أنث لتناول ظاهرة هبة الصداق كله لأن بعض الصدقات واحدة منها أو أكثر. ومن هذا التقرير يظهر أن "من" في قوله: {منه} للتبعيض إخراجاً للكلام مخرج الغالب مع فائدة البحث المذكور لأنه لا يجوز هبة كل الصداق إذا طابت نفسها عن المهر بالكلية، ومن غفل عن هذه الدقيقة زعم أن "من" للتبيين والمعنى عن شيء هو هذا الجنس يعني الصداق. {فكلوه هنيئاً مريئاً} صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه. وقيل: الهنيء ما يستلذه الآكل، والمريء ما تحمد عاقبته. وقيل: هو ما ينساغ في مجراه ومنه يقال: المريء لمجرى الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة. وقيل: أصله من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران. فالهنيء شفاء من الجرب. وبالجملة فهو عبارة عن التحلل أو المبالغة في إزالة التبعة في الدنيا والآخرة. وهما صفتان للمصدر أي أكلاً هنياً مريئاً، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء. وقد يوقف على قوله: {فكلوه} ويبتدأ {هنيئاً مريئاً} على الدعاء أو على أنهما قاما مقام مصدريهما أي هنأ مرأ. والمراد بالأكل التصرف الشامل للعين والدين. قال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت علم أنها لم تطب عنه نفساً. وعن عمر أنه كتب إلى قضاته أن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها. وعن ابن عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال: إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهه لا يقضي به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم الله به في الآخرة . تفسير : ثم إنه تعالى لما أمر بإيتاء اليتامى أموالهم ويدفع صدقات النساء إليهن، استثنى منهم خفاف الأحلام وإن بلغوا أوان التكليف فقال: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} أكثر العلماء على أن هذا الخطاب للأولياء. فورد أن الأنسب أن لو قيل لأموالهم. وأجيب بأنه إنما حسنت إضافة الأموال إلى المخاطبين إجراء للوحدة النوعية مجرى الوحدة الشخصية كقوله: {أية : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} تفسير : [البقرة:85] ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ولكن كان بعضهم يقتل بعضاً فقيل: "أنفسكم" لأن الكل من نوع واحد فكذا هنا المال شيء ينتفع به الإنسان ويحتاج إليه، فلهذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم، ويحتمل أن يضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه بل لأنهم ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب. وقيل: خطاب للآباء نهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم. فعلى هذا تكون إضافة الأموال إليهم حقيقة. والغرض الحث على حفظ المال وأنه إذا قرب أجله يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظه على ورثته. وقد يرجح القول بأن ظاهر النهي للتحريم، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله. وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم، وأيضاً قوله: {وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً} هذه الأوامر تناسب حال الأولياء لا الآباء. وأقول: لا يبعد حمل الآية على كلا القولين، لأن الإضافة في أموالكم لا تفيد إلا الاختصاص سواء كان اختصاص الملكية أو اختصاص التصرف. واختلفوا في السفهاء فعن مجاهد والضحاك أنها النساء أزواجاً كن أو أمهات أو بنات، وهو مذهب ابن عمرو يدل عليه ما روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا إنما خلقت النار للسفهاء"تفسير : يقولها ثلاثاً. وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها. وقد جمع فعيلة على فعلاء كفقيرة وفقراء. وقال الزهري وابن زيد: هم الأولاد الخفاف العقول. وعن ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحداً منهما على ماله. والصحيح أن المراد بالسفهاء كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال ولا يد له بإصلاحه وتثميره والتصرف فيه، ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام والفساق وغيرهم مما لا وزن لهم عند أهل الدين والعلم بمصالح الدارين، فيضع المال فيما لا ينبغي ويفسده. ومعنى {جعل الله لكم قياماً} أنه لا يحصل قيامكم وانتعاشكم إلا به. سماه بالقيام إطلاقاً لاسم المسبب على السبب. ومن قرأ {قيماً} فعلى حذف الألف من {قياماً} وهو مصدر قام وأصله قوام قلبت الواو ياء لإعلال فعله. فإن لم يكن مصدراً لم يعل كقوام لما يقام به. وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خير من أحتاج إلى الناس. وقال عبد الله بن عباس: الدراهم والدنيانير خواتيم الله في الأرض لا تؤكل ولا تشرب حيث قصدت بها قضيت حاجتك. وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال. وقيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ قال: هي وإن أدنتني فقد صانتني عنها. وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه. وربما رأوا رجلاً في تشييع جنازة فقالوا له: اذهب إلى مكانك. وقال بعض الحكماء: من أضاع ماله فقد ضارّ الأكرمين: الدين العرض. وفي منثور الحكم: من استغنى كرم على أهله. وفيه: الفقر مخذلة، والغنى مجدلة، والبؤس مرذلة، والسؤال مبذلة. وكان يقال: الدراهم مراهم لأنها تداوي كل جرح ويطيب بها كل صلح. وقال أبو العتاهية: شعر : أجلك قوم حين صرت إلى الغنى وكل غني في العيون جليل إذا مالت الدنيا على المرء رغبت إليه ومال الناس حيث تميل وليس الغنى إلا غنى زين الفتى عشية يقرى أو غداة ينيل تفسير : وقد اختلف أقوال الناس في تفضيل الغنى والفقر مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم. فذهب قوم إلى تفضيل الغنى على الفقر، لأن الغني مقتدر والفقير عاجز والقدرة أفضل من العجز. وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة. وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر على الغنى، لأن الفقير تارك والغنى ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها وهذا قول من غلب عليه حب السلامة. وقال الباقون: خير الأمر أوساطها، والفضل للاعتدال بين الفقر والغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، ويسلم من مذمة الحالين. شعر : ومن كلفته النفس فوق كفافها فما ينقضي حتى الممات عناؤه تفسير : والحاصل أن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بمصالح الدارين، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال، فبذلك يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار ولهذا رغب الله تعالى في حفظه ههنا. وفي آية المداينة حيث أمر بالكتاب والشهادة والرهان المقبوضة، فمن أراد الدنيا لهذا الغرض فنعمت المعونة هي، ومن أرادها لعينها فيا لها من حسرة وندامة. ثم إنه سبحانه أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء وذلك قوله: {وارزقوهم فيها} وإنما لم يقل"منها" كيلا يكون أمراً بجعل بعض أموالهم رزقاً لهم فيأكلها الإنفاق، بل أمر بأن يجعلوها مكاناً لرزقهم بأن يتجروا فيها ويربحوها حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من أصول الأموال وصلبها {واكسوهم} كل من الرزق والكسوة بحسب المصلحة وكما يليق بحال أمثالهم {وقولوا لهم قولاً معروفاً} قال ابن جريج ومجاهد: هو عدة جميلة من البر والصلة. وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: إذا ربحت في سفري هذا فعلت بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً. وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن وجبت نفقته عليك فقل: عافانا الله وإياك وبارك الله فيك. وقال الزجاج: علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم بما يتعلق بالعلم والعمل. وقال القفال: إن كان صبياً فالوالي يعرّفه أن المال ماله وأنه إذا زال صباه فإن يرّد المال إليه كقوله:{أية : فأما اليتيم فلا تقهر}تفسير : [الضحى:9] أي لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد وإن كان سفيهاً، وعظه ونصحه وحثه على الصلاة وعرفه أن عاقبة الإسراف فقر واحتياج. وبالجملة فكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنة عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف، وما نفرت من لقبحه فمنكر، ثم بيّن أن السفهاء متى يؤتون أموالهم فشرط في ذلك شرطين: أحدهما بلوغ النكاح والثاني إيناس / الرشد منهم. فبلوغ النكاح أن يحتمل لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد ومناط الاحتلام خروج المني، ويدخل وقت إمكانه باستكمال تسع سنين قمرية أو يبلغ خمس عشرة سنة تامة قمرية عند الشافعي، وثماني عشرة عند أبي حنيفة. وهذان مشتركان بين الغلام والجارية ولها أمارتان أخريان: الحيض أو الحبل، ولطفل الكفار أمارة زائدة هي إنبات الشعر الخشن على العانة. وأما الإيناس ففي اللغة الإبصار. والمراد في الآية التبين والعرفان. والرشد خلاف الغيّ. ومعنى قوله: {وابتلوا اليتامى} اختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ، ومن هنا قال أبو حنيفة: تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن الابتلاء المأمور به قبل بلوغهم إنما يحصل إذا إذن له في البيع والشراء. وقال الشافعي: الابتلاء قبل البلوغ لا يقتضي الإذن في التصرف لأن الإذن يتوقف على دفع المال إليهم، ولكن لا يصح دفع المال إليهم لأنه موقوف على الشرطين. بل المراد بالابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله حسبما يليق بكل طائفة. فولد التاجر يختبر في البيع والشراء بحضوره، ثم باستكشاف ذلك البيع والشراء منه وما فيهما من المصالح والمفاسد. وقد يدفع إليه شيئاً ليبيع أو يشتري فيعرف بذلك مقدار فهمه وعقله، ثم الولي بعد ذلك يتم العقد لو أراد. وولد الزارع يختبر في أمر المزارعة والإنفاق على القوّام بها، وولد المحترف فيما يتعلق بحرفته، والمرأة في أمر القطن والغزل وحفظ الأقمشة وصون الأطعمة عن الهرة والفأرة وما أشبهها. ولا يكفي المرة الواحدة في الاختبار بل لا بد من مرتين وأكثر على ما يليق بالحال ويفيد غلبة الظن أنه رشد نوعاً من الرشد يختص بحاله، لا الرشد من جميع الوجوه وعلى أكمل ما يمكن ولهذا ورد منكراً. وقد ظهر مما ذكرنا أنه لا بد بعد البلوغ من الرشد فيما يتعلق بصلاح ماله بحيث لا يقدر الغير على خديعته. ثم إن أبا حنيفة قال: إذا بلغ مهتدياً إلى وجوه مصالح الدنيا فهو رشيد يدفع إليه ماله. وقال الشافعي: لا بد مع ذلك من الاهتداء لمصالح الدين، فإن الفاسق لا يخلو من إتلاف المال في الوجوه الفاسدة المحرمة، وقد نفى الله تعالى الرشد عن فرعون في قوله {أية : وما أمر فرعون برشيد} تفسير : [هود:97] مع أنه كان يراعي مصالح الدنيا. ويتفرع على القولين أن الشافعي يرى الحجر على الفاسق وأبا حنيفة لا يراه. ثم إنه إذا بلغ غير رشيد واستمر على ذلك لم يدفع إليه ماله بالاتفاق إلى خمس وعشرين سنة، وفيما وراء ذلك خلاف. فعند أصحاب أبي حنيفة وعند الشافعي لا يدفع إليه أبداً إلا بإيناس الرشد كما هو مقتضى الآية. وعند أبي حنيفة يدفع لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة، فإيذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مروهم بالصلاة لسبع" تفسير : دفع إليه ماله، أونس منه رشد أو لم يؤنس. ثم قال: {ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا} مصدران في موضع الحال أي مسرفين ومبادرين كبرهم، أو مفعول لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، والإسراف التبذير ضد القصد والإمساك. والكبر في السن وقد كبر الرجل بالكسر يكبر بالفتح كبراً أي أسن، وكبر بالضم يكبر كبراً وكبارة أي عظم. نهاهم عن الإفراط في الإنفاق كما يشتهون قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيديهم {ومن كان غنياً فليستعفف} فليمتنع منه وليتركه. وفي السين زيادة مبالغة كأنه طلب مزيد العفة {ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} وللعلماء خلاف في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم؟ قال الشافعي: له أن يأخذ قدر ما يحتاج إليه وبقدر أجرة عمله، لأن النهي في الآية عن الإسراف مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، ولا سيما إذا كان فقيراً، ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلمحديث : أن رجلاً قال له: إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟ قال: بالمعروف غير متأثل مالاً ولا واق مالك بماله. قال: أفأضربه؟ قال: مما كنت ضارباً منه ولدك تفسير : وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام عليكم. أما بعد فإني قد رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود، وربعها لعثمان ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله منزلة والي مال اليتيم، {من كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف}. وأيضاً قياساً على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها فإنه يضرب له في تلك الصدقات بسهم، فكذا هنا. وعن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه قرضاً، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه. وأكثر العلماء على أن هذا الافتراض إنما جاء في أصول الأموال من الذهب والفضة وغيرهما. وأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال. وقال أبو بكر الرازي: الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذه لا على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء، سواء كان غنياً أو فقيراً، واحتج بقوله تعالى {وآتوا اليتامى أموالهم} وأجيب بأنها عامة. وقوله: {فليأكل بالمعروف} خاص والخاص مقدم على العام. قال: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً} وأجيب بأن محل النزاع هو أن أكل الوصي مال اليتيم ظلم أو لا؟ قال: {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} وهو أيضاً عين النزاع. ثم اعلم أن الأئمة اتفقوا على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه رشيداً فالأولى والأحوط أن يشهد عليه إظهاراً / للأمانة وبراءة من التهمة. ولكن اختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه فهل هو مصدق؟ فقال أبو حنيفة وأصحابه: يصدق بيمينه كسائر الأمناء. وقال مالك والشافعي: لا يصدق إلا بالبينة لأنه تعالى نص على الإشهاد فقال: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} وظاهر الأمر للوجوب، ولأنه أمين من جهة الشرع لا من جهة اليتيم، وليس له نيابة عامة كالقاضي، ولا كمال الشفقة كالأب. نعم يصدق في قدر النفقة وفي عدم التقتير والإسراف لعسر إقامة البينة على ذلك وتنفيره الناس عن قبول الوصاية {وكفى بالله حسيباً} أي كافياً في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسباً كالشريب بمعنى المشارب، وفيه تهديد للولي ولليتم أن يتصادقوا ولا يتكاذبوا. والباء في {بالله} زائدة نظراً إلى أصل المعنى وهي كفى الله. و{حسيباً} نصب على التمييز، ويحتمل الحال. ثم من ههنا شرع في بيان المواريث والفرائض. قال ابن عباس: حديث : إن أوس بن ثابت الانصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كجة وثلاث بنات له منها. فقام رجلان - هما ابنا عم الميت ووصياه سويد وعرفجة - فأخذا ماله ولم يعيطيا امرأته ولا بناته شيئاً، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكراً، إنما يورثون الرجال الكبار وكانوا يقولون لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، قال: فجاءت أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أوس بن ثابت مات وترك لي بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناته من المال شيئاً. فدعاهما رسول الله صلى الله وسلم فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً، ولا يحمل كلاً، ولا ينكي عدوّاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن. فانصرفوا فأنزل الله {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} الآية. فبعث إليهما لا تقربا من مال أوس شيئاً فإن الله قد جعل لهن نصيباً، ولم يبين حتى يتبين فنزلت {يوصيكم الله} فأعطى أم كجة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم تفسير : . وسبب الإجمال في الآية ثم التفصيل فيما بعد، هو أن الفطام من المألوف شديد، والتدرج في الأمور دأب الحكيم، وهكذا قد نزل الأحكام والتكاليف شيئاً بعد شيء إلى أن كملت الشريعة الحقة وتم الدين الحنيفي {مما قل منه أو كثر} بدل {مما ترك} تكرير العامل و {نصيباً مفروضاً} نصب على الاختصاص تقديره أعني نصيباً ومقطوعاً مقدراً لا بد لهم أن يحوزوه، أو على المصدر المؤكد كأنه قيل: قسمة مفروضة. احتج بعض أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام كالعمات والخالات والأخوال وأولاد البنات، لأن الكل من الأقربين. غاية ما في الباب أن مقدار أنصبائهم غير مذكور ههنا إلا أنا / نثبت بالآية استحقاقهم لأصل النصيب، ونستفيد المقادير من سائر الدلائل. وأجيب بأنه تعالى قال: {نصيباً مفروضاً} وبالإجمال ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر. وايضاً الواجب عندهم ما علم ثبوته بدليل مظنون، والمفروض ما علم بدليل قاطع، وتوريث ذوي الأرحام ليس من هذا القبيل بالاتفاق، فعرفنا أنه غير مراد من الآية. وأيضاً ليس المراد بالأقربين من له قرابة ما وإن كانت بعيدة وإلا دخل جميع أولاد آدم فيه. فالمراد إذن أقرب الناس إلى الوارث، وما ذاك إلا الوالدين والأولاد. ودخول الوالدين في الأقربين يكون كدخول النوع في الجنس، فلا يلزم تكرار والله تعالى أعلم. قال المفسرون: أنه تعالى لما ذكر في الآية للنساء أسوة بالرجال في أن لهن حظاً من الميراث، وعلم أن في الأقارب من يرث وفيهم من لا يرث وربما حضروا القسمة فلا يحسن حرمانهم قال: {وإذا حضر القسمة أولو القربى} الآية. ثم منهم من قال بوجوبه ومنهم من قال باستحبابه. وعلى الوجوب فعن سعيد بن المسيب والضحاك أنها منسوخة بآية المواريث، وعن أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير أنها محكمة لكنها مما تهاون به الناس، قال الحسن: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات واليتامى والمساكين من الورق والذهب، فإذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولاً معروفاً. كانوا يقولون لهم: ارجعوا بورك فيكم. وعلى الاستحباب وهو مذهب فقهاء الأمصار اليوم قالوا: إن هذا الرضخ يستحب إذا كانت الورثة كباراً، أما إذا كانوا صغاراً فليس إلا القول المعروف كأن يقول الولي: إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعرفون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم. والضمير في {منه} إما أن يعود إلى ما ترك، وإما إلى الميراث بدليل ذكر القسمة. وقيل: المراد قسمة الوصية. وإذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامة والمساكين، أمر الله الموصي أن يجعل لهم نصيباً من تلك الوصية ويقول لهم مع ذلك قولاً معروفاً. وقيل: أولو القربى الوارثون واليتامى والمساكين الذين لا يرثون. وقوله:{وقولوا لهم} راجع إلى هؤلاء الذين لا يرثون. ويحكى هذا القول عن سعيد بن جبير. {وليخش الذين لو تركوا} الجملة الشرطية وهي "لو" مع ما في حيزه صلة الذين. والمعنى ليخشى الذين من صفتهم وحالهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم, وأما المخشى فغير منصوص عليه. قال بعض المفسرين: هم الأوصياء أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً، أو أمروا بأن يخشوا على اليتامى من الضياع كما يخشون على أولادهم لو تركوهم، وعلى هذا فيكون القول السديد أي الصواب. القصد أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالقول الجميل ويدعوهم بيا بني ويا ولدي، وهذا القول أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام. نبههم الله على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها ليكون ذلك أجدر ما يدعوهم إلى حفظ مال اليتيم كما قال القائل: شعر : لقد زاد الحياة إليّ حباً بناتي إنهن من الضعاف أحاذر أن يرين البؤس بعدي وأن يشربن رنقاً بعد صافي تفسير : وقيل: هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئاً. فقدِّم مالك، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن يستغرق المال بالوصايا. فأمروا بأن يخشوا ربهم ويخشوا على أولاد المريض خوفهم على أولاد أنفسهم لو كانوا. وعلى هذا تكون الآية نهياً للحاضرين عن الترغيب في الوصية. والقول السديد أن يقولوا للمريض لا تسرف في الوصية فتجحف بأولادك مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد:حديث : الثلث كثيرتفسير : . وكان الصحابة رضي الله عنهم يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث وإن الخمس أفضل من الربع والربع من الثلث. وقيل: يجوز أن تتصل الآية بما قبلها فيكون أمراً للورثة بالشفقة على الذين يحضرون القسمة من الضعفاء، وأن يتصوروا أنهم لو كانوا أولادهم خافوا عليهم الحرمان. وعن حبيب بن ثابت سألت مقسماً عن الآية. فقال: هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب فيقول له من كان عنده: اتق الله وأمسك على ولدك مالك. مع أن ذلك الإنسان يحب أن يوصي له. وعلى هذا يكون نهياً عن الوصية ولا يساعده قوله: {لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا} ثم أكد الوعيد في باب إهمال مال اليتيم فقال {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً} أي ظالمين أو على وجه الظلم من ولاة السوء وقضاته لا بالمعروف {إنما يأكلون في بطونهم} أي ملء بطونهم ناراً أي ما يجر إلى النار وكأنه نار في الحقيقة. وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه، فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا. وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رأيت ليلة أسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من النار يخرج من أسافلهم فقال جبريل: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً" تفسير : {وسيصلون} من قرأ بفتح الياء فهو من صلى فلان النار بالكسر يصلى صلياً احترق. ومن قرأ بالضم فمعناه الإلقاء في النار لأجل الإحراق من الإصلاء. وقد يشدد من التصلية والمعنى واحد. والسعير النار، وسعرت النار والحرب هيجتها وألهبتها فهي سعير أي مسعورة. والتنكير للتعظيم أي ناراً مبهمة الوصف لا يعلم شدتها إلا خالقها. قالت المعتزلة: لا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد آكل اليسير من / ماله، بل لا بد أن يكون مقدار خمسة دراهم لأنه القدر الذي وقع عليه الوعيد في آية الكنز في منع الزكاة ولا بد مع ذلك من عدم التوبة. فقيل لهم: إنكم خالفتم هذا العموم من وجهين: من جهة شرط عدم التوبة، ومن جهة شرط عدم كونه صغيرة، فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو؟ وههنا نكتة وهي أنه أوعد مانع الزكاة بالكي، وآكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار. ولا شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن الفقير غير مالك لجزء من النصاب حتى يملكه المالك، واليتيم مالك لماله فكان منع اليتيم أشنع. وأيضاً الفقير يقدر على الاكتساب من وجه آخر أو على السؤال، واليتيم عاجز عنهما فكان ضعفه أظهر وهذا من كمال عنايته تعالى بالضعفاء فنرجو أن يرحم ذلنا وضعفنا بعزته وقوته. التأويل: ذكر الناسين بدء خلقهم بالأشباح والأرواح فخلقوا بالأشباح من آدم، وبالأرواح من روح محمد صلى الله عليه وسلم. قال: أول ما خلق الله روحي فهو أبو الأرواح. وخلق من الروح زوجه وهي النفس، خلقها من أدنى شعاع من أشعة أنوار روح محمد صلى الله عليه وسلم {وبث منهما رجالاً كثيراً} أرواحاً كاملين {ونساء} أرواحاً ناقصات {واتقوا الله الذي تساءلون به} أي اتقوه أن تساءلوا به غيره {والأرحام} ولا تقطعوا رحم رحمتي بصلة غيري {وآتوا اليتامى أموالهم} تزكية عن آفة الحرص والحسد والدناءة والخسة والطمع وتحلية بالقناعة والمروءة وعلو الهمة والعافية {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} تزكية عن آفة الخيانة والخديعة وتحلية بالأمانة وسلامة الصدر {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} تزكية عن الجور وتحلية بالعدل، فإن اجتماع هذه الرذائل كان حوباً كبيراً حجاباً عظيماً {فانكحوا ما طاب لكم} تزكية عن الفاحشة وتحلية بالعفة {ذلك أدنى أن لا تعولوا} تزكية عن الحدة والغضب، وتحلية بالسكون والحلم {وآتوا النساء صدقاتهن} تزكية عن البخل والغدر وتحلية بالوفاء والكرم {فكلوه هنيئاً} تزكية عن الكبر والأنفة وتحلية بالتواضع والشفقة. فهذه كلها إشارات إلى تربية يتامى القلوب والنفوس بإيتاء حقوق تزكيتهم عن هذه الأوصاف وتحليتهم بهذه الأخلاق. ثم نهى عن إيتاء النفوس الأمارة حظوظها فقال: {ولا تؤتوا السفهاء} وإنما قال: {أموالكم} لأن الخطاب مع العقلاء والصلحاء وقد خلق الله الدنيا لأجلهم أن الأرض يرثها عبادي الصالحون. {وارزقوهم فيها} قدر ما يسد الجوعة {واكسوهم} ما يستر العورة وما زاد فإسراف في حق النفس {وقولوا لهم قولاً معروفاً} كنحو: أكلت رزق الله فأدّي شكر نعمته بامتثال أوامره نواهيه وإلا أذيبي طعامك بذكر الله كما قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : أذيبوا طعامكم بذكر الله " تفسير : . {وابتلوا اليتامى} أي قلوب السائرين بأدنى توسع في المعيشة بعد أن كانوا محجورين عن التصرف {حتى إذا بلغوا} مبلغ الرجال البالغين {فإن آنستم منهم / رشداًَ} بأن استمروا بذلك التوسع على السير وزادوا في اجتهادهم وجدهم كما قال الجنيد: أشبع الزنجي وكدّه {فادفعوا إليهم أموالهم} فالعبد في هذا المقام يكون جائز التصرف في مماليك سيده كالعبد المأذون، ولهذا قال ههنا {أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً} أي فإن آنستم يا أولياء الطريقة من المريدين البالغين رشد التصرف في أصحاب الإرادة فادفعوا إليهم عنان التصرف بإجازة الشيخوخية، ولا تجعلوا الشيخوخية مأكلة لكم غيرة وغبطة عليهم أن يكبروا بالشيخوخة. {ومن كان غنياً} بالله من قوة الولاية مستظهراً بالعناية {فليستعفف} عن الانتفاع بصحبتهم، {ومن كان فقيراً} مفتقراً إلى ولاية المريد {فليأكل بالمعروف} فلينتفع بإعانته وليجزله بالشيخوخية مع الإمداد في الظاهر والباطن {فإذا دفعتم إليهم أموالهم} سلمتم إليهم مقام الشيخوخية {فأشهدوا عليهم} الله ورسوله وأرواح المشايخ وأوصوهم برعاية حقوقها مع الله والخلق. ثم أخبر عن نصيب كل نسيب فقال: {للرجال} وهم الأقوياء من الطلبة {وللنساء} وهم الضعفاء {نصيب مما ترك الولدان والأقربون} وهم المشايخ والإخوان في الله وتركتهم بركتهم وأنوارهم {نصيباً مفروضاً} على قدر استعدادهم {وإذا حضر القسمة} أي في محافل صحبتهم ومجالس ذكرهم {أولو القربى} المنتمون إليهم المقتبسون من أنوارهم والمقتفون لآثارهم {فارزقوهم} من مواهب بركاتهم {وقولوا لهم قولاً معروفاً} في التشويق وإرشاد الطريق وتقرير هوان الدنيا عند الله، وعزة أهل الله في الدارين. {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفاً} من متوسطي المريدين أو المبتدئين {خافوا عليهم} آفات المفارقة بسفر أو موت {فليتقوا الله} أي يوصونهم بالتقوى وأن يقولوا قولاً سديداً هو لا إله إلاَّ الله. فإن التقوى ومداومة الذكر خطوتان يوصلان العبد إلى الله {إن الذين يأكلون} يضيعون أطفال الطريقة بعدم التربية ورعاية وظائف النصيحة {إنما يأكلون في بطونهم} نار الحسرة والغرامة يوم لا تنفع الندامة.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ...} الآية: في الآية تنبيهٌ على الصانع، وعلى افتتاحِ الوجودِ، وفيها حضٌّ على التواصل لحرمةِ هذا النَّسَب، والمرادُ بالنَّفْس آدم صلى الله عليه وسلم، وقال: {وٰحِدَةٌ}؛ على تأنيثِ لفظ النَّفْس، و «زَوجَهَا»، يعني: حَوَّاء، قال ابن عَبَّاس وغيره: خَلَق اللَّه آدم وَحِشاً في الجنة وحده، ثم نام، فَٱنْتَزَعَ اللَّهُ إحدى أضلاعه القُصَيْرَىٰ مِنْ شِمَاله، وقيل: مِنْ يمينه، فَخَلَقَ منها حَوَّاء، ويَعْضُدُ هذا ــــ الحديثُ الصحيح في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ...} تفسير : الحديث، {وَبَثَّ}: معناه: نَشَرَ؛ كقوله تعالى: {أية : كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} تفسير : [القارعة:4] أي: المنتشر، وفي تكرير الأمر بالتقوَىٰ تأكيدٌ لنفوس المأمورِينَ، و {تَسَاءَلُونَ}: معْنَاه: تتعاطَفُون به، فيقول أحدكم: أسألكَ باللَّه، وقوله: {وَٱلأَرْحَامَ}، أي: وٱتقوا الأرحَامَ، وقرأ حمزةُ «والأَرْحَامِ» (بالخفض)؛ عطفًا على الضميرِ؛ كقولهم: أسألك باللَّه وبالرَّحِمِ؛ قاله مجاهد وغيره. قال * ع *: وهذه القراءةُ عند نحاة البَصْرة لا تَجُوز؛ لأنه لا يجوزُ عندهم أنْ يعطف ظَاهِرٌ على مضمرٍ مخفوضٍ إلا في ضرورة الشِّعْرِ؛ كقوله: [البسيط] شعر : ................. فَٱذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ تفسير : لأن الضميرَ المخفوضَ لا ينفصلُ؛ فهو كحرف من الكلمة، ولا يعطف على حرفٍ، واستسهلَ بعضُ النحاة هذه القراءة. انتهى كلام * ع *. قال * ص *: والصحيحُ جوازُ العَطْف على الضميرِ المجرورِ من غير إعادة الجَارِّ؛ كمذهب الكوفيِّين، ولا تُرَدُّ القراءة المتواترةُ بمثل مذهب البصريِّين، قال: وقد أمعنَّا الكلامَ عليه في قوله تعالَىٰ: {أية : وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [البقرة:217] انتهى، وهو حسنٌ، ونحوه للإمام الفَخْر. وفي قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}: ضرْبٌ من الوعيدِ، قال المُحَاسِبِيُّ: سألتُ أبا جَعْفَرٍ محمدَ بْنَ موسَىٰ، فقلْتُ: أجمل حالاتِ العارفين ما هِيَ؟ فقال: إن الحال التي تَجْمَعُ لك الحالاتِ المَحْمُودةَ كلَّها في حالةٍ واحدةٍ هي المراقبةُ، فَألْزِمْ نفْسَكَ، وقَلْبَكَ دَوَامَ العِلْمِ بنَظَرِ اللَّه إليك؛ في حركَتِك، وسكونِكِ، وجميعِ أحوالِكِ؛ فإنَّك بعَيْنِ اللَّهِ (عزَّ وجلَّ) في جميعِ تقلُّباتك، وإنَّك في قبضته؛ حيث كُنْتَ، وإنَّ عين اللَّه علَىٰ قلبك، ونَاظِرٌ إلى سِرِّك وعلانيتِكَ، فهذه الصفةُ، يا فَتَىٰ، بحْرٌ ليس له شطٌّ، بَحْر تجري منْه السواقِي والأنهارُ، وتسيرُ فيه السُّفُن إلى معادِنِ الغنيمةِ. انتهى من كتاب «القصد إلى اللَّه سبحانه».
ابن عادل
تفسير : قال بعض المفسرين: "ابتدأ الله سبحانه وتعالى هذه السورة بالعطف على النساء والأيتام، ذكر فيها أحكاماً كثيرة، وبذلك ختمها، ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس والطِّبَاع، افتتحها بالأمر بالتقوى المشتملة على كل خير". فصل روى الواحدي عن ابن عباس في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} أن هذا الخطاب لأهل مكة. وأما الأصوليون من المفسرين فاتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلّفين، وهذا هو الأصحُّ؛ لأن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق، ولأنه علّل الأمر بالاتِّقَاءِ لكونه تعالى خالق لهم من نفس واحدة، وهذه العلة موجودة في جميع المكلفين. وأيضاً فالتكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة، بل هو عام، وَإذَا كان لفظ الناس عاماً، والأمر بالتقوى عاماً، وعلة هذا التكليف عامةً، فلا وجه للتخصيص، وحجة ابن عباس أن قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} [النساء: 1] مختص بالعرب؛ لأن المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم، فيقولون: "أسألك بالله وبالرحم، أنشدك الله والرحم"، وإذا كان كذلك، كان قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} [النساء: 1] مختصاً بالعرب، فيكون قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} مختصاً بهم، لأن الخطابين متوجهان إلى مخاطب واحد. ويمكن الجواب عنه بأن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم الآية. فصل اعلم أنه تعالى جعل الافتتاح لسورتين في القرآن: أحدهما: هذه وهي السورة الرابعة من النصف الأول من القرآن، وعلل الأمر بالتقوى فيهما بما يدل على معرفة المبدأ بأنه خلق الخلق من نفس واحدة، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وحكمته. والثانية: سورة الحج وهي الرابعة أيضاً من النصف الثاني من القرآن وعلَّلَ الأمر بالتقوى فيها بما يدل على معرفة المعاد. فَجَعَلَ صدر هاتين السورتين دليلاً على معرفة المبدأ والمعاد، وقدّم السورة الدالة على المبدأ على السورة الدالة على المعاد، وهذا سر عظيم. {مِّن نَّفْسٍ} متعلق بـ "خلقكم" فهو في محل نصب، و "من" لابتداء الغاية، وكذلك "منها زوجها وبتَّ منهما" والجمهور على واحدة بتاء التأنيث، وأجمع المسلمون على أنَّ المراد بالنفس الواحدة [هاهنا] آدم عليه السلام، إلا أنه أنث الوصف على لفظ النفس لقوله تعالى: {أية : أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} تفسير : [الكهف: 74]. وابن أبي عبلة واحدٍ من غير [تاء] تأنيث وله وجهان: أحدهما: مراعاة المعنى؛ لأنه المراد بالنفس آدم عليه السلام. والثاني: أن النفس تذكر وتؤنث. وعليه قوله: [الوافر] شعر : 1726- ثَلاَثَةُ أنْفُسٍ وَثَلاَثُ ذَوْدٍ لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي تفسير : قوله: {وَخَلَقَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عطفٌ على معنى "واحدة" لما فيه من معنى الفعل، كأنه قيل: "من نفس وحدت" أي: انفردت، يُقال: "رجل وَحُد يَحِدُ وَحْداً وَحِدَة" انفرد. الثاني: أنه عَطْفٌ على محذوف. قال الزَّمَخْشرِيُّ: "كأنه قيل: من نفسٍ واحدةٍ أنشأها أو ابتدأها وخلق منها، وإنما حذف لدلالة المعنى عليه، والمعنى شَعَّبكم من نفس واحدةٍ هذه صفتها" بصفة هي بيان وتفصيل لكيفية خلقكم منها، وَإنَّما حمل الزمخشري رحمه الله تعالى والقائل الذي قبله على ذلك مراعاةُ الترتيب الوجودي؛ لأن خلق حواء - وهي المعبر عنها بالزوج - قبل خلقنا ولا حاجة إلى ذلك، لأن الواو لا تقتضي ترتيباً على الصحيح. الثالث: أنه عطف على "خَلْقَكُمْ"، فهو داخل في حيز الصلة والواو ولا يُبَالَى بها، إذ لا تقتضي ترتيباً؛ إلا أن الزَّمَخشريَّ رحمه الله تعالى خَصَّ هذا الوجه بكون الخطاب [للمؤمنين] في {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} لمعاصري الرسول عليه السلام فإنه قال: والثاني أنه يُعْطَفُ على "خلقكم" ويكون الخطاب للذين بُعِثَ إليهم الرسول، والمعنى: خلقكم من نفس آدم؛ لأنه من جملة الجنس المفرّع [منه] وخلق منها أُمَّكم حواء. فظاهر هذا خصوصيَّةُ الوجه الثاني أن يكون الخطاب للمعاصرين، وفيه نظر، وَقَدَّرَ بعضهم مضافاً في "منها" أي: "مِنْ جِنْسِها زوجَها"، وهو قول أبي مسلم، قال: وهو كقوله: {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} تفسير : [النحل: 72] وقال {أية : إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [آل عمران: 164] وقوله: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ} تفسير : [التوبة:128]. قال: وحواء لم تخلق من آدم، وإنما خلقت من طينة فَضَلَتْ من طينة آدم. قال الْقَاضِي: والأول أقوى لقوله: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}. قال ابن الخَطِيبُ: "يمكن أن يجاب بأن كلمة "مِن" لابتداء الغاية، فَلمَّا كان ابتداء الغاية وهو ابتداء التخليق والإيجاد وقع بآدم صحّ أن يُقَالَ: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} وأيضاً فالقادر على خلق آدم من التراب، [كان قادراً أيضاً على خلق حواء من التراب]، وَإذا كان كذلك فأيّ فائدة في خلقها من ضلع من أضلاعه". وقرئ "وخالِقُ وباثٌّ" بلفظ اسم الفاعل، وخَرَّجَهُ الزمخشريُّ على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: وهو خالِقٌ وباثٌّ. وَيُقَالُ: بَثَّ وأبَثَّ ومعناه "فَرَّقَ" ثلاثياً ورباعياً. قال ابن المظفر: "البثُّ تَفْرِيقَكَ الأشياء". يقال: بَثَّ الخيلَ في الغارة، وبَثَّ الصيَّادُ كِلاَبَهُ، وخلق الله الخلق: بَثَّهُمْ في الأرض، وبثثت البسطة إذا نشرتها. قال تعالى: {أية : وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} تفسير : [الغاشية: 16]. فإن قيل: ما المناسبةُ بين الأمر بالتقوى وما ذكر معه من الوصف؟ فالجواب: لما ذكر أنَّهُ خَلَقَنَا من نفس واحدة، وذلك علة لوجوب الانقياد علينا لتكاليفه؛ لأنا عبيده وهو مولانا، ويجب على العبد الانقياد لمولاه؛ ولأنه أنعم ومَنَّ بوجوه الإنعام والامتنان، فأوجد وَأَحْيَا وعَلَّمَ وهَدَى، فعلى العبد أن يُقَابِلَ تلك النِّعم بأنواع الخضوع والانقياد؛ ولأنه بكونه موجداً وخالقاً وَرَبًّا يجبُ علينا عبادته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ويلزم من ذلك ألا نوجب لتلك الأفعال ثواباً؛ لأن أداء الحق لمستحقه لا يوجب، وثواب هذا إن سَلَّمْنَا أن العبد أتى بتلك الطاعات من عند نفسه، فكيف وهذا محال؛ لأن الطاعات لا تحصل إلاَّ بخلق الله - تعالى - القدرة عليها، والداعية إليها [ومتى حصلت القدرة والداعي كان] مجموعهما موجباً لصدور الطاعة، فتكون تلك الطاعة إنعاماً آخر. وأيضاً أنَّهُ خلقنا مِنْ نفسٍ واحدةٍ، ذلك أيضاً يوجبُ عَلَيْنَا طَاعَتَهُ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على كمال القدرة؛ لأن ذلك لو كان بالطبيعة لما تولد عن الإنسان إلاَّ إنسان يشاكله ويشابهه في الْخِلْقَةِ والطبيعةِ، ولَمَّا اختلف الناس في الصفات والألوان، دَلَّ على أن الخالق قَادِرٌ مختارٌ عَالِمٌ، يجب الانقياد لتكاليفه؛ ولأن اللَّه تَعالى عَقَّبَ الأمر بالتقوى بالأمر بالإحسانِ إلى الْيَتَامَى والنساءِ والضُّعَفَاء وكونهم من نفْس واحدة باعث على ذلك بكونه [وذلك لأن الأقارب لا بد أن] يكون بينهم مواصلة وقرابة، وذلك يزيد في المحبة، ولذلك يفرح الإنسان بمدح أقاربه ويحزن بذمهم فقدَّمَ ذكرهم، فقال: {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} ليؤكد شفقة بعضنا على بعض. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: وبَثَّ منها الرِّجال والنِّسَاءَ. فالجواب: لأن ذلك يقتضي كونهما مبثوثين من نفسيهما، وذلك محال، فلهذا عدل إلى قوله: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً}. وقوله: "كثيراً" فيه وجهان: أظهرهما: أنه نَعْتٌ لـ "رِجَالاً". قال أبو البقاء: ولم يؤنثه حَمْلاً على المعنى؛ لأن "رجالاً" بمعنى عدد أو جمع أو جنس كما ذَكَّر الفعل المسند إلى جماعةِ المؤنثِ لقوله تعالى: {أية : وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ} تفسير : [يوسف: 30]. والثاني: أنه نعت لمصدر تقديره: وبث منهم بثاً كثيراً؛ وقد تقدم أن مذهب سيبويه في مثله النصبُ على الحالِ. فإن قيل: لم خَصَّ الرِّجَالَ بوصفِ الكثرةِ دون النساء؟ ففيه جوابان: أحدهما: أنه حَذَفَ صِفَتَهُنّ لدلالة ما قبلها عليها تقديره: ونساءً كثيرة. والثاني: أنَّ الرِّجال لشهرتهم [وبروزهم] يُنَاسِبُهم ذلك بخلافِ النِّسَاء، فإنَّ الأليقَ بِهِنَّ الخمولُ والإخفاء. قوله: {تَسَآءَلُونَ} قرأ الكوفيون "تَسَاءَلُونَ" بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين تخفيفاً، والأصل: "تتساءلون" به، وقَدْ تَقَدَّمَ الخلافُ: هَلْ المحذوفُ الأولى أو الثانية وقرأ الباقون بالتشديد على إدغام تاء التفاعل في السين؛ لأن مقاربتها في الهمس، ولهذا تُبْدَلُ من السين، قالوا: "ست" والأصل "سِدْسٌ" وقرأ عبد الله: "تَسْألون" من سأل الثلاثي، وقُرِئَ "تَسَلون" بنقل حركة الهمزة على السين، و "تَسَاءلون" على التفاعل فيه وجهان: أحدهما: المشاركة في السؤال. والثاني: أنه بمعنى فَعَلَ، ويدلّ عليه قراءة عبد الله. قال أبُو البَقَاءِ: "وَدَخَلَ حَرْفُ الجرِّ في المفعول؛ لأن المعنى: "تتخالفون" يعني أن الأصل تعدية "تسألون" إلى الضمير بنفسه، فلما ضُمِّن "تتحالفون" عُدِّي تَعْدِيَتَه". قوله: {وَٱلأَرْحَامَ} الجمهور نصبوا الميم، وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على لفظ الجلالة، أي: واتقوا الأرحام أي: لا تقطعوها، وقَدَّرَ بعضهم مضافاً أي: قَطْعَ الأرحام. ويقال: إنَّ هذا في الحقيقةِ من عطف الخاصِّ علا العام، وذلك أن معنى اتقوا الله؛ اتقوا مخالَفَتَه، وقَطْعُ لأرحام مندرج فيها، وهذا قول مجاهد وقتادة والسَّدي والضحاك والفرّاء والزّجّاج. قال الواحدي: ويجوز أن يكون منصوباً بالإغراء، أي: والأرحام احفظوها وصلوها كقولك: الأسدَ الأسدَ، وهذا يَدُلُّ على تحريم قطيعةِ الرحم ووجوب صلتها. والثاني: أنه معطوف على محل المجرور في "به"، نحو: مررت بزيد وعمراً، ولمَّا لم يَشْرَكه في الإتباع على اللفظ تبعه على الموضع، وهذا يؤيده قراءة عبد الله "وبالأرحام". وقال أبو البقاء: تُعَظِّمُونه والأرحام، لأنَّ الحَلْفَ به تَعْظِيم له. وقرأ حمزة "والأرحامِ" بالجر، قال القفال: وقد رويت هذه القراءة عن مجاهد وغيره، وفيها قولان. أحدهما: أنه عَطَفَ على الضمير المجرور في "به" من غير إعادة الجار، وهذا لا يجيزه البصريون، وقد تَقَدَّم تحقيقُ ذلك، وأن فيها ثلاثةَ مذاهب، واحتجاج كل فريق في قوله تعالى: {أية : وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [البقرة: 217] وقد طَعَنَ جَمَاعَةٌ في هذه القراءة، كالزجاج وغيره، حتى يحكى عن الفراء الذي مذهبه جوازُ ذلك أنه قال: حدثني شريك بن عبد الله عن الأعمش عن إبراهيم، قال: {وَٱلأَرْحَامَ} بخفض [الأرحام] هو كقولهم: "أسألك باللَّهِ والرحمِ" قال: وهذا قبيح؛ لأنَّ العرب لا ترُدُّ مخفوضاً على مخفوضٍ قَدْ كُنِي به، وَضَعَّفَهُ بَعْضُهمُ بأنه عطف للمظهر على المضمر، وهو لا يجوز. قال ابن عيس: إنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع، فلا يجوز أن يقال: "اذهب وزيد" و" ذهبت وزيد"، بل يقولون: اذهبْ أنت وزيد وذهبت أنا وزيد، قال تعالى: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ} تفسير : [المائدة: 24] مع أن المضمر المرفوع قد ينفصل، فإذا لم يجز عطف المظهر على المضمر المرفوع مع أنه أقوى من المضمر المجرور، بسبب أنه قد ينفصل؛ فلأن لا يجوز عطف المظهر على المضمر المجرور، مع أنه [لا] ينفصل أَلْبَتَّةَ أولى. والثاني: أنه ليس معطوفاً على الضمير المجرور، بل الواو للقسم وهو خفض بحرف القسم مقسم به، وجوابُ القسمِ {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}، وضُعِّفَ هذا بوجهين: أحدهما: أن قراءتي النصبِ وإظهار حرفِ الجر في بـ "الأرحام" يمنعان من ذلكَ، والأصلُ توافق القراءات. والثاني: أنَّهُ نُهِيَ أن يُحْلَفَ بغيرِ الله تعالى، والأحاديثُ مُصَرَّحةٌ بذلك. وَقَدَّرَ بَعْضهم مضافاً فراراً من ذلك فقال: تقديره: "ورَبِّ الأرحام". قال أبو البقاء: "وهذا قد أغنى عنه ما قبله" يعني: الحلف بالله تعالى. ويمكن الجواب عن هذا بأن للَّهَ تعالى أن يُقسمَ بما يشاء من مخلوقاته [كما أقسم] بالشمس والنجم والليل، وإن كنا نَحْنُ منهيين عن ذلك، إلا أنَّ المقصود من حيث المعنى، ليس على القسم، فالأولى حمل هذه القراءات على العطف على الضمير، ولا التفات إلى طَعْنِ مَنْ طَعَنَ فيها. وأجاب آخرون بأن هذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونه في الجاهلية؛ لأنهم كانوا يقولون: أسألك بالله وبالرحم، فمجيء هذا الفعل عنهم في الماضي لا ينافي ورود النهي عنه في المستقبل؛ وأيضاً فالنهي ورد عن الحلف بالآباء فقط، وهاهنا ليس كذلك، بل هو حلف باللَّهِ أولاً، ثُمَّ قرن بِهِ بَعْدُ ذكر لرحم، وهذا لا ينافي مدلول الحديث. أيضاً فحمزة أحد القراء السبعة، الظاهر أنه لم يَأتِ بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة، ولا التفات إلى أقيسة النحاة عند وجود السماع، وأيضاً فلهذه القراءة وجهان: أحدهما: ما تقدم من تقدير تكرير الجار، وإن لم يجزه البصريون فقد أجازه غيرهم. والثاني: فقد ورد في الشعر وأنشد سيبويه: [البسيط] شعر : 1727- فاليَوْمَ قَرَّبْتَ تَهْجُونَا وتَشْتُمْنَا فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ والأيَّامِ مِنْ عَجَب تفسير : وقال الآخر [الطويل] شعر : 1728- تُعَلَّقُ في مِثْلِ السَّوَاري سُيُوفُنَا وَمَا بَيْنَهَا والْكَعْبِ غَوْطٌ نَفَانِفُ تفسير : وقال آخر [الوافر] شعر : 1729- أكُرُّ على الكِتيبَةِ لا أُبالِي أفِيهَا كَانَ حَتْفِي أمْ سِوَاهَا تفسير : وحمزة بالرتبة السَّنيَّة المانعةِ له من نقل قراءة ضعيفة. قال بن الخطيبِ: "والعَجَبُ من هَؤلاء [النحاة] أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين، ولا يستحسنوها بقراءة حمزة ومجاهد، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن". وقرأ عبد الله أيضاً "والأرحامُ" رفعاً على الابتداء، والخبرُ محذوف فقدَّرَهُ ابن عطية: أهلٌ أنْ توصل، وقَدَّرَه الزمخشري: "والأرحامُ مِمَّا يتقي" أو "مما يتساءل به". وهذا أحسنُ للدلالة اللفظية، والمعنوية، بخلاف الأول فإنَّه للدلالة المعنوية فقط، وقَدَّرَهُ أبو البقاء: والأرحام محترمة، أي: واجبٌ حرمتها. فإن قيل: ما فائدةُ هذا التكرير في قوله أولاً: {اتقوا ربكم الذي خلقكم}. ثم قال بعده: "واتقوا الله". فالجواب فائدته من وجوه: الأول: فائدته تأكيد الأمر والحث عليه. والثاني: أن الأمر الأول عامّ في التقوى بناء على الترتيب. والأمر الثاني خاص فيما يلتمس البعض من البعض، ويقع التساؤل به. الثالث: قوله أولاً: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} ولفظ "الرَّبِّ" يَدَلُّ على التربية والإحسان، وقوله ثانياً {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} ولفظ "الإله" يدل على الغلبة والقهر، فالأمر الأول بالتقوى بناء على الترغيب، والأمر الثاني يدل على الترهيب، فكأنَّهُ قيل: اتقِ الله إنه ربّاك، وأحسن إليك، واتق مخالفته؛ لأنه شديدُ العقاب عظيم السطوة. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}. جارٍ مجرى التعليل والرقيب: فَعيل للمبالغة من رَقَبَ يَرْقُبُ رَقْباً، ورُقوباً، ورِقْباناً إذا أحدَّ النَّظَرَ [لأمر يريد تحقيقه]، والرقيب هو المراقب الذي يحفظ جميع أفعالك، واستعماله في صفات الله تعالى بمعنى الحفيظ قال: [مجزوء الكامل] شعر : 1730- كَمَقَاعِدِ الرُّقَبَاءِ للضـْ ـضُرَبَاءِ أيْدِيهمْ نَوَاهِدْ تفسير : وقال: [الكامل] شعر : 1731- وَمَعَ الحَبيبِ بِهَا لَقَدْ نِلْتَ المُنَى لِي عَقْلَهُ الْحُسَّادُ وَالرُّقَباءُ تفسير : والْمَرْقَبُ: المكان العالي المشرف يقف عليه الرقيب، والرقيب أيضاً [ضرب] من الحيات، والرقيب السهم الثالث من سهام الميسر، وقد تقدمت في البقرة، والارتقاب: الانتظار. فصل دَلَّتْ الآيةُ على تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعه. قال تعالى: {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} تفسير : [محمد: 22]. وقال تعالى: {أية : لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} تفسير : [التوبة: 10] قيل: إنَّ الإلّ القرابة، قال: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [الإسراء: 23] وقال عليه السلام: قال الله تعالى: "حديث : أنا الرحمن وهي الرحم اشتققتُ لها اسماً من اسمي، من وَصَلَها وَصَلْتُه، ومن قطعها قطعته ". تفسير : فصل قال القرطبيُّ: الرحم: اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره. وأبو حنيفةَ يعتبر الرَّحم المحرم في منع الرجوعِ في الهِبَةِ، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام، مع أنَّ القطيعة موجودة، والقرابة حاصلة ولذلك تعلّق بها الإرث، والولاية، وغيرهما من الأحكام، فاعتبار المحرم زيادة على نصِّ القرآن من غير دليل، وهم يرون ذلك [نسخاً]، سيما وفيه إشارة بالتعليل إلى القطيعة قد جوَّزها في حق بني الأعمام، وبني الأخوال والخالات. فصل أجمعت الأمةُ على أنَّ صلة الرَّحم واجبة، وأن قطيعتها محرَّمة، حديث : وقد صحَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأسْمَاءَ وقد سألته: أأصِلُ أمِّي؟ "صِلِي أمَّكِ" تفسير : فأمرها بصلتها وهي كافرة فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافرة حتى انتهى الحال بأبي حنيفة وأصحابه ومن وافقهم إلى توارث ذوي الأرحام، إذا لم يكن عصبة، ولا ذو فرض ويعتقون على من اشتراهم من ذوي رحمهم لحرمة الرّحم، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : مَنْ مَلَكَ ذَا رحمٍ محرمٍ فَهُوَ حُرٌّ" تفسير : وهذا قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما ولا يعرف لهما من الصحابة مخالف. فصل واختلفوا في ذَوِي المَحَارمِ من الرِّضَاعةِ، فقال أكْثَرُ أهلِ العلمِ: لا يدخلون في مقتضى الحديث. وقال شريك القاضي: يُعْتَقُونَ. وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب [لا] يعتق على الابن إذا ملكه.
البقاعي
تفسير : ولما كان مقصودها الاجتماع على ما دعت إليه السورتان قبلها من التوحيد، وكان السبب الأعظم في الاجتماع والتواصل عادةً الأرحام العاطفة التي مدارها النساء سميت "النساء" لذلك، ولأن بالاتقاء فيهم تتحقق العفة والعدل الذي لبابه التوحيد {بسم الله} الجامع لشتات الأمور بإحسان التزاوج في لطائف المقدور {الرحمن} الذي جعل الأرحام رحمة عامة {الرحيم *} الذي خص من أراد بالتواصل على ما دعا إليه دينه الذي جعله نعمة تامة. لما تقرر أمر الكتاب الجامع الذي هو الطريق، وثبت الأساس الحامل الذي هو التوحيد احتيج إلى الاجتماع على ذلك، فجاءت هذه السورة داعية إلى الاجتماع والتواصل والتعاطف والتراحيم فابتدأت بالنداء العام لكل الناس، وذلك أنه لما كانت أمهات الفضائل - كما تبين في علم الأخلاق - أربعاً: العلم والشجاعة والعدل والعفة، كما يأتي شرح ذلك في سورة لقمان عليه السلام، وكانت آل عمران داعية مع ما ذكر من مقاصدها إلى اثنين منها، وهما العلم والشجاعة - كما أشير إلى ذلك في غير آية {أية : نزل عليك الكتاب بالحق} تفسير : [آل عمران: 3]، {أية : وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} تفسير : [آل عمران: 7]، {أية : شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} تفسير : [آل عمران: 18], {أية : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} تفسير : [آل عمران: 139], {أية : فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله} تفسير : [آل عمران: 146] {أية : فإذا عزمت فتوكل على الله} تفسير : [آل عمران: 159], {أية : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً} تفسير : [آل عمران: 169]، {أية : الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح}تفسير : [آل عمران: 172]، {أية : يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا} تفسير : [آل عمران: 200]، وكانت قصة أحد قد أسفرت عن أيتام استشهد مورثوهم في حب الله، وكان من أمرهم في الجاهلية منع أمثالهم من الإرث جوراً عن سواء السبيل وضلالاً عن أقوم الدليل؛ جاءت هذه السورة داعية إلى الفضيلتين الباقيتين، وهما العفة والعدل مع تأكيد الخصلتين الأخريين حسبما تدعو إليه المناسبة، وذلك مثمر للتواصل بالإحسان والتعاطف بإصلاح الشأن للاجتماع على طاعة الديان، فمقصودها الأعظم الاجتماع على الدين بالاقتداء بالكتاب المبين، وما أحسن ابتداءها بعموم: {يا أيها الناس} بعد اختتام تلك بخصوص "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا" الآية. ولما اشتملت هذه السورة على أنواع كثيرة من التكاليف، منها التعطف على الضعاف بأمور كانوا قد مرنوا على خلافها، فكانت في غاية المشقة على النفوس، وأذن بشدة الاهتمام بها بافتتاح السورة واختتامها بالحث عليها قال: {اتقوا ربكم} أي سيدكم ومولاكم المحسن إليكم بالتربية بعد الإيجاد، بأن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية، لئلا يعاقبكم بترك إحسانه إليكم فينزل بكم كل بؤس. ابتدأ هذه ببيان كيفية ابتداء الخلق حثاً على أساس التقوى من العفة والعدل فقال: {الذي} جعل بينكم غاية الوصلة لتراعوها ولا تضيعوها، وذلك أنه {خلقكم من نفس واحدة} هي أبوكم آدم عليه الصلاة والسلام مذكراً بعظيم قدرته ترهيباً للعاصي وترغيباَ للطائع توطئة للأمر بالإرث، وقد جعل سبحانه الأمر بالتقوى مطلعاً لسورتين: هذه وهي رابعة النصف الأول، والحج وهي رابعة النصف الثاني، وعلل الأمر بالتقوى في هذه بما دل على كمال قدرته وشمول علمه وتمام حكمته من أمر المبدإ، وعلل ذلك في الحج بما صور المعاد تصويراً لا مزيد عليه، فدل فيها على المبدإ والمعاد تنبيهاً على أنه محط الحكمة، ما خلق الوجود إلا لأجله، لتظهر الأسماء الحسنى والصفات العلى أتم ظهور يمكن البشر الاطلاع عليه، وربت ذلك على الترتيب الأحكم، فقدم سورة المبدإ على سورة المعاد لتكون الآيات المتلوة طبق الآيات المرئية، وأبدع من ذلك كله وأدق أنه لما كان أعظم مقاصد السورة الماضية المجادلة في أمر عيسى، وأن مثله كمثل آدم عليهما الصلاة والسلام، وكانت حقيقة حاله أنه ذكرٌ يولّد من أنثى فقط بلا واسطة ذكر؛ بين في هذه السورة بقوله - عطفاً على ما تقديره جواباً لمن كأنه قال: كيف كان ذلك؟ - إنشاء تلك النفس، أو تكون الجملة حالية - {وخلق منها زوجها} أي مثله في ذلك أيضاً كمثل حواء: أمه, فإنها أنثى تولدت من ذكر بلا واسطة أنثى, فصار مثله كمثل كل من أبيه وأمه: آدم وحواء معاً عليهما الصلاة والسلام، وصار الإعلام بخلق آدم وزوجه وعيسى عليهم الصلاة والسلام - المندرج تحت آية بعضكم من بعض مع آية البث التي بعد هذه - حاصراً للقسمة الرباعية العقلية التي لا مزيد عليها، وهي بشر لا من ذكر ولا أنثى، بشر منهما، بشر من ذكر فقط، بشر من أنثى فقط؛ ولذلك عبر في هذه السورة بالخلق، وعبر عن غيرها بالجعل، لخلو السياق عن هذا الغرض، ويؤيد هذا أنه قال تعالى في أمر يحيى عليه الصلاة والسلام {أية : كذلك الله يفعل ما يشاء} تفسير : [آل عمران: 40] وفي أمر عيسى عليه الصلاة والسلام {أية : يخلق ما يشاء}تفسير : [آل عمران: 47]، وأيضاً فالسياق هنا للترهيب الموجب للتقوى، فكان بالخلق الذي هو أعظم في إظهار الاقتداء - لأنه اختراع الأسباب وترتيب المسببات عليها - أحق من الجعل الذي هو ترتيب المسببات على أسبابها وإن لم يكن اختراع - فسبحان العزيز العليم العظيم الحكيم!. ولما ذكر تعالى الإنشاء عبر بلفظ الرب الذي هو من التربية، ولما كان الكل - المشار إليه بقوله تعالى عطفاً على ما تقديره: وبث لكم منه إليها: {وبث منهما} أي فرق ونشر من التوالد، ولما كان المبثوث قبل ذلك عدماً وهو الذي أوجده من العدم نكر لإفهام ذلك قوله: {رجالاً كثيراً ونساءً} من نفس واحدة؛ كان إحسان كل من الناس إلى كل منهم من صلة الرحم، ووصف الرجال دونهن مع أنهن أكثر منهم إشارة إلى أن لهم عليهن درجة، فهم أقوى وأظهر وأطيب وأظهر في رأي العين لما لهم من الانتشار وللنساء من الاختفاء والاستتار. ولما كان قد أمر سبحانه وتعالى أول الآية بتقواه مشيراً إلى أنه جدير بذلك منهم لكونه ربهم، عطف على ذلك الأمر أمراً آخر مشيراً إلى أنه يستحق ذلك لذاته لكونه الحاوي لجميع الكمال المنزه عن كل شائبة نقص فقال: {واتقوا الله} أي عموماً لما له من إحاطة الأوصاف كما اتقيتموه خصوصاً لما له إليكم من الإحسان والتربية، واحذروه وراقبوه في أن تقطعوا أرحامكم التي جعلها سبباً لتربيتكم. ولما كان المقصود من هذه السورة المواصلة وصف نفسه المقدسة بما يشير إلى ذلك فقال: {الذين تساءلون} أي يسأل بعضكم بعضاً {به} فإنه لا يسأل باسمه الشريف المقدس إلا الرحمة والبر والعطف، ثم زاد المقصود إيضاحاً فقال: {والأرحام} أي واتقوا قطيعة الأرحام التي تساءلون بها، فإنكم تقولون: ناشدتك بالله والرحم! وعلل هذا الأمر بتخويفهم عواقب بطشه، لأنه مطلع على سرهم وعلنهم مع ما له من القدرة الشاملة. فقال مؤكداً لأن أفعال الناس في ترك التقوى وقطيعة الأرحام أفعال من يشك في أنه بعين الله سبحانه: {إن الله} أي المحيط علماً وقدرة {كان عليكم} وفي أداة الاستعلاء ضرب من التهديد {رقيباً *} وخفض حمزة " الأرحام" المقسم بها تعظيماً لها وتأكيداً للتنبيه على أنهم قد نسوا الله في الوفاء بحقوقها - كما أقسم بالنجم والتين وغيرهما، والقراءاتان مؤذنتان بأن صلة الأرحام من الله بمكان عظيم، حيث قرنها باسمه سواء كان عطفاً كما شرحته آية {أية : وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} تفسير : [الإسراء: 23]، وغيرها - أو كان قسماً، واتفق المسلمون على أن صلى الرحم واجبة، وأحقهم بالصلة الولد، وأول صلته أن يختار له الموضع الحلال. ولما بان من هذا تعظيمه لصلة الرحم بجعلها في سياق ذكره سبحانه وتعالى المعبر عنه باسمه الأعظم - كما فعل نحو ذلك في غير آية، وكان قد تقدم في السورة الماضية ذكر قصة أحد التي انكشفت عن أيتام، ثم ذكر في قوله تعالى: {أية : كل نفس ذائقة الموت}تفسير : [آل عمران: 185]، أن الموت مشرع لا بد لكل نفس من وروده؛ علم أنه له بد من وجود الأيتام في كل وقت، فدعا إلى العفة والعدل فيهم لأنهم بعد الأرحام أولى من يتقى الله فيه ويخشى مراقبته بسببه فقال: {وآتوا اليتامى} أي الضعفاء الذين انفردوا عن آبائهم، وأصل اليتيم الانفراد {أموالهم} أي هيئوها بحسن التصرف فيها لأن تؤتوهم إياها بعد البلوغ - كما يأتي، أو يكون الإيتاء حقيقة واليتم باعتبار ما كان. أو باعتبار الاسم اللغوي وهو مطلق الانفراد، وما أبدع إيلاءها للآية الآمرة بعد عموم تقوى الله بخصوصها في صلة الرحم المختتمة بصفة الرقيب! لما لا يخفى من أنه لا حامل على العدل في الأيتام إلا المراقبة، لأنه لا ناصر لهم، وقد يكونون ذوي رحم. ولما أمر بالعفة في أموالهم أتبعه تقبيح الشره الحامل للغافل على لزوم المأمور به فقال: {ولا تتبدلوا} أي تكلفوا أنفسكم أن تأخذوا على وجه البدلية {الخبيث} أي من الخباثة التي لا أخبث منها، لأنها تذهب بالمقصود من الإنسان، فتهدم - جميع أمره {بالطيب} أي الذي هو كل أمر يحمل على معالي الأخلاق الصائنة للعرض، المعلية لقدر الإنسان؛ ثم بعد هذا النهي العام نوّه بالنهي عن نوع منه خاص، فقال معبراً بالأكل الذي كانت العرب تذم بالإكثار منه ولو أنه حلال طيب، فكيف إذا كان حراماً ومن مال ضعيف مع الغنى عنه: {ولا تأكلوا أموالهم} أي تنتفعوا بها أيّ انتفاع كان، مجموعة {إلى أموالكم} شرهاً وحرصاً وحباً في الزيادة من الدنيا التي علمتم شؤمها وما أثرت من الخذلان في آل عمران، وعبر بإلى إشارة إلى تضمين الأكل معنى الضم تنبيهاً على أنها متى ضمت إلى مال الولي أكل منها فوقع في النهي، فحض بذلك على تركها محفوظة على حيالها؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنه} أي الأول {كان حوباً} أي إثماً وهلاكاً {كبيراً *}.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {خلقكم من نفس واحدة} قال: من آدم {وخلق منها زوجها} قال: خلق حوّاء من قصيراء أضلاعه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {خلقكم من نفس واحدة} قال: آدم {وخلق منها زوجها} قال: حوّاء من قصيراء آدم وهو نائم فاستيقظ فقال: أأنا..؟! بالنبطية امرأة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عمرو قال خلقت حوّاء من خلف آدم الأيسر، وخلقت امرأة إبليس من خلفه الأيسر. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك {وخلق منها زوجها} قال: خلق حواء من آدم من ضلع الخلف وهو أسفل الأضلاع. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: خلقت المرأة من الرجل فجعلت نهمتها في الرجال، فاحبسوا نساءكم. وخلق الرجل من الأرض، فجعل نهمته في الأرض. قوله تعالى: {وبث منهما رجالاً} الآية. أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: ولد لآدم أربعون ولداً: عشرون غلاماً، وعشرون جارية. وأخرج ابن عساكر عن أرطاة بن المنذر قال: بلغني أن حوّاء حملت بشيث حتى نبتت أسنانه، وكانت تنظر إلى وجهه من صفاء في بطنها، وهو الثالث من وِلْد آدم، وإنه لما حضرها الطلق أخذها عليه شدة شديدة، فلما وضعته أخذته الملائكة، فمكث معها أربعين يوماً، فعلموه الرمز ثم رد إليها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {واتقوا الله الذي تساءلون به} قال: تعاطون به. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في الآية يقول: اتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {تساءلون به والأرحام} قال: يقول: أسألك بالله وبالرحم. وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال: هو قول الرجل: أنشدك بالله والرحم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم {تساءلون به والأرحام} خفض. قال: هو قول الرجل: أسألك بالله وبالرحم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن. أنه تلا هذه الآية قال: إذا سئلت بالله فأعطه، وإذا سئلت بالرحم فأعطه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} يقول: اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام وصلوها. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله {الذي تساءلون به والأرحام} قال: قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله تعالى: صلوا أرحامكم فإنه أبقى لكم في الحياة الدنيا، وخير لكم في آخرتكم ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "حديث : اتقوا الله وصلوا الأرحام، فإنه أبقى لكم في الدنيا، وخير لكم في الآخرة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا الله وصلوا الأرحام ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن الضحاك إن ابن عباس كان يقرأ {والأرحام} يقول: اتقوا الله لا تقطعوها. وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس: اتقوا الأرحام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {الذي تساءلون به والأرحام} قال: اتقوا الله واتقوا الأرحام أن تقطعوها، نصب الأرحام. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله {والأرحام} قال: اتقوا الأرحام أن تقطعوها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {إن الله كان عليكم رقيباً} قال: حفيظاً. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: رقيباً على أعمالكم، يعلمها ويعرفها. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة عن ابن مسعود قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الصلاة وخطبة الحاجة. فأما خطبة الصلاة فالتشهد. وأما خطبة الحاجة فإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ثم يقرأ ثلاث آيات من كتاب الله {أية : اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} تفسير : [آل عمران: 102] {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً} {أية : اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم} تفسير : [الأحزاب: 70] ثم تعمد حاجتك.
ابو السعود
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} سورة النساء مدنية وهي مائة وست وسبعون آية {يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} خطابٌ يعمُّ حكمُه جميعَ المكلفين عند النزولِ ومَنْ سينتظِمُ في سلكهم من الموجودين حينئذٍ والحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامةِ عند انتظامِهم فيه لكنْ لا بطريق الحقيقةِ فإن خطابَ المشافهةِ لا يتناول القاصرين عن درجة التكليفِ إلا عند الحنابلةِ بل إما بطريق تغليبِ الفريقِ الأولِ على الأخيرين وإما بطريق تعميمِ حُكمِه لهما بدليل خارجيَ فإن الإجماعَ منعقدٌ على أن آخِرَ الأمةِ مكلفٌ بما كُلّف به أولُها كما ينبىء عنه قولُه عليه السلام: «حديث : الحلالُ ما جرى على لساني إلى يوم القيامةِ والحرامُ ما جرى على لساني إلى يوم القيامة» تفسير : وقد فُصل في موضعه وأما الأممُ الدارجةُ قبل النزولِ فلا حظَّ لهم في الخطاب لاختصاص الأوامرِ والنواهي بمن يُتصوَّر منه الامتثالُ، وأما اندراجُهم في خطاب ما عداهما مما له دخلٌ في تأكيد التكليفِ وتقويةِ الإيجابِ فستعرِفُ حالَه، ولفظُ النَّاسِ ينتظمُ الذكورَ والإناثَ حقيقةً، وأما صيغةُ جمعِ المذكرِ في قوله تعالى: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} فواردةٌ على طريقة التغليب لعدم تناولِها حقيقةً للإناث عند غيرِ الحنابلة، وأما إدخالهن في الأمر بالتقوى بما ذُكر من الدليل الخارجيِّ وإن كان فيه مراعاةُ جانبِ الصيغةِ لكنه يستدعي تخصيصَ لفظِ النَّاسِ ببعض أفرادِه. والمأمورُ به إما مطلقُ التقوى التي هي التجنبُ عن كل ما يؤثِمُ من فعلٍ أو تركٍ وإما التقوى فيما يتعلق بحقوق أبناءِ الجنسِ أي اتقوه في مخالفة أوامره ونواهيه على الإطلاق أو في مخالفة تكاليفه الواردةِ هٰهنا. وأيًّا ما كان فالتعرضُ لعنوان الربوبـيةِ المنبئةِ عن المالكية والتربـيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطبـين لتأيـيد الأمرِ وتأكيدِ إيجابِ الامتثالِ به على طريقة الترغيبِ والترهيبِ، وكذا وصفُ الرب بقوله تعالى: {ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ} فإن خلْقَه تعالى إياهم على هذا النمطِ البديعِ لإنبائه عن قدرة شاملةٍ لجميع المقدوراتِ التي من جُملتها عقابُهم على معاصيهم وعن نعمة كاملةٍ لأقدارها ــ من أقوى الدواعي إلى الاتقاء من موجبات نقمتهِ وأتمِّ الزواجرِ عن كُفران نعمته، وكذا جعلُه تعالى إياهم صِنواناً مُفرَّعةً من أرومةٍ واحدة هي نفسُ آدمَ عليه السلام من موجبات الاحترازِ عن الإخلال بمراعاة ما بـينهم من حقوق الأخوةِ. وتعميمُ الخطابِ في ربّكم وخلقَكم للأمم السالفة أيضاً ــ مع اختصاصه فيما قبلُ بالمأمورين بناءً على أن تذكيرَ شمولِ ربوبـيته تعالى وخلقِه للكل من مؤكِّدات الأمرِ بالتقوى وموجباتِ الامتثالِ به ــ تفكيك للنظم الكريمِ مع الاستغناء عنه، لأن خلقَه تعالى للمأمورين من نفس آدم عليه السلام حيث كان بواسطة ما بـينهم وبـينه عليه السلام من الآباء والأمهاتِ كان التعرّضُ لخلقهم متضمِّناً للتعرّض لخلق الوسايطِ جميعاً، وكذا التعرضُ لربوبـيته تعالى لهم متضمِّنٌ للتعرض لربوبـيته تعالى لأصولهم قاطبةً لا سيما وقد نطقَ بذلك قوله عز وجل: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} فإنه مع ما عُطف عليه صريحٌ في ذلك وهو معطوفٌ إما على مقدر ينبىءُ عنه سَوقُ الكلامِ لأن تفريغَ الفروعِ من أصل واحد يستدعي إنشاءَ ذلك الأصلِ لا محالة، كأنه قيل خلقكم من نفس واحدةٍ خلقها أولاً وخلق منها زوجَها إلخ وهو استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير وَحدةِ المبدأ وبـيانِ كيفيةِ خلْقِهم منه وتفصيلِ ما أُجمل أولاً، أو صفةٌ لنفسٍ مفيدةٌ لذلك، وإما على خلقَكم داخلٌ معه في حيز الصلةِ مقررٌ ومبـينٌ لما ذكر، وإعادةُ الفعلِ مع جواز عطفِ مفعوله على مفعول الفعلِ الأول كما في قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة، الآية 21] الخ لإظهار ما بـين الخلقين من التفاوت، فإن الأولَ بطريق التفريعِ من الأصل والثاني بطريق الإنشاءِ من المادة، فإنه تعالى خلقَ حواءَ من ضِلْعِ آدمَ عليه السلام. روي أنه عز وجل لما خلقه عليه السلام وأسكنه الجنة ألقى عليه النومَ فبـينما هو بـين النائمِ واليقظانِ خَلَق حواءَ من ضِلْع من أضلاعه اليسرى فلما انتبه وجدها عنده، وتأخيرُ ذكرِ خلقِها عن ذكر خلقِهم لما أن تذكيرَ خلقهم أدخلُ في تحقيق ما هو المقصودُ من حملهم على الامتـثال بالأمر بالتقوى من تذكير خلقها، وتقديمُ الجار والمجرور للاعتناء ببـيان مبدئيتهِ عليه السلام لها مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر كما مر مراراً، وإيرادُها بعنوان الزوجيةِ تمهيدٌ لما بعده من التناسل. {وَبَثَّ مِنْهُمَا} أي نشرَ من تلك النفس وزوجها المخلوقةِ منها بطريقِ التوالدِ والتناسلِ {رِجَالاً كَثِيراً} نعتٌ لرجالاً مؤكّدٌ لما أفادَهُ التنكيرُ من الكثرةِ والإفرادِ باعتبار معنى الجمع أو العددِ وقيلَ هو نعتٌ لمصدرٍ مؤكدٍ للفعل أي بثاً كثيراً {وَنِسَاء} أي كثيرة، وتركُ التصريحِ بها للاكتفاء بالوصف المذكورِ، وإيثارُهما على ذكوراً وإناثاً لتأكيد الكثرةِ والمبالغةِ فيها بترشيح كلِّ فردٍ من الأفراد المبثوثةِ لمبدئيّة غيره، وقرىء وخالقٌ وباثٌّ على حذف المبتدأ أي وهو خالقٌ وباث {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ} تكريرٌ للأمر وتذكيرٌ ببعض آخَرَ من موجبات الامتثالِ به فإن سؤالَ بعضِهم بعضاً بالله تعالى بأن يقولوا أسألُك بالله وأنشُدك اللَّهَ على سبـيل الاستعطافِ يقتضي الاتقاءَ من مخالفة أوامرِه ونواهيه، وتعليقُ الاتقاءِ بالاسمِ الجليلِ لمزيد التأكيدِ والمبالغةِ في الحمل على الامتثال بتربـية المهابةِ وإدخالِ الروعةِ، ولوقوع التساؤل به لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته وتساءلون أصلُه تتساءلون فطُرحت إحدى التاءين تخفيفاً، وقرىء بإدغام تاءِ التفاعلِ في السين لتقاربهما في الهمس وقرىء تَسْألون من الثلاثي أي تسألون به غيرَكم، وقد فسِّر به القراءةُ الأولى والثانية، وحملُ صيغةِ التفاعلِ على اعتبار الجمعِ كما في قولك رأيت الهلال وتراءياه وبه فسر عم يتساءلون على وجه وقرىء تَسَلون بنقل حركةِ الهمزةِ إلى السين. {وَٱلأَرْحَامَ} بالنصب عطفاً على محل الجارِّ والمجرور كقولك مررتُ بزيد وعمراً وينصره قراءةُ تساءلون به وبالأرحام فإنهم كانوا يقرُنونها في السؤال والمناشدةِ بالله عز وجل، ويقولون أسألك بالله وبالرَّحمِ، أو عطفاً على الاسم الجليلِ أي اتقوا اللَّهَ والأرحامَ وصِلوها ولا تقطعوها فإن قطعيتها مما يجب أن يُتقّى وهو قولُ مجاهدٍ وقتادة والسدي والضحاك والفراءِ والزجاج، وقد جَوّز الواحديُ نصبَه على الإغراء أي والزَموا الأرحامَ وصِلوها وقرىء بالجر عطفاً على الضمير المجرورِ وبالرفع على أنه مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ تقديره: والأرحامُ كذلك أي مما يُتقى أو يُتساءلُ به، وقد نبه سبحانه وتعالى حيث قرنها باسمه الجليلِ على أن صلتَها بمكان منه كما في قوله تعالى: {أية : أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً }تفسير : [الإسراء، الآية 23] وعنه عليه السلام: «حديث : الرحِمُ معلقةٌ بالعرش تقول: مَنْ وَصَلني وصله اللَّهُ ومَنْ قَطَعني قَطَعَهُ اللَّه»تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} أي مراقباً، وهي صيغةٌ من رقَب يرقُب رَقْباً ورُقوباً ورُقباناً إذا أحدّ النظرَ لأمر يريد تحقيقَه، أي حافظاً مطلعاً على جميع ما يصدُر عنك من الأفعال والأقوالِ وعلى ما في ضمائركم من النيات مُريداً لمجازاتكم بذلك، وهو تعليلٌ للأمر ووجوبِ الامتثالِ به، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتأكيده وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ لرعاية الفواصل.
السلمي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} [الآية: 1]. قال بعضهم: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} يا بنى النسيان والجهل. قال الواسطى رحمه الله: يا بنى الأعمار والأعمال والآمال، لا تذهبون فيما سبق ولا تغيبون عما أنتم فيه. وقال ابن عطاء رحمه الله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} كونوا من الناس الذين آنسوا بالله واستوحشوا ممن سواه. وقال جعفر الصادق رحمه الله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} كونوا من الناس الذين هم الناس، ولا تغفلوا عن الله فمن عرف أنه من الناس الذين خص خلقه ما خص به، كبرت همته عن طلب المنازل، وسمت به الرفعة حتى يكون الحق عز وجل نهايته كما قال تعالى: { أية : وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } تفسير : [النجم: 42] وسمُو همته فيما خص به من الاختصاص من التعريف والإلهام. وقال بعضهم: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} خطاب العام، و "يا عبادى" خطاب الخاص، وخطاب خاص الخاص {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ}، و {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ}. قوله تعالى: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ}. روى الليث عن مجاهد عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال له: أوصنى قال: " حديث : اتقِ الله فإنه جماع كل خير ". تفسير : وقال بعضهم: أصل التقوى أنه وصفك وقابلك بما يليق بك. قال سمعت النصرآباذى رحمه الله يقول: التقوى نيل الحق، قال الله عز وجل: { أية : لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ } تفسير : [الحج: 37]. قال بعضهم: التقوى ترك المخالفات أجمع. وقال سهل رحمه الله: من أراد التقوى فليترك الذنوب كلها وكل شىء يقع فيه خلل فيدخل عليه التقوى شاء أم أبى. وقال أيضًا: التقوى ترك النهى والفواحش. وقال بعضهم رحمه الله: التقوى الاقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: التقوى فى الأمر ترك التسويف والتقوى فى النهى ترك الفكرة والقيام عليه. والتقوى أداب مكارم الأخلاق، والتقوى فى الترغيب أن لا يظهر ما فى سرك، والتقوى فى الترهيب أن لا يقف على الجهل. وقال بعضهم رحمه الله: التقوى من الله الاجتناب من كل شىء سوى الله. وقال الجريرى رحمه الله: من لم يحكم فيما بينه وبين الله تعالى بالتقوى والمراقبة لا يصل إلى الكشف والمشاهدة. قال الواسطى رحمه الله: التقوى على أربعة أوجه: للعامة تقوى الشرك، وللخاص تقوى المعاصى، وللخاص من الأولياء تقوى التوسل بالأفعال، وللأنبياء تقواهم منه إليه. وقال أبو يزيد رحمه الله: كل التقوى من إذا قال لله ولم يقل لغيره، وإذا نوى نوى لله ولم يتب لغيره، هكذا فى جمعى ما يبدو منه. قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} الآية. قيل: من أوجد النفس الأولى إلا القدرة الجارية والمشيئة النافذة. وقال عمرو بن عثمان: إن الله عز وجل خلق العالم فهيأه باتساقه نظمًا وذكرًا من أطرافه وأكنافه وأوله وآخره وبدؤه ومنتهاه من أسفله إلى أعلاه، وجعله بحيث لا خلل فيه ولا تفاوت ولا فطور، أحكم بناءه باتصال التدبير وحبسه عن حد تقديره وإن اختلفت أجزاءه فى التفرقة والأجسام والهيئات والتخطيط والتصوير، وفرقه بتفرقة الأماكن وحققه بائتلاف المصالح، فهو مربوط بحدود تقديره وشائع بأفضال تدبيره وبث فيه الأجناس بينهما من شواهد الزينة، فأظهر القدرة بإيجاد آدم عليه السلام ثم بث أولاده فى البسط إلى تصاريف التدبير لهم والمشيئة. قال الله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} تفسير : [الأعراف: 189]. قال الواسطى رحمه الله فى قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} قال: خلقهم بعلم سابق ودبرهم بالتركيب وألبسهم شواهد النعت، حتى عرَّفهم فكانت أنفاسهم مدخرة عنده، حتى أبداها، فما أبداها هو ما أخفاها، وما أخفاها هو ما أبداها.
القشيري
تفسير : الناس اسم جنس، والاشتقاق فيه غير قوي. وقيل سمي الإنس إنساً لظهوره فعلى هذه الإشارة: يا مَنْ ظهرتم عن كتم العَدَم بحكم تكليفي، ثم خصصتُ مَنْ شئتُ منكم بتشريفي، وحرمتُ من شئت منكم هدايتي وتعريفي، ونقلتكم إلى ما شئتُ بل أوصلتكم إلى ما شئت بحكم تصريفي. ويقال لم أُظْهِرٍ منَ العَدَمِ أمثالكم، ولم أُظْهِرْ على أحدٍ ما أظْهَرٍتُ عليكم من أحوالكم. ويقال سمِّيتَ إنساناً لنسيانك، فإن نسيتني فلا شيء أَخَس منك، وإنْ نسيت ذكري فلا أحد أَحَط منك. ويقال من نَسِيَ الحق فلا غاية لمحنته، ومن نسي الخَلْقَ فلا نهاية لعلوِّ حالته. ويقال يقول للمُذْنِبين، يا مَنْ نسِيتَ عهدي، ورفضتَ ودي، وتجاوزت حدِّي حانَ لك أن ترجع إلى بابي، لتستحقَّ لطفي وإيجابي. ويقول للعارفين يا مَنْ نسيت فينا حظَّكَ، وصُتَ عن غيرنا لَحْظَكَ ولَفْظَك - لقد عظُم علينا حَقُّك، وَوَجَبَ لدينا نصرُك، وجلَّ عندنا قَدْرُك. ويقال يا من أَنِستَ بنسيم قرْبي، واستروحتَ إلى شهود وجهي، واعتززت بجلال قَدْري - فأنت أجلُّ عبادي عندي. قوله: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ}: التقوى جماع الطاعات، وأوله ترك الشِّرْكِ وآخره اتقاء كل غير، وأولُ الأغيار لك نفسُكَ، ومَنْ اتَّقَى نفسه وقف مع الله بلا مقام ولا شهود حال، و (وقف) لله.. لا لشهود حظِّ في الدنيا والعقبى. قوله: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}: وهو آدم عليه السلام، وإذا كنا مخلوقين منه وهو مخلوق باليد فنحن أيضاً كذلك، لمَّا ظهرت مزية آدم عليه السلام به على جميع المخلوقين والمخلوقات فكذلك وصفُنا، قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ}تفسير : [البيّنة: 7]. ولفظ "النفس" للعموم والعموم يوجب الاستغراق. قوله: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}: حَكَمَ الحقُّ - سبحانه - بمساكنة الخْلق مع الخْلق لبقاء النسل، ولردِّ المِثْل إلى المِثْل فربَطَ الشكلَ بالشكلِ. قوله: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً}: تعرَّف إلى العقلاء على كمال القدرة بما ألاح من براهين الربوبية ودلالات الحكمة؛ حيث خَلق جميع هذا الخلق من نسل شخصٍ واحدٍ، على اختلاف هيئتهم، وتفاوت صورهم، وتباين أخلاقهم، وإن اثنين منهم لا يتشابهان، فلكلٍ وجه في الصورة والخْلق، والهمة والحالة، فسبحان من لا حدَّ لمقدوراته ولا غاية لمعلوماته. ثم قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} تكرير الأمر بالتقوى يدلُّ على تأكيد حكمه. وقوله: {تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ}: أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها، فَمَنْ قَطَعَ الرحمَ قُطِع، ومَنْ وَصَلَها وَصَل. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}: مطلعاً شهيداً، يعدُ عليك أنفاسكَ، ويرى حواسَك، وهو مُتَوَّلٍ خطراتِك، ومنشئٌ حركاتِك وسكناتِك. ومَنْ عَلِمَ أنه رقيب عليه فبالحريِّ أن يستحيَ منه.
البقلي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} اى ايها الناسى عهد الازل وميثاق القدم بشرط وفاء العبودية بعد خاطبى ومعرفتى و تعريفى نفسى لكم حيث قلت الست بربكم فاجبتهم بقلولكم قالوا بلى وايضا ايها الناسى جمال مشاهدتى حيث خرجت ارواحكم من العدم بتجلى انوار القدم فبصرتها بمشاهدتى واستمعتها خطاب ازليتى باشتغالكم على حظوظ البشرية وما مول الطبيعة وايضا ايها المستانس بالمتحسنات من الاكوان والحدثان طلبا لمشاهدة فى علم انها اعظم الحجاب لانها وسيلة حديثة وايضا الى احد الا بى روية الاشياء فى رويتى مكروا ايضا ايها المستانس فى المستوحش من غيرى فلا تعزرن بى فانك لى لا لك وايضا اى يانها الناسى انفسكم التى هى مخلوقة من الجهل بى فلا تخافون حيث ادعيتم معرفتى ومعرفتى للقدم الا للحدث وايضا هذا خطاب لنبى ادم اى اليها الذين انتسبتم الى ابن الماء والطين الذى اشتغل عنى باكل حبة حنطة حتى بكى عليها مائتى سنة ايش تفعلون بعده فى مواقف القربة وتنزل المشاهدة بعد المعرفة فان عذاب الفراق اليم لو تعرفون انفسكم لا تشغلون بالحدثان فانى اصطفيتكم بمشاهدتى وخطابى من بين البريات ما سمعتم قولى ولقد كرما بنى أدم وهذا الخطاب خطاب العتاب للفارقين اوطان الماب الا ترى اذا غضب عظيم عن خادمة لم يسم باسمه ويقول انسان ولا يقول يا حسن يا احمد اى انت على محل الجهل بمرادى منك والاشارة فيه ان الله سبحانه عرف امر المعرفة عباده حيث اشتغلوا بسواه كانه بنههم عن رمدة الغفلات بزاجر هذا الخطاب ويقول ايها الناقضون عهد المعرفة والعشق واما يستحيون منى باشغالكم بغير اى اتقوى من فرقى وعتابى قال بعضهم يا بنى النسيان والجهل وقال ابن عطى اى كونوا من الناس الذين هم الناس وهم الذين انسوا به واستوحشوا ما سواه وقال جعفر اى كونوا من الناس الذين هم الناس ولا تغفلوا عن الله ممن عرفه انه من الانسان الذى خص خلقته بما خص به كبرت همته عن طلب دنو المنازل سمت به الرفعة حتى يكون الحق نهايته ثم الى ربك المنتهى وسموا همته مما خص من الاختصاص من التعريف والالهام وقال بعضهم يا ايها الناس خطاب العام وباعبادى خطاب الخاص وخطاب خاص الخاص يا ايها النبى يا ياها الرسول قوله تعالى {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} اى كونوا على تقديس الاسرار عند كشف الانوار وعلى شرط الانفراد فى محبتى والاغيار ولا بتغوا اثار الاشرار لتكونوا فى منازل الصدق من الابرار جذرهم ن نفسه والاشارة فيه ان من مال سره فى سيره اليه امتنع بعزته عن مطالعة جلاله كقوله ويحذركم الله نفسه وحقيقة التقوى قدس السر عما سواه بنعت الخوف من فراقه فى متابعة هواه قال بعضهم التقوى ترك المخالفات اجمع وقال بعضهم تقوى الله هو الاجتناب من كل شئ سواه قال الواسطى التقوى على اربع وجوه للعامة تقوى الشرك وللخاص تقوى المعاصى وللخاص من الاولياء التوسل بالافعال والانبياء تقويهم منه اليه قوله تعالى {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} ذكر جميع اوصاف وقدمه وامره ومشيته ونعته وافعاله فى هذه الاية رمز وايماء لانه تعالى لما ارد ابداع الخليقة لعرفانها حقوق الالوهية وانشار انوار المحبة الازلية فى فضاء القلوب وامااكمن الارواح تجلى ذاته لصفاته وتجلت صفاته لافعاله وجمع علمه وحكمته وقدرته فى نعت واحد وهو الامر فقرنت الارادة بالامر فنظر فى الامر بنعت الكاف والنون الى العدم من القدم فاظهر جوهر البسيط المجموع فيه الاجسام والارواح والجواهر والاعراض ثم نظر اليه بنظر الهيبة والعظمة والجود فانشر منه ما سبق علمه فى الازل به من العرش الى الثرى على صور هيئة كانت منقوشة بنفوش خواتيم افعاله وذلك المبدع هو احمد صلوات الله عليه حيث قال اول ما خلق الله نورى فكنت كذا وكذا الحديث حتى ذكر ان من العرش الى الثرى خلق من نوره وهو أدم الاول الذى قال تعالى خلقكم من نفس واحدة ثم جمع الارواح والاشباح والانوار والاسرار فى قبضة عزته وخمرها بطينة أدم فى اربعين الف صباح من صبح الازال والاباد حتى خلقه بخلقه وانشاه بروحه فقال خلقت بيدى ونفخت فيه من روحى فباشرت فيه يد الازل والابد وظهر قدس القدم بجميع الاسماء والصفات والنعوت والافعال فصوره بصورة الملك فيتشعب منه اماكن اسرار القديم من خلق الاولين والاخرين وهو صورة عين الجمع التى اظهر الحق منها اوصاف قدمه الا يرى الى قول سيد البشر صلوات الله عليه كيف قال فى المتشابهات ان الله خلق أدم على صروته وهو أدم الثانى {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} اخبر عن مقام الجمع بقوله {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} ثم اخبر عن التفرقة بقوله وخلق منها زوجها وبث منهم ارجالا كثيرا ونساء بين بعض ما اشرنا استاد الاستادين شيخ التمكين عمر وبن عثمان المكى رحمه الله عليه وقدس روحه وقال ان خلق العالم وهياه باتساق نظم واحدة من اطرافه والنافه وواوله واخره وبدؤه ومنهاه من اسفله اى اعلاه وجعله بحيث لا خلل فيه ولا تفاوت ولا فطورا حكم بناء باتصال تدبيره وحبسه على حدود تقديره وان اختلفت اجزاؤه فى التفرقة والاجسام والهيات والتخطيط والتصوير وفرقة الاماكن وحققه بايتلاف المصالح فهو مربوط بحدود تقديره ومتتابع باتصال تدبيره وبث فيه الاجناس بينها من شواهد الزينة فاظهر القدرة بايجاد أدم ثم وبث فيه الاجناس بينها من شواهد الزينة فاظهرا القدرة بايجاد أدم ثم بث اولاده فى البسط الى تصاريف التدبير لهم والمشية قال الله تعالى هو الذى خلقكم من نفس واحدة الاية قوله تعالى {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} وكد التحذير وبين القدرة والتقدير اى احذروا عمن هو قادر لا يحاد الخلق من لا شئ ومن شئ ترك مخالفته فانه قادر ان يعدمكم حتى لم تكونوا ابدا كما لم تزالوا معد وما والمعدوم محجوب عن ديوان النبوة والولاية واتفقوا الله الذى تسالون به اى اتقوا من فرقا الذى ساءلون منه به مشاهدته ووصاله وخوفهم بالارحام اى اجتنبوا من مخالفة اوليائى وقطع رحم الصحبة قال صحبتى موصولة بصحبتهم ومن فارق منهم فارق منى قال الاستاد اى فاتقوا الارحام ان تقطعوها فمن قطع الرحم قطع ومن وصلها وصل قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} ذكر التقوى واكد التقديس الاسرار وليقع نظرات تجليه على مواقع القلوب وصميم الارواح بلا علة وجود الغير فيها لانه منزه لا يصل اليه الا منزه عن غيره وهو ناظر الى مواطن القلوب من الغيوب ويترفرف انوار قربه عليها فاذا يرى فيها ذكر الغير يرتحل مطايا انواره الى مغادن الالوهية والربوبية وذلك قوله ان الله كان عليكم رقيبا وايضا هذا مقام الهيبة ووقوع نور العظمة على القلب لصفى بنعت حفظه عن خطرات الحوادث والقلب العارف المنقلب فى معارج الصفات وهو تعالى استاثر حفظه بنفسه لا يكل حفظه الى غيره وبيان ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم القلوب بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء واذا راقب العبد ربه فى البداية راقبه الله فى النهاية كقوله عليه السلام لابن عباس يا غلام احفظ الله يحفظط والمراقبة منه الحفظ واللاية وفيه بيان تسلية الله سبحانه قلوب المزونين المشتاقين الى جلاله اى انا ناظر الى اسراركم واعلم حرقتكم وهيجانكم انى اجازيكم بوصلى واوسيكم بجمالى وايضا ابخر تعالى عن شوق قدمه قبل الحوادث الى وجوه اصفيائه اى كنت مراقبا بنفسى بغير علة التغائر بخروجكم من العدم الى شواهد القدم من شواهد القدم الى نور العدم كما قال وانى اليهم اشد شوقا وكان اخبار عن الازلية فى الازلية قال ابن عطا فى قوله ان الله كان عليكم رقيبا قال عالما بما تضمر من سرك وما تخفيه من خواطرك فراقب من هو الرقيب عليك.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الناس} خطاب عام يتناول الموجودين فى زمان الخطاب ومن بعدهم دون المنقرضين بدليل انهم ما كانوا متعبدين بشرعنا فلو كان عاما لجميع بنى آدم لزم ان يتعبدوا بشرعنا وهو محال {اتقوا ربكم} فى حفظ ما بينكم من الحقوق وما يجب وصله ومراعاته ولا تضيعوه ولا تقطعوا ما امرتم بوصله {الذى خلقكم} اى قدر خلقكم حالا بعد حال على اختلاف صوركم وألوانكم {من نفس واحدة} اى من اصل واحد وهو نفس آدم ابيكم وعقب الاتقاء بمنة الخلق كيلا يتقى الا الخالق وبين اتحاد الاب فان فى قطع التزاحم حضا على التراحم {وخلق منها} اى من تلك النفس يعنى من بعضها {زوجها} امكم حواء بالمد من ضلع من اضلاعه اليسرى ـ روى ـ ان الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام واسكنه الجنة القى عليه النوم فبينما هو بين النائم واليقظان خلق حواء من قصيراه فلما انتبه وجدها عنده فمال اليها وألفها لأنها كانت مخلوقة من جزء من اجزائه واخرت حواء فى الذكر وان كانت مقدمة فى الخلق لان الواو لا ترتيب فيها {وبث} اى فرق ونشر {منهما} من تلك النفس وزوجها المخلوقة بطريق التوالد والتناسل {رجالا كثيرا} تذكيره للحمل على الجمع والعدد {ونساء} اى بنين وبنات كثيرة. واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها اذ الحكمة تقتضى ان يكون اكثر. وترتيب الامر بالتقوى على هذه القصة لان المراد به تمهيد للامر بالتقوى فيما يتصل بحقوق اهل منزله وبنى جنسه على ما دلت عليه الآيات التى بعدها فكأنه قيل اتقوا ربكم الذى وصل بينكم حيث جعلكم صنوانا متفرعة من ارومة واحدة فيما يجب لبعضكم على بعض من حقوق المواصلة التى بينكم فحافظوا عليها ولا تغفلوا عنها {واتقوا الله} اى لا تقطعوا فى الدين والنسب اغصانا تتشعب من جرثومة واحدة {الذى تساءلون به} فيما بينكم حيث يقول بعضكم لبعض اسألك بالله {والارحام} اى يسأل بعضكم بعضا بالله فيقول بالله وبالرحم واناشدك الله والرحم افعل كذا على سبيل الاستعطاف وجرت عادة العرب على ان احدهم اذا استعطف غيره يقرن الرحم فى السؤال والمناشدة بالله ويستعطف به. فقوله والارحام بالنصب عطف على محل الجار والمجرور كقولك مررت بزيد وعمرا أو على الله اى اتقوا الله واتقوا الارحام فصلوها ولا تقطعوها وقد نبه سبحانه اذ قرن الارحام باسمه على ان صلتها بمكان منه وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلنى وصله الله ومن قطعنى قطعه الله " .تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من عمل حسنة اسرع ثوابا من صلة الرحم وما من عمل سيئة اسرع عقوبة من البغى " .تفسير : فينبغى للعباد مراعاة الحقوق لان الكل اخ لاب وام وهما آدم وحواء سيما المؤمنين لان فيهم قرابة الايمان والدين وكذا الحال فى قرابة الطين {ان الله كان عليكم رقيبا} الرقيب هو المراقب الذى يحفظ عليك جميع افعالك اى حافظا مطلعا على جميع ما يصدر عنكم من الافعال والاقوال وعلى ما فى ضمائركم من النيات مريدا لمجازاتكم بذلك فبين الله تعالى انه يعلم السر واخفى وانه اذا كان كذلك فيجب ان يكون المرء حذرا خائفا فيما يأتى ويذر. واعلم ان التقوى هى العمدة وهى سبب الكرامة العظمى فى الدنيا والعقبى ـ حكى ـ انه كان بالبصرة رجل معروف بالمسكى لانه كان يفوح منه رائحة المسك فسئل عنه فقال كنت من احسن الناس وجها وكان لى حياء فقيل لأبى لو أجلسته فى السوق لانبسط مع الناس فاجلسنى فى حانوت بزاز فجازت عجوز وطلبت متاعا فاخرجت لها ما طلبت فقالت لو توجهت معى لثمنه فمضيت معها حتى ادخلتنى فى قصر عظيم فيه قبة عظيمة فاذا فيها جارية على سرير عليه فرش مذهبة فجذبتنى الى صدرها فقلت الله الله فقالت لا بأس فقلت انى حازق فدخلت الخلاء وتغوطت ومسحت به وجهى وبدنى فقيل انه مجنون فخلصت ورأيت الليلة رجلا قال لى اين انت من يوسف بن يعقوب ثم قال أتعرفنى قلت لا قال انا جبريل ثم مسح بيده على وجهى وبدنى فمن ذلك الوقت يفوح المسك على من رائحة جبريل عليه السلام وذلك ببركة التقوى. والتقوى فى عرف الشرع وقاية النفس عما يضرها فى الآخرة وهى على مراتب. الاولى التوقى عن العذاب المخلد بالتبرى من الشرك وعليه قوله تعالى {أية : وألزمهم كلمة التقوى}تفسير : [الفتح: 26]. والثانية التجنب عن كل اثم وهو المتعارف باسم التقوى وهو المعنى بقوله تعالى {أية : ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا}تفسير : [المائدة: 65]. والثالثة التنزه عن جميع ما يشغله وهو التقوى الحقيقى المطلوب بقوله تعالى {أية : اتقوا الله حق تقاته} تفسير : [آل عمران: 102]. ومن هذا القبيل ما حكى عن ذى النون المصرى انه لما جاء اليه بعض الوزراء وطلب الهمة واظهر الخشية من السلطان قال له لو خشيت انا من الله كما تخشى انت من السلطان لكنت من جملة الصديقين شعر : كرنبودى اميد راحت ورنج باى درويش بر فلك بودى وروزير ازخدا بترسيدى همجنان كزملك ملك بودى تفسير : فينبغى للسالك ان يتقى ربه ويراقب الله فى جميع احواله كما قال تعالى {ان الله كان عليكم رقيبا} والمراقبة علم العبد باطلاع الرب سبحانه عليه فاستدامته لهذا العلم مراقبة لربه وهذا اصل كل خير ولا يكاد يصل الى هذه الرتبة الا بعد فراغه من المحاسبة فاذا حاسب نفسه على ما سلف واصلح حاله فى الوقت ولازم طريق الحق واحسن ما بينه وبين الله من مراعاة القلب وحفظه مع الله الانفاس وراقب الله سبحانه فى عموم احواله فيعلم انه عليه رقيب ومن قلبه قريب يعلم احواله ويرى افعاله ويسمع اقواله ومن تغافل عن هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة فكيف عن حقائق القربة. قال سليمان بن على لحميد الطويل عظنى قال لئن كنت عصيت الله خاليا وظننت انه يراك فقد اجترأت على امر عظيم ولئن كنت تظن انه لا يراك فقد كفرت لقوله تعالى {ان الله كان عليكم رقيبا}. وكان بعض الصالحين له تلامذة وكان يخص واحدا منهم باقباله عليه اكثر مما يقبل على غيره فقالوا له فى ذلك فقال ابين لكم فدفع لكل واحد من تلامذته طائرا وقال له اذبحه بحيث لا يراك احد ودفع الى هذا ايضا فمضوا ورجع كل واحد منهم وقد ذبح طيره وجاء هذا بالطير حيا فقال له هلا ذبحته فقال امرتنى ان اذبحه بحيث لا يراه احد ولم اجد موضعا لا يراه احد فقال لهذا اخصه باقبالى عليه شعر : جهان مرآت حسن شاهد ماست فشاهد وجهه فى كل ذرات
ابن عجيبة
تفسير : قلت: من قرأ: {والأرحامَ} بالنصب، فعطف على لفظ الجلالة، أي: اتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ حمزه بالخفض على الضمير من {به}؛ كقول الشاعر: شعر : فَالْيَوْمَ قَدْ بتّ تَهْجُونَا وَتَشْتُمُنَا فَاذْهَبَ فَمَا بِكَ والأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ تفسير : وجمهور البصريين يمنعون العطف على الضمير إلا بإعادة الجار، فيقولون: مررت به وبزيد. وقال ابن مالك: شعر : ولَيْس عِنْدي لاَزمَا إذْ قَدْ أَتَى في النَّظْم والنَّثْر الصَّحِيح مُثْبَتَا تفسير : والنثر الصحيح هو ما قرأ به حمزة، وهذا هو التوجيه الصحيح، وأما من جعل الواو للقسم فبعيد. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الناس} أي: جميع الخلق، اتقوا ربكم فيما كلفكم به، ثم بيَّن موجب التقوى فقال: {الذي خلقكم من نفس واحدة} يعني آدم، {وخلق منها زوجها} يعني حواء، من ضلع من أضلاعه، {وبث} أي: نشر {منهما رجالاً كثيرًا ونساء} أي: نشر من تلك النفس الواحدة بنين وبنات. قال البيضاوي: واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء، إذْ الحكمة تقتضي أن يكنَّ أكثر، وذكر: {كثيرًا} حملاً على الجمع، وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تُخشى والنعمة الباهرة التي توجب طاعة مولاها. هـ. {واتقوا الله الذي تساءَلون به} أي: يسأل بعضكم بعضَا فيقول: أسألك بالله العظيم، {والأرحام} أي: واتقوا الأرحام فلا تقطعوها، فمن قطعها قعطه الله، ومن وصلها وصله الله، كما في الحديث. أو تساءلون به وبالأرحام، فيقول بعضكم لبعض: أسألك بالرحم التي بيني وبينك، أو بالقرابة التي بيني وبينك. ثم هددهم على ترك ما أُمروا به فقال: {إن الله كان عليكم رقيباً} حافظًا مطلعًا شهيدًا عليكم في كل حال. الإشارة: درجهم في آخر السورة في مدارج السلوك حتى زجَّهم في حضرة ملك الملوك، وأمرهم أن يتقوا ما يُخرجهم عن مشاهدة ظلمة أنوار الربوبية، ثم دلاهم في أول السورة إلى التنزل لآداب العبودية بشهود آثار القدرة الإلهية، في النشأة الأولية، ليعلَّمهم الجمع بين آداب المراقبة ودوام المشاهدة، أو بين الفناء والبقاء. وقد تكلم ابن جزي هنا على أحكام المراقبة، فقال: إذا تحقق العبد بهذه الآية وأمثالها، استفاد مقام المراقبة، وهو مقام شريف أصله علم وحال، ثم يثُمر حالين. أما العلم: فهو معرفة العبد بأن الله مطلع عليه، ناظر إليه في جميع أعماله، ويسمع جميع أقواله، ويعلم كل ما يخطر على باله. وأما الحال: فهو ملازمة هذا العلم بالقلب، بحيث يغلب عليه ولا يغفل عنه. ولا يكفي العلم دون هذه الحال، فإذا حصل العلم والحال كانت ثمرتهما عند أصحاب اليمين: الحياء من الله، وهو يوجب بالضرورة ترك المعاصي والجد في الطاعات، وكانت ثمرتهما عند المقربين: المشاهدة، التي توجب التعظيم والإجلال لذي الجلال. وإلى هاتين الثمرتين أشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله " حديث : أن تعبدَ اللهَ كأنكَ تَراه فإنْ لم تكنْ تَراه فإنه يَراك " تفسير : ، فقوله: " أن تعبد الله كأنك تراه" إشاره إلى الثمرة الثانية، وهي الموجبة للتعظيم، كمن يشاهد ملكًا عظيمًا فإنه يعظمه إذ ذاك بالضرورة، وقوله: " فإن لم تكن تراه فإنه يراك" إشارة إلى الثمرة الأولى، ومعناه: إن لم تكن من أهل المشاهدة ــ التي هي مقام المقربين ــ فاعلم أنه يراك، فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين، فلما فسر الإحسان أول مرة بالمقام الأعلى، ورأى أن كثيرًا من الناس قد يعجزون عنه، تنزل منه إلى المقام الآخر. واعلم أن المراقبة لا تستقيم حتى تتقدم قبلها المشارطة والمرابطة، ويتأخر عنها المحاسبة والمعاتبة، فأما المشارطة فهي اشتراط العبد على نفسه التزام الطاعة، وترك المعاصي، وأما المرابطة فهي معاهدة العبد لربه على ذلك، ثم بعد المشارطة والمرابطة في أول الأمر تكون المراقبة... الخ. وبعد ذلك يحاسب العبدُ نفسَه على ما اشترطه وعاهد عليه، فإن وجد نفسه قد وفَّى بما عاهد عليه الله يحمد الله، وإن وجد نفسه قد حلَ عَقد المشارطة ونقض عهد المراقبة، عاقب النفس عقابًا شديدًا بزجرها عن العودة إلى مثل ذلك، ثم عاد إلى المشارطة والمرابطة، وحافظ على المراقبة، ثم اختبر بالمحاسبة، وهكذا يكون إلى أن يلقى الله تعالى. انتهى كلامه، وهو مقتبس من الإحياء. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : القراءة والحجة: قرأ أهل الكوفة {تساءلون به} بتخفيف السين، الباقون بتشديدها، وقرأ حمزة وحده {والأرحام} بجر الميم، الباقون بفتحها. فمن قرأ من أهل الكوفة {تساءلون به} بالتخفيف فوجهه ان أصله تتساءلون، فحذف احدى التاءين وهي الاصلية، لأن الاخرى للمضارعة، وانما حذفوها لاستثقالهم إياها في اللفظ فحذفت لأن الكلام غير ملتبس. ومن شدد أدغم احدى التاءين في السين، لقرب مكان هذه من هذه. المعنى: ومعنى {تساءلون به} تطلبون حقوقكم به {والأرحام} القراءة المختارة عند النحويين النصب في الارحام على تقدير: واتقوا الارحام. وتكون معطوفة على موضع {به} ذكره أبو علي الفارسي، فأما الخفض فلا يجوز عندهم إلا في ضرورة الشعر كما قال الشاعر أنشده سيبويه: شعر : فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والايام من عجب تفسير : فجرّوا الايام عطفاً على موضع الكاف في "بك" وقال آخر: شعر : نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب غوط نفانف تفسير : فعطف الكعب على الهاء والالف في (بينها) وهو ظاهر على مكنى وقال آخر: شعر : وان الله يعلمني ووهباً وانا سوف نلقاه سوانا تفسير : فعطف وهباً على الياء في يعلمني، ومثل ذلك لا يجوز في القرآن والكلام. قال المازني: لأن الثاني في العطف شريك للأول، فان كان الأول يصلح أن يكون شريكا للثاني جاز وإن لم يصلح أن يكون الثاني شريكا له لم يجز، قال: فكما لا تقول: مررت بزيد وذاك لا تقول مررت بك وزيد. وقال أبو علي الفارسي: لأن المخفوض حرف متصل غير منفصل فكأنه كالتنوين في الاسم فقبح أن يعطف باسم يقوم بنفسه على اسم لا يقوم بنفسه. ويفسد من جهة المعنى من حيث ان اليمين بالرحم لا يجوز، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "حديث : لا تحلفوا بآبائكم"تفسير : فكيف تساءلون به وبالرحم على هذا وقال اسماعيل بن اسحاق: الحلف بغير الله أمر عظيم، وان ذلك خاص لله تعالى، وهو المروي في أخبارنا. وقال ابراهيم النخعي وغيره: انه من قولهم: نشدتك بالله وبالرحم. وقال ابن عباس، والسدي، وعكرمة، والحسن، والربيع، والضحاك، وابن جريج، وابن زيد، وقتادة: المعنى والارحام فصلوها. وهذه الآية خطاب لجميع المكلفين من البشر. وقوله: {واتقوا ربكم} فيه وعظ بان يتقى عصيانه بترك ما أمر به وارتكاب ما نهى عنه. وحذر من قطع الارحام لما أراد من الوصية بالاولاد والنساء والضعفاء، فأعلمهم انهم جميعاً من نفس واحدة، فيكون ذلك داعياً لهم إلى لزوم أمره وحدوده في ورثتهم ومن يخلفون بعدهم، وفي النساء والأيتام عطفاً لهم عليهم. ثم اخبر تعالى انه خلق الخلق من نفس واحدة فقال: {الذي خلقكم من نفس واحدة} والمراد بالنفس ها هنا آدم عند جميع المفسرين: السدي وقتادة ومجاهد وغيرهم. وقوله: {وخلق منها زوجها} يعني حوّاء. روي انها خلقت من ضلع من أضلاع آدم، ذهب إليه أكثر المفسرين. وقال أبو جعفر (ع): خلقها من فضل الطينة التي خلق منها آدم، ولفظ النفس مؤنث بالصيغة، ومعناه التذكير ها هنا، ولو قيل نفس واحد لجاز. المعنى، واللغة: وقوله: {وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء} معنى بث نشر، يقال: بث الله الخلق. ومنه قوله: {أية : كالفراش المبثوث }تفسير : وذلك يدل على بث. وبعض العرب يقول أبث الله الخلق، ويقال بثثتك سري، وابثثتك سري لغتان. وقوله: {إن الله كان عليكم رقيباً} أي حافظاً تقول رقب يرقب رقاباً وانما قال: {كان عليكم} ولفظ كان يفيد الماضي لأنه أراد أنه كان حفيظاً على من تقدم زمانه من عهد آدم وولده إلى زمان المخاطبين، وانه كان عالماً بما صدر منهم، لم يخف عليه منه شيء. والرقيب الحافظ في قول مجاهد. وقال ابن زيد: الرقيب العالم، والمعنى متقارب، يقال: رقب يرقب رقوباً ورقباً ورقبة. قال أبو داود: شعر : كمقاعد الرقباء للضرباء أيديهم نواهد تفسير : وقيل في معنى {الذي تسألون به} قولان: أحدهما - قال الحسن ومجاهد وابراهيم: هو من قولهم: اسألك بالله والرحم، فعلى هذا يكون عطفاً على موضع به كأنه قال: وتذكرون الارحام في التساؤل. الثاني - قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك والربيع وابن زيد وهو المروي عن أبي جعفر (ع): واتقوا الارحام أن تقطعوها، فعلى هذا يكون معطوفا على اسم الله تعالى، ووجه النعمة في الخلق من نفس واحدة انه أقرب إلى أن يتعطفوا ويأمن بعضهم بعضاً ويحامي بعضهم عن بعض، ولا يأنف بعضهم عن بعض، لما بينهم من القرابة والرجوع إلى نفس واحدة، لأن النفس الواحدة ها هنا آدم (ع) باجماع المفسرين: الحسن وقتادة والسدي ومجاهد. وجاز من نفس واحدة لأن حواء من آدم على ما بيناه، فرجع الجميع إلى آدم وانما أنث النفس والمراد بها آدم لأن لفظ النفس مؤنثة، وان عني بها مذكر كما قال الشاعر: شعر : أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال تفسير : فانث على اللفظ، وقد حكينا عن أكثر المفسرين: ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وابن اسحاق: ان حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: "حديث : المرأة خلقت من ضلع، وانك ان أردت أن تقيمها كسرتها وان تركتها وفيها عوج استمعت بها" تفسير : . وروي عن أبي جعفر (ع) أن حوّاء خلقت من فضل طينة آدم (ع).
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} لمّا كان تلك الحكاية وامثالها من مرموزات الاوائل من الانبياء والاولياء والحكماء التّابعين لهم وحملها العوامّ من النّاس على ظواهرها اختلف الاخبار في تصديقها وتقريرها وتكذيبها وتوهينها فانّ فى كيفيّة خلقة آدم (ع) وحوّاء (ع) وتناسلهما وتناكحهما وتناكح اولادهما، وكذا في قصّة هاروت وماروت وقصّة داود (ع) وغير ذلك اختلافاً كثيراً فى الاخبار واضطراباً شديداً بحيث يورث التحيّر والاضطراب لمن لا خبرة له، حتّى يكاد يخرج من الدّين ولكنّ الرّاسخين فى العلم يعلمون انّ كلاً من معادن النبوّة ومحالّ الوحى صدر ولا اختلاف فيها ولا اضطراب؛ جعلنا الله منهم والله ولىّ التّوفيق، ولمّا كان المقصود الوصاية في امر الايتام والاهتمام بهم وباموالهم اكّد الامر بالتّقوى بالتّكرير فقال تعالى {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} وعلّقه اوّلاً على وصف الرّبوبيّة المقتضيّة للتّقوى عن مخالفته ووصفه ايضاً بما يقتضى التّقوى وعلّقه ثانياً على وصف الآلهيّة ووصفه بما يقتضى تعظيمه وقرن الارحام به بالعطف على الضّمير المجرور او على الله مبالغة فى حفظ الارحام وتمهيداً لاظهار المقصود من حفظ الايتام فانّ الحافظ للايتام فى الاغلب ذوو الارحام ومحافظة الرّحم وتعظيمه ممّا يحكم به العقل والعرف وورد فى الشّريعة مالا يحصى فى الاهتمام به. اعلم انّ الله تعالى شأنه خلق الانسان ذا نشأتين وبحسب كلّ نشأة جعل له اصولاً وفروعاً ويسمّى اصوله وفروعه ومن انتهى معه الى اصلٍ واحدٍ ارحاماً لانتهائهم الى رحمٍ واحدٍ والتّفاضل بين ارحامه الجمسانيّة وارحامه الرّوحانيّة كالتّفاضل بين الروح والجسم، وفضل صلة الارحام الرّوحانيّة على الجسمانيّة كفضل الروح على الجسم لا يقال: من انتسب الى الشّيطان كان نسبته الرّوحانيّة الى الشّيطان وكان المنتسب الى الشّيطان رحماً له فليزم له مراعاته وصلته مع انّه مأمور بمباغضته وقطيعته لانّا نقول: كما اسّس الله تعالى لصحّة النّسبة الجمسانيّة فى كلّ ملّة وشريعة ما تبتنى عليه ومن لم تكن نسبته مبتنيةً على ما اسسّه كان لغيّة وحاله مع اصوله وفروع اصوله كحال الاجنبيّ من غير فرقٍ ومن لم يكن رحماً لهم كما لم يكونوا ارحاماً له كذلك اسّس الله تعالى لصحة النّسبة الرّوحانيّة ما تبتنى عليه ومن لم تكن نسبته مبتنيةً على ما اسّسه كان لغيّة وحاله ولا اعتبار بنسبته، لا يقال: على هذا يلزم ان يكون من انتسب الى الانبياء (ع) من غير الابتناء على ما اسّسه الله تعالى لغيّة نعوذ بالله من هذا القول، لانّا نقول: الانتساب اليهم (ع) من غير الابتناء على ما به الانتساب محال، لانّ من لم يكن له امام من الله يأتمّ به وانتحل الانتساب اليهم كان داخل النّسب وكان الايتمار بشريعتهم نحلة لا ملّة ولذا ورد في الاخبار المعصوميّة: من اصبح من هذه الامّة لا امام له من الله ظاهر عادل اصبح ضالاًّ تائهاً، وان مات على هذه الحالة مات ميتة كفرٍ ونفاقٍ اعاذنا الله، وبهذا المضمون منهم روايات كثيرة وكما انّ داخل النّسب في النّسبة الجسمانيّة ملعون كذلك من لم تكن نسبته الى من انتسب إليه بحسب الرّوحانيّة مبتنية على ما يصححّها كان داخل النّسب وكان ملعوناً ونسبة اللغيّة إلى اللغيّة ونسبة داخل النّسب الى داخل النّسب كنسبة الرّوح الى الجسد. {إن الله كان عليكم رقيباً} أيها المأمورون بالتقوى ومراعاة الأرحام وحفظ أموال الأيتام، فيطّلع على خيانتكم سراً وعلانيه.
الحبري
تفسير : حَدَّثَنا عَليٌّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَني الحُسَيْنُ بنُ الحَكَمِ الحِبَريُّ، قالَ: حَدَّثَنا حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنا حِبَّانُ، عن الكَلْبِيّ، عن أَبي صَالِحٍ، عن: ابنِ عَبَّاسٍ: في قَوْلِهِ:{وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} نَزَلَتْ في رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ]، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَذَوِي أَرْحَامِهِ وَذَلِكَ: أَنَّ كُلَّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ يَوْمَ القِيامَةِ، ألاَّ ماكَانَ مِنْ سَبَبِهِ وَنَسَبِهِ. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} يَعْنِي: حَفِيْظاً.
فرات الكوفي
تفسير : {وَاتَّقوا اللهَ الَّذي تَساءَلونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رقيباً1} فرات قال: حدثنا الحسين بن الحكم [الحبري قال: حدثنا حسن بن حسين قال: حدثنا حبان عن الكلبي عن أبي صالح.ح]: عن ابن عباس [رضي الله عنه. ن] [في.ح] [قوله تعالى. ن] {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام [إن الله كان عليكم رقيباً.ح]} نزلت في رسول الله صلى الله عليه [وآله وسلم.ن] [وأهل بيته.ح] وذوي أرحامه وذلك أن كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلاّ من [ح: ما] كان من سببه ونسبه {إن الله كان عليكم رقيباً} يعني حفيظاً. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن جعفر بن محمد [عليه السلام] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : إن الله تعالى خلقني وأهل بيتي من طينة [ر: خلقني من طينة وأهل بيتي] لم يخلق الله منها أحداً غيرنا ومن ضوا إلينا [ب: ومن يتولانا]، فكنا أول من ابتدأ من خلقه، فلما خلقنا فتق بنورنا كل {اطعة} [ب: طينة طيبة] وأحيابنا كل طينة طيبة، ثم قال الله تعالى: هؤلاء خيار خلقي وحملة عرشي وخزان علمي وسادة أهل السماء وسادة أهل الأرض، هؤلاء هداة المهتدين والمهتدي [ر، أ: والمهتداء] بهم، من جاءني بولايتهم أوجبتهم جنتي وأبحتهم كرامتي، ومن جاءني بعداوتهم أوجبتهم ناري [و. ب، أ] بعثت عليهم عذابي . تفسير : ثم قال عليه السلام: [و.أ، ب] حديث : نحن أصل الإيمان بالله وملائكته وتمامه، ومنا الرقيب على خلق الله، وبه إسداد أعمال الصالحين، ونحن قسم الله الذي يُسأل به ونحن وصية الله في الأولين ووصيته في الآخرين وذلك قول الله جل جلاله: {اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً} .
الأعقم
تفسير : {يا أيها الناس اتَّقُوا ربَّكُم} يعني يا بني آدم وقيل: يا أيها الناس أراد أهل مكة أين ما جاءت ويا أيها الذين آمنوا أراد أهل المدينة، وقوله: {اتّقُوا ربكم} قيل: أطيعوه، وقيل: اخشوه {الذي خلقكم من نفس واحدة} فرعكم من أصل واحد، قوله تعالى: {وخلق منها زوجها} من ضلع آدم، وقيل: من بقيَّة طينة آدم {وبث منهما} نوعي جنس الانس وهم الذكور والإناث، قوله تعالى: {واتقُوا الله الذي تساءلون به} يسأل بعضكم بعضاً بالله وبالرحم، وعن الحسن: إذا سألك بالله فاعطه وإذا سألك بالرحم فاعطه، وقرئ: {والأرحام} بالحركات الثلاث، قوله تعالى: {إن الله كان عليكم رقيباً} قيل: شاهداً، وقيل: حافظاً، قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم} قيل: نزلت في رجل من غطفان كان معه مال لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال فمنعه عمُّه حقّه فرفع ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت الآية، فقال الرجل: سمعنا وأطعنا نعوذ بالله من الحوب الكبير، ودفع إليه ماله، فلما قبض اليتيم ماله أنفقه في سبيل الله تعالى، وقيل: هم أهل الكتاب لا يورثون النساء والصغار ويأخذ الميراث الأكبر فنهوا عن ذلك، قوله تعالى: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} قيل: لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو أموالكم، قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} يعني مع أموالكم أي مصطفين لها إلى أموالكم {حوباً كبيراً} الحوب الذنب العظيم، قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} الآية، روي أنها نزلت في أهل المدينة يكون الرجل عنده الأيتام وفيهم من يحل له تزويجها فيقول: لا أدخل في رباعي أحداً كراهة أن يدخل غريب فيشاركه في مالها، فربما يتزوجهن لمالهنَّ ويسيء صحبتهنَّ ويتربص بهنَّ أن يمُتنَّ فيرثهنَّ، فنهى الله تعالى عن ذلك، وقيل: كان الرجل من قريش يتزوج العشر من النساء، وأكثر وأقل، فإذا صار معدماً يلزمه من مؤن نسائه مال على مال اليتامى الذي معه وأنفقه فنزلت الآية، وأمرهم الله بالاقتصار على أربع وأن لا ينفقوا من مال اليتامى، قوله تعالى: {ما طاب لكم} أي ما حل لكم من النساء لأن منهنَّ من يحرم كالأجنبيات واللاتي في آية التحريم {فإن خفتم ألا تعدلوا} بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها {فواحدة} فالزموا أو فاختاروا واحدة وذروا الجمع رأساً، قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} قال جار الله: سوّى في السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الاماء من غير حصرٍ ولا توقيت عدد، لا عليك أكثرت منهنَّ أو أقللت، عدلت بينهنَّ في القسم أم لم تعدل، قوله تعالى: {ذلك أدنى ألاَّ تعولوا} أقرب من أن تميلوا، من قولهم عال الميراث عولاً إذا مال، أو ميراث فلان عائل، وعال الحاكم في حكمه إذا جار، وروت عائشة (رضي الله عنها) معنى أن لا تعولوا أن لا تجوروا، وروي عن الشافعي (رضي الله عنه) أنه فسّر ألا تعولوا أن لا يكثر عيالكم.
الهواري
تفسير : تفسير سورة النساء، وهي مدنية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني آدم {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي حواء من ضِلَع من أضلاعه القصيرى، من جنبه الأيسر وهو نائم. قال مجاهد: فاستيقظ فقال: أثا أثتى، أي: امرأة امرأتي. أثا بالسريانية. أشا اشتي. أي: امرأة، امرأتي، إلا أنه بالتاء عبراني، وبالشين سرياني. وإِثا: تعالى. ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن المرأة خلقت من ضِلَع، وإنك إن ترد إقامتها تكسرها، فدارها تعش بها . تفسير : ذكر أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن المرأة خلقت من ضِلَع، لا تستقيم على خلقة واحدة، إنما هي كالضلع، فإن أقمتها كسرتها وإن تركتها استمتعت بها على عوجها . تفسير : قوله: {وَبَثَّ مِنْهُمِا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً} أي: وخلق منهما رِجالاً كثيراً ونساءً. {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} أي: واتقوا الأرحامَ أَن تقطعوها، في تفسير من قرأها بالنصب. ومن قرأها بالجر فهو كقول القائل: أنشدك بالله وبالرحم. قوله: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} أي حفيظاً. قوله: {وَءَاتُوا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} أي أعطوا اليتامى أموالهم، أي: إذا بلغوا. {وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ}. قال مجاهد: ولا تتبدلوا الحرام بالحلال. وقال الحسن: الخبيث: أكل أموال اليتامى، والطيّب: الذي رزقكم الله؛ يقول: لا تذروا الطيّب وتأكلوا الخبيث الذي حرَّم الله عليكم. قوله: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} أي لا تأكلوا أموالهم ظلماً إلى أموالكم، أي مع أموالكم. {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً}. قال الحسن: ذنباً كبيراً. وقال غيره ظلماً كبيراً. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أكل أموال اليتيم من الكبائر .
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}: خطاب لأهل مكة، ويشتمل غيرهم بالمعنى، أو هو خطاب للناس مطلقاً، كقوله تعالى: {يا بنى آدم}، دخل فيه أهل مكة، وهذا الوجه أولى لعمومه لفظاً ومعنى، والخصوص يحتاج لدليل ويناسب العموم فضل مناسبة، قوله تعالى: {اتَّقُواْ رَبَّكُمُ}: إن تخَالِفُوا أمْرَه أو نهْيَهُ. {الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}: هى آدم، والمراد بالنفس الشخص، والتأنيث فى واحدة باعتبار لفظ النفس، ولا يدخل فى الخطاب من مات قبل نزول الآية لأن الميت لا تكليف عليه ولا أمناً حوى لذلك لقوله {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}: حواء، وكانت كغيرها فى الخلق منه، إلا أن الخلق منه ثلاثة: خلق من لحمه ودمه وعظمه، وهو خلق حواء عليها السلام، إذ خلقت من ضلعه القصير الأيسر، وخلق من نطفته، وهو خلق آدم أولاده، من صلبه، وخلق بالتفرع من فروعه، وهو خلق سائر الناس، وأيضاً لم يدخل حواء فى الخطاب، لأنه يلزم أن يكون آدم خلق من نفس، ويكون خلق الزوج وبث الرجاء والنساء داخلين فى قوله {خَلَقَكُمْ مِّنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} فيكون ذكرهما بعده تكراراً، وما ذكرت من كونهما مخلوقة من الضلع هو الصحيح المشهور، وورد به الحديث الصحيح بروايات منها ما لفظه هكذا "حديث : إن المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت مقيمها كسرتها، وإن تركتها وبها عوج استمتعت بها"تفسير : . وعن ابن عباس: خلق الله آدم وحشا فى الجنة وحده، ثم نام فانتزع الله إحدى أضلاعه القصيرة من شماله. وقيل: من يمينه خلقت منه فى نومه. قال ابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهما: فى الجنة. وقال ابن إسحاق ووهب وكعب الأحبار: فى الدنيا قبل أن يحمل إلى الجنة فلما استيقظ وجدها بجانبه، قال: من أنت؟ قالت المرأة: خلقنى الله لتأنس إلى، فأنس بها لأنها منه. وعن مجاهد: لما استيقظ وجدها بجنبه، فقال: أفى أفى؟، وأفى بالعبرانية: المرأة. وزعم بعض: أنها لم تخلق من جسم آدم، وإنما خلقت من طينة فصلت من طينته على أن يقدر مضاف فى قوله: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أى وخلق من جنسها زوجها، وبه قال أبو مسلم الخولانى وجعله كقوله تعالى: {أية : والله خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِِكُمْ أزْوَاجاً} تفسير : أى من جنس أنفسكم، وقوله تعالى: {أية : إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم}تفسير : وقوله تعالى: {أية : لَقَدَ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ}تفسير : ولا دليل ولا دليل على هذا القول، بل يرده الحديث، وقوله تعالى: {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَة} إذا لو خلقت حواء من غير آدم لكنا مخلوقين من نفسين، وكون من الابتداء لا يصح جواباً، لأن ابتدائنا على ذلك القول يكون من نفسين لا من نفس واحدة، وجملة {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} معطوفة على {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَة} أو على نعت محذوف، أى: من نفس واحدة خلقها وخلق منها زوجها، مجملة {خلقها} نعت لـ {نفس} ويجوز كونها حالا لها. {وَبَثَّ}: فرق ونشر فى الأرض. {مِنْهُمَا}: أى من النفس الواحدة وزوجها وهما آدم وحواء، رجالا كثيراً ونساء كثيراً، حذف وصف النساء بالكثرة اكتفاءاً بوصف الرجال بها من حيث إنه إذا كان الرجال كثيراً، فأولى أن تكون النساء أكثر لأنهن مزارع الرجال حارثون، وأرض المزارع أكثر من الحارثين، ولظهور كثرة النساء على الرجال بالمعاينة والسماع، وعدم ذكر كثرتهن إشارة إلى أن اللائق بالمرأة السترة والخمول، ولم يقل رجالا كثيرة أو رجالا كثيرين لأن كثير بوزن فعيل، وفعيل والمصادر كصهيل ودبيب، والمصدر يصلح للقليل والكثير، بلفظ واحد، أو لأن رجالا ولو كان جمعاً لكنه بمعنى نوع أو فريق أو جنس أو نحو ذلك، فساغ إفراد الوصف وتذكيره، والموصول من أجل صلته يكون كالمشتق وتعليق الحكم بالمشتق يوذن بعليته فقد أعلوا الأمر بالتقوى، بخلقنا من نفس واحدة، وبتفريق الرجال الكثير، والنساء من آدم وحواء، ووجه ذلك تعليق أن ذلك الخلق والبث أمر عظيم، دليل على القدرة العظيمة، ومن قدر على ذلك، قدر على كل شىء فمهما يقدر عليه عقاب من لا يتقى الله، وإن النظر فى ذلك الأمر العظيم، يؤدى إلى أن يحترم القادر عليه، وتتقى مخالفته، وإن ذلك دليل على أنه المنعم، فالحق أن يتقى كفر النعمة وذلك تمهيداً لإيجاب حق الأرحام، وإشارة إلى عقاب قاطعها، ووجه ذلك أنه أخبرنا أنكم متصلون من أب واحد وأم واحدة. وقرئ: {وَخَالَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}: وباث منهما: {رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً}: بوزن اسم الفاعل من خلق وبث، فيكون {زوجها} مفعولا به، لـ {خالق}، و{رجالا} مفعولا به لـ {باث} وإنما نصبا المفعول به لأنهما للحال المحكية، ولو كانا إخباراً عما مضى فقط، أو اعتبر فى البث أنه للحال حقيقة، لأن البث لما ينقطع، وهما خبر لمحذوف أى وهو خالق منها زوجها، وباث منها رجالا كثيراً ونساء. {وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ}: أى اتقوا عذاب الله بأداء الفرض، وترك ما نهى عنه، وقطع الأرحام، فالأرحام معطوف على الله، على حذف الإضافة، كأنه قيل: اتقوا عذاب الله، وقطع الأرحام وأصل {تساءلون}: تتساءلون بتائين أبدلت الثانية سيناً، وأدغمت فى السين والمعنى: يتساءل بعضكم بعضاً به، يقول بالله أفعل كذا أو لا تفعل كذا، أو افعل كذا لوجه الله، أو لا تفعل لوجه الله. وقيل: الأرحام معطوف على محل الهاء الذى هو النصب، لأنها مفعول، وصل إليها العامل بالحرف الجار فيكون المعنى: تساءلون به وبالأرحام تقولون أفعل كذا لله أو أفعل كذا للرحم، أو نحو ذلك، وهذا القول للكوفيين إذ أجازوا العطف على المحل الذى لا يظهر فى الفصيح، وغيرهم يمنع ذلك، ويدل لهم قراءة عبد الله ابن مسعود: تساءلون به وبالأرحام، ويجوز أن يكونا تساءلون لموافقة المجرد، لا على التفاعل ويدل له قراءة عبد الله بن مسعود: تساءلون بتاء واحدة وإسكان السين وهمزة الألف متصلة باللام، مضارع تساءل الثلاثى أى تساءلون غيركم، وقراءة بعض: تساءلون بفتح السين مخففاً يليه ألف فلام، وهى كقراءة ابن مسعود إلا أنه قلب الهمزة ألفاً، وقرأ عاصم وحمزة والكسائى: تساءلون بفتح السين غير مشددة وبعدها ألف وبعد الألف همزة وهو من أوزان الفاعل، كقراءة الجمهور إلا أنهم حذفوا إحدى التائين، واختار القاضى أنها الثانية، وقرئ: والأرحام بالجر عطفاً على محل المجرور المضمر المتصل، بلا إعادة للجار، وفى قراءة هذا القارئ ضعف لعدم إعادة الجار والضمير المجرور المتصل مع جاره، ككلمة واحدة، فالعطف عليه بلا إعادة، كالعطف على جزء الكلمة واختار ابن مالك جواز ذلك. والفخر واسبعا قصى وهو مذهب الكوفيين، إلا أن صحت عنه صلى الله عليه وسلم، ويدل لمعناها قراءة ابن مسعود المذكورة، فذلك أولى من أن يقال حذف الجار وبقى عمله، وقيل: قوله {والأرحام} بالجر قسم، أى أقسم الله بالأرحام، على حذف مضاف، إنكم تساءلون بالله. وقرئ والأرحام بالرفع أى: والأرحام كذلك تساءلون بها، أو: والأرحام مما يجب أن يتقى. وفى الآية دليل على جواز السؤال بالله، إذ ذكره عنهم وأمرتهم عليه. قال البراء بن عازب: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع منها: إبرار القسم، أى بقضاء حاجة من سالك بالله، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سألكم بالله فأعطوه"تفسير : وفى ذكر الأرحام مع ذكر الله فى أمر التقوى، أو السؤال دلالة على عظم صلة الرحم، قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الرحم معلقة بالعرش، تقول ألاَمَنْ وصلنى وصلة الله، ومن قطعنى قطعه الله"تفسير : . وعن عبد الرحمن بن عوف: "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله سبحانه وتعالى: إنى خلقت الرحم وفتقت لها اسماً من اسمى، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته"تفسير : . وعن أبى هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : وما من شىء أطيع الله فيه، أعجل ثواباً من صلة الرحم وما من عمل عصى الله به عجل عقوبة من البغى واليمين الفاجرة" تفسير : ... وعن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الصدقة وصلة الرحم يزيد بهما فى العمر ويدفع بهما المحذور والمكروه"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل الصدقة على ذى الرحم الكاشح"تفسير : قال الحسن: إذا سألك بالله فاعطه، وإذا سألك بالرحم فاعطه والرحم حجة عند العرش. ومعناه ما روى عن ابن عباس رضى الله عنه "الرحم معلقة بالعرش فإذا أتاها الواصل ظهرت لهُ وكلمته، وإذا أتاها القاطع احتجبت عنه". وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : تخيروا لنطفكم"تفسير : . قال ابن عيينه يقول لأولادكم، وذلك أن يضع ولده فى الحال لم تسمع قوله {واتَّقُواْ اللهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرحَامَ} وأول صلة الولد أن يختار له الموضع الحلال لا يقطع رحمه ولا نسبه، فإنما للعاهر الحجر، ثم يختار الصحة ولا يضعه موضع سوء يتبع شهوته وهواه بغير هدى من الله، وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سره أن يبسط عليه من رزقه وينسئ فى أثره، فليصل رحمه"تفسير : أى يؤخر له أجله، أى أطال الله عمره، أو بارك له على وفق ما سبق فى الأزل الأول لعلم الله تعالى، فإنه يصل رحمه، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يدخل الجنة قاطع"تفسير : . قال سفيان: يعنى قاطع الرحم، والآية دالة أنه من ملك ذا رحم منه عتق عليه لأن تملكه استخدام واستخدامه يوحشه. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}: أى حافظاً لا يغفل عن خلقه، والمراد لأمن ذلك وهو أنه لا يخفى عنه شىء من أمر خلقه فهو حقيق أن تتقى خيانته، إذا كان يعلم كل ما فعلوا فيجازيهم عليه خيراً أو شراً، وروى أن رجلا كان يتيماً ولما بلغ، أتى من عنده ماله، فقال له: أعطنى مالى فأبى. فنزل قوله تعالى: {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ}.
اطفيش
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا آيُّهَا النَّاسُ} الموجودون المكلفون من نزول الآية إلى القيامة، أهل مكة وغيرهم، الذكور والإناث، فتناول الخطاب من سيوجد متوقفا إلى وجوده وصلوحه للخطاب، كما تكتب إلى أحد غائب بأمر ونهى، فيصله الكتاب، وذلك بالحقيقة عند الحنابلة، وعندى كما ينزل الحكم بشرط غير موجود فى الحين، وبالتغليب للموجودين حين نزلت على من سيوجد وفيه أن الموجودين حين النزول لم يسمعوا الآية من رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفور من نزولها مرة، بل بعض سمع اليوم وبعض غدا، وبعض بعد شهر أو سنة وأقل وأكثر، فمن لم يسمع كمن لم يوجد، أو بدليل خارجى، فإن آخر الأمة مكلف بما كلف أو لها، ووضع الجزية عند نزول عيسى من احكام هذه الأمة عند نزوله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحلال ما جرى على لسانى إلى يوم القيامة" تفسير : ، والخطاب شامل للعبيد فى كل ما كلفوا به كالصلاة، وما يرجع إلى سادتهم فإلى سادتهم {اتَقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم} علل الاتقاء بكونه خالقا لهم، وذلك أن الموصول كالمشتق يؤذن بالغلبة، ومثل ذلك الخطاب الذى هو بصيغة الذكور شامل للنساء تغليبا، فتارة يدخلن تغليبا، وتارة بصيغتهن، مثل: "إن المسلمين والمسلمات"، ومعنى قول أم سلمة: لم لا نذكر فى القرآن، لم لا نذكر بصيغ النساء؟ وبعد سؤالها ذكرن بها {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} هى آدم وبقوله {وَخَلَقَ مِنْهَا} من ضلهعا الأيسر الأسفل، قال البخارى ومسلم عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شىء من الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج" تفسير : ، وبطل للآية والحديث، نقول بأنها خلقت من فضله طينة آدم، إذ لا حاجة إلى دعوى المجاز، أى وخلق من جنسها زوجها، ولو اختاره أبو مسلم الأصفهانى وجعله كقوله تعالى: {أية : والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا} تفسير : [النحل: 72]، وقوله: {أية : إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} تفسير : [آل عمران: 164]، وقوله تعالى: {أية : لقد جاءكم رسول من أنفسكم} تفسير : [التوبة: 128]، وعلمنا أن الملائكة والدواب والطير والجن قبل آدم، ولا نعلم صحة ما قيل أن قيل آدم ألف ألف آدم، ولا ما قال ابن العربى، إن قبل آدم بأربعين ألف سنة آدما غيره، وحكم زين العرب من قومنا بكفر من أثبت آدما آخر {زَوْجَهَا} هى حواء فى الجنة على الصحيح، وهو قول ابن مسعود وابن عباس، وفى الدنيا عند كعب الأحبار، ووهب، وابن إسحاق، ثم دخلاها معاً حملته الملائكة إلى الجنة، ولم يروا بأنها محمولة فهى تجرى {وَبَثَّ} نشر {مِنْهُمََا رِجالاً كثِيراً وَنِسَآء} أكثر بدليل أن لكل رجل أن يتزوج أربعاً، وبدليل المشاهدة، والمراد الذكور والإناث ولو أطفالا مجازاً، أو لم يذكر الأطفال لأن السورة فى التكليف، فمن نعمته وقدرته كذلك، كيف لا يتقى ولا يشكر، وكيف يتظالم عبيده مع أنهم إخوة بخلقهم من أب وأم، وليست حواء أختاً لنا، لأنها خرجت من آدم بغير طريق النبوة، ولما كانت زوجها حواء متفرعة منها، أعنى من النفس، وهى آدم صح أن يقال لمن يتفرع منهما إنهم خلقوا من نفس واحدة لأنهم منها، ومنه، وهى منه، فرجعوا إليه برجوعها إليه، وبدأ السورة بالتقوى لاشتمالها على المشاق من القتال والطهارة والصلاة وغير ذلك، مما يكون الحامل على أدائه اتقاء عذاب الآمر القادر، ومن شأن الرجال البروز، وقد برزوا وظهرت كثرتهم، فوصفهم بها دون النساء ولو كن أكثر لخفائهن الذى هو من شأنهن، وهن محرث، ومن أراد كثرة الغلة أكثر المزارع {وَاتَقُّوا} أَعاد لفظ اتقوا للتأكيد، وقيل الأول للعموم وهذا للعرب، وقيل الأول لغير العرب وهذا للعرب، والصحيح العموم فيهما وقيل المراد فيهما العرب، وأما غيرهم فتبع، لأن العرب هم الذين يتساءلون بالله وليس كذلك {اللهَ الَّذِى تَسَآءَلُونَ} تتساءلون، أبدلت التاء الثانية سينا، وأدعمت {بِهِ} أى يسأل بعضكم بعضاً به، فيقول افعل لوجه الله، أو لا تفعل لوجه الله فهذا سؤال بالله، كما أن قولك أسألك بالله سؤال، والتفاعل على أصله، يسألك وتسأله، أو بمعنى الثلاثى كما قرأ ابن مسعود ثلاثيا، ودلت الآية على جواز السؤال بالله، وخصته السنة بالحاجة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سألكم بالله، ومن سألكم بالرحم فأعطوه"تفسير : ، وعن البراء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، منها إبرار القسم أى بقضاء حاجة من سألك بالله {وَالأَرْحَامَ} عطف على لفظ الجلالة أويقدر صلوا الأرحام، أمر باتقاء الأرحام، أى اتقوا قطع الأرحام، وهو ترك وصلها، أو اتقاؤها هو نفس وصلها، كما يستعمل تقوى الله بمعنى عدم مخالفته أى احفظوها، ولا يعطف على محل النصب هاء به، لأنه لا يجوز مررت بعمرو ووجدت زيدا، فى الفصيح على الصحيح {إنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} فيحاسبكم ولا يخفى عنه شىء، وروى أن يتيما غطفان طلب بعد بلوغه ماله من عمه فمنعه، وترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قوله تعالى: {وَءَاتُوا} الخطاب للأولياء والأوصياء {اليَتَامَى} جمع يتيم، فالأصل يتائم، فأخرت الهمزة عن الميم فكانت ألفا، وذلك جمع على غير قياس، وروعى أنه كغير وصف، ألا ترى أنه لم يسمع إنسان بتيم أو طفل يتيم إلا قليلا، أوجمع يتمى كأمرى ويتمى جمع يتيم، وشملت الآية الذكور والإناث، وذلك إلحاق له بباب الآفات، فإن فتيلا فيه يجمع على فَعَلى، وفعلى على فعالى كأسير وأسرى وأسارى، لكن اختلفا بالفتح والضم، ووجه الإلحاق ذل اليتيم وانكساره، أو سوء أدبه إن لم يؤدب، فذلك آفة، واليتيم لغة الكبير والصغير واختصاصه بالصغير اعتبار شرعى {أَمْوَالَهُمْ} الخ، ولما سمعه العم قال: أطعنا الله، وأطعنا الرسول نعوذ بالله من الحوب الكبير، ودفع المال لليتيم فأنفقه فى سبيل الله، اى أتوهم أموالهم إذا بلغوا، لأن موجب كون ماله تحت غيره عدم بلوغه وعدم رشده، فإذ بلغ ورشد أعطى ماله لا قبل ذلك، ويسمى يتيما لكونه كان يتيما قبل، كقوله: وألقى السحرة ساجدين، ولجوار اليتيم، واليتيم هو من لا أب له من الجن والإنس بان كان له أب ومات، وما لا أم له من الدواب، وما لا أم له ولا أب من الطير، وفى الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يتم بعد الحلم"تفسير : ، أى لا يجرى عليهم حكم اليتيم بعد البلوغ، ويجوز أن يكون المراد، أعطوا من هو يتيم الآن ماله إذا بلغ فلا مجاز، بل اليتيم من الانفراد كما يقال، درة يتيمة، فباعتباره البالغ يتيم أى منفرد عن أبيه بموت أبيه، ولكن العرف خصه بمن لم يبلغ، وقد علمت أن معنى لا يتم بعد بلوغ أنه لا يجرى عليه حكم من يسمى يتيما فى العرف، وهو من لم يبلغ ومات أبوه، واختار فى الآية لفظ اليتم تعجيلا أو البلوغ، والرشد قريبا من اليتم، أو المراد أعطوهم أموالهم قبل البلوغ إن أنس منهم الرشد وقدروا على حفظه {وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ} الحرام، وهو شامل لأموالهم تصير خبيثة فى حق من يأخذها باطلا، أو يعطى فيها ما دونها، كهزيلة بسمينة اليتيم وشامل لأخذها {بِالطَّيِّبِ} هو شامل لأموال المخاطبين ولحفظ مال اليتامى ولإعطاء ما هو رفيع فيها {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ} أى مضمومة إلى أموالكم، أو مع أموالكم، اى لا تتلقوها غير مبالين بها كأنها أموالكم أو من سائر ما يباح، فأطلق الأكل على مطلق الإتلاف لعلاقة الإطلاق والتقييد، أو الكلية والجزئية، أويراد ظاهر الأكل ويقاس عليه غيره من الإتلاف، واختار لفظ الأكل لأن الأكل معظم ما يقع التصرف لأجله ولعامل مال اليتيم أجرته بمعروف، قال رجل لابن عباس: إن لى يتيما، وإن له إبلا فأشرب من لبنها، فقال إن كنت بتغى ضالة إبله، وتهنأ جربانها، وتلوط حوضها وتسقيها يوم ورودها فاشرب غير مضر بنسلها، ولا ناهك فى الحلب وذلك من الأكل بالمعروف {إنَّهُ} أى الأكل بمعنى الإتلاف مطلقا، أو الأكل المقيس عليه غيره {كَانَ حُوباً} ذنباً {كَبِيراً} ولما نزلت الآية قال عم اليتيم الذى نزلت الآية فيه: أطعنا الله ورسوله، ونعوذ بالله من الحوب الكبير، ويجوز من الآية تزويج اليتيمة الصغيرة، وبنظر الصلاح، وخص بذات تسع فصاعدا، ولما نزل ذلك تحرجوا عن اليتامى وأموالهم فنزل قوله تعالى: {وَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليَتَامَى} أن لا تعدلوا فيهم أو فى أموالهم بأن تأكلوها، والإقساط إزالة القسط أى الجور، فإن القسط يكون بمعنى الجور كما يكون بمعنى العدل ومنه وأما القاسطون فهمزة أقسط للسلب، كأقرد البعيرَ أزال قُرَاده {فَانكِحُوا} تزوجوا{مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِسَّآءِ} ما يسهل به لكم العدل معهن،وقد كان تحت بعض عشر نسوة وأكثر أو ثمان أو نحو ذلك مما فوق الأربع، فأمرهم الله أن يخافوا الجور على الأزواج، وترك العدل لهن، كما خافوه على اليتامى، إذ لا تنفع التوبة من ذنب مع البقاء على الآخر، وذلك موجب للاقتصار منهن على العدد القليل الذى يتوصل معه إلى العدل، أو إن خفتم من تباعات اليتامى وأموالهم فخافوا من الزنى أيضا فانكحوا ما تكفون به أنفسكم عن الزنى، فإنه لا ينفعكم الورع عن اليتامى مع عدم تحرجكم عن الزنى، أو إن خفتم أن لا تعدلوا فى أزواجكم اليتامى فانكحوا من غير النساء اليتامى ممن تدفع عن نفسها سوء الزوج فيها، أو فى مالها، وكان الرجل يتزوج يتيمة تحت حكمه، فيأكل مالها ويتزوجها بأقل من صداقها وأيضا لا يوصى لها ما أصدقها، أو كان الرجل ينفق أموال اليتامى التى عنده على أزواجه الكثيرة، فنهاهم الله عز وجل عن تزوج الكثير الذى لا يفى به ماله، فقال الله عز وجل، إن خفتم الجور فى أموال اليتامى لكثرة مؤونة أزواجكم فلا تنكحوا أكثر من أربع، وإن خفتم فى الأربع فتزوجوا ثلاثاً، أو فى ثلاث فاثنتين، أو فيهما فواحدة، وعن الحسن كانوا يتزوجون يتامى تحت حكمهم رغبة فى مالهن لافيهن، ويسيئون العشرة، ويتربصون موتهن ليرثوهن، واستعمل لفظ ما لمن هوعاقل على القلة، أو باعتبار النوع المتصف باللذة أو الحلال أو العدد المبين بعد ونحو ذلك من الأوصاف، وهذه الأمور غير عقلاء وإنما العقلاء الأفراد المتشخصة، أو تنزيلا لهن منزلة غير العاقل لنقص عقلهن، كما يتبادر فى الأرقاء من قوله تعالى: {ما ملكت أيمانكم}، وإذا اعتبرنا الحلال المذكور، وقد تقدم نزول حرمت عليكم أمهاتكم الخ فكأنه قيل انكحوا ما عهد لكم حله، وهو ما سوى المحرم، وإن تأخر نزول حرمت عليكم فالحلال مجمل بين بعد، ولا يجوز أن تكون مصدرية لبقاء طاب بلا فاعل، أى الطيب اى ذوات الطيب {مَثْنَى وَثُلاَثْ وَرُبَاعَ} عدلت تخفيفاً عما اشتقت منه من الألفاظ التى تذكر مرتين احتصاراً، عما لا يحصر، أو يحصر، واختار جواز ذلك إلى معشر وعشار، وأجاز الفراء صرفهن فى غير القرآن، واختار المنع، والخطاب لمن له ولاية على الأيتام ذكوراً وإناثاً، وإذا طابت امرأة تزوجها، وليس العبد كذلك لقوله تعالى: "أية : لا يقدر على شىء" تفسير : [النحل: 75، 76] وقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فنكاحه باطل ولا تحل له أربع"تفسير : ، وقيل تكره خلافا لمالك، كما بسطته فى الفروع، ودل أيضاً على أن الخطاب للأحرار قوله عز وجل: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا} بين هذه الأعداد كما تحقق وقوع عدم العدل منكم بينهن، وكما خفتم أن لا تعدلوا فى اليتامى {فَوَاحِدَةً} فانكحوا واحدةً {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيَمانُكُمْ} أى تسروا ما ملكت، ولو كثرت، لعدم وجوب العدل بينهن، أو بينهن وبين الحرات وخفة مؤنتهن، ولأنهن مال معرضة للبيع مثلا، ويناسب أنه لا يجوز له ما فوق الأربع أن غيلان أَسلم وتحته عشر، فقال صلى الله عليه وسلم حديث : أمسك أربعاً وفارق سائرهنتفسير : ، وأن نوفل بن معاوية أَسلم وتحته خمس فقال صلى الله عليه وسلم حديث : أمسك أربعاً، وفارق واحدةتفسير : ، ويجوز النظر للخطبة إلى وجه المرأة وكفيها ورخص إلى شعرها، وذلك برضاها، وقيل ولو بغفلة، أو من حيث لا تعلم وقد أمر صلى الله عليه وسلم رجلا بالنظر {ذَلِكَ} ما ذكر من نكاح اثنتين أوثلاث أو أربع أو واحدة أو التسرى، الخطاب عام عموماً بدليا فهو مطابق للعموم الشمولى فى قوله {أدْنَى أَلاّ تَعُولُوا} أقرب إلى انتفاء العول، أى الجور عليهن، من عال بمعنى جار أو مال، فإن ترك الإنصاف لهن ميل عن الحق، وهو جور، أو إلى انتفاء كثرة العول، وهو الإنفاق على العيال لقلة العيال كناية بعال يعول، بمعنى كثر عوله أى لازمه من المؤنة، من عال يعلو بمعنى كثر عياله، لأن كثرتهم تستلزم كثرة العولة، أى لزومها، ثم إن السريات لا يكثر العيال بهن لأن له بيع ما شاء منهن بلا نفقة فى عدة، إلا الحامل، وله بيعها باستثناء حملها، ولا يكثر العيال بهن من حيث الأولاد، لأن له أن يصب الماء خارج فروج سراريه توصلا إلى أن لا يحملن.
الالوسي
تفسير : {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} خطاب يعم المكلفين من لدن نزل إلى يوم القيامة على ما مرّ تحقيقه، وفي تناول نحو هذه الصيغة للعبيد شرعاً حتى يعمهم الحكم خلاف، فذهب الأكثرون إلى التناول لأن العبد من الناس مثلاً فيدخل في الخطاب العام له قطعاً وكونه عبداً لا يصلح مانعاً لذلك، وذهب البعض إلى عدم التناول قالوا: لأنه قد ثبت بالإجماع صرف منافع العبد إلى سيده فلو كلف بالخطاب لكان صرفاً لمنافعه إلى غير سيده وذلك تناقض فيتبع الإجماع ويترك الظاهر، وأيضاً خرج العبد عن الخطاب بالجهاد، والجمعة، والعمرة، والحج، والتبرعات، والأقارير، ونحوها، ولو كان الخطاب متناولاً له للعموم لزم التخصيص، والأصل عدمه، والجواب عن الأول: أنا لا نسلم صرف منافعه إلى سيده عموماً بل قد يستثنى من ذلك وقت تضايق العبادات حتى لو أمره السيد في آخر وقت الظهر ولو أطاعه لفاتته الصلاة وجبت عليه الصلاة، وعدم صرف منفعته في ذلك الوقت إلى السيد، وإذا ثبت هذا فالتعبد بالعبادة ليس مناقضاً لقولهم: بصرف المنافع للسيد، وعن الثاني: بأن خروجه بدليل اقتضى خروجه وذلك كخروج المريض، والمسافر، والحائض عن العمومات الدالة على وجوب الصوم، والصلاة، والجهاد، وذلك لا يدل على عدم تناولها اتفاقاً، غايته أنه خلاف الأصل ارتكب لدليل وهو جائز ثم الصحيح أن الأمم الدارجة قبل نزول هذا الخطاب لا حظ لها فيه لاختصاص الأوامر والنواهي بمن يتصور منه الامتثال، وأنى لهم به وهم تحت أطباق الثرى لا يقومون حتى ينفخ في الصور. وجوز بعضهم كون الخطاب عاماً بحيث يندرجون فيه، ثم قال: ولا يبعد أن يكون الأمر الآتي عاماً لهم أيضاً بالنسبة إلى الكلام القديم القائم بذاته تعالى، وإن كان كونه عربياً عارضاً بالنسبة إلى هذه الأمة، وفيه نظر لأن المنظور إليه إنما هو أحكام القرآن بعد النزول وإلا لكان النداء وجميع ما فيه من خطاب المشافهة مجازات ولا قائل به فتأمل، وعلى العلات لفظ (الناس) يشمل الذكور والإناث بلا نزاع، وفي شمول نحو قوله تعالى: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} خلاف، والأكثرون على أن الإناث لا يدخلن في مثل هذه الصيغة ظاهراً خلافاً للحنابلة، استدل الأولون بأنه قد روي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله إن النساء قلن ما نرى الله تعالى ذكر إلا الرجال فأنزل ذكرهن، فنفت ذكرهن مطلقاً ولو كن داخلات لما صدق نفيهن ولم يجز تقريره عليه الصلاة والسلام للنفي، وبأنه قد أجمع أرباب العربية على أن نحو هذه الصيغة جمع مذكر وأنه لتضعيف المفرد والمفرد مذكر، وبأن نظير هذه الصيغة المسلمون ولو كان مدلول المسلمات داخلاً فيه لما حسن العطف في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ} تفسير : [الأحزاب: 35] إلا باعتبار التأكيد، والتأسيس خير من التأكيد، وقال الآخرون: المعروف من أهل اللسان تغليبهم / المذكر على المؤنث عند اجتماعهما باتفاق، وأيضاً لو لم تدخل الإناث في ذلك لما شاركن في الأحكام لثبوت أكثرها بمثل هذه الصيغة، واللازم منتف بالاتفاق كما في أحكام الصلاة، والصيام، والزكاة، وأيضاً لو أوصى لرجال ونساء بمائة درهم، ثم قال: أوصيت لهم بكذا دخلت النساء بغير قرينة، وهو معنى الحقيقة فيكون حقيقة في الرجال والنساء ظاهراً فيهما وهو المطلوب. وأجيب أما عن الأول: فبأنه إنما يدل على أن الإطلاق صحيح إذا قصد الجميع، والجمهور يقولون به، لكنه يكون مجازاً ولا يلزم أن يكون ظاهراً وفيه النزاع. وأما عن الثاني: فبمنع الملازمة، نعم يلزم أن لا يشاركن في الأحكام بمثل هذه الصيغة، وما المانع أن يشاركن بدليل خارج؟ والأمر كذلك، ولذلك لم يدخلن في الجهاد والجمعة مثلاً لعدم الدليل الخارجي هناك، وأما عن الثالث: فبمنع المبادرة ثمة بلا قرينة فإن الوصية المتقدمة قرينة دالة على الإرادة، فالحق عدم دخول الإناث ظاهراً، نعم الأولى هنا القول بدخولهن باعتبار التغليب، وزعم بعضهم أن لا تغليب بل الأمر للرجال فقط كما يقتضيه ظاهر الصيغة، ودخول الإناث في الأمر ـ بالتقوى ـ للدليل الخارجي، ولا يخفى أن هذا يستدعي تخصيص لفظ الناس ببعض أفراده لأن إبقاءه حينئذ على عمومه مما يأباه الذوق السليم، والمأمور به إما الاتقاء بحيث يشمل ما كان باجتناب الكفر والمعاصي وسائر القبائح، ويتناول رعاية حقوق الناس كما يتناول رعاية حقوق الله تعالى. وأما الاتقاء في الإخلال بما يجب حفظه من الحقوق فيما بين العباد ـ وهذا المعنى مطابق لما في السورة من رعاية حال الأيتام، وصلة الأرحام، والعدل في النكاح، والإرث ونحو ذلك بالخصوص ـ بخلاف الأول فإنه إنما يطابقها من حيث العموم، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من تأييد الأمر وتأكيد إيجاد الامتثال، وكذا في وصف الرب بقوله سبحانه: {ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ} لأن الاستعمال جار على أن الوصف الذي علق به الحكم علة موجبة له، أو باعثة عليه داعية إليه، ولا يخفى أن ما هنا كذلك لأن ما ذكر يدل على القدرة العظيمة أو النعمة الجسيمة، ولا شك أن الأول: يوجب التقوى مطلقاً حذراً عن العقاب العظيم، وأن الثاني: يدعو إليها وفاءاً بالشكر الواجب؛ وإيجاب الخلق من أصل واحد للاتقاء على الاحتمال الثاني ظاهر جداً، وفي الوصف المذكور تنبيه على أن المخاطبين عالمون بما ذكر مما يستدعي التحلي بالتقوى، وفيه كمال توبيخ لمن يفوته ذلك، والمراد من النفس الواحدة آدم عليه السلام، والذي عليه الجماعة من الفقهاء والمحدثين ومن وافقهم أنه ليس سوى آدم واحد ـ وهو أبو البشر ـ وذكر صاحب «جامع الأخبار» من الإمامية في الفصل الخامس عشر خبراً طويلاً نقل فيه أن الله تعالى خلق قبل أبينا آدم ثلاثين آدم، بين كل آدم وآدم ألف سنة، وأن الدنيا بقيت خراباً بعدهم خمسين ألف سنة، ثم عمرت خمسين ألف سنة، ثم خلق أبونا آدم عليه السلام، وروى ابن بابويه في كتاب «التوحيد» عن الصادق في حديث طويل أيضاً أنه قال: لعلك ترى أن الله تعالى لم يخلق بشراً غيركم بلى والله لقد خلق ألف ألف آدم أنتم في آخر أولئك الآدميين، وقال الميثم في «شرحه الكبير على النهج» ـ ونقل عن محمد بن علي الباقر ـ أنه قال: / قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره في «فتوحاته» ما يقتضي بظاهره أن قبل آدم بأربعين ألف سنة آدم غيره، وفي كتاب «الخصائص» ما يكاد يفهم منه التعدد أيضاً الآن حيث روى فيه عن الصادق أنه قال: إن لله تعالى اثني عشر ألف عالم كل عالم منهم أكبر من سبع سماوات وسبع أرضين ما يرى عالم منهم أن لله عز وجل عالماً غيرهم، وأنى للحجة عليهم، ولعل هذا وأمثاله من أرض السمسمة وجابر ساوجاً بلقاً إن صح محمول على عالم المثال لا على هذا العالم الذي نحن فيه، وحمل تعدد آدم في ذلك العالم أيضاً غير بعيد، وأما القول بظواهر هذه الأخبار فمما لا يراه أهل السنة والجماعة، بل قد صرح زين العرب بكفر من يعتقد التعدد، نعم إن آدمنا هذا عليه السلام مسبوق بخلق آخرين كالملائكة والجن وكثير من الحيوانات وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى لا بخلق أمثاله وهو حادث نوعاً وشخصاً خلافاً لبعض الفلاسفة في زعمهم قدم نوع الإنسان، وذهب الكثير منا إلى أنه منذ كان إلى زمن البعثة ستة آلاف سنة وأن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة ورووا أخباراً كثيرة في ذلك، والحق عندي أنه كان بعد أن لم يكن ولا يكون بعد أن كان، وأما أنه متى كان ومتى لا يكون فمما لا يعلمه إلا الله تعالى، والأخبار مضطربة في هذا الباب فلا يكاد يعوّل عليها. والقول ـ بأن النفس الكلي يجلس لفصل القضاء بين الأنفس الجزئية في كل سبعة آلاف سنة مرة وأن قيام الساعة بعد تمام ألف البعثة محمول على ذلك ـ فمما لا أرتضيه ديناً ولا أختاره يقيناً. والخطاب في ربكم و خلقكم للمأمورين وتعميمه بحيث يشمل الأمم السالفة مع بقاء ما تقدم من الخطاب غير شامل بناءاً على أن شمول ربوبيته تعالى وخلقه للكل أتم في تأكيد الأمر السابق مع أن فيه تفكيكاً للنظم مستغنى عنه لأن خلقه تعالى للمأمورين من نفس آدم عليه السلام حيث كانوا بواسطة ما بينه وبينهم من الآباء والأمهات كان التعرض لخلقهم متضمناً لحق الوسائط جميعاً، وكذا التعرض لربوبيته تعالى لهم متضمن لربوبيته تعالى لأصولهم قاطبة لا سيما وقد أردف الكلام بقوله تعالى شأنه: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وهو عطف على {خَلَقَكُمْ} داخل معه في حيز الصلة، وأعيد الفعل لإظهار ما بين الخلقين من التفاوت لأن الأول: بطريق التفريع من الأصل، والثاني: بطريق الإنشاء من المادة فإن المراد من الزوج حواء وهي قد خلقت من ضلع آدم عليه السلام الأيسر كما روي ذلك عن ابن عمر وغيره، وروى الشيخان «حديث : استوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع، وإنّ أعوجَ شيء من الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج»تفسير : وأنكر أبو مسلم خلقها من الضلع لأنه سبحانه قادر على خلقها من التراب فأي فائدة في خلقها من ذلك، وزعم أن معنى {مِنْهَا} من جنسها والآية على حد قوله تعالى: {أية : جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} تفسير : [النحل: 72] ووافقه على ذلك بعضهم مدعياً أن القول بما ذكر يجر إلى القول بأن آدم عليه السلام كان ينكح بعضه بعضاً، وفيه من الاستهجان ما لا يخفى، وزعم بعض أن حواء كانت حورية خلقت مما خلق منه الحور بعد أن أسكن آدم الجنة وكلا القولين باطل، أما الثاني: فلأنه ليس في الآيات ولا الأحاديث ما يتوهم منه الإشارة إليه أصلاً فضلاً عن التصريح به، ومع هذا يقال عليه: إن الحور خلقن من زعفران الجنة ـ كما ورد في بعض الآثار ـ فإن كانت حواء مخلوقة مما خلقن منه ـ كما هو نص كلام الزاعم ـ فبينها وبين آدم عليه السلام المخلوق من تراب الدنيا بُعدٌ كلّي يكاد يكون افتراقاً في الجنسية التي ربما توهمها الآية، ويستدعي / بعد وقوع التناسل بينهما في هذه النشأة وإن كانت مخلوقة مما خلق منه آدم فهو مع كونه خلاف نص كلامه يردّ عليه إن هذا قول بما قاله أبو مسلم وإلا يكنه فهو قريب منه، وأما الأول: فلأنه لو كان الأمر كما ذكر فيه لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة وهو خلاف النص، وأيضاً هو خلاف ما نطقت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يردّ على الثاني أيضاً. والقول بأنه أي فائدة في خلقها من ضلع والله تعالى قادر على أن يخلقها من تراب؟ يقال عليه: إن فائدة ذلك سوى الحكمة التي خفيت عنا إظهار أنه سبحانه قادر على أن يخلق حياً من حي لا على سبيل التوالد ـ كما أنه قادر على أن يخلق حياً من جماد كذلك ـ ولو كانت القدرة على الخلق من التراب مانعة عن الخلق من غيره لعدم الفائدة لخلق الجميع من التراب بلا واسطة لأنه سبحانه ـ كما أنه قادر على خلق آدم من التراب ـ هو قادر على خلق سائر أفراد الإنسان منه أيضاً، فما هو جوابكم عن خلق الناس بعضهم من بعض مع القدرة على خلقهم كخلق آدم عليه السلام فهو جوابنا عن خلق حواء من آدم مع القدرة على خلقها من تراب والقول: بأن ذلك يجرّ إلى ما فيه استهجان لا يخفى ما فيه. لأن هذا التشخص الخاص الحاصل لذلك الجزء بحيث لم يبق من تشخصه الأصلي شيء ظاهر يدفع الاستهجان الذي لا مقتضي له إلا الوهم الخالص لا سيما والحكمة تقتضي ذلك التناكح الكذائي. فقد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن حواء لما انفصلت من آدم عمر موضعها منه بالشهوة النكاحية التي بها وقع الغشيان لظهور التوالد والتناسل وكان الهواء الخارج الذي عمر موضعه جسم حواء عند خروجها إذ لا خلاء في العالم فطلب ذلك الجزء الهوائي موضعه الذي أخذته حواء بشخصيتها فحرك آدم لطلب موضعه فوجده معموراً بحواء، فوقع عليها فلما تغشاها حملت منه فجاءت بالذرية فبقي بعد ذلك سنة جارية في الحيوان من بني آدم وغيره بالطبع، لكن الإنسان هو الكلمة الجامعة ونسخة العالم فكل ما في العالم جزء منه، وليس الإنسان بجزء لواحد من العالم وكان سبب الفصل وإيجاد هذا المنفصل الأول طلب الأنس بالمشاكل في الجنس الذي هو النوع الأخص، وليكون في عالم الأجسام بهذا الالتحام الطبيعي للإنسان الكامل بالصورة التي أرادها الله تعالى ما يشبه القلم الأعلى واللوح المحفوظ الذي يعبر عنه بالعقل الأول والنفس الكلية انتهى. ويفهم من كلامهم أن هذا الخلق لم يقع هكذا إلا بين هذين الزوجين دون سائر أزواج الحيوانات ولم أظفر في ذلك بما يشفي الغليل، نعم أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن زوج إبليس عليهما اللعنة خلقت من خلفه الأيسر؛ والخلف ـ كما في «الصحاح» ـ أقصر أضلاع الجنب، وبذلك فسره الضحاك في هذا المقام، وإنما أخر بيان خلق الزوج عن بيان خلق المخاطبين لما أن تذكير خلقهم أدخل في تحقيق ماهو المقصود من حملهم على امتثال الأمر من تذكير خلقها، وقدم الجار للاعتناء ببيان مبدئية آدم عليه السلام لها مع ما في التقديم من التشويق إلى المؤخر، واختير عنوان الزوجية تمهيداً لما بعده من التناسل. وذهب بعض المحققين إلى جواز عطف هذه الجملة على مقدر ينبىء عنه السوق لأن تفريع الفروع من أصل واحد يستدعي إنشاء ذلك الأصل لا محالة، كأنه قيل: خلقكم من نفس واحدة خلقها أولاً وخلق منها زوجها الخ، وهذا المقدر إما استئناف مسوق لتقرير وحدة المبدأ، وبيان كيفية خلقهم منه بتفصيل ما أجمل أولاً، وإما صفة لنفس مفيدة لذلك، وأوجب بعضهم هذا التقدير على تقدير جعل الخطاب فيما تقدم عاماً في الجنس، ولعل ذلك لأنه لولا التقدير حينئذ لكان هذا مع قوله تعالى: {وَبَثَّ مِنْهُمَا} أي نشر وفرق من تلك النفس / وزوجها على وجه التناسل والتوالد {رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً} تكراراً لقوله سبحانه: {خَلَقَكُمْ} لأن مؤداهما واحد وليس على سبيل بيان الأول لأنه معطوف عليه على عدم التقدير ولأوهم أن الرجال والنساء غير المخلوقين من نفس واحدة، وأنهم منفردون بالخلق منها ومن زوجها، والناس إنما خلقوا من نفس واحدة من غير مدخل للزوج، ولا يلزم ذلك على العطف؛ وجعل المخاطب ـ بخلقكم ـ من بعث إليهم عليه الصلاة والسلام إذ يكون (وبث منهما) الخ واقعاً على من عدا المبعوث إليهم من الأمم الفائتة للحصر، والتوهم في غاية البعد وكذا لا يلزم على تقدير حذف المعطوف عليه وجعل الخطاب عاماً لأن ذلك المحذوف وما عطف عليه يكونان بياناً لكيفية الخلق من تلك النفس، ومن الناس من ادعى أنه لا مانع من جعل الخطاب عاماً من غير حاجة إلى تقدير معطوف عليه معه، وإلى ذلك ذهب صاحب «التقريب»، والمحذور الذي يذكرونه ليس بمتوجه إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس واحدة خلق زوجها منه ولاخلق الرجال والنساء من الأصلين جميعاً. والمعطوف متكفل ببيان ذلك، وقد ذكر غير واحد أن اللازم في العطف تغاير المعطوفات ولو من وجه وهو هنا محقق بلا ريب كما لا يخفى، والتلوين في {رّجَالاً وَنِسَاءً} للتكثير، و {كَثِيراً} نعت لرجالاً مؤكد لما أفاده التنكير، والإفراد باعتبار معنى الجمع، أو العدد، أو لرعاية صيغة فعيل، ونقل أبو البقاء أنه نعت لمصدر محذوف أي بثاً كثيراً ولهذا أفرد، وجعله صفة حين ـ كما قيل ـ تكلف سمج، وليس المراد بالرجال والنساء البالغين والبالغات، بل الذكور والإناث مطلقاً تجوزاً، ولعل إيثارهما على الذكور والإناث لتأكيد الكثرة والمبالغة فيها بترشيح كل فرد من الأفراد المبثوثة لمبدئية غيره، وقيل: ذكر الكبار منهم لأنه في معرض المكلفين بالتقوى واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها لأن الحكمة تقتضي أن يكنّ أكثر إذ للرجل أن يزيد في عصمته على واحدة بخلاف المرأة قاله الخطيب، واحتج بعضهم بالآية على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة وأن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال، وأجيب بأنه لا يلزم من إحداث شيء في صورة واحدة من المادة لحكمة أن يتوقف الإحداث على المادة في جميع الصور، على أن الآية لا تدل على أكثر من خلقنا وخلق الزوج مما ذكر سبحانه وهو غير واف بالمدعى، وقرىء ـ وخالق، وباث ـ على حذف المبتدأ لأنه صلة لعطفه على الصلة فلا يكون إلا جملة بخلاف نحو ـ زيد ركب وذاهب ـ أي وهو ـ خالق وباث ـ. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ} تكرير للأمر الأول وتأكيد له، والمخاطب مَن بعث إليهم صلى الله عليه وسلم أيضاً كما مر، وقيل: المخاطب هنا وهناك هم العرب ـ كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ لأن دأبهم هذا التناشد، وقيل: المخاطب هناك من بعث إليهم مطلقاً وهنا العرب خاصة، وعموم أول الآية لا يمنع خصوص آخرها كالعكس ولا يخفى ما فيه من التفكيك، ووضع الاسم الجليل موضع الضمير للإشارة إلى جميع صفات الكمال ترقياً بعد صفة الربوبية فكأنه قيل: اتقوه لربوبيته وخلقه إياكم خلقاً بديعاً ولكونه مستحقاً لصفات الكمال كلها. وفي تعليق الحكم بما في حيز الصلة إشارة إلى بعض آخر من موجبات الامتثال، فإن قول القائل لصاحبه: أسألك بالله، وأنشدك الله تعالى على سبيل الاستعطاف يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه، و تساءلون إما بمعنى يسأل بعضكم بعضاً فالمفاعلة على ظاهرها، وإما بمعنى تسألون ـ كما قرىء به ـ وتفاعل يرد بمعنى فعل إذا تعدد فاعله وأصله على القراءة المشهورة ـ تتساءلون ـ بتاءين فحذفت إحداهما للثقل، وقرأ نافع وابن كثير، / وسائر أهل الكوفة {تَسَاءلُونَ} بادغام تاء الفاعل في السين لتقاربهما في الهمس. {وَٱلأَرْحَامَ} بالنصب وهو معطوف إما على محل الجار والمجرور إن كان المحل لهما، أو على محل المجرور إن كان المحل له، والكلام على حدّ مررت بزيد، وعمراً، وينصره قراءة (تسألون به وبالأرحام) وأنهم كانوا يقرنونها في السؤال والمناشدة بالله تعالى ويقولون: أسألك بالله تعالى وبالله سبحانه وبالرحم ـ كما أخرج ذلك غير واحد ـ عن مجاهد، وهو اختيار الفارسي وعلي بن عيسى؛ وإما معطوف على الاسم الجليل أي اتقوا الله تعالى والأرحام وصلوها ولا تقطعوها فإن قطعها مما يجب أن يتقى، وهو رواية ابن حميد عن مجاهد والضحاك عن ابن عباس، وابن المنذر عن عكرمة، وحكي عن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه واختاره الفراء والزجاج، وجوز الواحدي النصب على الإغراء أي والزموا الأرحام وصلوها، وقرأ حمزة بالجر، وخرجت في المشهور على العطف على الضمير المجرور، وضعف ذلك أكثر النحويين بأن الضمير المجرور كبعض الكلمة لشدة اتصاله بها فكما لا يعطف على جزء الكلمة لا يعطف عليه. وأول من شنع على حمزة في هذه القراءة أبو العباس المبرد حتى قال: لا تحل القراءة بها، وتبعه في ذلك جماعة ـ منهم ابن عطية ـ وزعم أنه يردها وجهان: أحدهما: أن ذكر أن الأرحام مما يتساءل بها لا معنى له في الحض على تقوى الله تعالى، ولا فائدة فيها أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها، وهذا مما يغض من الفصاحة، والثاني: أن في ذكرها على ذلك تقرير التساؤل بها والقسم بحرمتها، والحديث الصحيح يرد ذلك، فقد أخرج الشيخان عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كان حالفاً فليحلف بالله تعالى أو ليصمت»تفسير : . وأنت تعلم أن حمزة لم يقرأ كذلك من نفسه ولكن أخذ ذلك بل جميع القرآن عن سليمان بن مهران الأعمش والإمام بن أعين ومحمد بن أبـى ليلى، وجعفر بن محمد الصادق ـ وكان صالحاً ورعاً ثقة في الحديث ـ من الطبقة الثالثة. وقد قال الإمام أبو حنيفة والثوري ويحيـى بن آدم في حقه غلب حمزة الناس على القراءة والفرائض، وأخذ عنه جماعة وتلمذوا عليه منهم إمام الكوفة ـ قراءة وعربية ـ أبو الحسن الكسائي، وهو أحد القراء السبع الذين قال أساطين الدين: إن قراءتهم متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع هذا لم يقرأ بذلك وحده بل قرأ به جماعة من غير السبعة كابن مسعود وابن عباس وإبراهيم النخعي والحسن البصري وقتادة ومجاهد وغيرهم ـ كما نقله ابن يعيش ـ فالتشنيع على هذا الإمام في غاية الشناعة ونهاية الجسارة والبشاعة وربما يخشى منه الكفر، وما ذكر من امتناع العطف على الضمير المجرور هو مذهب البصريين ولسنا متعبدين باتباعهم، وقد أطال أبو حيان في «البحر» الكلام في الرد عليهم، وادعى أن ما ذهبوا إليه غير صحيح، بل الصحيح ماذهب إليه الكوفيون من الجواز وورد ذلك في لسان العرب نثراً ونظماً، وإلى ذلك ذهب ابن مالك، وحديث إن ذكر الأرحام ـ حينئذ لا معنى له في الحض على تقوى الله تعالى ـ ساقط من القول لأن التقوى إن أريد بها تقوى خاصة ـ وهي التي في حقوق العباد التي من جملتها صلة الرحم فالتساؤل بالأرحام مما يقتضيه بلا ريب، وإن أريد الأعم فلدخوله فيها وأما شبهة أن في ذكرها تقرير التساؤل بها، والقسم بحرمتها والحديث يرد ذلك للنهي فيه عن الحلف بغير الله تعالى، فقد قيل في جوابها: لا نسلم أن الحلف بغير الله تعالى مطلقاً منهي عنه، بل المنهي عنه ما كان مع اعتقاد وجوب البر، وأما الحلف على سبيل التأكيد مثلاً فمما لا بأس به ففي الخبر «أفلح وأبيه إن صدق». وقد ذكر بعضهم أن قول الشخص لآخر: أسألك بالرحم أن تفعل كذا ليس الغرض منه سوى الاستعطاف / وليس هو ـ كقول القائل ـ والرحم لأفعلن كذا، ولقد فعلت كذا، فلا يكون متعلق النهي في شيء، والقول بأن المراد هٰهنا حكاية ما كانوا يفعلون في الجاهلية ـ لا يخفى ما فيه فافهم ـ وقد خرج ابن جني هذه القراءة على تخريج آخر، فقال في «الخصائص»: باب في أن المحذوف إذا دلت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به من ذلك.شعر : رسـم دار وقفــت فـي طللـــه تفسير : أي رب رسم دار، وكان رؤبة إذا قيل له: كيف أصبحت؟ يقول: خير عافاك الله تعالى ـ أي بخير ـ ويحذف الباء لدلالة الحال عليها، وعلى نحو من هذا تتوجه عندنا قراءة حمزة وفي «شرح المفصل» أن الباء في هذه القراءة محذوفة لتقدم ذكرها، وقد مشى على ذلك أيضاً الزمخشري في «أحاجيه»، وذكر صاحب «الكشف» أنه أقرب من التخريج الأول عند أكثر البصرية لثبوت إضمار الجار في نحو ـ الله لأفعلن ـ وفي نحو ـ ما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك ـ والحمل على ما ثبت هو الوجه، ونقل عن بعضهم أن الواو للقسم على نحو ـ اتق الله تعالى فوالله إنه مطلع عليك ـ وترك الفاء لأن الاستئناف أقوى الأصلين وهو وجه حسن. وقرأ ابن زيد {وَٱلأَرْحَامَ} بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي والأرحام كذلك أي مما يتقى لقرينة {ٱتَّقُواْ} أو مما يتساءل به لقرينة {تَسَاءلُونَ} وقدره ابن عطية ـ أهل لأن توصل ـ وابن جني ـ مما يجب أن توصلوه وتحتاطوا فيه ـ ولعل الجملة حينئذ معترضة وإلا ففي العطف خفاء، وقد نبه سبحانه إذ قرن الأرحام باسمه سبحانه على أن صلتها بمكان منه تعالى، وقد أخرج الشيخان عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال: نعم أما ترضين أني أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت: بلى قال: فذلك لك»تفسير : وأخرج البزار بإسناد حسن «حديث : الرحم حجنة متمسكة بالعرش تكلم بلسان زلق اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني فيقول الله تعالى: أنا الرحمن أنا الرحيم فإني شققت الرحم من اسمي فمن وصلها وصلته ومن بتكها بتكته»تفسير : . وأخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح: «حديث : إن من أربى الربا الاستطالة بغير حق وإن هذه الرحم شجنة من الرحمن فمن قطعها حرم الله تعالى عليه الجنة»تفسير : . والأخبار في هذا الباب كثيرة، والمراد بالرحم الأقارب ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب وإن بَعُدَ، ويطلق على الأقارب من جهة النساء وتخصيصه في باب الصلة بمن ينتهي إلى رحم الأم منقطع عن القبول إذ قد ورد الأمر بالإحسان إلى الأقارب مطلقاً. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} أي حفيظاً ـ قاله مجاهد ـ فهو من رقبه بمعنى حفظه ـ كما قاله الراغب ـ وقد يفسر بالمطلع، ومنه المرقب للمكان العالي الذي يشرف عليه ليطلع على ما دونه، ومن هنا فسره ابن زيد بالعالم، وعلى كل فهو فعيل بمعنى فاعل، والجملة في موضع التعليل للأمر ووجوب الامتثال، وإظهار الاسم الجليل لتأكيده وتقديم الجار لرعاية الفواصل.
سيد قطب
تفسير : هذا الشوط الأول في السورة يبدأ بآية الافتتاح، التي ترد "الناس" إلى رب واحد، وخالق واحد؛ كما تردهم إلى أصل واحد، وأسرة واحدة، وتجعل وحدة الإنسانية هي "النفس" ووحدة المجتمع هي الأسرة، وتستجيش في النفس تقوى الرب، ورعاية الرحم.. لتقيم على هذا الأصل الكبير كل تكاليف التكافل والتراحم في الأسرة الواحدة، ثم في الإنسانية الواحدة. وترد إليه سائر التنظيمات والتشريعات التي تتضمنها السورة. وهذا الشوط يضم من تلك التكاليف ومن هذه التشريعات، ما يتعلق بالضعاف في الأسرة وفي الإنسانية من اليتامى، وتنظم طريقة القيام عليهم وعلى أموالهم كما تنظم طريقة انتقال الميراث بين أفراد الأسرة الواحدة، وأنصباء الأقرباء المتعددي الطبقات والجهات، في الحالات المتعددة.. وهي ترد هذا كله إلى الأصل الكبير الذي تضمنته آية الافتتاح، مع التذكير بهذا الأصل في مطالع بعض الآيات أو في ثناياها، أو في خواتيمها، توثيقاً للارتباط بين هذه التنظيمات والتشريعات، وبين الأصل الذي تنبثق منه، وهو الربوبية, التي لها حق التشريع والتنظيم، هذا الحق الذي منه وحده ينبثق كل تشريع وكل تنظيم. {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء. واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إن الله كان عليكم رقيباً}.. إنه الخطاب "للناس".. بصفتهم هذه، لردهم جميعاً إلى ربهم الذي خلقهم.. والذي خلقهم {من نفس واحدة}.. {وخلق منها زوجها. وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء}.. إن هذه الحقائق الفطرية البسيطة لهي حقائق كبيرة جداً، وعميقة جداً, وثقيلة جداً.. ولو ألقى "الناس" أسماعهم وقلوبهم إليها لكانت كفيلة بإحداث تغييرات ضخمة في حياتهم، وبنقلهم من الجاهلية - أو من الجاهليات المختلفة - إلى الإيمان والرشد والهدى، وإلى الحضارة الحقيقية اللائقة "بالناس" و"بالنفس" واللائقة بالخلق الذي ربه وخالقه هو الله.. إن هذه الحقائق تجلو للقلب والعين مجالاً فسيحاً لتأملات شتى: 1- إنها ابتداء تذكر "الناس" بمصدرهم الذي صدروا عنه؛ وتردهم إلى خالقهم الذي أنشأهم في هذه الأرض.. هذه الحقيقة التي ينساها "الناس" فينسون كل شيء! ولا يستقيم لهم بعدها أمر! إن الناس جاءوا إلى هذا العالم بعد أن لم يكونوا فيه.. فمن الذي جاء بهم؟ أنهم لم يجيئوا إليه بإرادتهم. فقد كانوا - قبل أن يجيئوا - عدماً لا إرادة له.. لا إرادة له تقرر المجيء أو عدم المجيء. فإرادة أخرى - إذن - غير إرادتهم، هي التي جاءت بهم إلى هنا.. إرادة أخرى - غير إرادتهم - هي التي قررت أن تخلقهم إرادة أخرى - غير إرادتهم - هي التي رسمت لهم الطريق، وهي التي اختارت لهم خط الحياة.. إرادة أخرى - غير إرادتهم - هي التي منحتهم وجودهم ومنحتهم خصائص وجودهم، ومنحتهم استعداداتهم ومواهبهم، ومنحتهم القدرة على التعامل مع هذا الكون الذي جيء بهم إليه من حيث لا يشعرون! وعلى غير استعداد، إلا الاستعداد الذي منحتهم إياه تلك الإرادة التي تفعل ما تريد. ولو تذكر الناس هذه الحقيقة البديهية التي يغفلون عنها لثابوا إلى الرشد من أول الطريق.. إن هذه الإرادة التي جاءت بهم إلى هذا العالم، وخطت لهم طريق الحياة فيه، ومنحتهم القدرة على التعامل معه، لهي وحدها التي تملك لهم كل شيء، وهي وحدها التي تعرف عنهم كل شيء، وهي وحدها التي تدبر أمرهم خير تدبير. وإنها لهي وحدها صاحبة الحق في أن ترسم لهم منبع حياتهم، وأن تشرع لهم أنظمتهم وقوانينهم، وأن تضع لهم قيمهم وموازينهم. وهي وحدها التي يرجعون إليها وإلى منهجها وشريعتها وإلى قيمها وموازينها عند الاختلاف في شأن من هذه الشؤون، فيرجعون إلى النهج الواحد الذي أراده الله رب العالمين. 2- كما أنها توحي بأن هذه البشرية التي صدرت من إرادة واحدة، تتصل في رحم واحدة، وتلتقي في وشيجة واحدة، وتنبثق من أصل واحد، وتنتسب إلى نسب واحد: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء}.. ولو تذكر الناس هذه الحقيقة، لتضاءلت في حسهم كل الفروق الطارئة، التي نشأت في حياتهم متأخرة، ففرقت بين أبناء "النفس" الواحدة، ومزقت وشائج الرحم الواحدة، وكلها ملابسات طارئة ما كان يجوز أن تطغى على مودة الرحم وحقها في الرعاية، وصلة النفس وحقها في المودة، وصلة الربوبية وحقها في التقوى. واستقرار هذه الحقيقة كان كفيلاً باستبعاد الصراع العنصري، الذي ذاقت منه البشرية ما ذاقت، وما تزال تتجرع منه حتى اللحظة الحاضرة؛ في الجاهلية الحديثة، التي تفرق بين الألوان، وتفرق بين العناصر، وتقيم كيانها على أساس هذه التفرقة، وتذكر النسبة إلى الجنس والقوم، وتنسى النسبة إلى الإنسانية الواحدة والربوبية الواحدة. واستقرار هذه الحقيقة كان كفيلاً كذلك باستبعاد الاستعباد الطبقي السائد في وثنية الهند والصراع الطبقي، الذي تسيل فيه الدماء أنهاراً في الدول الشيوعية، والذي ما تزال الجاهلية الحديثة تعتبره قاعدة فلسفتها المذهبية, ونقطة انطلاقها إلى تحطيم الطبقات كلها، لتسويد طبقة واحدة، ناسية النفس الواحدة التي انبثق منها الجميع، والربوبية الواحدة التي يرجع إليها الجميع! 3- والحقيقة الأخرى التي تتضمنها الإشارة إلى أنه من النفس الواحدة {خلق منها زوجها}.. كانت كفيلة - لو أدركتها البشرية - أن توفر عليها تلك الأخطاء الأليمة، التي تردت فيها، وهي تتصور في المرأة شتى التصورات السخيفة، وتراها منبع الرجس والنجاسة، وأصل الشر والبلاء.. وهي من النفس الأولى فطرة وطبعاً، خلقها الله لتكون لها زوجاً وليبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، فلا فارق في الأصل والفطرة، إنما الفارق في الاستعداد والوظيفة.. ولقد خبطت البشرية في هذا التيه طويلاً. جردت المرأة من كل خصائص الإنسانية وحقوقها. فترة من الزمان. تحت تأثير تصور سخيف لا أصل له. فلما أن أرادت معالجة هذا الخطأ الشنيع اشتطت في الضفة الأخرى، وأطلقت للمرأة العنان، ونسيت أنها إنسان خلقت لإنسان، ونفس خلقت لنفس، وشطر مكمل لشطر، وأنهما ليسا فردين متماثلين، إنما هما زوجان متكاملان. والمنهج الرباني القويم يرد البشرية إلى هذه الحقيقة البسيطة بعد ذلك الضلال البعيد.. 4- كذلك توحي الآية بأن قاعدة الحياة البشرية هي الأسرة، فقد شاء الله أن تبدأ هذه النبتة في الأرض بأسرة واحدة. فخلق ابتداء نفساً واحدة، وخلق منها زوجها. فكانت أسرة من زوجين. {وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء}.. ولو شاء الله لخلق - في أول النشأة - رجالاً كثيراً ونساء، وزوجهم، فكانوا أسراً شتى من أول الطريق. لا رحم بينها من مبدأ الأمر. ولا رابطة تربطها إلا صدورها عن إرادة الخالق الواحد. وهي الوشيجة الأولى. ولكنه - سبحانه - شاء لأمر يعلمه ولحكمة يقصدها، أن يضاعف الوشائج. فيبدأ بها من وشيجة الربوبية - وهي أصل وأول الوشائج - ثم يثني بوشيجة الرحم، فتقوم الأسرة الأولى من ذكر وأنثى -هما من نفس واحدة وطبيعة واحدة وفطرة واحدة - ومن هذه الأسرة الأولى يبث رجالاً كثيراً ونساء، كلهم يرجعون ابتداء إلى وشيجة الربوبية، ثم يرجعون بعدها إلى وشيجة الأسرة. التي يقوم عليها نظام المجتمع الإنساني. بعد قيامه على أساس العقيدة. ومن ثم هذه الرعاية للأسرة في النظام الإسلامي، وهذه العناية بتوثيق عراها، وتثبيت بنيانها، وحمايتها من جميع المؤثرات التي توهن هذا البناء - وفي أول هذه المؤثرات مجانبة الفطرة، وتجاهل استعدادات الرجل واستعدادات المرأة وتناسق هذه الاستعدادات مع بعضها البعض، وتكاملها لإقامة الأسرة من ذكر وأنثى. وفي هذه السورة وفي غيرها من السور حشد من مظاهر تلك العناية بالأسرة في النظام الإسلامي.. وما كان يمكن أن يقوم للأسرة بناء قوي، والمرأة تلقى تلك المعاملة الجائرة، وتلك النظرة الهابطة التي تلقاها في الجاهلية - كل جاهلية - ومن ثم كانت عناية الإسلام بدفع تلك المعاملة الجائرة ورفع هذه النظرة الهابطة. 5- وأخيراً فإن نظرة إلى التنوع في خصائص الأفراد واستعداداتهم - بعد بثهم من نفس واحدة وأسرة واحدة - على هذا المدى الواسع، الذي لا يتماثل فيه فردان قط تمام التماثل، على توالي العصور، وفيما لا يحصى عدده من الأفراد في جميع الأجيال.. التنوع في الأشكال والسمات والملامح. والتنوع في الطباع والأمزجة والأخلاق والمشاعر. والتنوع في الاستعدادات والاهتمامات والوظائف.. إن نظرة إلى هذا التنوع المنبثق من ذلك التجمع لتشي بالقدرة المبدعة على غير مثال، المدبرة عن علم وحكمة، وتطلق القلب والعين يجولان في ذلك المتحف الحي العجيب، يتمليان ذلك الحشد من النماذج التي لا تنفد، والتي دائماً تتجدد، والتي لا يقدر عليها إلا الله، ولا يجرؤ أحد على نسبتها لغير الله. فالإرادة التي لا حد لما تريد، والتي تفعل ما تريد، هي وحدها التي تملك هذا التنويع الذي لا ينتهي، من ذلك الأصل الواحد الفريد! والتأمل في "الناس" على هذا النحو كفيل بأن يمنح القلب زاداً من الأنس والمتاع فوق زاد الإيمان والتقوى.. وهو كسب فوق كسب، وارتفاع بعد ارتفاع! وفي ختام آية الافتتاح التي توحي بكل هذه الحشود من الخواطر، يردّ "الناس" إلى تقوى الله، الذي يسأل بعضهم بعضاً به، وإلى تقوى الأرحام التي يرجعون إليها جميعاً: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام}.. واتقوا الله الذي تتعاهدون باسمه، وتتعاقدون باسمه، ويسأل بعضكم بعضاً الوفاء باسمه، ويحلف بعضكم لبعض باسمه.. اتقوه فيما بينكم من الوشائج والصلات والمعاملات. .. وتقوى الله مفهومة ومعهودة لتكرارها في القرآن. أما تقوى الأرحام، فهي تعبير عجيب. يلقي ظلاله الشعورية في النفس. ثم لا يكاد الإنسان يجد ما يشرح به تلك الظلال! اتقوا الأرحام. أرهفوا مشاعركم للإحساس بوشائجها. والإحساس بحقها. وتوقي هضمها وظلمها، والتحرج من خدشها ومسها.. توقوا أن تؤذوها، وأن تجرحوها، وأن تغضبوها.. أرهفوا حساسيتكم بها، وتوقيركم لها، وحنينكم إلى نداها وظلها. ثم رقابة الله يختم بها الآية الموحية: {إن الله كان عليكم رقيباً}.. وما أهولها رقابة! والله هو الرقيب! وهو الرب الخالق الذي يعلم من خلق، وهو العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية، لا في ظواهر الأفعال ولا في خفايا القلوب. من هذا الافتتاح القوي المؤثر، ومن هذه الحقائق الفطرية البسيطة، ومن هذا الأصل الأساسي الكبير، يأخذ في إقامة الأسس التي ينهض عليها نظام المجتمع وحياته: من التكافل في الأسرة والجماعة، والرعاية لحقوق الضعاف فيها، والصيانة لحق المرأة وكرامتها، والمحافظة على أموال الجماعة في عمومها، وتوزيع الميراث على الورثة بنظام يكفل العدل للأفراد والصلاح للمجتمع.. ويبدأ فيأمر الأوصياء على اليتامى أن يردوا لهم أموالهم كاملة سالمة متى بلغوا سن الرشد. وألا ينكحوا القاصرات اللواتي تحت وصايتهم طمعاً في أموالهن. أما السفهاء الذين يُخْشَى من إتلافهم للمال، إذا هم تسلموه، فلا يعطى لهم المال، لأنه في حقيقته مال الجماعة، ولها فيه قيام ومصلحة، فلا يجوز أن تسلمه لمن يفسد فيه، وأن يراعوا العدل والمعروف في عشرتهم للنساء عامة. {وآتوا اليتامى أموالهم، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم. إنه كان حوباً كبيراً. وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا. وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هينئاً مريئاً. ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً، وارزقوهم فيها واكسوهم، وقولوا لهم قولاً معروفاً. وابتلوا اليتامى، حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم، ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا. ومن كان غنياً فليستعفف، ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف. فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم، وكفى بالله حسيباً}.. وتشي هذه التوصيات المشددة - كما قلنا - بما كان واقعاً في الجاهلية العربية من تضييع لحقوق الضعاف بصفة عامة. والأيتام والنساء بصفة خاصة.. هذه الرواسب التي ظلت باقية في المجتمع المسلم المقتطع أصلاً من المجتمع الجاهلي - حتى جاء القرآن يذيبها ويزيلها، وينشىء في الجماعة المسلمة تصورات جديدة، ومشاعر جديدة، وعرفاً جديداً، وملامح جديدة. {وآتوا اليتامى أموالهم، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم، إنه كان حوباً كبيراً}.. أعطوا اليتامى أموالهم التي تحت أيديكم، ولا تعطوهم الرديء في مقابل الجيد. كأن تأخذوا أرضهم الجيدة، وتبدلوهم منها من أرضكم الرديئة، أو ماشيتهم، أو أسهمهم، أو نقودهم - وفي النقد الجيد ذو القيمة العالية والرديء ذو القيمة الهابطة - أو أي نوع من أنواع المال، فيه الجيد وفيه الرديء.. وكذلك لا تأكلوا أموالهم بضمها إلى أموالكم، كلها أو بعضها.. إن ذلك كله كان ذنباً كبيراً. والله يحذركم من هذا الذنب الكبير.. فلقد كان هذا كله يقع إذن في البيئة التي خوطبت بهذه الآية أول مرة. فالخطاب يشي بأنه كان موجهاً إلى مخاطبين فيهم من تقع منه هذه الأمور. وهي أثر مصاحب من آثار الجاهلية.. وفي كل جاهلية يقع مثل هذا. ونحن نرى أمثاله في جاهليتنا الحاضرة في المدن والقرى. وما تزال أموال اليتامى تؤكل بشتى الطرق، وشتى الحيل، من أكثر الأوصياء، على الرغم من كل الاحتياطات القانونية، ومن رقابة الهيئات الحكومية المخصصة للإشراف على أموال القصر. فهذه المسألة لا تفلح فيها التشريعات القانوينة، ولا الرقابة الظاهرية.. كلا لا يفلح فيها إلا أمر واحد.. التقوى.. فهي التي تكفل الرقابة الداخلية على الضمائر، فتصبح للتشريع قيمته وأثره. كما وقع بعد نزول هذه الآية، إذ بلغ التحرج من الأوصياء أن يعزلوا مال اليتيم عن مالهم، ويعزلوا طعامه عن طعامهم، مبالغة في التحرج والتوقي من الوقوع في الذنب العظيم، الذي حذرهم الله منه وهو يقول: {إنه كان حوباً كبيراً}.. إن هذه الأرض لا تصلح بالتشريعات والتنظيمات.. ما لم يكن هناك رقابة من التقوى في الضمير لتنفيذ التشريعات والتنظيمات.. وهذه التقوى لا تجيش - تجاه التشريعات والتنظيمات - إلا حين تكون صادرة من الجهة المطلعة على السرائر، الرقيبة على الضمائر.. عندئذ يحس الفرد - وهو يهم بانتهاك حرمة القانون - أنه يخون الله، ويعصي أمره، ويصادم إرادته؛ وأن الله مطلع على نيته هذه وعلى فعله.. وعندئذ تتزلزل أقدامه، وترتجف مفاصله، وتجيش تقواه.. إن الله أعلم بعباده، وأعرف بفطرتهم، وأخبر بتكوينهم النفسي والعصبي - وهو خلقهم - ومن ثم جعل التشريع تشريعه، والقانون قانونه، والنظام نظامه، والمنهج منهجه، ليكون له في القلوب وزنه وأثره ومخافته ومهابته.. وقد علم - سبحانه - أنه لا يطاع أبداً شرع لا يرتكن إلى هذه الجهة التي تخشاها وترجوها القلوب، وتعرف أنها مطلعة على خفايا السرائر وخبايا القلوب. وأنه مهما أطاع العبيد تشريع العبيد، تحت تأثير البطش والإرهاب، والرقابة الظاهرية التي لا تطلع على الأفئدة، فإنهم لا بد متفلتون منها كلما غافلوا الرقابة، وكلما واتتهم الحيلة.. مع شعورهم دائماً بالقهر والكبت والتهيؤ للانتقاض.. {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا}.. عن عروة بن الزبير - رضي الله عنه - أنه سأل عائشة - رضي الله عنها - عن قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} فقالت: "يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا اليهن؛ ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا من النساء سواهن" قال عروة: قالت عائشة: "وإن الناس استفتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هذه الآية، فأنزل الله: {أية : ويستفتونك في النساء. قل الله يفتيكم فيهن.. وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن...} تفسير : قالت عائشة: (وقول الله في هذه الآية الأخرى {أية : وترغبون أن تنكحوهن} تفسير : رغبة أحدكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال. فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال). وحديث عائشة - رضي الله عنها - يصور جانباً من التصورات والتقاليد التي كانت سائدة في الجاهلية، ثم بقيت في المجتمع المسلم، حتى جاء القرآن ينهى عنها ويمحوها، بهذه التوجيهات الرفيعة، ويكل الأمر إلى الضمائر، وهو يقول: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى}.. فهي مسألة تحرج وتقوى وخوف من الله إذا توقع الولي ألا يعدل مع اليتيمة في حجره، ونص الآية مطلق لا يحدد مواضع العدل، فالمطلوب هو العدل في كل صوره وبكل معانيه في هذه الحالة، سواء فيما يختص بالصداق، أو فيما يتعلق بأي اعتبار آخر. كأن ينكحها رغبة في مالها، لا لأن لها في قلبه مودة. ولا لأنه يرغب رغبة نفسية في عشرتها لذاتها. وكأن ينكحها وهناك فارق كبير من السن لا تستقيم معه الحياة، دون مراعاة لرغبتها هي في إبرام هذا النكاح، هذه الرغبة التي قد لا تفصح عنها حياء أو خوفاً من ضياع مالها إذا هي خالفت عن إرادته.. إلى آخر تلك الملابسات التي يخشى ألا يتحقق فيها العدل.. والقرآن يقيم الضمير حارساً والتقوى رقيباً. وقد أسلف في الآية السابقة التي رتب عليها هذه التوجيهات كلها قوله: {إن الله كان عليكم رقيباً}.. فعندما لا يكون الأولياء واثقين من قدرتهم على القسط مع اليتيمات اللواتي في حجورهم، فهناك النساء غيرهن، وفي المجال متسع للبعد عن الشبهة والمظنة: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم. ذلك أدنى ألا تعولوا}.. وهذه الرخصة في التعدد، مع هذا التحفظ عند خوف العجز عن العدل، والاكتفاء بواحدة في هذه الحالة، أو بما ملكت اليمين.. هذه الرخصة - مع هذا التحفظ - يحسن بيان الحكمة والصلاح فيها. في زمان جعل الناس يتعالمون فيه على ربهم الذي خلقهم، ويدعون لأنفسهم بصراً بحياة الإنسان وفطرته ومصلحته فوق بصر خالقهم سبحانه! ويقولون في هذا الأمر وذاك بالهوى والشهوة، وبالجهالة والعمى. كأن ملابسات وضرورات جدّت اليوم، يدركونها هم ويقدرونها ولم تكن في حساب الله - سبحانه - ولا في تقديره، يوم شرّع للناس هذه الشرائع!!! وهي دعوى فيها من الجهالة والعمى, بقدر ما فيها من التبجح وسوء الأدب بقدر ما فيها من الكفر والضلالة! ولكنها تقال، ولا تجد من يرد الجهال العمي المتبجحين المتوقحين الكفار الضلال عنها! وهم يتبجحون على الله وشريعته، ويتطاولون على الله وجلاله، ويتوقحون على الله ومنهجه، آمنين سالمين غانمين، مأجورين من الجهات التي يهمها أن تكيد لهذا الدين! وهذه المسألة - مسألة إباحة تعدد الزوجات بذلك التحفظ الذي قرره الإسلام - يحسن أن تؤخذ بيسر ووضوح وحسم؛ وأن تعرف الملابسات الحقيقية والواقعية التي تحيط بها.. روى البخاري - بإسناده - "حديث : أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم - وتحته عشر نسوة - فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم-: اختر منهن أربعاً". تفسير : وروى أبو داود - بإسناده - "حديث : أن عميرة الأسدي قال: أسلمت وعندي ثماني نسوة، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: اختر منهن أربعاً ". تفسير : وقال الشافعي في مسنده: أخبرني من سمع ابن أبي الزياد يقول: أخبرني عبد المجيد عن ابن سهل ابن عبد الرحمن، عن عوف بن الحارث، "حديث : عن نوفل بن معاوية الديلمي، قال: أسلمت وعندي خمس نسوة، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: اختر أربعاً أيتهن شئت وفارق الأخرى ". تفسير : فقد جاء الإسلام إذن، وتحت الرجال عشر نسوة أو أكثر أو أقل - بدون حد ولا قيد - فجاء ليقول للرجال: إن هناك حداً لا يتجاوزه المسلم - هو أربع - وإن هناك قيداً - هو إمكان العدل - وإلا فواحدة.. أو ما ملكت أيمانكم.. جاء الإسلام لا ليطلق، ولكن ليحدد.. ولا ليترك الأمر لهوى الرجل، ولكن ليقيد التعدد بالعدل. وإلا امتنعت الرخصة المعطاة! ولكن لماذا أباح هذه الرخصة؟ إن الإسلام نظام للإنسان. نظام واقعي إيجابي. يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه، ويتوافق مع واقعه وضروراته، ويتوافق مع ملابسات حياته المتغيرة في شتى البقاع وشتى الأزمان، وشتى الأحوال. إنه نظام واقعي إيجابي، يلتقط الإنسان من واقعه الذي هو فيه، ومن موقفه الذي هو عليه، ليرتفع به في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة. في غير إنكار لفطرته أو تنكر؛ وفي غير إغفال لواقعه أو إهمال؛ وفي غير عنف في دفعه أو اعتساف! إنه نظام لا يقوم على الحذلقة الجوفاء؛ ولا على التظرف المائع؛ ولا على "المثالية" الفارغة؛ ولا على الأمنيات الحالمة، التي تصطدم بفطرة الإنسان وواقعه وملابسات حياته، ثم تتبخر في الهواء! وهو نظام يرعى خلق الإنسان، ونظافة المجتمع، فلا يسمح بإنشاء واقع مادي، من شأنه انحلال الخلق، وتلويث المجتمع، تحت مطارق الضرورة التي تصطدم بذلك الواقع. بل يتوخى دائماً أن ينشىء واقعاً يساعد على صيانة الخلق، ونظافة المجتمع، مع أيسر جهد يبذله الفرد ويبذله المجتمع. فإذا استصحبنا معنا هذه الخصائص الأساسية في النظام الإسلامي، ونحن ننظر إلى مسألة تعدد الزوجات.. فماذا نرى؟ نرى.. أولاً.. أن هناك حالات واقعية في مجتمعات كثيرة - تاريخية وحاضرة - تبدو فيها زيادة عدد النساء الصالحات للزواج، على عدد الرجال الصالحين للزواج.. والحد الأعلى لهذا الاختلال الذي يعتري بعض المجتمعات لم يُعرف تاريخياً أنه تجاوز نسبة أربع إلى واحد. وهو يدور دائماً في حدودها. فكيف نعالج هذا الواقع، الذي يقع ويتكرر وقوعه، بنسب مختلفة. هذا الواقع الذي لا يجدي فيه الإنكار؟ نعالجه بهز الكتفين؟ أو نتركه يعالج نفسه بنفسه؟ حسب الظروف والمصادفات؟! إن هز الكتفين لا يحل مشكلة! كما أن ترك المجتمع يعالج هذا الواقع حسبما اتفق لا يقول به إنسان جاد، يحترم نفسه، ويحترم الجنس البشري! ولا بد إذن من نظام، ولا بد إذن من إجراء.. وعندئذ نجد أنفسنا أمام احتمال من ثلاثة احتمالات: 1- أن يتزوج كل رجل صالح للزواج امرأة من الصالحات للزواج. ثم تبقى واحدة أو أكثر - حسب درجة الاختلال الواقعة - بدون زواج، تقضي حياتها - أو حياتهن - لا تعرف الرجال! 2- أن يتزوج كل رجل صالح للزواج واحدة فقط زواجاً شرعياً نظيفاً. ثم يخادن أو يسافح واحدة أو أكثر، من هؤلاء اللواتي ليس لهن مقابل في المجتمع من الرجال. فيعرفن الرجل خدينا أو خليلاً في الحرام والظلام! 3- أن يتزوج الرجال الصالحون - كلهم أو بعضهم - أكثر من واحدة. وأن تعرف المرأة الأخرى الرجل، زوجة شريفة، في وضح النور لا خدينة وولا خليلة في الحرام والظلام! الاحتمال الأول ضد الفطرة, وضد الطاقة, بالقياس إلى المرأة التي لا تعرف في حياتها الرجال. ولا يدفع هذه الحقيقة ما يتشدق به المتشدقون من استغناء المرأة عن الرجل بالعمل والكسب. فالمسألة أعمق بكثير مما يظنه هؤلاء السطحيون المتحذلقون المتظرفون الجهال عن فطرة الإنسان. وألف عمل, وألف كسب لا تغني المرأة عن حاجتها الفطرية إلى الحياة الطبيعية.. سواء في ذلك مطالب الجسد والغريزة, ومطالب الروح والعقل, من السكن والأنس بالعشير.. والرجل يجد العمل ويجد الكسب; ولكن هذا لا يكفيه, فيروح يسعى للحصول على العشيرة, والمرأة كالرجل - في هذا - فهما من نفس واحدة! والاحتمال الثاني ضد اتجاه الإسلام النظيف; وضد قاعدة المجتمع الإسلامي العفيف; وضد كرامة المرأة الإنسانية. والذين لا يحفلون أن تشيع الفاحشة في المجتمع, هم أنفسهم الذين يتعالمون على الله, ويتطاولون على شريعته. لأنهم لا يجدون من يردعهم عن هذا التطاول. بل يجدون من الكائدين لهذا الدين كل تشجيع وتقدير! والاحتمال الثالث هو الذي يختاره الإسلام. يختاره رخصة مقيدة. لمواجهة الواقع الذي لا ينفع فيه هز الكتفين; ولا تنفع فيه الحذلقة والادعاء. يختاره متمشياً مع واقعيته الإيجابية, في مواجهة الإنسان كما هو - بفطرته وظروف حياته - ومع رعايته للخلق النظيف والمجتمع المتطهر, ومع منهجه في التقاط الإنسان من السفح, والرقي به في الدرج الصاعد إلى القمة السامقة. ولكن في يسر ولين وواقعية! ثم نرى.. ثانياً.. في المجتمعات الإنسانية. قديماً وحديثاً. وبالأمس واليوم والغد. إلى آخر الزمان. واقعاً في حياة الناس, لا سبيل إلى إنكاره كذلك أو تجاهله. نرى أن فترة الإخصاب في الرجل تمتد إلى سن السبعين أو ما فوقها. بينما هي تقف في المرأة عند سن الخمسين أو حواليها. فهناك في المتوسط عشرون سنة من سني الإخصاب في حياة الرجل لا مقابل لها في حياة المرأة. وما من شك أن من أهداف اختلاف الجنسين ثم التقائهما, امتداد الحياة بالإخصاب والإنسال، وعمران الأرض بالتكاثر والانتشار. فليس مما يتفق مع هذه السنة الفطرية العامة أن نكف الحياة عن الانتفاع بفترة الإخصاب الزائدة في الرجال. ولكن مما يتفق مع هذا الواقع الفطري أن يسن التشريع - الموضوع لكافة البيئات في جميع الأزمان والأحوال - هذه الرخصة - لا على سبيل الإلزام الفردي, ولكن على سبيل إيجاد المجال العام الذي يلبي هذا الواقع الفطري, ويسمح للحياة أن تنتفع به عند الاقتضاء.. وهو توافق بين واقع الفطرة وبين اتجاه التشريع ملحوظ دائماً في التشريع الإلهي. لا يتوافر عادة في التشريعات البشرية, لأن الملاحظة البشرية القاصرة لا تنتبه له, ولا تدرك جميع الملابسات القريبة والبعيدة, ولا تنظر من جميع الزوايا, ولا تراعي جميع الاحتمالات. ومن الحالات الواقعية - المرتبطة بالحقيقة السالفة - ما نراه أحياناً من رغبة الزوج في أداء الوظيفة الفطرية, مع رغبة الزوجة عنها - لعائق من السن أو من المرض - مع رغبة الزوجين كليهما في استدامة العشرة الزوجية وكراهية الانفصال - فكيف نواجه مثل هذه الحالات؟ نواجهها بهز الكتفين; وترك كل من الزوجين يخبط رأسه في الجدار؟! أو نواجهها بالحذلقة الفارغة والتظرف السخيف؟ إن هز الكتفين - كما قلنا - لا يحل مشكلة. والحذلقة والتظرف لا يتفقان مع جدية الحياة الإنسانية, ومشكلاتها الحقيقية.. وعندئذ نجد أنفسنا - مرة أخرى - أمام احتمال من ثلاثة احتمالات: 1- أن نكبت الرجل ونصده عن مزاولة نشاطه الفطري بقوة التشريع وقوة السلطان! ونقول له: عيب يا رجل! إن هذا لا يليق, ولا يتفق مع حق المرأة التي عندك ولا مع كرامتها! 2- أن نطلق هذا الرجل يخادن ويسافح من يشاء من النساء! 3- أن نبيح لهذا الرجل التعدد - وفق ضرورات الحال - ونتوقى طلاق الزوجة الأولى.. الاحتمال الأول ضد الفطرة, وفوق الطاقة, وضد احتمال الرجل العصبي والنفسي. وثمرته القريبة - إذا نحن أكرهناه بحكم التشريع وقوة السلطان - هي كراهية الحياة الزوجية التي تكلفه هذا العنت, ومعاناة جحيم هذه الحياة.. وهذه ما يكرهه الإسلام, الذي يجعل من البيت سكناً, ومن الزوجة أنساً ولباساً. والاحتمال الثاني ضد اتجاه الإسلام الخلقي, وضد منهجه في ترقية الحياة البشرية, ورفعها وتطهيرها وتزكيتها, كي تصبح لائقة بالإنسان الذي كرمه الله على الحيوان! والاحتمال الثالث هو وحده الذي يلبي ضرورات الفطرة الواقعية, ويلبي منهج الإسلام الخلقي, ويحتفظ للزوجة الأولى برعاية الزوجية, ويحقق رغبة الزوجين في الإبقاء على عشرتهما وعلى ذكرياتهما, وييسر على الإنسان الخطو الصاعد في رفق ويسر وواقعية. وشيء كهذا يقع في حالة عقم الزوجة, مع رغبة الزوج الفطرية في النسل. حيث يكون أمامه طريقان لا ثالث لهما: 1- أن يطلقها ليستبدل بها زوجة أخرى تلبي رغبة الإنسان الفطرية في النسل. 2- أو أن يتزوج بأخرى, ويبقي على عشرته مع الزوجة الأولى. وقد يهذر قوم من المتحذلقين - ومن المتحذلقات - بإيثار الطريق الأول. ولكنّ تسعاً وتسعين زوجة - على الأقل - من كل مائة سيتوجهن باللعنة إلى من يشير على الزوج بهذا الطريق! الطريق الذي يحطم عليهن بيوتهن بلا عوض منظور - فقلما تجد العقيم وقد تبين عقمها راغباً في الزواج - وكثيراً ما تجد الزوجة العاقر أنساً واسترواحاً في الأطفال الصغار, تجيء بهم الزوجة الأخرى من زوجها, فيملأون عليهم الدار حركة وبهجة أياً كان ابتئاسها لحرمانها الخاص. وهكذا حيثما ذهبنا نتأمل الحياة الواقعية بملابساتها العملية, التي لا تصغي للحذلقة, ولا تستجيب للهذر, ولا تستروح للهزل السخيف والتميع المنحل في مواضع الجد الصارم.. وجدنا مظاهر الحكمة العلوية, في سن هذه الرخصة, مقيدة بذلك القيد: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء - مثنى وثلاث ورباع - فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} فالرخصة تلبي واقع الفطرة, وواقع الحياة; وتحمي المجتمع من الجنوح - تحت ضغط الضرورات الفطرية والواقعية المتنوعة - إلى الانحلال أو الملال.. والقيد يحمي الحياة الزوجية من الفوضى والاختلال, ويحمي الزوجة من الجور والظلم; ويحمي كرامة المرأة أن تتعرض للمهانة بدون ضرورة ملجئة واحتياط كامل. ويضمن العدل الذي تحتمل معه الضرورة ومقتضياتها المريرة. إن أحداً يدرك روح الإسلام واتجاهه، لا يقول إن التعدد مطلوب لذاته, مستحب بلا مبرر من ضرورة فطرية أو اجتماعية; وبلا دافع إلا التلذذ الحيواني, وإلا التنقل بين الزوجات, كما يتنقل الخليل بين الخليلات. إنما هو ضرورة تواجه ضرورة, وحل يواجه مشكلة. وهو ليس متروكاً للهوى, بلا قيد ولا حد في النظام الإسلامي, الذي يواجه كل واقعيات الحياة. فإذا انحرف جيل من الأجيال في استخدام هذه الرخصة. إذا راح رجال يتخذون من هذه الرخصة فرصة لإحالة الحياة الزوجية مسرحاً للذة الحيوانية. إذا أمسوا يتنقلون بين الزوجات كما يتنقل الخليل بين الخليلات. إذا أنشأوا "الحريم" في هذه الصورة المريبة.. فليس ذلك شأن الإسلام; وليس هؤلاء هم الذين يمثلون الإسلام.. إن هؤلاء إنما انحدروا إلى هذا الدرك لأنهم بعدوا عن الإسلام, ولم يدركوا روحه النظيف الكريم. والسبب أنهم يعيشون في مجتمع لا يحكمه الإسلام, ولا تسيطر فيه شريعته. مجتمع لا تقوم عليه سلطة مسلمة, تدين للإسلام وشريعته; وتأخذ الناس بتوجيهات الإسلام وقوانينه, وآدابه وتقاليده. إن المجتمع المعادي للإسلام المتفلت من شريعته وقانونه, هو المسؤول الأول عن هذه الفوضى. هو المسؤول الأول عن "الحريم" في صورته الهابطة المريبة. هو المسؤول الأول عن اتخاذ الحياة الزوجية مسرح لذة بهيمية. فمن شاء أن يصلح هذه الحال فليرد الناس إلى الإسلام, وشريعة الإسلام, ومنهج الإسلام; فيردهم إلى النظافة والطهارة والاستقامة والاعتدال.. من شاء الإصلاح فليرد الناس إلى الإسلام لا في هذه الجزئية ولكن في منهج الحياة كلها. فالإسلام نظام متكامل لا يعمل إلا وهو كامل شامل.. والعدل المطلوب هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة. أما العدل في مشاعر القلوب وأحاسيس النفوس, فلا يطالب به أحد من بني الإنسان، لأنه خارج عن إرادة الإنسان.. وهو العدل الذي قال الله عنه في الآية الأخرى في هذه السورة: {أية : ولن تستيطعوا أن تعدلوا بين النساء - ولو حرصتم - فلا تميلوا كل الميل, فتذروها كالمعلقة} تفسير : هذه الآية التي يحاول بعض الناس أن يتخذوا منها دليلاً على تحريم التعدد. والأمر ليس كذلك. وشريعة الله ليست هازلة, حتى تشرع الأمر في آية, وتحرمه في آية, بهذه الصورة التي تعطي باليمين وتسلب بالشمال! فالعدل المطلوب في الآية الأولى; والذي يتعين عدم التعدد إذا خيف ألا يتحقق; هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة, وسائر الأوضاع الظاهرة, بحيث لا ينقص إحدى الزوجات شيء منها; وبحيث لا تؤثر واحدة دون الأخرى بشيء منها.. على نحو ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أرفع إنسان عرفته البشرية, يقوم به. في الوقت الذي لم يكن أحد يجهل من حوله ولا من نسائه, أنه يحب عائشة - رضي الله عنها - ويؤثرها بعاطفة قلبية خاصة, لا تشاركها فيها غيرها.. فالقلوب ليست ملكاً لأصحابها. إنما هي بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.. وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يعرف دينه ويعرف قلبه. فكان يقول: "حديث : اللهم هذا قسمي فيما أملك, فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ".. تفسير : ونعود فنكرر قبل أن نتجاوز هذه النقطة, أن الإسلام لم ينشىء التعدد إنما حدده. ولم يأمر بالتعدد إنما رخص فيه وقيده. وأنه رخص فيه لمواجهة واقعيات الحياة البشرية, وضرورات الفطرة الإنسانية. هذه الضرورات وتلك الواقعيات التي ذكرنا بعض ما تكشف لنا حتى الآن منها. وقد يكون وراءها غيرها تظهره أطوار الحياة في أجيال أخرى, وفي ظروف أخرى كذلك. كما يقع في كل تشريع أو توجيه جاء به هذا المنهج الرباني, وقصر البشر في فترة من فترات التاريخ, عن استيعاب كل ما وراءه من حكمة ومصلحة. فالحكمة والمصلحة مفترضتان وواقعتان في كل تشريع إلهي, سواء أدركهما البشر أم لم يدركوهما, في فترة من فترات التاريخ الإنساني القصير, عن طريق الإدراك البشري المحدود! ثم ننتقل إلى الإجراء الثاني الذي تنص عليه الآية عند الخوف من عدم تحقق العدل: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة, أو ما ملكت أيمانكم}.. أي إنه إن خيف عدم العدل في التزوج بأكثر من واحدة تعين الاقتصار على واحدة! ولم يجز تجاوزها. أو {ما ملكت أيمانكم} من الإماء زواجاً أو تسرياً, فالنص لم يحدد. ولقد سبق أن وقفنا في الجزء الثاني من هذه الظلال وقفة قصيرة أمام مسألة الرق إجمالاً. فلعله يحسن هنا أن نلم بمسألة الاستمتاع بالإماء خاصة. إن الزواج من مملوكة فيه رد لاعتبارها وكرامتها الإنسانية. فهو مؤهل من مؤهلات التحرير لها ولنسلها من سيدها - حتى ولو لم يعتقها لحظة الزواج - فهي منذ اليوم الذي تلد فيه تسمى "أم ولد" ويمتنع على سيدها بيعها; وتصبح حرة بعد وفاته. أما ولدها فهو حر منذ مولده. وكذلك عند التسري بها. فإنها إذا ولدت أصبحت "أم ولد" وامتنع بيعها, وصارت حرة بعد وفاة سيدها. وصار ولدها منه كذلك حراً إذا اعترف بنسبه, وهذا ما كان يحدث عادة. فالزواج والتسري كلاهما طريق من طرق التحرير التي شرعها الإسلام وهي كثيرة.. على أنه قد يحيك في النفس شيء من مسألة التسري هذه. فيحسن أن نتذكر أن قضية الرق كلها قضية ضرورة - كما بينا هناك - وأن الضروة التي اقتضت إباحة الاسترقاق في الحرب الشرعية التي يعلنها الإمام المسلم المنفذ لشريعة الله, هي ذاتها التي اقتضت إباحة التسري بالإماء; لأن مصير المسلمات الحرائر العفيفات حين يؤسرن كان شراً من هذا المصير! على أنه يحسن ألا ننسى أن هؤلاء الأسيرات المسترقات, لهن مطالب فطرية لا بد أن يحسب حسابها في حياتهن, ولا يمكن إغفالها في نظام واقعي يراعي فطرة الإنسان وواقعه.. فإما أن تتم تلبية هذه المطالب عن طريق الزواج, وإما أن تتم عن طريق تسري السيد, ما دام نظام الاسترقاق قائماً, كي لا ينشرن في المجتمع حالة من الانحلال الخلقي, والفوضى الجنسية, لا ضابط لها, حين يلبين حاجتهن الفطرية عن طريق البغاء أو المخادنة, كما كانت الحال في الجاهلية. أما ما وقع في بعض العصور من الاستكثار من الإماء - عن طريق الشراء والخطف والنخاسة وتجميعهن في القصور, واتخاذهن وسيلة للالتذاذ الجنسي البهيمي, وتمضية الليالي الحمراء بين قطعان الإماء, وعربدة السكر والرقص والغناء.. إلى آخر ما نقلته إلينا الأخبار الصادقة والمبالغ فيها على السواء.. أما هذا كله فليس هو الإسلام. وليس من فعل الإسلام, ولا إيحاء الإسلام. ولا يجوز أن يحسب على النظام الإسلامي, ولا أن يضاف إلى واقعه التاريخي.. إن الواقع التاريخي "الإسلامي" هو الذي ينشأ وفق أصول الإسلام وتصوراته وشرعته وموازينه. هذا وحده هو الواقع التاريخي "الإسلامي".. أما ما يقع في المجتمع الذي ينتسب إلى الإسلام, خارجاً على أصوله وموازينه, فلا يجوز أن يحسب منه, لأنه انحراف عنه. إن للإسلام وجوده المستقل خارج واقع المسلمين في أي جيل. فالمسلمون لم ينشئوا الإسلام, إنما الإسلام هو الذي أنشأ المسلمين. الإسلام هو الأصل, والمسلمون فرع عنه, ونتاج من نتاجه. ومن ثم فإن ما يصنعه الناس أو ما يفهمونه ليس هو الذي يحدد أصل النظام الإسلامي أو مفهوم الإسلام الأساسي. إلا أن يكون مطابقاً للأصل الإسلامي الثابت المستقل عن واقع الناس ومفهومهم, والذي يقاس إليه واقع الناس في كل جيل ومفهومهم, ليعلم كم هو مطابق أو منحرف عن الإسلام. إن الأمر ليس كذلك في النظم الأرضية التي تنشأ ابتداء من تصورات البشر, ومن المذاهب التي يضعونها لأنفسهم - وذلك حين يرتدون إلى الجاهلية ويكفرون بالله مهما ادعوا أنهم يؤمنون به, فمظهر الإيمان الأول بالله هو استمداد الأنظمة من منهجه وشريعته, ولا إيمان بغير هذه القاعدة الكبيرة - ذلك أن المفهومات المتغيرة للناس حينئذ, والأوضاع المتطورة في أنظمتهم, هي التي تحدد مفهوم المذاهب التي وضعوها لأنفسهم, وطبقوها على أنفسهم. فأما في النظام الإسلامي الذي لم يصنعه الناس لأنفسهم, إنما صنعه للناس رب الناس وخالقهم ورازقهم ومالكهم.. فأما في هذا النظام فالناس إما أن يتبعوه ويقيموا أوضاعهم وفقه; فواقعهم إذن هو الواقع التاريخي "الإسلامي" وإما أن ينحرفوا عنه أو يجانبوه كلية, فليس هذا واقعاً تاريخياً للإسلام. إنما هو انحراف عن الإسلام! ولا بد من الانتباه إلى هذا الاعتبار عند النظر في التاريخ الإسلامي. فعلى هذا الاعتبار تقوم النظرية التاريخية الإسلامية, وهي تختلف تماماً مع سائر النظريات التاريخية الأخرى, التي تعتبر واقع الجماعة الفعلي, هو التفسير العملي للنظرية أو المذهب, وتبحث عن "تطور" النظرية أو المذهب في هذا الواقع الفعلي للجماعة التي تعتنقه, وفي المفهومات المتغيرة لهذه النظرية في فكر الجماعة! وتطبيق هذه النظرة على الإسلام ينافي طبيعته المتفردة, ويؤدي إلى أخطار كثيرة, في تحديد المفهوم الإسلامي الحقيقي. وأخيراً تفصح الآية عن حكمة هذه الإجراءات كلها.. إنها اتقاء الجور وتحقيق العدل: {ذلك أدنى ألا تعولوا}.. ذلك.. البعد عن نكاح اليتيمات - إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى - ونكاح غيرهن من النساء - مثنى وثلاث ورباع - ونكاح الواحدة فقط - إن خفتم ألا تعدلوا - أو ما ملكت أيمانكم.. {ذلك أدنى ألا تعولوا}.. أي ذلك أقرب ألا تظلموا وألا تجوروا. وهكذا يتبين أن البحث عن العدل والقسط, هو رائد هذا المنهج, وهدف كل جزئية من جزئياته.. والعدل أجدر أن يراعي في المحضن الذي يضم الأسرة. وهي اللبنة الأولى للبناء الاجتماعي كله, ونقطة الانطلاق إلى الحياة الاجتماعية العامة, وفيه تدرج الأجيال وهي لدنة رخصة قابلة للتكيف, فإن لم يقم على العدل والود والسلام, فلا عدل ولا ود في المجتمع كله ولا سلام. ثم يستطرد السياق في تقرير حقوق النساء - وقد أفرد لهن صدر هذه السورة وسماها باسمهن - قبل أن يستكمل الكلام عن رعاية اليتامى التي بدأ فيها: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة. فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً, فكلوه هنيئاً مريئاً}.. وهذه الآية تنشىء للمرأة حقاً صريحاً, وحقاً شخصياً. في صداقها وتنبئ بما كان واقعاً في المجتمع الجاهلي من هضم هذا الحق في صور شتى. واحدة منها كانت في قبض الولي لهذا الصداق وأخذه لنفسه; وكأنما هي صفقة بيع هو صاحبها! وواحدة منها كانت في زواج الشغار. وهو أن يزوج الولي المرأة التي في ولايته, في مقابل أن يزوجه من يأخذها امرأة هي في ولاية هذا الآخر. واحدة بواحدة. صفقة بين الوليين لا حظ فيها للمرأتين. كما تبدل بهيمة ببهيمة! فحرم الإسلام هذا الزواج كلية; وجعل الزواج التقاء نفسين عن رغبة واختيار, والصداق حقاً للمرأة تأخذه لنفسها ولا يأخذه الولي! وحتم تسمية هذا الصداق وتحديده, لتقبضه المرأة فريضة لها, وواجباً لا تخلف فيه. وأوجب أن يؤديه الزوج {نحلة} - أي هبة خالصة لصاحبتها - وأن يؤديه عن طيب نفس, وارتياح خاطر. كما يؤدي الهبة والمنحة. فإذا طابت نفس الزوجة بعد ذلك لزوجها عن شيء من صداقها - كله أو بعضه - فهي صاحبة الشأن في هذا; تفعله عن طيب نفس, وراحة خاطر; والزوج في حل من أخذ ما طابت نفس الزوجة عنه, وأكله حلالاً طيباً هنيئاً مريئاً. فالعلاقات بين الزوجين ينبغي أن تقوم على الرضى الكامل, والاختيار المطلق, والسماحة النابعة من القلب, والود الذي لا يبقى معه حرج من هنا أو من هناك. وبهذا الإجراء استبعد الإسلام ذلك الراسب من رواسب الجاهلية في شأن المرأة وصداقها, وحقها في نفسها وفي مالها, وكرامتها ومنزلتها. وفي الوقت ذاته لم يجفف ما بين المرأة ورجلها من صلات, ولم يقمها على مجرد الصرامة في القانون; بل ترك للسماحة والتراضي والمودة أن تأخذ مجراها في هذه الحياة المشتركة, وأن تبلل بنداوتها جو هذه الحياة. فإذا انتهى من هذا الاستطراد - الذي دعا إليه الحديث عن الزواج من اليتيمات ومن غيرهن من النساء - عاد إلى أموال اليتامى; يفصل في أحكام ردها إليهم, بعد أن قرر في الآية الثانية من السورة مبدأ الرد على وجه الإجمال. إن هذا المال, ولو أنه مال اليتامى, إلا أنه - قبل هذا - مال الجماعة, أعطاها الله إياه لتقوم به; وهي متكافلة في الانتفاع بهذا المال على أحسن الوجوه, فالجماعة هي المالكة ابتداء للمال العام, واليتامى أو مورثوهم إنما يملكون هذا المال لاستثماره - بإذن من الجماعة - ويظلون ينتفعون به وينفعون الجماعة معهم, ما داموا قادرين على تكثيره وتثميره; راشدين في تصريفه وتدبيره - والملكية الفردية بحقوقها وقيودها قائمة في هذا الإطار - أما السفهاء من اليتامى ذوي المال, الذين لا يحسنون تدبير المال وتثميره, فلا يسلم لهم, ولا يحق لهم التصرف فيه والقيام عليه - وإن بقيت لهم ملكيتهم الفردية فيه لا تنزع منهم - إنما يعود التصرف في مال الجماعة إلى من يحسن التصرف فيه من الجماعة. مع مراعاة درجة القرابة لليتيم, تحقيقاً للتكافل العائلي, الذي هو قاعدة التكافل العام بين الأسرة الكبرى! وللسفيه حق الرزق والكسوة في ماله مع حسن معاملته: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً, وارزقوهم فيها واكسوهم, وقولوا لهم قولاً معروفاً}.. ويتبين السفه والرشد - بعد البلوغ - وأمر السفه والرشد لا يخفى عادة, ولا يحتاج إلى تحديد مفهومه بالنصوص. فالبيئة تعرف الراشد من السفيه وتأنس رشد هذا وسفه ذاك, وتصرفات كل منهما لا تخفى على الجماعة; فالاختبار يكون لمعرفة البلوغ, الذي يعبر عنه النص بكلمة: {النكاح} وهو الوظيفة التي يؤهل لها البلوغ: {وابتلوا اليتامى, حتى إذا بلغوا النكاح, فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم, ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا. ومن كان غنياً فليستعفف, ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف. فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم, وكفى بالله حسيباً}.. ويبدو من خلال النص الدقة في الإجراءات التي يتسلم بها اليتامى أموالهم عند الرشد. كذلك يبدو التشديد في وجوب المسارعة بتسليم أموال اليتامى إليهم, بمجرد تبين الرشد - بعد البلوغ - وتسليمها لهم كاملة سالمة, والمحافظة عليها في أثناء القيام عليها, وعدم المبادرة إلى أكلها بالإسراف قبل أن يكبر أصحابها فيتسلموها! مع الاستعفاف عن أكل شيء منها مقابل القيام عليها - إذا كان الولي غنياً - والأكل منها في أضيق الحدود - إذا كان الولي محتاجاً - ومع وجوب الإشهاد في محضر التسليم.. وختام الآية: التذكير بشهادة الله وحسابه: {وكفى بالله حسيباً}.. كل هذا التشديد, وكل هذا البيان المفصل, وكل هذا التذكير والتحذير.. يشي بما كان سائداً في البيئة من الجور على أموال اليتامى الضعاف في المجتمع, وبما كان يحتاج إليه تغيير هذا العرف السائد من تشديد وتوكيد, ومن بيان وتفصيل, لا يدع مجالاً للتلاعب عن أي طريق.. وهكذا كان المنهج الرباني ينسخ معالم الجاهلية في النفوس والمجتمعات, ويثبت معالم الإسلام; ويمحو سمات الجاهلية في وجه المجتمع, ويثبت ملامح الإسلام. وهكذا كان يصوغ المجتمع الجديد ومشاعره وتقاليده, وشرائعه وقوانينه, في ظلال تقوى الله ورقابته, ويجعلها الضمان الأخير لتنفيذ التشريع. ولا ضمان لأي تشريع في الأرض بغير هذه التقوى وبدون هذه الرقابة: {وكفى بالله حسيباً}.. ولقد كانوا في الجاهلية لا يورثون البنات ولا الصبية - في الغالب - إلا التافه القليل. لأن هؤلاء وهؤلاء لا يركبون فرساً, ولا يردون عادياً! فإذا شريعة الله تجعل الميراث - في أصله - حقاً لذوي القربى جميعاً - حسب مراتبهم وأنصبتهم المبينة فيما بعد - وذلك تمشياً مع نظرية الإسلام في التكافل بين أفراد الأسرة الواحدة, وفي التكافل الإنساني العام. وحسب قاعدة: الغنم بالغرم.. فالقريب مكلف إعالة قريبه إذا احتاج, والتضامن معه في دفع الديات عند القتل والتعويضات عند الجرح, فعدلٌ إذن أن يرثه - إن ترك مالاً - بحسب درجة قرابته وتكليفه به. والإسلام نظام متكامل متناسق. ويبدو تكامله وتناسقه واضحاً في توزيع الحقوق والواجبات.. هذه هي القاعدة في الإرث بصفة عامة.. وقد نسمع هنا وهناك لغطاً حول مبدأ الإرث, لا يثيره إلا التطاول على الله - سبحانه - مع الجهل بطبيعة الإنسان, وملابسات حياته الواقعية! إن إدراك الأسس التي يقوم عليها النظام الاجتماعي الإسلامي, يضع حداً لهذا اللغط على الإطلاق.. إن قاعدة هذا النظام هي التكافل.. ولكي يقوم هذا التكافل على أسس وطيدة راعى الإسلام أن يقوم على أساس الميول الفطرية الثابتة في النفس البشرية. هذه الميول التي لم يخلقها الله عبثاً في الفطرة, إنما خلقها لتؤدي دوراً أساسياً في حياة الإنسان. ولما كانت روابط الأسرة - القريبة والبعيدة - روابط فطرية حقيقية; لم يصطنعها جيل من الأجيال; ولم تصطنعها جميع الأجيال بطبيعة الحال! والجدال في جدية هذه الروابط وعمقها وأثرها في رفع الحياة وصيانتها وترقيتها كذلك لا يزيد على أن يكون مراء لا يستحق الاحترام.. لما كان الأمر كذلك جعل الإسلام التكافل في محيط الأسرة هو حجر الأساس في بناء التكافل الاجتماعي العام. وجعل الإرث مظهراً من مظاهر ذلك التكافل في محيط الأسرة. فوق ما له من وظائف أخرى في النظام الاقتصادي والاجتماعي العام. فإذا عجزت هذه الخطوة أو قصرت عن استيعاب جميع الحالات المحتاجة إلى التكافل جاءت الخطوة التالية في محيط الجماعة المحلية المتعارفة, لتكملها وتقويها. فإذا عجزت هذه جاء دور الدولة المسلمة لتتولى كل من قصرت في إعالتهم وكفالتهم الكاملة, جهود الأسرة, وجهود الجماعة المحلية المحدودة.. وبذلك لا يلقى العبء كله على عاتق الجهاز العام للدولة.. أولاً لأن التكافل في محيط الأسرة أو في محيط الجماعة الصغيرة يخلق مشاعر لطيفة رحيمة, تنمو حولها فضائل التعاون والتجاوب نمواً طبيعياً غير مصطنع - فضلاً على أن هذه المشاعر كسب إنساني لا يرفضه إلا لئيم نكد خبيث - أما التكافل في محيط الأسرة بصفة خاصة فينشىء آثاراً طبيعية تلائم الفطرة.. فشعور الفرد بأن جهده الشخصي سيعود أثره على ذوي قرابته - وبخاصة ذريته - يحفزه إلى مضاعفة الجهد, فيكون نتاجه للجماعة عن طريق غير مباشر. لأن الإسلام لا يقيم الفواصل بين الفرد والجماعة. فكل ما يملك الفرد هو في النهاية ملك للجماعة كلها عندما تحتاج.. وهذه القاعدة الأخيرة تقضي على كل الاعتراضات السطحية على توريث من لم يتعب ولم يبذل جهداً - كما يقال! - فهذا الوارث هو امتداد للمورث من جهة, ثم هو كافل هذا المورث لو كان هذا محتاجاً وذاك ذا مال. ثم في النهاية هو وما يملك للجماعة عندما تحتاج. تمشياً مع قاعدة التكافل العام. ثم إن العلاقة بين المورث والوارث - وبخاصة الذرية - ليست مقصورة على المال. فإذا نحن قطعنا وراثة المال, فما نحن بمستطيعين أن نقطع الوشائج الأخرى, والوراثات الأخرى بينهما. إن الوالدين والأجداد والأقرباء عامة, لا يورثون أبناءهم وأحفادهم وأقاربهم المال وحده. إنما يورثونهم كذلك الاستعدادات الخيرة والشريرة, والاستعدادات الوراثية للمرض والصحة, والانحراف والاستقامة, والحسن والقبح, والذكاء والغباء.. إلخ. وهذه الصفات تلاحق الوارثين وتؤثر في حياتهم, ولا تتركهم من عقابيلها أبداً. فمن العدل إذن أن يورثوهم المال. وهم لا يعفونهم من المرض والانحراف والغباء. ولا تملك الدولة - بكل وسائلها - أن تعفيهم من هذه الوراثات. من أجل هذه الواقعيات الفطرية والعملية في الحياة البشرية - ومن أجل غيرها وهو كثير من المصالح الاجتماعية الأخرى - شرع الله قاعدة الإرث: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون, وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون - مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً}.. هذا هو المبدأ العام, الذي أعطى الإسلام به "النساء" منذ أربعة عشر قرناً, حق الإرث كالرجال - من ناحية المبدأ - كما حفظ به حقوق الصغار الذين كانت الجاهلية تظلمهم وتأكل حقوقهم. لأن الجاهلية كانت تنظر إلى الأفراد حسب قيمتهم العملية في الحرب والإنتاج. أما الإسلام فجاء بمنهجه الرباني, ينظر إلى "الإنسان" - أولاً - حسب قيمته الإنسانية. وهي القيمة الأساسية التي لا تفارقه في حال من الأحوال! ثم ينظر إليه - بعد ذلك - حسب تكاليفه الواقعية في محيط الأسرة وفي محيط الجماعة. ولما كان نظام التوريث - كما سيجيء - يحجب فيه بعض ذوي القربى بعضاً, فيوجد ذوو قرابة, ولكنهم لا يرثون, لأن من هم أقرب منهم سبقوهم فحجبوهم, فإن السياق يقرر للمحجوبين حقاً لا يحدده - إذا هم حضروا القسمة - تطييباً لخاطرهم, كي لا يروا المال يفرق وهم محرومون, واحتفاظاً بالروابط العائلية, والمودات القلبية. كذلك يقرر لليتامى والمساكين مثل هذا الحق تمشياً مع قاعدة التكافل العام: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين, فارزقوهم منه, وقولوا لهم قولاً معروفاً}.. وقد وردت في هذه الآية روايات شتى عن السلف. ما بين قولهم إنها منسوخة, نسختها آيات الميراث المحددة للأنصبة, وقولهم: إنها محكمة. وما بين قولهم: إن مدلولها واجب مفروض, وقولهم: إنه مستحب ما طابت به أنفس الورثة.. ونحن لا نرى فيها دليلاً للنسخ, ونرى أنها محكمة وواجبة. في مثل هذه الحالات التي ذكرنا. معتمدين على إطلاق النص من جهة, وعلى الاتجاه الإسلامي العام في التكافل من جهة أخرى.. وهي شيء آخر غير أنصبة الورثة المحددة في الآيات التالية على كل حال. وقبل أن يأخذ السياق في تحديد أنصبة الورثة, يعود ليحذر من أكل أموال اليتامى.. يعود إليه في هذه المرة ليلمس القلوب لمستين قويتين: أولاهما تمس مكمن الرحمة الأبوية والإشفاق الفطري على الذرية الضعاف وتقوى الله الحسيب الرقيب. والثانية تمس مكان الرهبة من النار, والخوف من السعير, في مشهد حسي مفزع: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم. فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً. إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً, وسيصلون سعيراً}.. وهكذا تمس اللمسة الأولى شغاف القلوب. قلوب الآباء المرهفة الحساسية تجاه ذريتهم الصغار. بتصور ذريتهم الضعاف مكسوري الجناح, لا راحم لهم ولا عاصم. كي يعطفهم هذا التصور على اليتامى الذين وكلت إليهم أقدارهم, بعد أن فقدوا الآباء. فهم لا يدرون أن تكون ذريتهم غداً موكولة إلى من بعدهم من الأحياء, كما وكلت إليهم هم أقدار هؤلاء.. مع توصيتهم بتقوى الله فيمن ولاهم الله عليهم من الصغار, لعل الله أن يهييء لصغارهم من يتولى أمرهم بالتقوى والتحرج والحنان. وتوصيتهم كذلك بأن يقولوا في شأن اليتامى قولاً سديداً, وهم يربونهم ويرعونهم كما يرعون أموالهم ومتاعهم.. أما اللمسة الثانية, فهي صورة مفزعة: صورة النار في البطون.. وصورة السعير في نهاية المطاف.. إن هذا المال.. نار.. وإنهم ليأكلون هذه النار. وإن مصيرهم لإلى النار فهي النار تشوي البطون وتشوي الجلود. هي النار من باطن وظاهر. هي النار مجسمة حتى لتكاد تحسها البطون والجلود, وحتى لتكاد تراها العيون, وهي تشوي البطون والجلود! ولقد فعلت هذه النصوص القرآنية, بإيحاءاتها العنيفة العميقة فعلها في نفوس المسلمين. خلصتها من رواسب الجاهلية. هزتها هزة عنيفة ألقت عنها هذه الرواسب. وأشاعت فيها الخوف والتحرج والتقوى والحذر من المساس - أي مساس - بأموال اليتامى.. كانوا يرون فيها النار التي حدثهم الله عنها في هذه النصوص القوية العميقة الإيحاء. فعادوا يجفلون أن يمسوها ويبالغون في هذا الإجفال! من طريق عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لما نزلت: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً}.. الآية.. انطلق من كان عنده يتيم, فعزل طعامه من طعامه, وشرابه من شرابه, فجعل يفضل الشيء, فيحبس له, حتى يأكله أو يفسد. فاشتد ذلك عليهم. فذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله: {أية : ويسألونك عن اليتامى. قل: إصلاح لهم خير, وإن تخالطوهم فإخوانكم. والله يعلم المفسد من المصلح, ولو شاء الله لأعنتكم..} تفسير : "الآية" فخلطوا طعامهم بطعامهم, وشرابهم بشرابهم.. وكذلك رفع المنهج القرآني هذه الضمائر, إلى ذلك الأفق الوضيء; وطهرها من غبش الجاهلية ذلك التطهير العجيب.. والآن نجيء إلى نظام التوارث. حيث يبدأ بوصية الله للوالدين في أولادهم; فتدل هذه الوصية على أنه - سبحانه - أرحم وأبر وأعدل من الوالدين مع أولادهم; كما تدل على أن هذا النظام كله مرده إلى الله سبحانه; فهو الذي يحكم بين الوالدين وأولادهم, وبين الأقرباء وأقاربهم. وليس لهم إلا أن يتلقوا منه سبحانه, وأن ينفذوا وصيته وحكمه.. وأن هذا هو معنى "الدين" الذي تعنى السورة كلها ببيانه وتحديده كما أسلفنا.. كذلك يبدأ بتقرير المبدأ العام للتوارث: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين}.. ثم يأخذ في التفريع, وتوزيع الأنصبة, في ظل تلك الحقيقة الكلية, وفي ظل هذا المبدأ العام.. ويستغرق هذا التفصيل آيتين: أولاهما خاصة بالورثة من الأصول والفروع, والثانية خاصة بحالات الزوجية والكلالة. ثم تجيء بقية أحكام الوراثة في آخر آية في السورة استكمالاً لبعض حالات الكلالة (وسنعرضها في موضعها): {يوصيكم الله في أولادكم: للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك. وإن كانت واحدة فلها النصف. ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك - إن كان له ولد - فإن لم يكن له ولد, وورثه أبواه, فلأمه الثلث. فإن كان له أخوة فلأمه السدس - من بعد وصية يوصي بها أو دين - آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً. فريضة من الله إن الله كان عليماً حكيماً.. ولكم نصف ما ترك أزواجكم - إن لم يكن لهن ولد - فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن - من بعد وصية يوصين بها أو دين - ولهن الربع مما تركتم - إن لم يكن لكم ولد - فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم - من بعد وصية توصون بها أو دين - وإن كان رجل يورث كلالة, أو امرأة, وله أخ أو أخت, فلكل واحد منهما السدس. فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث - من بعد وصية يوصى بها أو دين - غير مضار, وصية من الله, والله عليم حليم}.. هاتان الآيتان, مضافا إليهما الآية الثالثة التي في نهاية السورة, ونصها: {أية : يستفتونك. قل: الله يفتيكم في الكلالة: إن امرؤ هلك ليس له ولد, وله أخت, فلها نصف ما ترك. وهو يرثها - إن لم يكن لها ولد - فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك. وإن كانوا أخوة رجالاً ونساء, فللذكر مثل حظ الأنثيين. يبين الله لكم أن تضلوا, والله بكل شيء عليم }.. تفسير : هذه الآيات الثلاث تتضمن أصول علم الفرائض - أي علم الميراث - أما التفريعات فقد جاءت السّنة ببعضها نصاً, واجتهد الفقهاء في بقيتها تطبيقاً على هذه الأصول. وليس هنا مجال الدخول في هذه التفريعات والتطبيقات فمكانها كتب الفقه - فنكتفي - في ظلال القرآن - بتفسير هذه النصوص, والتعقيب على ما تتضمنه من أصول المنهج الإسلامي.. {يوصيكم الله في أولادكم: للذكر مثل حظ الأنثيين..}.. وهذا الافتتاح يشير - كما ذكرنا - إلى الأصل الذي ترجع إليه هذه الفرائض, وإلى الجهة التي صدرت منها, كما يشير إلى أن الله أرحم بالناس من الوالدين بالأولاد, فإذا فرض لهم فإنما يفرض لهم ما هو خير مما يريده الوالدون بالأولاد.. وكلا المعنيين مرتبطان ومتكاملان.. إن الله هو الذي يوصي, وهو الذي يفرض, وهو الذي يقسم الميراث بين الناس - كما أنه هو الذي يوصي ويفرض في كل شيء, وكما أنه هو الذي يقسم الأرزاق جملة - ومن عند الله ترد التنظيمات والشرائع والقوانين, وعن الله يتلقى الناس في أخص شؤون حياتهم - وهو توزيع أموالهم وتركاتهم بين ذريتهم وأولادهم - وهذا هو الدين. فليس هناك دين للناس إذا لم يتلقوا في شؤون حياتهم كلها من الله وحده; وليس هناك إسلام, إذا هم تلقوا في أي أمر من هذه الأمور - جل أو حقر - من مصدر آخر. إنما يكون الشرك أو الكفر, وتكون الجاهلية التي جاء الإسلام ليقتلع جذورها من حياة الناس. وإن ما يوصي به الله, ويفرضه, ويحكم به في حياة الناس - ومنه ما يتعلق بأخص شؤونهم, وهو قسمة أموالهم وتركاتهم بين ذريتهم وأولادهم - لهو أبر بالناس وأنفع لهم, مما يقسمونه هم لأنفسهم, ويختارونه لذرياتهم.. فليس للناس أن يقولوا: إنما نختار لأنفسنا. وإنما نحن أعرف بمصالحنا.. فهذا - فوق أنه باطل - هو في الوقت ذاته توقح, وتبجح, وتعالم على الله, وادعاء لا يزعمه إلا متوقح جهول! قال العوفي عن ابن عباس: ({يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين}.. وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض, للولد الذكر, والأنثى, والأبوين, كرهها الناس - أو بعضهم - وقالوا: تعطى المرأة الربع أو الثمن, وتعطى الابنة النصف, ويعطى الغلام الصغير. وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم, ولا يحوز الغنيمة! اسكتوا عن هذا الحديث, لعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينساه, أو نقول له فيغير! فقالوا: يا رسول الله, تعطى الجارية نصف ما ترك أبوها, وليست تركب الفرس, ولا تقاتل القوم. ويعطى الصبي الميراث, وليس يغني شيئاً - وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية, ولا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم, ويعطونه الأكبر فالأكبر).. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.. فهذا كان منطق الجاهلية العربية, الذي كان يحيك في بعض الصدور; وهي تواجه فريضة الله وقسمته العادلة الحكيمة.. ومنطق الجاهلية الحاضرة الذي يحيك في بعض الصدور اليوم - وهي تواجه فريضة الله وقسمته - لعله يختلف كثيراً أو قليلاً عن منطق الجاهلية العربية. فيقول: كيف نعطي المال لمن لم يكد فيه ويتعب من الذراري؟ وهذا المنطق كذاك.. كلاهما لا يدرك الحكمة, ولا يلتزم الأدب; وكلاهما يجمع من ثم بين الجهالة وسوء الأدب! {للذكر مثل حظ الأنثيين}.. وحين لا يكون للميت وارث إلا ذريته من ذكور وإناث, فإنهم يأخذون جميع التركة. على أساس أن للبنت نصيباً واحداً, وللذكر نصيبين اثنين. وليس الأمر في هذا أمر محاباة لجنس على حساب جنس. إنما الأمر أمر توازن وعدل, بين أعباء الذكر وأعباء الأنثى في التكوين العائلي, وفي النظام الاجتماعي الإسلامي: فالرجل يتزوج امرأة, ويكلف إعالتها وإعالة أبنائها منه في كل حالة, وهي معه, وهي مطلقة منه... أما هي فإما أن تقوم بنفسها فقط, وإما أن يقوم بها رجل قبل الزواج وبعده سواء. وليست مكلفة نفقة للزوج ولا للأبناء في أي حال.. فالرجل مكلف - على الأقل - ضعف أعباء المرأة في التكوين العائلي, وفي النظام الاجتماعي الإسلامي. ومن ثم يبدو العدل كما يبدو التناسق بين الغنم والغرم في هذا التوزيع الحكيم. ويبدو كل كلام في هذا التوزيع جهالة من ناحية وسوء أدب مع الله من ناحية أخرى, وزعزعة للنظام الاجتماعي والأسريّ لا تستقيم معها حياة. ويبدأ التقسيم بتوريث الفروع عن الأصول: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك, وإن كانت واحدة فلها النصف}. فإذا لم يكن له ذرية ذكور, وله بنتان أو أكثر فلهن الثلثان. فإن كان له بنت واحدة فلها النصف.. ثم ترجع بقية التركة إلى أقرب عاصب له: الأب أو الجد. أو الأخ الشقيق. أو الأخ لأب. أو العم. أو أبناء الأصول... والنص يقول: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك}.. وهذا يثبت الثلثين للبنات - إذا كن فوق اثنتين - أما إثبات الثلثين للبنتين فقط فقد جاء من السنة ومن القياس على الأختين في الآية التي في آخر السورة. فأما السنة فقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر. قال: "حديث : جاءت امرأة سعد بن الربيع, إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله, هاتان ابنتا سعد بن الربيع, قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيداً; وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً; ولا ينكحان إلا ولهما مال. قال: فقال: "يقضي الله في ذلك" فنزلت آية الميراث. فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمهما, فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين, وأمهما الثمن, وما بقي فهو لك ".. تفسير : فهذه قسمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للبنتين بالثلثين. فدل هذا على أن البنتين فأكثر, لهما الثلثان في هذه الحالة. وهناك أصل آخر لهذه القسمة; وهو أنه لما ورد في الآية الأخرى عن الأختين: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك}.. كان إعطاء البنتين الثلثين من باب الأولى, قياساً على الأختين. وقد سويت البنت الواحدة بالأخت الواحدة كذلك في هذه الحالة. وبعد الانتهاء من بيان نصيب الذرية يجيء بيان نصيب الأبوين - عند وجودهما - في الحالات المختلفة. مع وجود الذرية ومع عدم وجودها: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك - إن كان له ولد - فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث. فإن كان له إخوة فلأمه السدس}.. والأبوان لهما في الإرث أحوال: الحال الأول: أن يجتمعا مع الأولاد, فيفرض لكل واحد منهما السدس والبقية للولد الذكر أو للولد الذكر مع أخته الأنثى أو أخواته: للذكر مثل حظ الأنثيين. فإذا لم يكن للميت إلا بنت واحدة فرض لها النصف, وللأبوين لكل واحد منهما السدس, وأخذ الأب السدس الآخر بالتعصيب, فيجمع له في هذه الحالة بين الفرض والتعصيب. أما إذا كان للميت بنتان فأكثر فتأخذان الثلثين, ويأخذ كل واحد من الأبوين السدس. والحال الثاني: ألا يكون للميت ولد ولا إخوة ولا زوج ولا زوجة, وينفرد الأبوان بالميراث. فيفرض للأم الثلث, ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب, فيكون قد أخذ مثل حظ الأم مرتين. فلو كان مع الأبوين زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف, أو الزوجة الربع, وأخذت الأم الثلث (إما ثلث التركة كلها أو ثلث الباقي بعد فريضة الزوج أو الزوجة على خلاف بين الأقوال الفقهية) وأخذ الأب ما يتبقى بعد الأم بالتعصيب على ألا يقل نصيبه عن نصيب الأم. والحال الثالث: هو اجتماع الأبوين مع الإخوة - سواء كانوا من الأبوين أو من الأب, أو من الأم - فإنهم لا يرثون مع الأب شيئاً, لأنه مقدم عليهم وهو أقرب عاصب بعد الولد الذكر; ولكنهم - مع هذا - يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس. فيفرض لها معهم السدس فقط. ويأخذ الأب ما تبقى من التركة. إن لم يكن هناك زوج أو زوجة. أما الأخ الواحد فلا يحجب الأم عن الثلث, فيفرض لها الثلث معه, كما لو لم يكن هناك ولد ولا إخوة. ولكن هذه الأنصبة كلها إنما تجيء بعد استيفاء الوصية أو الدين: {من بعد وصية يوصى بها أو دين}.. قال ابن كثير في التفسير: "أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية".. وتقديم الدين مفهوم واضح. لأنه يتعلق بحق الآخرين. فلا بد من استيفائه من مال المورث الذي استدان, ما دام قد ترك مالاً, توفية بحق الدائن, وتبرئة لذمة المدين. وقد شدد الإسلام في إبراء الذمة من الدين; كي تقوم الحياة على أساس من تحرج الضمير, ومن الثقة في المعاملة, ومن الطمأنينة في جو الجماعة, فجعل الدين في عنق المدين لا تبرأ منه ذمته, حتى بعد وفاته: عن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال: "حديث : قال رجل: يا رسول الله. أرأيت إن قتلت في سبيل الله, أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعم. إن قتلت وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر". ثم قال: "كيف قلت؟" فأعاد عليه. فقال: نعم. إلا الدين. فإن جبريل أخبرني بذلك"..تفسير : (أخرجه مسلم ومالك والترمذي والنسائي). وعن أبي قتادة كذلك: "حديث : أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل ليصلي عليه. فقال - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا على صاحبكم فإن عليه ديناً" فقلت: هو عليَّ يا رسول الله. قال: "بالوفاء؟" قلت: بالوفاء. فصلى عليه ". تفسير : وأما الوصية فلأن إرادة الميت تعلقت بها. وقد جعلت الوصية لتلافي بعض الحالات التي يحجب فيها بعض الورثة بعضاً. وقد يكون المحجوبون معوزين; أو تكون هناك مصلحة عائلية في توثيق العلاقات بينهم وبين الورثة; وإزالة أسباب الحسد والحقد والنزاع قبل أن تنبت. ولا وصية لوارث. ولا وصية في غير الثلث. وفي هذا ضمان ألا يجحف المورث بالورثة في الوصية. وفي نهاية الآية تجيء هذا اللمسات المتنوعة المقاصد: {آباءكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً. فريضة من الله. إن الله كان عليماً حكيماً}.. واللمسة الأولى لفتة قرآنية لتطييب النفوس تجاه هذه الفرائض. فهنالك من تدفعهم عاطفتهم الأبوية إلى إيثار الأبناء على الآباء, لأن الضعف الفطري تجاه الابناء أكبر. وفيهم من يغالب هذا الضعف بالمشاعر الأدبية والأخلاقية فيميل إلى إيثار الآباء. وفيهم من يحتار ويتأرجح بين الضعف الفطري والشعور الأدبي.. كذلك قد تفرض البيئة بمنطقها العرفي اتجاهات معينة كتلك التي واجه بها بعضهم تشريع الإرث يوم نزل, وقد أشرنا إلى بعضها من قبل.. فأراد الله سبحانه أن يسكب في القلوب كلها راحة الرضى والتسليم لأمر الله, ولما يفرضه الله; بإشعارها أن العلم كله لله; وأنهم لا يدرون أي الأقرباء أقرب لهم نفعاً ولا أي القسم أقرب لهم مصلحة: {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً}.. واللمسة الثانية لتقرير أصل القضية. فالمسألة ليست مسألة هوى أو مصلحة قريبة. إنما هي مسألة الدين ومسألة الشريعة: {فريضة من الله}.. فالله هو الذي خلق الآباء والأبناء. والله هو الذي أعطى الأرزاق والأموال. والله هو الذي يفرض, وهو الذي يقسم, وهو الذي يشرع. وليس للبشر أن يشرعوا لأنفسهم, ولا أن يحكموا هواهم, كما أنهم لا يعرفون مصلحتهم! {إن الله كان عليماً حكيماً}.. وهي اللمسة الثالثة في هذا التعقيب. تجيء لتشعر القلوب بأن قضاء الله للناس - مع أنه هو الأصل الذي لا يحل لهم غيره - فهو كذلك المصلحة المبنية على العلم والحكمة. فالله يحكم لأنه عليم - وهم لا يعلمون - والله يفرض لأنه حكيم - وهم يتبعون الهوى. وهكذا تتوالى هذه التعقيبات قبل الانتهاء من أحكام الميراث, لرد الأمر إلى محوره الأصيل. محوره الاعتقادي. الذي يحدد معنى "الدين" فهو الاحتكام إلى الله. وتلقي الفرائض منه. والرضى بحكمه: {فريضة من الله. إن الله كان عليماً حكيماً}.. ثم يمضي يبين بقية الفرائض: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم - إن لم يكن لهن ولد - فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن - من بعد وصية يوصين بها أو دين. ولهن الربع مما تركتم - إن لم يكن لكم ولد - فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم - من بعد وصية توصون بها أو دين -}.. والنصوص واضحة ودقيقة فللزوج نصف تركة الزوجة إذا ماتت وليس لها ولد - ذكراً أو أنثى - فأما إذا كان لها ولد - ذكراً أو أنثى, واحداً أو أكثر - فللزوج ربع التركة. وأولاد البنين للزوجة يحجبون الزوج من النصف إلى الربع كأولادها. وأولادها من زوج آخر يحجبون الزوج كذلك من النصف إلى الربع.. وتقسم التركة بعد الوفاء بالدين ثم الوصية. كما سبق. والزوجة ترث ربع تركة الزوج - إن مات عنها بلا ولد - فإن كان له ولد - ذكراً أو أنثى. واحداً أو متعدداً. منها أو من غيرها. وكذلك أبناء ابن الصلب - فإن هذا يحجبها من الربع إلى الثمن.. والوفاء بالدين ثم الوصية مقدم في التركة على الورثة.. والزوجتان والثلاث والأربع كالزوجة الواحدة, كلهن شريكات في الربع أو الثمن. والحكم الأخير في الآية الثانية حكم من يورث كلالة: {وإن كان رجل يورث كلالة - أو امرأة - وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس. فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار}.. والمقصود بالكلالة من يرث الميت من حواشيه - لا من أصوله ولا من فروعه - عن صلة ضعيفة به ليست مثل صلة الأصول والفروع. وقد سئل أبو بكر - رضي الله عنه - عن الكلالة فقال: أقول فيها برأيي. فإن يكن صواباً فمن الله. وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان. والله ورسوله بريئان منه: الكلالة من لا ولد له ولا والد. فلما ولي عمر قال: إني لأستحيي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه. (رواه ابن جرير وغيره عن الشعبي).. قال ابن كثير في التفسير: "وهكذا قال علي وابن مسعود. وصح عن غير واحد عن ابن عباس, وزيد ابن ثابت. وبه يقول الشعبي والنخعي والحسن وقتادة وجابر بن زيد والحكم. وبه يقول أهل المدينة, وأهل الكوفة, والبصرة. وهو قول الفقهاء السبعة, والأئمة الأربعة, وجمهور السلف والخلف. بل جميعهم. وقد حكى الإجماع عليه غير واحد".. {وإن كان رجل يورث كلالة - أو امرأة - وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس. فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث}.. وله أخ أو أخت - أي من الأم - فلو كانا من الأبوين أو من الأب وحده لورثا وفق ما ورد في الآية الأخيرة من السورة للذكر مثل حظ الأنثيين: لا السدس لكل منهما سواء كان ذكراً أم أنثى. فهذا الحكم خاص بالأخوة من الأم. إذ أنهم يرثون بالفرض - السدس لكل من الذكر أو الأنثى - لا بالتعصيب, وهو أخذ التركة كلها أو ما يفضل منها بعد الفرائض: {فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث}.. مهما بلغ عددهم ونوعهم، والقول المعمول به هو أنهم يرثون في الثلث على التساوي. وإن كان هناك قول بأنهم - حينئذ - يرثون في الثلث: للذكر مثل حظ الأنثيين. ولكن الأول أظهر لأنه يتفق مع المبدأ الذي قررته الآية نفسها في تسوية الذكر بالأنثى: {فلكل واحد منهما السدس}.. والإخوة لأم يخالفون - من ثم - بقية الورثة من وجوه: أحدها: أن ذكورهم وإناثهم في الميراث سواء. والثاني: أنهم لا يرثون إلا أن يكون ميتهم يورث كلالة. فلا يرثون مع أب ولا جد ولا ولد ولا ولد ابن. والثالث: أنهم لا يزادون على الثلث وإن كثر ذكورهم وإناثهم. {من بعد وصية يوصى بها أو دين - غير مضار}.. تحذيراً من أن تكون الوصية للإضرار بالورثة. لتقام على العدل والمصلحة. مع تقديم الدين على الوصية. وتقديمهما معاً على الورثة كما أسلفنا.. ثم يجيء التعقيب في الآية الثانية - كما جاء في الآية الأولى -: {وصية من الله. والله عليم حليم}.. وهكذا يتكرر مدلول هذا التعقيب لتوكيده وتقريره.. فهذه الفرائض {وصية من الله} صادرة منه; ومردها إليه. لا تنبع من هوى، ولا تتبع الهوى. صادرة عن علم.. فهي واجبة الطاعة لأنها صادرة من المصدر الوحيد الذي له حق التشريع والتوزيع. وهي واجبة القبول لأنها صادرة من المصدر الوحيد الذي عنده العلم الأكيد. توكيد بعد توكيد للقاعدة الأساسية في هذه العقيدة. قاعدة التلقي من الله وحده, وإلا فهو الكفر والعصيان والخروج من هذا الدين. وهذا ما تقرره الآيتان التاليتان في السورة تعقيباً نهائياً على تلك الوصايا والفرائض. حيث يسميها الله بالحدود: {تلك حدود الله. ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. وذلك الفوز العظيم. ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين}.. تلك الفرائض, وتلك التشريعات, التي شرعها الله لتقسيم التركات, وفق علمه وحكمته, ولتنظيم العلاقات العائلية في الأسرة, والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع.. {تلك حدود الله}.. حدود الله التي أقامها لتكون هي الفيصل في تلك العلاقات, ولتكون هي الحكم في التوزيع والتقسيم. ويترتب على طاعة الله ورسوله فيها الجنة والخلود والفوز العظيم. كما يترتب على تعديها وعصيان الله ورسوله فيها النار والخلود والعذاب المهين.. لماذا؟ لماذا تترتب كل هذه النتائج الضخمة على طاعة أو معصية في تشريع جزئي كتشريع الميراث; وفي جزئية من هذا التشريع, وحد من حدوده؟ إن الآثار تبدو أضخم من الفعل.. لمن لا يعرف حقيقة هذا الأمر وأصله العميق.. إن هذا الأمر تتولى بيانه نصوص كثيرة في السورة ستجيء. وقد أشرنا إليها في مقدمة التعريف بهذه السورة - وهي النصوص التي تبين معنى الدين، وشرط الإيمان، وحد الإسلام. ولكن لا بأس أن نستعجل بيان هذا الأمر - على وجه الإجمال - بمناسبة هاتين الآيتين الخطيرتين, في هذا التعقيب على آيتي المواريث: إن الأمر في هذا الدين - الإسلام - بل في دين الله كله منذ أن أرسل رسله للناس منذ فجر التاريخ.. إن الأمر في دين الله كله هو: لمن الألوهية في هذه الأرض؟ ولمن الربوبية على هؤلاء الناس؟ وعلى الإجابة عن هذا السؤال في صيغتيه هاتين, يترتب كل شيء في أمر هذا الدين. وكل شيء في أمر الناس أجمعين! لمن الألوهية؟ ولمن الربوبية؟ لله وحده - بلا شريك من خلقه - فهو الإيمان إذن, وهو الإسلام, وهو الدين. لشركاء من خلقه معه, أو لشركاء من خلقه دونه, فهو الشرك إذن أو الكفر المبين. فأما إن تكن الألوهية والربوبية لله وحده, فهي الدينونة من العباد لله وحده. وهي العبودية من الناس لله وحده. وهي الطاعة من البشر لله وحده, وهي الأتباع لمنهج الله وحده بلا شريك.. فالله وحده هو الذي يختار للناس منهج حياتهم. والله وحده هو الذي يسن للناس شرائعهم. والله وحده هو الذي يضع للناس موازينهم وقيمهم وأوضاع حياتهم وأنظمة مجتمعاتهم.. وليس لغيره - أفراداً أو جماعات - شيء من هذا الحق إلا بالارتكان إلى شريعة الله. لأن هذا الحق هو مقتضى الألوهية والربوبية. ومظهرها البارز المحدد لخصائصها المميزة. وأما إن تكن الألوهية أو الربوبية لأحد من خلق الله - شركة مع الله أو أصالة من دونه! - فهي الدينونة من العباد لغير الله. وهي العبودية من الناس لغير الله. وهي الطاعة من البشر لغير الله. وذلك بالاتباع للمناهج والأنظمة والشرائع والقيم والموازين, التي يضعها ناس من البشر, لا يستندون في وضعها إلى كتاب الله وسلطانه; إنما يستندون إلى أسناد أخرى, يستمدون منها السلطان.. ومن ثم فلا دين, ولا إيمان, ولا إسلام. إنما هو الشرك والكفر والفسوق والعصيان.. هذا هو الأمر في جملته وفي حقيقته.. ومن ثم يستوي أن يكون الخروج على حدود الله في أمر واحد, أو في الشريعة كلها.. لأن الأمر الواحد هو الدين - على ذلك المعنى - والشريعة كلها هي الدين.. فالعبرة بالقاعدة التي تستند إليها أوضاع الناس.. أهي إخلاص الألوهية والربوبية لله - بكل خصائصها - أو إشراك أحد من خلقه معه. أو استقلال خلقه دونه بالألوهية والربوبية بعضهم على بعض. مهما ادعوا لأنفسهم من الدخول في الدين! ومهما رددت ألسنتهم - دون واقعهم - أنهم مسلمون! هذه هي الحقيقة الكبيرة, التي يشير إليها هذا التعقيب, الذي يربط بين توزيع أنصبة من التركة على الورثة, وبين طاعة الله ورسوله, أو معصية الله ورسوله. وبين جنة تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها; ونار خالدة وعذاب مهين! وهذه هي الحقيقة الكبيرة, التي تتكىء عليها نصوص كثيرة, في هذه السورة, وتعرضها عرضاً صريحاً حاسماً, لا يقبل المماحكة, ولا يقبل التأويل. وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يتبينها الذين ينسبون أنفسهم إلى الإسلام في هذه الأرض ليروا أين هم من هذا الإسلام, وأين حياتهم من هذا الدين! ثم لا بد كذلك من إضافة كلمة مجملة عن نظام الإرث في الإسلام; بعد ما ذكرناه عن هذا النظام عندما تعرضنا للآية التي تقرر المبدأ العام: {أية : للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} تفسير : وما ذكرناه كذلك عن مبدأ: {للذكر مثل حظ الأنثيين}.. إن هذا النظام في التوريث هو النظام العادل المتناسق مع الفطرة ابتداء; ومع واقعيات الحياة العائلية والإنسانية في كل حال. يبدو هذا واضحاً حين نوازنه بأي نظام آخر, عرفته البشرية في جاهليتها القديمة, أو جاهليتها الحديثة, في أية بقعة من بقاع الأرض على الإطلاق. إنه نظام يراعي معنى التكافل العائلي كاملاً, ويوزع الأنصبة على قدر واجب كل فرد في الأسرة في هذا التكافل. فعصبة الميت هم أولى من يرثه - بعد أصحاب الفروض كالوالد والوالدة - لأنهم هم كذلك أقرب من يتكفل به, ومن يؤدي عنه في الديات والمغارم. فهو نظام متناسق, ومتكامل. وهو نظام يراعي أصل تكوين الأسرة البشرية من نفس واحدة. فلا يحرم امرأة ولا صغيراً لمجرد أنه امرأة أو صغير. لأنه مع رعايته للمصالح العملية - كما بينا في الفقرة الأولى - يرعى كذلك مبدأ الوحدة في النفس الواحدة. فلا يميز جنساً على جنس إلا بقدر أعبائه في التكافل العائلي والاجتماعي. وهو نظام يراعي طبيعة الفطرة الحية بصفة عامة, وفطرة الإنسان بصفة خاصة. فيقدم الذرية في الإرث على الأصول وعلى بقية القرابة. لأن الجيل الناشىء هو أداة الامتداد وحفظ النوع. فهو أولى بالرعاية - من وجهة نظر الفطرة الحية - ومع هذا فلم يحرم الأصول, ولم يحرم بقية القرابات. بل جعل لكل نصيبه. مع مراعاة منطق الفطرة الأصيل. وهو نظام يتمشى مع طبيعة الفطرة كذلك في تلبية رغبة الكائن الحي - وبخاصة الإنسان - في أن لا تنقطع صلته بنسله, وأن يمتد في هذا النسل. ومن ثم هذا النظام الذي يلبي هذه الرغبة, ويطمئن الإنسان الذي بذل جهده في ادخار شيء من ثمرة عمله, إلى أن نسله لن يحرم من ثمرة هذا العمل, وأن جهده سيرثه أهله من بعده. مما يدعوه إلى مضاعفة الجهد, ومما يضمن للأمة النفع والفائدة - في مجموعها - من هذا الجهد المضاعف. مع عدم الإخلال بمبدأ التكافل الاجتماعي العام الصريح القوي في هذا النظام. وأخيراً فهو نظام يضمن تفتيت الثروة المتجمعة, على رأس كل جيل, وإعادة توزيعها من جديد. فلا يدع مجالاً لتضخم الثروة وتكدسها في أيد قليلة ثابتة - كما يقع في الأنظمة التي تجعل الميراث لأكبر ولد ذكر, أو تحصره في طبقات قليلة - وهو من هذه الناحية أداة متجددة الفاعلية في إعادة التنظيم الاقتصادي في الجماعة, ورده إلى الاعتدال, دون تدخل مباشر من السلطات.. هذا التدخل الذي لا تستريح إليه النفس البشرية بطبيعة ما ركب فيها من الحرص والشح. فأما هذا التفتيت المستمر والتوزيع المتجدد; فيتم والنفس به راضية, لأنه يماشي فطرتها وحرصها وشحها! وهذا هو الفارق الأصيل بين تشريع الله لهذه النفس وتشريع الناس!!!
ابن عاشور
تفسير : جاء الخطاب بيأيُّها الناس: ليشمل جميع أمّة الدعوة الذين يسمعون القرآن يومئذ وفيما يأتي من الزمان. فضمير الخطاب في قوله: {خلقكم} عائد إلى الناس المخاطبين بالقرآن، أي لئلاّ يختصّ بالمؤمنين، ـــ إذ غير المؤمنين حينئذ هم كفّار العرب ـــ وهم الذين تلقّوا دعوة الإسلام قبل جميع البشر لأنّ الخطاب جاء بلغتهم، وهم المأمورون بالتبليغ لبقية الأمم، وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتبه للروم وفارس ومصر بالعربية لتترجم لهم بلغاتهم. فلمَّا كان ما بعد هذا النداء جامعاً لما يؤمر به الناس بين مؤمن وكافر، نودي جميع الناس، فدعاهم الله إلى التذكّر بأنّ أصلهم واحد، إذ قال: {اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} دعوة تظهر فيها المناسبة بين وحدة النوع ووحدة الاعتقاد، فالمقصود من التقوى في {اتّقوا ربّكم} اتّقاء غضبه، ومراعاة حقوقه، وذلك حقّ توحيده والاعتراف له بصفات الكمال، وتنزيهه عن الشركاء في الوجود والأفعال والصفات. وفي هذه الصلة براعة استهلال مناسبة لما اشتملت عليه السورة من الأغراض الأصلية، فكانت بمنزلة الديباجة. وعبّر بـ(ربّكم)، دون الاسم العلم، لأنّ في معنى الربّ ما يبعث العباد على الحرص في الإيمان بوحدانيته، إذ الربّ هو المالك الذي يربّ مملوكه أي، يدبّر شؤونه، وليتأتّى بذكر لفظ (الربّ) طريق الإضافة الدالّة على أنّهم محقوقون بتقواه حقّ التقوى، والدالّة على أنّ بين الربّ والمخاطبين صلة تعدّ إضاعتها حماقة وضلالاً. وأمّا التقوى في قوله: {واتقوا اللَّه الذي تساءلون به والأرحام} فالمقصد الأهمّ منها: تقوى المؤمنين بالحذر من التساهل في حقوق الأرحام واليتامى من النساء والرجال. ثم جاء باسم الموصول {الذي خلقكم} للإيماء إلى وجه بناء الخبر لأنّ الذي خلق الإنسان حقيق بأن يتّقى. ووَصْل {خلقكم} بصلة {من نفس واحدة} إدماج للتنبيه على عجيب هذا الخلق وحقّه بالاعتبار. وفي الآية تلويح للمشركين بأحقّيّة اتّباعهم دعوة الإسلام، لأنّ الناس أبناء أب واحد، وهذا الدين يدعو الناس كلّهم إلى متابعته ولم يخصّ أمّة من الأمم أو نسباً من الأنساب، فهو جدير بأن يكون دين جميع البشر، بخلاف بقية الشرائع فهي مصرّحة باختصاصها بأمم معيّنة. وفي الآية تعريض للمشركين بأنّ أولى الناس بأن يتّبعوه هو محمد صلى الله عليه وسلم لأنّه من ذوي رحمهم. وفي الآية تمهيد لما سَيُبَيَّنُ في هذه السورة من الأحكام المرتّبة على النسب والقرابة. والنفس الواحدة: هي آدم. والزوج: حوّاء، فإنّ حوّاء أخرجت من آدم. من ضلعه، كما يقتضيه ظاهر قوله: {منها}. و(مِن) تبعيضية. ومعنى التبعيض أنّ حوّاء خلقت من جزء من آدم. قيل: من بقية الطينة التي خلق منها آدم. وقيل: فصلت قطعة من ضلعه وهو ظاهر الحديث الوارد في «الصحيحين». ومن قال: إنّ المعنى وخلق زوجها من نوعها لم يأت بطائل، لأنّ ذلك لا يختصّ بنوع الإنسان فإنّ أنثى كلّ نوع هي من نوعه. وعُطف قوله: {وخلق منها زوجها} على {خلقكم من نفس واحدة}، فهو صلة ثانية. وقوله: {وبث منهما} صلة ثالثة لأنّ الذي يخلق هذا الخلق العجيب جدير بأن يتّقى، ولأنّ في معاني هذه الصلات زيادة تحقيق اتّصال الناس بعضهم ببعض، إذ الكلّ من أصل واحد، وإن كان خَلْقهم ما حصل إلاّ من زوجين فكلّ أصل من أصولهم ينتمي إلى أصل فوقه. وقد حصل من ذكر هذه الصلات تفصيل لكيفية خلق الله الناس من نفس واحدة. وجاء الكلام على هذا النظم توفية بمقتضى الحال الداعي للإتيان باسم الموصول، ومقتضى الحال الداعي لتفصيل حالة الخلق العجيب. ولو غير هذا الأسلوب فجيء بالصورة المفصّلة دون سبق إجمال، فقيل: الذي خلقكم من نفس واحدة وبثّ منها رجالاً كثيراً ونساء لفاتت الإشارة إلى الحالة العجيبة. وقد ورد في الحديث: أنّ حواء خلقت من ضلع آدم، فلذلك يكون حرف (مِن) في قوله: {وخلق منها} للابتداء، أي أخرج خلق حواء من ضلع آدم. والزوج هنا أريد به الأنثى الأولى التي تناسل منها البشر، وهي حوّاء. وأطلق عليها اسمُ الزوج لأنّ الرجل يكون منفرداً فإذا اتّخذ امرأة فقد صارا زوجاً في بيت، فكلّ واحد منهما زوج للآخر بهذا الاعتبار، وإن كان أصل لفظ الزوج أن يطلق على مجموع الفردين، فإطلاق الزوج على كلّ واحد من الرجل والمرأة المتعاقدين تسامح صار حقيقة عرفية، ولذلك استوى فيه الرجل والمرأة لأنّه من الوصف بالجامد، فلا يقال للمرأة (زوجة)، ولم يسمع في فصيح الكلام، ولذلك عدّه بعض أهل اللغة لحناً. وكان الأصمعي ينكره أشد الإنكار قيل له: فقد قال ذو الرمّة:شعر : أذو زوجة بالمصِر أمْ ذو خصومة أراك لها بالبصرة العام ثاويا تفسير : فقال: إنّ ذا الرّمة طالما أكل المالح والبقْل في حوانيت البقّالين، يريد أنّه مولّد. وقال الفرزدق:شعر : وإنّ الذي يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أسد الشرى يستبيلها تفسير : وشاع ذلك في كلام الفقهاء، قصدوا به التفرقة بين الرجل والمرأة عند ذكر الأحكام، وهي تفرقة حسنة. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} تفسير : في سورة البقرة (35). وقد شمل وخلق منها زوجها} العبرة بهذا الخلق العجيب الذي أصله واحد، ويخرج هو مختلف الشكل والخصائص، والمنّة على الذكران بخلق النساء لهم، والمنّة على النساء بخلق الرجال لهنّ، ثم منّ على النوع بنعمة النسل في قوله: {وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء} مع ما في ذلك من الاعتبار بهذا التكوين العجيب. والبثّ: النشر والتفريق للأشياء الكثيرة قال تعالى: {أية : يوم يكون الناس كالفراش المبثوب}تفسير : [القارعة: 4]. ووصف الرجال، وهو جمع، بكثير، وهو مفرد، لأنّ كثير يستوي فيه المفرد والجمع، وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير} تفسير : في سورة آل عمران (146). واستغنى عن وصف النساء بكثير لدلالة وصف الرجل به ما يقتضيه فعل البث من الكثرة. شروع في التشريع المقصود من السورة، وأعيد فعل {اتّقوا}: لأنّ هذه التقوى مأمور بها المسلمون خاصّة، فإنّهم قد بقيت فيهم بقية من عوائد الجاهلية لا يشعرون بها، وهي التساهل في حقوق الأرحام والأيتام. واستحضر اسم الله العلم هنا دون ضمير يعود إلى ربّكم لإدخال الرّوع في ضمائر السامعين. لأنّ المقام مقام تشريع يناسبه إيثار المهابة بخلاف مقام قوله: {اتقوا ربكم} فهو مقام ترغيب. ومعنى {تسَّاءلون به} يَسْأل بعضكم بعضاً به في القسم فالمسايلة به تؤذن بمنتهى العظمة، فكيف لا تتّقونه. وقرأ الجمهور {تسَّاءلون} ـــ بتشديد السين ـــ لإدغام التاء الثانية، وهي تاء التفاعل في السين، لقرب المخرج واتّحاد الصفة، وهي الهمس. وقرأ حمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف: تساءلون ـــ بتخفيف السين ـــ على أنّ تاء الافتعال حذفت تخفيفاً. {والأرحام} قرأه الجمهور ـــ بالنصب ـــ عطفاً على اسم الله. وقرأه حمزة ـــ بالجرّ ـــ عطفاً على الضمير المجرور. فعلى قراءة الجمهور يكون الأرحام مأموراً بتقواها على المعنى المصدري أي اتّقائها، وهو على حذف مضاف، أي اتّقاء حقوقها، فهو من استعمال المشترك في معنييه، وعلى هذه القراءة فالآية ابتداء تشريع وهو ممّا أشار إليه قوله تعالى: {وخلق منها زوجها} وعلى قراءة حمزة يكون تعظيماً لشأن الأرحام أي التي يسأل بعضكم بعضاً بها، وذلك قول العرب: «ناشدتك اللَّه والرحم» كما روى في «الصحيح»: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حين قرأ على عتبة بن ربيعة سورة فصّلت حتّى بلغ: {أية : فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود}تفسير : [فصلت: 13] فأخذت عتبة رهبة وقال: ناشدتك اللَّه والرحم. وهو ظاهر محمل هذه الرواية وإن أباه جمهور النحاة استعظاماً لعطف الاسم على الضمير المجرور بدون إعادة الجارّ، حتّى قال المبرّد: «لو قرأ الإمام بهاته القراءة لأخذت نعلي وخرجت من الصلاة» وهذا من ضيق العطن وغرور بأنّ العربية منحصرة فيما يعلمه، ولقد أصاب ابن مالك في تجويزه العطف على المجرور بدون إعادة الجارّ، فتكون تعريضاً بعوائد الجاهلية، إذ يتساءلون بينهم بالرحم وأواصر القرابة ثم يهملون حقوقها ولا يصلونها، ويعتدون على الأيتام من إخوتهم وأبناء أعمامهم، فناقضت أفعالُهم أقوالَهم، وأيضاً هم قد آذوا النبي صلى الله عليه وسلم وظلموه، وهو من ذوي رحمهم وأحقّ الناس بصلتهم كما قال تعالى: {أية : لقد جاءكم رسول من أنفسكم}تفسير : [التوبة: 128] وقال: {أية : لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم}تفسير : [آل عمران: 164]. وقال: {أية : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}تفسير : [الشورى: 23]. وعلى قراءة حمزة يكون معنى الآية تتمّة لمعنى التي قبلها.
الواحدي
تفسير : {يا أيها الناس} يا أهل مكَّة {اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة} آدم {وخلق منها زوجها} حوَّاء. خُلقت من ضلع من أضلاعه {وبث} أَيْ: فرَّق ونشر {منهما}، {واتقوا الله} أَيْ: خافوه وأطيعوه {الذي تساءلون به} أَيْ: تتساءلون فيما بينكم حوائجكم وحقوقكم به، وتقولون: أسألك بالله، وأنشدك الله، وقوله: {والأرحام} أيْ: واتَّقوا الأرحام أن تقطعوها {إنَّ الله كان عليكم رقيباً} أَيْ: حافظاً يرقب عليكم أعمالكم، فاتَّقوه فيما أمركم به ونهاكم عنه. {وآتوا اليتامى أموالهم} الخطاب للأولياء والأوصياء، أَيْ: أعطوهم أموالهم إذا بلغوا {ولا تتبدلوا الخبيث} من أموالهم الحرام [عليكم] {بالطيب} الحلال من مالكم، وهو أنَّه كان وليُّ اليتيم يأخذ الجيد من ماله، ويجعل مكانه الرَّديء {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} لا تضيفوها في الأكل إلى أموالكم إذا احتجتم إليها {إنَّه} أَيْ: إنَّ أكل أموالهم {كان حوباً كبيراً} أيْ: إثماً كبيراً.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى أوجدكم من نفس واحدة، وأنشأ من هذه النفس زوجها، وخلق منهما رجالاً كثيراً ونساء، فأنتم جميعاً تنتهون إلى تلك النفس الواحدة، واتقوا الله الذى تستعينون به فى كل ما تحتاجون، ويسأل باسمه بعضكم بعضاً فيما تتبادلون من أمور، واتقوا الأرحام فلا تقطعوها قريبها وبعيدها، إن الله دائم الرقابة على أنفسكم، لا تخفى عليه خافية من أموركم، ومجازيكم عليها. 2- ومَلّكُوا اليتامى ما يستحقون من مال، واحفظوه لهم، ولا تعطوهم الردئ وتحرموهم الجيد، ولا تأخذوا أموالهم وتضيفوها إلى أموالكم، إن ذلك كان إثماً كبيراً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الناس: البشر، واحد الناس من غير لفظه وهو إنسان. اتقوا ربكم: خافوه أن يعذبكم فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه. من نفس واحدة: هي آدم عليه السلام. وخلق منها زوجها: خلق حواء من آدم من ضلعه. وبث: نشر وفرق في الأرض من آدم وزوجه رجالا ونساء كثراً. تساءلون به: كقول الرجل لأخيه أسألك بالله أن تفعل لي كذا. والأرحام: الأرحام جمع رحم، والمراد من اتقاء الأرحام صلتها وعدم قطعها. رقيباً: الرقيب: الحفيظ العليم. معنى الآية الكريمة: ينادي الرب تبارك وتعالى عباده بلفظ عام يشمل مؤمنهم وكافرهم: يا أيها الناس ويأمرهم بتقواه عز وجل وهي اتقاء عذابه في الدنيا والآخرة بالإِسلام التام إليه ظاهراً وباطناً. واصفا نفسه تعالى بأنه ربهم الذي خلقهم من نفس واحدة وهي آدم الذي خلقه من طين، وخلق من تلك النفس زوجها وهي حواء، وأنه تعالى بث منهما أي نشر منهما في الأرض رجالاً كثيرا ونساء كذلك ثم كرر الأمر بالتقوى إذ هي ملاك الأمر فلا كمال ولا سعادة بدون الالتزام بها قائلا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، أي اتقوا الله ربكم الذي آمنت به قلوبكم فكنتم إذا أراد أحدكم من أخيه شيئاً قال له أسألك بالله إلا أعطيتنى كذا.. واتقوا الأرحام أن تقطعوها فإن في قطعها فساداً كبيراً وخللاً عظيما يصيب حياتكم فيفسدها عليكم، وتوعدهم تعالى إن لم يمتثلوا أمره بتقواه ولم يصلوا أرحامهم بقوله إن الله كان عليكم رقيباً مراعيا لأعمالكم محصياً لها حافظاً يجزيكم بها ألا أيها الناس فاتقوه. هداية الآية الكريمة من هداية الآية الكريمة: 1- فضل هذه الآية إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذ خطب في حاجة تلا آية آل عمران{أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ}تفسير : [الآية: 102]. وتلا هذه الآية، ثم آية الأحزاب {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} تفسير : [الآية: 70-71] ثم يقول أما بعد ويذكر حاجته. 2- أهمية الأمر بتقوى الله تعالى اذ كررت في آية واحدة مرتين في أولها وفي آخرها. 3- وجوب صلة الأرحام وحرمة قطعها. 4- مراعاة الأخوة البشرية بين الناس واعتبارها في المعاملات.
القطان
تفسير : الزوج: يطلق على الذكر والأنثى. بث: خلق ونشر. تساءلون به: يسأل بعضكم بعضا به، كأن يقول: سألتك بالله ان تفعل كذا. الأرحام: جمع رحم وهي القرابة. اليتيم: من مات أبوه وهو صغير قاصر. حوباً كبيراً: اثما عظيما. يا أيها الناس احذروا عصيان خالقكم، الذي انشأكم من العدم، واذكروا انه أوجدكم من نفس واحدة خلق منها زوجها، ثم نشر منها رجالاً ونساء كثيرين. فاتقوا الله الذي تستعينون به في كل ما تحتاجون، ويسأل بعضكم بعضا باسمه فيما تتبادلون من أمور. كذلك تذكَّروا حقوق الرحم والقرابةِ عليكم فلا تفّرطوا فيها ولا تقطعوا وشائجها. وقد قرن الله الرحم باسمه الكريم لأن صلتها أمر عظيم عنده. وقد ورد في الحديث الصحيح "حديث : ان الرحم تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله"تفسير : . وكذلك قال رسول الله "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصِل رحمه ". تفسير : ظهرت العناية باليتامى في القرآن الكريم منذ اول نزول الوحي، واستمر يوصي بهم الى أواخر نزول القرآن. وقد وردت آيات كثير توصي باليتيم والمحافظة على ماله حتى جعل بعضُها من يظلم اليتيم ويقصّر في حقه كأنه يكفر بالله ويكذّب بيوم الدين. في هذه السورة العظيمة جاءت الآيات تأمر بالمحافظة على أموال اليتامى والقيام بحقوقهم، ثم تشدّد في التحذير من اهمال ذلك. وقد مهدت لهذه الأحكام في آيتها الاولى، فطلبت تقوى الله، والتقوى في الرحم، وأشعرت الناس أنهم جميعا من نفس واحدة، فاليتيم رحمُهم وان كان من غير أسرتهم. وبعد هذا التمهيد الجميل أمرَهم الله بحفظ أموال اليتامى حتى يتسلموها كاملة عندما يبلغون سنّ الرشد، كما حذّرهم من الاحتيال في مبادلة الطيب المختار من مال اليتيم بالرديء الخبيث من أموال الوصي عليه، أو خلط أموالكم باموال اليتامى. وقد عبر عن هذا بالأكل {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ}. فإن لجأتم الى التحايل بالمبادلة، أو الأكل تحت شعار الخلط، فاعلموا {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} اي ذنْباً عظيماً، فاجتنبوه. قراءات: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: "تساءلون" بفتح السين المخففة، وقرأ الباقون "تساءلون" بفتح السين المشددة، وقرأ حمزة "والارحام" بجر الميم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {وَاحِدَة} (1) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِتَقْوَاهُ (أَيْ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ)، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ عِصْيَانِهِ، فَهُوَ الذِي خَلَقَهُمْ جَمِيعاً مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ (هِيَ آدَمُ، عَلَيهِ السَّلاَمُ)، وَخَلَقَ مِنْ هَذِهِ النَّفْسِ زَوْجَها (حَوَّاءَ)، وَخَلَقَ مِنْ هَاتَيْنِ النَّفْسَينِ البَشَرَ رِجَالاً وَنِسَاءً، وَنَشَرَهُمْ فِي الأرْضِ عَنْ طَرِيقِ التَّزَاوُجِ. ثُمَّ يَعُودُ تَعَالَى فَيُكَرِّرُ أمْرَهُ لِعِبَادِهِ بِطَاعَتِهِ وَتَقْوَاهُ وَيَقُولُ لَهُمْ: إنَّهُ هُوَ اللهُ الذِي يَتَسَاءَلُونَ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ (فَيَقُولُ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ: أسْألُكَ اللهَ، وَأَنْشُدُكَ اللهَ..)، وَيَأمُرُهُمْ تَعَالَى بِأنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ قَطْعِ صلاتِ الرَّحمِ وَالقَرَابَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، (وَفِي أَكْثَر مِنْ مَكَانٍ مِنَ القًُرْآنِ يُكَرِّرُ تَعَالَى أمْرَهُ إلَى عِبَادِهِ بِصِلَةِ الأرْحَامِ وَبِرِّهَا)، ثُمَّ يُخْبِرُهُمْ أنَّهُ هُوَ اللهُ، وَأنَّهُ مُشْرِفٌ عَلَى أعْمَالِ البَشَرِ، وَمُرَاقِبٌ لَهَا، وَأنَّهُ مُجَازِيهِمْ عَلَيهَا يَوْمَ القِيَامَةِ. النَّفْسُ الوَاحِدَةُ - هِيَ آدَمُ عَلَيهِ السَّلاَمُ. تَسَاءَلُونَ بِهِ - يَسْألُ بَعْضُكُمْ بِهِ بَعْضاً (سَألْتُكَ اللهَ). الرَّقِيبُ - المُشْرِفُ مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ لِلْمُرَاقَبَةِ. الأرْحَامَ - القَرَابَاتِ. بَثَّ مِنْهُمَا - نَشَرَ مِنْهُمَا بِالتَّناسُلِ.
الثعلبي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني آدم {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يعني حواء، ونظيرها في سورة الأعراف والزّمر {وَبَثَّ} نشر وأظهر {مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ} تسألون به، وخففه أهل الكوفة على حذف إحدى التائين تخفيفاً كقوله: {أية : وَلاَ تَعَاوَنُواْ} تفسير : [المائدة: 2] ونحوها، {وَٱلأَرْحَامَ}. قراءة العامة: نصب أي واتقوا الأرحام إن تقطعوها. وقرأ النخعي ويحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف وقتادة والأعمش وحمزة: بالخفض على معنى وبالأرحام، كما يقال: سألتك بالله والرحمن، ونشدتك بالله والرحمن، والقراءة الأولى أصح وأفصح، لأن العرب لا يكلأ بنسق بظاهر على المعنى، إلاّ أن يعيدوا الخافض فيقولون: مررت به وبزيد، أو ينصبون. كقول الشاعر: شعر : يا قوم مالي وأبي ذويب تفسير : إلاّ أنه جائز مع قوله، وقد ورد في الشعر. قال الشاعر: شعر : فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا اذهب فمالك والأيام من عجب تفسير : وأنشد الفراء لبعض الأنصار: شعر : نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب غوط نفانف تفسير : وقرأ عبد الله بن يزيد المقبري: (والأرحام) رفعاً على الابتداء، كأنه نوى تمام الكلام عند قوله {تَسَآءَلُونَ بِهِ} ثم ابتدأ كما يقال: زيد ينبغي أن يكرم، ويحتمل أن يكون إغراء، لأن العرب من يرفع المغري. وأنشد الفراء: شعر : أين قوماً منهم عمير وأشباه عمير ومنهم السفاح لجديرون باللقاء إذا قال أخو النجدة السلاح السلاح تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} أي حافظاً، قيل: بمعنى فاعل {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} الآية. قال مقاتل والكلبي: حديث : نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال، فمنعه عمه فترافعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من يوق شح نفسه ويطع ربّه هكذا فإنه يحل داره" يعني جنته، فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ثبت الأجر وبقي الوزر". فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بقي الوزر؟ وهو بقي في سبيل الله. فقال: "يثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده، وآتوا خطاب لأولياء اليتيم والأوصياء ". تفسير : وقوله تعالى: {ٱلْيَتَامَىٰ} فلا يتم بعد البلوغ، ولكنه من باب الاستعارة، كقوله: {أية : وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 120] ولا سحرة مع السجود، ولكن سمّوا بما كانوا عليه قبل السجود، وقوله: {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} أي من كانوا يتامى إذا بلغوا وآنستم منهم رشداً، نظيره: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ} [النساء: 2]، {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ} يعني لا تستبدلوا مالهم الحرام عليكم بأموالكم الحلال لكم، نظيره قوله: {أية : لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ} تفسير : [المائدة: 100] واختلفوا في معنى هذا التأويل وكيفيته: فقال سعيد بن المسيب والنخعي والزهري والسدي والضحاك: كان أولياء اليتامى وأوصيائهم يأخذون الجيد والرفيع من مال اليتامى، ويجعلون مكانه الرديء والخسيس، فربما كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من مال اليتيم ويجعل مكانها الشاة المهزولة، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم، فذلك تبدلهم فنهاهم الله تعالى عنها. عطاء: لا تربح على يتيمك الذي عندك وهو غر صغير. ابن زيد: كان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث. وقال ابن زيد: (وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان) لا يورثوهن شيئاً فنصيبه من الميراث طيب وهذا الذي أخذه خبيث. مجاهد وباذان: لا تعجل الرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال. {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} أي مع أموالكم، كقوله: {أية : مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 52، الصف: 14]. وأنشد المفضل سلمة بن الخرشب الأنصاري: شعر : يسدون أبواب القباب بضمر إلى عنن مستوثقات نقاب الأواصر تفسير : أي مع غنن. {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} أي إثماً عظيماً، وفيه ثلاث لغات: قرأه العامة: حُوباً بالضم، وهي لغة النبي صلى الله عليه وسلم وأهل الحجاز، يدل عليه ما روى أبو عبيد عن عباد بن عباد عن واصل مولى ابن عيينة قال: قلت لابن سيرين كيف يُقرأ هذا الحرف: إنه كان حوباً أو حَوباً؟ فقال: حديث : إن أبا أيوب أراد أن يطلق أم أيوب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن طلاق أم أيوب حُوب" . تفسير : وقرأ الحسن: (حَوباً) بفتح الحاء وهي لغة تميم. [وقال مقاتل: لغة الحبش]. وقرأ أُبي بن كعب: (حاباً) على المصدر، مثل القال، ويجوز أن يكون اسماً مثل الراد والنار، ويقال للذنب حُوب وحَوب وحاب وللأذناب، كذلك يكون مصدراً واسماً، فقال: حاب يحوب حُوباً وحوباً وحاباً وحباية إذا أثم. قال أبو معاذ: نزلنا منزلا قريباً من مدينة، فرمى رجل غطاية صغيرة (فقيل له): يا حاج لا تقتلها فتصيب حوباً إنها لا تؤذي، ومنه قيل للقاتل حائب، حكاه الفراء عن بني أسد. وقال أمية بن الأسكن الليثي وكان ابنه قد هاجر بغير إذنه: شعر : وإن مهاجرين تكنفاه غداتئذ لقد خطئا وحابا تفسير : وقال آخر: شعر : عض على شبدعه الأريب فظل لا يلحي ولا يحوب تفسير : وقال آخر: شعر : وابن ابنها منا ومنكم وبعلها خزيمة والأرحام وعثاء حوبها تفسير : أي شديد إثمها. وقال آخر: شعر : فلا تبكوا عليَّ ولا تحنوا بقول الإثم إن الإثم حوب تفسير : {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} الآية، اختلف المفسرون في تنزيلها وتأويلها: فقال بعضهم: معناها وإن خفتم ألاّ تعدلوا يا معشر أولياء اليتامى فيهن، إذا تزوجتم بهن فانكحوا غيرهن من الغرائب اللواتي أحلهن الله لكم. وروى الزهري عن عروة عن عائشة قال: قلت لها ما قول الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} فقالت: يابن أخي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بأدنى من صداقها فنهي أن تنكحوهن إلاّ أن تقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأُمروا أن ينكحوا ما سواهنّ من النساء. قال الحسن: كان الرجل من أهل المدينة يكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له تزويجها فيقول لها: لا أدخل في رباعي أحداً كراهة أن يدخل غريب فيشاركه في مالهنّ، فربما يتزوجهن لأجل مالهن ومن لا يعجبنه ثم نسى صحبتهن ويتربص بهن أن يمتن فيرثهن، فعاب الله عزّ وجلّ ذلك وأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. عكرمة: كان الرجل من قريش يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدما لما يلزمه من مؤن نسائه، مَالَ على مال يتيمته التي في حجره فأنفقه فقيل لهم: امسكوا عن النساء ولا تزيدوا على أربع حتى لا يخرجكم إلى أخذ أموال اليتامى، وهذه رواية طاوس عن ابن عباس، ومعنى رواية عطية عنه. وقال بعضهم: كانوا يتحرجون ويتحوبون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء ولا يتعددون فيهن ويتزوجون ما شاؤا، فربما عدلوا وربما لم يعدلوا، فلما سألوا عن حال مال اليتامى أنزل الله {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} الآية، وأنزل أيضاً هذه الآية {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} يقول: كما خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى وهمّكم ذلك، فكذلك فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن ولا تتزوجوا أكثر ممّا يمكنكم امساكهنّ والقيام بحقهن، لأن النساء كاليتيم في الضعف والعجز، فما لكم تراقبون الله عزّ وجلّ في شيء وتعصونه في مثله، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي، ورواية الوالبي عن ابن عباس. وقال الحسن أيضاً: تحرجوا من نكاح اليتامى كما تحرجوا من أموالهم، فأنزل الله هذه الآية، ورخص فيهن وقصر بهن على عدد، فعليكم العدل فيهن، فإن خفتم يا معشر الأولياء في اليتامى التي أنتم ولاتهن ألاّ تقسطوا، فأنكحوهن ولا تزيدوا على أربع، لتعدلوا، فإن خفتم ألاّ تعدلوا فيهن فواحدة. قال ابن عباس: قصر الرجال على أربع من النساء من أجل اليتامى. مجاهد: معناه إن تحرجتم من ولاية اليتامى فأموالهم إيماناً وتصديقاً، فكذلك تحرجوا عن الزنا، فانكحوا النساء الحلال نكاحاً طيباً، ثم بيّن لهم عدداً محصوراً وكانوا يتزوجون ما شاؤا من غير عدد، فأنزل الله {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ} أي أن لا تعدلوا. وقرأها إبراهيم النخعي: (تَقسطوا) بفتح التاء وهو من العدل أيضاً. قال الزجاج: قسط واقسط واحد، إلاّ أن الأفصح اقسط إذا عدل، وقسط إذا جار، وإن حملت قراءة إبراهيم على الجور وجعلت لا لغواً صحّ الكلام، واليتامى جمع لذكران الأيتام. {فَٱنكِحُواْ مَا}. قرأ إبراهيم بن أبي عبلة: (مَن) لأن ما لما لا يعقل ومَن لما يعقل، ومن قرأ (ما) فله وجهان: أحدهما: أن ردّه إلى الفعل دون العين تقديره: فانكحوا النكاح الذي يحل لكم من النساء، وهذا كما تقول: خذ من رفيقي ما أردت والإخوان، تجعل (ما) بمعنى (من)، والعرب يعقب ما من ومن ما. قال الله تعالى {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا} تفسير : [الشمس: 5] وأخواتها، وقال: {أية : فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ} تفسير : [النور: 45] الآية. وحكى أبو عمرو بن العلاء: أن أهل مكة إذا سمعوا الرعد قالوا: (سبحان ما يسبّح له الرعد)، وقال الله: {أية : قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 23]. {طَابَ} حل {لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ}. وقرأ ابن أبي إسحاق والجحدري والأعمش (طاب): بالإمالة وفي مصحف أُبيّ: (طيب) بالياء، وهذا دليل الإمالة. {مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} معدولات عن اثنين وثلاث وأربع، فلذلك لا يصرفن، وفيها لغات موحد ومثنى ومثلث ومربع، وأحاد وثناء وثلاث ورباع، وأحد وثنى وثلث وربع، مثل عمر وزفر. وكذلك قرأ النخعي في هذه الآية، ولا يزاد من هذا البناء على الأربع إلاّ بيتاً جاء عن الكميت: شعر : فلم يستريثوك حتى رميت فوق الرجال خصالا عشاراً تفسير : يعني طعنت عشرة. قالوا: وهاهنا بمعنى (لو للتحقيق) كقوله {أية : إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ} تفسير : [سبأ: 46] وقوله {أية : أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} تفسير : [فاطر: 1] وهذا إجماع الأمة، وخصائص النبي صلى الله عليه وسلم غير مشتركة. الكلبي عن خميصة بنت الشمردل: أن قيس بن الحرث حدثها أنه كان تحته ثمان نسوة حرائر، قال: فلما نزلت هذه الآية قلت: حديث : يا رسول الله قد أنزل الله عليك تحريم تزوج الحرائر إلاّ أربع حرائر وأن تحتي ثمان نسوة، قال: "فطلّق أربعاً وأمسك أربعاً". قال: فرجعت إلى منزلي فجعلت أقول للمرأة التي ما تلد مني يا فلانة أدبري وللمرأة التي قد ولدت يا فلانة أقبلي، فيقول للتي طلق أنشدك الله والمحبة قال: فطلقت أربعاً وأمسكت أربعاً . تفسير : {فَإِنْ خِفْتُمْ} خشيتم، وقيل: علمتم {أَلا تَعْدِلُوا} بين الأربع {فَوَاحِدَةً}. قرأ العامة: بالنصب. وقرأ الحسن والجحدري وأبو جعفر: (فواحدةٌ) بالرفع، أي فليكفيكم واحدة، أي واحدة كافية، كقوله عزّ وجلّ: {أية : فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ} تفسير : [البقرة: 282]. {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعني الجواري والسراري، لأنه لا يلزمكم فيهن من الحقوق والذي يلزمكم في الحرمة، ولا قسمة عليكم فيهن ولا وقت عليكم في عددهن، وذكر الإيمان بيان تقديره {أَوْ مَا مَلَكَتْ}. وقال بعض أهل المعاني: (أو ما ملكت أيمانكم) أي ما ينفذ فيه أقسامكم جعله من يمين الحلف لا يمين الجارحة، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم ". تفسير : {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ} أقرب {أَلاَّ تَعُولُواْ}. عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عزّ وجلّ: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} قال: "ألاّ تجوروا". وروى هشام بن عروة عن عائشة أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عزّ وجلّ: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} أن لا تميلوا، وأكثر المفسرين على هذا. قال مقاتل: هو لغة جرهم، يقال: ميزان عائل، أي مائل. وكتب عثمان بن عفان(رضي الله عنه) إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: أني لست بميزان لا أعول. وأنشد عكرمة لأبي طالب: شعر : بميزان صدق لا يغل شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل تفسير : وقال مجاهد: ذلك أدنى ألاّ تضلوا. وقال الفراء والأصم: أن لا تجاوزوا ما فرض الله عليكم، وأصل العول المجاوزة، ومنه عول الفرائض. وقال الشافعي: أن لا تكثر عيالكم وما قال هذا أحد غيره وإنما يقال: أعال يعيل إذا كثر عياله. قال أبو حاتم: كان (الشافعي) أعلم بلغة العرب منّا ولعله لغة. قال الثعلبي: قال أستاذنا أبو القاسم بن حبيب: سألت أبا عمرو الدوري عن هذا وكان إماماً في اللغة غير مدافع فقال: هي لغة حمير. وأنشد: شعر : وإنّ الموت يأخذ كل حيّ بلاشك وإن أمشى وعالا تفسير : أي كثرت ماشيته وعياله. قال أبو عمرو بن العلاء: لقد كثرت وجوه العرب حتى خشيت أن آخذ عن لاحن لحناً. وقرأ طلحة بن مصرف: ألاّ تعيلوا، وهو قوة قول الشافعي. وقرأ بعضهم: ألاّ تعيلوا من العيلة أي لا تفتقروا. قال الشاعر: شعر : ولا يدري الفقير متى غناه ولا يدري الغني متى يعيل تفسير : وقرأ طاووس: لا تعيلوا من العلة. روى بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل ". تفسير : {وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}. قال الكلبي وجماعة من العلماء: هذا خطاب للأولياء، وذلك أن ولي المرأة كان إذا زوّجها غريباً حملوها إليه على بعير ولا يعطونها من مهرها شيء، فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلا ولا كثيراً، وان كانت غريبة حملها على بعير إلى زوجها ولم يعطها شيئاً غير ذلك البعير، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئاً لك النافجة، يريدون أنه يأخذ مهرها إبلا فيضمها إلى إبله فينتفجها أي يعظمها ويكثرها. قال بعض النساء في زوجها: شعر : لا تأخذ الحلوان من بناتها تفسير : تقول: لا يفعل ما يفعله غيره، فنهاهم الله عزّ وجلّ عن ذلك وأمرهم بأن يدفعوا الحق إلى أهله. قال الحضرمي: كان أولياء النساء يعطي هذا أخته على أن يعطيه الآخر أخته لا مهر بينهما، فنهوا عن ذلك وأمرهم بتسميته وأمروا المهر عند العقد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا شغار في الإسلام ". تفسير : وقال آخرون: الخطاب للأزواج أُمروا بإيفاء نسائهن مهورهنّ التي هي أثمان فروجهنّ، وهذا أصح وأوضح بظاهر الآية وأشبه، لأن الله تعالى خاطب الناكحين فيما قبله، وهذا أصل خطابهم. والصَدُقات المهور واحدها صدقة بفتح الصاد وضم الدال على لفظ الجمع، وهي لغة أهل الحجاز وتميم. يقول صُدقة بضم الصاد وجزم الدال، فإذا جمعوا قالوا: صُدقات بضم الصاد وسكون الدال، وصُدُقات بضم الصاد والدال مثل ظلمة وظلمات، وظلمات نظيرها المثلات، لغة تميم مثلة ومثلات ومَثُلات بفتح الميم وضم الثاء واحدتها مثلة على لفظ الجمع لغة الحجاز. {نِحْلَةً} قال قتادة: فريضة واجبة، ابن جريج وابن زيد: فريضة مسمّاة. قال أبو عبيد: ولا تكون النحلة مسماة معلومة، الكلبي: عطية وهبة، أبو عبيدة: عن طيب نفس، الزجاج: تديناً، وفيه لغتان: نِحلة ونَحلة، وأصلها من العطاء وهي نصب على التفسير وقيل على المصدر. روى مرثد بن عبد الله عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج ". تفسير : وعن يوسف بن محمد بن عبد الحميد بن زياد بن صهيب عن أبيه عن جده صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أدان بدين وهو مجمع أن لا يفي به لقي الله عزّ وجلّ سارقاً، ومن أصدق امرأة صداقاً وهو مجمع على أن لا يوفيها لقى الله عزّ وجلّ زانياً ". تفسير : {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا} يعني فإن طابت نفوسهنّ بشيء من ذلك فوهبن منكم فنقل الفعل من النفوس إلى أصحابها، فخرجت النفس مفسرة، ولذلك وحَدَّ النفس، كما يقال: ضاق به ذرعاً وقرَّ به عيناً، قال الله تعالى: {أية : وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} تفسير : [العنكبوت: 33]. وقال بعض نحاة الكوفة: لفظها واحد ومعناها جمع، والعرب تفعل ذلك كثيراً. قال الشاعر: شعر : بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب تفسير : وقال آخر: شعر : في حلقكم عظم وقد شجينا تفسير : وقال بعض نحاة البصرة: شعر : إذا ما دنا الليل المضى بذي الهوى تفسير : والهوى مصدر، والمصادر لا تجمع {فَكُلُوهُ} أي خذوه واقبلوه {هَنِيئاً مَّرِيئاً} قال الحضرمي: إن أُناساً كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء ممّا ساق إلى امرأته، فقال الله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً} من غير إكراه ولا خديعة فكلوه هنيئاً مريئاً أي سائغاً طيباً، وهو مأخوذ من هنّات البعير إذا عالجته بالقطران من الجرب، معناه فكلوه هنيئاً شافياً معافياً، هنأني الطعام يهنيني بفتح النون في الماضي وكسره في الغابر يهنيني يهناني على الضد وهي قليلة، والمصدر منهما هنؤ يقال: هنأني ومرأني بغير ألف فيها، فإذا أفردوا قالوا: أمرأني بالألف وقيل الهنى الطيب المتاع الذي لا ينغصه شيء، والمرىء المحمود العاقبة التام الهظم الذي لا يضر ولا يؤذي، يقول: لا تخافون في الدنيا مطالبة ولا في الآخرة تبعة، يدل عليه ما روى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل عن هذه الآية {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً} قال: "حديث : إذا جادت لزوجها بالعطية غير مكرهة لا يقضي به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم الله تعالى به في الآخرة ". تفسير : روى إبراهيم بن عيسى عن علي بن علي عن أبي حمزة قال: (هنيئاً) لا إثم فيه (مريئاً) لاداء فيه في الآخرة. وروى شعبة عن علي قال: إذا ابتلى أحدكم شيئاً فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها ثم يشتر به عسلاً، فليشربه بماء السماء فيجمع الله له الهنيء المريء والشفاء والماء المبارك. {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} الآية. اختلفوا في هؤلاء السفهاء من هم؟ فقال قوم: هم النساء. قال الحضرمي: عمد رجل فدفع ماله إلى امرأته فوضعته في غير الحق، فأنزل الله تعالى هذه الآية. مجاهد: نهى الرجال أن يؤتوا النساء أموالهم وبين سفهاء من كن أزواجاً أو كن أو بنات أو أُمهات. جويبر عن الضحاك: النساء من أسفه السفهاء، يدل على صحة هذا التأويل ما روى علي بن زيد عن القاسم عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا إنما خلقت النار للسفهاء يقولها ثلاثاً ألا وإن السفهاء النساء إلاّ امرأة أطاعت قيّمها ". تفسير : أبان عن ابن عياش عن أنس بن مالك قال: حديث : جاءت امرأة سوداء جريئة المنطق ذات ملح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله قُل فينا خيراً مرة واحدة، فإنه بلغني أنك تقول فينا كل شرّ. قال: "أي شيء قلت لكُنّ؟" قالت: سمّيتنا السفهاء في كتابه وسمّيتنا النواقص. فقال: "وكفى نقصاناً أن تدعن من كل شهر خمسة أيام لا تصلين فيهنَّ، أما يكفي إحداكنَّ إذا حملت كان لها كأجر المرابط في سبيل الله، وإذا وضعت كانت كالمتشحط بدمه في سبيل الله، وإذا أرضعت كان لها بكل جرعة كعتق رقبة من ولد إسماعيل، وإذا سهرت كان لها بكل سهرة تسهرها كعتق رقبة من ولد إسماعيل، وذلك للمؤمنات الخاشعات الصابرات اللاتي لا يكفرن بالعشير". قالت السوداء: يا له فضلاً لولا ما تبعه من الشرط ". تفسير : وروى عاصم عن مورق قال: مرّت امرأة بعبد الله بن عمر لها شارة وهيبة فقال لها ابن عمر: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ}. وقال معاوية بن قرة: عوّدوا نساءكم فإنهن سفيهات، إن أطعت المرأة أهلكتك. وقال آخرون: هم الأولاد، وهي رواية عطية عن ابن عباس. قال الزهري وأبو مالك يقول: لا تعط ولدك السفيه مالك الذي هو قوامك بعد الله فيفسده، وقال بعضهم: هم النساء والصبيان. قال الحسن: هي امرأتك السفيهة وابنك السفيه. قتادة: أمر الله بهذا المال أن يُخزن فيحسن خزائنه ولا تملكه المرأة السفيهة ولا الغلام السفيه فيبذره، قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} تفسير : [البقرة: 188]. عبيد عن الضحاك: ولا تعطوا نساءكم وأبناءكم أموالكم فيكونوا عليكم أرباباً. ابن عباس: لا تعمد إلى مالك الذي خوّلك الله تعالى وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك وبنيك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم. الكلبي: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد، فلا ينبغي له أن يسلط واحداً منهما على ماله ليفسده. وقال السدي: لا تُعط المرأة مالها حتى تتزوج وإن قرأت التوراة والإنجيل والقرآن، ولا تعط الغلام ماله حتى يحتلم. وقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مال اليتيم يكون عندك، يقول: لا تؤته إياه، وأنفق عليه حتى يبلغ، فإن قيل على هذا القول: كيف أضاف المال إلى الأولياء فقال: (أموالكم) وهي أموال السفهاء؟ قيل: إنما أضاف إليهم لأنها الجنس الذي جعله الله أموالا للناس كقوله: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ} تفسير : [التوبة: 128] وقوله: {أية : فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 54] ردّها إلى الجنس، أي الجنس الذي هو جنسكم. وقال محمد بن جرير: إنما أضيفت إلى الولاة لأنهم قوامها ومدبروها، والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله، هو المستحق للحجر بتضييعه ماله وإفساده وسوء تدبيره. روى الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل دين فلم يُشهد عليه، ورجل أعطى سفيهاً ماله وقد قال الله {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} أي الجهال بموضع الحق. {أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي}. قرأ الحسن والنخعي: اللاتي، وهما بمعنى واحد. وأنشد: شعر : من اللواتي والتي واللاتي زعمن أني كبرت لذاتي تفسير : فجمع بين ثلاث لغات. قال الفراء: العرب تقول في جمع النساء: اللاتي، أكثر مما تقولون: التي، ويقولون في جمع الأموال وسائر الأشياء: التي، أكثر ممّا يقولون: اللاتي، وهما جائزان. {جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} قرأ ابن عمر (قَواما) بالواو وفتح القاف كالدوام، وقرأ عيسى بن عمر (قِواما) بكسر القاف على الفعل، لأن الأصل الواو. وقال الكسائي: هما لغتان ومعناهما واحد، وكان أبو حاتم يفرّق بينهما فيقول: القوام بالكسر الملاك، والقوام بالفتح امتداد القامة. وقرأ الأعرج ونافع: (قِيّما) بكسر القاف. الباقون: (قياماً) وأصله قواماً فانقلب الواو ياءً، لانكسار ما قبلها، مثل صيام ونيام، وهن جميعاً ملاك الأمر وما يقوم به الإنسان، يقال: فلان قوام أهل بيته، وأراد هاهنا قوام عيشكم الذي تعيشون به. وقال الضحاك: به يقام الحج والجهاد وأعمال البر، وهي فكاك الرقاب من النار. وقال بعضهم: أموالكم التي تقومون بها قياماً. {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا} أي أطعموهم {وَٱكْسُوهُمْ} لمن يجب عليكم رزقه ويلزمكم نفقته، والرزق من الله عزّ وجلّ عطية غير محدودة، ومن الناس الاجراء الموظف بوقت محدود، يقال: رزق فلان عياله كذا وكذا، أي أجرى عليهم، وإنما قال: فيها، ولم يقل: منها، لأنه أراد أن يجعل لهم فيها رزقاً، كأنه أوجب عليهم ذلك. {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} عدة جميلة. وقال عطاء: (قولا معروفاً) إذا ربحت أعطيتك كذا وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً. الضحاك: ردوا عليهم رداً جميلا. وقيل: هو الدعاء. قال ابن زيد: إن كان ليس من ولدك ولا ممّن يجب عليك نفقته فقل له قولا معروفاً، قل له عافانا الله وإيّاك بارك الله فيك. وقال المفضل: قولا ليناً تطيب به أنفسهم، وكلما سكنت إليه النفس أحبته من قول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ} الآية، نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه، وذلك أن رفاعة توفى وترك ابنه ثابتاً وهو صغير، فأتى عمُ ثابت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله، فأنزل الله تعالى {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ} أي اختبروهم في عقولهم وأبدانهم وحفظهم أموالهم {فَإِنْ آنَسْتُمْ} أبصرتم، قال الله: {أية : آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً}تفسير : [القصص: 1]. قال الشاعر: شعر : آنست نبأة وأفزعها القناص عصراً وقد دنا الإمساء تفسير : وفي مصحف عبد الله: فإن أحسنتم بمعنى أحسستم، فحذف إحدى السينين كقولهم: {أية : فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} تفسير : [الواقعة: 65]. قال الشاعر: شعر : خلا إن العتاق من المطايا أحسن به فهنّ إليه شوس تفسير : {مِّنْهُمْ رُشْداً} . قرأه العامة: بضم الراء وجزم الشين. وقرأ السلمي وعيسى: بفتح الراء والشين، وهما لغتان. قال المفسرون: يعني عقلا وصلاحاً وحفظاً للمال وعلماً بما يصلحه. قال سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي: إن الرجل يأخذ بلحيته وما بلغ رشده فلا يدفع إلى اليتيم ماله وإن كان شيخاً، حتى يؤنس منه رشده. قال الضحاك: لا يُعطى اليتيم وإن بلغ مائة سنة حتى يعلم منه إصلاح ماله. ذكر حكم الآية: اعلم أن الله تعالى علق زوال الحجر عن اليتيم الصغير وجواز دفع ماله إليه بشيئين: البلوغ والرشد، بعد أن أمر الأولياء بالابتلاء. ومعنى الابتلاء على ما ذكره جماعة من الفقهاء: الصغير لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون غلاماً أو جارية، فإن كان غلاماً رُدَّ النظر في نفقة الدار إليه شهراً أو إعطائه شيئاً نزراً يتصرف فيه ليعرف كيف تدبيره وتصرفه فيه، وإن كان جارية رُدَّ إليها ما يُرد إلى ربّة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه، وفي الاستغزال والاستقصاء على الغزالات في دفع القطن وأجرته واستيفاء الغزل وجودته، فإن رشدا وإلاّ بقيا تحت الحجر حتى يؤنس رشدهما، فأما البلوغ فإنه يكون بأحد خمسة أسباب، ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء واثنان يختص بهما النساء، والتي يشترك فيها الرجال والنساء: فالاحتلام وهو إنزال المني، فمتى أنزل واحد منهما فقد بلغ، سواء كان من جُماع أو احتلام أو غيرهما، والدليل عليه قوله: {أية : وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ} تفسير : [النور: 59] وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "حديث : خذ من كل حالم ديناراً أوعدله من المعافر ". تفسير : واختلف العلماء فيه، فقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد: إذا استكمل الصبي خمس عشرة سنة أو أنبت حكمنا ببلوغه. وقال أبو حنيفة: إن كانت جارية فبلوغها سبع عشرة سنة، وعنه في الغلام روايتان: أحدهما: تسع عشرة سنة، وهي الأشهر وعليها النظر. وروى اللؤلؤي عنه: ثمان عشرة سنة. وقال مالك وداود: لا يبلغ بالسن ثم اختلفا، فقال داود: لا يبلغ بالسن مالم يحتلم ولو بلغ أربعين سنة، وقال مالك: بلوغه بأن يغلظ صوته أو تنشق أرنبته. والدليل على أن حدّ البلوغ بالسن خمس عشرة سنة حديث عبد الله بن عمر قال: حديث : عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أُحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني فلم يرني بلغت أي، وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني الله في المقاتلة . تفسير : والإنبات وهو أن ينبت: في الغلام أو الجارية الشعر الخشن حول الفرج. وللشافعي في الإنبات قولان: أحدهما: أنه بلوغ، والثاني: دلالة البلوغ. وقال أبو حنيفة: لا يتعلق بالإنبات حكم، وليس هو ببلوغ ولا دلالة عليه. والدليل على أن البلوغ بالإنبات متعلق بما روى عطية القرظي عن سعد بن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم حكّمه في بني قريظة قال: فمكثت أكشف عنهم فكل من أنبت قتلته، ومن لم ينبت جعلته في الذرّية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ". تفسير : قال عطية: فكنت ممّن لم ينبت فجعلني في الذرّية. وأما ما يختص به النساء: فالحيض والحبل، يدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا يقبل صلاة حائض إلاّ بخمار" تفسير : فجعلها مكلفة بالحيض، وهذا القول في حدّ البلوغ. فأما الرشد: فقد اختلف الفقهاء فيه، فقال الشافعي: هو أن يكون صالحاً في دينه مُصلحاً في ماله، والصلاح في الدين أن يكون متجنباً للفواحش التي يفسق بها، وتسقط عدالته كالزنا واللواط والقذف وشرب الخمر ونحوها. وإصلاح المال: أن لا يضيّعه ولا يبذّره ولا يغبن في التصرف غبناً فاحشاً، فالرشد شيئان: جواز الشهادة وإصلاح، المال وهذا قول الحسن وربيعة ومالك. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا بلغ عاقلا مصلحاً لماله، زال الحجر عنه بكل حال، سواء كان فاسداً في دينه أو صالحاً فيه. فاعتبروا صلاح المال ولم يعتبروا صلاح الدين. ثم اختلفوا فيه إذا بلغ عاقلا مفسداً لماله: فقال أبو يوسف ومحمد: لا يزول الحجر عنه ويكون تصرفه باطلا إلاّ النكاح والعتق، ويبقى تحت الحجر أبداً إلى أن يظهر رشده. وقال أبو حنيفة: إذا بلغ عاقلا زال الحجر عنه، فإن كان مفسداً لماله منع من تسليم ماله إليه حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، فإذا بلغها يسلّم المال إليه بكل حال، سواء كان مفسداً له أو غير مفسد. وقيل: إنّ في مدة المنع من المال إذا بلغ مفسداً ينفذ تصرفه على الإطلاق، وإنما منع من تسليم المال إليه احتياطاً لماله، فقال: وجه تحديده بخمس وعشرين سنة أنه قد يُحبل منه لاثني عشرة سنة ثم يولد له لستة أشهر ثم يُحمل لولده بأثني عشر سنة ثم يولد له لستة أشهر فيصير جداً. قال: وأستحي أن أحجر على من يصلح أن يكون جدّاً، وإذا حصل البلوغ والرشد دفع المال إليه سواء تزوج أو لم يتزوج. وقال مالك: إن كان صاحب المال جارية وتبلغ رشيدة، فالحجر باق عليها، وتمنع من مالها حتى تتزوج، وإذا تزوجت يسلّم مالها، إليها ولا يجوز لها أن تتصرف في مالها بغير إذن زوجها حتى تكبر وتجرّب ثم حينئذ يبعد تصرفها بغير إذنه، واطلاق في الغلام. والذي يدل على فساد هذا المذهب ما حديث : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم العيد ثم نزل فذهب إلى النساء فوعظهن فقال: "تصدقن ولو من حليكنَّ" تفسير : فكنَّ تتصدقنَّ فجعلت المرأة تلقي حرصها وسخائها، فأمرهنَّ عليه السلام بالصدقة وقبلها منهنَّ، ولم يفصل بين متزوجة وغير متزوجة ولا بين من تصدقت بإذن زوجها أو بغير إذنه، فهذا القول في الحجر على الصغير، وبيان حكم قوله: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ}، فأما قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} الآية. حكم الكلام في الحجر على السفيه فاختلف العلماء فيه: فقال أبو حنيفة ونفر: لا حجر على حر بالغ عاقل بوجه، ولو كان أفسق الناس وأشدهم تبذيراً. وهو مذهب النخعي، واحتجوا في ذلك بما روى قتادة عن أنس: حديث : أن حيان بن منقذ كان يخدع في البيع فأتى أهله النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن حيان بن منقذ يعقد وفي عقده ضعف فأحجر عليه. فاستدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: "لا تبع" فقال: لا أصبر عن البيع، فقال له: "إذا بايعت فقل لا خلابه ولك الخيار ثلاثاً" . تفسير : فلما سأله القوم الحجر عليه على ما كان في تصرفه من الغبن ولم يفعل، ثبت أنه لا يجوز. قال الشافعي: إن كان مفسداً لماله ودينه أو كان مفسداً لماله دون دينه حجر عليه، وإن كان مفسداً لدينه مصلحاً لماله فعلى وجهين: أحدهما: يحجر عليه، وهو اختيار أبي العباس بن شُريح. والثاني: لا يحجر عليه، وهو اختيار أبي إسحاق المروزي، والأظهر من مذهب الشافعي، وهو الذي ذكرناه من الحجر على السفيه، قول عثمان وعلي والزبير وعائشة وابن عباس وعبد الله بن جعفر، ومن التابعين شُريح وبه قال من الفقهاء: مالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وادّعى أصحابنا الإجماع في هذه المسألة، ما روى هشام بن عروة عن أبيه: أنّ عبد الله بن جعفر ابتاع أرضاً سبخة بستين ألف درهم، فغبن فيها فأراد عليّ أن يحجر عليه، فأتى ابن جعفر إلى الزبير فقال: إني اشتريت وأن علياً يريد أن يأتي حبر المؤمنين فيسأله أن يحجر عليَّ. فقال الزبير: أنا شريكك في البيع، فقال: عليَّ عثمان. وقال علي: إن ابن جعفر اشترى كذا وكذا أحجر عليه. وقال الزبير: أنا شريكه في البيع، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير. فثبت من هذه القصة إجماع الصحابة على جواز الحجر، لأن عبد الله بن جعفر خاف من الحجر، والزبير احتال له فيما يمنعه منه، وعليّ سأل ذلك عثمان، وعثمان اعتذر إليه في الامتناع منه. {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ} يا معشر الأوصياء والأولياء بغير حقها {إِسْرَافاً} والإسراف مجاوزة الحد والإفراط والخطأ ووضع الشيء في غير موضعه، يقال: مررت بكم فسرقتكم، أي فسهوت عنكم وأخطأتكم. قال جرير: شعر : أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ما في عطائهم منَ ولا سرف تفسير : أي خطأ، يعني أنهم يصيبون مواضع العطاء {وَبِدَاراً} مبادرة {أَن يَكْبَرُواْ} أن في محل النصب يعني لا تبادروا كبرهم ورشدهم حذراً أن يبلغوا فيلزمكم تسليمها إليهم، ثم بيّن ما يحل لهم من مالهم، فقال عز من قائل: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً} عن مال اليتيم {فَلْيَسْتَعْفِفْ} عن مال اليتيم، فلا يجوز له قليلا ولا كثيراً، والعفة الامتناع ممّا لا يحل ولا يجد فعله، قال الله تعالى: {أية : وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} تفسير : [النور: 33]. {وَمَن كَانَ فَقِيراً} محتاجاً إلى مال اليتيم وهو يحفظه ويتعهده {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} واختلف العلماء فيه: فقال بعضهم: المعروف القرض، نظيره قوله: {أية : إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ} تفسير : [النساء: 114] يعني القرض، ومعنى الآية: تستقرض من مال اليتيم فإذا أيسر قضاه، فإن لم يقدر على قضائه فلا شيء عليه. وقال به سعيد بن جبير وعبيدة السلماني وأبي العالية، وأكثر الروايات عن ابن عباس. قال مجاهد: ليستسلف منه فيتجر فيه فإذا أيسر أدى، ودليل هذا التأويل ما روى إسرائيل وسفيان عن إسحاق عن حارثة بن مصرف قال: قال عمر بن الخطاب: ألا إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت فإن افتقرت أكلت بالمعروف وإن أيسرت قضيت. وقال الشعبي: لا تأكله إلاّ أن تضطر إليه كما تضطر إلى الميتة. وقال آخرون: (بالمعروف) هو أن يأكله من غير إسراف ولا قضاء عليه فيما يأكل، ثم اختلفوا في كيفية هذا الأكل بالمعروف: فقال عطاء وعكرمة والسدي: يأكل بأطراف أصابعه ولا يسرف في الأكل، ولا يكتسي منه. وقال النخعي: لا يلبس الحلل ولا الكتان، ولكن ما سدَّ الجوعة ووارى العورة. وقال بعضهم: هو أن يأكل من ثمر نخيله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه، فأما الذهب والفضة فلا، فإن أكله فلابد من أن يرده، وهذا قول الحسن وجماعة. قال قتادة: كان اليتيم يكون له الحائط من النخل فيقوم وليّه على صلاحه وسقيه فيصيب من ثمرته ويكون له الماشية، فيقوم وليه على صلاحها وعلاجها فيصيب من جزازها وعوارضها، فأما رقاب المال وأصولها فليس له أن يستهلكها. وقال الضحاك: المعروف ركوب الدابة وخدمة الخادم وليس له أن يأكل من ماله شيئاً. وروى بكر بن عبد الله بن الأشج عن القاسم بن محمد قال: حضرت ابن عباس، فجاءه رجل فقال: يابن عباس إن لي أيتاماً ولهم ماشية، فهل عليَّ جُناح في رسلها وما يحل لي منها؟ فقال: إن كنت ترد نادتها وتبغي ضالتها وتهنأ جرباها وتلوط حوضها وتفرط لها يوم وردها، فاشرب من فضل ألبانها عنهم غير مضر بأولادها ولا تنهكها في الحلب. قال بعضهم: المعروف هو أن يأخذ من جميع ماله، إذا كان يلي ذلك بقدر قيامه (وخدمته) وعمله وأُجرته، وإن أتى على جميع المال ولا قضاء عليه، وهذا طعمة من الله تعالى له وبه. قالت به عائشة وجماعة من العلماء، وقال محمد بن كعب القرظي {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ}: عن مال اليتيم ولا تأكل منه شيئاً وأجره على الله {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} يتقرم بتقرم البهيمة، وينزل نفسه بمنزلة الأجير فيما لابد له منه والتقرم: الالتقاط من نبات الأرض وبقلها، ودليل هذا التأويل ما روى ابن أبي نجيح عن المحسن العوفي عن ابن عباس قال: حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن في حجري يتيماً أفأضربه؟ فقال: "ممّا كنت ضارباً منه ولدك" قال: يا رسول الله أفآكل من ماله؟ قال: "بالمعروف غير متأثل من ماله ولا واقياً مالك بماله" . تفسير : وأصل المعروف ما تيسر على الإنسان فطابت نفسه به، قال الله تعالى: {أية : مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} تفسير : [البقرة: 241] . {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ} هذا أدب من الله تعالى، ليعلم أن الولي قد أدى الأمانة وينقطع عنه الظنّة وتزول عنه الخصومة وليس بفريضة {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} محاسباً ومجازياً وشاهداً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة يدعو الله سبحانه الناس إلى تقواه يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ..} [النساء: 1] ومعنى {ٱتَّقُواْ رَبَّكُم ..} [النساء: 1] أي اجعلوا بينكم وبينه وقاية، وماذا أفعل لأتقي ربنا ؟ أول التقوى أن تؤمن به إلهاً، وتؤمن أنه إله بعقلك، إنه - سبحانه - يعرض لك القضية العقلية للناس فيقول: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ..} [النساء: 1] ولم يقل: اتقوا الله، لأن الله مفهومه العبادة، فالإله معبود له أوامر وله نواهٍ، لم يصل الحق بالناس لهذه بعد، إنما هم لا يزالون في مرتبة الربوبية، والرب هو: المتولي تربية الشيء، خلقاً من عدم وإمداداً من عدم، لكن أليس من حق المتولي خلق الشيء، وتربيته أن يجعل له قانون صيانة؟ إن من حقه ومسئوليته أن يضع للمخلوق قانون صيانة. ونحن نرى الآن أن كل مخترع أو صانع يضع لاختراعه أو للشيء الذي صنعه قانون صيانة، بالله أيخلق سبحانه البشر من عدم وبعد ذلك يتركهم ليتصرفوا كما يشاؤون؟ أم يقول لهم: اعملوا كذا وكذا ولا تعملوا كذا وكذا، لكي تؤدوا مهمتكم فى الحياة؟ إنه يضع دستور الدعوة للإيمان فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ..} [النساء: 1]. إذن فالمطلوب منهم أن يتقوا، ومعنى يتقوا أن يقيموا الوقاية لأنفسهم بأن ينفذوا أوامر هذا الرب الإله الذي خلقهم، وبالله أيجعل خلقهم علة إلا إذا كان مشهوداً بها له؟ هو سبحانه يقول: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ..} [النساء: 1] كأن خلقة ربنا لنا مشهود بها، وإلا لو كان مشكوكاً فيها لقلنا له: إنك لم تخلقنا - ولله المثل الأعلى. أنت تسمع مَنْ يقول لك: أحسن مع فلان الذي صنع لك كذا وكذا، فأنت مقر بأنه صنع أم لا؟ فإذا أقررت بأنه صنع ما صنع فأنت تستجيب لمَنْ يقول لك مثل ذلك الكلام. إذن فقول الله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ..} [النساء: 1] فكأن خلق الله للناس ليس محل جدال ولا شك من أحد، فأراد - سبحانه - أن يجذبنا إليه ويأخذنا إلى جنابه بالشيء الذي نؤمن به جميعاً وهو أنه - سبحانه - خلقنا إلى الشيء الذي يريده وهو أن نتلقى من الله ما يقينا من صفات جلاله، وجاء سبحانه بكلمة "رب" ولم يقل: "اتقوا الله" لأن مفهوم الرب هو الذي خلق من عدم وأمد مَنْ عُدْم، وتعهد وهو المربي ويبلغ بالإنسان مرتبة الكمال الذي يراد منه وهو الذي خلق كل الكون فأحسن الخلق والصنع، ولذلك يقول الحق: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} تفسير : [العنكبوت: 61]. إذن فقضية الخلق قضية مستقرة. وما دامت قضية مستقرة فمعناها: ما دمتم آمنتم بأني خالقكم فلي قدرة إذن، هذه واحدة، وربيتكم إذن فلي حكمة، وإله له قدرة وله حكمة، إما أن نخاف من قدرته فنرهبه وإما أن نشكر حكمته فنقر به، {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ..} [النساء: 1]. لو لم يقل الحق: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ..} [النساء: 1] لما كملت، لماذا؟ لأنه سيقول في آيات آخرى عن الإيجاد: { أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون} تفسير : [الذاريات: 49]. إذن فخلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها هنا، والناس تريد أن تدخل فى متاهة. هل خلق منها المقصود به خلق حواء من ضلع آدم أى من نفس آدم؟ أناس قالوا ذلك، وأناس قالوا: لا، {مِنْهَا ..} [النساء: 1] تعني من جنسها، ودللوا على ذلك قائلين: حين يقول الله: { أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..} تفسير : [التوبة: 128]. أأخذ الله محمداً صلى الله عليه وسلم من نفوسنا وكونه؟ لا، إنما هو رسول من جنسنا البشري، وكأنه سبحانه قد أشار إلى دليل؛ لأن خلْق حواء قد انطمست المعالم عنه، ولأنه أعطانا بيان خلق آدم وتسويته من طين ومراحل خلقه إلى أن صار إنساناً، ولذلك يجوز أن يكون قد جعل خلق آدم هو الصورة لخلق الجنس الأول، وبعد ذلك تكون حواء مثله، فيكون قوله سبحانه: {خَلَقَ مِنْهَا ..} [النساء: 1] أي من جنسها، خلقها من طين ثم صورها إلخ؛ ولكن لم يعد علينا التجربة في حواء كما قالها فى آدم، أو المراد من قوله: "منها" أي من الضلع، وهذا شيء لم نشهد أوله، والشيء الذي لم يشهده الإنسان فالحجة فيه تكون مِمن شهده، وسبحانه أراد أن يرحمنا من متاهات الظنون في هذه المسألة، مسألة كيف خُلقنا، وكيف جئنا؟ إن كيفية خلقك ليس لك شأن بها، فالذي خلقك هو الذي يقول لك فاسمع كلامه لأن هذه مسألة لا تتعلق بعلم تجريبي؛ ولذلك عندما جاء "دارون" وأراد أن يتكبر ويتكلم، جاءت النظرية الحديثة لتهدم كلامه، قالت النظرية الحديثة لدارون: إن الأمور التي أثرت في القرد الأول ليكون إنساناً، لماذا لم تؤثر في بقية القرود ليكونوا أناساً وينعدم جنس القرود؟! وهذا سؤال لا يجيب عليه دارون؛ لذلك نقول: هذا أمر لم نشهده فيجب أن نستمع ممن فعل، والحق سبحانه يقول: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. وما دام لم يشهدهم، فهل يستطيع أحد منهم أن يأتي بعلم فيها؟ إن أحداً لا يأتي بعلم فيها، وبعد ذلك يرد على من يجيء بادعاء علم فيقول: {أية : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51] معنى مضلين أنهم سيضلونكم في الخلق. كأن الله أعطانا مناعة في الأقوال الزائفة التي يمكن أن تنشأ من هذا عندما قال: {أية : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]، فقد أوضح لنا طبيعة مَنْ يضللون في أصل الخلق وفي كيفية الخلق، فهم لم يكونوا مع الله ليعاونوه ساعة الخلق حتى يخبروا البشر بكيفية الخلق. فإن أردتم أن تعرفوا فاعلموا أنه سبحانه الذي يقول كيف خلقتم وعلى أي صورة كنتم، ولكن من يقول كذا وكذا، هم المضللون، و"المضللون" هم الذين يلفتونكم عن الحق إلى الباطل. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ..} [النساء: 1] ولماذا لم يقل خلقكم من زوجين وانتهى؟ لأنه عندما يُردّ الشيء إلى اثنين قد يكون لواحد من الاثنين هوى، وإنما هذه ردت إلى واحدة فقط، فيجب ألا تكون لكم أهواء متنازعة، لأنكم مردودون إلى نفس واحدة، أما عن نظرية "دارون" وما قاله من كلام فقد قيض الله لقضية الدين وخاصة قضية الإسلام علماء من غير المسلمين اهتدوا إلى دليل يوافق القرآن، فقام العالم الفرنسي "مونيه" عندما أراد أن يرد على الخرافات التي يقولونها من أن أصل الإنسان كذا وكذا، وقال: أنا أعجب ممن يفكرون هذا التفكير، هل توجد المصادفة ما نسميه "ذكراً" ثم توجد المصادفة شخصاً نسميه " أنثى" ويكون من جنسه لكنه مختلف معه في النوع بحيث إذا التقيا معاً جاءا بذكر كالأول أو بأنثى كالثاني؟ كيف تفعل المصادفة هذه العملية؟ سنسلم أن المصادفة خلقت آدم، فهل المصادفة أيضاً خلقت له واحدة من جنسه. ولكنها تختلف معه في النوع بحيث إذا التقيا معاً ينشأ بينهما سيال عاطفي جارف وهو أعنف الغرائز، ثم ينشأ منهما تلقيح يُنشىء ذكراً كالأول أو ينشىء أنثى كالثاني؟ أي مصادفة هذه؟ هذه المصادفة تكون عاقلة وحكيمة، سموها مصادفة ونحن نسميها الله. لقد ظن "مونيه" - هداه الله إلى الإسلام وغفر له - أنه جاء بالدليل الذي يرد به على دارون، نقول له: إن القرآن قد مس هذه المسألة حين قال: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ..} [النساء: 1]، وهذه هي العظمة إنه خلق الرجل وخلق الأنثى؛ وهي من جنسه، ولكنها تختلف معه في النوع بحيث إذا التقيا معاً أنشأ الله منهما رجالاً ونساءً. إذن فهو عملية مقصودة، وعناية وغاية وحكمة، إذن فقول الله سبحانه وتعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ..} [النساء: 1] هذه جاءت بالدليل الذي هُدي إليه العالم الفرنسي "مونيه" أخيراً. {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ..} [النساء: 1] وانظروا عظمة الأسلوب في قوله {وَبَثَّ ..} [النساء: 1] أي "نشر" وسنقف عند كلمة "نشر" لأن الخلق يجب أن ينتشروا في الأرض، كي يأخذوا جميعاً من خيرات الله في الأرض جميعاً. و"النشر" معناه تفريق المنشور في الحيز، فهناك شيء مطوي وشيء آخر منشور، والشيء المطوي فيه تجمع، والشيء المنشور فيه تفريق وتوزيع، إذن فحيز الشيء المتجمع ضيق، وحيز الشيء المبثوث واسع، معنى هذا أن الله سبحانه وتعالى حينما يقول {وَبَثَّ مِنْهُمَا ..} [النساء: 1] أي من آدم وحواء {رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ..} [النساء: 1] واكتفى بأن يقول "نساء" ولم يقل: كثيرات لماذا؟ لأن المفروض في كل ذكورة أن تكون أقل في العدد من الأنوثة. وأنت إذا نظرت مثلاً في حقل فيه نخل، تجد كم ذكراً من النخيل، وكم أنثى؟ ستجد ذكراً أو اثنين. إذن القلة في الذكورة مقصودة لأن الذكر مخصب ويستطيع الذكر أن يخصب آلافاً، فإذا قال الله: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ..} [النساء: 1] فالذكورة هي العنصر الذي يفترض أن يكون أقل كثيراً، فماذا عن العنصر الثاني وهو الأنوثة؟ لابد أن يكون أكثر، والقرآن يأتي لينبهك إلى المعطيات في الألفاظ لأن المتكلم هو الله، ولكن إذا نظرت لقوله: {وَبَثَّ مِنْهُمَا ..} [النساء: 1] أي من آدم وحواء وهما اثنان {رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ..} [النساء: 1] فتكون جَمْعاً وهذا ليدلك على أن المتكاثر يبدأ بقلة ثم ينتهي بكثرة. ونريد أن نفهم هذه كي نأخذ منها الدليل الإحصائي على وجود الخالق، فهو {بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ..} [النساء: 1] والجمع البشري الذي ظهر من الاثنين سيبث منه أكثر، وبعد ذلك يبث من المبثوث الثاني مبثوثاً ثالثاً، وكلما امتددنا في البث تنشأ كثرة، وعندما تنظر لأي بلد من البلاد تجد تعداده منذ قرن مضى أقل بكثير جداً من تعداده الآن، مثال ذلك كان تعداد مصر منذ قرن لا يتعدى خمسة ملايين، ومن قرنين كان أقل عدداً، ومن عشرة قرون كان أقل، ومن عشرين قرناً كان أقل، إذن فكلما امتد بك المستقبل بالتعداد يزيد، لأنه سبحانه يبث من الذكورة والأنوثة رجالاً كثيراً ونساء وسيبث منهم أيضاً عدداً أكبر. إذن فكلما تقدم الزمن تحدث زيادة في السكان، ونحن نرى ذلك في الأسرة الواحدة، إن الأسرة الواحدة مكونة عادة من أب وأم، وبعد ذلك يمكن أن نرى منهما أبناء وأحفاداً وعندما يطيل الله في عمر أحد الوالدين يرى الأحفاد وقد يرى أحفاد الأحفاد. إذن كلما تقدم الزمن بالمتكاثر من اثنين يزداد وكلما رجعت إلى الماضي يقل؛ فالذين كانوا مليوناً من قرن كانوا نصف مليون من قرنين، وسلسلها حتى يكونوا عشرة فقط، والعشرة كانوا أربعة، والأربعة كانوا اثنين والإثنان هما آدم وحواء. فعندما يقول الحق: إنه خلق آدم وحواء، وتحاول أنت تسلسل العالم كله سترجعه لهما، وما دام التكاثر ينشأ من الاثنين، فمن أين جاءا؟ الحق سبحانه يوضح لنا ذلك بقوله: {أية : إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ ..} تفسير : [الحجرات: 13] وهو بذلك يريحنا من علم الإحصاء. وكان من الضروري أن تأتي هذه الآية كي تحل لنا اللغز في الإحصاء، وكلما أتى الزمن المستقبل كثر العالم وكلما ذهبنا إلى الماضي قل التعداد إلى أن يصير وينتهي إلى اثنين، وإياك أن تقول إلى واحد، لأن واحداً لا يأتي منه تكاثر، فالتكاثر يأتي من اثنين ومن أين جاء الاثنان؟ لابد أن أحداً خلقهما، وهو قادر على هذا، ويعلمنا الله ذلك فيقول: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} [النساء: 1] ونأخذ من "بث" "الانتشار" ولو لم يقل الله هذا لكانت العقول الحديثة تتوه وتقع في حيرة وتقول: نسلسل الخلق حتى يصيروا اثنين، والإثنان هذان كيف جاءا؟ - إذن لابد أن نؤمن بأن أحداً قد أوجدهما من غير شيء. {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ..} [النساء: 1] لأن النشر في الأرض يجب أن يكون خاصاً بالرجل، فالحق يقول: {أية : فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الجمعة: 10]. والحق يقول: {أية : فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِه ..} تفسير : [الملك: 15]. والأنثى تجلس في بيتها تديره لتكون سكناً يسكن إليها، والرجل هو المتحرك في هذا الكون، وهي بذلك تؤدي مهمتها. وبعدما قال: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ..} [النساء: 1] يقول: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ..} [النساء: 1] لقد قدم الدليل أولاً على أنه إله قادر، وخلقكم من عدم وأمدكم وسخر العالم لخدمتكم، وقدم دليل البث في الكون المنشور الذي يوضح أنه إله، فلا بد أن تتلقوا تعليماته، ويكون معبوداً منكم، أي مطاعاً، والطاعة تتطلب منهجاً: افعل ولا تفعل، وأنزل الحق القرآن كمنهج خاتم، ويقول: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ ..} [النساء: 1]. انظر إلى "القفشة"، للخلق الجاحد، إنه - سبحانه - بعد أن أخذهم بما يتعاملون ويتراحمون ويتعاطفون به أوضح لهم: أنتم مع أنكم كنتم على فترة من الرسل إلا أن فطرتكم التي تتغافلون عنها تعترف بالله كخالق لكم. وأنت إذا أردت إنفاذ أمر من الأمور، وتريد أن تؤثر على مَنْ تطلب منه أمراً، تقول: سألتك بالله أن تفعل ذلك، لقد أخذ منهم الدليل، فكونك تقول: سألتك بالله أن تفعل ذلك فلا بد أنك سألته بمعظَّم، إذن فتعظيم الله أمر فطري في البشر، والمطموس هو المنهج الذي يقول: افعل ولا تفعل. والإنسان من هؤلاء الجاحدين عندما يسهو، ويطلب حاجة تهمه من آخر، فهو يقول له: سألتك بالله أن تفعل كذا. ومادام قد قال: سألتك بالله فكأن هناك قضية فطرية مشتركة هي أن الله هو الحق، وأنه هو الذي يُسأل به، وما دام قد سئل بالله فلن يخيِّب رجاء مَنْ سأله. إنه في الأمور التي تريدون بها تحقيق مسائلكم تسألون بالله وتسألون أيضاً بالأرحام وتقولون: بحق الرحم الذي بيني وبينك، أنا من أهلك، وأنا قريبك وأُمُّنا واحدة، أرجوك أن تحقق لي هذا الأمر. ولماذا جاءت "الأرحام" هنا؟ لأن الناس حين يتساءلون بالأرحام فهم يجعلون المسئولية من الفرد على الفرد طافية في الفكر، فما دمت أنا وأنت من رحم واحد، فيجب أن تقضي لي هذا الشيء. إذن فمرة تسألون بالله الذي خلق، ومرة تسألون بالأرحام لأن الرحم هو السبب المباشر في الوجود المادي، ومثال ذلك قول الحق: {أية : وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} تفسير : [النساء: 36]. لقد جاء لنا بالوالدين اللذين هما السبب في إيجادنا، والله يريد من كل منا أن يبر والديه، ولكن قبل ذلك لابد أن ينظر إلى الذي أوجدهما، وأن يُصعد الأمر قليلا ليَعرف أن الذي أوجدهما هو الله سبحانه. ويختم الحق الآية بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 1] لأن كلمة {ٱتَّقُواْ ..} [النساء: 1] تعني اجعل بينك وبين غضب ربك وقاية بإنفاذ أوامر الطاعة، واجتناب ما نهى الله عنه {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 1]، والرقيب من "رقب" إذا نظرت ويقال: "مرقب"، ونجد مثل هذا المرقب في المنطقة التي تحتاج إلى حراسة، حيث يوجد "كشك" مبني فوق السور ليجلس فيه الحارس كي يراقب. ومكان الحراسة يكون أعلى دائماً من المنطقة المحروسة، وكلمة "رقيب" تعني ناظراً عن قصد أن ينظر، ويقولون: فلان يراقب فلاناً أي ينظره، صحيح أن هناك من يراه ذاهباً وآتياً من غير قصد منهم أن يروه، لكن إن كان مراقباً، فمعنى ذلك أن هناك من يرصده وسبحانه يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 1] فليس الله بصيراً فقط ولكنه رقيب أيضاً - ولله المثل الأعلى. نحن نجد الإنسان قد يبصر مالا غاية له في إبصاره، فهو يمر على كثير من الأشياء فيبصرها، لكنه لا يرقب إلا مَنْ كان في باله. والحق سبحانه رقيب علينا جميعاً كما في قوله: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} تفسير : [الفجر: 14]. وبعد أن تكلم سبحانه عن خلقنا أباً وأماً وأنه بث منهما رجالاً كثيراً ونساء، أراد أن يحمي هذه المسألة وأن يحمي المبثوث. والمبثوث قسمان: قسم اكتملت له القوة وأصبحت له صلاحية في أن يحقق أموره النفعية بذاته، وقسم ضعيف ليست له صلاحية في أن يقوم بأمر ذاته، ولأنه سبحانه يريد تنظيم المجتمع؛ لذلك لابد أن ينظر القادرون في المجتمع إلى القسم الضعيف في المجتمع، ومن القسم الضعيف الذي يتكلم الله عنه هنا؟ إنهم اليتامى، لماذا؟ لأن الحق سبحانه حينما خلقنا من ذكر وأنثى، آدم وحواء، جعل لنا أطواراً طفولية، فالأب يكدح والأم تحضن، ويربيان الإنسان التربية التي تنبع من الحنان الذاتي ونعرف أن الحنان الذاتي والعاطفة يوجدان في قلب الأبوين على مقدار حاجة الابن إليهما، الصغير عادة يأخذ من حنان الأب والأم أكثر من الكبير، وهذه عدالة في التوزيع، لأنك إذا نظرت إلى الولد الصغير والولد الكبير والولد الأكبر، تجد الأكبر أحظهم زمناً مع أبيه وأمه والصغير أقلهم زمناً، فيريد الحق أن يعوض الصغير فيعطي الأب والأم شحنة زائدة من العاطفة تجاهه، وأيضاً فإن الكبير قد يستغني والصغير ما زال في حاجة، ولذلك قال سبحانه في أخوة يوسف: {أية : إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ..} تفسير : [يوسف: 8]. أي أنهم أقوياء وظنوا أنه يجب على أبيهم أن يحب الأقوياء. وهذا الظن دليل على أن الأب كان يعلم أنهم عصبة لذلك كان قلبه مغ غير العصبة، وهذا هو الأمر الطبيعي، فهم جاءوا بالدليل الذي هو ضدهم. إذن فحين يوجد الناشىء الذي يحتاج إلى أن يُربَّى التربية التي يعين عليها الحنان والعطف، فلا بد من أن نأتي لليتيم الذي فقد مصدر الحنان الأساسي ونقنن له، ويأتي الحق سبحانه وتعالى ليوزع المجتمع الإنساني قطاعات، ويحمل كل واحد القطاع المباشر له، فإذا حمل كل واحد منا القطاع المباشر له تتداخل العنايات في القطاعات، هذا سيذهب لأبيه وأمه ولأولاد أخيه، وهذا كذلك، فتتجمع الدوائر. وبعد ذلك يعيش المجتمع كله في تكافل، وهو سبحانه يريد أن يجعل وسائل الحنان ذاتية في كل نفس، وما دام اليتيم يقيم معنا كفرد فلا بد من العناية به. إن اليتيم فرد فقد العائل له ولذلك يقولون: "درة يتيمة" أي وحيدة فريدة، وهكذا اليتيم وحيد فريد، إلا أنهم جاءوا في الإنسان وفي الأنعام وفي الطير وقالوا: اليتيم في الإنسان مَنْ فقد أباه، واليتيم في الأنعام مَنْ فقد أمه، لماذا؟ لأن الأنعام طلوقة تلقح الذكور فيه الإناث وتنتهي. والأم هي التي تربي وترضع؛ فإذا جاء أحد آخر يمسها تنفر منه. أمـا اليتيم في الطير فمن فقدهما معاً. فالطير عادة الزوج منها يألف الآخر؛ ولذلك يتخذان عشا ويتناوبان العناية بالبيض ويعملان معاً ففيه حياة أسرية، والحق سبحانه وتعالى جاء في اليتيم الذي هو مظهر الضعف في الأسوة الإنسانية وأراد أن يقنن له فقال: {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الآية: 1] يعني: من آدم {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يقول: خلق حواءَ من قصيري آدم، وهو نائم، فاستيقظ فقال: "أَثا" يعني امرأَة وهي بالنبطية. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ} [الآية: 2]، يقول: لا تتبدلوا الحرام، من أَموال اليتامى، بالحلال من أَموالكم.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {بَثَّ} نشر وفرّق ومنه {أية : وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}تفسير : [الغاشية: 16] {ٱلأَرْحَامَ} جمع رحم وهو في الأصل مكان تكون الجنين في بطن أمه ثم أطلق على القرابة {رَقِيباً} الرقيب: الحفيظ المطّلع على الأعمال {حُوباً} الحُوْب: الذنب والإِثم {تَعُولُواْ} تميلوا وتجوروا يقال: عال الميزان إِذا مال، وعال الحاكم إِذا جار {صَدُقَاتِهِنَّ} جمع صَدُقة وهو المهر {نِحْلَةً} هبة وعطية {ٱلسُّفَهَآءَ} ضعفاء العقول والمراد به هنا المبذّرون للأموال {آنَسْتُمْ} أبصرتم من آنس الشيءَ أبصره {بِدَاراً} أي مبادرة بمعنى مسارعة أي يسارع في تبذيرها قبل أن يكبر اليتيم فيتسلمها منه {سَدِيداً} من السداد بمعنى الاستقامة. سَبَبُ النّزول: أ - عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} فقالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها تَشركْه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوجها بغير أن يُقسط في صِداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن ذلك إِلاّ أن يُقْسطوا لهنَّ ويبلغوا لهنَّ أعلى سنتهن في الصَّداق، فأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ، وإِن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ} الآية. ب - عن مقاتل بن حيان أن رجلاً من غطفان يقال له "مرثد بن زيد" وليَ مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله فأنزل الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً...} الآية. التفسِيْر: افتتح الله جل ثناؤه سورة النساء بخطاب الناس جميعاً ودعوتهم إِلى عبادة الله وحده لا شريك له، منبهاً لهم على قدرته ووحدانيته فقال {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي خافوا الله الذي أنشأكم من أصلٍ واحد وهو نفس أبيكم آدم {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي أوجد من تلك النفس الواحدة زوجها وهي حواء {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} أي نشر وفرّق من آدم وحواء خلائق كثيرين ذكوراً وإِناثاً {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} أي خافوا الله الذي يناشد بعضكم بعضاً به حيث يقول: أسألك بالله، وأنشدك بالله، واتقوا الأرحام أن تقطعوها {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} أي حفيظاً مطلعاً على جميع أحوالكم وأعمالكم، وقد أكد تعالى الأمر بتقوى الله في موطنين: في أول الآية، وفي آخرها ليشير إِلى عظم حق الله على عباده، كما قرن تعالى بين التقوى وصلة الرحم ليدل على أهمية هذه الرابطة الإِنسانية، فالناس جميعاً من أصل واحد، وهم إِخوة في الإِنسانية والنسب، ولو أدرك الناس هذا لعاشوا في سعادة وأمان، ولما كانت هناك حروب طاحنة مدمرة تلتهب الأخضر واليابس، وتقضي على الكهل والوليد، ثم ذكر تعالى اليتامى فأوصى بهم خيراً وأمر بالمحافظة على أموالهم فقال {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} أي أعطوا اليتامى الذين مات آباؤهم وهم صغار أموالهم إِذا بلغوا {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ} أي لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} أي لا تخلطوا أموال اليتامى بأموالكم فتأكلوها جميعاً {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} أي ذنباً عظيماً، فإِن اليتيم بحاجة إِلى رعاية وحماية لأنه ضعيف، وظلم الضعيف ذنب عظيم عند الله، ثم أرشد تعالى إِلى ترك التزوج من اليتيمة إِذا لم يعطها مهر المثل فقال {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} أي إِذا كانت تحت حَجْر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها فليتركها إِلى ما سواها فإِن النساء كثير ولم يضيّق الله عليه {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} أي انكحوا ما شئتم من النساء سواهنَّ إِن شاء أحدكم اثنتين وإِن شاء ثلاثاً وإِن شاء أربعاً {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً} أي إِن خفتم من عدم العدول بين الزوجات فالزموا الاقتصار على واحدة {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي اقتصروا على نكاح الإِماء لملك اليمين إِذ ليس لهن من الحقوق كما للزوجات {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} أي ذلك الاقتصار على الواحدة أو على ملك اليمين أقرب ألا تميلوا وتجوروا {وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} أي أعطوا النساء مهورهنّ عطيةً عن طيب نفسٍ {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً} أي فإِن طابت نفوسهن بهبة شيءٍ من الصَّداق {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} أي فخذوا ذلك الشيء الموهوب حلالاً طيباً {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} أي لا تعطوا المبذرين من اليتامى أموالهم التي جعلها الله قياماً للأبدان ولمعايشكم فيضيعوها قال ابن عباس: السفهاء هم الصبيان والنساء وقال الطبري: لا تؤتِ سفيهاً ماله وهو الذي يفسده بسوء تدبيره، صبياً كان أو رجلاً، ذكراً كان أو أنثى {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ} أي أطعموهم منها واكسوهم {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} أي قولاً ليناً كقولكم إِذا رَشَدْتم سلمنا إِليكم أموالكم {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} أي اختبروا اليتامى حتى إِذا بلغوا سنَّ النكاح وهو بلوغ الحلم الذي يصلحون عنده للنكاح {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} أي إِن أبصرتم منهم صلاحاً في دينهم ومالهم فادفعوا إِِليهم أموالهم بدون تأخير {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} أي لا تسرعوا في إِنفاقها وتبذّروها قائلين ننفق كما نشتهي قبل ان يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} أي من كان منكم غنياً أيها الأولياء فليعف عن مال اليتيم ولا يأخذ أجراً على وصايته {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي ومن كان فقيراً فليأخذ بقدر حاجته الضرورية وبقدر أجرة عمله {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ} أي فإِذا سلمتم إِلى اليتامى أموالهم بعد بلوغهم الرشد فأشهدوا على ذلك لئلا يجحدوا تسلمها {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} أي كفى بالله محاسباً ورقيباً، ثم بيّن تعالى أن للرجال والنساء نصيباً من تركة الأقرباء فقال {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} أي للأولاد والأقرباء حظ من تركة الميت كما للبنات والنساء حظ أيضاً الجميع فيه سواء يستوون في أصل الوارثة وإِن تفاوتوا في قدرها، وسببها أن بعض العرب كانوا لا يورّثون النساء والأطفال وكانوا يقولون: إنما يرث من يحارب ويذبُّ عن الحوزة فأبطل الله حكم الجاهلية {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} أي سواء كانت التركة قليلة أو كثيرة {نَصِيباً مَّفْرُوضاً} أي نصيباً مقطوعاً فرضه الله بشرعه العادل وكتابه المبين {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينُ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ} أي إِذا حضر قسمة التركة الفقراء من قرابة الميت واليتامى والمساكين من غير الوارثين فأعطوهم شيئاً من هذه التركة تطييباً لخاطرهم {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} أي قولاً جميلاً بأن تعتذروا إِليهم أنه للصغار وأنكم لا تملكونه {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ} نزلت في الأوصياء أي تذكر أيها الوصي ذريتك الضعاف من بعدك وكيف يكون حالهم وعامل اليتامى الذين في حَجْرك بمثل ما تريد أن يُعامل به أبناؤك بعد فقدك {فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} أي فليتقوا الله في أمر اليتامى وليقولوا لهم ما يقولونه لأولادهم من عبارات العطف والحنان {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً} أي يأكلونها بدون حق {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} أي ما يأكلون في الحقيقة إِلا ناراً تتأجج في بطونهم يوم القيامة {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} أي سيدخلون ناراً هائلة مستعرة وهي نار السعير. البَلاَغَة: تضمنت الآيات من ضروب الفصاحة والبيان ما يلي: 1- الطباق في {غَنِيّاً وفَقِيراً} وفي {قَلَّ أَو كَثُرَ} وفي {رِجَالاً وَنِسَآءً} وفي {ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ}. 2- والجناس المغاير في {دَفَعْتُمْ فَٱدْفَعُواْ} وفي {قُولُواْ قَوْلاً}. 3- والإِطناب في {فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ .. فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} وفي {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ .. وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ}. 4- والمجاز المرسل في {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} أي الذين كانوا يتامى فهو باعتبار ما كان وكذلك {يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} مجاز مرسل وهو باعتبار ما يئول إِليه كقوله {أية : إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً}تفسير : [يوسف: 36] أي عنباً يئول إٍلى الخمر. 5- المقابلة اللطيفة بين {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ.. وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ}. 6- والإِيجاز في مواضع مثل {رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} أي ونساء كثيرات ... الخ. الفوَائِد: الأولى: في الافتتاح بتذكير الناس أنهم خلقوا من نفسٍ واحدة تمهيد جميل وبراعة مطلع لما في السورة من أحكام الأنكحة والمواريث والحقوق الزوجية وأحكام المصاهرة والرضاع وغيرها من الأحكام الشرعية. الثانية: الأغلب أنه إِذا كان الخطاب بـ {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} وكان للكافرين فقط أو للكافرين وغيرهم أُعقب بدلائل الوحدانية والربوبية مثل {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} تفسير : [البقرة: 21] و {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} تفسير : [فاطر: 5] وإِذا كان الخطاب للمؤمنين أُعقب بذكر النعم كما هنا أفاده صاحب البحر. الثالثة: ذكْرُ البطون مع أن الأكل لا يكون إِلا فيها للتأكيد والمبالغة فهو كقولك: أبصرتُ بعيني وسمعتُ بأذني ومثله قوله تعالى {أية : ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ}تفسير : [الأحزاب: 4]. الرابعة: أضاف تعالى أموال اليتامى إِلى الأوصياء مع أنها أموال اليتامى للتنبيه إِلى "التكافل بين الأمة" والحث على حفظ الأموال وعدم تضييعها فإِن تبذير السفيه للمال فيه مضرّة للمجتمع كله. "كلمة حول تعدد الزوجات" مسألة تعدد الزوجات ضرورة اقتضتها ظروف الحياة وهي ليست تشريعاً جديداً انفرد به الإِسلام، وإِنما جاء الإِسلام فوجده بلا قيود ولا حدود وبصورة غير إِنسانية فنظّمه وشذّبه وجعله علاجاً ودواءً لبعض الحالات الاضطرارية التي يعاني منها المجتمع وفي الحقيقة فإِن تشريع التعدد مفخرة من مفاخر الإِسلام لأنه استطاع ان يحل "مشكلة اجتماعية" هي من أعقد المشاكل التي تعانيها الأمم والمجتمعات اليوم فلا تجد لها حلاً.. إِن المجتمع كالميزان يجب أن تتعادل كفتاه فماذا نصنع حين يختل التوازن ويصبح عدد النساء أضعاف عدد الرجال؟ أنحرم المرأة من نعمة الزوجية و "نعمة الأمومة" ونتركها تسلك طريق الفاحشة والرذيلة، أم نحل هذه المشكلة بطرق فاضلة نصون فيها كرامة المرأة وطهارة الاسرة وسلامة المجتمع؟ وأقرب الأمثلة شاهداً على ما نقول ما حدث في المانيا بعد الحرب العالمية الثانية حيث زاد عدد النساء زيادة فاحشة على عدد الرجال فأصبح مقابل كل شاب ثلاث فتيات وهي حالة اختلال اجتماعي فكيف يواجهها المشرّع؟ لقد حلّ الإِسلام المشكلة بتشريعه الإِسلامي الرائع، بينما وقفت المسيحية حائرةً مكتوفة الأيدي لا تُبدي ولا تُعيد.. إِن الرجل الأوروبي لا يبيح له دينه التعدد، لكنه يبيح لنفسه مصاحبة المئات من الفتيات بطريق الرذيلة، يرى الوالد منهم فتاته مع عشيقها فيُسرّ ويغتبط بل ويمهّد لهما جميع السبل المؤدية لراحتهما حتى أصبح ذلك عرفاً سارياً اضطرت معه الدول إِلى الاعتراف بمشروعية العلاقات الآثمة بين الجنسين ففتحت باب التدهور الخلقي على مصراعيه، ووافقت على قبول مبدأ "تعدد الزوجات" ولكن تحت ستار المخادنة وهو زواج حقيقي لكنه غير مسجل بعقد، ويستطيع الرجل ان يطردها متى شاء دون أن يتقيد حيالها بأي حق من الحقوق، والعلاقة بينها علاقة جسد لا علاقة أسرة وزوجية، فأعجب من منع "تعدد الزوجات" بالحلال وإِباحته بالحرام حتى نزلوا بالمرأة من مرتبة الإِنسانية إِلى مرتبة الحيوانية. شعر : ربّ إِن الهُدى هُداك وآيا تك حق تهدي بها من تشاء
الصابوني
تفسير : [1] تعدد الزوجات وحكمته في الإسلام التحليل اللفظي {وَبَثَّ مِنْهُمَا}: معناه نشر وفرّق على سبيل التناسل والتوالد، ومنه {أية : وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} تفسير : [الغاشية: 16] أي مبسوطة، أو مفرقة في المجالس، وأصل البث: التفريق وإثارة الشيء. {تَسَآءَلُونَ بِهِ}: معناه يسأل بعضكم بعضاً به مثل: أسألك بالله، وأنشدك الله، والمفاعلة على ظاهرها أو بمعنى تسألون كثيراً. قال الزجاج: الأصل تتساءلون حذفت الثانية تخفيفاً. {وَٱلأَرْحَامَ}: جمع رحم وهو في الأصل مكان تكون الجنين في بطن أمه، ثم أطلق على القرابة مطلقاً. {رَقِيباً}: الرقيب: الحفيظ المطلّع على الأعمال والمَرْقب: المكان العالي الذي يشرف عليه الرقيب، والمراد في الآية أنه تعالى مشرف على أعمالنا، مطلّع على أفعالنا، لا تخفى عليه خافية، وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب جل وعلا. {ٱلْيَتَامَىٰ}: جمع يتيم وهو الذي فقد أباه مشتق من اليتم وهو الانفراد ومنه (الدرة اليتيمة). قال في "اللسان": اليتيم: الذي يموت أبوه، والعجيّ: الذي تموت أمه، واللطيم: الذي يموت أبواه، وهو يتيم حتى يبلغ، فإذا بلغ زال عنه اسم اليتم. {حُوباً}: الحُوب: الإثم قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: حُوب بالضم، وتميم يقولونه بالفتح (حَوْب) قال الراغب: الحُوب الإثم، والحَوْبُ المصدر منه، وروي (طلاق أم أيوب حُوْب) وتسميته بذلك لكونه مزجوراً عنه. قال القرطبي: وأصله الزجر للإبل، فسمي الإثم به لأنه يزجر عنه وفي الحديث "حديث : اللهم اغفر حوبتي" تفسير : أي إثمي. {تُقْسِطُواْ}: يُقال: أقسط الرجل إذا عدل، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : المقسطون في الدنيا على منابر من لؤلؤ يوم القيامة"تفسير : ويقال: قسط الرجل إذا جار ومنه قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} تفسير : [الجن: 15]. فالرباعي بمعنى العدل، والثلاثي بمعنى الظلم. {تَعُولُواْ}: معناه تميلوا وتجوروا يقال: عُلْتَ عليّ أي جُرت عليّ، ومنه العول في الفريضة، والعول في الأصل: الميل المحسوس، يقال: عال الميزان إذا مال ثم نقل إلى الميل المعنوي وهو الجور. وفسّر الإمام الشافعي رحمه الله {أَلاَّ تَعُولُواْ} بمعنى ألا تكثر عيالكم. {صَدُقَٰتِهِنَّ}: يعني مهورهن جمع صَدُقة بفتح الصاد وضم الدال، وهي كالصداق بمعنى المهر، قال ابن قتيبة: وفيها لغةٌ أخرى: صُدْقة. {نِحْلَةً}: النحلة: الهبة والعطيّة عن طيب نفس أي لا تعطوهن مهورهن وأنتم كارهون، قاله أبو عبيدة، وفسّر بعضهم النّخْلة بمعنى الفريضة والمعنى: وأعطوا النساء مهورهن فريضة من الله محتومة. {هَنِيئاً مَّرِيئاً}: صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا انساغ وانحدر إلى المعدة بدون ضرر. المعنى الإجمالي افتتح الله جل ثناؤه سورة النساء بخطاب الناس جميعاً ودعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، منبهاً لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة وهي (آدم)، وخلق منها زوجها وهي (حواء)، ونشر من تلك النفس وزوجها المخلوقة منها خلائق كثيرين، فالناس جميعاً من أبٍ واحد، وهم إخوة في الإنسانية والنسب، فعلى القوي أن يعطف على الضعيف، وعلى الغني أن يساعد الفقير، حتى يتم بنيان المجتمع الإنساني. وقد أكد تعالى الأمر بتقوى الله في موطنين: في أول الآية وفي آخرها ليشير إلى عظم حق الله على عباده، كما قرن تعالى بين التقوى وصلة الرحم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} ليدل على أهمية هذه الرابطة العظيمة (رابطة الرحم) فعلى الإنسان أن يرعي هاتين الرابطتين: رابطة الإيمان بالله، ورابطة القرابة والرحم، ولو أدرك الناس هذا لعاشوا في سعادة وأمان، ولما كان هناك حروب طاحنة مدمرة، تلتهب الأخضر واليابس، وتقضي على الكهل والوليد! وقد عقّب تعالى في الآية الثانية على (حق اليتامى) فأمر بالمحافظة على أموالهم، وعدم الاعتداء عليها لأنهم بحاجة إلى رعاية وحماية، وإلى مساعدة ومواساة، فإن الطفل اليتيم ضعيف، وظلم الضعيف ذنب عظيم عند الله. ثم أمر تعالى الرجال إذا كان في حجْر أحدهم يتيمة، ورغب في الزواج بها، وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، أن يعدل إلى ما سواها من النساء، فلم يضيّق الله عليه، وأباح له أن يتزوج اثنتين، وثلاثاً، إلى أربع، فإذا خشي عدم العدل فعليه أن يقتصر على واحدة. وختم تعالى هذه الآيات بأمر الرجال بإعطاء النساء مهورهن عن طيب نفس، عطّية وهبة بسخاء، لا منّة فيها ولا استعلاء، فإذا طابت نفوسهن عن شيء منه فليأكله الزوج حلالاً طيباً. سبب النزول أولاً: روي أن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ يتيم، فلما بلغ طلب ماله فمنعه، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ...} قاله سعيد بن جبير. ثانياً: عن عائشة رضي الله عنها: "أن رجلاً كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ...}. ثالثاً: وروى البخاري عن (عروة بن الزبير) أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} فقالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن ذلك إلاّ أن يقسطوا لهن، ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن... وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله {أية : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ ...} تفسير : [النساء: 127] الآية. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور {تَسَآءَلُونَ بِهِ} بالتخفيف، وقرأ ابن كثير ونافع (تَسّاءلون به) بالتشديد. قال الزجاج: فمن قرأ بالتشديد أدغم التاء في السين لقرب مكانهما، ومن قرأ بالتخفيف حذف التاء الثانية لاجتماع التاءين. 2 - قرأ الجمهور {وَٱلأَرْحَامَ} بالنصب على معنى واتقوا الأرحام، وقرأ الحسن وحمزة (والأرحامِ). قال الزجاج: الخفض في (الأرحام) خطأ في العربية لا يجوز إلا في اضطرار الشعر، وخطأ في الدين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تحلفوا بآبائكم" تفسير : وإليه ذهب الفراء. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: إنما سميت هذه السورة (سورة النساء) لأن ما نزل منها في أحكامهن أكثر ممّا نزل في غيرها من السور، وفي الافتتاح بتذكير الناس أنهم خلقوا من نفسٍ واحدة، تمهيد جميل وبراعة مطلع لما في السورة من أحكام الأنكحة، والمواريث، والحقوق الزوجية، وأحكام تتعلق بالنسب والمصاهرة وغيرها من الأحكام الشرعية. اللطيفة الثانية: الناس جميعاً يجمعهم نسب واحد، ويرجعون إلى أصل واحد هو (آدم) عليه السلام، ونظرية (النشوء والتطور) التي اخترعها اليهودي (داروين) تعارض صريح القرآن، القائل {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} فقد زعم (داروين) أن الإنسان بدأت حياته بجرثومة ظهرت على سطح الماء، ثم تحولت إلى حيوان صغير، ثم تدرّج هذا الحيوان فأصبح ضفدعاً، فسمكة، فقرداً، ثم ترقى هذا القرد فصار إنساناً.. إلخ فهذه النظرية مجرد افتراضات وهمية، ردّها العلماء بالأدلة القاطعة. اللطيفة الثالثة: سميت حواء لأنها خلقت من حي كما قال تعالى: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وهذا رأي الجمهور، وأنكر (أبو مسلم) خلقها من ضلع آدم وقال: أي فائدة في خلقها من الضلع والله قادر على أن يخلقها من التراب؟ وزعم أن قوله تعالى: {وَخَلَقَ مِنْهَا} أي من جنسها، وإلى هذا الرأي ذهب الشيخ (محمد عبده) في "تفسير المنار"، وهو باطل إذ لو كان تأويل الآية كذلك لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفسٍ واحدة، وهو خلاف النص، وخلاف ما نطقت به الأحاديث الصحيحة "حديث : إنّ المرأة خلقت من ضلع أعوج ". تفسير : وأما الفائدة فهي بيان قدرة الله تعالى أنه قادر على أن يخلق حياً من حي لا على سبيل التوالد، كما أنه قادر على أن يخلق حياً من جماد كذلك، فآدم خلق من تراب، وعيسى خلق من أنثى بدون رجل، وحواء خلقت من رجل بدون أنثى، والله على كل شيء قدير. اللطيفة الرابعة: التعبير عن الحلال والحرام بالخبيث والطيب {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ} للتنفير من أكل أموال اليتامى والترغيب فيما رزقهم الله من الكسب الحلال بالاكتفاء به وعدم التشوف إلى مال اليتيم فإنه ظلم وسحت. اللطيفة الخامسة: قال أبو السعود: "أوثر التعبير عن الكبار باليتامى {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} لقرب العهد بالصغر وللإشارة إلى وجوب المسارعة والمبادرة بدفع أموالهم إليهم، حتى كأنّ اسم اليتيم باق غير زائل عنهم". أقول: وهذا الإطلاق يسمى عند علماء البيان (المجاز المرسل) وعلاقته اعتبار ما كان، أي الذين كانوا يتامى. اللطيفة السادسة: أكل مال اليتيم حرام، وإن لم يضمّ إلى مال الوصي، والتقييد في الآية الكريمة {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} لزيادة التشنيع عليهم لأن أكل مال اليتيم مع الاستغناء عنه أقبح وأشنع فلذلك خُصّ النهيُ به. اللطيفة السابعة: وجه المناسبة بين ذكر اليتامى ونكاح النساء في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} هو أن النساء في الضعف كاليتامى، ومن ناحية أخرى فقد كانت اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بدون أن يعدل معها في الصداق فنهوا عن ذلك، وقد تقدم حديث عائشة. قال أبو السعود: "وفي إيثار الأمر بنكاحهن على النهي عن نكاح اليتامى مع أنه المقصود بالذات، مزيد لطف في استنزالهم عن ذلك، فإن النفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه". الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هو حكم التساؤل بالأرحام؟ دلّ قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} على أن التساؤل بالرحم جائز ولا سيما على قراءة (حمزة) الذي قرأها بالجر (والأرحامِ) وبهذا قال بعض العلماء، لأنه ليس بقسم وإنما هو استعطاف فقول الرجل للآخر: أسألك بالرحم أن تفعل كذا لا يراد منه الحلف الممنوع، وإنما هو سؤال بحرمة الأرحام التي أمر الله بصلتها، واستدلوا بحديث "حديث : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا..." تفسير : الحديث. وكره بعضهم ذلك وقال: إن الحديث الصحيح يردّه: "حديث : من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" تفسير : فاعتبره نوعاً من أنواع القسم، وهو قول ابن عطية. قال الزجاج: قراءة حمزة مع ضعفها وقبحها في اللغة العربية، خطأ عظيم في أصول الدين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تحلفوا بآبائكم" تفسير : فإذا لم يجز الحلف بغير الله فكيف يجوز بالرحم؟ ونقل القرطبي عن (المبرّد) أنه قال: "لو صليت خلف إمام يقرأ {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} لأخذت نعلي ومضيتُ". قال القشيري: "ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواتراً يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن ردّ ذلك فقد ردّ على النبي واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم ولا يشك أحد في فصاحته. ثم النهي إنما جاء في الحلف بغير الله، وهذا توسل إلى الغير بحق الرحم فلا نهي فيه". الحكم الثاني: هل يعطى اليتيم ماله قبل البلوغ؟ دلّ قوله تعالى: {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} على وجوب دفع المال لليتيم، وقد اتفق العلماء على أن اليتيم لا يعطى ماله قبل البلوغ لقوله تعالى في الآيات التالية {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} تفسير : [النساء: 6] فقد شرطت البلوغ، وإيناس الرشد، والحكمة أن الصغير لا يحسن التصرف في ماله وربما صرفه في غير وجوه النفع، وللعلماء في تفسير هذه الآية وجهان: الوجه الأول: أن يكون المراد باليتامى البالغين الذين بلغوا سن الرشد، وسمّوا يتامى (مجازاً) باعتبار ما كان أي الذين كانوا أيتاماً. الوجه الثاني: أن المراد باليتامى الصغار، الذين هم دون سن البلوغ، والمراد بالإيتاء الإنفاق عليهم بالطعام والكسوة، أو المراد بالإيتاء ترك الأموال وحفظها لهم وعدم التعرض لها بسوء. وهذا الوجه قوي وذلك أن بعض الأوصياء كانوا يتعجلون في إنفاق مال اليتيم وتبذيره، فأمروا بالحفاظ عليه واستثماره فيما يعود بالنفع على اليتيم، حتى إذا بلغ سن الرشد سلّموه له تاماً موفوراً، ولعلّ الوجه الأول أقوى وأرجح والله أعلم. الحكم الثالث: هل الأمر في قوله تعالى: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ} للوجوب أم للإباحة؟ ذهب الجمهور إلى أن الأمر في قوله تعالى: {فَٱنكِحُواْ} للإباحة مثل الأمر في قوله تعالى: {أية : وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} تفسير : [البقرة: 187] وفي قوله: {أية : كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} تفسير : [البقرة: 57]. وقال أهل الظاهر: النكاح واجب وتمسكوا بظاهر هذه الآية، لأن الأمر للوجوب، وهم محجوبون بقوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} تفسير : إلى قوله: {أية : وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} تفسير : [النساء: 25]. قال الإمام الفخر: "فحكَمَ تعالى بأن ترك النكاح في هذه الصورة خيرٌ من فعله، فدل ذلك على أنه ليس بمندوب فضلاً عن أنه واجب". الحكم الرابع: ما معنى قوله تعالى: {مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ}؟ اتفق علماء اللغة على أن هذه الكلمات من ألفاظ العدد، وتدل كل واحدة منها على المذكور من نوعها، فمثنى تدل على اثنين اثنين، وثُلاث تدل على ثلاثة ثلاثة، ورُباع تدل على أربعة أربعة، والمعنى: انكحوا ما اشتهت نفوسكم من النساء، ثنتين ثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً حسبما تريدون. قال الزمخشري: ولما كان الخطاب للجميع وجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد، كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم: درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، ولو أفردت لم يكن له معنى. أي لو قلت للجَمع اقتسموا المال الكثير درهمين لم يضح الكلام، فإذا قلت: درهمين درهمين كان المعنى أن كل واحد يأخذ درهمين فقط لا أربعة دراهم. وفي هذه الآية دلالة على حرمة الزيادة على أربع، وقد أجمع العلماء والفقهاء على ذلك ولا يقدح في هذا الإجماع ما ذهب إليه بعض المبتدعة من جواز التزوج بتسع نسوة بناء على أن الواو للجمع وأن المراد أن يجمع الإنسان اثنتين وثلاثاً وأربعاً. قال العلامة القرطبي: "إعلم أن هذا العدد (مثنى وثلاث ورباع) لا يدل على إباحة تسع كما قاله مَنْ بَعُد فهمه للكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن الواو جامعة، وعَضَد ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نكح تسعاً وجمع بينهن في عصمته، والذي صار إلى هذه الجهالة، وقال هذه المقالة، والرافضةُ وبعض أهل الظاهر، وذهب بعضهم إلى أقبح من ذلك، فقالوا بإباحة الجمع بين (ثمان عشرة) وهذا كله جهل باللسان والسنة، ومخالفة لإجماع الأمة، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة والتابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع، وقد أسلم (غيلان) وتحته عشر نسوة فأمره عليه السلام أن يختار أربعاً منهن ويفارق سائرهن. وقد خاطب تعالى العرب بأفصح اللغات، والعرب لا تدع أن تقول (تسعة وتقول: اثنين وثلاثة وأربعة، وكذلك تستقبح ممن يقول: أعط فلاناً أربعة، ستة، ثمانية، ولا يقول (ثمانية عشر)". أقول: إن الإجماع قد حصل على حرمة الزيادة على أربع، وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور هؤلاء الشذّاذ المخالفين، فلا عبرة بقولهم فإنما هو محض جهل وغباء وكما يقول الشاعر: شعر : ومن أخذ العلوم بغير شيخ يضل عن الصراط المستقيم وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من "الفهم السقيم" تفسير : أعاذنا الله من حماقة السفهاء وتطاول الجهلاء؟! ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - البشر جميعاً يرجعون إلى أصل واحدٍ، وينتسبون إلى أبٍ واحد، هو آدم عليه السلام. 2 - جواز التساؤل بالله تعالى كقولهم: أسألك بالله، وأنشدك بالله. 3 - حق الرحم عظيم ولهذا أمر الله تعالى بصلة الأرحام وعدم قطيعتها. 4 - وجوب رعاية اليتيم والحفاظ على ماله ودفعه إليه عند البلوغ. 5 - إباحة نكاح النساء في حدود أربع من الحرائر وبشرط العدل بينهن في القسمة. 6 - وجوب الاقتصار على واحدة إذا خشي الإنسان عدم العدل بين نسائه. خاتمة البحث: حكمة التشريع مسألة "تعدد الزوجات" ضرورة اقتضتها ظروف الحياة، وهي ليست تشريعاً جديداً انفرد به الإسلام، وإنما جاء الإسلام فوجده بلا قيود ولا حدود، وبصورة غير إنسانية، فنظّمه وشذّبه وجعله دواءً وعلاجاً لبعض الحالات الاضطرارية التي يعاني منها المجتمع. جاء الإسلام والرجال يتزوجون عشرة نسوة أو أكثر أو أقل - كما مرّ في حديث غيلان حين أسلم وتحته عشر نسوة - بدون حدّ ولا قيد، فجاء ليقول للرجال: إن هناك حداً لا يحل تجاوزه هو (أربع) وإن هناك قيداً وشرطاً لإباحة هذه الضرورة في (العدل بين الزوجات) فإذا لم يتحقق ذلك وجب الاقتصار على واحدة {فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ}. فهو إذاً نظام قائم وموجود منذ العصور القديمة، ولكنه كان فوضى فنظّمه الإسلام، وكان تابعاً للهوى والاستمتاع باللذائذ، فجعله الإسلام سبيلاً للحياة الفاضلة الكريمة. والحقيقة التي ينبغي أن يعلمها كل إنسان أن "إباحة تعدد الزوجات" مفخرة من مفاخر الإسلام، لأنه استطاع أن يحل مشكلة عويصة من أعقد المشاكل، تعانيها الأمم والمجتمعات اليوم فلا تجد لها حلاً إلا بالرجوع إلى حكم الإسلام، وبالأخذ بنظام الإسلام. إن هناك أسباباً قاهرة تجعل التعدد ضرورة كعقم الزوجة، ومرضها مرضاً يمنع زوجها من التحصن، وغير ذلك من الأسباب التي لا نتعرض لذكرها الآن، ولكن نشير إلى نقطة هامة يدركها المرء ببساطة. إن المجتمع في نظر الإسلام كالميزان يجب أن تتعادل كفتاه، ومن أجل المحافظة على التوازن يجب أن يكون عدد الرجال بقدر عدد النساء، فإذا زاد عدد الرجال على عدد النساء، أو بالعكس فكيف نحل هذه المشكلة؟ ماذا نصنع حين يختل التوازن ويصبح عدد النساء أضعاف عدد الرجال؟ أنحرم المرأة من (نعمة الزوجية) و(نعمة الأمومة) ونتركها تسلك طريق الفاحشة والرذيلة كما حصل في أوربا من جراء تزايد عدد النساء بعد الحرب العالمية الأخيرة؟ أم نحل هذه المشكلة بطرقٍ شريفة فاضلة نصون فيها كرامة المرأة، وطهارة الأسرة، وسلامة المجتمع؟ أيهما أكرم وأفضل لدى العاقل أن ترتبط المرأة برباط مقدس تنضم فيه مع امرأة أخرى تحت حماية رجل بطريق شرعي شريف، أم نجعلها خدينةً وعشيقة لذلك الرجل وتكون العلاقة بينهما علاقة إثم وإجرام؟! لقد اختارت ألمانيا (المسيحية) التي يحرم دينها التعدد، فلم تجد خيرة لها إلاّ ما اختاره الإسلام فأباحت تعدد الزوجات رغبة في حماية المرأة الألمانية من احتراف البغاء، وما يتولد عنه من أضرار فادحة وفي مقدمتها كثرة اللقطاء. تقول أستاذة ألمانية في الجامعة: (إن حل مشكلة المرأة الألمانية هو في إباحة تعدد الزوجات... إنني أفضل أن أكون زوجة مع عشر نساء لرجل ناجح على أن أكون الزوجة الوحيدة لرجل فاشل تافه.. إن هذا ليس رأي وحدي بل هو رأي نساء كل ألمانيا). وفي عام 1948 ميلادية أوصى مؤتمر الشباب العالمي في (ميونخ) بألمانيا بإباحة تعدد الزوجات حلاً لمشكلة تكاثر النساء وقلة الرجال بعد الحرب العالمية الثانية. ولقد حلّ الإسلام المشكلة بأشرف وأكرم الطرق، بينما وقفت المسيحية مكتوفة الأيدي لا تبدي ولا تعيد، أفلا يكون للإسلام الفضل الأكبر لحل مثل هذه الظاهرة التي تعاني منها أمم لا تدين بدين الإسلام؟! ويجدر بي أن أنقل هنا بعض فقرات لشهيد الإسلام (سيد قطب) من كتابه "السلام العالمي في الإسلام" حيث قال تغمده الله بالرحمة: "إن ثرثرةً طويلةً عريضة تتناثر حول حكاية "تعدد الزوجات" في الإسلام، فهل هي حقيقة تلك الآفة الخطرة في حياة المجتمع؟ إنني أنظر فأرى كل مشكلة اجتماعية قد تحتاج إلى تدخل من التشريع إلاّ مسألة تعدد الزوجات فإنها تحل نفسها بنفسها... إنها مسألة تتحكم فيها الأرقام، ولا تتحكم فيها النظريات ولا التشريعات. في كل أمة رجال ونساء، ومتى توازن عدد الرجال مع عدد النساء فإنه يتعذر عملياً أن يحصل رجل واحد على أكثر من امرأة واحدة. فأما حين يختل توازن الأمة، فيقل عدد الرجال عن النساء كما في الحروب، والأوبئة التي يتعرض لها الرجال أكثر، فهنا فقط يوجد مجال لأن يستطيع رجل تعديد زوجاته. فلننظر إذاً في هذه الحالة وأقر الأمثلة لها الآن (ألمانيا) حيث توجد ثلاث فتيات مقابل كل شاب، وهي حالة اختلال اجتماعي، فكيف يواجهها المشرع؟! إن هناك حلاً من حلول ثلاثة: الحل الأول: أن يتزوج كل رجل امرأة، وتبقى اثنتان لا تعرفان في حياتهما رجلاً، ولا بيتاً، ولا طفلاً، ولا أسرة. والحل الثاني: أن يتزوج كل رجل امرأة فيعاشرها معاشرة زوجته، وأن يختلف إلى الأخريين أو واحدة منهما لتعرف الرجل دون أن تعرف البيت أو الطفل، فإذا عرفت الطفل عرفته عن طريق الجريمة، وحملته ذلك العار والضياع. والحل الثالث: أن يتزوج الرجل أكثر من امرأة، فيرفعها إلى شرف الزوجية، وأمان البيت، وضمانة الأسرة، ويرفع ضميره عن لوثة الجريمة، وقلق الإثم، وعذاب الضمير، ويرفع المجتمع عن لوثة الفوضى واختلاط الأنساب. أي الحلول أليق بالإنسانية، وأحق بالرجولة، وأكرم للمرأة ذاتها وأنفع؟!".
زيد بن علي
تفسير : حدّثنا أَبو جعفر قالَ: حدّثنا عليُّ بن أحمد. قالَ: حدّثنا عطاءُ بن السائب. قالَ: حدّثنا أَبو خالد الواسطي عن زيدِ بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} معناهُ حَافظٌ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} الجمهور على أنها مدنية ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر أحوال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب والمؤمنين أولى الألباب ونبّه تعالى بقوله: {أية : أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ}تفسير : [آل عمران: 195]، على المجازاة. وأخبر أن بعضهم من بعض في أصل التوالد نبه تعالى في أول هذه السورة على اتحاد الأصل وتفرع العالم الانساني منه ليحث على التوافق والتواد والتعاطف وعدم الاختلاف ولينبه بذلك على أن أصل الجنس الانساني كان عابداً لله تعالى مفرده بالتوحيد والتقوى طائعاً له، فكذلك ينبغي أن تكون فروعه التي نشأت منه فنادى تعالى نداءً عاماً للناس وأمرهم بالتقوى التي هي ملاك الأمر وجعل سبب التقوى تذكاره إياهم بأنه أوجدهم وأنشأهم من نفس واحدة، ومن كان قادراً على مثل هذا الإِيجاد الغريب الصنع وإعدام هذه الأشكال والنفع والضر فهو جدير بأن يتقى. ونبه بقوله: {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}، على ما هو مركوز في الطباع من ميل بعض الأجناس إلى بعض وإلفة له دون غيره ليتألف بذلك عباده على تقواه. والظاهر في الناس العموم لأن الألف واللام فيه تفيده والأمر بالتقوى وللعلة إذ ليسا مخصوصين بل هما عامان. {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} المراد به آدم عليه الصلاة والسلام. وقرىء واحدة على تأنيث النفس وواحد على التذكير والنفس تذكر وتؤنث، والغالب عليها التأنيث. ومعنى الخلق هنا: الاختراع بطريق التفريع والرجوع إلى أصل واحد. كما قال الشاعر: شعر : إلى عرق الثرى وشجت عروقي وهذا الموت يسلبني شبابي تفسير : وفي قوله: من نفس واحدة إشارة إلى ترك المفاخرة والكبر لتعريفه إياهم أنهم من أصل واحد. ودلالة على المعاد، لأن القادر على إخراج أشخاص مختلفين من شخص واحد فقدرته على إحيائهم بطريق الأولى. {وَخَلَقَ مِنْهَا} الظاهر أنها منشأة من آدم نفسه ويحتمل أن يكون المعنى في قوله: منها، من جنسه لا من نفسه حقيقة بل اشتركا في الإِنسانية. {وَبَثَّ مِنْهُمَا} أي من تلك النفس وزوجها أي نشر وفوق في الوجود. ويقال: أبث الله الخلق رباعياً وبث ثلاثياً. {رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} أي كثيرة وحذف الوصف لدلالة ما قبله عليه. وقرىء وخالق وباث باسم الفاعل على إضمار وهو. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} كرر الأمر بالتقوى تأكيداً الأول. وقيل: لاختلاف التعليل، وذكر أولاً الرب الذي يدل على الإِحسان والتربية، وثانياً الله الذي يدل على القهر والهيبة، بنى أولاً على الترغيب، وثانياً على الترهيب، كقوله: {أية : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} تفسير : [السجدة: 16]، وقرىء تسّألون بتشديد السين أصله تتسألون فأدغم التاء في السين، وقرىء تساءلون بتخفيف السين على حذف التاء الثانية. قال ابن عطية: وذلك لأنهم حذفوا التاء الثانية تخفيفاً وهذه تاء تتفاعلون تدغم في لغة وتحذف في أخرى لاجتماع حروف متقاربة. قال أبو علي: فإذا اجتمعت المتقاربة خففت بالحذف والإِدغام والإِبدال كما قالوا في طسْ طست فأبدلوا من السين الواحدة تاء إذ الأصل طس. قال: شعر : حنّ إليها كحنين الطسّ تفسير : "انتهى". وأما قول ابن عطية: حذفوا التاء الثانية فهذا مذهب أهل البصرة وذهب هشام بن معاوية الضرير الكوفي إلى أن المحذوفة هي الأولى وهي تاء المضارعة وهي مسألة خلاف ذكرت دلائلها في علم النحو. وأما قوله: وهذه تاء تتفاعلون تدغم في لغة وتحذف في أخرى، كان ينبغي أن ينبه على الإِثبات إذ يجوز الإِثبات وهو الأصل والادغام وهو قريب من الأصل إذ لم يذهب الحرف إلا بأن أبدل منه مماثل ما بعده وأدغم والحذف لاجتماع المثلين. وظاهر كلامه اختصاص الادغام والحذف بتتفاعلون وليس كذلك أما الإِدغام فلا يختص به بل ذلك في الأمر والمضارع والماضي واسم الفاعل واسم المفعول والمصدر وأما الحذف فمختص بما دخلت عليه التاء من المضارع. وقوله: لاجتماع حروف متقاربة ظاهرة تعليل الحذف فقط لقربه أو تعليل الحذف والإِدغام وليس كذلك أما ان كان تعليلاً للحذف فليس كذلك، بل الحذف علته اجتماع متماثلة لا متقاربة، واما إن كان تعليلاً لهما فيصح في الإِدغام لا الحذف كما ذكرنا. وأما قول أبي علي: إذا اجتمعت المتقاربة خففت بكذا فلا يعني أن ذلك حكم لازم إنما معناه أنه قد يكون التخفيف بكذا فكم وجد من اجتماع متقاربة لم تخفف لا بحذف ولا إدغام ولا بدل وإما تمثيله بطسْت في طسّ فليس البدل هنا لاجتماع متقاربة من الكلمة بل هذا من اجتماع المثلين كقولهم في لص: لصت. وقرىء تسألون مضارع سأل وتسلون بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى السين. وقرىء {وَٱلأَرْحَامَ} نصباً عطفاً على الجلالة على حذف مضاف تقديره وقطع الأرحام ويجوز أن يكون معطوفاً على موضوع به لأنه في موضع نصب. وقرىء والأرحام عطفاً على الضمير في به ويبنيه قراءة من قرأ وبالأرحام. هذا اختيارنا وإن كان مخالفاً لأهل البصرة في أنهم لا يعطفون على الضمير المخفوض إلا بإِعادة الخافض وقد استدللنا على صحة ما اخترناه عند الكلام على قوله تعالى: {أية : وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 217]. ومن ذهب إلى أن الجر هو بواو القسم فبعيد عن الفصاحة. قال ابن عطية: المضمر المخفوض لا ينفصل فهو كحرف من الكلمة ولا يعطف على حرف. ويرد عندي هذه القراءة يعني قراءة حمزة والأرحام بالجر وجهان: احدهما ان ذكر الأرحام مما يتساءل به لا معنى له في الحض على تقوى الله تعالى ولا فائدة فيه أكثر من الاخبار بأن الأرحام يتساءل بها وهذا تفريق في معنى الكلم وغض في فصاحته وإنما الفصاحة في أن يكون في ذكر الأرحام فائدة مستقلة. والوجه الثاني: إن في ذكرها على ذلك تقدير التساؤل بها والقسم بحرمتها. والحديث الصحيح يرد بذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: حديث : من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمتتفسير : . "انتهى" كلامه. وما ذهب إليه البصريون وتبعهم فيه الزمخشري وابن عطية من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإِعادة الجار ومن اعتلالهم لذلك غير صحيح بل الصحيح مذهب الكوفيين في ذلك وأنه يجوز وقد أطلتا الاحتجاج على ذلك عند قوله تعالى: {أية : وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 217]، وذكرنا ثبوت ذلك في لسان العرب نثرها ونظمها فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وأما قول ابن عطية: ويرد عندي هذه القراءة إلى آخر كلامه، فجاسرة قبيحة منه لا تليق بحاله ولا بطهارة لسانه، إذ عمد إلى قراءة متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بها سلف الأمة واتصلت بأكابر قراء الصحابة الذين تلقوا. القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير واسطة عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت واقرأ الصحابة أبيّ بن كعب رضي الله عنهم عمد إلى ردها هو بشيء خطر له في ذهنه، وهذه الجسارة لا تليق إلا بالمعتزلة كالزمخشري فإِنه كثيراً ما يطعن في نقل القراء وقراءتهم. وحمزة رضي الله عنه أخذ القرآن عن سليمان بن مهران الأعمش وحمران بن أعين ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد الصادق. ولم يقرأ حمزة حرفاً من كتاب الله إلا بأثر وكان حمزة صالحاً ورعاً ثقة في الحديث وهو من الطبقة الثالثة ولد سنة ثمانين فاحكم القراءة وله خمس عشرة سنة، وأم الناس سنة مائة، وعرض عليه القرآن من نظراته جماعة منهم سفيان الثوري والحسن بن صالح ومن تلاميذه جماعة منهم إمام الكوفة في القراءة والعربية أبو الحسن الكسائي. وقال الثوري وأبو حنيفة ويحيى بن آدم غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض وإنما ذكرت هذا وأطلت فيه لئلا يطلع عمر على كلام الزمخشري وابن عطية في هذه القراءة فيسيء ظناً بها وبقارئها فيقارب أن يقع في الكفر بالطعن في ذلك، ولسنا متعبدين بقول نحاة البصرة ولا غيرهم ممن خالفهم، فكم حكم ثبت بنقل الكوفيين من كلام العرب لم ينقله البصريون، وكم حكم ثبت بنقل البصريين لم ينقله الكوفيون وإنما يعرف ذلك من له استبحار في علم العربية لا أصحاب الكنانيش المشتغلون بضروب من مبادي العلوم الآخذون عن الصحف دون الشيوخ. وقرىء والأرحام على أنه مبتدأ حذف خبره لدلالة ما قبله عليه كأنه قيل: والأرحام أي وقطعها مما يتقي. {عَلَيْكُمْ رَقِيباً} والرقيب فعيل للمبالغة من رقب يرقب رقبا ورقوبا ورقباناً أحد النظر إلى أمر ليتحققه على ما هو عليه ويقرن به الحفظ. ومنه قيل للذي يرقب خروج السهم: رقيب، والمعنى أنه تعالى مراع لكم لا يخفي عليه من أمركم شيء.
الجيلاني
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} الذين نسوا الموطن الأصلي، والمنزل الحقيقي بزخرفة الدنيا المانعة من الوصول إليه، عليكم الاتقاء من غوائلها، والأجتناب عن مخايلها، حتى لا تنحطوا عن مرتبتكم الأصلية ومكانكم الحقيقي {ٱتَّقُواْ} أي: اجتنبوا والتجئوا {رَبَّكُمُ ٱلَّذِي} رباكم بحسن التربية، بأن {خَلَقَكُمْ} أظهركم وأوجدكم أولاً {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} هي المرتبة الفعالى، المحيطة بجميع المراتب الكونية والكيانية، وهي المرابت الجامعة المحمدية، المسماة بالعقل الكلي، والقلم الاعلى؛ تكميلاً لباطنكم وغيبكم. {وَخَلَقَ مِنْهَا} بالنكاح المعنوي والزواج الحقيقي الواقع بين الأوصاف والأسماء الإلهية {زَوْجَهَا} التي هي الكلية القابلة الفيضان عموم الآثار الصادرة من المبدأ المختار؛ تتميماً لظاهركم وشهادتكم، حتى استحقوا الخلافة والنيةبة بحسب الظاهر والباطن {وَ} بعد جعلهما زوجين كذلك {بَثَّ} بسط ونشر {مِنْهُمَا} أيضاً بتلك النكاح المذكور {رِجَالاً كَثِيراً} فواعل مفيضات {وَنِسَآءً} قوابل مستفيضات كل لنظيرتها، على تفاوت دقائق المناسبات الواقعة بين التجليات الحبية على الوجه الذي بينتها الكتب والرسل. ولما كان الرب من الأسماء التي تتفاوت بتفاوت المربوب، صرح بألوهيته المستجمعة لجميع الأوصاف والأسماء بلا تفاوت، تأكيداً ومبالغةً لأمر التقوى، فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي: واحذروا عمَّا يشغلكم عنه سباحنه، مع أنه أقرب إليكم من حبل وريدكم؛ إذ هو {ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ} تتساءلون وتتنافسون {بِهِ} وتتوهمون بعده من غاية قربه {وَ} احفظوا {ٱلأَرْحَامَ} المنبئة عن النكاح المعنوي والزواج الحيي على الوجه الذي ذكره {إِنَّ ٱللَّهَ} المحيط بكم وبأحوالكم {كَانَ عَلَيْكُمْ} دائماً {رَقِيباً} [النساء: 1] حفيظاً يحفظكم عمَّا لا يغنيكم إن أخلصتم التوجه. ومن جملة الأمور التي يجب المحافظة عليها أيها المأمورون بالتقوى: حقوق اليتامى، فعليكم أيها الأولياء والأوصيا أن تحفظوا مال اليتيم حين موت أبيه أو جده، وتزيدوه بالمرابحة والمعاملة، وتصرفوا بقدر الكفاف. {وَ} بعد البلوغ {آتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ} قبل البلوغ؛ إذ لا يتم بعد البلوغ {أَمْوَالَهُمْ} المحفوظة، الموروثة من آبائهم {وَ} عليكم حين الأداء أن {لاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ} الرديء من أموالكم {بِٱلطَّيِّبِ} الجيِّد من أموالهم {وَ} أيضاً، عليكمإن أردتم التصرف في أموالهم مقدار معاشهم أن {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} أي: مع أموالكم مختلطين {إِنَّهُ} أي: التصرف في أموالهم بلا رعاية غبطتهم {كَانَ حُوباً كَبِيراً} [النساء: 2] إثماً عظيماً، مُسقطاً للمروءة بالمرة. {وَإِنْ خِفْتُمْ} أيها الأولياء {أَلاَّ تُقْسِطُواْ} ولا تعدلوا {فِي} حفظ {ٱلْيَتَامَىٰ} النساء اللاتي لهن مال وجمال {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} البالغة مقدار ما يسكن مليكم إلى اليتامى وشهوتكم إليهن {مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ} أي: اثنين اثنين، وثلاث ثلاث، وأربعة أربعة، على تفاوت ميولكم إن حفظتم العدالة بينهن. {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً} أي: فلكم نكاح الواحدة؛ لتأمنوا من الفتنة، سواء كانت من الحرائر {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ} من الإماء، ثم لمَّا لم يكن في الإسلام رهبانية؛ لأن الحكمة تقتضي عدمها، كما أشار إلأيه صلى الله عله وسلم بقوله: "حديث : لا رهبانية في الإسلام"تفسير : ، نبه سبحانه على أقل مرتبة الزواج الصوري، المنبئ عن النكاح المعنوي والارتباط الحقيقي بقوله: {ذٰلِكَ} أي: نكاح الواحدة، والقناعة بالإماء {أَدْنَىٰ} مرتبة الزواج على الذين يخافون {أَلاَّ تَعُولُواْ} [النساء: 3] أي: من كثرة العيال.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} [النساء: 1]، إشارة في الآية: أن الله تعالى يذكر الناس ببدء خلقتهم بالأشباح والأرواح بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1]، فإنهم كما خلقوا بالأشباح عن نفس واحدة وهي شبح آدم عليه السلام، كذلك خلقوا بالأرواح عن نفس واحدة وهي روح محمد صلى الله عليه وسلم، لقوله: "حديث : أول ما خلق الله روحي"تفسير : ، فكما أن آدم عليه السلام بالشبح كان أبا البشر، كان محمد صلى الله عليه وسلم بالروح أبا الروح، {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1]؛ وهي النفس، خلقها من أدنى شعاع من أشعة أنوار روح محمد صلى الله عليه وسلم، {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً} [النساء: 1]؛ وهم أرواح الرجال البالغين الكاملين في الدين، كقوله تعالى: {أية : رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [النور: 37]، {وَنِسَآءً} [النساء: 1]؛ أي: أرواح ناقصات غير بالغات في الدين، كما أخرج من آدم عليه السلام المقبول والمردود، أخرج من روح محمد صلى الله عليه وسلم روح الكامل والناقص. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} [النساء: 1]؛ أي: اتقوا أن تسألوا به غيره، فلا تسألوا به عنه، {وَٱلأَرْحَامَ} [النساء: 1]، ولا تقطعوا صلة رحم رحمتي بصلة غيري، دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: "حديث : أنا الرحمن خلقتُ الرحم وشققت لها أسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته"تفسير : ، إن الله تعالى خلق الخلق برحمته، ولولا سبقت رحمته غضبه ما خلق أحداً من العالمين، فالواجب على الخلق أن يصلوا رحم رحمته بطلبه والانقطاع عن غيره؛ ليصلهم برحمته وكرامته، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 1] أيها المتقون {رَقِيباً} [النساء: 1]؛ لئلا يلتفتوا إلى غيره بالاعتراض عنه، بل {كَانَ عَلَيْكُمْ وَٱلأَرْحَامَ} [النساء: 1]؛ لتتقوا به عن غيره، وتصلوا به بالانقطاع عن غيره. ثم أخبر عن التقوى بإحراز أموال اليتامى بقوله تعالى: {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى نفى بهاتين الأخلاق الذميمة والأفعال القبيحة، وبها زكى أنفسهم عن آفاتها؛ وهي الحسد والدناءة، والخسة والطمع، الخيانة والمكر والخديعة، والجور والظلم، والشهوة والفضب، وسوء الخلق والبخل، والكبر والأنفة، وحلالها بأضدادها تكميلاً للتخلق بأخلاق الحق، فقال تعالى: {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2] تزكية عن آفة الحرص والحسد، والدناءة والخسة والطمع، وتحليته بالقناعة والمروءة وعلو الهمة والعافية، وقال تعالى: {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ} [النساء: 2]تزكية عن آفة الخيانة والمكر والخديعة، وتحليته بالأمانة والديانة وسلامة الصدور، وقال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] تزكية عن الجور والحين والظلم وتحليته بالعدل والإنصاف، فإن اجتماع هذه الرذائل في نفس الأمر {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} [النساء: 2]، حجاباً عظيماً. وقال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ} [النساء: 3] تزكية عن الزنا والفواحش التي تتعلق بالشهوة، وتحليته بالعفة والإحصان، وقال تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} [النساء: 3]. {وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ} [النساء: 4] تزكية عن الحدة والغضب وسوء الخلق، وتحليته بالوفاق والسخاء والفتوة، وقال تعالى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} [النساء: 4] تزكية عن الكبر والأنفة، وتحليته بالتواضع والخشوع، والرحمة والشفقة واللين، في الحقيقة هذه كلها إشارة إلى تربية ينافي القلوب والنفوس بإيتاء حقوق تزكيتهم عن هذه الأوصاف، وتحليتهم بهذه الأخلاق؛ لتحقق الامتثال بأمر تخلقوا بأخلاق الله، والله أعلم. ثم أخبر عن صيانة هذه الأخلاق من التفريط والإفراط بقوله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ} [النساء: 5]، إشارة في هذه الآيتين: إن الله تعالى جعل المال قياماً لمصالح دين العباد ودنياهم، فإن العاقل منهم من يجعله قياماً لمصالح دينه ولمصالح دنياه بقدر حاجته للضرورة إليه، والسفيه من جعله قياماً لمصالح دنياه ما أمكنه فهو المنهي عنه، وإن تؤتوا إليه أموالكم كائناً من كان، وإنما قال: {أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5]، وما قال أموالهم؛ لأن الخطاب مع العقلاء الصلحاء الأتقياء، وقد أضاف المال إليهم؛ لأنه تعالى خلق الدنيا وما فيها لهم قياماً لمصلح دينهم، كما قال تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [البقرة: 29]، وقال تعالى: {أية : أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ}تفسير : [الأنبياء: 105]، وأسفه السفهاء من جعلها في مفاسد دينه ودنياه؛ وهي النفس الأمارة بالسوء، وإنما هي أعدى عدوك؛ لأنها أسفه السفهاء، وكل ما أنفق الرجل نفسه بهواها ففيه مفاسد دينه ودنياه، إلا المستثني منه، كما أشار إليه تعالى بقوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ} [النساء: 5]، {أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5]؛ أي: جعل الله لكم قياماً {وَٱرْزُقُوهُمْ} [النساء: 5]؛ يعني: ما يسد به جوع النفس، {وَٱكْسُوهُمْ} [النساء: 5]؛ يعني: ما يستر عورتها، فإن ما زاد على هذا يكون إسرافاً في حق النفس، والإسراف منهي عنه، {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} [النساء: 5]، قول المعروف مع النفس أن يقول لها: أكلت رزقها ونعمت، فأدى شكر نعمته بامتثال أوامره ونواهيه وأذيبي طعامك بذكر الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أذيبوا طعامكم بذكر الله ".
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : افتتح تعالى هذه السورة بالأمر بتقواه، والحث على عبادته، والأمر بصلة الأرحام، والحث على ذلك. وبيَّن السبب الداعي الموجب لكل من ذلك، وأن الموجب لتقواه أن { رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ } ورزقكم، ورباكم بنعمه العظيمة، التي من جملتها خلقكم { مِن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } ليناسبها، فيسكن إليها، وتتم بذلك النعمة، ويحصل به السرور، وكذلك من الموجب الداعي لتقواه تساؤلكم به وتعظيمكم، حتى إنكم إذا أردتم قضاء حاجاتكم ومآربكم، توسلتم بها بالسؤال بالله. فيقول من يريد ذلك لغيره: أسألك بالله أن تفعل الأمر الفلاني؛ لعلمه بما قام في قلبه من تعظيم الله الداعي أن لا يرد من سأله بالله، فكما عظمتموه بذلك فلتعظموه بعبادته وتقواه. وكذلك الإخبار بأنه رقيب، أي: مطلع على العباد في حال حركاتهم وسكونهم، وسرهم وعلنهم، وجميع أحوالهم، مراقبا لهم فيها مما يوجب مراقبته، وشدة الحياء منه، بلزوم تقواه. وفي الإخبار بأنه خلقهم من نفس واحدة، وأنه بثهم في أقطار الأرض، مع رجوعهم إلى أصل واحد -ليعطف بعضهم على بعض، ويرقق بعضهم على بعض. وقرن الأمر بتقواه بالأمر ببر الأرحام والنهي عن قطيعتها، ليؤكد هذا الحق، وأنه كما يلزم القيام بحق الله، كذلك يجب القيام بحقوق الخلق، خصوصا الأقربين منهم، بل القيام بحقوقهم هو من حق الله الذي أمر به. وتأمل كيف افتتح هذه السورة بالأمر بالتقوى، وصلة الأرحام والأزواج عموما، ثم بعد ذلك فصل هذه الأمور أتم تفصيل، من أول السورة إلى آخرها. فكأنها مبنية على هذه الأمور المذكورة، مفصلة لما أجمل منها، موضحة لما أبهم. وفي قوله: { وخلق مِنْهَا زَوْجَهَا } تنبيه على مراعاة حق الأزواج والزوجات والقيام به، لكون الزوجات مخلوقات من الأزواج، فبينهم وبينهن أقرب نسب وأشد اتصال، وأقرب علاقة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 175 : 1 : 1 - حدثنا أبو حذيفة ثنا سفين عن رجل عن مجاهد في قوله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} قال، آدم {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} قال،، حواء خلقت من ضلعه. [الآية 1]. 176 : 2 : 49 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله تعالى {ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} اسئلك بالله وبالرحم. [الآية 1]. 177 : 3 : 50 - سفين عن منصور عن إبراهيم مثله. 178 : 4 : 51 - سفين عن خصيف عن عكرمة {ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} يقول، اتقوا الله، واتقوا الأرحام أن تقطعوها. [الآية 1].
همام الصنعاني
تفسير : 501- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن الحسن في قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ}: [الآية: 1]، قال: هو قول الرجل: أنشدك الله والرَّحِم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):