Verse. 495 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَاٰتُوا الْيَــتٰمٰۗى اَمْوَالَھُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيْثَ بِالطَّيِّبِ۝۰۠ وَلَا تَاْكُلُوْۗا اَمْوَالَھُمْ اِلٰۗى اَمْوَالِكُمْ۝۰ۭ اِنَّہٗ كَانَ حُوْبًا كَبِيْرًا۝۲
Waatoo alyatama amwalahum wala tatabaddaloo alkhabeetha bialttayyibi wala takuloo amwalahum ila amwalikum innahu kana hooban kabeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل في يتيم طلب من وليه ماله فمنعه: «وآتوا اليتامى» الصغار الذين لا أب لهم «أموالهم» إذا بلغوا «ولا تتبدلوا الخبيث» الحرام «بالطيب» الحلال أي تأخذوه بدله كما تفعلون من أخذ الجيد من مال اليتيم وجعل الرديء من مالكم مكانه «ولا تأكلوا أموالهم» مضمومة «إلى أموالكم إنه» أي أكلها «كان حوبا» ذنبا «كبيرا» عظيما ولما نزلت تحرجوا من ولاية اليتامى وكان فيهم من تحته العشر أو الثمان من الأزواج فلا يعدل بينهن فنزل.

2

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه لما افتتح السورة بذكر ما يدل على أنه يجب على العبد أن يكون منقادا لتكاليف الله سبحانه، محترزا عن مساخطه، شرع بعد ذلك في شرح أقسام التكاليف. فالنوع الأول: ما يتعلق بأموال اليتامى، وهو هذه الآية، وأيضا أنه تعالى وصى في الآية السابقة بالأرحام، فكذلك في هذه الآية وصى بالأيتام، لأنهم قد صاروا بحيث لا كافل لهم ولا مشفق شديد الإشفاق عليهم، ففارق حالهم حال من له رحم ماسة عاطفة عليه لمكان الولادة أو لمكان الرحم فقال: {وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: اليتامى الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم، واليتم الانفراد، ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة، وقيل: اليتم في الأناسي من قبل الآباء، وفي البهائم من قبل الأمهات. قال: وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء الانفراد عن الآباء، إلا أن في العرف اختص هذا الاسم بمن لم يبلغ مبلغ الرجال، فاذا صار بحيث يستغني بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره، زال عنه هذا الاسم، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يتيم أبي طالب، إما على القياس، وإما على حكاية الحال التي كان عليها حين كان صغيرا ناشئا في حجر عمه توضيعا له. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا يتم بعد حلم»تفسير : فهو تعليم الشريعة لا تعليم اللغة، يعني إذا احتلم فإنه لا تجرى عليه أحكام الصغار. وروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه؟ فكتب إليه: إذا أونس منه الرشد انقطع يتمه، وفي بعض الروايات: أن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعد، فأخبر ابن عباس أن اسم اليتيم قد يلزمه بعد البلوغ اذا لم يؤنس منه الرشد، ثم قال أبو بكر: واسم اليتيم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تستأمر اليتيمة» وهي لا تستأمر إلا وهي بالغة، قال الشاعر:شعر : ان القبور تنكح الأيامى النسوة الأرامل اليتامى تفسير : فالحاصل من كل ما ذكرنا أن اسم اليتيم بحسب أصل اللغة يتناول الصغير والكبير، إلا أنه بحسب العرف مختص بالصغير. المسألة الثانية: ههنا سؤال وهو أن يقال: كيف جمع اليتيم على يتامى؟ واليتيم فعيل، والفعيل يجمع على فعلى، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى وجريح وجرحى، قال صاحب «الكشاف»: فيه وجهان: أحدهما: أن يقال: جمع اليتيم يتمى، ثم يجمع فعلى على فعالى، كأسير وأسرى وأسارى، والثاني: أن يقال: جمع يتيم يتائم، لأن اليتيم جار مجرى الأسماء نحو صاحب وفارس، ثم يقلب اليتائم يتامى. قال القفال رحمه الله: ويجوز يتيم ويتامى، كنديم وندامى، ويجوز أيضا يتيم وأيتام كشريف وأشراف. المسألة الثالثة: ههنا سؤال ثان: وهو أنا ذكرنا أن اسم اليتيم مختص بالصغير، فما دام يتيما لا يجوز دفع ماله اليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيما، فكيف قال: {وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ } والجواب عنه على طريقين: الأول: أن نقول المراد من اليتامى الذين بلغوا أو كبروا ثم فيه وجهان: أحدهما: أنه تعالى سماهم يتامى على مقتضى أصل اللغة، والثاني: أنه تعالى سماهم باليتامى لقرب عهدهم باليتم وإن كان قد زال في هذا الوقت كقوله تعالى: {أية : فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 120] أي الذين كانوا سحرة قبل السجود، وأيضاً سمى الله تعالى مقاربة انقضاء العدة، بلوغ الأجل في قوله: {أية : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ } تفسير : [الطلاق: 2] والمعنى مقاربة البلوغ، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى: {أية : فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [النساء: 6] والإشهاد لا يصح قبل البلوغ وإنما يصح بعد البلوغ. الطريق الثاني: أن نقول: المراد باليتامى الصغار، وعلى هذا الطريق ففي الآية وجهان: أحدهما: أن قوله: {وآتُواْ } أمر، والأمر إنما يتناول المستقبل، فكان المعنى أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم، وعلى هذا الوجه زالت المناقضة. والثاني: المراد: وآتوا اليتامى حال كونهم يتامى ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والفائدة فيه أنه كان يجوز أن يظن أنه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال كونه صغيرا، فأباح الله تعالى ذلك، وفيه إشكال وهو أنه لو كان المراد ذلك لقال: وآتوهم من أموالهم، فلما أوجب إيتاءهم كل أموالهم سقط ذلك. المسألة الرابعة: نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم وعزلوا أموال اليتامى عن أموالهم، فشكوا ذلك الى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وإن تخالطوهم فإخوانكم } تفسير : [البقرة: 220] قال أبو بكر الرازي: وأظن أنه غلط من الراوي، لأن المراد بهذه الآية إيتاؤهم أموالهم بعد البلوغ وإنما غلط الراوي بآية أخرى، وهو ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [البقرة: 152] و{أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً }تفسير : [النساء: 10] ذهب من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فاشتد ذلك على اليتامى، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى { وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وإن تخالطوهم فاخوانكم} فخلطوا عند ذلك طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. قال المفسرون: الصحيح أنها نزلت في رجل من غطفان، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه، فتراجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، ودفع ماله اليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره» تفسير : أي جنته، فلما قبض الصبي ماله أنفقه في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثبت الأجر وبقي الوزر» تفسير : فقالوا: يا رسول الله لقد عرفنا أنه ثبت الأجر، فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال: ثبت أجر الغلام وبقي الوزر على والده. المسألة الخامسة: احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن السفيه، لا يحجر عليه بعد الخمس والعشرين، قال لأن قوله: {وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ } مطلق يتناول السفيه أونس منه الرشد أو لم يؤنس ترك العمل به قبل الخمس والعشرين سنة لاتفاق العلماء على أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذا السن، شرط في وجوب دفع المال إليه، وهذا الإجماع لم يوجد بعد هذا السن، فوجب إجراء الأمر بعد هذا السن على حكم ظاهر هذه الآية. أجاب أصحابنا عنه: بأن هذه الآية عامة، لأنه تعالى ذكر اليتامى فيها جملة، ثم إنهم ميزوا بعد ذلك بقوله: {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ }تفسير : [النساء: 6] وبقوله: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ}تفسير : [النساء: 5] حرم بهاتين الآيتين إيتاءهم أموالهم إذا كانوا سفهاء، ولا شك أن الخاص مقدم على العام. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ }. وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: ولا تتبدلوا، أي ولا تستبدلوا، والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز، ومنه التعجل بمعنى الاستعجال، والتأخر بمعنى الاستئخار. وقال الواحدي رحمه الله: يقال: تبدل الشيء بالشيء إذا أخذه مكانه. المسألة الثانية: في تفسير هذا التبدل وجوه: الوجه الأول: قال الفراء والزجاج: لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى، بالحلال وهو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض، فتأكلوه مكانه. الثاني: لا تستبدلوا الأمر الخبيث، وهو اختزال أموال اليتامى، بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع منها وهو قول الأكثرين أنه كان ولي اليتيم يأخذ الجيد من ماله ويجعل مكانه الدون، يجعل الزائف بدل الجيد، والمهزول بدل السمين، وطعن صاحب «الكشاف» في هذا الوجه، فقال: ليس هذا بتبدل إنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقا له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي. الرابع: هو أن هذا التبدل معناه: أن يأكلوا مال اليتيم سلفا مع التزام بدله بعد ذلك، وفي هذا يكون متبدلا الخبيث بالطيب. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ } وفيه وجهان: الأول: معناه ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم في الإنفاق حتى تفرقوا بين أموالكم وأموالهم في حل الانتفاع بها. والثاني: أن يكون «إلى» بمعنى «مع» قال تعالى: {أية : مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 52] أي مع الله، والأول: أصح. واعلم أنه تعالى وإن ذكر الأكل، فالمراد به التصرف لأن أكل مال اليتيم كما يحرم، فكذا سائر التصرفات المهلكة لتلك الأموال محرمة، والدليل عليه أن في المال ما لا يصح أن يؤكل، فثبت أن المراد منه التصرف، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف. فإن قيل: إنه تعالى لما حرم عليهم أكل أموال اليتامى ظلما في الآية الأولى المتقدمة دخل فيها أكلها وحدها وأكلها مع غيرها، فما الفائدة في إعادة النهي عن أكلها مع أموالهم؟ قلنا: لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من حلال وهم مع ذلك يطمعون في أموال اليتامى، كان القبح أبلغ والذم أحق. واعلم أنه تعالى عرف الخلق بعد ذلك أن أكل مال اليتيم من جميع الجهات المحرمة إثم عظيم فقال: {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } قال الواحدي رحمه الله: الكناية تعود إلى الأكل، وذلك لأن قوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ } دل على الأكل والحوب الإثم الكبير. قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن طلاق أم أيوب لحوب» تفسير : وكذلك الحوب والحاب ثلاث لغات في الاسم والمصدر قال الفراء: الحوب لأهل الحجاز، والحاب لتميم، ومعناه الاثم قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : رب تقبل توبتي واغسل حوبتي» تفسير : قال صاحب «الكشاف»: الحوب والحاب كالقول والقال. قال القفال: وكأن أصل الكلمة من التحوب وهو التوجع، فالحوب هو ارتكاب ما يتوجع المرتكب منه، وقال البصريون: الحوب بفتح الحاء مصدر، والحوب بالضم الاسم، والحوبة، المرة الواحدة، ثم يدخل بعضها في البعض كالكلام فإنه اسم، ثم يقال: قد كلمته كلاما فيصير مصدرا. قال صاحب «الكشاف»: قرأ الحسن حوبا، وقرىء: حابا.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} وأراد باليتامى الذين كانوا أيتاماً؛ كقوله: { أية : وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 120] ولا سِحر مع السجود، فكذلك لا يُتْمَ مع البلوغ. وكان يقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : يَتيمُ أبي طالب » تفسير : استِصحابا لما كان. {وآتوا} أي أعطوا. والإيتاء الإعطاء. ولفلان أَتْوٌ، أي عطاء. أبو زيد؛ أَتَوْتُ الرجل آتُوه إتَاوَةً، وهي الرِّشوة. واليتيم من لم يبلغ الحُلُم، وقد تقدّم في «البقرة» مستوفى. وهذه الآية خطاب للأولياء والأوصياء. نزلت ـ في قول مقاتِل والكلبِيّ ـ في رجلٍ من غَطَفان كان معه مالٌ كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمُّه؛ فنزلت، فقال العمّ: نعوذ بالله من الحُوبِ الكبير! وردّ المال. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : «من يوق شح نفسه ورجع به هكذا فإنه يحل داره» يعني جنته. فلما قبض الفتى المال أنفقه في سبيل الله، فقال عليه السلام: «ثبت الأجر وبقي الوِزر». فقيل: كيف يا رسول الله؟ فقال: «ثبت الأجر للغلام وبقي الوِزر على والده» تفسير : لأنه كان مشركا. الثانية ـ وإيتاء اليتامى أموالهم يكون بوجهين: أحدهما ـ إجراء الطعام والكسوة ما دامت الوِلاية؛ إذْ لا يمكن إلا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكُلّي والاستبدادَ كالصغير والسفيه الكبير. الثاني: الإيتاء بالتمكّن وإسلام المال إليه، وذلك عند الابتِلاء والإرشاد، وتكون تسميته مجازاً، المعنى: الذي كان يتيما، وهو استصحاب الاسم؛ كقوله تعالى: {وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ } أي الذين كانوا سحرةً. وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : يتيم أبي طالب »تفسير : فإذا تحقّق الوليَّ رشدَه حرُم عليه إمساك ماله عنه وكان عاصِياً. وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسا وعِشرين سنة أُعطِي ماله كله على كل حال، لأنه يصير جَدّاً. قلت: لما لم يذكر الله تعالى في هذه الآية إيناسَ الرشد وذكره في قوله تعالى: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}. قال أبو بكر الرازي الحنفي في أحكام القرآن: لما لم يقيّد الرشد في موضع وقيِّدَ في موضع وجب استعمالهما، فأقول: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة وهو سفِيهٌ لم يُؤنس منه الرشد، وجب دفع المال إليه، وإن كان دون ذلك لم يجب، عملا بالآيتين. وقال أبو حنيفة: لما بلغ رشده صار يصلح أن يكون جدّاً فإذا صار يصلح أن يكون جدّاً فكيف يصح إعطاؤه المال بعلة اليتم وباسم اليتيم؟! وهل ذلك إلاّ في غاية البعد؟ قال ابن العربي: وهذا باطل لا وجه له؛ لا سيما على أصله الذي يرى المقدّرات لا تثبت قياساً وإنما تؤخذ من جهة النص، وليس في هذه المسألة. وسيأتي ما للعلماء في الحجر إن شاء الله تعالى. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ} أي لا تتبدلوا الشاة السمينة من مال اليتيم بالهزيلة، ولا الدرهم الطيب بالزيف. وكانوا في الجاهلية لعدم الدين لا يتحرّجون عن أموال اليتامى، فكانوا يأخذون الطيب والجيِّد من أموال اليتامى ويبدّلونه بالرديء من أموالهم، ويقولون: اسم باسم ورأس برأس؛ فنهاهم الله عن ذلك. هذا قول سعيد بن المسيب والزهري والسدي والضحاك وهو ظاهر الآية. وقيل: المعنى لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرّمة خبيثة وتَدَعوا الطيبَ وهو مالكم. وقال مجاهد وأبو صالح وباذانُ: لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم وتَدَعوا انتظارا الرزق الحلال من عند الله. وقال ابن زيد: كان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث. عطاء: لا تربح على يتيمك الذي عندك وهو غِرٌّ صغير. وهذان القولان خارجان عن ظاهر الآية؛ فإنه يقال: تبدّل الشيء بالشيء أي أخذه مكانه. ومنه البَدَل. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} قال مجاهد؛ وهذه الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق؛ فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها فنهوا عن ذلك، ثم نسخ بقوله { أية : وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ } تفسير : [البقرة: 220] وقال ابن فُورَك عن الحسن: تأوّل الناس في هذه الآية النهي عن الخلط فاجتنبوه مِن قِبَل أنفسهم فخفف عنهم في آية البقرة. وقالت طائفة من المتأخرين: إنّ {إلَى} بمعنى مع، كقوله تعالى: { أية : مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [الصف:14] وأنشد القتبي: شعر : يِسدُون أبوابَ القِباب بَضُمَّرٍ إلى عُنُنٍ مُسْتَوثِقاتِ الأوَاصِرِ تفسير : وليس بجيِّد. وقال الحُذّاق: {إلى} على بابها وهي تتضمن الإضافة، أي لا تضيفوا أموالهم وتضموها إلى أموالكم في الأكل. فنُهوا أن يعتقدوا أموال اليتامى كأموالهم فيتسلطوا عليها بالأكل والانتفاع. الخامسة: قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} {إنَّهُ} أي الأكل. {كَانَ حُوباً كَبِيراً} أي إثماً كبيراً؛ عن ابن عباس والحسن وغيرهما. يقال: حَابَ الرجل يَحُوبُ حَوْباً إذا أثِم. وأصله الزجر للإبل؛ فسمى الإثم حَوْباً؛ لأنه يُزجَر عنه وبه. ويقال في الدعاء: اللهم اغفر حَوْبَتي؛ أي إثمي. والحَوْبَة أيضاً الحاجة. ومنه في الدعاء: إليك أرفع حوبتي؛ أي حاجتي. والحُوب الوحشة؛ ومنه قوله عليه السلام لأبي أيوب. « حديث : إن طلاق أم أيوب لحُوب » تفسير : . وفيه ثلاث لغات «حُوباً» بضم الحاء وهي قراءة العامة ولغة أهل الحجاز. وقرأ الحسن «حَوْباً» بفتح الحاء. وقال الأخفش: وهي لغة تميم. مقاتل: لغة الحبش. والحوبُ المصدر، وكذلك الحِيَابَة. والحُوبُ الاسم. وقرأ أُبيّ بن كعب «حَاباً» على المصدر مثل الْقَال. ويجوز أن يكون اسماً مثل الزاد. والحَوْأَبُ (بهمزة بعد الواو): المكان الواسع. والحَوْأَبُ ماءٌ أيضاً. ويقال: ألحق الله به الحَوْبَةَ أي المسكنة والحاجة؛ ومنه قولهم: بات بحِيبَة سوء. وأصل الياء الواو. وتحوّب فلان أي تعبّد وألقى الحَوْبَ عن نفسه، والتحوُّب أيضاً التحزّن. وهو أيضاً الصياح الشديد؛ كالزجر، وفلان يتحوّب من كذا أي يتوجّع وقال طُفَيْل: شعر : فذُوقوا كما ذُقْنا غَداةَ مُحجّرٍ مِن الغَيْظِ في أكْبادِنا والتّحوُّبِ

البيضاوي

تفسير : {وَءَاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ} أي إذا بلغوا، واليتامى جمع يتيم وهو الذي مات أبوه، من اليتم وهو الانفراد. ومنه الدرة اليتيمة، إما على أنه لما جرى مجرى الأسماء كفارس وصاحب جمع على يتائم، ثم قلب فقيل يتامى أو على أنه جمع على يتمي كأسرى لأنه من باب الآفات. ثم جمع يتمى على يتامى كأسرى وأسارى، والاشتقاق يقتضي وقوعه على الصغار والكبار، لكن العرف خصصه بمن لم يبلغ. ووروده في الآية إما للبلغ على الأصل أو الاتساع لقرب عهدهم بالصغر، حثاً على أن يدفع إليهم أموالهم أول بلوغهم قبل أن يزول عنهم هذا الاسم إن أونس منهم الرشد، ولذلك أمر بابتلائهم صغاراً أو لغير البلغ والحكم مقيد فكأنه قال؛ وآتوهم إذا بلغوا. ويؤيد الأول ما روي: أن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال منه فمنعه فنزلت. فلما سمعها العم قال: أطعنا الله ورسوله نعوذ بالله من الحوب الكبير. {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ} ولا تستبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم، أو الأمر الخبيث وهو اختزال أموالهم بالأمر الطيب الذي هو حفظها. وقيل ولا تأخذوا الرفيع من أموالهم وتعطوا الخسيس مكانها، وهذا تبديل وليس بتبدل. {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ} ولا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم، أي لا تنفقوهما معاً ولا تسووا بينهما، وهذا حلال وذاك حرام وهو فيما زاد على قدر أجره لقوله تعالى:{أية : فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ }تفسير : [النساء: 6] {إِنَّهُ} الضمير للأكل. {كَانَ حُوباً كَبِيراً} ذنباً عظيماً. وقرىء حوباً وهو مصدر حاب {حُوباً} وحابا كقال قولاً وقالاً.

ابن كثير

تفسير : يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضمها إلى أموالهم، ولهذا قال: {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ} قال سفيان الثوري عن أبي صالح: لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الرزق الحلال الذي قدر لك. وقال سعيد بن جبير: لا تتبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم، يقول: لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام. وقال سعيد بن المسيب والزهري: لا تعط مهزولاً وتأخذ سميناً. وقال إبراهيم النخعي والضحاك: لا تعط زائفاً وتأخذ جيداً. وقال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشاة المهزولة، ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم. وقوله: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَٰلِكُمْ} قال مجاهد وسعيد بن جبير وابن سيرين ومقاتل بن حيان والسدي وسفيان بن حسين: أي: لا تخلطوها فتأكلوها جميعاً. وقوله: {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} قال ابن عباس: أي: إثماً كبيراً عظيماً. وروى ابن مردويه عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {حُوباً كَبِيراً} قال: «حديث : إثماً كبيراً» تفسير : ولكن في إسناده محمد بن يوسف الكُدَيْمي، وهو ضعيف. وروي هكذا عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وابن سيرين وقتادة ومقاتل بن حيان والضحاك وأبي مالك وزيد بن أسلم وأبي سنان مثل قول ابن عباس. وفي الحديث المروي في سنن أبي داود: «حديث : اغفر لنا حوبنا وخطايانا»تفسير : . وروى ابن مردويه بإسناده إلى واصل مولى أبي عيينة عن ابن سيرين عن ابن عباس: أن أبا أيوب طلق امرأته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : يا أبا أيوب إن طلاق أم أيوب كان حوباً» تفسير : قال ابن سيرين: الحوب: الإثم، ثم قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي حدثنا بشر بن موسى، حدثنا هَوْذة ابن خليفة، حدثنا عوف عن أنس أن أبا أيوب أراد طلاق أم أيوب، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إن طلاق أم أيوب لحوب» تفسير : فأمسكها، ثم روى ابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث علي بن عاصم عن حميد الطويل، سمعت أنس بن مالك أيضاً يقول: أراد أبو طلحة أن يطلق أم سليم امرأته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن طلاق أم سليم لحوب» تفسير : فكف. والمعنى: إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم، وخطأ كبير، فاجتنبوه. وقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ}، أي: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة، وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير، ولم يضيق الله عليه. وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج، أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رجلاً كانت له يتيمة، فنكحها، وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ} أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله. ثم قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ}، قالت: يابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله: {أية : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 127]، قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: {أية : وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} تفسير : [النساء: 127] رغبة أحدكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال. وقوله: {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ} أي: انكحوا ما شئتم من النساء سواهن، إن شاء أحدكم ثنتين، وإن شاء ثلاثاً، وإن شاء أربعاً. كما قال الله تعالى: {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِىۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} تفسير : [فاطر: 1] أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولا ينفي ما عدا ذلك في الملائكة لدلالة الدليل عليه، بخلاف قصر الرجال على أربع؛ فمن هذه الآية؛ كما قال ابن عباس وجمهور العلماء؛ لأن المقام مقام امتنان وإباحة، فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره. قال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة، وهذا الذي قاله الشافعي رحمه الله مجمع عليه بين العلماء، إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة، أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع. وقال بعضهم: بلا حصر. وقد يتمسك بعضهم بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع؛ كما ثبت في الصحيحين، وأما إحدى عشرة؛ كما جاء في بعض ألفاظ البخاري، وقد علقه البخاري: وقد روينا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج بخمس عشرة امرأة، ودخل منهن بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع. وهذا عند العلماء من خصائصه دون غيره من الأمة؛ لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع، ولنذكر الأحاديث في ذلك، قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا معمر عن الزهري، قال ابن جعفر في حديثه: أنبأنا ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : اختر منهن أربعاً» تفسير : فلما كان في عهد عمر طلق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك، فقذفه في نفسك، ولعلك لا تمكث إلا قليلاً. وايم الله لتراجعن نساءك، ولترجعن في مالك، أو لأورثهن منك، ولآمرن بقبرك فيرجم؛ كما رجم قبر أبي رغال. وهكذا رواه الشافعي والترمذي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وغيرهم من طرق عن إسماعيل بن علية، وغندر، ويزيد بن زريع، وسعيد بن أبي عروبة، وسفيان الثوري، وعيسى بن يونس، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، والفضل بن موسى، وغيرهم من الحفاظ، عن معمر بإسناده مثله إلى قوله: «حديث : اختر منهن أربعاً» تفسير : وباقي الحديث في قصة عمر من أفراد أحمد، وهي زيادة حسنة، وهي مُضَعَّفة؛ لما علل به البخاري هذا الحديث فيما حكاه عنه الترمذي حيث قال بعد روايته له: سمعت البخاري يقول: هذا الحديث غير محفوظ. والصحيح ما روى شعيب وغيره عن الزهري: حُدثت عن محمد بن سويد الثقفي: أن غيلان بن سلمة، فذكره. قال البخاري: وإنما حديث الزهري عن سالم، عن أبيه: أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر: لتراجعن نساءك، أو لأرجمن قبرك؛ كما رجم قبر أبي رغال. وهذا التعليل فيه نظر، والله أعلم. وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري مرسلاً. وهكذا رواه مالك عن الزهري مرسلاً. قال أبو زرعة: وهو أصح. وقال البيهقي: ورواه عقيل عن الزهري: بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد. وقال أبو حاتم: وهذا وهم، إنما هو الزهري، عن عثمان بن أبي سويد: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره. قال البيهقي: ورواه يونس وابن عيينة عن الزهري عن محمد بن أبي سويد، وهذا كما علله البخاري، وهذا الإسناد الذي قدمناه من مسند الإمام أحمد، رجاله ثقات على شرط الشيخين. ثم قد روي من غير طريق معمر، بل والزهري. قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو علي الحافظ، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا أبو بُرَيد عمرو بن يزيد الجرمي، أخبرنا يوسف بن عبيد الله، حدثنا سرار بن مجشر، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوة، فأسلم وأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعاً. هكذا أخرجه النسائي في سننه، قال أبو علي بن السكن: تفرد به سرار بن مجشر، وهو ثقة. وكذا وثقه ابن معين. قال أبو علي: وكذا رواه السميدع بن واهب عن سرار. قال البيهقي: وروينا من حديث قيس بن الحارث أو الحارث بن قيس، وعروة بن مسعود الثقفي، وصفوان بن أمية، يعني: حديث غيلان بن سلمة. فوجه الدلالة أنه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع، لسوغ له رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرهن في بقاء العشرة، وقد أسلمن معه، فلما أمره بإمساك أربع وفراق سائرهن، دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال، فإذا كان هذا في الدوام، ففي الاستئناف بطريق الأولى والأحرى، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، (حديث آخر في ذلك) روى أبو داود وابن ماجه في سننهما من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن حُمَيْضة بن الشمردل وعند ابن ماجه: بنت الشمردل، حكى أبو داود أن منهم من يقول: الشمرذل، بالذال المعجمة عن قيس بن الحارث، وعند أبي داود في رواية: الحارث بن قيس بن عميرة الأسدي قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : اختر منهن أربعاً»تفسير : ، وهذا الإسناد حسن. ومجرد هذا الاختلاف لا يضر مثله؛ لما للحديث من الشواهد. (حديث آخر في ذلك) قال الشافعي في مسنده: أخبرني من سمع ابن أبي الزناد يقول: أخبرني عبد المجيد بن سُهيل بن عبد الرحمن، عن عوف بن الحارث، عن نوفل بن معاوية الديلي رضي الله عنه، قال: أسلمت وعندي خمس نسوة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اختر أربعاً أيتهن شئت، وفارق الأخرى» تفسير : فعمدت إلى أقدمهن صحبة؛ عجوز عاقر معي منذ ستين سنة، فطلقتها. فهذه كلها شواهد بصحة ما تقدم من حديث غيلان كما قاله البيهقي رحمه الله. وقوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ}، أي: فإن خشيتم من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن، كما قال تعالى، {أية : وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} تفسير : [النساء: 129] فمن خاف من ذلك، فليقتصر على واحدة، أو على الجواري السراري؛ فإنه لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحب، فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج، وقوله: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} قال بعضهم: ذلك أدنى ألا تكثر عيالكم، قاله زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة والشافعي رحمهم الله، وهو مأخوذ من قوله تعالى: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} تفسير : [التوبة: 28] أي: فقراً {أية : فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ} تفسير : [التوبة: 28] وقال الشاعر:شعر : فما يَدْري الفقيرُ متى غِناه وما يَدْري الغَنيُّ متى يُعِيلُ تفسير : وتقول العرب: عال الرجل يعيل عيلة: إذا افتقر. ولكن في هذا التفسير ههنا نظر، فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر، كذلك يخشى من تعداد السراري أيضاً. والصحيح قول الجمهور {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} أي: لا تجوروا، يقال: عال في الحكم: إذا قسط وظلم وجار، وقال أبو طالب في قصيدته المشهورة:شعر : بميزانِ قِسْطِ لا يَخيسُ شعيرةً له شاهدٌ من نفسِه غير عائِلِ تفسير : وقال هشيم: عن أبي إسحاق قال: كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: إني لست بميزان أعول. رواه ابن جرير، وقد روى ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو حاتم ابن حبان في صحيحه من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، حدثنا محمد بن شعيب، عن عمر بن محمد بن زيد، عن عبد الله بن عمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} قال: «حديث : لا تجوروا» تفسير : قال ابن أبي حاتم: قال أبي، هذا حديث خطأ، والصحيح: عن عائشة موقوف، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس وعائشة ومجاهد وعكرمة والحسن وأبي مالك وأبي رزين والنخعي والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: لا تميلوا، وقد استشهد عكرمة رحمه الله ببيت أبي طالب الذي قدمناه، ولكن ما أنشده كما هو المروي في السيرة، وقد رواه ابن جرير، ثم أنشده جيداً، واختار ذلك. وقوله تعالى: {وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: النحلة: المهر، وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة: نحلة: فريضة، وقال مقاتل وقتادة وابن جريج: نحلة، أي: فريضة. زاد ابن جريج: مسماة، وقال ابن زيد: النحلة في كلام العرب: الواجب، يقول: لا تنكحها إلا بشيء واجب لها، وليس ينبغي لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذباً بغير حق، ومضمون كلامهم: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتماً، وأن يكون طيب النفس بذلك؛ كما يمنح المنيحة، ويعطي النحلة طيباً بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيباً بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته، أو عن شيء منه، فليأكله حلالاً طيباً، ولهذا قال: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن السدي، عن يعقوب بن المغيرة بن شعبة، عن علي قال: إذا اشتكى أحدكم شيئاً، فليسأل امرأته ثلاثة دراهم، أو نحو ذلك، فليبتع بها عسلاً، ثم ليأخذ ماء السماء، فيجتمع هنيئاً مريئاً شفاء مباركاً. وقال هشيم: عن سيار، عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج ابنته، أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، ونزل: {وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً} رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عمير الخثعمي، عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي، عن عبد الرحمن بن البَيْلماني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً} قالوا: يا رسول الله فما العلائق بينهم؟ قال: «حديث : ما تراضى عليه أهلوهم» تفسير : وقد روى ابن مردويه من طريق حجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن البَيْلماني، عن عمر بن الخطاب قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أنكحوا الأيامى - ثلاثاً ـ» تفسير : فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله ما العلائق بينهم؟ قال: «حديث : ماتراضى عليه أهلوهم» تفسير : ابن البَيْلماني ضعيف، ثم فيه انقطاع أيضاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل في يتيم طلب من وليه ماله فمنعه {وَءاتُواْ ٱلْيَتَٰمَىٰ } الصغار الذين لا أب لهم {أَمْوٰلَهُمُ } إذا بلغوا {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ } الحرام {بِٱلطَّيّبِ } الحلال أي تأخذوه بدله كما تفعلون من أخذ الجيد من مال اليتيم وجعل الرديء من مالكم مكانه {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ } مضمومة {إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ إِنَّهُ } أي أكلها {كَانَ حُوباً } ذنباً {كَبِيراً } عظيماً. ولما نزلت تحرّجوا من ولاية اليتامى وكان فيهم من تحته العشر أو الثمان من الأزواج فلا يعدل بينهن فنزل:

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَءَاتُواْ اليَتَامَى أَمْوَالَهُم وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: الحرام بالحلال، وهو قول مجاهد. والثاني: هو أن يجعل الزائف بدل الجيد، والمهزول بدل السمين ويقول درهم بدرهم، وشاة بشاة، وهو ابن المسيب والزهري والضحاك والسدي. والثالث: هو استعجال أكل الحرام قبل إتيان الحلال، وهو معنى قول مجاهد. والرابع: أن أهل الجاهلية كانواْ لا يورثون الصغار والنساء ويأخذه الرجل الأكبر، فكان يستبدل الخبيث بالطيب لأن نصيبه من الميراث طيب، وأخذه الكل خبيث، وهو قول ابن زيد. {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} أي مع أموالكم، وهو أن يخلطوها بأموالهم لتصير في ذمتهم فيأكلوا ربحها. {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} والحُوب: الإثم، ومنه قولهم تحوّب فلانٌ من كذا، إذا توقى، قال الشاعر: شعر : فإن مهاجرين تكنفاهُ غداة إذٍ لقد خطئنا وحَابَا تفسير : قال الحسن البصري: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم وجعل ولي اليتيم يعزل ماله عن ماله فشكواْ ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُم فَإِخْوَانُكُم} تفسير : [البقرة:220] أي فخالطوهم واتقوا إثمه. {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ الْنِّسَآءِ} فيه أربع تأويلات: أحدها: يعني إن خفتم ألا تعدلواْ في نكاح اليتامى، فانكحوا ما حَلَّ لكم من غيرهن من النساء، وهو قول عائشة رضي الله عنها. والثاني: أنهم كانواْ يخافون ألاّ يعدلوا في أموال اليتامى، ولا يخافون أن لا يعدلواْ في النساء، فأنزل الله تعالى هذه الآية، يريد كما خفتم ألاّ تعدلواْ في أموال اليتامى، فهكذا خافوا ألا تعدلوا في النساء، وهذا قول سعيد بن جبير، والسدي، وقتادة. والثالث: أنهم كانوا يتوقَّون أموال اليتامى ولا يتوقَّون الزنى، فقال كما خفتم في أموال اليتامى، فخافواْ الزنى، وانحكوا ما طاب لكم من النساء، وهذا قول مجاهد. والرابع: إن سبب نزولها، أن قريشاً في الجاهلية كانت تكثر التزويج بغير عدد محصور، فإذا كثر على الواحد منهم مؤن زوجاته، وقَلَّ مالُه، مدّ يده إلى ما عنده من أموال الأيتام، فأنزل الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ الْنِّسَاءِ}. وفي قوله تعالى:{مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ الْنِّسَاءِ} قولان: أحدهما: أن ذلك عائد إلى النساء وتقديره فانحكوا من النساء ما حلَّ. وهذا قول الفراء. والثاني: أن ذلك عائد إلى النكاح وتقديره فانحكوا النساء نكاحاً طيباً. وهذا قول مجاهد. {مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} تقديراً لعددهن وحصراً لمن أبيح نكاحه منهن وهذا قول عكرمة. {مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} معدول به عن اثنين وثلاث وأربع، وكذلك أُحاد وموحد، وثناء ومثنى، وثلاث ومثلث، ورباع ومربع، وهو اسم للعدد معرفة، وقد جاء الشعر بمثل ذلك، قال تميم بن أبي مقبل: شعر : ترى العثرات الزُّرْق تحت لَبَانِه أُحاد ومثْنى أضعفتها كواهِله تفسير : وقال آخر: شعر : قتلنا به من بين مَثْنى وموحد بأربعة منكم وآخر خامس تفسير : قال أبو عبيدة: ولم يسمع من العرب صرف ما جاوز الرباع والمربع عن جهته إلا في بيت للكميت، فإنه قال في العشرة عُشار وهو قوله: شعر : فلم يَسْتَرِيَثُوكَ حتى رَمِدْ ت فوق الرجال خِصالاً عشاراً تفسير : وقال أبو حاتم: بل قد جاء في كلامهم من الواحد إلى العشرة، وأنشد قول الشاعر: شعر : ضربت خماس ضربة عبشمي أدار سداس ألاَّ يستقيما تفسير : {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا} يعني في الأربع، {فَوَاحِدَةً} يعني من النساء. {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعني في الإماء. {ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أَلاَّ يكثر مَنْ تعولون، وهو قول الشافعي. والثاني: معناه ألاّ تضلواْ، وهو قول ابن إسحاق، ورواه عن مجاهد. والثالث: ألا تميلوا عن الحق وتجوروا وهو قول ابن عباس، وقتادة، وعكرمة. وأصل العول الخروج عن الحد ومنه عول الفرائض لخروجها عن حد السهام المسمّاة، وأنشد عكرمة بيتاً لأبي طالب: شعر : بميزان قسط لا يَخيسُ شعيرةً ووازن صِدْقٍ وزنهُ غير عائل تفسير : أي غير مائل. وكتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: إني لست بميزان قسطٍ لا أعول. قوله تعالى: {وءَآتُواْ النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ...} اختلف فِيمَنْ توجَّه إليه هذا الخطاب على قولين: أحدهما: أنه متوجه إلى الأزواج، وهو قول الأكثرين. والثاني: أنه متوجه إلى الأولياء، لأنهم كانواْ يتملكون في الجاهلية صداق المرأة، فأمر الله بدفع صدقاتهن إليهن، وهو قول أبي صالح. وأما النَّحلة فهي العطية من غير بدل، وسمي الدين نِحْلَةَ، لنه عطية من الله، وفي تسميه النّحْل بذلك قولان: أحدهما: أنه سمي نحلاً لما يعطي من العسل. والثاني: لأن الله تعالى نَحَلهُ عباده. وفي المراد بالنَّحلة في الصداق أربعة تأويلات: أحدها: يعني فريضة مُسَمَّاة، وهو قول قتادة، وابن جريج. والثاني: أنه نحلة من الله عز وجل لهن بعد أن كان ملكاً للأولياء، وهو قول أبي صالحٍ. والثالث: انه نهى لِما كانوا عليه من خِطْبة الشغار، والنكاح بغير صداق، وهو قول سليمان بن جعفر بن أبي المعتمر. والرابع: انه أراد أن يطيبوا نفساً بدفعه، كما يطيبون نفساً بالنحل والهبة، وهو قول بعض المتأخرين. {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً} يعني الزوجات إن طبن نفساً عن شيء من صداقهن لأزواجهن في قول من جعله خطاباً للأزواج، ولأوليائهن في قول من جعله خطاباً للأولياء. {فَكُلُوهُ هُنِيئاً مَّرِيئاً} الهنيء ما أعقب نفعاً وشفاء، ومنه هنأ البعير للشفاء، قال الشاعر: شعر : متبدلاً تَبْدُو مَحاسنه يَضَعُ الهناءَ مَواضِعَ النُّقبِ

ابن عطية

تفسير : {اليتامى} : جمع يتيم ويتيمة، واليُتْمُ في كلام العرب فقد الأب قبل البلوغ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يُتمَ بعد بلوغ" تفسير : وهو في البهيمة فقد الأم في حال الصغر، وحكى اليتم في الإنسان من جهة الأم، وقال ابن زيد: هذه المخاطبة هي لمن كانت عادته من العرب أن لا يرث الصغير من الأولاد مع الكبير، فقيل لهم: ورثوهم أموالهم، ولا تتركوا أيها الكبار حظوظكم حلالاً طيباً وتأخذوا الكل ظلماً حراماً خبيثاً، فيجىء فعلكم ذلك تبدلاً، وقالت طائفة: هذه المخاطبة هي لأوصياء الأيتام، والمعنى: إذا بلغوا وأونس منهم الرشد: وسماهم يتامى وهم قد بلغوا، استصحاباً للحالة الأولى التي قد ثبتت لهم من اليتم، {ولا تتبدلوا} قيل: المراد ما كان بعضهم يفعل من أن يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالهزيلة من ماله، والدرهم الطيب بالزائف من ماله، قاله سعيد بن المسيب والزهري والسندي والضحاك، وقيل: المراد بذلك لا تأكلوا أموالهم خبيثاً، وتدعوا أموالكم طيباً، وقيل: معناه لا تتعجلوا أكل " الخبث" من أموالهم، وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله، قاله مجاهد وأبو صالح، و" الخبيث" و " الطيب": إنما هو هنا بالتحليل والتحريم، وروي عن ابن محيصن أنه قرأ - " ولا تبدلوا" - بإدغام التاء في التاء وجاز في ذلك الجمع بين ساكنين، لأن أحدهما حرف مد ولين يشبه الحركة، وقوله: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} استوى الأيتام في النهي عن أكل " أموالهم", كانوا ورثة ممنوعين من الميراث ومحجورين، والآية نص في [النهي عن] قصد مال اليتيم بالأكل والتمول على جميع وجوهه، وروي عن مجاهد أنه قال: الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق، فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها فنهوا عن ذلك، ثم نسخ منه النهي بقوله: {أية : وإن تخالطوهم فإخوانكم} تفسير : [البقرة:220] وقد تقدم ذكر هذا في سورة البقرة، وقال ابن فورك عن الحسن: إنه تأول الناس من هذه الآية النهي عن الخلط فاجتنبوه من قبل أنفسهم، فخفف عنهم في آية البقرة، وقالت طائفة من المتأخرين {إلى} بمعنى مع، وهذا غير جيد، وروي عن مجاهد أن معنى الآية: ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم. قال القاضي أبو محمد: وهذا تقريب للمعنى، لا أنه أراد أن الحرف بمعنى الآخر، وقال الحذاق: {إلى} هي على بابها وهي تتضمن الإضافة، التقدير: "لا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم في الأكل"، كما قال تعالى {أية : من أنصاري إلى الله} تفسير : [آل عمران:52، الصف:14] أي من ينضاف إلى الله في نصرتي والضمير في {إنه} عائد على الأكل الذي تضمنه الفعل الظاهر، والحوب الإثم، قاله ابن عباس والحسن وغيرهما، تقول: حاب الرجل يحوب حُوباً وحاباً وحَوْباً إذا أثم، قال أمية بن الأسكر: [الوافر] شعر : وإنَّ مُهَاجِريْنِ تَكَنَّفَاهُ غَدَاتئذٍ لَقَدْ خَطِئا وَخَابَا تفسير : وقرأ الحسن: "حَوبا" بفتح الحاء، وهي لغة بني تميم، وقيل: هو بفتح الحاء المصدر وبضمها الاسم، وتحوب الرجل إذا ألقى الحوب عن نفسه، وكذلك تحنث وتأثم وتحرج، فإن هذه الأربعة تفعل كله, لأن تفعل معناه الدخول في الشيء كتعبد وتكسب وما أشبهه, ويلحق بهذه الأربعة تفكهون، في قوله تعالى: {أية : لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهون} تفسير : [الواقعة:65] أي تطرحون الفكاهة عن أنفسكم، بدليل قوله بعد ذلك {أية : إنّا لمغرمون بل نحن محرومون} تفسير : [الواقعة:66 و 67] أي يقولون ذلك، وقوله: {كبيراً} نص على أن أكل مال اليتيم من الكبائر. وقوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} قال أبو عبيدة: {خفتم} هنا بمعنى أيقنتم، واستشهد بقول الشاعر: [دريد بن الصمة]: [الطويل] شعر : فَقُلْتُ لَهُمْ خَافُوا بألفَي مُدَجَّجٍ تفسير : وما قاله غير صحيح، ولا يكون الخوف بمعنى اليقين بوجه وإنما هو من أفعال التوقع، إلا أنه قد يميل الظن فيه إلى إحدى الجهتين، وأما أن يصل إلى حد اليقين فلا، و {تقسطوا} معناه تعدلوا، يقال: أقسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا جار، وقرأ ابن وثاب والنخعي، - " ألا تَقْسطوا" بفتح التاء من قسط على تقدير زيادة - لا - كأنه قال: {وإن خفتم} أن تجوروا، واختلف في تأويل الآية، فقالت عائشة رضي الله عنها، نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمال ولياتهم، فيريدون أن يبخسوهن في المهر لمكان ولايتهم عليهن، فقيل لهم: أقسطوا في مهورهن، فمن خاف ألا يقسط فليتزوج ما طاب له من الأجنبيات اللواتي يكايسن في حقوقهن، وقاله ربيعة، وقال عكرمة: نزلت في قريش، وذلك أن الرجل منهم كان يتزوج العشر وأكثر وأقل، فإذا ضاق ماله مالَ على مالِ يتيمه فتزوج منه، فقيل لهم: إن خفتم عجز أموالكم حتى تجوروا في اليتامى فاقتصروا، وقال سعيد بن جبير والسدي وقتادة وابن عباس: إن العرب كانت تتحرج في أموال اليتامى، ولا تتحرج في العدل بين النساء، كانوا يتزوجون العشر وأكثر، فنزلت الآية في ذلك،أي كما تخافون "ألا تقسطوا في اليتامى" فكذلك فتحرجوا في النساء، " وانكحوا" على هذا الحد الذي يبعد الجور عنه، وقال مجاهد: إنما الآية تحذير من الزنى وزجر عنه، أي كما تتحرجون في مال اليتامى فكذلك فتحرجوا من الزنى، وانكحوا على ما حد لكم، قال الحسن وأبو مالك وسعيد بن جبير: {ما طاب}، معناه ما حل. قال القاضي أبو محمد: لأن المحرمات من النساء كثير. وقرأ ابن أبي عبلة، و" من طاب" على ذكر من يعقل، وحكى بعض الناس أن {ما} في هذه الآية ظرفية، أي ما دمتم تستحسنون النكاح. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا المنزع ضعف وقال {ما} ولم يقل - من - لأنه لم يرد تعيين من يعقل، وإنما أراد النوع الذي هو الطيب من جهة التحليل، فكأنه قال: " فانكحوا الطيب" وهذا الأمر بالنكاح هو ندب لقوم وإباحة لآخرين بحسب قرائن المرء، والنكاح في الجملة والأغلب مندوب إليه، قال عليه السلام: حديث : من استطاع منكم الباءة فليتزوج تفسير : و{مثنى وثلاث ورباع} : موضعها من الإعراب نصب على البدل من {ما طاب}، وهي نكرات لا تنصرف لأنها معدولة وصفة كذا قاله أبو علي. وقال غيره: هي معدولة في اللفظ وفي المعنى، وأيضاً فإنها معدولة وجمع، وأيضاً فإنها معدولة مؤنثة، قال الطبري: هي معارف لأنها لا تدخلها الألف واللام، وخطأ الزجاج هذا القول، وهي معدولة عن اثنين، وثلاثة، وأربعة، إلا أنها مضمنة تكرار العدد إلى غاية المعدود، وأنشد الزجاج لشاعر [ساعدة بن جؤيّة]: [الطويل] شعر : ولكنّما أهلي بوادٍ أنيسُهُ ذِئابٌ تبغّي الناسَ مثْنى ومَوْحَد تفسير : فإنما معناه اثنين اثنين، وواحد واحداً، وكذلك قولك: جاء الرجال مثنى وثلاث، فإنما معناه: اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي " وربع" ساقطة الألف، وتلك لغة مقصدها التخفيف كما قال الشاعر: على لسان الضب: [المجتث] شعر : لا أشتهي أن أردّا إلا عراداً عردّا وَعَنْكَثاً مـــلتبــدّا وصَـــلَياناً بـــردّا تفسير : يريد بارداً. وقوله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} قال الضحاك وغيره: المعنى ألا تعدلوا في الميل والمحبة والجماع والعشرة بين الأربع أو الثلاث أو الاثنتين، ويتوجه على قول من قال: إنها نزلت فيمن يخاف أن ينفق مال اليتامى في نكاحاته، أن يكون المعنى: ألا تعدلوا في نكاح الأربع والثلاث حتى تنفقوا فيه أموال يتاماكم، أي فتزوجوا واحدة بأموالكم، أو تسرّوا منها، ونصب واحدة بإضمار فعل تقديره: فانكحوا واحدة. وقرأ عبد الرحمن بن هرمز والحسن: " فواحدةٌ" بالرفع على الابتداء، وتقدير الخبر: فواحدة كافية، أو ما أشبهه، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو. و {ما ملكت أيمانكم} يريد به الإماء، والمعنى: إن خاف ألا يعدل في عِشْرَةِ واحدة فما ملكت يمينه، وأسند الملك إلى اليمين إذ هي صفة مدح، واليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكنها، ألا ترى أنها المنفقة، كما قال عليه السلام: "حديث : حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" تفسير : وهي المعاهدة المبايعة، وبها سميت الأليَّةُ يميناً، وهي المتلقية لكتاب النجاة ولرايات المجد، وقد نهى عليه السلام عن استعمالها في الاستنجاء وأمر المرء بالأكل بها.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} الحرام بالحلال، أو أن تجعل الزايف بدل الجيد، والمهزول بدل السمين، وتقول: درهم بدرهم، وشاة بشاة، أو استعجال أكل الحرام قبل مجيء الحلال، أو كانوا لا يورثون الصغار والنساء ويأخذ الرجل الأكبر فيتبدل نصيبه الطيب من الميراث بأخذه الكل وهو خبيث. {إِلَىَ أَمْوَالكُِمْ} مع أموالكم، وهو أن يخلطوها بأموالهم فتصير في ذمتهم فيأكلوا ربحها. {حُوبًا} إثماً، تحوب من كذا توقى إثمه.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وآتوا اليتامى أموالهم} نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم كان في حجره فلما بلغ اليتيم طلب المال الذي له فمنعه عمه فترافعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية فلما سمعها العم قال: "أطعنا الله وأطعنا الرسول نعوذ بالله من الحوب الكبير ودفع إلى اليتيم ماله" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره "تفسير : يعني جنته فلما قبض الصبي أنفقه في سبيل الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثبت الأجر وبقي الوزر فقالوا كيف ثبت الأجر وبقي الوزر؟ قال ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على أبيه"تفسير : . والخطاب في قوله تعالى {وآتوا} خطاب للأولياء والأوصياء واليتامى جمع يتيم وهو الصبي الذي مات أبوه واليتيم في اللغة الانفراد ومن الدرة اليتيمة لانفرادها واسم اليتيم يقع على الصغير والكبير لغة لبقاء معنى الانفراد عن الآباء لكن في العرف اختص اسم اليتيم بمن لم يبلغ مبلغ الرجال. فإذا بلغ الصبي وصار يستغني بنفسه عن غيره زال عنه اسم اليتم وسئل ابن عباس اليتيم متى ينقطع عنه اسم اليتم؟ قال إذا أونس منه الرشد وإنما سماهم يتامى بعد البلوغ على مقتضى اللغة أو لقرب عهدهم باليتم وإن كان قد زال عنهم بالبلوغ وقيل المراد باليتامى الصغار الذين لم يبلغوا والمعنى {وآتوا اليتامى أموالهم} بعد البلوغ وتحقق الرشد وقيل معناه وآتوا اليتامى الصغار ما يحتاجون إليه من نفقة وكسوة والقول الأول هو الصحيح إذا المراد باليتامى البالغون لأنه لا يجوز دفع المال إلى اليتيم إلا بعد البلوغ وتحقق الرشد {ولا تتبدلوا} أي ولا تستبدلوا {الخبيث بالطيب} يعني الخبيث الذي هو حرام عليكم بالحلال من أموالكم واختلفوا في هذا التبديل فقال سعيد بن المسيب والنخعي والزهري والسدي كان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم ويجعلون مكانه الرديء، فربما كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة ويجعل مكانها الهزيلة ويأخذ الدرهم الجيد ويجعل مكانه الزيف ويقول شاة بشاة ودرهم بدرهم فذلك تبديلهم فنهوا عنه وقال عطاء هو الربح في مال اليتيم وهو صغير لا علم له بذلك. وقيل إنه ليس بإبدال حقيقة. وإنما هو أخذه مستهلكاً وذلك أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء والصغار وإنما كان يأخذ الميراث الأكابر من الرجال وقيل هو أكل مال اليتيم عوضاً عن أكل أموالهم فنهوا عن ذلك {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} يعني مع أموالكم وقيل معناه ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم في الإنفاق واعلم أن الله تعالى نهى عن أكل مال اليتيم وأراد به جميع التصرفات المهلكة للمال وإنما ذكر الأكل لأنه معظم المقصود {إنه كان حوباً كبيراً} يعني أن أكل مال اليتيم من غير حق إثم عظيم والحوب الإثم. قوله عز وجل: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} يعني وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن فانكحوا غيرهن من الغرائب (ق) عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنهما عن قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ـ إلى قوله ـ أو ملكت أيمانكم} قالت يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن ينتقص صداقها فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق وأمروا بنكاح من سواهن قالت عائشة رضي الله عنها فاستفتى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فأنزل الله عز وجل {أية : ويستفتونك في النساء}تفسير : [النساء: 127] ـ إلى ـ {أية : وترغبون أن تنكحوهن} تفسير : [النساء: 127] فبيّن الله لهم هذه الآية أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها ولم يلحقوها بسنتها في إكمال الصداق وإن كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء قال فكلما يتركونها حين يرغبونها عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق. وقال الحسن كان الرجل من أهل المدينة تكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له نكاحها فيتزوجها لأجل مالها وهي لا تعجبه كراهية أن يدخل غريب فيشاركه في مالها ثم يسيء صحبتها ويتربص بها إلى أن تموت فيورثها فعاب الله ذلك عليهم وأنزل هذه الآية. وقال عكرمة في روايته عن ابن عباس كان الرجل من قريش يتزوج العشر من النساء أو أكثر فإذا صار معدماً من نساء مال إلى مال يتيمته التي في حجره فأنفقه فقيل لهم: لا تزيدوا على أربع حتى لا يحوجكم إلى أخذ مال اليتامى وقيل كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء فيتزوجون ما شاؤوا فربما عدلوا وربما لم يعدلوا فلما أنزل الله تعالى في أموال اليتامى {وآتوا اليتامى أموالهم} أنزل هذه الآية {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} يقول فكلما خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء ألا تعدلوا فيهن فلا تتزوجوا أكثر مما يمكنكم القيام بحقهن، لأن النساء في الضعف كاليتامى. وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والضحاك والسدي: ثم رخص الله تعالى في نكاح أربع فقال تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} يعني ما حل لكم من النساء واستدلت الظاهرية بهذه الآية على وجوب النكاح قالوا لأن قوله فانكحوا أمر والأمر للوجوب. وأجيب عنه بأن قوله تعالى فانكحوا إنما هو بيان لما يحل من العدد في النكاح وتمسك الشافعي في بيان أن النكاح ليس بواجب بقوله {أية : ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح} تفسير : [النساء: 25] إلى قوله {أية : ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم}تفسير : [النساء: 25] الآية فحكم في هذه السورة بأن ترك النكاح خير من فعله وذلك يدل على أنه ليس بواجب ولا مندوب وقوله تعالى: {مثنى وثلاث ورباع} معناه اثنين اثنين وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً وهو غير منصرف لأنه اجتمع فيه أمران: العدل والوصف والواو بمعنى أو في هذا الفصل لأنه لما كانت أو بمنزلة واو النسق جاز أن تكون الواو بمنزلة أو. وقيل إن الواو أفادت أنه يجوز لكل أحد أن يختار لنفسه قسماً من هذه الأقسام بحسب حاله فإن قدر على نكاح اثنتين فاثنتان. وإن قدر على ثلاث فثلاث وإن قدر على أربع فأربع إلا أنه يضم عدداً وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز لأحد أن يزيد على أربع نسوة وأن الزيادة على أربع من خصائص رسول الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها أحد من الأمة ويدل على أن الزيادة على أربع غير جائزة وأنها حرام ما روي حديث : عن الحارث بن قيس أو قيس بن الحارث قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "اختر منهن أربعاً"تفسير : . أخرجه أبو داود. عن ابن عمران غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعاً. أخرجه الترمذي قال العلماء: فيجوز للحر أن يجمع بين أربع نسوة حرائر ولا يجوز للعبد أن ينكح أكثر من امرأتين وهو قول أكثر العلماء لأنه خطاب لمن ولي وملك وذلك للأحرار دون العبيد. وقال مالك في إحدى الروايتين عنه وربيعة: يجوز للعبد أن يتزوج بأربع نسوة واستدل بهذه الآية وأجاب الشافعي بأن هذه الآية مختصة بالأحرار ويدل عليه آخر الآية وهو قوله: {فإن خفتم} ألاّ تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم أو العبد لا يملك شيئاً فثبت بذلك أن المراد من حكم الآية الأحرار دون العبيد. وقوله تعالى: {فإن خفتم} يعني فإن خشيتم وقيل فإن علمتم {ألاّ تعدلوا} يعني بين الأزواج الأربع {فواحدة} يعني فانكحوا واحدة {أو ما ملكت أيمانكم} يعني وما ملكتم من السراري لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق مثل ما يلزم في الحرائر ولا قسم لهن {ذلك أدنى} أي أقرب {أن لا تعولوا} معناه أقرب من أن لا تعولوا فحذف لفظة من لدلالة الكلام عليه ومعنى أن لا تعولوا أي لا تميلوا ولا تجوروا وهو قول أكثر المفسرين لأن أصل العول الميل يقال: عال الميزان إذا مال وقيل معناه لا تجاوزوا ما فرض الله عليكم ومنه عول الفرائض إذا جاوزت سهامها وقيل معناه ذلك أدنى لا تضلوا. وقال الشافعي رحمه الله تعالى معناه أن لا تكثر عيالكم وقد أنكر على الشافعي من ليس له إحاطة بلغة العرب. فقال إنما يقال من كثرة العيال أعال الرجل يعيل إعالة إذا كثر عياله. قال وهذا من خطأ الشافعي لأنه انفرد به ولم يوافقه عليه أحد وإنما قال هذه المقالة من أنكر على الشافعي وخطأه من غير علم له بلغة العرب فقد روى الأزهري في كتابه تهذيب اللغة عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم في قوله الفصحاء ألا تعولوا أي لا تكثر عيالكم. وروى الأزهري عن الكسائي قال عال الرجل إذا افتقر وأعال إذا كثر عياله قال ومن العرب الفصحاء من يقول عال يعول إذا كثر عياله قال الأزهري وهذا يقوي قول الشافعي لأن الكسائي لا يحكي عن العرب إلا ما حفظه وضبطه وقول الشافعي نفسه حجة لأنه عربي فصيح والذي اعترض عليه وخطأه عجل ولم يثبت فيما قال ولا ينبغي للحضري أن يعجل إلى إنكار ما لا يحفظه من لغات العرب هذا آخر كلام الأزهري. وبسط الإمام فخرالدين الرازي في هذا الموضع من تفسيره ورد على أبي بكر الرازي ثم قال الطعن لا يصدر إلا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة. وحكى البغوي عن أبي حاتم قال كان الشافعي أعلم بلسان العرب منا ولعله لغة ويقال هي لغة حمير وقرأ طلحة بن مصرف ألا تعيلوا بضم التاء وهو حجة للشافعي.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوَٰلَهُمْ...} قال ابنُ زَيْدٍ: هذه مخاطبةٌ لِمَنْ كانَتْ عادتُهُ من العَرَب ألاَّ يَرِثَ الصَّغيرُ من الأولاد، وقالتْ طائفة: هذه مخاطبةٌ للأوصياءِ. قال ابنُ العَرَبِيِّ: وذلك عند الابتلاءِ والإرشاد. انتهى. وقوله: {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ}، قال ابن المسيِّب وغيره: هو ما كان يفعله بعضهم من إبدال الشاة السَّمينة مِنْ مال اليتيم بالهَزِيلة مِنْ ماله، والدِّرْهَمِ الطَّيِّبِ بالزِّائِفِ، وقيل: المراد: لا تأكلوا أموالهم خبيثًا، وتَدَعُوا أموالكم طيبًا، وقيل غيرُ هذا. والطَّيِّب هنا: الحلالُ، والخَبِيثُ: الحرامُ. وقوله: {إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ}: التقدير: ولا تُضِيفُوا أموالهم إلَىٰ أموالكم في الأكْل، والضميرُ في «إنَّهُ»: عائدٌ على الأَكْلِ، والحُوبُ: الإثم؛ قاله ابن عباس وغيره؛ وتَحَوَّبَ الرَّجُلُ، إذا ألْقى الحُوبَ عن نَفْسه، وكذلك تَحَنَّثَ وَتَأَثَّمَ وَتَحَرَّجَ؛ فَإن هذه الأربعة بخلافِ «تَفَعَّلَ» كلِّه؛ لأنَّ «تَفَعَّلَ» معناه: الدُّخُول في الشَّيْء؛ كـ «تَعَبَّد»، و «تَكَسَّبَ»، وما أشبهه؛ ويلحق بهذه الأربعةِ «تَفَكَّهُونَ» في قوله تعالَىٰ: {أية : لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَـٰماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} تفسير : [الواقعة:65] أيْ: تُطَرِّحُونَ الفَكَاهَة عَنْ أنفسكم. وقوله تعالى: {كَبِيراً}: نصٌّ علَىٰ أنَّ أكل مال اليتيم مِنَ الكَبَائر. وقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَـٰمَىٰ...} الآية: قال أبو عُبَيْدَةِ: خِفْتُم ههنا بمعنى أيْقَنْتُمْ. قال * ع *: وما قاله غيرُ صحيحٍ، ولا يكون الخَوْفُ بمعنى اليَقِينِ بوجْهٍ، وإنما هو من أَفْعَالِ التوقُّع، إلاَّ أنه قد يَمِيلُ فيه الظنُّ إلى إحدى الجِهَتَيْنِ؛ قُلْتُ: وكذا رَدَّ الدَّاوُودِيُّ على أبي عْبَيْدة، ولفظه: وعن أبي عُبَيْدة: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ}: مجازه: أيْقَنْتُمْ، قال أبو جعفر: بل هو على ظَاهِرِ الكلمةِ. انتهى. و {تُقْسِطُواْ}: معناه: تَعْدِلُوا؛ يقال: أَقْسَطَ الرَّجُلُ إذا عَدَلَ، وقَسَطَ إذا جَار؛ قالتْ عائشةُ (رضي اللَّه عنها): نزَلَتْ هذه الآيةُ في أولياء اليتامَى الَّذِينَ يُعْجِبُهم جمالُ وليَّاتهم، فيريدُونَ أنْ يبخَسُوهُنَّ في المَهْر؛ لمكانِ وَلاَيَتِهِمْ عَلَيْهِنَّ، فقيل لهم: ٱقْسِطُوا في مهورِهِنَّ، فمَنْ خَافَ ألاَّ يُقْسطَ، فليتزوَّج ما طَابَ له مِنَ الأجنبيَّات اللَّوَاتِي يُكَايِسْنَ في حقوقِهِنَّ، وقاله ربيعة. قال الحسَنُ وغيره: {مَا طَابَ}: معناه ما حلَّ. وقيلَ: «ما» ظرفيةٌ، أي: ما دُمْتُم تستحسنُون النِّكَاحَ، وضُعِّفَ؛ قُلْتُ: وفي تضعيفه نَظَرٌ، فتأمَّله. قال الإمام الفَخْر: وفي تفسير {مَا طَابَ} بِما حَلَّ ـــ نَظَرٌ؛ وذلك أنَّ قوله تعالى: {فَٱنكِحُواْ}: أمْرُ إباحةٍ، فلو كان المرادُ بقوله: {مَا طَابَ لَكُمْ}، أي: ما حَلَّ لكم ــــ لتنزَّلت الآية منزلةَ ما يُقَالُ: أبَحْنَا لكم نِكَاحَ مَنْ يكون نكاحُها مباحاً لكم، وذلك يُخْرِجُ الآيةَ عن الفائدةِ، ويصيِّرها مُجْمَلَةً لا محالةَ، أما إذا حَمَلْنا «طَابَ» على استطابةِ النَّفْسِ، ومَيْلِ القلبِ، كانَتِ الآيةُ عامَّة دخَلَها التخْصيصُ، وقد ثَبَتَ في أصول الفقْهِ؛ أنه إذا وقع التعارُضُ بَيْن الإجمال والتَّخْصِيص، كان رَفْع الإجمال أوْلَىٰ؛ لأنَّ العامَّ المخصَّص حُجَّةٌ في غَيْر محلِّ التخصيص، والمُجْمَلُ لا يكونُ حُجَّةً أصلاً. انتهى، وهو حَسَنٌ، و {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ}: موضعها من الإعراب نَصْبٌ على البدل من «مَا طَابَ»، وهي نكراتٌ لا تنصرفُ؛ لأنها معدولةٌ وصِفَة. وقوله: {فَوٰحِدَةً}، أي: فٱنكحوا واحدةً أو ما ملَكَتْ أيْمَانُكُم، يريد به الإماءَ، والمعنَىٰ: إنْ خَافَ ألاَّ يَعْدِلَ في عِشْرةٍ واحدةٍ، فما ملكت يمينه، وأسند المِلْكَ إلى اليمين؛ إذ هي صفةُ مَدْحٍ، واليمينُ مخصوصةٌ بالمحاسِنِ؛ أَلاَ تَرَىٰ أنَّها المُنْفِقَة؛ كما قال ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : حَتَّىٰ لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ»تفسير : ، وهي المعاهِدَةُ المُبَايِعَة. قال ابن العَرَبِيِّ: قال علماؤُنَا: وفي الآيةِ دليلٌ علَىٰ أنَّ مِلْكَ اليمينِ لا حَقَّ له في الوَطْءِ والقَسْمِ؛ لأنَّ المعنَىٰ: فَإنْ خفتم ألاَّ تعدِلُوا في القَسْم، فواحدةٌ، أو ما مَلَكَتْ أيمانكم، فجعل سبحانه مِلْكَ اليمينِ كلَّه بمنزلةِ الوَاحِدَة، فَٱنتفَىٰ بذلك أنْ يكون للأَمَةِ حَقٌّ في وَطْءٍ أوْ قَسْم. انتهى من «الأحكام». وقوله: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ}، أَدْنَىٰ: معناه: أقرب ألاَّ تعولُوا، أيْ: ألاَّ تميلوا، قاله ابن عباس وغيره، وقالَتْ فرقة: معناه: أدْنَىٰ ألاَّ يكثر عِيَالُكُمْ، وقَدَحَ في هذا الزَّجَّاج وغيره.

ابن عادل

تفسير : لما وَصَّى في الآية السابقة بالأرحام وصَّى في هذه الآية بالأيتام؛ لأنَّهم قد صاروا بحيثُ لا كافِلَ لهم ولا مُشْفِقَ فيهم - أسوأ حالاً ممن له رحم، فإنه عطفه عليه، وهذا خطاب الأولياء والأوصياء. قالوا: إن اليتيم من لا أب له ولا جد، والإيتاء: الإعطاء قال أبو زيد: أتَوْتُ الرجلَ آتُوه إتَاوَةً، وهي الرّشوة. وقال الزمخشريُّ: الأيتام الذين مات آباؤهم، وَاليُتْمُ: الانفراد، ومنه الرملة اليتيمة، والدُّرة اليتيمة. وقيل: [اليتيم] في الأناسي من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات. قال: وحق هذا الاسم أن يقع على الضعفاء والكبار لمن يبقى معنى الانفراد عن الآباء، إلا أنَّ في العرف اختصّ هذا الاسم بمن لم يبلغ، فإذا صار مستعيناً بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافله، زال عنه هذا الاسم؛ وكانت قريش تقول لرسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَتِيم أبِي طَالِبٍ، إمَّا على القياس، وإما حكاية للحال التي كان عليها حين صغره ناشئاً في حجر عمه توضيعاً له. وأما على قوله عليه السلام: "حديث : لاَ يتم بَعْدَ بُلُوغ" تفسير : فهو تعليم للشريعة لا تعليم للغة. وروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه؟ فكتب إليه: إذا أونِسَ منه الرشد انقطع يتمه. وفي بعض الروايات: إن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعدُ [فأخبر ابن عباس] أن اسم اليتيم يلزمه بعد البلوغ، إذا لم يؤنس منه الرُّشْدُ، ثم قال أبو بكر: "واسم اليتم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها". قال عليه السلام: "حديث : تستأمر اليتيمة في نفسها" تفسير : وهي لا تستأمر إلاَّ وهي بالغة. قال الشاعر: [الرجز] شعر : 1732- إنَّ الْقُبُورَ تَنْكِحُ الأيَامى النِّسْوَةَ والأرَامِلَ الْيَتَامَى تفسير : فالحاصل أنّ اسم اليتيم بحسب اللُّغة يتناول الصغير والكبير. فإن قيل: كيف جُمِعَ اليتيمُ على يتامى؟ واليتيم فعيل: فيجمع على فعلى، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى، وجريح وجرحى؟ فقال الزَّمَخْشَرِيُّ: فيه وجهان. أحدهما: أن يقال: إن جمع اليتيم، يَتْامَى، ثمّ يجمع فعلى على فَعَالَى كأسير وأسَارَى. والثاني:أن نقول: جمع اليتيم يتائم؛ لأن اليتيم جار مجرى الاسم نحو "صاحب" و "فارس" ثم تنقلب "اليتائم" "يتامى". قال القفّال: "ويجوز يتيم ويتامى كنديم وندامى، ويجوز أيضاً يتيم وأيتام كشريف وأشراف". فإن قيل: إن اسم اليتيم مختص بالصغير فما دام يتيماً لا يجوز دفع ماله إليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيماً، فكيف قال: {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ}. فالجوابُ من وجهين: الأول: أن يقال: المراد من اليتامى الذين بلغوا وكبروا، وسمَّاهم الله - تعلى - يتامى، إما على أصل اللغة، وإما لقرب عهدهم باليُتْم، وإن كان قد زال من هذا الوقت كقوله تعالى: {أية : وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 120]. أي: الذين كانوا سحرة قبل السُّجود، وأيضاً سمَّى اللَّهُ تعالى مقاربة انقضاء العدة بلوغ الأجل في قوله: {أية : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 2] والمعنى مقاربة الأجل، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى: {أية : فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [النساء: 6] والإشهاد عليهم لا يصح قبل البلوغ. الوجه الثاني: أن يقال: المراد باليتامى الصِّغار، وعلى هذا ففي الآية وجهان: أحدهما: أن قوله "وَآتُوا" أمر، والأمر يتناول المستقبل فيكون المعنى: أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم. فتزول المناقضة. والثاني: أنَّ المُرَاد: وآتوا اليتامى حال كونهم يَتَامَى ما يحتاجونه مِنْ نفقتهم وكسوتهم، والفائدة فيه: أنه كان يجوز أن يظنّ أنّه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال صغره، فأباح اللَّهُ - تعالى - ذلك، وفيه إشكال وهو: أنه لو كان المراد ذلك لقال: وآتوهم من أموالهم، والآية تَدُلُّ على إيتائهم كل مالهم. فصل نقل أبو بكر الرازيُّ في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، وعزلوا أموالهم عن أموال اليتامى، فَشَكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزل اللهُ تعالى {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} تفسير : [البقرة: 220]. فخلطوا عند ذلك طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. قال المفسرون: الصحيح أنها حديث : نزلت في رجل من غطفان، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عمُّهُ فترافعا إلى النَّبيِّ صلى لله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، فلما علمها العَمُّ قال: أطَعْنَا اللَّهَ وأطعنا الرَّسُولَ، نعوذ بالله من الحُوب الكبير، ودفع إليه ماله فقال النبي صلى الله عليه وسلم "وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وَيطعْ رَبَّهُ هكذا فإنَّهُ يَحِلُّ دَارَهُ" أي: جَنَّتهُ، فلما قبض الصَّبِيُّ ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي صلى لله عليه وسلم "ثَبَتَ الأجْرُ وَبَقِيَ الوِزْرُ" فقالوا: يا رسول الله: لقد عرفنا أنه ثبت الأجْرُ، فكيف بقي الوِزْرُ وهو ينفق في سبيل الله فقال: "ثبت الأجْرُ لِلْغُلاَم، وَبَقِي عَلَى وَالِدِهِ الْوزْرُ" ". تفسير : قال القرطبيُّ: وإيتاء اليتامى أموالهم يكون من وجهين: أحدهما: إجراء الطَّعام والكسوة ما دامت الولاية، إذْ لا يمكن إلا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكلي كالصغير والسفيه الكبير. والثاني: الإيتاء بالتمكين وتسليم المال إليه، وذلك عند ابتلاء والإرشاد وتكون تسميته حينئذ يتيماً مجازاً بمعنى: الَّذي كان يتيماً استصحاباً للاسم، كقوله {أية : فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} تفسير : [الشعراء: 46] أي الذين كانوا سحرة، وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم "يتيم أبي طالب" فإذا تحقَّقَ الوليّ رشده حَرُمَ عليه إمساك ماله عنه. قال أبو حنيفة: إذا بلغ خمساً وعشرين سنة، أعطي ماله على كل حال؛ لأنَّه يصير جداً. قوله: {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ} وقد تقدَّم في البقرة قوله: {أية : فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} تفسير : [البقرة: 59] أنَّ المجرور بالباء هو المتروك، والمنصوب هو الحاصل، وتفعل هنا بمعنى استفعل، وهو كثير، نحو تَعَجَّل وَتََأَخَّرَ بمعنى استعجل واستأخر ومن مجيء تبدَّلَ بمعنى اسْتَبْدَلَ قولُ ذي الرمة: [الطويل] شعر : 1733- فَيَا كَرَمَ السَّكْنِ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا عَنِ الدَّارِ وَالمُسْتَخْلَفِ الْمَتِبَدِّلِ تفسير : أي: المستبدل. قل الواحدي: "تبدل الشَّيء بالشيء إذا أخذ مكانه". قوله: "بالطيِّب". هو المفعول الثاني لـ "تتبدلوا". وفي معنى هذا التبدُّل وجوه: الأول: قال الفرّاء والزَّجَّاج: لا تستبدلوا الحرام، وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم الذي لأبيح لكم. الثاني: قل سعيد بن المسيب والنخعي والزهْريُّ والسُّدِّيُّ: وكان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتم، ويجعلون مكانه الرديء، وربما كان أحدهم أخذ الشّاة السّمينة، ويضع من مال اليتم ويجعل مكانها المهزولة، ويأخذ الدرهم الجيد، ويجعل مكانه الزيف، يقول: درهم بدرهم، فَنُهُوا عن ذلك. وطعن الزمخشريُّ: في هذا الوجه فقال: ليس هذا تَبَدُّلاً، إنما هو تبديل. الثالث: أن يكون صديقه فيأخذ منه نعجة عجفاء مكان سمينة من مال الصبي. الرابع: معناه لا تأكلوا مال اليتيم سلفاً مع التزام بَدَلِهِ بعد ذلك. فصل قل أبو العباس المقرئ: ورد لفظ "الطيِّب" في القرآن على أربعة أوجه: الأول: الحلال كهذه الآية. الثاني: بمعنى الظَّاهر كقوله تعالى: {أية : صَعِيداً طَيِّباً} تفسير : [النساء: 43] أي: ظاهراً. الثالث: بمعنى الحَسَن قال تعالى: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} تفسير : [فاطر: 10] أي: الحسن، ومثله {أية : وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} تفسير : [النور: 26] أي: الكلام الحسن للمؤمنين. الرابع: الطيِّبَ: المؤمن قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} تفسير : [آل عمران: 179] يعني: الكافر من المؤمن. قوله: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} في قوله ثلاثة أوجه: أحدها: أن "إلى" بمعنى "مع" كقوله: {أية : إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} تفسير : [المائدة: 6]، وهذا رأي الكوفيين. الثاني: أنها على بابها وهي ومجرورها متعلّقة بمحذوف على أنَّه حال، أي: مضمومة، أو مضافة إلى أموالكم. الثالث: أن يضمَّن "تأكلوا" بمعنى "تضموا" كأنه قيل: ولا تَضمُّوهَا إلى أموالكم آكلين. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: قد حَرَّمَ عليهم أكل مال اليتامى، فدخل فيه أكله وحده ومع أموالهم، فَلِمَ ورد النهي عن أكلها معها؟ قلت: "لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله - تعالى - من الحلال، وهم مع ذلك يَطْعمون منها، كان القبحُ أبلغ والذمُّ ألحق، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم، وشَنَّعَ بهم ليكون أزجر لهم". واعلم أنه تعالى، وَإنْ ذكر الأكل، فالمرادُ به سائر التصرفات المملكة للمال، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع التصرف لأجله. قوله: {إِنَّهُ كَانَ حُوباً} في الهاء ثلاثة أوجه: أحدها: أنها تعود على الأكل المفهوم، من "لا تأكلوا". الثَّاني: على التبدُّلِ المفهوم من "لا تَتَبَدَّلُوا الخبيثَ". الثالث: عليهما ذهاباً به مذهب اسم الإشارة نحو: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} تفسير : [البقرة: 68] ومنه: [الرجز] شعر : 1734- كأَنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ تفسير : وقد تقدم ذلك في البقرة، والأول أولى لأنه أقرب مذكور. وقرأ الجمهور "حُوباً" بضم الحاءِ، والحسن بفتحها، وبعضهم: "حَاباً" بالألف، وهي لغت في المصدر، والفتح لغة تميم. ونظير الحوْب والحاب، والقول والقال، والطُّرد والطَّرْد - وهو الإثم - وقيل: المضموم اسم مصدر، [والمفتوح مصدر] وأصله من حوب الأبل، وهو زجرها فسُمِّي به لإثم؛ لأنه يزجر به، ويطلق على الذَّنب أيضاً؛ لأنه يزجر عنه، ومنه قول عليه السلام: "حديث : إنَّ طَلاقَ أمِّ أيُّوبَ لَحُوْب" تفسير : أي: لذنب عظيم. وقل القرطبي: والحوبُ الوحشة، ومنه قوله عليه السَّلام أبي أيوب "حديث : إن طلاق أم أيوب لحوب ". تفسير : قال القفال: وكأن أصل الكلمةِ من التَّحوُّبِ وهو التَّوجُّعُ، فالحوبُ هو ارتكاب ما يتوجَّعُ المرتكبُ منه، يقال: حَابَ يَحُوب، حَوْباً، وحَاباً وحِيابة. قال المخبل السعدي: [الطويل] شعر : 1735- فلا يَدْخُلَنَّ الدَّهْرَ قَبْرَكَ حُوبُ فَإنَّكَ تَلْقَاهُ عَلَيْكَ حَسِيبُ تفسير : وقال آخر [الوافر] شعر : 1736- وإنّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ غَدَاتَئِذٍ لَقَدْ خَطِئَا وَحَابَا تفسير : والحَوْبةُ: المرة الواحدة، والحَوْبَةُ: الحاجة، ومنه في الدعاء "إليكَ أرفع حَوْبَتِي"، وأوقْعَ اللَّهُ الْحَوْبَة، و "تحوَّب فلان" إذا خرج من الحَوْب كتحرَّج وتَأَثَّمَ، والتضعيف للسَّلْبِ، و "الحَوْأب" بهمزة بعد الواو المكان الواسع والحوب الحاجة، يقال: ألحق اللَّهُ به الحوبةَ، أي: [المسألة] والحاجة، والمسكنة ومنه قولهم باب بحيبة سوء، وأصل الياء الواو، وتحوَّب فلان أي: تعبد وألقى الحوب عن نفسه، والتحوُّب أيضاً التحزُّن، وهو أيضاً الصياحُ الشديد كالزَّجْرِ.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏:‏ إن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عنه، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فنزلت ‏ {‏وآتوا اليتامى أموالهم‏}‏ يعني الأوصياء يقول‏:‏ أعطوا اليتامى أموالهم ‏ {‏ولا تتبدَّلوا الخبيث بالطيب‏} ‏ يقول‏:‏ لا تتبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم‏.‏ يقول‏:‏ لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد ‏ {‏ولا تتبدَّلوا الخبيث بالطيب‏} ‏ قال‏:‏ الحرام بالحلال‏.‏ لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدر لك ‏ {‏ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم‏}‏ قال‏:‏ لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم تخلطونها فتأكلونها جميعاً ‏ {‏إنه كان حوباً كبيراً‏} ‏ قال‏:‏ إثما‏ً.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب ‏ {‏ولا تتبدَّلوا الخبيث بالطيب‏} ‏ قال‏:‏ لا تعط مهزولاً وتأخذ سميناً‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الزهري‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم في الآية قال‏:‏ لا تُعْطِ زائفاً وتأخذ جيداً‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال‏:‏ كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل فيها مكانها الشاة المهزولة، ويقول‏:‏ شاة بشاة‏.‏ ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول‏:‏ درهم بدرهم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال‏:‏ كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء، ولا يورثون الصغار‏.‏ يأخذه الأكبر فنصيبه من الخيرات طيب، وهذا الذي يأخذه خبيث‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم‏} ‏ قال‏:‏ مع أموالكم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الحسن قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى، كرهوا أن يخالطوهم، وجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله‏.‏ فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ‏ {‏ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم‏} ‏ قال‏:‏ فخالطوهم واتقوا‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله ‏ {‏حوباً كبيرا‏ً} ‏ قال‏:‏ إثماً عظيماً‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس حوباً قال‏:‏ ظلما‏ً.‏ وأخرج الطستي في مسائله وابن الأنباري في الوقف والإبتداء والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ‏ {‏حوبا‏ً} ‏ قال‏:‏ إثماً بلغة الحبشة قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول الأعشى الشاعر‏:‏ شعر : فإني وما كلفتموني من أمركم ليعلم من أمسى أعق وأحوبا تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه كان يقرأ حوباً برفع الحاء‏.‏ وأخرج عن الحسن أنه كان يقرؤها ‏ {‏حوباً‏} ‏ بنصب الحاء‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ} شروعٌ في تفصيل مواردِ الاتقاءِ ومظانّةِ بتكليف ما يقابلها أمراً ونهياً عَقيبَ الأمرِ بنفسِه مرة بعد أخرى، وتقديمُ ما يتعلق باليتامى لإظهار كمالِ العنايةِ بأمرهم ولملابستهم بالأرحام إذ الخِطابُ للأولياء والأوصياءِ وقلما تُفوَّض الوصايةُ إلى الأجانب، واليتيمُ من مات أبوه، من اليُتم وهو الانفرادُ ومنه الدرةُ اليتيمةُ، وجمعُه على يتامىٰ إما أنه لما جرى مَجرى الأسماءِ جُمع على يتائِمَ ثم قُلب فقيل: يتامى، أو لأنه لما كان من وادي الآفاتِ جُمع على يَتْمى ثم جُمع يَتمى على يتامى، والاشتقاقُ يقتضي صحةَ إطلاقِه على الكبار أيضاً، واختصاصُه بالصغار مبنيٌّ على العُرف، وأما قولُه عليه السلام: «حديث : لا يُتمَ بعد الحُلُم»تفسير : ، فتعليمٌ للشريعة لا تعيـينٌ لمعنى اللفظِ أي لا يجري على اليتيم بعده حكمُ الأيتام. والمرادُ بإيتاء أموالِهم قطعُ المخاطَبـين أطماعَهم الفارغةَ عنها وكفُّ أكُفِهم الخاطفةِ عن اختزالها، وتركُها على حالها غيرَ مُتعرَّضٍ لها بسوء حتى تأتيَهم وتصلَ إليهم سالمةً كما ينبىء عنه ما بعده عن النهي عن التبدّل والأكلِ لا الإعطاءِ بالفعل فإنه مشروطٌ بالبلوغ وإيناسِ الرُشدِ على ما ينطِق به قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ } تفسير : [النساء، الآية 6] الآية، وإنما عبّر عما ذُكر بالإيتاء مجازاً للإيذان بأنه ينبغي أن يكونَ مرادُهم بذلك إيصالاً إليهم لا مجردَ تركِ التعرّضِ لها، فالمرادُ بهم إما الصغارُ على ما هو المتبادرُ، والأمرُ خاصٌّ بمن يتولى أمرَهم من الأولياء والأوصياءِ وشمولُ حكمِه لأولياء مَن كان بالغاً عند نزولِ الآيةِ بطريق الدِلالةِ دون العبارة، وأما من جرى عليه اليتمُ في الجملة مجازاً أعمُّ من أن يكون كذلك عند النزولِ، أو بالغاً فالأمرُ شاملٌ لأولياء الفريقين صيغة موجب عليهم ما ذكر من حفظ أموالِهم والتحفظِ عن إضاعتها مطلقاً، وأما وجوبُ الدفعِ إلى الكبار فمستفادٌ مما سيأتي من الأمر به، وقيل: المرادُ بهم الصغارُ وبالإيتاء الإعطاءُ في الزمان المستقبلِ، وقيل: أُطلق اسمُهم على الكبار بطريق الاتساعِ لقرب عهدِهم باليتم حثاً للأولياء على المسارعة إلى دفع أموالِهم إليهم أولَ ما بلغوا قبل أن يزولَ عنهم اسمُهم المعهودُ، فالإيتاءُ بمعنى الإعطاءِ بالفعل، ويأباهما ما سيأتي من قوله تعالى: {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ } تفسير : [النساء، الآية 6] الخ، فإن ما فيه من الأمر بالدفع واردٌ على وجه التكليفِ الابتدائيِّ لا على وجه تعيـينِ وقتِه أو بـيانِ شرطِه فقط كما هو مقتضى القولين، وأما تعميمُ الاسمِ للصغار والكبارِ مجازاً بطريق التغليبِ مع تعميم الإيتاءِ للإيتاء حالاً وللإيتاء مآلاً وتعميمِ الخطابِ لأولياء كِلا الفريقين على أن مَنْ بلغ منهم فوليُّه مأمورٌ بالدفع إليه بالفعل وأن من لم يبلُغْ بعدُ فوليُّه مأمورٌ بالدفع إليه عند بلوغِه الرشدَ، فمع ما سبق تكلفٌ لا يخفى، فالأنسبُ ما تقدم من حمل إيتاءِ أموالِهم إليهم على ما يؤدي إليه من ترك التعرضِ لها بسوءٍ كما يلوحُ من التعبـير عن الإعطاء بالفعل بالدفع سواءٌ أريد باليتامى الصغارُ أو ما يعمُّ الصغارَ والكبارَ حسبما ذُكر آنفاً. وأما ما روي من أن رجلاً من غطَفان كان معه مال كثيرٌ لابن أخٍ له فلما بلغ طلب منه مالَه فمنعه فنزلت فلما سمِعها قال: أطعنا الله وأطعنا الرسولَ نعوذ بالله من الحُوب الكبـير، فغيرُ قادحٍ في ذلك لما أن العبرةَ بعموم اللفظِ لا بخصوص السببِ. {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ} نهيٌ عن أخذ مالِ اليتيمِ على الوجه المخصوصِ بعد النهي الضِّمني عن أخذه على الإطلاق. وتبدلُ الشيء بالشيء واستبدالُه به أخذُ الأول بدلَ الثاني بعد أن كان حاصلاً له أو في شرف الحصولِ يُستعملان أبداً بإفضائهما إلى الحاصل بأنفسهما وإلى الزائل بالياء كما في قوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَـٰنِ } تفسير : [البقرة، الآية 108] الخ، وقوله تعالى: {أية : أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ }تفسير : [البقرة، الآيه 61] وأما التبديلُ فيستعمل تارة كذلك كما في قوله تعالى: {أية : وَبَدَّلْنَـٰهُمْ بِجَنَّـٰتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ } تفسير : [سبأ، الآية 16] الخ، وأخرى بالعكس كم في قولك: بدّلت الحلقةَ بالخاتم إذا أذبتَها وجعلتَها خاتماً نص عليه الأزهري، وتارة أخرى بإفضائه إلى مفعوليه بنفسه كما في قوله تعالى: {أية : يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ } تفسير : [الفرقان، الآية 70] والمرادُ بالخبـيث والطيبِ إن كان هو الحرامُ والحلالُ فالمنهيُّ عنه استبدالُ مالِ اليتيمِ بمال أنفسِهم مطلقاً كما قال الفراءُ والزجاجُ، وقيل: معناه لا تذَروا أموالَكم الحلالَ وتأكُلوا الحرامَ من أموالهم فالمنهيُّ عنه أكلُ مالِه مكانَ مالِهم المحقّقِ أو المقدّرِ، وقيل: هو اختزالُ مالِه مكان حفظِه، وأياً ما كان فإنما عبّر عنهما بهما تنفيراً عما أخذوه وترغيباً فيما أُعْطوُه وتصويراً لمعاملتهم بصورة ما لا يصدُر عن العاقل، وإن كان هو الرديءُ والجيدُ فموردُ النهي ما كانوا عليه من أخذ الجيّدِ من مال اليتيمِ وإعطاءِ الرديءِ من مال أنفسِهم وبه قال سعيدُ بنُ المسيِّب والنخعيُّ والزُّهري والسدي، وتخصيصُ هذه المعاملةِ بالنهي لخروجها مَخرجَ العادةِ لا لإباحة ما عداها، وأما التعبـيرُ عنها بتبدُّل الخبـيثِ بالطيب مع أنها تبديلُه به أو تبدلُ الطيبِ بالخبـيث فللإيذان بأن الأولياءَ حقُّهم أن يكونوا في المعاوضات عاملين لليتيم لا لأنفسهم مُراعين لجانبه قاصدين لجلب المجلوبِ إليه مشترىً كان أو ثمناً لا لسَلَب المسلوبِ عنه {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ} نهيٌ عن منكر آخرَ كانوا يتعاطَوْنه أي لا تأكلوها مضمومةً إلى أموالكم ولا تُسوّوا بـينهما وهذا حلالٌ وذاك حرامٌ وقد خُصَّ من ذلك مقدارُ أجرِ المِثلِ عند كونِ الولي فقيراً {إِنَّهُ} أي الأكلُ المفهومُ من النهي {كَانَ حُوباً} أي ذنباً عظيماً، وقرىء بفتح الحاء وهو مصدرُ حاب حَوْباً وقرىء حاباً وهو أيضاً مصدرٌ كقال قولاً وقالا: {كَبِيراً} مبالغةٌ في بـيان عِظَمِ ذنبِ الأكلِ المذكورِ كأنه قيل: من كبار الذنوبِ العظيمةِ لا من أفنائها.

القشيري

تفسير : مَنْ أُقيم بمحلِّ الرعاية فجاء على رعيَّتِه فَخَصْمُه ربُّه؛ فإنه - سبحانه - ينتقم لعباده ما لا ينتقم لنفسه. فَوَلِيُّ اليتيم إنْ أَنْصَفَ وأَحْسَنَ فحقُّه على الله، وإنْ أَساء وتعدَّى فَخَصْمُه اللهُ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وآتوا اليتامى اموالهم} اليتامى جمع يتيم وهو من الناس المنفرد عن الاب بموته ومن سائر الحيوانات عن الام وحق هذا الاسم ان يقع على الصغير والكبير لبقاء معنى الانفراد عن الاب الا انه غلب استعماله فى الصغير لاستغناء الكبير بنفسه عن الكافل فكأنه خرج عن معنى اليتم وهو الانفراد والمراد بايتاء اموالهم قطع المخاطبين اطماعهم الفارغة عنها وكف اكفهم الخاطفة عن اختزالها وتركها على حالها غير متعرض لها بسوء حتى تأتيهم وتصل اليه سالمة لا الاعطاء بالفعل فانه مشروط بالبلوغ وايناس الرشد وانما عبر عما ذكر بالايتاء مجازا للايذان بانه ينبغى ان يكون مرادهم بذلك ايصالها اليهم لا مجرد ترك التعرض لها والمعنى ايها الاولياء والاوصياء احفظوا اموال اليتامى ولا تتعرضوا لها بسوء وسلموها اليهم وقت استحقاقهم تسليمها اليهم {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} تبدل الشىء بالشىء واستبداله به اخذ الاول بدل الثانى بعد ان كان حاصلا له او فى شرف الحصول اى لا تستبدلوا الحلال المكتسب بالحرام المغتصب يعنى لا تستبدلوا مال اليتامى وهو حرام بالحلال وهو مالكم وما ابيح لكم من المكاسب ورزق الله المبعوث فى الارض فتأكلوه مكانه {ولا تأكلوا اموالهم الى اموالكم} المراد من الاكل التصرف لان اكل مال اليتيم كما يحرم فكذا سائر التصرفات المهلكة لتلك الاموال محرمة والدليل عليه ان فى المال ما لا يصح ان يؤكل وانما ذكر الاكل لانه معظم ما يقع لاجله التصرف والى بمعنى مع قال تعالى {أية : من انصارى الى الله} تفسير : [آل عمران: 52]. اى مع الله والاصح ان المعنى لا تأكلوها مضمومة الى اموالكم ولا تسووا بينهما وهذا حلال وذاك حرام وقد خص من ذلك مقدار اجر المثل عند كون الولى فقيرا واذا اكل مال اليتيم وله مال كان ذلك اقبح ولذا ورد النهى عن اكله مع مال نفسه بعد ان قال ولا تتبدلوا الخ {انه} اى الاكل المفهوم من النهى {كان حوبا كبيرا} اى ذنبا عظيما عند الله فاجتنبوه "حديث : ـ روى ـ ان رجلا من بنى غطفان كان معه مال كثير لابن اخ له يتيم فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا الى النبى عليه السلام فنزلت هذه الآية فلما سمع العم قال اطعنا الله واطعنا الرسول نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع اليه ماله فقال النبى صلى الله عليه وسلم "من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فانه يحل داره" " .تفسير : يعنى جنته فلما قبض الفتى ماله انفقه فى سبيل الله فقال عليه السلام "حديث : ثبت الاجر وبقى الوزر " .تفسير : فقالوا كيف بقى الوزر فقال "حديث : ثبت الاجر للغلام وبقى الوزر على والده ".تفسير : قال الشيخ السعدى قدس سره شعر : از زر وسيم راحتى برسان خويشتن هم تمتعى بر كير جونكه اين خانه از توخواهدماند خشتى ازسيم وخشتى از زركير تفسير : قال تعالى {وآتوا اليتامى اموالهم} تزكية من آفة الحرص والحسد والدناءة والخسة والطمع وتحلية بالامانة والديانة وسلامة الصدر وقال {ولا تأكلوا اموالهم الى اموالكم} تزكية من الجور والحيف والظلم وتحلية بالعدل والانصاف فان اجتماع هذه الرذائل {انه كان حوبا كبيرا} اى حجابا عظيما. فعلى العاقل ان يزكى نفسه من الاخلاق الرديئة ولا يطمع فى حق احد جل او قل بل يكون سخيا باذلا ماله على الارامل والايتام ويراعى حقوقهم بقدر الامكان. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال ست موبقات ليس لهن توبة. اكل مال اليتيم. وقذف المحصنة. والفرار من الزحف. والسحر. والشرك بالله. وقتل نبى من الانبياء. ويقال طوبى للبيت الذى فيه يتيم. وويل للبيت الذى فيه يتيم يعنى ويل لاهل البيت الذين لم يعرفوا حق اليتيم وطوبى لهم اذا عرفوا حقه شعر : يكى خار باى يتيمى بكند بحواب اندرش ديدصدر خجند كه ميكفت ودر روضاهامى حميد كزان خار بر من جه كلهادميد "حديث : ـ وروى ـ ان رجلا جاء الى النبى صلى الله عليه وسلم فقال عندى يتيم مم اضربه قال "مما تضرب به ولدك"" تفسير : يعنى لا بأس ان تضربه للتأديب ضربا غير مبرح مثل ما يضرب الوالد ولده ـ وروى ـ عن الفضيل بن عياض انه قال رب لطمة انفع لليتيم من اكلة خبيص. قال الفقيه فى تنبيه الغافلين ان كان هذا يقدر ان يؤدبه بغير ضرب ينبغى له ان يفعل ذلك ولا يضربه فان ضرب اليتيم امر شديد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان اليتيم اذا ضرب اهتز عرش الرحمن لبكائه فيقول الله يا ملائكتى من ابكى الذى غيبت اباه فى التراب وهو اعلم به قال تقول الملائكة ربنا لا علم لنا قال فانى اشهدكم ان من ارضاه ارضه من عندى يوم القيامة". شعر : جو بينى يتيمى سرافكند بيش مده بوسه برروى فرزند خويش يتيم اربكريد كه بارش برد وكرخشم كيرد كه نازش خرد ألا تانكريد كه عرش عظيم بلرزد همى جون بكريد يتيم اكرسايه خودبرفت ازسرش تو درسايه خويشتن برورش تفسير : قال الله تعالى لداود النبى عليه السلام [كن لليتيم كالاب الرحيم واعلم انك كما تزرع كذلك تحصد]. واعلم ان المرأة الصالحة لزوجها كالملك المتوّج بالذهب كلما رآها قرت عينه والمرأة السوء لبعلها كالحمل الثقيل على الشيخ الكبير شعر : كراخانه آباد وهمخوابه دوست خدارا برحمت نظر سوى اوست دلارام باشد زن نيك خواه وليك اززن بدخدايا بناه تهى باى رفتن به از كفش تنك بلاى سفر به كه درخانه جنك

ابن عجيبة

تفسير : قلت: اليتيم: مَنْ فقدَ أباه، ولا يقال فيه اليتيم عُرفا إلا قبل البلوغ، وهو هنا مجاز، أي: من كان يتيمًا، والحوبُ: الإثم، ويقال فيه: حوبا، بالضم والفتح، مع الواو والألف، مصدر حاب حوبًا وحوَبا وحابا. يقول الحقْ جلّ جلاله: {وآتوا} أي أعطوا {اليتامى أموالهم} إذا بلغوا، وأُنِس منهم الرشد، وسمَّاهم يتامى بعد البلوغ اتساعًا؛ لقرب عهدهم بالصغر. حثًا على أن يُدفع إليهم أموالهم أول بلوغهم، قبل أن يزول عنهم هذا الاسم إذا أنِسَ فيهم الرشد، ويدل على هذا ما قيل في سبب نزول الآية، وهو أن رجلآ من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له، فلما بلغ طلب مال أبيه، فمنعه، فنزلت الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله ورسوله، ونعوذ بالله من الحُوب الكبير. وقيل: إن العرب كانت لا تورِّث الصغار مع الكبار، فأُمِرُوا أن يورثوهم، وعلى هذا يكون اليتيم على حقيقته، فعلى الأول: الخطاب للأوصياء، وعلى الثاني: للعرب التي كانت لا تورث الصغار. ثم قال: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} أي: لا تتبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم، أو: لا تأخذوا الرفيع من أموالهم وتُعطوا الخبيث مكانها من أموالكم. كان بعضهم يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالمهزولة من ماله، والدرهم الطيب بالزائف. {ولا تأكلوا أموالهم} مضمومًا {إلى أموالكم} فتنفقونها معًا، مع أن اليتيم لا يأكل كالكبير، إلا إذا كان المنفَق قدَّر أكله، أو لمصلحة. {إنه} أي: الأكل، {كان حُوبًا كبيرًا} أي: إثمًا عظيمًا. الإشارة: أمر الحقّ جلّ جلاله أغنياء القلوب، وهم أكابر الأولياء الراسخون في علم الغيوب، أن يَمنحوا من تعلق بهم من الفقراء والضعفاء، من الغني بالله الذي منحهم الله، حتى لا يلتفتوا إلى سواه، وأن يَقبلوا كل من أتى إليهم من العباد، سواء كان من أهل المحبة والوداد، أو من أهل المخالفة والعناد، ولا يتبدلوا الخبيث بالطيب، بحيث يَقبلون من وجدوه طيب الأخلاق، ويردون من وجدوه خبيث الأخلاق، فإن هذا ليس من شأن أهل التربية النبوية، بل من شأنهم أن يقبلوا الناس على السوية، ويقلبوا فيهم الأعيان، فيقبلون العاصي طائعًا، والكافر مؤمنًا، والغافل ذاكرًا، والشحيح سخيًّا، والخبيث طيبًا، والمسيء محسنًا، والجاهل عارفًا، وهكذا؛ لما عندهم من الإكسير، وهي الخمرة الأزلية، أي: التي من شأنها أن تقلب الأعيان، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه في وصفها: شعر : تُهذبُ أخلاقَ النَّدامى فيَهْتَدي بها لطريقِ العزمِ مَن لا له عَزْم ويكرُمُ مَنْ لم يَعْرِف الجودَ كَفُّه ويحلُمُ عند الغيْظِ مَنْ لا لهُ حِلم تفسير : وقوله: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} يعني: حتى تتحققوا بوصول الغني إلى قلوبهم، فإن تحققتم فخذوا ما بذلوا لكم من أموالهم. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : المعنى: هذا خطاب لأوصياء اليتامى، أمرهم الله بأن يعطوا اليتامى أموالهم إذا بلغوا الحلم وأونس منهم الرشد، وسماهم يتامى بعد البلوغ، وايناس الرشد مجازاً، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "حديث : لا يتم بعد احتلام" تفسير : كما قالوا في النبي (صلى الله عليه وسلم) إنه يتيم أبي طالب بعد كبره يعنون انه رباه. وقوله: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} معناه: لا تستبدلوا ما حرمه الله عليكم من أموال اليتامى بما أحله الله لكم من أموالكم، واختلفوا في صفة التبديل فقال بعضهم كان أوصياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم والرفيع منه ويجعلون مكانه الردئ الخسيس، ذهب إليه ابراهيم النخعي، والسدي، وابن المسيب، والزهري، والضحاك، وقال قوم: معناه {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} بأن تتعجلوا الحرام قبل أن يأتيكم الرزق الحلال الذي قدر لكم. ذهب إليه أبو صالح، ومجاهد. وقال ابن زيد: معناه ما كان أهل الجاهلية يفعلونه، من أنهم لم يكونوا يرزقون النساء ولا الصغار بل يأخذه الكبار. وأقوى الوجوه الوجه الأول، لأنه ذكر عقيب مال اليتامى وإن حمل على عموم النهي عن التبديل بكل مال حرام كان قوياً. وقوله: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} يعني أموال اليتامى مع أموالكم والتقدير: ولا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم فتأكلوهما جميعاً، فأما خلط مال اليتيم بمال نفسه إذا لم يظلمه فلا بأس به بلا خلاف قال الحسن لما نزلت هذه الآية كرهوا مخالطة اليتامى، فشق ذلك عليهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله، فأنزل الله تعالى: {أية : ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح}تفسير : وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقوله: {إنه كان حوباً كبيراً} يعني إن أكلكم أموال اليتامى مع أموالكم حوب كبير، أي اثم كبير في قول ابن عباس ومجاهد. والهاء في قوله: "إنه" دالة على اسم الفعل الذي هو الاكل. والحوب الاثم، يقال: حاب يحوب حوباً وحباة والاسم الحوب. وقرأ الحسن حوباً: ذهب إلى المصدر. ويقال: تحوّب فلان من كذا إذا تحرج منه. ويقال نزلنا بحوبة من الارض وبحيب من الارض يعني بموضع سوء. وحكى الفراء عن بني أسد ان الحائب القاتل. وقال الشاعر: شعر : إيهاً تطيع ابن عبس انها رحم حُبتم بها فانا ختم بجعجاع تفسير : أي أثمتم والحوبة الحزن، والتحوب التحزن، والتحوب التأثم، والتحوب الهياح الشديد، والحوباء الروح والكبير العظيم

الجنابذي

تفسير : {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} بعد الحفظ وانس الرّشد منهم {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْٱلْخَبِيثَ} الرّدىّ من اموالكم {بِٱلطَّيِّبِ} الجيّد من اموالهم او الحرام من اموالهم بالحلال المقدّر لكم فانّ من ارتزق بالحرام حرم المقدّر له من الحلال لكنّ الاوّل هو المراد لانّ قوله تعالى {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} يفيد الثّاني. اعلم انّ اليتيم كالرّحم روحانىّ وجسمانىّ فالجسمانىّ من انقطع فى صغره عن ابيه الجسمانىّ، والرّوحانىّ من انقطع عن امامه الذّي هو ابوه الرّوحاني كما ورد تصريحاً واشارةً واليتيم عن الامام امّا بغيبته عن شهود حسّه بموتٍ وغيره او بغيبته عن شهود بصيرته بعدم استعداد الحضور وعدم حصول الفكر الذّى هو مصطلح الصّوفيّة، فانّ من لم يتمثّل مثال الشّيخ في صدره ولم يشاهد صورته المثاليّة بعين بصيرته كان منقطعاً عن امامه، وحقّه الخدمة والمواساة والمحبّة والنّصيحة الّتي يعطون الميثاق عليها؛ هذا هو اليتيم الرّوحانىّ في العالم الكبير، وامّا في العالم الصّغير فالقوى الحيوانيّة والبشريّة ما لم تبلغ في التبعيّة للنّفس الى مقام التّمتّع والالتذاذ بشهود النّفس لشيخها تكون يتامى ومالها وحقّها التلذّذ بمشتهياتها ومقتضياتها فى الحلال فانّ التلذّذ فى الحلال جعل قسيماً لتزوّد المعاد فى الاخبار، ولمّا كان منع اليتامى باىّ معنىًَ كان عن حقّهم ظلماً على المظلوم الذّي كان مستحقاً للتّرحّم عظّم تعالى ذنبه فقال تعالى {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} اي ذنباً عظيماً.

اطفيش

تفسير : {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ}: أى اعطوا اليتامى أموالهم وإيضاح ذلك ما ذكره الزمخشرى: حديث : أنه نزلت فى رجل من غطفان، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال، فمنعه عمه، فترافعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع ماله إليه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنهُ يحل داره" يعنى جنته، فلما قبض الصبى ماله أنفقه فى سبيل الله، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "ثبت الأجر وبقى الوزر" قالوا يا رسول الله قد عرفنا أنهُ ثبت الأجر، فكيف بقى الوزر؟ وهو ينفق ماله فى سبيل الله؟ فقال: "ثبت أجر الغلام، وبقى الوزر على والده" . تفسير : والخطاب فى {آتوا} للأولياء، والأوصياء، واليتيم شرعاً من مات أبوه وهو فى بطن أمه، أو مات أبوه وهو غير بالغ، هو مشتق من اليتم وهو الانفراد، يقال: درة يتيمة، أى منفردة لا نظير لها، ومن مات أبوه فقد انفرد عن أبيه، ولو كان بالغاً فى لغة العرب، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يتيم أبى طالب، إما لانفراده عن أبيه ولو كان رسول بلغ الأربعين، وإما لاعتبار ما كان عليه، وهو أنهُ كان طفلا مات أبوه، وقد كان فى البطن حين مات أبوه، ومن التسمية الشرعية، قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يتم بعد بلوغ" تفسير : أو لا يتم بعد الحلم، أى لا تجرى عليهِ أحكام الطفولية بعد بلوغ، وبعضها يجرى حتى يأنس رشده، وكذا تسميتهم فى الآية يتامى وهم بلغ، إما لأنهم قد كانوا يتامى، وإما لانفرادهم بحسب العلة، وإما على تقدير الشرط، أى: وآتوا اليتامى إذا بلغوا، أى: آتوا هؤلاء القوم الذين لم يبلغوا أموالهم إذا بغلوا لأن جسم الإنسان طفلا جسمه بالغاً، ووجه الوجه الأول: الحث على دفع أموالهم إليهم أول بلوغهم إن أنس رشدهم، وإنما جمع على يتامى، مع أم فعيلا لا يجمع على فعالى إذا كان صفة، لأن يتمياً، ولو كان بوزن فعيل، لكن قد تغلبت عليه الاسمية فلم يكن له حكم الصفة، ولذلك لا يذكر معه موصوف، وإذا ذكر فقد رجع به إلى الأصل، وفعيل إذا كان اسماً يجوز جمعه على فعالى، قياساً مطرداً، وأصله فعائل نحو: أفيل وأفائل، وهى صغار الإبل، كابن مخاض والأنثى أفيلة، وأصله يتائم كصحائف كقوله: شعر : أطلال حسنى بالبراق اليتائم سلام على أحجار كنَّ القدائم تفسير : حسنى: علم امرأة أو صفة، والبراق: جمع برقة وهى الأرض التى فيها الحجارة السود، والبيض، وقدمت الميم على الهمزة، فرجعت الهمزة إلى ما كانت بدلا عنه، وهو الياء، وقد كسرت الميم لأنها فى مقام ما يكسر وهو تالى ألف مفاعل فتحت وقلبت الياء ألفاً، فصار يتامى. ويجوز أن يكون يتامى أصلا لا تقديم فيه، ولا تأخير، فيكون جمع يتمى بفتح الياء، وإسكان التاء، وفتح الميم بعدها ألف، ويتمى بهذا الضبط جمع يتيم كقتيل وقتلى، وفعيل الدال على آفة، ووجع يجمع على فعلى، إذا كان صفة، وهذا روعى فيه الوصفية الأصلية، فعل هذا يتامى جمع الجمع كأسير وأسرى وأسارى بفتح همزته وبضمها الذى تقرأ به، وقال ابن زيد الخطاب لمن لا يورث الصغار من العرب، فيكون المراد بأموالهم: ميراثهم. {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ}: ولا تستبدلوا الحرام الذى هو مال اليتيم بالحلال، الذى هو مالكم، بأن تأكلوا مالهم بدل أكل مالكم وسواء ذلك بأكل من عنده مال اليتيم أباه. قاله الحسن، أو يترك توريثه، لكن يتكرر هذا التفسير مع قوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}: إلا أن يقال المراد بالاستبدال ترك مالهم، وأكل مال اليتيم، وبأكل مالهم إلى أموالكم: أكل كلا المالين، كما هو ظاهر الكلام، ويجوز أن يكون المعنى: لا تستبدلوا الفعل الخبيث، وهو أكل مال اليتامى، وتضييعها عنهم بالطيب، وهو حفظها بأن تتركوا الفعل الطيب، وتفعلوا الفعل الخبيث، ويجوز أن يكون المعنى: لا تستبدلوا المال الردىء من أموالكم، أو من أموال صديقكم أو من تركنون إليه بالمال الجيد من أموال اليتامى، كما روى أن أولياء اليتامى، وأوصياءهم أو من كان مالهم عنده كانوا يأخذون الجيد من أموال اليتامى، ويجعلون مكانه الردىء كأخذ الشاة السمينة من أموال اليتامى، وجعل المهزولة مكانها، وأخذ الدرهم الجيد وجعل المزيف مكانه، ثم يقولون: شاة بشاة، ودرهم بدرهم، ومثل أن يأخذ الرجل شاة سمينة من مال اليتيم، ويعطيها صديقه، ويجعل من مال صديقه شاة عجفاء فى مال اليتيم، وأن يكون فى ذمة صديقه شاة سمينة لليتيم، فيأخذ منه شاة عجفاء مكان السمينة، وهذا كلهُ قول سعيد ابن المسيب، والنخغى، والزهرى، والسدى، ولو توهم بعض العلماء أن قولهم مخصوص باستبدال الردىء من أموال أنفسهم بالجيد من أموال اليتامى وإن كون الردىء من مال الصديق والجيد من مال اليتيم، قول آخر، واعلم أن التبدل يتعدى إلى المأخوذ بنفسه، وإلى المتروك بالباء عكس التبديل، وأما الاستبدال فكالتبدل، وقد فسرنا التبدل بالاستبدال كتعجل واستعجل وتأخر واستاخر، ولذلك ضعف قول سعيد بن المسيب، لأن الطيب هو المأخوذ، وقد دخلت عليه الباء، وهى إنما تدخل على المتروك فى التبدل، فلو كان كما قال، لقيل لا تتبدلوا الطيب بالخبيث، والجواب أن ذلك غير لازم تدخل الباء على المأخوذ فى التبدل، وعلى المتروك فى التبديل، وإلى بمعنى مع، متعلق بتأكلوا، وعلى أصلها فتتعلق بمحذوف جوازاً، والمحذوق حال أى مضمومة إلى أموالكم، ومعنى كل من المعية والضم، أن يجمعها لفظ الأكل بأن يكون كل مأكول ولو اختلف وقت أكل كل، معنى الأكل التفويت للانتفاع، لأنفسهم أو غيرهم بالطعم أو للبس، أو قضاء الدين، أو غير ذلك، أو بالتضييع، فإنهم إذا ضيعوها فقد جمعوها مع أموالهم فى مطلق التفويت، فالأكل موضوع لتفويت مخصوص وهو الطعم، مستعمل فى كل تفويت لا يرجع نفعه لليتيم، وسواء فعلوا ذلك مجاناً وفعلوه فى أخذ العناء، بأن أخذوا أكثر مما يستحقون على تعينهم، أو مما صرفوا من أموالهم على اليتامى، جاء رجل إلى ابن عباس رضى الله عنهما فقال: إن لى يتيماً وأن له إبلا فأشرب من لبن إبله؟ فقال ابن عباس: إن كنت تبغى ضالة إبله أى تطلبها لتردها وتهنا جرباها، أى تطلبها بالقطران، وتلوط حوضها، وسقيها يوم وردها، فاشرب غير بنسل ولا ناهك فى الحلب، كما قال تعالى {أية : فليأكل بالمعروف}. تفسير : {إِنَّهُ}: أى أن المذكور من تبدل الخبيث بالطيب، وأكل أموالهم إلى أموالكم هذا ما ظهر لى، ويجوز أن يعود الضمير إلى أكل أموالهم إلى أموالكم، وهو أقرب مذكور والأول فائدة، ولا يقع منه فهو أولى. {كَانَ حُوباً كَبِيراً}: أى ذنباً كبيراً، كما قال بن عباس والحسن. ومنه قولهم: تجوب الرجل: أى اجتنب الحوب، أى الذنب كتحنث وتأثم وتجرح، أى اجتنب الحنث والإثم والجرح، وليس من ذلك النوع، كما قيل {تفكهون} لأن معناه تطلبون الفاكهة، وقيل: حوباً كبيراً، ذنباً عظيماً، وقرأ الحسن: حوباً بفتح الحاء وهو لغة تميم. وقرأ حابا بقلب الواو ألفاً والثلاثة مصدر حاب يحوب، أى أذنب.

الالوسي

تفسير : {وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمُ} شروع في تفصيل موارد الاتقاء على أتم وجه؛ وبدأ بما يتعلق باليتامى إظهاراً لكمال العناية بشأنهم ولملابستهم بالأرحام إذ الخطاب للأوصياء والأولياء وقلما تفوض الوصاية لأجنبـي، واليتيم ـ من الإنسان من مات أبوه، ومن سائر الحيوانات فاقد الأم ـ من اليتم وهو الانفراد، ومن هنا يطلق على كل شيء عزَّ نظيره، ومنه الدرة / اليتيمة وجمع على يتامى مع أن فعيلاً لا يجمع على فعالى بل على فعال ـ ككريم وكرام، وفعلاء ـ ككريم وكرماء ـ وفعل ـ كنذير ونذر ـ وفعلى ـ كمريض ومرضى ـ إما لأنه أجري مجرى الأسماء، ولذا قلما يجري على موصوف فجمع على يتايم كأفيل وأفايل، ثم قلب فقيل: يتامى بالكسر، ثم خفف بقلب الكسرة فتحة فقلبت الياء ألفاً، وقد جاء على الأصل في قوله:شعر : أأطلال حسن بالبراق (اليتايم) سلام على أحجاركنّ القدايم تفسير : أو لأنه جمع أولاً على يتمى، ثم جمع يتمى على يتامى إلحاقاً له بباب الآفات والأوجاع، فإن فعيلاً فيها يجمع على فعلى، وفعلى يجمع على فعالى كما جمع أسير على أسرى ثم على أسارى، ووجه الشبه ما فيه من الذل والانكسار المؤلم، وقيل: ما فيه من سوء الأدب المشبه بالآفات، والاشتقاق يقتضي صحة إطلاقه على الصغار والكبار لكن الشرع ـ وكذا العرف ـ خصصه بالصغار، وحديث «حديث : لا يتم بعد احتلام» تفسير : تعليم للشريعة لا تعيين لمعنى اللفظ. والمراد بإيتاء أموالهم تركها سالمة غير متعرض لها بسوء فهو مجاز مستعمل في لازم معناه لأنها لا تؤتى إلا إذا كانت كذلك، والنكتة في هذا التعبير الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الغرض من ترك التعرض إيصال الأموال إلى من ذكر لا مجرد ترك التعرض لها، وعلى هذا يصح أن يراد باليتامى الصغار على ما هو المتبادر، والأمر خاص بمن يتولى أمرهم من الأولياء والأوصياء، وشمول حكمه لأولياء من كان بالغاً عند نزول الآية بطريق الدلالة دون العبارة، ويصح أن يراد من جرى عليه اليتم في الجملة مجازاً أعم من أن يكون كذلك عند النزول، أو بالغاً فالأمر شامل لأولياء الفريقين صيغة موجب عليهم ما ذكر من كف الكف عنها، وعدم فك الفك لأكلها، وأما وجوب الدفع إلى الكبار فمستفاد مما سيأتي من الأمر به، وقيل: المراد من الإيتاء الإعطاء بالفعل، واليتامى إما بمعناه اللغوي الأصلي فهو حقيقة وارد على أصل اللغة، وإما مجاز باعتبار ما كان أوثر لقرب العهد بالصغر، والإشارة إلى وجوب المسارعة إلى دفع أموالهم إليهم حتى كأن اسم اليتيم باق بعد غير زائل، وهذا المعنى يسمى في الأصول بإشارة النص، وهو أن يساق الكلام لمعنى ويضمن معنى آخر، وهذا في الكون نظير المشارفة في الأول، وقيل: يجوز أن يراد باليتامى الصغار، ولا مجاز بأن يجعل الحكم مقيدا كأنه قيل: وآتوهم إذا بلغوا، وردّ بأنه قال في «التلويح»: إن المراد من قوله تعالى: {وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ} وقت البلوغ باعتبار ما كان، فإن العبرة بحال النسبة لا بحال التكلم، فالورود للبلغ على كل حال. وقال بعض المحققين: تقدير القيد لا يغني عن التجوز إذ الحكم على ما عبر عنه بالصفة يوجب اتصافه بالوصف حين تعلق الوصف وحين تعلق الإيتاء به يكون يتيماً فلا بدّ من التأويل بما مر، وأجيب بأن هذه المسألة وإن كانت مذكورة في «التلويح» لكنها ليست مُسلَّمة، وقد تردد فيها الشريف في «حواشيه»، والتحقيق أن في مثل ذلك نسبتين: نسبة بين الشرط والجزاء ـ وهي التعليقية ـ وهي واقعة الآن، ولا تتوقف على وجودهما في الخارج، ونسبة إسنادية في كل من الطرفين ـ وهي غير واقعة في الحال بل مستقبلة ـ والمقصود الأولى، وفي زمان تلك النسبة كانوا يتامى حقيقة، ألا تراهم قالوا في نحو ـ عصرت هذا الخل في السنة الماضية ـ أنه حقيقة؟ مع أنه في حال العصر عصير لا خل لأن المقصود النسبة التي هي تبعية فيما بين اسم الإشارة وتابعه لا النسبة الإيقاعية بينه وبين العصر كما حققه بعض الفضلاء ـ وقد مرت الإشارة إليه في أوائل البقرة فتأمله فإنه دقيق. / وقيل: المراد من الإيتاء ما هو أعم من الإيتاء حالاً أو مآلاً، ومن اليتامى ما يعم الصغار والكبار بطريق التغليب، والخطاب عام لأولياء الفريقين على أن من بلغ منهم فوليه مأمور بالدفع إليه بالفعل وإن من لم يبلغ بعد فوليه مأمور بالدفع إليه عند بلوغه رشيداً، ورجح غير واحد الوجه الأول لقوله تعالى بعد آيات: {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ}تفسير : [النساء: 6] الخ فإنه كالدليل على أن الآية الأولى: في الحض على حفظها لهم ليؤتوها عند بلوغهم ورشدهم، والثانية: في الحض على الإيتاء الحقيقي عند حصول البلوغ والرشد، ويلوح بذلك التعبير بالإيتاء هنا وبالدفع هناك، وأيضاً تعقيب هذه الآية بقوله تعالى: {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ} يقوي ذلك، فهذا كله تأديب للوصي ما دام المال بيده واليتيم في حجره، وأما على سائر الوجوه فيكون مؤدى هذه الآية ـ وما سيأتي بعد ـ كالشيء الواحد من حيث إن فيهما الأمر بالإيتاء حقيقة، ومن قال بذلك جعل الأولى كالمجملة والثانية كالمبينة لشرط الإيتاء من البلوغ وإيناس الرشد، ويرد على آخر الوجوه أيضاً أن فيه تكلفاً لا يخفى، ولا يرد على الوجه الراجح أن ابن أبـي حاتم أخرج عن سعيد بن جبير أن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه فخاصمه إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فنزلت {وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ} الخ، فإن ذلك يدل على أن المراد بالإيتاء الإعطاء بالفعل لا سيما وقد روى الثعلبـي، والواحدي عن مقاتل، والكلبـي أن العمّ لما سمعها قال: أطعنا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم نعوذ بالله عز وجل من الحوب الكبير لما أنهم قالوا: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ولعل العمّ لم يفهم الأمر بالإعطاء حقيقة بطريق العبارة بل بشيء آخر فقال ما قال، هذا وتبدل الشيء بالشيء واستبداله به أخذ الأول بدل الثاني بعد أن كان حاصلاً له أو في شرف الحصول يستعملان أبداً بإفضائهما إلى الحاصل بأنفسهما وإلى الزائل بالباء كما في قوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَـٰنِ} تفسير : [البقرة: 108] الخ، وقوله سبحانه: {أية : أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ} تفسير : [البقرة: 61] وأما التبديل فيستعمل تارة كذلك كما في قوله تعالى: {أية : وَبَدَّلْنَـٰهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ} تفسير : [سبأ: 16] الخ، وأخرى بالعكس كما في قولك: بدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتماً، وبدلت الخاتم بالحلقة إذا أذبته وجعلته حلقة، واقتصر الدميري على الأول، ونقل الأزهري عن ثعلب الثاني، ويشهد له قول الطفيل لما أسلم:شعر : وبدل طالعي نحسي بسعدي تفسير : وتارة أخرى بإفضائه إلى مفعوليه بنفسه كما في قوله تعالى: {أية : فَأُوْلَٰـئِكَ يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ}تفسير : [الفرقان: 70] {أية : فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مّنْهُ}تفسير : [الكهف: 81] بمعنى يجعل الحسنات بدل السيئات ويعطيهما بدل ما كان لهما خيراً منه، ومرة يتعدى إلى مفعول واحد مثل بدلت الشيء أي غيرته، وقوله تعالى: {أية : فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ}تفسير : [البقرة: 181] وذكر الطيبـي أن معنى التبديل التغيير وهو عام في أخذ شيء وإعطاء شيء، وفي طلب ما ليس عنده وترك ما عنده، وهذا معنى قول الجوهري: تبديل الشيء تغييره وإن لم يأت ببدل، ومعنى التبدل الاستبدال، والاستبدال طلب البدل فكل تبدل تبديل وليس كل تبديل تبدلاً، وفرق بعضهم بين التبديل والإبدال بأن الأول تغيير الشيء مع بقاء عينه والثاني رفع الشيء ووضع غيره مكانه فيقال: أبدلت الخاتم بالحلقة إذا نحيت هذا وجعلت هذه مكانه وقد أطالوا الكلام في هذا المقام وفيما ذكر كفاية لما نحن بصدده. والمراد ـ بالخبيث والطيب ـ إما الحرام والحلال، والمعنى لا تستبدلوا أموال اليتامى بأموالكم أو لا تذروا أموالكم الحلال وتأكلوا الحرام من أموالهم فالمنهي عنه استبدال مال اليتيم بمال أنفسهم مطلقاً، أو أكل ماله مكان مالهم المحقق أو المقدر، وإلى الأول ذهب الفراء والزجاج، وقيل: المعنى لا تستبدلوا الأمر الخبيث ـ وهو اختزال مال اليتيم ـ بالأمر / الطيب ـ وهو حفظ ذلك المال ـ وأياً مّا كان فالتعبير عن ذلك بالخبيث والطيب للتنفير عما أخذوه والترغيب فيما أعطوه وإما الرديء والجيد، ومورد النهي حينئذ ما كان الأوصياء عليه من أخذ الجيد من مال اليتيم وإعطاء الرديء من مال أنفسهم، فقد أخرج ابن جرير عن السدي أنه قال: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل في مكانها الشاة المهزولة، ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويضع مكانه الزائف، ويقول: درهم بدرهم وإلى هذا ذهب النخعي والزهري وابن المسيب؛ وتخصيص هذه المعاملة بالنهي لخروجها مخرج العادة لا لإباحة ما عداها فلا مفهوم لانخرام شرطه عنه القائل به. واعترض هذا بأن المناسب حينئذ التبديل أو تبدل الطيب بالخبيث على ما يقتضيه الكلام السابق. وأجيب بأنه إذا أعطى الوصي رديئاً وأخذ جيداً من مال اليتيم يصدق عليه أنه تبدل الرديء بالجيد لليتيم وبدل لنفسه، وظاهر الآية أنه أريد التبدل لليتيم لأن الأوصياء هم المتصرفون في أموال اليتامى فنهوا عن بيع بوكس من أنفسهم ومن غيرهم وما ضاهاه، ولا يضر تبدل لنفسه أيضاً باعتبار آخر لأن المتبادر إلى الفهم النهي عن تصرف لأجل اليتيم ضار سواء عامل الوصي نفسه أو غيره، ومن غفل عن اختلاف الاعتبار كالزمخشري أول بما لا إشعار للفظ به، وعلى العلات المراد من الآية النهي عن أخذ مال اليتيم على الوجه المخصوص بعد النهي الضمني عن أخذه على الإطلاق، والمراد من الأكل في النهي الأخير مطلق الانتفاع والتصرف، وعبر بذلك عنه لأنه أغلب أحواله، والمعنى لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم أي تنفقوهما معاً ولا تسووا بينهما، وهذا حلال وذاك حرام، فإلى متعلقة بمقدر يتعدى بها، وقد وقع حالاً، وقدره أبو البقاء مضافة، ويجوز تعلقها بالأكل على تضمينه معنى الضم، واختار بعضهم كونها بمعنى مع كما في «الذود إلى الذود إبل»، والمراد بالمعية مجرد التسوية بين المالين في الانتفاع أعم من أن يكون على الانفراد، أو مع أموالهم، ويفهم من «الكشاف» أن المعية تدل على غاية قبح فعلهم حيث أكلوا أموالهم مع الغنى عنها، وفي ذلك تشهير لهم بما كانوا يصنعون فلا يلزم القائل بمفهوم المخالفة جواز أكل أموالهم وحدها، ويندفع السؤال بذلك. وأنت تعلم أن السؤال لا يرد ليحتاج إلى الجواب إذا فسر تبدل الخبيث بالطيب باستبدال أموال اليتامى بماله وأكلها مكانه لأنه حينئذ يكون ذلك نهياً عن أكلها وحدها وهذا عن ضمها، وليس الأول مطلقاً حتى يرد سؤال بأنه أي فائدة في هذا بعد ورود النهي المطلق، وفي «الكشف» لو حمل الانتهاء في إلى على أصله ـ على أن النهي عن أكلها مع بقاء مالهم لأن أموالهم جعلت غاية ـ لحصلت المبالغة، والتخلص عن الاعتذار، وظاهر هذا النهي عدم جواز أكل شيء من أموال اليتامى وقد خص من ذلك مقدار أجر المثل عند كون الولي فقيراً، وكون ذلك من مال اليتيم مما لا يكاد يخفى، فالقول ـ بأنه لا حاجة إلى التخصيص لأن ما يأخذه الأولياء من الأجرة فهو ما لهم وليس أكله أكل مالهم مع مالهم ـ لا يخلو عن خفاء. {إِنَّهُ} أي الأكل المفهوم من النهي، وقيل: الضمير للتبدل، وقيل: لهما وهو منزل منزلة اسم الإشارة في ذلك {كَانَ حُوباً} أي إثماً أو ظلماً وكلاهما عن ابن عباس وهما متقاربان، وأخرج الطبراني أن رافع بن الأزرق سأله رضي الله تعالى عنه عن الحوب، فقال: هو الإثم بلغة الحبشة، فقال: / فهل تعرف العرب ذلك؟ فقال: نعم أما سمعت قول الأعشى:شعر : فإني وما كلفتموني من أمركم ليعلم من أمسى أعق وأحوبا تفسير : وخصه بعضهم بالذنب العظيم؛ وقرأ الحسن حوباً بفتح الحاء وهو مصدر حاب يحوب حوباً. وقرىء ـ حاباً ـ وهو أيضاً مصدر كالقول والقال، وهو على القراءة المشهورة اسم لا مصدر خلافاً لبعضهم، وتنوينه للتعظيم أي حوباً عظيماً، ووصف بقوله تعالى: {كَبِيراً} للمبالغة في تهويل أمر المنهي عنه كأنه قيل: إنه من كبار الذنوب العظيمة لا من أفنائها.

ابن عاشور

تفسير : مناسبة عطف الأمر على ماقبله أنّه من فروع تقوى الله في حقوق الأرحام، لأنّ المتصرّفين في أموال اليتامى في غالب الأحوال هم أهل قرابتهم، أو من فروع تقوى الله الذي يتساءلون به وبالأرحام فيجعلون للأرحام من الحظّ ما جعلهم يقسمون بها كما يقسمون بالله. وشيء هذا شأنه حقيق بأن تُراعى أواصره ووشائجه وهم لم يرقبوا ذلك. وهذا ممَّا أشار إليه قوله تعالى: {أية : وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء...}تفسير : [النساء: 1]. والإيتاء حقيقته الدفع والإعطاء الحسي، ويطلق على تخصيص الشيء بالشيء وجعله حقّاً له، مثل إطلاق الإعطاء في قوله تعالى: {أية : إنا أعطيناك الكوثر}تفسير : [الكوثر: 1] وفي الحديث: «حديث : رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هَلَكَتِه في الحقّ ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها».تفسير : واليتامى جمع يتيم وجمع يتيمة، فإذا جمعت به يتيمة فهو فعائل أصله يَتَائِم، فوقع فيه قلب مَكَانِيّ فقالوا يَتَامِىءُ ثم خفّفوا الهمزة فصارت ألفاً وحرّكت الميم بالفتح، وإذا جمع به يتيم فهو إمّا جَمْع الجمع بأن جمع أوّلاً على يَتْمَى، كما قالوا: أسير وأسْرى، ثم جمع على يتامى مثل أسارى بفتح الهمزة، أو جمع فعيل على فعائل لكونه صار اسماً مثل أفيل وأفائل، ثم صنع به من القلب ما ذكرناه آنفاً. وقد نطقت العرب بجمع يتيمة على يتائم، وبجمع فعيل على فعائل في قول بشر النجدي:شعر : أأطْلالَ حُسْن في البِراق اليَتَائِم سَلام على أطلالِكُنّ القَدَائِم تفسير : واشتقاق اليتيم من الإنفراد، ومنه الدرّة اليتيمة أي المنفردة بالحسن، وفعله من باب ضرب وهو قاصر، وأطلقه العرب على من فُقد أبوه في حال صغره كأنّه بقي منفرداً لا يجد من يدفع عنه، ولم يعتدّ العرب بفقد الأمّ في إطلاق وصف اليتيم إذ لا يعدم الولد كافلة، ولكنّه يعدم بفقد أبيه من يدافع عنه وينفقه. وقد ظهر ممّا راعَوه في الاشتقاق أنّ الذي يبلغ مبلغ الرجال لا يستحقّ أن يسمّى يتيماً إذ قد بلغ مبلغ الدفع عن نفسه، وذلك هو إطلاق الشريعة لا سم اليتيم، والأصل عدم النقل. وقيل: هو في اللغة من فُقد أبوه، ولو كان كبيراً، أو كان صغيراً وكَبر، ولا أحسب هذا الإطلاق صحيحاً. وقد أريد باليتامى هنا ما يشمل الذكور والإناث وغُلب في ضمير التذكير في قوله: {أموالهم}. وظاهر الآية الأمر بدفع المال لليتيم، ولا يجوز في حكم الشرع أن يدفع المال له ما دام مطلقاً عليه اسم اليتيم، إذ اليتيم خاصّ بمن لم يبلغ، وهو حينئذ غير صالح للتصرّف في ماله، فتعيّن تأويل الآية إمّا بتأويل لفظ الإيتاء أو بتأويل اليتيم، فلنا أن نؤوّل {آتوا} بغير معنى ادفعوا. وذلك بما نقل عن جابر بن زيد أنّه قال: نزلت هذه الآية في الذين لا يُورّثون الصغار مع وجود الكبار في الجاهلية، فيكون {آتوا} بمعنى عيّنوا لهم حقوقهم، وليكون هذا الأمر وما يذكر بعده تأسيسات أحكام، لا تأكيد بعضها لبعض، أو تقييد بعضها لبعض. وقال صاحب «الكشاف»: «يراد بإيتائهم أموالهم أن لا يطمع فيها الأولياء والأوصياء وولاة السوء وقضاته ويكفّوا عنها أيديهم الخاطفة حتّى تأتي اليتامى إذا بلغوا سالمة» فهو تأويل للإيتاء بلازمه وهو الحفظ الذي يترتّب عليه الإيتاء كناية بإطلاق اللازم وإرادة الملزوم، أو مجاز بالمآل إذ الحفظ يؤول إلى الإيتاء، وعليه فيكون هو معنى قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}. وعلى هذين الوجهين فالمراد هنا الأمر بحفظ حقوق اليتامى من الإضاعة لا تسليم المال إليهم وهو الظاهر من الآية إذ سيجيء في قوله: {أية : وابتلوا اليتامى}تفسير : [النساء: 6] الآية. ولنا أن نؤوّل اليتامى بالذين جاوزوا حدّ اليُتْم ويبقى الإيتاء بمعنى الدفع، ويكون التعبير عنهم باليتامى للإشارة إلى وجوب دفع أموالهم إليهم في فور خروجهم من حدّ اليتيم، أو يبقى على حاله ويكون هذا الإطلاق مقيّداً بقوله الآتي: {أية : حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم}تفسير : [النساء: 6]. ومن الناس من قال: اليتيم يطلق على الصغير والكبير لأنّه مشتقّ من معنى الانفراد أي انفراده عن أبيه، ولا يخفى أنّ هذا القول جمود على توهّم أنّ الانفراد حقيقيّ وإنّما وضع اللفظ للانفراد المجازي، وهو انعدام الأب المنزّل منزلة بقاء الولد منفرداً وما هو بمنفرد فإنّ له أمّا وقوماً. قيل: نزلت هذه الآية في رجل من غطفان كان له ابن أخ في حجره، فلمّا بلغ طلب ماله، فمنعه عمّه، فنزلت هذه الآية، فرَدّ المال لابن أخيه، وعلى هذا فهو المراد من قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم}. وقوله: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} أي لا تأخذوا الخبيث وتعطوا الطيّب. والقول في تعدية فعل تبدّل ونظائره مضى عند قوله تعالى في سورة فالبقرة (61) قال: {أية : أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} تفسير : وعلى ما تقرّر هناك يتعيّن أن يكون الخبيث هو المأخوذ، والطيّب هو المتروك. والخبيث والطيّب أريد بهما الوصف المعنوي دون الحسي، وهما استعارتان؛ فالخبيث المذموم أو الحرام، والطيّب عكسه وهو الحلال: وتقدّم في قوله تعالى: {أية : يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} تفسير : في البقرة (168). فالمعنى: ولا تكسبوا المال الحرام وتتركوا الحلال أي لو اهتممتم بإنتاج أموالكم وتوفيرها بالعمل والتجر لكان لكم من خلالها ما فيه غنية عن الحرام، فالمنهي عنه هنا هو ضدّ المأمور به من قبل تأكيداً للأمر، ولكنّ النهي بيَّن ما فيه من الشناعة إذا لم يمتثل الأمر، وهذا الوجه ينبىء عن جعل التبدّل مجازاً والخبيث والطيّب كذلك، ولا ينبغي حمل الآية على غير هذا المعنى وهذا الاستعمال. وعن السديّ ما يقتضي خلاف هذا المعنى وهو غير مرضي. وقوله: ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} نهي ثالث عن أخذ أموال اليتامى وضمّها إلى أموال أوليائهم، فينتسق في الآية أمر ونهيان: أمروا أن لا يمنعوا اليتامى من مواريثهم ثم نهوا عن اكتساب الحرام، ثم نهوا عن الاستيلاء على أموالهم أو بعضها، والنهي والأمر الأخير تأكيدان للأمر الأول. والأكل استعارة للانتفاع المانع من انتفاع الغير وهو الملك التامّ، لأنّ الأكل هو أقوى أحوال الاختصاص بالشيء لأنّه يحرزه في داخل جسده، ولا مطمع في إرجاعه، وضمّن (تأكلوا) معنى تضمّوا فلذلك عدي بإلى أي: لا تأكلوها بأن تضمّوها إلى أموالكم. وليس قيد {إلى أموالكم} محطّ النهي، بل النهي واقع على أكل أموالهم مطلقاً سواء كان للآكل مال يَضُمّ إليه مالَ يتيمه أم لم يكن، ولكن لمّا كان الغالب وجود أموال للأوصياء، وأنّهم يريدون من أكل أموال اليتامى التكثّر، ذكر هذا القيد رعياً للغالب، ولأنّه أدخل في النهي لما فيه من التشنيع عليهم حيث يأكلون حقوق الناس مع أنّهم أغنياء؛ على أنّ التضمين ليس من التقييد بل هو قائم مقام نهيين، ولذلك روي: أنّ المسلمين تجنّبوا بعد هذه الآية مخالطة أموال اليتامى فنزلت آية البقرة (220): {أية : وإن تخالطوهم فإخوانكم} تفسير : فقد فهموا أنّ ضمّ مال اليتيم إلى مال الوصيّ حرام، مع علمهم بأنّ ذلك ليس مشمولاً للنهي عن الأكل ولكن للنهي عن الضمّ. وهما في فهم العرب نهيان، وليس هو نهياً عن أكل الأغنياء أموال اليتامى حتى يكون النهي عن أكل الفقراء ثابتاً بالقياس لا بمفهوم الموافقة إذ ليس الأدْوَنُ بصالح لأن يكون مفهوم موافقة. والحُوب بضمّ الحاء لغة الحجاز، و بفتحها لغة تميم، وقيل: هي حبشية، ومعناه الإثم، والجملة تعليل للنهي: لموقع إنّ منها، أي نهاكم الله عن أكل أموالهم لأنّه إثم عظيم. ولكون إنّ في مثله لمجرد الاهتمام لتفيد التعليل أكِّد الخبر بكان الزائدة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} الآية. أمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة بإيتاء اليتامى أموالهم، ولم يشترط هنا في ذلك شرطاً، ولكنه بين بعد هذا أن هذا الإيتاء المأمور به مشروط بشرطين: الأول: بلوغ اليتامى. والثاني: إيناس الرشد منهم، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} تفسير : [النساء: 6] وتسميتهم يتامى في الموضعين، إنما هي باعتبار يتمهم الذي كانوا متصفين به قبل البلوغ، إذ لا يتم بعد البلوغ إجماعاً، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِين}تفسير : [الشعراء: 46] يعني الذين كانوا سحرة، إذ لا سِحر مع السجود لله. وقال بعض العلماء: معنى إيتائهم أموالهم إجراء النفقة والكسوة زمن الولاية عليهم. وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمساً وعشرين سنة أعطي ماله على كل حال. لأنه يصير جداً، ولا يخفي عدم اتجاهه، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً}. ذكر في هذه الآية الكريمة أن أكل أموال اليتامى حوب كبير، اي: إثم عظيم، ولم يبين مبلغ هذا الحوب من العظم، ولكنه بينه في موضع آخر وهو قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا}تفسير : [النساء: 10].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: اليتامى: جمع يتيم ذكراً كان أو أنثى وهو من مات والده وهو غير بالغ الحلم. ولا تتبدَّلوا الخبيث بالطيب: الخبيث الحرام والطيب الحلال والمراد بها هنا الرديء والجيد. حوباً كبيراً: الحوب الإثم الكبير العظيم. أن لا تقسطوا: أن لا تعدلوا. مثنى وثلاث ورباع: أي اثنتين أو ثلاث، أو أربع إذا لا تحل الزيادة على الأربع. أدنى أن لا تعولوا: أقرب أن لا تجوروا بترك العدل بين الزوجات. صدقاتهن نحلة: جمع صدقة وهي الصداق والمهر، ونحلة بمعنى فريضة واجبة. هنيئاً: الهنيء: ما يستلذ به عند أكله. مريئاً: المريء: ما تحسن عاقبته بأن لا يعقب آثاراً سيئة. معنى الآيات: لما أمر تعالى بصلة الأرحام وحرم قطعها في الآية السابقة أمر في هذه الآية أوصياء اليتامى أن يعطوا اليتامى أموالهم إذا هم بلغوا سن الرشد وآنسوا منهم الرشد فقال تعالى وآتوا اليتامى أموالهم. ونهاهم محرماً عليهم أن يستبدلوا أموال اليتامى الجيدة بأموالهم الرديئة فقال تعالى: ولا تتبدلوا الخبيث أي الرديء من أموالكم بالطيب من أموالهم، لما في ذلك من أذية اليتيم في ماله، ونهاهم أيضا أن يأكلوا أمول يتاماهم مخلوطة مع أموالهم لما في ذلك من أكل مال اليتيم بغير حق فقال تعالى: ولا تأكلوا أمولهم إلى أموالكم، وعلل ذلك بأنه إثم عظيم فقال عز وجل: إنه - أي الأكل - كان حوباً كبيراً. والحوب الإِثم. هذا معنى الآية الأولى [2] {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} وأما الآية الثانية [3] فقد أرشد الله تعالى أولياء اليتيمات إن هم خافوا أن لا يعدلوا معهن إذا تزوج أحدهم وليته أرشدهم إلى أن يتزوجوا ما طالب لهم من النساء غير ولياتهم مثنى، وثلاث ورباع، يريد اثنتين اثنتين أو ثلاث ثلاث أو أربع أربع كل بحسب قدرته، فهذا خير من الزواج بالولية فيهضم حقها وحقها آكد لقرابتها. هذا معنى قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ}. وقوله {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ} يريد تعالى وإن خاف المؤمن ألا يعدل بين زوجاته لضعفه فليكتف بواحدة ولا يزد عليها غيرها أو يتسرّى بمملوكته إن كان له مملوكة فإن هذا أقرب إلى أن لا يجوز المؤمن ويظلم نساءه. هذا معنى قوله تعالى {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ}. وفي الآية الثالثة والأخيرة يأمر تعالى المؤمنين بأن يعطوا النساء مهورهن فريضة منه تعالى فرضها على الرجل لامرأته، فلا يحل له ولا لغيره أن يأخذ منها شيئاً إلا برضى الزوجة فإن هي رضيت فلا حرج في الأكل من الصداق لقوله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئا. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- كل مال حرام فهو خبيث وكل حلال فهو طيب. 2- لا يحل للرجل أن يستبدل جيدا من مال يتيمه بمال رديء من ماله كأن يأخذ شاة سمينة ويعطيه هزيلة أو يأخذ تمراً جيداً ويعطيه رديئاً خسيساً. 3- لا يحل خلط مال اليتيم مع مال الوصي ويؤكلان جميعا لما في ذلك من أكل مال اليتيم ظلما. 4- جواز نكاح أكثر من واحدة إلى أربع مع الأمن من الحيف والجور. 5- وجوب مهور النساء وحرمة الأكل منها بغير طيب نفس صاحبة المهر وسواء في ذلك الزوج وهو المقصود في الآية أو الأب والأقارب.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَآتُواْ} {ٱلْيَتَامَىٰ} {أَمْوَالَهُمْ} {ٰ أَمْوَالِكُمْ} (2) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى الأَوْصِيَاءَ والأَوْلِيَاءَ عَلَى الأيْتَامِ بِأنْ يُحَافِظُوا عَلَى أمْوَالِ الأيْتَامِ، وَأنْ لاَ يَتَعَرَّضُوا لَهَا بِسُوءٍ، وَبِأنْ يَدْفَعُوا إلى الأيْتَامِ أمْوَالَهُمْ كَامِلَةً إذا بَلَغُوا سِنَّ الرُّشْدِ، كَمَا يَنْهَاهُمْ عَنْ أنَ يَتَبَدَّلُوا الأمْوَالَ الحَرَامَ مِنْ أمْوَالِ اليَتَامَى، بِالحَلاَلِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَيَقُولُ لَهُمْ: لاَ تَخْلِطُوا أمْوَال اليَتَامَى بأَمْوَالِكُمْ حَتَّى لاَ يَبْقَى بِإِمْكَانِكمُ التَّفْرِيقَ بَيْنَهَا وَتَأْكُلُوهَا جَمِيعاً. وَلاَ تُعْطُوا اليَتِيْمَ شَاةً مَهْزُولَةً وَتَأْخُذُوا شَاةً سَمِينَةً، لأنَّ فِعْلَ ذَلِكَ إِثْمٌ كَبِيرٌ، وَذَنْبٌ عَظِيمٌ فَاجْتَنِبُوهُ. اليَتِيمُ - مَنْ مَاتَ أَبُوهُ وَلَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ. الخَبِيثَ - الحَرَامَ. الطَّيبُ - الحَلاَلُ. الحُوبُ - الذَّنْبُ العَظِيمُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكيف نؤتي اليتيم ماله وهو لم يبلغ مبلغ الرجال بعد، ونخشى أن نعطيه المال فيضيعـه؟ انظر إلى دقة العبارة في قوله من بعد ذلك: {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ..} تفسير : [النساء: 6]. وقبل ذلك ماذا نفعل؟ هل ندفع لهم الأموال؟ الحق يوضح أنك ساعة تكون ولياً على مال اليتيم فاحرص جيداً أن تعطي هذا اليتيم ماله كاملاً بعد أن يستكمل نضجه كاملاً، فأنت حفيظ على هذا المال، وإياك أن تخلط مالك بماله أو تتبدل منه، أي تأخذ الجميل والثمين من عنده وتعطيه من مالك الأقل جمالاً أو فائدة. إذن فقوله: {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ..} [النساء: 2] أي أن الله جعل المال لليتيم ولم يجعل للقيِّم عليه أن يتصرف في هذا المال إلا تصرف صيانة، وأيضاً هنا ملحظ آخر هو ما شرحه لنا {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ..} تفسير : [النساء: 6] فهناك أناس يريدون أن يطيلوا زمن الوصاية على اليتيم، لكي ينتفع الواحد منهم بهذا المال فيوضح سبحانه: لا تنتظر إلى أن يبلغ الرشد ثم تقول ننظره، لا. أنت تدربه بالتجربة في بعض التصرفات وتنظر أسيحسن التصرف أم لا؟ إن قول الحق {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ ..} تفسير : [النساء: 6] أي اختبروهم، هل يستطيعون أن يقوموا بمصالحهم وحدهم؟ فإن استطاعوا فاطمئنوا إلى أنهم ساعة يصلون إلى حد الحلم سيحسنون التصرف، أعطوهم أموالهم بعد التجربة؛ لأن اليتيم يعيش في قصور عمري، وهو سبحانه يفرق بين اليتيم والسفيه، فالسفيه لا يعاني من قصور عمري بل من قصور عقلي، وعندما تكلم سبحانه عن هذه المسألة قال: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ..} تفسير : [النساء: 5]. فهل هي أموالكم؟ لا. فحين يكون المرء سفيها فاعلم أنه لا إدارة له على ملكه، وتنتقل إدارة الملكية إلى مَنْ يتصرف في المال تصرفاً حكيماً، فاحرص على أن تدير مال السفيه كأنه مالك؛ لأنه ليس له قدرة على حسن التصرف. لكن لما يبلغ اليتيم إلى مرحلة الباءة والنكاح والرشد يقول الحق: {أية : فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ..} تفسير : [النساء: 6]. إنه سبحانه يقول مرة في الوصاية: {أية : أَمْوَالَكُمُ ..} تفسير : [النساء: 5] وفي العطاء يقول: {أية : أَمْوَالَهُمْ ..} تفسير : [النساء: 6] إذن فهو يريد ألا تبدد المال، ثم يوضح. احرص على ثروة اليتيم أو السفيه وكأنها مالك، لأنه ما دام سفيهاً فمسئولية الولاية مطلوبة منك، والمال ليس ملكاً لك. خذ منه ما يقابل إدارة المال وقت السفه أو اليتم، وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليعلم القائمين على أمر اليتامى أو على أمر السفهاء الذين لا يحسنون إدارة أموالهم فيقول: {أية : وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا ..} تفسير : [ النساء: 5]. اجعلوا الرّزق مما يخرج منها، وإياكم أن تبقوها عندكم، وإلا فما قيمة ولايتك ووصايتك وقيامك على أمر السفيه أو اليتيم؟ إنك تثمر له المال لا أن تأكله أو لا تحسن التصرف فيه بحيث ينقص كل يوم، لا. {أية : وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا ..} تفسير : [النساء: 5]، و"في" هنا للسببية، أي ارزقوهم بسببها، ارزقوهم رزقاً خارجاً منها. {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ..} [النساء: 2] والخبيث هو الحرام والطيب هو الحلال، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، فقد يكون ضمن مال اليتيم شيء جميل، فيأخذه الوصي لنفسه ويستبدله بمثلٍ له قبيح، مثال ذلك، أن يكون ضمن مال اليتيم فرس جميل، وعند الوصي فرس قبيح فيأخذه ويقول: فرس بفرس، أو جاموسة مكان جاموسة، ؟ أو نخلة طيبة بنخلة لا تثمر، هنا يقول الحق: {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ..} [النساء: 2]. وقوله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ..} يعني إياكم ألا تجعلوا فرقاً بين أموالهم وأموالكم فتأكلوا هذه مع تلك، بل فرقوا بين أكل أموالكم والحفاظ على أموالهم لماذا؟ تأتي الإجابة: {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} [النساء: 2] أي إثماً فظيعاً. ثم يتنقل الحق إلى قضية أخرى يجتمع فيها ضعف اليتم، وضعف النوع: ضعف اليتم سواء أكان ذكراً أم أنثى، وإن كانت أنثى فالبلوى أشد؛ فهي قد اجتمع عليها ضعف اليتم وضعف النوع، طبعاً فاليتيمة عندما تكون تحت وصاية وليها، يجوز أن يقول: إنها تملك مالاً فلماذا لا أتزوجها لكي آخذ المال؟ وهذا يحدث كثيراً. ولذلك يقول الحق سبحانه: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ} فالخَبيثُ: الحَرَامُ والطَّيبُ الحَلالُ. وقوله تعالى: {كَانَ حُوباً كَبِيراً} معناهُ إِثمٌ كَبيرٌ. ويقالُ حُوَبَاً وَحَوَباً.

الأندلسي

تفسير : {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} قيل نزلت في رجل غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال فمنعه. واليتيم اسم لمن كان قبل البلوغ ويشترك في جمعه الذكور والإِناث والظاهر أن قوله: وآتوا، هو أمر لمن له ولاية على اليتامى والمعنى والله أعلم أنهم إذا كانوا غير رشداء كان معنى الإِيتاء إيصال ما يكفيهم من أقوالهم فمن بلغ منهم رشيداً كان إيتاؤه ماله واجباً. {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ} كان بعضهم يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالهزيلة من ماله، والدرهم الطيب بالدرهم الزيف من ماله، فنهوا عن ذلك. {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ} هذا من باب التضمين ضمن تأكلوا معنى تضمّوا بالأكل فلذلك عدّاه بإِلى ودلّ قوله: إلى أموالكم ان المخاطبين أغنياء ذوو أموال وقد جاء ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف. والضمير في: {إِنَّهُ} عائد على فعل المنهي عنه من التبديل والأكل. {كَانَ حُوباً} الحوب: الاثم، يقال: حاب يحوب حوباً وحوباً وحابا وحؤوبا وحيابة. {وَإِنْ خِفْتُمْ} الآية. في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمال أوليائهم فيريدون أن يبخسوهن في المهر لمكان ولايتهم عليهن فقيل لهم: اقسطوا في مهورهن فمن خاف أن لا يسقط فليتزوج ما طاب له من الأجنبيات اللواتي يماكسن في حقوقهن ولما أمروا أن يؤتوا اليتامى كان في ذلك فريد اعتناء باليتامى واحتراز من ظلمهن فخوطب أولياء يتامى النساء أو الناس بقوله: وإن خفتم أن لا تقسطوا، والخوف هنا على بابه وهو الحذر، ومعنى في اليتامى في نكاح اليتامى وظاهره العموم كنّ بلّغا أو غير بلّغ، فإِن كان أريد به اليتيم الشرعي فينطلق على الصغيرات اللاتي لم يبلغن وقد منع من نكاحهن ابن شبرمة والأصم، وإن كان المراد به اليتيم اللغوي فيندرج فيه البالغات، والبالغة يجوز تزويجها بدون مهر المثل إذا رضيت فأي معنى للعدول إلى نكاح غيرها. والجواب أن العدول إنما كان لأن الولي يستضعفها ويستولي على مالها وهي لا تقدر على مقاومته. {فَٱنكِحُواْ} أمر إباحة. {مَا طَابَ} ما هنا واقعة على النوع أي النوع الذي طاب لكم، ومن قال: ان ما هنا تقع على آحاد من يعقل جوّز ذلك هنا، وكانت ما هنا مثل من ولما كان قوله: ما طاب. {لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} عاماً في الاعداد كلها خصّ ذلك بقوله: {مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ} وظاهر هذا التخصيص تقسيم المنكوحات إلى أن لنا أن نتزوج اثنتين اثنتين وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً ولا يجوز لنا أن نتزوج خمساً خمساً ولا ما بعد ذلك من الأعداد، ولا يسوغ دخول أو هنا مكان الواو لأنه كان يصير المعنى أنهم لا ينكحون كلهم إلا على أحد أنواع العدد المذكور وليس لهم أن يجعلوا بعضه على تثنية وبعضه على تثليث وبعضه على تربيع لأن أو لأحد الشيئين أو الأشياء والواو تدل على مطلق الجمع فيأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها على طريق الجمع إن شاؤا مختلفين في تلك الأعداد وإن شاؤا متفقين فيها محظوراً عليهم ما زاد. وقرىء ثنى مقصوراً وثلث وربع على وزن فعل ممنوع الصرف. قال الزمخشري: إنما منعت الصرف لما فيها من العدلين عدلها عن صيغتها وعدلها عن تكررها وهي نكرات يعرّفن بلام التعريف. يقال فلان: ينكح المثنى والثلاث والرباع. "انتهى". وما ذهب إليه من أن اقتناعها الصرف لما فيها من العدلين إلى آخره لا أعلم أحداً ذهب إليه بل المذاهب المنقولة في علة منع الصرف أربعة: أحدها قول سيبويه والخليل وأبي عمرو وهو العدل والوصف. والثاني: قول الفراء انها منعت للعدل والتعريف بنية الألف واللام فهي ممتنعة الاضافة لنية الألف واللام ومنع ظهور الألف واللام كونها في نية الاضافة. الثالث: ما نقل عن الزجاج وهو أنها معدولة عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة وأنه عدل عن التأنيث. الرابع: ما نقله أبو الحسن عن بعض النحويين أن العلة المانعة من الصرف هي تكرار العدل فيه لأنه عدل عن لفظ اثنين وعدل عن معناه وذلك أنه لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الاعداد غير المعدولة. تقول: جاءني اثنان وثلاثة ولا يجوز جاءني مثنى وثلاث حتى يتقدم قلبه. جمع لأن هذا الباب جعل بياناً لترتيب الفعل فإِذا قال: جاءني القوم مثنى أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين فاما الاعداد غير المعدولة فإِنما الغرض منها الاخبار عن مقدار المعدود دون غيره فقد بان بما ذكرنا اختلافهما في المعنى فلذلك جاز أن تقوم العلة مقام العلتين لإِيجابهما حكمين مختلفين. "انتهى" ما قرر به هذا المذهب. والزمخشري لم يسلك شيئاً من هذه العلل المنقولة فإِن كان تقدمه سلف ممن قال ذلك فيكون قد تبعه والا فيكون ممن انفرد بمقالته. وأما قوله: يعرّفن بلام التعريف يقال: فلان ينكح المثنى والثلاث والرباع فهو معترض من وجهين، أحدهما: زعمه انها تعرف بلام التعريف وهذا لم يذهب إليه أحد بل لم تستعمل في لسان العرب إلا نكرات، والثاني: انه قد مثّل بها وقيد وليت العوامل في قوله: فلا ينكح المثنى والثلاث والرباع ولا تلى العوامل إنما يتقدمها ما يلي العوامل ولا تقع إلا خبراً، كما جاء: صلاة الليل مثنى مثنى أو حالاً نحو ما طاب لكم من النساء مثنى، أو صفة نحو: أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع. وقوله: وبات يبغي الناس مثنى وموحد. وقد تجيء مضافة قليلاً نحو قوله: بمثنى الزقاق المنزعات وبالجزر. وقد ذكر بعضهم انها تلي العوامل على قلة. وقد يستبدل له بقول الشاعر: شعر : ضربت خماس ضربة عبشمي تفسير : أدار سداس أن لا يستقيما. ومن أحكام هذا المعدول أنه لا يؤنث فلا يقال: مثناة، ولا ثلاثة، ولا رباعة، بل يجري بغير تاء على المذكر والمؤنث. {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} في نكاح اثنتين أو ثلاث أو أربع. "فانكحوا واحدة أو ما ملكت أيمانكم" وهو عام غير مقيد بعدد. والمعنى أوطؤا ما ملكت أيمانكم. {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} أي أقرب أن لا تكثر عيالكم. ونقل ابن الاعرابي أنه يقال: عال الرجل واعال إذا كثر عياله، فلا التفات لمن رد على الشافعي رضي الله عنه في قوله: تعولوا، معناه تعيلوا أي تكثر عيالكم. صدقاتهن والصدقة: المهر على وزن سمرة وقد تسكن الدال ويقال: صدقة على وزن غرفة وقد تضم الدال والنحلة العطية عن طيب نفس والنحلة السرعة. {وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ} أمر للأزواج بإِعطائهم مهور نسائهم عن طيب قلب. والضمير في "منه" عائد على المهر المفهوم من قوله: صدقاتهن، وانتصب نفساً على التمييز وهو مفرد أريد به الجمع ويجوز جمعه في غير القرآن تقول: الهندات طبن نفساً وطبن أنفساً. {فَكُلُوهُ} أي استمتعوا به بأكل وغيره. {هَنِيئاً مَّرِيئاً} يقال: هنؤ الطعام ومَرُءَ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه. ويقال: هنا يهنا بغير همز وهنأني الطعام ومرأني، فإِذا لم تذكر هنأني قلت: امرأني رباعياً واستعمل مع هنأني ثلاثياً للاتباع وانتصاب هنيئاً على أنه نعت لمصدر محذوف أي فكلوه أكلاً هنيئاً أو على أنه حال من ضمير المفعول هكذا أعربه الزمخشري وهو قول مخالف لأئمة العربية لأنه عند سيبويه وغيره منصوب بإِضمار فعل لا يجوز إظهاره وقد ذكرنا في النحو في المفردات نص سيبويه على ذلك. فعلى ما قاله أئمة العربية يكون هنيئاً مريئاً من جملة أخرى غير قوله فكلوه، ولا تعلق له من حيث الاعراب بل من حيث المعنى. وقال: كثير عزة هنيئاً مريئاً غير داء مخامر لعزة من اعراضنا ما استحلت. وقد أمعنا الكلام على هذه المسألة في البحر وانتصب مريئاً على أنه صفة لقوله: هنيئاً، وبه قال الحوفي، أو على أنه منصوب بما انتصب به هنيئاً فالتقدير ثبت مريئاً، قاله الفارسي.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وقوله تعالى: { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } هذا أول ما أوصى به من حقوق الخلق في هذه السورة. وهم اليتامى الذين فقدوا آباءهم الكافلين لهم، وهم صغار ضعاف لا يقومون بمصالحهم. فأمر الرءوف الرحيم عباده أن يحسنوا إليهم، وأن لا يقربوا أموالهم إلا بالتي هي أحسن، وأن يؤتوهم أموالهم إذا بلغوا ورشدوا، كاملة موفرة، وأن لا { تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ } الذي هو أكل مال اليتيم بغير حق. { بِالطَّيِّبِ } وهو الحلال الذي ما فيه حرج ولا تبعة. { وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } أي: مع أموالكم، ففيه تنبيه لقبح أكل مالهم بهذه الحالة، التي قد استغنى بها الإنسان بما جعل الله له من الرزق في ماله. فمن تجرأ على هذه الحالة، فقد أتى { حُوبًا كَبِيرًا } أي: إثمًا عظيمًا، ووزرًا جسيمًا. ومن استبدال الخبيث بالطيب أن يأخذ الولي من مال اليتيم النفيس، ويجعل بدله من ماله الخسيس. وفيه الولاية على اليتيم، لأن مِنْ لازم إيتاء اليتيم ماله، ثبوت ولاية المؤتي على ماله. وفيه الأمر بإصلاح مال اليتيم، لأن تمام إيتائه ماله حفظه والقيام به بما يصلحه وينميه وعدم تعريضه للمخاوف والأخطار.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 179 : 5 : 43 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ} قال، الحلال بالحرام. [الآية 2]. 180 : 6 : 45 - سفين عن أبي سنان عن الضحاك {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ} قال، كان أحدهم يعطي الدراهم الغش، ويأخذ الدراهم الجيد. 181 : 7 : 46 - سفين عن السدي قال: كانوا يعطون الشاة المهزولة، ويأخذون السمينة. 182 : 8 : 2 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} قال، الحلال مع الحرام. [الآية 2].

همام الصنعاني

تفسير : 502- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة قال: بلغني أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : اتقوا الله، وصِلُوا الأرحام . تفسير : 503- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً}: [الآية: 2]، قال: إثماً.