Verse. 496 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَاِنْ خِفْتُمْ اَلَّا تُقْسِطُوْا فِي الْيَتٰمٰى فَانْكِحُوْا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاۗءِ مَثْنٰى وَثُلٰثَ وَرُبٰعَ۝۰ۚ فَاِنْ خِفْتُمْ اَلَّا تَعْدِلُوْا فَوَاحِدَۃً اَوْ مَا مَلَكَتْ اَيْمَانُكُمْ۝۰ۭ ذٰلِكَ اَدْنٰۗى اَلَّا تَعُوْلُوْا۝۳ۭ
Wain khiftum alla tuqsitoo fee alyatama fainkihoo ma taba lakum mina alnnisai mathna wathulatha warubaAAa fain khiftum alla taAAdiloo fawahidatan aw ma malakat aymanukum thalika adna alla taAAooloo

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن خفتم أ» ن «لا تُقسطوا» تعدلوا «في اليتامى» فتحرجتم من أمرهم فخافوا أيضا أن لا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن «فانكحوا» تزوجوا «ما» بمعنى من «طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع» أي اثنتين وثلاثا وأربعا ولا تزيدوا على ذلك «فإن خفتم أ» ن «لا تعدلوا» فيهن بالنفقة والقسم؟ «فواحدةّ» انكحوها «أو» اقتصروا على «ما ملكت أيمانكم» من الإماء إذ ليس لهن من الحقوق ما للزوجات «ذلك» أي نكاح الأربع فقط أو الواحدة أو التسرَّي «أدنى» أقرب إلى «ألا تعولوا» تجوروا.

3

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا من النوع الثاني من الأحكام التي ذكرها في هذه السورة وهو حكم الأنكحة وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: الأقساط العدل، يقال أقسط الرجل إذا عدل، قال الله تعالى: {أية : وَأَقْسِطُواْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ }تفسير : [الحجرات: 9] والقسط العدل والنصفة، قال تعالى: {أية : كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ } تفسير : [النساء: 135] قال الزجاج: وأصل قسط وأقسط جميعا من القسط وهو النصيب، فاذا قالوا: قسط بمعنى جار أرادوا أنه ظلم صاحبه في قسطه الذي يصيبه، ألا ترى أنهم قالوا: قاسطته إذا غلبته على قسطه، فبنى قسط على بناء ظلم وجار وغلب، وإذا قالوا أقسط فالمراد أنه صار ذا قسط عدل، فبنى على بناء أنصف إذا أتى بالنصف والعدل في قوله وفعله وقسمه. المسألة الثانية: اعلم أن قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ } شرط وقوله: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } جزاء، ولا بد من بيان أنه كيف يتعلق هذا الجزاء بهذا الشرط، وللمفسرين فيه وجوه: الأول: روي عن عروة أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ } فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها، إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها، فقال تعالى: «وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء، قالت عائشة رضي الله عنها: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله تعالى: {أية : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاء قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء }تفسير : [النساء: 127] قالت: وقوله تعالى: {أية : وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 127] المراد منه هذه الآية وهي قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ }. الوجه الثاني: في تأويل الآية: انه لما نزلت الآية المتقدمة في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير، خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الاقساط في حقوق اليتامى، فتحرجوا من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج وأكثر، فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن، فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها، فكونوا خائفين من ترك العدل من النساء، فقالوا عدد المنكوحات، لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب لمثله فكأنه غير متحرج. الوجه الثالث: في التأويل: أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات. الوجه الرابع: في التأويل: ما روي عن عكرمة أنه قال: كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام، فاذا أنفق مال نفسه على النسوة ولم يبق له مال وصار محتاجا، أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن فقال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ } عند كثرة الزوجات فقد حظرت عليكم أن لا تنكحوا أكثر من أربع كي يزول هذا الخوف، فان خفتم في الأربع أيضاً فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع، والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما، فكأنه تعالى قال: فان خفتم من الأربع فثلاث، فان خفتم فاثنتان، فان خفتم فواحدة، وهذا القول أقرب، فكأنه تعالى خوف من الاكثار من النكاح بما عساه يقع من الولي من التعدي في مال اليتيم للحاجة الى الانفاق الكثير عند التزوج بالعدد الكثير. أما قوله تعالى: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تَعْدِلُواْ فَوٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن لا تَعُولُواْ }. ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أصحاب الظاهر: النكاح واجب وتمسكوا بهذه الآية، وذلك لأن قوله {فَٱنكِحُواْ } أمر، وظاهر الأمر للوجوب، وتمسك الشافعي في بيان انه ليس بواجب بقوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم} تفسير : [النساء: 25] الى قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } فحكم تعالى بأن ترك النكاح في هذه الصورة خير من فعله، وذلك يدل على أنه ليس بمندوب، فضلا عن أن يقال إنه واجب. المسألة الثانية: إنما قال: {مَا طَابَ } ولم يقل: من طاب لوجوه: أحدها: أنه أراد به الجنس تقول: ما عندك؟ فيقول رجل أو امرأة، والمعنى ما ذلك الشيء الذي عندك، وما تلك الحقيقة التي عندك، وثانيها: أن (ما) مع ما بعده في تقدير المصدر، وتقديره: فانكحوا الطيب من النساء، وثالثها: ان «ما» و«من» ربما يتعاقبان. قال تعالى: {أية : وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا } تفسير : [الشمس: 5] وقال: {أية : وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } تفسير : [الكافرون: 2] وحكى أبو عمرو بن العلاء: سبحان ما سبح له الرعد، وقال: {أية : فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِ} تفسير : [النور: 45] ورابعها: إنما ذكر «ما» تنزيلا للاناث منزلة غير العقلاء. ومنه: قوله: {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } تفسير : [المعارج: 30]. المسألة الثالثة: قال الواحدي وصاحب «الكشاف»: قوله {مَا طَابَ لَكُمْ } أي ما حل لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها، وهي الأنواع المذكورة في قوله: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَـٰتُكُمْ } تفسير : [النساء: 23] وهذا عندي فيه نظر، وذلك لأنا بينا أن قوله: {فَٱنكِحُواْ } أمر إباحة. فلو كان المراد بقوله: {مَا طَابَ لَكُمْ } أي ما حل لكم لنزلت الآية منزلة ما يقال: أبحنا لكم نكاح من يكون نكاحها مباحا لكم: وذلك يخرج الآية عن الفائدة، وأيضاً فبتقدير أن تحمل الآية على ما ذكروه تصير الآية مجملة، لأن أسباب الحل والاباحة لما لم تكن مذكورة في هذه الآية صارت الآية مجملة لا محالة، أما إذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب، كانت الآية عاما دخله التخصيص. وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين الاجمال والتخصيص كان رفع الاجمال أولى، لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلا. المسألة الرابعة: {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ } معناه: اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، وهو غير منصرف وفيه وجهان: الأول: أنه اجتمع فيها أمران: العدل والوصف، أما العدل فلأن العدل عبارة عن أنك تذكر كلمة وتريد بها كلمة أخرى، كما تقول: عمر وزفر وتريد به عامراً وزافرا، فكذا ههنا تريد بقولك: مثنى: ثنتين ثنتين فكان معدولا، وأما أنه وصف، فدليله قوله تعالى: {أية : أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ } تفسير : [فاطر: 1] ولا شك أنه وصف. الوجه الثاني: في بيان أن هذه الأسماء غير منصرفة أن فيها عدلين لأنها معدولة عن أصولها كما بيناه، وأيضا انها معدولة عن تكررها فانك لا تريد بقولك: مثنى ثنتين فقط، بل ثنتين ثنتين، فاذا قلت: جاءني اثنان أو ثلاثة كان غرضك الاخبار عن مجيء هذا العدد فقط، أما إذا قلت: جاءني القوم مثنى أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين، فثبت أنه حصل في هذه الألفاظ نوعان من العدد فوجب أن يمنع من الصرف، وذلك لأنه إذا اجتمع في الاسم سببان أوجب ذلك منع الصرف، لأنه يصير لأجل ذلك نائبا من جهتين فيصير مشابها للفعل فيمتنع صرفه، وكذا إذا حصل فيه العدل من جهتين فوجب أن يمنع صرفه والله أعلم. المسألة الخامسة: قال أهل التحقيق: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } لا يتناول العبيد وذلك لأن الخطاب إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها، والعبد ليس كذلك بدليل أنه لا يتمكن من النكاح إلا باذن مولاه، ويدل عليه القرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْء } تفسير : [النحل: 75] فقوله: {لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْء } ينفي كونه مستقلا بالنكاح، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر»تفسير : فثبت بما ذكرناه أن هذه الآية لا يندرج فيها العبد. إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: ذهب أكثر الفقهاء إلى أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد، وقال مالك: يحل للعبد أن يتزوج بالأربع وتمسك بظاهر هذه الآية. والجواب الذي يعتمد عليه: أن الشافعي احتج على أن هذه الآية مختصة بالأحرار بوجهين آخرين سوى ما ذكرناه: الأول: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تَعْدِلُواْ فَوٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } وهذا لا يكون إلا للأحرار، والثاني: أنه تعالى قال: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } تفسير : [النساء: 4] والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر، بل يكون لسيده قال مالك: إذا ورد عمومان مستقلان، فدخول التقييد في الأخير لا يوجب دخوله في السابق. أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن هذه الخطابات في هذه الآيات وردت متوالية على نسق واحد فلما عرف في بعضها اختصاصها بالأحرار عرف أن الكل كذلك، ومن الفقهاء من علم أن ظاهر هذه الآية متناول للعبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس، قالوا: أجمعنا على أن للرق تأثيراً في نقصان حقوق النكاح، كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر، والجواب الأول أولى وأقوى والله أعلم. المسألة السادسة: ذهب قوم سدى إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد، واحتجوا بالقرآن والخبر، أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه: الأول: أن قوله: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } إطلاق في جميع الأعداد بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلا. والثاني: أن قوله: {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ } لا يصلح تخصيصا لذلك العموم، لأن تخصيص بعض الاعداد بالذكر لا ينفي ثبوت الحكم في الباقي، بل نقول: ان ذكر هذه الأعداد يدل على رفع الحرج والحجر مطلقا، فان الانسان إذا قال لولده: افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدينة وإلى البستان، كان تنصيصا في تفويض زمام الخيرة اليه مطلقاً، ورفع الحجر والحرج عنه مطلقاً، ولا يكون ذلك تخصيصاً للاذن بتلك الأشياء المذكورة، بل كان إذنا في المذكور وغيره فكذا ههنا، وأيضاً فذكر جميع الأعداد متعذر، فاذا ذكر بعض الأعداد بعد قوله: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } كان ذلك تنبيها على حصول الاذن في جميع الأعداد. والثالث: أن الواو للجمع المطلق فقوله: {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ } يفيد حل هذا المجموع، وهو يفيد تسعة، بل الحق أنه يفيد ثمانية عشر، لان قوله: مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط، بل عن اثنين اثنين وكذا القول في البقية. وأما الخبر فمن وجهين: الأول: أنه ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات عن تسع، ثم ان الله تعالى أمرنا باتباعه فقال: {فَٱتَّبَعُوهُ } وأقل مراتب الأمر الاباحة. الثاني: أن سنة الرجل طريقته، وكان التزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام، فكان ذلك سنة له، ثم انه عليه السلام قال: «حديث : فمن رغب عن سنتي فليس مني» تفسير : فظاهر هذا الحديث يقتضي توجه اللوم على من ترك التزوج بأكثر من الأربعة، فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز. واعلم أن معتمد الفقهاء في إثبات الحصر على أمرين: الأول: الخبر، وهو ما روي ان غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أمسك أربعا وفارق باقيهن، وروي ان نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال عليه السلام: «حديث : أمسك أربعا وفارق واحدة» تفسير : واعلم أن هذا الطريق ضعيف لوجهين: الأول: أن القرآن لما دل على عدم الحصر بهذا الخبر كان ذلك نسخا للقرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز. والثاني: وهو أن الخبر واقعة حال، فلعله عليه الصلاة والسلام إنما أمره بامساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع بين الأربعة وبين البواقي غير جائز، إما بسبب النسب، أو بسبب الرضاع، وبالجملة فلهذا الاحتمال قائم في هذا الخبر فلا يمكن نسخ القرآن بمثله. الطريق الثاني: وهو إجماع فقهاء الامصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع وهذا هو المعتمد، وفيه سؤالان: الأول: أن الاجماع لا ينسخ ولا ينسخ، فكيف يقال: الاجماع نسخ هذه الآية. الثاني: أن في الأمة أقواما شذاذا لا يقولون بحرمة الزيادة على الأربع، والاجماع مع مخالفة الواحد والاثنين لا ينعقد. والجواب عن الأول: الاجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن الثاني، أن مخالف هذا الاجماع من أهل البدعة فلا عبرة بمخالفته. فان قيل: فاذا كان الأمر على ما قلتم فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال: مثنى أو ثلاث أو رباع، فلم جاء بواو العطف دون «أو»؟ قلنا: لو جاء بكلمة «أو» لكان ذلك يقتضي أنه لا يجوز ذلك الا على أحد هذه الأقسام، وأنه لا يجوز لهم أن يجمعوا بين هذه الأقسام، بمعنى أن بعضهم يأتي بالتثنية، والبعض الآخر بالتثليث والفريق الثالث بالتربيع، فلما ذكره بحرف الواو أفاد ذلك أنه يجوز لكل طائفة أن يختاروا قسما من هذه الأقسام، ونظيره أن يقول الرجل للجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف، درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، والمراد أنه يجوز لبعضهم أن يأخذ درهمين درهمين، ولبعض آخرين أن يأخذوا ثلاثة ثلاثة، ولطائفة ثالثة أن يأخذوا أربعة أربعة، فكذا ههنا الفائدة في ترك «أو» وذكر الواو ما ذكرناه والله أعلم. المسألة السابعة: قوله: {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ } محله النصب على الحال مما طاب، تقديره: فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد، ثنتين ثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا. قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ }. وفيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى: فان خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها، فاكتفوا بزوجة واحدة أو بالمملوكة، سوى في السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الاماء من غير حصر، ولعمري إنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر، لا عليك أكثرت منهم أم أقللت، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل، عزلت عنهن أم لم تعزل. المسألة الثانية: قرىء {فَوٰحِدَةً } بنصب التاء والمعنى: فالتزموا أو فاختاروا واحدة وذروا الجمع رأسا، فان الأمر كله يدور مع العدل، فأينما وجدتم العدل فعليكم به، وقرىء {فَوٰحِدَةً } بالرفع والتقدير: فكفت واحدة، أو فحسبكم واحدة أو ما ملكت أيمانكم. المسألة الثالثة: للشافعي رحمه الله أن يحتج بهذه الآية في بيان الاشتغال بنوافل العبادات أفضل من النكاح، وذلك لأن الله تعالى خير في هذه الآية بين التزوج بالواحدة وبين التسري، والتخيير بين الشيئين مشعر بالمساواة بينهما في الحكمة المطلوبة، كما اذا قال الطبيب: كل التفاح أو الرمان، فان ذلك يشعر بكون كل واحد منهما قائما مقام الآخر في تمام الغرض، وكما أن الآية دلت على هذه التسوية، فكذلك العقل يدل عليها، لأن المقصود هو السكن والازدواج وتحصين الدين ومصالح البيت، وكل ذلك حاصل بالطريقين، وأيضاً إن فرضنا الكلام فيما اذا كانت المرأة مملوكة ثم أعتقها وتزوج بها، فههنا يظهر جدا حصول الاستواء بين التزوج وبين التسري، واذا ثبت بهذه الآية ان التزوج والتسري متساويان. فنقول: أجمعنا على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري فوجب أن يكون أفضل من النكاح؛ لان الزائد على أحد المتساويين يكون زائد على المساوي الثاني لا محالة. ثم قال تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن لا تَعُولُواْ } وفيه مسألتان. المسألة الأولى: المراد من الادنى ههنا الاقرب، والتقدير: ذلك أقرب من أن لا تعولوا وحسن حذف «من» لدلالة الكلام عليه. المسألة الثانية: في تفسير {أَن لا تَعُولُواْ } وجوه: الأول: معناه: لا تجوروا ولا تميلوا، وهذا هو المختار عند أكثر المفسرين، وروي ذلك مرفوعا، روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ } قال: (لا تجوروا) وفي رواية أخرى «أن لا تميلوا» قال الواحدي رحمه الله: كلا اللفظين مروي، وأصل العول الميل يقال: عال الميزان عولا، اذا مال، وعال الحاكم في حكمه اذا جار، لانه اذا جار فقد مال. وأنشدوا لأبي طالب. بميزان قسط لا يغل شعيرة فصل ووزان صدق وزنه غير عائل وروي أن أعرابيا حكم عليه حاكم، فقال له: أتعول علي، ويقال: عالت الفريضة اذا زادت سهامها، وقد أعلتها أنا اذا ازدت في سهامها، ومعلوم أنها اذا زادت سهامها فقد مالت عن الاعتدال فدلت هذه الاشتقاقات على أن أصل هذا اللفظ الميل، ثم اختص بحسب العرف بالميل الى الجور والظلم. فهذا هو الكلام في تقرير هذا الوجه الذي ذهب اليه الأكثرون. الوجه الثاني: قال بعضهم: المراد أن لا تفتقروا، يقال: رجل عائل أي فقير، وذلك لأنه اذا قل عياله قلت نفقاته، واذا قلت نفقاته لم يفتقر. الوجه الثالث: نقل عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: {ذلك أدنى أن لا تعولوا} معناه: ذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: وقد خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا خلاف بين السلف وكل من روى تفسير هذه الآية: أن معناه: أن لا تميلوا ولا تجوروا، وثانيها: أنه خطأ في اللغة لأنه لو قيل: ذلك أدنى أن لا تعيلوا لكان ذلك مستقيما، فأما تفسير {تَعُولُواْ } بتعيلوا فانه خطأ في اللغة، وثالثها: أنه تعالى ذكر الزوجة الواحدة أو ملك اليمين والاماء في العيال بمنزلة النساء، ولا خلاف أن له أن يجمع من العدد من شاء بملك اليمين، فعلمنا أنه ليس المراد كثرة العيال. وزاد صاحب النظم في الطعن وجها رابعا، وهو أنه تعالى قال في أول الآية: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوٰحِدَةً } ولم يقل أن تفتقروا، فوجب أن يكون الجواب معطوفا على هذا الشرط، ولا يكون جوابه إلا بضد العدل، وذلك هو الجور لا كثرة العيال. وأنا أقول: أما السؤال الأول: فهو في غاية الركاكة وذلك أنه لم ينقل عن الشافعي رحمة الله عليه أنه طعن في قول المفسرين أن معنى الآية: أن لا تجوروا ولا تميلوا، ولكنه ذكر فيه وجها آخر، وقد ثبت في أصول الفقه أن المتقدمين اذا ذكروا وجها في تفسير الآية فذلك لا يمنع المتأخرين من استخراج وجه آخر في تفسيرها، ولولا جواز ذلك وإلا لصارت الدقائق التي استنبطها المتأخرون في تفسير كلام الله مردودة باطلة، ومعلوم أن ذلك لا يقوله إلا مقلد خلف، وأيضا: فمن الذي أخبر الرازي أن هذا الوجه الذي ذكره الشافعي لم يذكره واحد من الصحابة والتابعين، وكيف لا نقول ذلك، ومن المشهور أن طاوساً كان يقرأ: ذلك أدنى أن لا تعيلوا، واذا ثبت أن المتقدمين كانوا قد جعلوا هذا الوجه قراءة، فبأن يجعلوه تفسيرا كان أولى، فثبت بهذه الوجوه شدة جهل الرازي في هذا الطعن. وأما السؤال الثاني: فنقول: انك نقلت هذه اللفظة في اللغة عن المبرد، لكنك بجهلك وحرصك على الطعن في رؤساء المجتهدين والاعلام، وشدة بلادتك، ما عرفت ان هذا الطعن الذي ذكره المبرد فاسد، وبيان فساده من وجوه: الأول: أنه يقال: عالت المسألة اذا زادت سهامها وكثرة، وهذا المعنى قريب من الميل لانه اذا مال فقد كثرت جهات الرغبة وموجبات الارادة واذا كان كذلك كان معنى الآية: ذلك أدنى أن لا تكثروا، واذا لم تكثروا لم يقع الانسان في الجور والظلم لان مطية الجور والظلم هي الكثرة والمخالطة، وبهذا الطريق يرجع هذا التفسير الى قريب من التفسير الأول الذي اختاره الجمهور. الوجه الثاني: ان الانسان اذا قال: فلان طويل النجاد كثير الرماد، فاذا قيل له ما معناه؟ حسن أن يقال: معناه أنه طويل القامة كثير الضيافة، وليس المراد منه أن تفسير طويل النجاد هو أنه طويل القامة، بل المراد أن المقصود من ذلك الكلام هو هذا المعنى. وهذا الكلام تسميه علماء البيان التعبير عن الشيء بالكناية والتعريض، وحاصله يرجع الى حرف واحد وهو الاشارة الى الشيء بذكر لوازمه، فههنا كثرة العيال مستلزمة للميل والجور، والشافعي رضي الله عنه جعل كثرة العيال كناية عن الميل والجور، لما أن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور، فجعل هذا تفسيراً له لا على سبيل الكناية والاستلزام، وهذه طريقة مشهورة في كتاب الله، والشافعي لما كان محيطاً بوجوه أساليب المطابقة، بل على سبيل الكلام العربي استحسن ذكر هذا الكلام، فأما أبو بكر الرازي لما كان بليد الطبع بعيدا عن أساليب كلام العرب، لا جرم لم يعرف الوجه الحسن فيه. الوجه الثالث: ما ذكره صاحب «الكشاف» وهو أن هذا التفسير مأخوذ من قولك: عال الرجل عياله يعولهم. كقولهم: مانهم يمونهم اذا أنفق عليهم، لان من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب، فثبت بهذه الوجوه أن الذي ذكره إمام المسلمين الشافعي رضي الله عنه في غاية الحسن، وأن الطعن لا يصدر الا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة. وأما السؤال الثالث: وهو قوله: إن كثرة العيال لا تختلف بأن تكون المرأة زوجة أو مملوكة فجوابه من وجهين: الأول: ما ذكره القفال رضي الله عنه، وهو أن الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب، وإذا اكتسبن أنفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضا، وحينئذ تقل العيال أما اذا كانت المرأة حرة لم يكن الامر كذلك فظهر الفرق. الثاني: ان المرأة اذا كانت مملوكة فاذا عجز المولى عن الانفاق عليها باعها وتخلص منها، أما اذا كانت حرة فلا بد له من الانفاق عليها، والعرف يدل على أن الزوج ما دام يمسك الزوجة فانها لا تطالبه بالمهر، فاذا حاول طلاقها طالبته بالمهر فيقع الزوج في المحنة. وأما السؤال الرابع: وهو الذي ذكره الجرجاني صاحب النظم، فالجواب عنه من وجهين: الأول: ما ذكره القاضي وهو أن الوجه الذي ذكره الشافعي أرجح، لانه لو حمل على الجور لكان تكراراً لانه فهم ذلك من قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ } أما اذا حملناه على ما ذكره الشافعي لم يلزم التكرار فكان أولى. الثاني: أن نقول: هب أن الامر كما ذكرتم لكنا بينا أن التفسير الذي ذكره الشافعي راجع عند التحقيق الى ذكر التفسير الأول، لكن على سبيل الكناية والتعريض، واذا كان الامر كذلك فقد زال هذا السؤال، فهذا تمام البحث في هذا الموضع، وبالله التوفيق.

القرطبي

تفسير : فيها أربع عشرة مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ} شرط، وجوابه «فَانْكِحُوا». أي إن خفتم ألا تعدلوا في مهورهن وفي النفقة عليهن، {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ} أي غيرهن. وروى الأئمة واللفظ لمسلم عن عروة بن الزبير عن عائشة في قول الله تعالى {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} قالت: يا ابن أُختي هي اليتيمة تكون في حِجر وَلِيِّها تشاركه في ماله فيُعجِبُه مالُها وجمالُها فيريد ولِيُّها أن يتزوّجها من غير أن يُقسِط في صداقها فيُعطِيَها مثل ما يعطِيها غيره، فنُهوا أن ينكِحوهنّ إلاّ أن يُقسطوا لهن ويبلغُوا بهنّ أعلى سُنّتهن من الصّدَاق وأُمِروا أن يَنكِحوا ما طاب لهم من النساء سِواهنّ. وذكر الحديث. وقال ابن خُويْزِ مَنْدَادَ: ولهذا قلنا إنه يجوز أن يشتري الوصيّ من مال اليتيم لنفسه، ويبيع من نفسه من غير مُحَابَاة. وللموكل النظرُ فيما اشترى وكيلُه لنفسه أو باع منها. وللسلطان النظرُ فيما يفعله الوصيّ من ذلك. فأما الأب فليس لأحد عليه نظر ما لم تظهر عليه المحاباة فيعترض عليه السلطان حينئذ؛ وقد مضى في «البقرة» القول في هذا. وقال الضحاك والحسن وغيرهما: إن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أوّل الإسلام؛ من أن للرجل أن يتزوّج من الحرائر ما شاء، فقصرتهنّ الآية على أربع. وقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما: المعنى وإن خفتم ألا تُقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء؛ لأنهم كانوا يتحرّجون في اليتامى ولا يتحرّجون في النساء و «خِفْتُمْ» من الأضداد؛ فإنه يكون المخوف منه معلوم الوقوع، وقد يكون مظنوناً؛ فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف. فقال أبو عبيدة: «خِفْتُمْ» بمعنى أيقنتم. وقال آخرون: «خِفتم» ظننتم. قال ابن عطية: وهذا الذي ٱختاره الحُذّاق، وأنه على بابه من الظن لا من اليقين. التقدير من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة فليعدِل عنها. و «تقسِطوا» معناه تعدلوا. يقال: أقسط الرجل إذا عدل. وقَسَط إذا جار وظلم صاحبَه. قال الله تعالى: { أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } تفسير : [الجن: 15] يعني الجائرون. وقال عليه السلام: « حديث : المقسطون في الدين على منابر من نور يوم القيامة » تفسير : يعني العادلين. وقرأ ابن وَثّاب والنخعيّ «تَقْسِطُوا» بفتح التاء من قَسَط على تقدير زيادة «لا» كأنه قال: وإن خفتم أن تجوروا. الثانية ـ قوله تعالى: {فَٱنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} إن قيل: كيف جاءت {ما} للآدميِّين وإنما أصلها لما لا يعقِل؛ فعنه أجوبة خمسةٌ: الأوّل ـ أنّ {مَنْ} و «مَا» قد يتعاقبان؛ قال الله تعالى: { أية : وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا } تفسير : [الشمس: 5] أي ومَن بناها. وقال { أية : فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ منْ يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ } تفسير : [النور: 45]. فما هٰهنا لمن يعقل وهنّ النساء؛ لقوله بعد ذلك {مِنَ النِّسَاءِ} مبيِّناً لمبهَم. وقرأ ابن أبي عَبْلَة «مَنْ طَابَ» على ذكر مَن يعقل. الثاني: قال البصريون: «ما» تقع للنعوت كما تقع لِما لا يعقل يقال: ما عندك؟ فيقال: ظريف وكريم. فالمعنى فانكحوا الطيب من النساء؛ أي الحلال، وما حرمه الله فليس بطيّب. وفي التنزيل { أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 23] فأجابه موسى على وفق ما سأل؛ وسيأتي. الثالث: حكى بعض الناس أن {ما} في هذه الآية ظرفية، أي ما دمتم تستحسنون النكاح. قال ابن عطية: وفي هذا المنزع ضعف. جواب رابع ـ قال الفرّاء: {ما} هٰهنا مصدر. وقال النحاس: وهذا بعيد جداً؛ لا يصح فانكحوا الطيبة. قال الجوهري: طاب الشيء يَطِيب طيْبَة وتَطْيابا. قال علقمة: شعر : كأنّ تَطْيَابَها فِي الأنفِ مَشْمُومُ تفسير : جواب خامس: وهو أن المراد بما هنا العقد؛ أي فٱنكحوا نكاحاً طيباً. وقراءة ٱبن أبي عَبْلَة تردّ هذه الأقوال الثلاثة. وحكى أبو عمرو بن العلاء أن أهل مكة إذا سمعوا الرعد قالوا: سبحان ما سبّح له الرعد. أي سبحان مَن سبّح له الرعد. ومثله قولهم: سبحان ما سخركُن لنا. أي من سخركن. وٱتفق كل من يُعاني العلومَ على أن قوله تعالى {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} ليس له مفهوم؛ إذْ قد أجمع المسلمون على أنّ من لم يخَف القَسْطَ في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة: ٱثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً كمن خاف. فدَلّ على أن الآية نزلت جواباً لمن خاف ذلك، وأن حكمها أعم من ذلك. الثالثة ـ تعلق أبو حنيفة بهذه الآية في تجويزه نكاح اليتيمة قبل البلوغ. وقال: إنما تكون يتيمة قبل البلوغ، وبعد البلوغ هي امرأة مطلقَة لا يتيمة؛ بدليل أنه لو أراد البالغة لما نهى عن حَطِّها عن صداق مثلها؛ لأنها تختار ذلك فيجوز إجماعاً. وذهب مالك والشافعيّ والجمهور من العلماء إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ وتستأمر؛ لقوله تعالى: { أية : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ } تفسير : [النساء: 127] والنساء ٱسم ينطلق على الكبار كالرجال في الذكور، وٱسم الرجل لا يتناول الصغير؛ فكذلك اسم النساء، والمرأة لا يتناول الصغيرة. وقد قال: { أية : فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ } تفسير : [النساء: 127] والمراد به هناك اليتامى هنا؛ كما قالت عائشة رضي الله عنها. فقد دخلت اليتيمةُ الكبيرة في الآية فلا تُزَوَّج إلا بإذنها، ولا تُنكح الصغيرة إذْ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها لكن لا تُزوّج إلا بإذنها. كما رواه الدارقطنيّ من حديث محمد بن إسحاق عن نافع حديث : عن ابن عمر قال: زوّجني خالي قُدَامة بن مَظْعُون بنت أخيه عثمان بنِ مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أُمها، فأرغبها في المال وخطبها إليها، فرُفع شأنُها إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال قُدامة: يا رسول الله ٱبنة أخي وأنا وصيّ أبيها ولم أقصّر بها، زوّجتها من قد علمتَ فضلَه وقرابتَه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها يتيمة واليتيمة أولى بأمرها» فنزعت مني وزوّجها المغيرة بن شعبةتفسير : . قال الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع، وإنما سمعه من عمر بن حسين عنه. ورواه ابن أبي ذئب عن عمر بن حسين عن نافع عن عبد الله بن عمر: أنه تزوّج بنت خاله عثمان بن مظعون قال: فذهبت أُمها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّ ابنتي تكره ذلك. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقها ففارقها. وقال: « حديث : ولا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهنّ فإذا سكتْن فهو إذنها » تفسير : . فتزوّجها بعد عبد الله المغيرةُ بن شعبة. فهذا يردّ ما يقوله أبو حنيفة من أنها إذا بلغت لم تحتج إلى وليّ، بناء على أصله في عدم اشتراط الوليّ في صِحَّة النكاح. وقد مضى في «البقرة» ذكره؛ فلا معنى لقولهم: إنّ هذا الحديث محمول على غير البالغة لقوله: « حديث : إلا بإذنها » تفسير : فإنه كان لا يكون لذكر اليتيم معنى والله أعلم. الرابعة ـ وفي تفسير عائشة للآية من الفقه ما قال به مالك من صداق المِثل، والردّ إليه فيما فسد من الصداق ووقع الغبْن في مقداره؛ لقولها: بأدنى من سُنّة صداقها. فوجب أن يكون صداق المثل معروفاً لكل صِنف من الناس على قدر أحوالهم. وقد قال مالك: للناس مناكح عُرفت لهم وعُرفوا لها. أي صَدُقات وأكفاء. وسئل مالك عن رجل زوّج ٱبنته (غنية) من ٱبن أخ له فقير فٱعترضت أُمّها فقال: إني لأرى لها في ذلك متكلّماً. فسوّغ لها في ذلك الكلام حتى يظهر هو من نظره ما يسقط اعتراض الأُم عليه. وروي «لا أرى» بزيادة الألف والأوّل أصح. وجائز لغير اليتيمة أن تنكح بأدنى من صداق مثلها؛ لأن الآية إنما خرجت في اليتامى. هذا مفهومها وغير اليتيمة بخلافها. الخامسة: فإذا بلغت اليتيمة وأقسط الوليّ في صداقها جاز له أن يتزوّجها، ويكون هو الناكح والمنكح على ما فسرته عائشة. وبه قال أبو حنيفة والأُوزاعيّ والثوريّ وأبو ثور، وقاله من التابعين الحسن وربيعة، وهو قول الليث. وقال زُفر والشافعيّ: لا يجوز له أن يتزوّجها إلا بإذن السلطان، أو يزوّجها منه وليّ لها هو أقعد بها منه؛ أو مثله في القَعْدُد؛ وأما أن يتولّى طرفي العقد بنفسه فيكون ناكحاً منكِحاً فلا. وٱحتجوا بأن الولاية شرط من شروط العقد لقوله عليه السلام: « حديث : لا نكاح إلا بولِيّ وشاهدي عدل » تفسير : . فتعديد الناكح والمنكِح والشهود واجب؛ فإذا ٱتّحد اثنان منهم سقط واحد من المذكورين. وفي المسألة قول ثالث، وهو أن تجعل أمرها إلى رجل يزوّجها منه. رُوي هذا عن المغيرة بن شعبة، وبه قال أحمد، ذكره ابن المنذر. السادسة: قوله تعالى: {مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} معناه ما حَلّ لكم؛ عن الحسن وٱبن جبير وغيرهما. واكتفى بذكر من يجوز نكاحه؛ لأن المحرمات من النساء كثير. وقرأ ابن إسحاق والجَحْدَريّ وحمزة «طاب» «بالإمالة» وفي مصحف أُبَيّ «طيب» بالياء؛ فهذا دليل الإمالة. {مِنَ النِّسَاءِ} دليل على أنه لا يقال نساء إلا لمن بلغ الحُلُم. وواحد النساء نسوة، ولا واحد لنِسوة من لفظه، ولكن يقال امرأة. السابعة: قوله تعالى: {مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} وموضعها من الإعراب نصب على البدل من {ما} وهي نكرة لا تنصرف؛ لأنها معدولة وصفة؛ كذا قال أبو عليّ. وقال الطبري: هي معارف؛ لأنها لا يدخلها الألف واللام، وهي بمنزلة عُمَر في التعريف؛ قاله الكوفي. وخطّأ الزجاج هذا القول. وقيل: لم ينصرف؛ لأنه معدول عن لفظه ومعناه، فأُحَادَ معدول عن وَاحد واحد، ومَثْنى معدولة عن ٱثنين ٱثنين، وثُلاثَ معدولة عن ثلاثة ثلاثة، ورُباعَ عن أربعة أربعة. وفي كل واحد منها لغتان: فُعَالَ ومَفْعَل؛ يقال أُحادُ ومَوْحَد وثُنَاء ومَثْنَى وثلاث ومَثْلَث ورُباع ومَرْبع، وكذلك إلى مَعْشَر وعُشَار. وحكى أبو إسحاق الثعلبيّ لغة ثالثة: أُحَد وثُنَى وثُلَث ورُبَع مثل عُمَر وزُفَر. وكذلك قرأ النخعِيّ في هذه الآية. وحكى المهدوي عن النخعِيّ وابن وثَاب «ثُلاَثَ وَرُبَعَ» بغير ألف في رُبَع فهو مقصور من رباع استخفافاً؛ كما قال: شعر : أقبل سَيْلُ جاء من عند اللَّهِ يَحْرِد حرد الجنةِ المُغِلهْ تفسير : قال الثعلبيّ: ولا يزاد من هذا البناء على الأربع إلا بيتٌ جاء عن الكُمَيت: شعر : فلم يَسْتَرِيثُوك حتى رميـ ـتَ فوق الرجالِ خِصالا عُشَارا تفسير : يعني طعنت عشرة. وقال ابن الدّهَّان: وبعضهم يقف على المسموع وهو من أُحَاد إلى رُباع ولا يعتبر بالبيت لشُذُوذه. وقال أبو عمرو بن الحاجب: ويقال أُحَاد ومَوْحَد وثُنَاء ومَثْنَى وثُلاثَ ومَثْلَث ورُباع ومَرْبَع. وهل يقال فيما عداه إلى التسعة أو لا يقال؟ فيه خلاف أصحها أنه لم يثبت. وقد نص البخاريّ في صحيحه على ذلك. وكونه معدولاً عن معناه أنه لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد غير المعدولة؛ تقول: جاءني اثنان وثلاثة، ولا يجوز مَثْنَى وثُلاَثَ حتى يتقدّم قبله جمْعٌ، مثل جاءني القوم أُحَادَ وثُنَاء وثُلاثَ ورُبَاع من غير تكرار. وهي في موضع الحال هنا وفي الآية، وتكون صفةً؛ ومثال كون هذه الأعداد صفةً يتبيّن في قوله تعالى: { أية : أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } تفسير : فهي صفة للأجنحة وهي نكرة. وقال ساعدة بن جُؤَيّة: شعر : ولكنّما أهلي بِوادٍ أنيسُه ذئابٌ تَبغَّى الناس مَثْنَى وَمَوْحَدُ تفسير : وأنشد الفرّاء: شعر : قتلنا به من بَيْن مَثْنَى وَمَوْحَدِ بأربعة منكم وآخرَ خامِسِ تفسير : فوصف ذئاباً وهي نكرة بمثنى وموحد، وكذلك بيت الفرّاء؛ أي قتلنا به ناساً، فلا تنصرف إذاً هذه الأسماء في معرفة ولا نكرة. وأجاز الكسائيّ والفرّاء صرفه في العدد على أنه نكرة. وزعم الأخفش أنه إن سمي به صرفه في المعرفة والنكرة؛ لأنه قد زال عنه العدل. الثامنة: ٱعلم أن هذا العدد مَثْنَى وثُلاث ورُباع لا يدل على إباحة تِسعِ، كما قاله من بَعدُ فهمُه للكتاب والسنّة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأُمة، وزعم أن الواو جامعة؛ وعَضَد ذلك بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم نكح تسعاً، وجمع بينهن في عِصْمته. والذي صار إلى هذه الجهالة، وقال هذه المقالَة الرافِضةُ وبعض أهل الظاهر؛ فجعلوا مثنى مثل اثنين، وكذلك ثُلاث ورُباع. وذهب بعض أهل الظاهر أيضاً إلى أقبح منها، فقالوا بإباحة الجمع بين ثمانِ عشرة: تمسُّكاً منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار والواو للجمع؛ فجعل مثنى بمعنى ٱثنين ٱثنين وكذلك ثُلاث ورُباع. وهذا كله جهلٌ باللسان والسُّنة، ومخالفَةٌ لإجماع الأُمة؛ إذ لم يُسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع. وأخرج مالك في موطئه، والنّسائي والدَّارَقُطْنِيّ في سننهما حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لغَيْلان بن أُمَيَّة الثَّقَفِيّ وقد أسلم وتحته عشر نسوة: «ٱختر منهن أربعاً وفارق سائرهن» تفسير : . وفي كتاب أبي داود حديث : عن الحارث بن قيس قال: أسلمتُ وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «ٱختر منهن أربعاً» تفسير : . وقال مقاتل: إن قيس بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر؛ فلما نزلت هذه الآية أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلّق أربعاً ويُمسك أربعاً. كذا قال: «قيس بن الحارث»، والصواب أن ذلك كان حارث بن قيس الأسدي كما ذكر أبو داود. وكذا روى محمد بن الحسن في كتاب (السير الكبير): أن ذلك كان حارث بن قيس، وهو المعروف عند الفقهاء. وأما ما أُبيح من ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فذلك من خصوصياته؛ على ما يأتي بيانه في «الأحزاب». وأما قولهم: إن الواو جامعة؛ فقد قيل ذلك، لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات. والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة. وكذلك تستقبح ممن يقول: أعطِ فلاناً أربعة ستة ثمانية، ولا يقول ثمانية عشر. وإنما الواو في هذا الموضع بدل؛ أي انكحوا ثلاثاً بدلاً من مثنى، ورباع بدلاً من ثلاث؛ ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو. ولو جاء بأو لجاز ألا يكون لصاحب المثنى ثلاث، ولا لصاحب الثلاث رباع. وأما قولهم: إن مَثْنَى تقتضي ٱثنين، وثُلاَثَ ثلاثة، ورباع أربعة، فتحكُّم بما لا يوافقهم أهلُ اللسان عليه، وجهالةٌ منهم. وكذلك جهل الآخرين؛ بأن مَثْنَى تقتضي اثنين اثنين، وثُلاثَ ثلاثة ثلاثة، ورُباع أربعة أربعة، ولم يعلموا أن اثنين اثنين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً، حصرٌ للعدد. ومثنى وثلاث ورباع بخلافها. ففي العدد المعدول عند العرب زيادةُ معنىً ليست في الأصل؛ وذلك أنها إذا قالت: جاءت الخيل مثنى، إنما تعني بذلك اثنين اثنين؛ أي جاءت مزدوجة. قال الجوهريّ: وكذلك معدول العدد. وقال غيره: إذا قلت جاءني قوم مثنى أو ثُلاث أو أُحَاد أو عُشار، فإنما تريد أنهم جاءوك واحداً واحداً، أو اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو عشرة عشرة، وليس هذا المعنى في الأصل: لأنك إذا قلت جاءني قوم ثلاثة ثلاثة، أو قوم عشرة عشرة، فقد حصرت عِدّة القوم بقولك ثلاثة وعشرة. فإذا قلت جاءوني رُباع وثُناء فلم تحصر عِدّتهم. وإنما تريد أنهم جاءوك أربعة أربعة أو اثنين اثنين. وسواء كثر عددهم أو قلّ في هذا الباب، فقصرهم كل صيغة على أقل ما تقتضيه بزعمه تحكّم. وأما اختلاف علماء المسلمين في الذي يتزوّج خامسة وعنده أربع وهي: التاسعة: فقال مالك والشافعيّ: عليه الحدّ إن كان عالماً. وبه قال أبو ثَوْر. وقال الزُّهرِيّ: يُرجَم إذا كان عالماً، وإن كان جاهلاً أدْنَى الحدّين الذي هو الجلد، ولها مهرها ويُفَرّق بينهما ولا يجتمعان أبداً. وقالت طائفة: لا حدّ عليه في شيء من ذلك. هذا قول النعمان. وقال يعقوب ومحمد: يُحدّ في ذات المحرّم ولا يحدّ في غير ذلك من النكاح. وذلك مثلُ أن يتزوّج مجوسيّةً أو خمسةً في عُقدة أو تزوّج (متعة) أو تزوّج بغير شهود، أو أَمَةً تزوّجها بغير إذن مولاها. وقال أبو ثَوْر: إذا علم أن هذا لا يحلّ له يجب أن يحدّ فيه كلّه إلا التزوّج بغير شهود. وفيه قول ثالث قاله النَّخَعِيّ في الرجل ينكح الخامسة متعمّداً قبل أن تنقضي عدّة الرابعة من نسائه: جلدُ مائة ولا يُنْفَى. فهذه فُتْيَا علمائنا في الخامسة على ما ذكره ابن المنذر فكيف بما فوقها. العاشرة: ذكر الزبير بن بَكّار حدّثني إبراهيم الحِزاميّ عن محمد بن مَعْن الغِفارِيّ قال: أتت ٱمرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فقالت: يا أمير المؤمنين، إنّ زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه، وهو يعمل بطاعة الله عز وجل. فقال لها: نعِم الزوجُ زوجُك. فجعلت تكرّر عليه القول و هو يكرّر عليها الجواب. فقال له كعبٌ الأسديّ: يا أمير المؤمنين، هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إيّاها عن فِراشه. فقال عمر: كما فهمت كلامها فٱقض بينهما. فقال كعب: عليّ بزوجها؛ فأُتِيَ به فقال له: إن ٱمرأتك هذه تشكوك. قال: أفي طعام أم شراب؟ قال لا. فقالت المرأة: شعر : يا أيها القاضي الحكِيمُ رَشَدُهْ ألْهَى خلِيلي عن فِراشِي مسجِدُهْ زهّده في مَضْجَعي تعبُّدُهْ فٱقضِ القضا كَعْبُ ولا تُرَدِّدُهْ نهاره وليله ما يرقُدُهْ فلستُ في أمرِ النساءِ أحمَدُه تفسير : فقال زوجهـا: شعر : زهّدني في فَرْشها وفي الحَجَلْ أني ٱمرؤ أذْهَلَنِي ما قد نَزَلْ في سورة النّحل وفي السبع الطّوَلْ وفي كتاب اللَّه تخويفٌ جَلَلْ تفسير : فقال كعب: شعر : إن لها عليك حقّاً يا رَجُلْ نصيبُها في أربع لمن عَقَل فأعطها ذاك ودَعْ عنك العِلَلْ تفسير : ثم قال: إن الله عز وجل قد أحلّ لك من النساء مَثْنى وثُلاثَ ورُباع، فلك ثلاثة أيام ولياليهنّ تعبد فيهنّ ربك. فقال عمر، والله ما أدري من أيّ أَمْرَيْك أعجب؟ أمِنْ فهمك أمرَهُما أم من حكمك بينهما؟ ٱذهب فقد ولّيتك قضاء البصرة. وروى أبو هُدْبة إبراهيمُ بنُ هُدبة حدّثنا أنس بن مالك قال: حديث : أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم ٱمرأةٌ تستعدِي زوجَها، فقالت: ليس لي ما للنساء؛ زوجي يصوم الدهر. قال: «لك يومٌ وله يومٌ، للعبادة يوم وللمرأة يوم». تفسير : الحادية عشرة: قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً} قال الضحاك وغيره: في المَيْل والمحَبّة والجِماع والعِشرة والقَسْم بين الزوجات الأربع والثلاث والاثنتين، {فواحدةً}. فمنع من الزيادة التي تؤدّي إلى ترك العدل في القَسْم وحُسن العِشرة. وذلك دليل على وجوب ذلك، والله أعلم. وقرئت بالرفع، أي فواحدةٌ فيها كفاية أو كافية. وقال الكِسائيّ: فواحدة تقنع. وقرئت بالنصب بإضمار فعل، أي فانكحوا واحدةً. الثانية عشرة: قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يريد الإماء. وهو عطف على {فَوَاحِدَةً} أي إن خاف ألاّ يعدل في واحدة فما مَلكت يمينهُ. وفي هذا دليل على ألاّ حقّ لِملك اليمين في الوطء ولا القَسْم؛ لأن المعنى {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} في القَسْم {فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} فجعل مِلك اليمين كلّه بمنزلة واحدة، فانتفى بذلك أن يكون للإماء حقٌّ في الوطء أو في القَسْم. إلا أنّ مِلك اليمين في العدل قائم بوجوب حُسن المَلكَة والرّفق بالرّقيق. وأسند تعالى المِلْك إلى اليمين إذ هي صفةُ مدح، واليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكّنها. ألا ترى أنها المنفِقة؟ كما قال عليه السلام: « حديث : حتّى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه » تفسير : وهي المعاهِدة المبايِعة، وبها سميت الألِيّة يميناً، وهي المتلقّية لرايات المجد؛ كما قال: شعر : إذا ما رَايةٌ رُفعتْ لمَجْد تلقّاها عَرَابةُ باليمين تفسير : الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} أي ذلك أقرب إلى ألاّ تميلوا عن الحق وتجوروا؛ عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. يقال: عالَ الرجل يَعُول إذا جار ومال. ومنه قولهم: عال السّهمُ عن الهَدَف مال عنه. قال ابن عمر: إنه لعائل الكيل والوزن؛ قال الشاعر: شعر : قالوا ٱتَّبَعنا رسولَ اللَّه وٱطّرحوا قولَ الرسولِ وعالُوا في الموازِين تفسير : أي جاروا. وقال أبو طالب: شعر : بِميزانِ صدقٍ لا يُغِلّ شعِيرةً له شاهِدٌ من نفسه غيرُ عائِلِ تفسير : يريد غير مائل. وقال آخر: شعر : ثلاثة أنفُسٍ وثلاثُ ذَوْدٍ لقد عال الزمانُ على عِيالِي تفسير : أي جار ومال. وعال الرجل يعِيلُ إذا ٱفتقر فصار عالَةً. ومنه قوله تعالى: { أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } تفسير : . [التوبة: 28] ومنه قول الشاعر: شعر : وما يَدرِي الفقيرُ متى غِناهُ وما يَدرِي الغنيّ متى يَعِيلُ تفسير : وهو عائِل وقوم عَيْلة، والعَيْلة والعالة الفاقة، وعالني الشيء يعُولني إذا غلبني وثقُل عليّ، وعال الأمر اشتدّ وتفاقم. وقال الشافعيّ {ألاّ تَعُولُوا} ألا تكثر عيالكم. قال الثّعلبيّ: وما قال هذا غيره، وإنما يقال: أعال يُعِيل إذا كثر عِياله. وزعم ابن العربيّ أن عال على سبعة معان لا ثامن لها، يقال: عال مال، الثاني زاد، الثالث جار، الرابع افتقر، الخامس أثقل؛ حكاه ابن دريد. قالت الخنساء: شعر : ويكفي العشِيرة ما عالها تفسير : السادس عال قام بمئونة العيال؛ ومنه قوله عليه السلام: « حديث : وٱبدأ بمن تَعُول » تفسير : . السابع عال غلب؛ ومنه عِيلَ صَبره. أي غُلِب. ويقال: أعال الرجل كثر عِياله. وأمّا عال بمعنى كثُر عياله فلا يصحّ. قلت: أما قول الثعلبي «ما قاله غيره» فقد أسنده الدّارَقُطْنِيّ في سننه عن زيد بن أسلم، وهو قول جابر بن زيد؛ فهذان إمامان من علماء المسلمين وأئمتهم قد سبقا الشافعيّ إليه. وأما ما ذكره ابن العربيّ من الحصر وعدم الصحة فلا يصحّ. وقد ذكرنا: عال الأمر ٱشتدّ وتفاقم؛ حكاه الجوهريّ. وقال الهَروِيّ في غريبيه: «وقال أبو بكر: يقال عال الرجل في الأرض يعِيل فيها أي ضرب فيها. وقال الأحمر: يقال عالني الشيء يَعيلني عَيْلاً ومَعِيلاً إذا أعجزك». وأما عال كَثُر عياله فذكره الكسائي وأبو عمر الدُّورِي وابن الأعرابيّ. قال الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة: العرب تقول عال يعول وأعال يُعِيل أي كثر عياله. وقال أبو حاتم: كان الشافعيّ أعلمَ بلغة العرب منا، ولعلّه لغة. قال الثّعلبي المفسِّر: قال أُستاذنا أبو القاسم بن حبيب: سألت أبا عمر الدُّورِي عن هذا وكان إماماً في اللغة غير مدافع فقال: هي لغة حِميْر؛ وأنشد: شعر : وإن الموت يأخذ كل حَيّ بلا شك وإن أمْشَى وعالاَ تفسير : يعني وإن كثرت ماشيته وعياله. وقال أبو عمرو بن العلاء: لقد كثرت وجوه العرب حتى خشيت أن آخذ عن لاحن لَحْناً. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «ألاّ تُعيلوا» وهي حجة الشافعيّ رضي الله عنه. قال ابن عطية: وقدح الزجاج وغيره في تأويل عال من العيال بأن قال: إن الله تعالى قد أباح كثرة السَّراري وفي ذلك تكثير العيال، فكيف يكون أقربَ إلى ألاّ يكثر العيال. وهذا القدح غير صحيح؛ لأن السَّراري إنما هي مال يُتصرّف فيه بالبيع، وإنما (العيال) القادح الحرائرُ ذوات الحقوق الواجبة. وحكى ٱبن الأعرابيّ أن العرب تقول: عال الرجل إذا كثر عياله. الرابعة عشرة ـ تعلّق بهذه الآية من أجاز للمملوك أن يتزوّج أربعاً؛ لأن الله تعالى قال: «فانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ» يعني ما حل «مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ» ولم يخصّ عبداً من حُر. وهو قول داود والطبريّ وهو المشهور عن مالك وتحصيل مذهبه على ما في موطئّه، وكذلك روى عنه ابن القاسم وأشهب. وذكر ابن الموّاز أن ٱبن وهب روى عن مالك أن العبد لا يتزوّج إلا ٱثنتين؛ قال وهو قول الليث. قال أبو عمر: قال الشافعيّ وأبو حنيفة وأصحابهما والثوريّ واللّيث بن سعد: لا يتزوّج العبد أكثر من ٱثنتين؛ وبه قال أحمد وإسحاق. وروي عن عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف في العبد لا ينكح أكثر من اثنتين؛ ولا أعلم لهم مخالفاً من الصحابة. وهو قول الشعبيّ وعطاء وابن سيرين، والحكم وإبراهيم (وحماد). والحجة لهذا القول القياسُ الصحيح على طلاقه وحدّه. وكلّ من قال حدّه نصف حدّ الحر، وطلاقه تطليقتان، وإيلاؤه شهران، ونحو ذلك من أحكامه فغير بعيد أن يقال: تناقض في قوله «ينكح أربعاً» والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنّسَاء} أي إن خفتم أن لا تعدلوا في يتامى النساء إذا تزوجتم بهن، فتزوجوا ما طاب لكم من غيرهن. إذ كان الرجل يجد يتيمة ذات مال وجمال فيتزوجها ضناً بها، فربما يجتمع عنده منهن عدد ولا يقدر على القيام بحقوقهن. أو إن خفتم أن لا تعدلوا في حقوق اليتامى فتحرجتم منها فخافوا أيضاً أن لا تعدلوا بين النساء فانكحوا مقداراً يمكنكم الوفاء بحقه، لأن المتحرج من الذنب ينبغي أن يتحرج من الذنوب كلها على ما روي: أنه تعالى لما عظم أمر اليتامى تحرجوا من ولايتهم وما كانوا يتحرجون من تكثير النساء وإضاعتهن فنزلت. وقيل: كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى ولا يتحرجون من الزنى، فقيل لهم إن خفتم أن لا تعدلوا في أمر اليتامى فخافوا الزنى، فانكحوا ما حل لكم. وإنما عبر عنهن بما ذهاباً إلى الصفة أو إجراء لهن مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهن، ونظيره {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} وقرىء {تُقْسِطُواْ} بفتح التاء على أن «لا» مزيدة أي إن خفتم إن تجوروا. {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ} معدولة عن أعداد مكررة وهي: ثنتين ثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً. وهي غير منصرفة للعدل والصفة فإنها بنيت صفات وإن كانت أصولها لم تبن لها. وقيل لتكرير العدل فإنها معدولة باعتبار الصفة والتكرير منصوبة على الحال من فاعل طاب ومعناها: الإِذن لكل ناكح يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه ومختلفين كقولك: اقتسموا هذه البدرة درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، ولو أفردت كان المعنى تجويز الجمع بين هذه الأعداد دون التوزيع ولو ذكرت بأو لذهب تجويز الاختلاف في العدد. {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} بين هذه الأعداد أيضاً. {فَوٰحِدَةً} فاختاروا أو فانكحوا واحدة وذروا الجمع. وقرىء بالرفع على أنه فاعل محذوف أو خبره تقديره فتكفيكم واحدة، أو فالمقنع واحدة. {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} سوى بين الواحدة من الأزواج والعدد من السراري لخفة مؤنهن وعدم وجوب القسم بينهن {ذٰلِكَ } أي التقليل منهن أو اختيار الواحدة أو التسري. {أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} أقرب من أن لا تميلوا، يقال عال الميزان إذا مال وعال الحاكم إذا جار، وعول الفريضة الميل عن حد السهام المسماة. وفسر بأن لا تكثر عيالكم على أنه من عال الرجل عياله يعولهم إذا مانهم، فعبر عن كثرة العيال بكثرة المؤن على الكناية. ويؤيده قراءة «أن لا تعيلوا» من أعال الرجل إذا كثر عياله، ولعل المراد بالعيال الأزواج وإن أريد الأولاد فلأن التسري مظنة قلة الولد بالإِضافة إلى التزوج لجواز العزل فيه كتزوج الواحدة بالإِضافة إلى تزوج الأربع.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِنْ خِفْتُمْ أَ } ن {لا تُقْسِطُواْ } تعدلوا {فِى ٱلْيَتَٰمَىٰ } فتحرّجتم من أمرهم فخافوا أيضاً أن لا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن {فَٱنكِحُواْ } تزوّجوا {مَا } بمعنى (مَن) {طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَاعَ } أي اثنتين اثنتين وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً ولا تزيدوا على ذلك {فَإِنْ خِفْتُمْ أَ } نْ {لا تَعْدِلُواْ } فيهن بالنفقة والقَسْم {فَوٰحِدَةً } انكحوها {أَوْ } اقتصروا على {مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ } من الإماء إذ ليس لهن من الحقوق ما للزوجات {ذٰلِكَ } أي نكاح الأربع فقط أو الواحدة أو التسرِّي {أَدْنَىٰ } أقرب إلى {أَلاَّ تَعُولُواْ } تجوروا.

ابن عطية

تفسير : {أدنى} معناه: أقرب، وهو من الدنو، وموضع - أن - من الإعراب نصب بإسقاط الخافض، والناصب أريحية الفعل الذي في {أدنى}، التقدير: ذلك أدنى إلى أن لا تعولوا، و {تعولوا} معناه: تميلوا، قاله ابن عباس وقتادة والربيع وقتادة والربيع بن أنس وأبو مالك والسدي وغيرهم، يقال: عال الرجل يعول: إذا مال وجار، ومنه قول أبي طالب في شعره في النبي صلى الله عليه وسلم: شعر : بميزان قسط لا يخسُّ شعيرة ووزان صدق وزنه غير عائل تفسير : يريد غير مائل، ومنه قول عثمان لأهل الكوفة حين كتب إليهم: إني لست بميزان لا أعول، ويروى بيت أبي طالب: "له شاهد من نفسه غير عائل" وعال يعيل، معناه: افتقر فصار عالة، وقالت فرقة منهم زيد بن أسلم وابن زيد والشافعي: معناه: ذلك أدنى ألا يكثر عيالكم، وحكى ابن الأعرابي أن العرب تقول: عال الرجل يعول إذا كثر عياله، وقدح في هذا الزجاج وغيره، بأن الله قد أباح كثرة السراري، وفي ذلك تكثير العيال، فكيف يكون أقرب إلى أن لا يكثر. قال القاضي أبو محمد: وهذا القدح غير صحيح، لأن السراري إنما هن مال يتصرف فيه بالبيع، وإنما العيال الفادح الحرائر ذوات الحقوق الواجبة، وقوله: {وءاتوا النساء صدقاتهن نحلة} قال ابن عباس وقتادة وابن جريج: إن الخطاب في هذه الآية للأزواج، أمرهم الله أن يتبرعوا بإعطاء المهور نحلة منهم لأزواجهم، وقال أبو صالح: الخطاب لأولياء النساء، لأن عادة بعض العرب كانت أن يأكل ولي المرأة مهرها، فرفع الله ذلك بالإسلام وأمر بأن يدفع ذلك إليهن، وقال المعتمر بن سليمان عن أبيه: زعم حضرمي أن المراد بالآية المتشاغرون الذين كانوا يتزوجون امرأة بأخرى، فأمروا أن يضربوا المهور. قال القاضي أبو محمد: والآية تتناول هذه الفرق الثلاث، وقرأ الجمهور الناس والسبعة " صَدٌقاتهن" بفتح الصاد وضم الدال، وقرأ موسى بن الزبير وابن أبي عبلة وفياض بن غزوان وغيرهم " صُدُقاتهن" بضم الصاد والدال، وقرأ قتادة وغيره " صُدْقاتهن" بضم الصاد وسكون الدال، وقرأ ابن وثاب والنخعي " صدقتهن" بالإفراد وضم الصاد وضم الدال. والإفراد من هذا كله صدَقة وصدُقة. و {نحلة}: معناه: نحلة منكم لهن أي عطية، وقيل التقدير: من الله عز وجل لهن، وذلك لأن الله جعل الصداق على الرجال ولم يجعل على النساء شيئاً، وقيل {نحلة} معناه: شرعة، مأخوذ من النحل تقول: فلان ينتحل دين كذا، وهذا يحسن مع كون الخطاب للأولياء، ويتجه مع سواه، ونصبها على أنها من الأزواج بإضمار فعل من لفظها، تقديره - انحلوهن نحلة، ويجوز أن يعمل الفعل الظاهر، وإن كان من غير اللفظ لأنه مناسب للنحلة في المعنى ونصبها على أنها من الله عز وجل بإضمار فعل مقدر من اللفظ لا يصح غير ذلك، وعلى أنها شريعة هي أيضاً من الله وقوله: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} الخطاب حسبما تقدم من الاختلاف في الأزواج والأولياء، والمعنى: إن وهبن غير مكرهات طيبة نفوسهن، والضمير في {منه} راجع على الصداق، وكذلك قال عكرمة وغيره، أو على الإيتاء، وقال حضرمي: سبب الآية أن قوماً تحرجوا أن يرجع إليهم شيء مما دفعوا إلى الزوجات، و {نفساً} نصب على التمييز، ولا يجوز تقدمه على العامل عند سيبويه إلا في ضرورة شعر مع تصرف العامل، وإجازة غيره في الكلام. ومنه قول الشاعر [المخبل السعدي]: [الطويل] شعر : وما كان نفساً بالفراق تطيب تفسير : و "من" - تتضمن الجنس ها هنا، ولذلك يجوز أن تهب المهر كله، ولو وقفت "من" على التبعيض لما جاز ذلك، وقرىء "هنياً مرياً" دون همز، وهي قراءة الحسن بن أبي الحسن والزهري، قال الطبري: ومن هناء البعير أن يعطي الشفاء. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وإنما قال اللغويون: الطعام الهنيء هو السائغ المستحسن الحميد المغبة، وكذلك المريء، قال اللغويون: يقولون هنأني الطعام ومرأني على الإتباع، فإذا أفردوا قالوا: أمرني على وزن أفعل. قال أبو علي: وهذا كما جاء في الحديث "حديث : ارجعن مأزورات غير مأجورات" تفسير : فإنما اعتلت الواو من موزورات إتباعاً للفظ مأجورات، فكذلك مرأني اتباعاً لهنأني، ودخل رجل على علقمة - وهو يأكل شيئاً مما وهبته امرأته من مهرها - فقال له: كل من الهنيء المريء، قال سيبويه؛ {هنيئاً مريئاً} صفتان نصبوهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره، المختزل للدلالة التي في الكلام عليه، كأنهم قالوا: ثبت ذلك "هنيئاً مريئاً". وقوله {ولا تؤتوا السفهاء} الآية، اختلف المتأولون في المراد بـ {السفهاء}، فقال ابن مسعود والسدي والضحاك والحسن وغيرهم: نزلت في ولد الرجل الصغار وامرأته، وقال سعيد بن جبير: نزلت في المحجورين " السفهاء" وقال مجاهد: نزلت في النساء خاصة، وروي عن عبد الله بن عمر أنه مرت به امرأة لها شارة فقال لها {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} الآية، وقال أبو موسى الأشعري والطبري وغيرهما: نزلت في كل من اقتضى الصفة التي شرط الله من السفه كان من كان، وقول من خصها بالنساء يضعف من جهة الجمع، فإن العرب إنما تجمع فعيلة على فعائل أو فعيلات، وقوله {أموالكم} يريد أموال المخاطبين، هذا قول أبي موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة، وقال سعيد بن جبير: يريد أموال " السفهاء"، وأضافها إلى المخاطبين تغبيطاً بالأموال، أي هي لهم إذا احتاجوا، كأموالكم لكم التي تقي أعراضكم، وتصونكم وتعظم أقدراكم، ومن مثل هذا {أية : ولا تقتلوا أنفسكم} تفسير : [النساء: 29] وما جرى مجراه، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والنخعي و " اللاتي" والأموال: طمع لما لا يعقل، فالأصوب فيه قراءة الجماعة، و {قيماً} جمع قيمة كديمة وديم، وخطأ ذلك أبو علي وقال: هي مصدر كقيام وقوام وأصلها قوم، ولكن شذت في الرد إلى الياء كما شذ قولهم: جياد في جميع جواد، وكما قالت بنو ضبة: طويل وطيال، ونحو هذا، وقوماً وقواماً وقياماً، معناها: ثباتاً في صلاح الحال، ودواماً في ذلك، وقرأ نافع وابن عامر {قيماً} بغير ألف، وروي أن أبا عمرو فتح القاف من قوله: قواماً، وقياماً - كان أصله قواماً، فردت كسرة القاف الواو ياء للتناسب، ذكرها ابن مجاهد ولم ينسبها، وهي قراءة أبي عمرو والحسن، وقرأ الباقون {قياماً} وقرأت طائفة "قواماً" وقوله: {وارزقوهم فيها واكسوهم} قيل: معناه: فيمن يلزم الرجل نفقته وكسوته من زوجه وبنيه الأصاغر، وقيل: في المحجورين من أموالهم، و {معروفاً} قيل: معناه: ادعوا لهم: بارك الله فيكم وحاطكم وصنع لكم، وقيل: معناه عدوهم وعداً حسناً، أي إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم، ومعنى اللفظ كل كلام تعرفه النفوس وتأنس إليه ويقتضيه الشرع.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَإِنّ خِفْتُمْ} أن لا تعدلوا في نكاح اليتامى {فَانكِحُواْ} ما حل لكم من غيرهن، أو كانوا يخافون ألا يعدلوا في أموالهم، ولا يخافون أن لا يعدلوا في النساء فقيل لهم: كما خفتم أن لا تعدلوا في أموال اليتامى فكذلك خافوا أن لا تعدلوا في النساء، أو كانوا يتوقون أموال اليتامى ولا يتوقون الزنا فأُمروا أن يخافوا الزنا كخوف أموال اليتامى فيتركوا الزنا وينكحوا ما طاب، أو كانت قريش في الجاهلية تكثر التزوج بلا حصر فإذا كثرث عليهم المؤن وقل ما بأيديهم أكلوا ما عندهم من أموال اليتامى فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا إلى الأربع حصراً لعددهن. {مَا طَابَ} من طاب، أو انكحوا نكاحاً طيباً. {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعدِلُواْ} في الأربع. {تَعُولُواْ} تكثر عيالكم، أو تضلوا، أو تجوروا والعول: من الخروج عن الحق، عالت الفريضة لخروجها عن السهام المسماة، وعابت أهل الكوفة عثمان ـ رضي الله عنه تعالى، في شيء فكتب إليهم "إني لست بميزان قسط لا أعول".

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ} شرط، وفي جوابه وجهان: أحدهما: أنه قوله: {فَٱنكِحُواْ} وذلك أنهم كانوا يتزوجون الثمانَ، والعشر، ولا يقومون بحقوقهن، فلمَّا نزلت {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ} أخذوا يَتحرّجُونَ من ولاية اليتامى، فقيل لهم: إن خفتم من الجورِ في حقوق اليتامى فخافوا أيضاً من الجور في حقوق النساء، فانكحوا هذا العدد؛ لأنَّ الكَثْرَةَ تُفْضي إلى الجور، ولا تنفع التوبةُ من ذنبٍ مع ارتكاب مثله. والثاني: أن جوابه قوله: "فواحدة"، والمعنى أنَّ الرجل منهم كان يتزوج اليتيمة التي في ولايته، فلما نزلت الآية المتضمنة للوعيد على أكل مال اليتيم تحرَّجوا من ذلك، فقيل لهم: إن خفتم من نكاح النساء اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من [النساء مثنى وثلاث ورباع من] الأجنبيات أي: اللاتي لسن تحت ولايتكم، فعلى هذا يحتاج إلى تقدير مضاف، أي: في نكاح يتامى النساء. فإن قيل: "فواحدة" جواب لقوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً} فكيف يكون جواباً للأول؛ فالجواب: أنَّهُ أَعَادَ الشرط الثاني لأنه كالأول في المعنى، لما طالَ الفصل بين الأول وجوابه وفيه نظر لا يخفى. والخوف هنا على بابه فالمراد به الحذر. وقال أبو عبيدة إنه بمعنى اليقين وأنشد الشاعر: [الطويل] شعر : 1737- فَقُلْتُ لهُمْ خَافُوا بأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ سَرَاتُهُمُ في الفَارِسِي الْمُسَرَّدِ تفسير : أي: أيقِنُوا، وقد تَقَدَّمَ تَحْقِيْقُ ذلك والردُّ عليه عند قوله تعالى: {أية : إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 229]. قوله: {أَلاَّ تُقْسِطُواْ} إنْ قَدَّرَتْ أنها على حذف حرف الجر، أي: "مِنْ أن لا" ففيها الخلاف المشهور أي: في محل نصب [أو جر، وإنْ لم تقدّر ذلك بل وصل الفعل إليها بنفسه، كأنك قلت: "فَإنْ حَذَرْتم" فهي في محل نصب] فقط كما تَقَدَّمَ في البقرة. وقرا الجمهور: "تقسطوا" بضم التاء، من أقْسَط: إذا عدل، فتكون لا على هذه القراءة نافيةُ، والتقديرُ: وإنْ خِفْتُمْ عدم الإقساط أي: العدل. وقرأ إبراهيم النخعي: ويحيى بن وثَّاب بفتحها من "قسط" وفيها تأويلان: أحدهما: أن "قَسَطَ" بمعنى "جار"، وهذا هو المشهور في اللغة، أعني أن الرباعي بمعنى عَدَلَ، والثلاثي بمعنى جار، وكأنَّ الهمزة فيه للسَّلْبِ بمعنى "أقسط" أي: أزال القسط وهو الجور، و "لا" على هذا القول زائدة ليس إلا، وإلا يفسد المعنى كهي في قوله: {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الحديد:29]. والثاني: حكى الزجاج أن "قسط" الثلاثي يستعمل استعمال "أقسط" الرباعي، فعلى هذا تكون "لا" غير زائدة، كهي في القراءة الشهيرة؛ إلاَّ أنَّ التَّفْرِقَةَ هي المعروفةُ لغة. قالوا: قاسطته إذَا غَلَبْتَهُ على قِسْطِهِ، فبنوا "قسط" على بناء ظلم وجار وغلب. وقال الراغب: "القِسْط" أن يأخذ قِسْطَ غيره، وذلك جَوْرٌ، وأَقْسَطَ غيره، والإقسَاطِ أن يُعْطِيَ قِسْطَ غَيْرِهِ، وذلك إنصاف، ولذلك يقال: قَسَطَ الرَّجُلُ إذَا جَار، وأَقْسَطَ إذَا عدَلَ، قال تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} تفسير : [الجن: 15]. [وقال تعالى: {أية : وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} تفسير : [الحجرات: 9]. وَحُكِيَ أنَّ الحَجَّاجَ لما أحضر سعيد بن جبير، قال له: ما تقول فيَّ؟ قال: "قَاسِطٌ عادل" فأعجب الحاضرون، فقال لهم الحجاج: ويلكم لم تفهموا عنه إنّه جعلني جائراً كافراً، ألم تسمعوا قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} تفسير : [الجن: 15]. وقال تعالى: {أية : ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} تفسير : [الأنعام:1] وقد تقدم الكلام على هذه المادة من قوله: {أية : قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [آل عمران: 18]. قوله: {مَا طَابَ} في "ما" هذه أوجه: أحدها: أنها بمعنى الذي وذلك عند من يرى أن "ما" تكون للعاقل، وهي مسألة مشهورة، وذلك أن "ما" و "من" وهما يتعاقبان، قال تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا} تفسير : [الشمس: 5] وقال: {أية : وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} تفسير : [الكافرون: 3] وقال {أية : فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ} تفسير : [النور: 45]. وحكى أبو عمرو بن العلاء: سبحان من سبح الرعد بحمده. وقال بعضهم: نَزَّلَ الإناث منزلة غير العقلاء كقوله: {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} تفسير : [المؤمنون: 6]. قال بعضهم: وَحَسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء، وهن ناقصات العقول. وبعضهم يقول: هي لصفات من يعقل. وبعضهم يقول: لنوع من يعقل كأنه قيل: النوع الطيب من النساء، وهي عبارات متقاربة. فلذلك لم نعدّها أوجهاً. الثاني: أنها نَكِرَةٌ موصوفة، أي: أنكحوا جنساً طيباً أو عدداً طيِّباً. الثالث: أنها مصدرية، وذلك المصدر واقع موقع اسم الفاعل، تقديره: فانحكوا [الطَّيِّبَ. وقال أبو حيان: والمصدر مقدر هنا باسم الفاعل، والمعنى فانكحوا] النكاح الذي طاب لكم. والأول أظهر. الرابع: أنها ظرفية تستلزم المصدريَّة، والتقدير: فانحكوا ما طاب مدة يطيب فيها النكاح لكم. إذا تقرر هذا، فإن قلنا: إنها موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، والمصدرُ واقع اسم الفاعل كانت "ما" مفعولاً بـ "انكحوا" ويكون "من النساء" فيه وجهان: أحدهما: أنها لبيان الجنس المبهم في "ما" عند مَنْ يثبت لها ذلك. والثاني: أنها تبغيضية، أي: بعض النساء، وتتعلق بمحذوف على أنها حال من "ما طاب" وإن قلنا: إنها مصدرية ظرفية محضة، ولم يُوقع المصدر موقع اسم فاعل كما قال أبو حيان كان مفعول "فانكحوا" قوله "من النساء" نحو قولك: أكلت من الرغيفِ، وشربتُ من العسل أي: شيئاً من الرغيف وشيئاً من العسل. فإن قيل: لِمَ لا يجعل على هذا "مثنى" وما بعدها هو مفعول "فانكحوا" أي: فانكحوا هذا العدد؟. فالجواب أن هذه الألفاظ المعدولة لا تلي العوامل. وقرأ ابن أبي عبلة "مَنْ طَابَ" وهو يرجحُ كون "ما" بمعنى الذي للعاقل، وفي مصحف أبي بن كعب بالياء، وهذا ليس بمبني للمفعول؛ لأنه قاصر، وإنما كُتِبَ كذلك دلالة على الإمالة وهي قراءة حمزة. فصل اختلف المفسرون في كيفية تعلق هذا الجزاء بهذا الشرط فروى عروة قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله تعالى {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ}. فقالت: يا ابن أخي هي اليتيمة تكون في حجر وليِّها فَيرغَبُ في مالها وجمالها، إلاَّ أنَّهُ يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يَذُبُّ عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها، فقال تعالى: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى} فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء، قالت عائشة - رضي الله عنها - ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل اللهُ تعالى: {أية : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} تفسير : [النساء: 127] فالمراد منه هذه الآية، وهن قوله {وإنْ خفتم ألا تقسطوا في اليتامى}. وقيل: لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية المتقدمة في اليتامى وأكل أموالهم خاف الأولياء من لحوق الحوبِ بتركِ الإقْسَاطِ في حقوق اليتامى فتحرجوا من أموالهم، وكان الرجل منهم ربما كان عنده العشرة من الأزواج أو أكثر، ولا يقوم بحقوقهنَّ في العدل. فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها، فكونوا خائفين من ترك العدل في النساء، فقللوا عدد المنكوحات؛ لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله، فكأنه لم يتحرّج، وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة والضحاك والسدي. وقيل: لما تحرّجوا من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات، قاله مجاهد. وقال عكرمة: هو الرجل عنده النسوة ويكون عند الأيتام، فإذا أنفق ماله على النسوة، وصار محتاجاً أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن، فقال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} عند كثرة الزوجات فقد حرمت عليكم [نكاح] أكثر من أربع ليزول هذا الخوف، وهذه رواية لطاوس عن ابن عباس. فصل قال الواحدي والزمخشري: قوله: { مَا طَابَ لَكُمْ} أي ما حلَّ لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها وهي الأنواع المذكورة في قوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} تفسير : [النساء: 23]. قال ابن الخطيب: وهذا فيه نظر؛ لأن قوله: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ} هو أمر إباحة، فلو كان المراد ما حل لكم لنزلت الآية منزلة قوله، أبَحْنَا لَكُمْ نِكَاحَ من يكون نكاحها مباحاً لكم، وذلك يخرج الآية من الفائدة، وأيضاً على التقدير الذي ذكره تصير الآية مجملة؛ لأنَّ أسباب الحِلِّ والإبَاحَةِ لمَّا لَمْ تُذْكَرْ في هذه الآية صارت مجملة لا محالة، وإذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص، وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص والإجمال كان رفع الإجمال أولى؛ لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجملُ لا يكون حجة أصلاً. قوله "مَثْنَى" منصوب على الحال من "طَابَ" وجعله أبو البَقاء حالاً من "النساء" فأجاز هو وابن عطية أن يكون بدلاً من "ما" وهذان الوجهان [ضعيفان]. أمَّا الأول: فلأنَّ الْمُحَدَّث عنه إنما هو الموصول وأتى بقوله {ٱلنِّسَآءِ} كالتبيين. وأما الثاني: فلأنَّ البدل على نِيَّةِ تكرار العامل، وقد تقدم أن هذه الألفاظ لا تباشر العوامل. واعلم أن هذه الألفاظ المعدولة فيها خلاف، وهل يجوز فيها القياس أم يقتصر فيها على السماع؟ قولان: قول البصريين: عدم القياس. وقول الكوفيين وأبي إسحاق: جوازه. والمسموع [من ذلك] أحد عشر لفظاً: أُحاد، وَمَوْحَد، وثُنَاء، وَمَثْنَى، وَثُلاَثَ، وَمَثْلَث، ورُباع، وَمَرْبع، ولم يسمع خُماس ومَخْمس، وعَشار ومَعْشَر. واختلفوا أيضاً في صَرْفِهَا وَعَدمِه، وجمهورُ النحاةِ على منعه، وأجاز الفراء صرفها، وإن كان المنع عنده أولْى. واختلفوا أيضاً في سبب منع الصرف فيها على أربعة مذاهب: أحدها: مذهب سيبويه، وهو أنها مُنِعَتْ من الصرف للعدلِ والوصفِ أمَّا الوصف فظاهر، وَأَمَّا العدل فلكونها معدولة من صيغة إلى صيغة وذلك أنها معدولة عن عدد مكرر. فإذا قلت: جاء القوم أحاد أو مَوْحَدَ أو ثُلاثَ أو مَثْلَثَ، كان بمنزلة قولك: جاءوا واحداً واحداً وثلاثةً ثَلاثَةً، ولا يُرادُ بالمعدولِ عنه التوكيد، إنما يُرادُ به تكرار العدد لقولهم: علمته الحساب باباً باباً. والثاني: مذهب الفراء، وهو العدل والتعريف بنية الألف واللام ولذلك يمتنع إضافتها عنده لتقدير الألف واللام، وامتنع ظهور الألف واللام عنده لأنها في نِيَّة الإضافة. الثالث: مذهب أبي إسحاق: وهو عدلها عن عدد مكرر وعدلها عن التأنيث. والرابع: نَقَلَهُ الأخفش عن بعضهم، أنه تكرار العدل، وذلك أنه عَدَلَ عن لفظ اثنين اثنين، وعن معناه؛ لأنه قد لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد في المعدولة بقوله: جاءني اثنان وثلاثة، ولا تقول: "جاءني مَثْنَى وثلاث" حتى يتقدم قبله جمع؛ لأن هذا الباب جعل بياناً لترتيب الفعل، فإذا قلت: "جَاءَ الْقَوْمُ مَثْنَى"، أَفَادَ أنَّ مجيئهم وقع من اثنين اثنين، بخلاف غير المعدولة، فَإنَّها تفيد الإخبار عن مقدارِ المعدودِ دُونَ غيره؛ فقد بان بما ذكرنا اختلافهما في المعنى فلذلك جاز أن تقوم العِلَّةُ مَقَامَ العلتين لإيجابهما حكمين مختلفين - انتهى. وقال الزمخشري: "إنَّمَا منعت الصرف لما فيها من العَدْلَيْن؛ عدلها من صيغتها، وعدلها عن تكررها، وهن نكرات يُعَرَّفْنَ بلام التعريف، يقال: فلان ينكح المثْنَى والثلاث". قال أبو حيان: "ما ذهب إليه من امتناعها لذلك لا أعلم أحداً قاله، بل المذهب فيه أربعة" ذكرها كما تقدم، وقد يقال: إنَّ هذا هو المذهب الرابع وعبَّر عن العدل في المعنى بعدلها عن تكررها وناقشه [أبو حيان] أيضاً في مثاله بقوله: ينكح المثنى من وجهين: أحدهما: دخول "أل" عليها، قال: "وهذا لم يذهب إليه أحد بَلْ لَمْ تُسْتَعْمَلْ في لسان العرب إلاَّ نكرات", الثاني: أنه أولاها العوامل، ولا تلي العوامل بل يتقدمها شيء يلي العوامل، ولا تقع إلا أخباراً كقوله عليه السلام: "حديث : صلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" تفسير : أو أحوالاً كهذه الآية الكريمة أو صفات نحو قوله تعالى: {أية : أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} تفسير : [فاطر: 1] وقوله: [الطويل] شعر : 1738-........................... ذِئَابٌ تَبَغَّى النَّاسَ مَثْنَى وَمَوْحَدُ تفسير : وقد وقعت إضافتها قليلاً كقوله: [الطويل] شعر : 1739-........................ بِمَثْنَى الزُّقَاقِ المُتْرَعَاتِ وَبِالجُزُرْ تفسير : وقد استدلَّ بعضهم على إيلائها العَوَامل على قِلَّةٍ بقوله: [الوافر] شعر : 1740- ضَرَبْتُ خُمَاسَ ضَرْبَةَ عَبْشَمِيٍّ أذارُ سُدَاس ألاَّ يَسْتَقِيمَا تفسير : ويمكن تأويله على حذف المفعول لفهم المعنى تقديره: ضربتهم خماس. ومن أحكام هذه الألفاظ ألا تؤنث بالتاءِ، لا تقول: "مثناة" ولا "ثُلاثة" بل تَجْرِي على المذكر والمؤنث جَرَياناً واحداً. وقرأ النخعي وابن وثّاب "ورُبَعَ" من غير ألف، وزاد الزمخشري عن النخعي: "وثُلَثَ" أيضاً، وغيره عنه "ثُنَى" مقصوراً من "ثُناء" حَذَفوا الألف من ذلك كله تحقيقاً، كما حذفها الآخر في قوله: [الرجز] شعر : 1741-..................... يريد بارداً وَصلَّياناً بَرِدَا تفسير : فصل معنى قوله: {مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} أي اثنين اثنين وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً، والواو بمعنى "أو" للتخيير كقوله تعالى: {أية : أَنْ تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ } تفسير : [سبأ: 46] وقوله: {أية : أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} تفسير : [فاطر: 1] وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز لأحد أن يتزوج أكثر من أربع نسوة، وكانت الزيادة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. فصل ذهبَ أكْثرُ الفقهاء إلى أن قوله تعالى: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ} لا يتناول العبد؛ لأن الخطاب إنما يتناول إنساناً متى طلب امرأة قَدِرَ على نكاحها، والعبد ليس كذلك؛ لأنه لا يتمكن من النكاح إلا بإذن مولاه لقوله تعالى: {أية : عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} تفسير : [النحل: 75]، فَيَنْفِي كونه مستقلاًّ بالنكاح. وقال عليه السلام: "حديث : أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذنِ مَوْلاَهُ فَهُوَ عَاهِرٌ ". تفسير : وقال مالك: يجوز للعبد أن يتزوج أربعاً لظاهر الآية. وأجيب بأن قوله تعالى بعد هذه الآية: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} مختص بالأحرار؛ لأن العبد لا ملك له، وبقوله تعالى: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} تفسير : [النساء: 4] والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر، بل يكون لسيده. قال مالك: إذا ورد عمومان مستقلان فدخول التقييد في الآخر لا يوجب دخوله في السابق. وأجيب بأن هذه الخطابات وردت متوالية على نسق واحد، فلما ذكر في بعضها الأحرار علم أن الكل كذلك. فصل ذهبت طائفة فقالوا: يجوز التزويج بأيّ عدد شاء، واحتجوا بالقرآن والخبر، أمَّا القرآن فتمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه: الأول: أن قوله {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} إطلاق في جميع الأعداد، بدليل أنه لا عدد إلاّ ويصح استثناؤه منه. وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل. الثاني: أن قوله: {مثنى وثلاث ورباع} لا يصلح مخصصاً لذلك العموم؛ لأن تخصيص بعض الأعداد يدخل على رفع الحرج؛ والحجر مطلقاً، فإن الإنسانَ إذا قال لولده: افعل ما شئت، اذهب إلى السوق وإلى المدرسة، وإلى البستان، لم يكن تنصيصاً للإذن بتلك الأشْيَاء المذكورة فقط، بل يكون ذلك إذناً في المذكور، وغيره، هكذا هنا. الثالث: أن الواو للجمع المطلق، فقوله تعالى: {مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} لا يدخل هذا المجموع، وهو تسعة، بل يفيد ثمانية عشر؛ لأن قوله مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط، بل عن اثنين اثنين، وكذا البقية. وأما الخبر فمن وجهين: الأول: أنه ثبت بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام مات عن تسع، وأمرنا الله باتباعه بقوله تعالى: {أية : فَٱتَّبِعُوهُ} تفسير : [الأنعام: 153] وأقل [مراتب] الأمر الإباحة. الثاني: أن التزويج بأكثر من أربع طريقه عليه الصلاة والسلام، فيكون سنةً له. وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : النِّكَاحُ سُنَّتِي وَسُنَّةُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" تفسير : وهذا يقتضي الذم لمن ترك التزويج بأكثر من أربع، فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز. أجاب القدماء بما رُوِيَ حديث : أن غَيْلاَنَ أسلم وتحته عشر نسوة فقال له عليه الصلاة والسلام: "أمْسِكْ أربعاً وَفَارِقْ بَاقِيهنَّ" تفسير : وهذا ضعيف من وجهين: الأول: أن هذا نسخ للقرآن بخبر الواحد، وذلك لا يجوز. الثاني: أن هذه واقعة حال، فلعله عليه الصلاة والسلام إنَّما أمره بإرسال أربع ومفارقة البواقي؛ لأن الجمع بين الأربع وبين البواقي غير جائز، إمَّا لنسب أو رضاع، أو اختلاف دين محرم، وإذا قام الاحتمال فلا يمكن نسخ القرآن إلا بمثله. واستدلوا أيضاً بإجماع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع، وهذا أيضاً فيه نظر من وجهين: أحدهما: أن الإجْمَاعَ لا يُنْسَخُ به فكيف يقال: الإجماع نسخ هذه الآية؟ الثاني: أن هؤلاء الذين قالوا بجواز الزيادة على الأربع من جملة فقهاء الأمصار، والإجماع لا ينعقد مع مخالفة الواحد والاثنين. وأجيب عن الأول بأن الإجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الثاني أن هذا المخالف من أهل البدعة، فلا عبرة بمخالفته. فإن قيل: إذا كان الأمر على ما قلتم فكان الأولى أن يقال: "مثنى أو ثلاث أو رباع" فلم جاء بواو العطف [دون "أو"]. فالجواب: أنه لو جاء بالعطف بـ "أو" لكان يقتضي أنه يجوز ذلك إلا أحد هذه الأقسام، وألاَّ يجوز لهم أن يجمعوا بين هذه الأقسام، بمعنى أن بعضهم يأتي بالتثنية، وبعضهم بالتثليث، والفريق الثالث بالتربيع، فلما ذكره بحرف الواو أفاد ذلك أنه يجوز لكل طائفة أن يختاروا قسماً من هذه الأقسام، ونظيره أن يقال للجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف، درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، ولطائفة ثالثة أن يأخذوا أربعة أربعة، فكذا هاهنا في ترك "أو" وذكر الواو. فصل قال مالك والشافعيُّ - رحمهما الله تعالى - "إذا تزوج خامسة وعنده أربع عليه الحد إن كان عالماً". وقال الزُّهْرِيُّ: "يرجم إذا كان عالماً، وإذا كان جاهلاً عليه أدنى الحدين، الذي هو الجلد وهو مهرها، ويفرَّق بينهما ولا يجتمعان أبداً". وقال النُّعْمَانُ: "لا حدّ عيه في شيء من ذلك". وقالت طائفة: "يحدُّ في ذات المحرم، ولا يحدّ في غير ذلك من النكاح، مثل أن يتزوج مجوسية، أو خمساً في عقد، أو تزوّج معتدة، أو بغير شهود، أو [تزوج] أمة بغير إذن مولاها". قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ} شرط، جوابه "فواحدة"، وقد تقدّم أن منهم من جعل "فواحدة" جواباً للأول وكررّ الثاني لما طال الفصل، وجعل قوله: {فَٱنكِحُواْ} جملة اعتراض، ويُعْزَى لأبي علي، ولعله لا يَصِحُّ عنه. قال أبو حيان: إذا أنتج من الآيتين هذه وقوله: {أية : وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ} تفسير : [النساء: 129] ما أنتج [من] الدلالة اقتضى أنه لا يجوز أن يتزوّج غير واحدة، أو يتسرَّى بما ملكت يمينه، ويبقى الفصل بجملة الاعتراض لا فائدة له، بَلْ يكون لغواً على زعمه. والجمهور على نصب "فواحدة" بإضمار فعل أي: فانكحوا واحدة وطؤوا ما ملكت أيمانكم، وإنما قدّرنا ناصباً آخر لملك اليمين؛ لأن النكاح لا يقع في ملك اليمين، إلا أن يريد به الوطء في هذا، والتزويج في الأول، فيلزم استعمال المشترك في معنيين أو الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكلاهما مقول به، وهذا قريب من قوله: [الرجز] شعر : 1742- عَلَفْتُهَا تِبْنَاً وَمَاءً بَارِدَاً .............................. تفسير : وبابه. وقرأ الحسن وأبو جعفر: "فواحدةٌ" بالرفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: الرفع بالابتداء، وسوَّغ الابتداء بالنكرة اعتمادها على فاء الجزاء، والخبر محذوف أي: فواحدة كافية. الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي فالمقنع واحدة. الثالث: أنه فاعل بفعل مقدّر أي: فيكفي واحدة. و "أو" على بابها من كونها للإباحة أو التخيير. و "ما ملكت" كهي [في قوله]: "مَا طَابَ" [فإن قيل: المالك هو نفسه لا يمينه، فلِمَ] أضاف المِلْك لليمين [فالجواب] لأنها محل المحاسن، وبها تُتَلَقَّى رايات المجد. وروي عن أبي عمرو: "فما ملكت أيمانكم"، والمعنى: إن لم يعدل في عِشْرَةِ واحدة فما ملكت يمينه. وقرأ ابن أبي عبلة "أو من ملكت أيمانكم". ومعنى الآية: إن خفتم ألا تعدلوا بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها فاكتفوا بزوجة واحدة، أو بالمملوكة. قوله: "ذلك أدنى" مبتدأ وخبر، و "ذلك" إشارة إلى اختيار الواحدة أو التسرِّي. و "أدنى" أفعل تفضيل من دنا يدنو أي: قرُب إلى عدم العول. قال أبو العباس المقرئ: "ورد لفظ أدنى في القرآن على وجهين: الأول: بمعنى أحرى قال تعالى: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ}. والثاني: بمعنى "دون" قال تعالى: {أية : أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} تفسير : [البقرة: 61] يعني الرديء بالجيد". قوله تعالى: {أَلاَّ تَعُولُواْ} في محل نصب أو جرٍّ على الخلاف المشهور في "أن" بعد حذف حرف الجر، وفي ذلك الحرف المحذوف ثلاثة أوجه: أحدها: "إلى" أي: أدنى إلى ألا تعولوا. والثاني: "اللام" والتقدير: أدنى لئلا تعولوا. والثالث: وقدّره الزمخشريُّ من ألا تميلوا؛ لأن أفعل التفضيل يجري مجرى فعله، فما تعدى به فعله [تعدى] هو به، وأدنى من "دنا" و "دنا" يتعدى بـ "إلى" و "اللام"، و "من" تقول: دنوت إليه، وله، ومنه. وقرأ الجمهور: "تعولوا" من عال يعول إذا مال وجار، والمصدر العول والعيالة، وعال الحاكم أي: جار. حكي أن أعرابياً حكم عليه حاكم فقال له: أتعول عليَّ. وقال أبو طالب في النبي عليه السلام [الطويل] شعر : 1743-............................ لَهُ حَاكِمٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلِ تفسير : وروي عن عائشة - رضي الله عنها - مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} [النساء: 3] قال: "حديث : لاَ تَجُورُوا ". تفسير : وفي رواية أخرى "حديث : ألا تميلوا ". تفسير : قال الواحدي رحمه الله: "كلا اللفظين مرويّ؛ وعال الرجل عيالَهُ يَعُولهم إذا مانَهُمْ من المؤونة ومنه أبْدَأ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بمَنْ تَعُول". وحكى ابن الأعرابي: عال الرجل يعول: كثر عياله، وَعَالَ يِعِيلُ افتقر وصار له عائلة، والحاصل أن "عال" يكون لازماً ومتعدياً، فاللازم يكون بمعنى: مال وجار، والمتعدي ومنه "عال الميزان". قال أبو طالب: [الطويل] شعر : 1744- بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَغُلُّ شَعِيرَةً وَوَزَّان صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ تفسير : وعالت الفريضة إذا زادت سهامها، ومعنى كثر عياله، وبمعنى تفاقم الأمر، والمضارع من هذا كله يَعُولُ، وعال الرجل افتقر، وعالَ في الأرض: ذهب فيها، والمضارع من هذين يَعِيل، والمتعدي يكون بمعنى أثقل، وبمعنى مانَ من المؤونة، وبمعنى غَلَبَ ومنه "عيل صبري"، ومضارع هذا كله يَعُول، وبمعنى أعجز، تقول: أعجزني الأمرُ، ومضارع هذا يَعيل، والمصدر "عَيْل" و "مَعِيل"، فقد تلخص من هذا أن "عال" اللازم يكون تارة من ذوات الواو، وتارة من ذوات الياء، باختلاف المعنى، وكذلك عال المتعدي أيضاً. ومنه: [الطويل] شعر : 1745- وَوَزَّانُ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ تفسير : وفسَّر الشافعي رحمه الله {تَعُولُواْ} بمعنى يكثر عيالُكُم. وردَّ هذا القول جماعة كأبي بكر بن داود الرازي والزجاج وصاحب النظم. قال الرازي: "هذا غلط من جهة المعنى واللفظ، أما المعنى فلإباحة السراري صح أنه مظنة كثرة العيال كالتزويج، وأما اللفظ؛ فلأن مادة عال بمعنى كثر عياله من ذوات الياء؛ لأنه من العَيْلَةِ، وأما عال بمعنى "جار" فمن ذوات الواو، واختلفت المادتان، وأيضاً فقد خالف المفسرين". وقال صاحبُ النظم: قال أولاً "ألاَّ تعدلوا" فوجب أن يكون ضده الجور. وأجيب عن الأول وهو أنَّ التَّسَرِي أيضاً يكثر معه العيال، مع أنه مباح ممنوع؛ لأن الأمة ليست كالزوجة؛ لأنه يعزل عنها بغير إذنها، ويؤجرها ويأخذ أجرتها ينفقها عليه وعلى أولاده وعليها. قال الزمخشري: "وجههُ أن يُجْعَلَ من قولك: عَالَ الرجلُ عياله يعولهم كقولك: مانَهم يَمُونهم أي: أنْفَقَ عليهم؛ لأن من كثر عياله لَزِمَهُ أن يَعُولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة من كسب الحلال والأخذ من طيب الرزق" ثم أثنى على الشافعي ثناءً جميلاً، وقال: ولكن للعلماء طُرق وأساليبُ، فسلك في تفسير هذه الآية مسلك الكنايات، انتهى. وأما قولُهم: "خالف المفسرين" فليس بصحيح، بل قاله زيد بن أسلم وابن زيد. وأما قولهم: "اختلفت المادتان" فليس بصحيح أيضاً؛ لأنه قد تقدَّم حكايةُ ابن الأعرابي عن العرب: عال الرجل يعول كثر عياله، وحكاها الْكِسَائِيُّ أيضاً قال: يقالُ: عالَ الرَّجل يَعُولُ، وأعال يعيل كثر عياله. قال أبو حاتم: كان الشَّافِعِيُّ أعْلَمَ بلسانِ العرب مِنَّا، ولعلّه لغة، ويقال: هي لغة "حمير" ونقلها أيضاً الدَّوْرِيُّ المقرِئُ لغةً عِنْ حِمْيَر وأنشد [الوافر]: شعر : 1746- وَإنَّ الْموتَ يأخُذُ كُلَّ حَيٍّ بِلاَ شَكٍّ وَإنْ أمْشِى وَعَالا تفسير : أمشى: كثرت ماشيته، وعَالَ كَثُرَ عياله، ولا حجَّةَ في هذا؛ لاحتمال أن يكون "عال" من ذَوَاتِ الياء، وهم لا يُنْكِرُونَ أنَّ "عال" يكون بمعنى كثر عياله، ورُوِيَ عنه أيضاً أنَّهُ فَسَّرَ تعولوا بمعنى تفتقروا، ولا يُريدُ به أنَّ "تعولوا" وتعيلوا بمعنى، بل قصد الكِنَايَة أيضاً؛ لأن كثرةَ العيالِ سَبَبٌ للفقر. وقرأ طلحة: "تَعيلوا" بفتح تاء المضارعة من عال يعيل افتقر قال: [الوافر] شعر : 1747- فَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِنَاهُ وَمَا يَدْرِي الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ تفسير : وقرأ طاوس: "تُعيلوا" بضمها من أعَالَ: كثر عياله، وهي تُعَضَّدُ تفسير الشَّافعيِّ المتقدِّم من حيث المعنى. وقال الرَّاغبُ: عَالَهُ، وَغَالَهُ يتقاربان، لكن الغَوْلَ: فيما يُهلك والعَوْل فيما يُثْقِلُ.

البقاعي

تفسير : ولما كان تعالى قد أجرى سنة الإلهية في أنه لا بد في التناسل من توسط النكاح إلا ما كان من آدم وحواء وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكانوا قد أمروا بالعدل في أموال اليتامى، وكانوا يلون أمور يتاماهم، وكانوا ربما نكحوا من في حجورهم منهن، فكان ربما أوقفهم هذا التحذير من أموالهم عن النكاح خوفاً من التقصير في حق من حقوقهن أتبعه تعالى عطفاً على ما تقديره: فإن وثقتم من أنفسكم بالعدل فخالطوهم بالنكاح وغيره: {وإن خفتم} فعبر بأداة الشك حثاً على الورع {ألا تقسطوا} أي تعدلوا {في اليتامى} ووثقتم من أنفسكم بالعدل في غيرهن {فانكحوا}. ولما كانت النساء ناقصات عقلاً وديناً، عبر عنهن بأداة ما لا يعقل إشارة إلى الرفق بهن والتجاوز عنهن فقال: {ما} ولما أفاد أنكحوا الإذن المتضمن للحل، حمل الطيب على اللذيذ المنفك عن النهي السابق ليكون الكلام عاماً مخصوصاً بما يأتي من آية المحرمات من النساء - ولا يحمل الطيب على الحل لئلا يؤدي - مع كونه تكراراً - إلى أن يكون الكلام مجملاً - لأن الحل لم يتقدم علمه، والحمل على العام المخصوص أولى، لأنه حجة في غير محل التخصيص، والمجمل ليس بحجة أصلاً - أفاده الإمام الرازي؛ فقال تعالى: {طاب} أي زال عنه حرج النهي السابق ولذّ، وأتبعه قيداً لا بد منه بقوله: {لكم} وصرح بما علم التزاماً فقال: {من النساء} أي من غيرهن {مثنى وثلاث ورباع} أي حال كون هذا المأذون في نكاحه موزَّعاً هكذا: ثنتين ثنتين وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً لكل واحد، وهذا الحكم عرف من العطف بالواو، ولو كان بأو لما أفاد التزوج إلا على أحد هذه الوجوه الثلاثة، ولم يفد التخيير المفيد للجمع بينها على سبيل التوزيع، وهذا دليل واضح على أن النساء أضعاف الرجال، وروى البخاري في التفسير "عن عروة ابن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} [النساء: 3]، فقالت: يا ابن أختي! هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن ذلك أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله عز وجل {أية : ويستفتونك في النساء}تفسير : [النساء: 127] قالت عائشة: وقول الله عز وجل في آية أخرى {أية : وترغبون أن تنكحوهن} تفسير : [النساء: 127] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، قالت: فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهم إذا كن قليلات المال والجمال" وفي رواية "في النكاح"، فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى في الصداق؛ وهذا الخطاب للأحرار دون العبيد، لأن العبد لا يستقل بنكاح ما طاب له، بل لا بد من إذن السيد. ولما كان النساء كالتيامى في الضعف قال مسبباً عن الإذن في النكاح: {فإن خفتم ألا تعدلوا} أي في الجمع {فواحدة} أي فانكحوها، لأن الاقتصار عليها أقرب إلى العدل, لأنه ليس معها من يقسم له فيجب العدل بينها وبينه, ولما كان حسن العشرة المؤدي إلى العدل دائراً على اطراح النفس، وكان الإماء - لكسرهن بالغربة وعدم الأهل - أقرب إلى حسن العشرة سوّى بين العدد منهم إلى غير نهاية وبين الواحدة من الحرائر فقيل: {أو ما} أي انكحوا ما {ملكت أيمانكم} فإنه لا قسم بينهن، وذكر ملك اليمين يدل أيضاً على أن الخطاب من أوله خاص بالأحرار {ذلك} أي نكاح غير التيامى والتقلل من الحرائر والاقتصار على الإماء {أدنى} أي أقرب إلى {ألا تعولوا *} أي تميلوا بالجور عن منهاج القسط وهو الوزن المستقيم، أو تكثر عيالكم، أما عند الواحدة فواضح، وأما عند الإماء فالبعزل، وعدم احتياج الرجل معهن لخادم له أو لهن، والبيع لمن أراد منهن، وأمرهن بالاكتساب، أو تحتاجوا فتظلموا بعض النساء، أو تأكلوا أموال التيامى؛ وكل معنى من هذه راجع إلى لازم لمعنى المادة الذي مدارها عليه، لأن مادة "علا" - واوية بجميع تقاليبها الست: علو، عول، لوع، لعو، وعل، ولع؛ ويائية بتركيبيها: ليع، عيل تدور على الارتفاع، ويلزمه الزيادة والميل، فمن الارتفاع: العلو والوعل والولع، ومن الميل والزيادة: العول، وبقية المادة يائيةً وواويةً إما للإزالة، وإما لأحد هذه المعاني - على ما يأتي بيانه؛ فعلا يعلو: ارتفع، والعالية: الفتاة القويمة - لأ،ها تكون أرفع مما ساواها وهو معوج، والعالية من محال الحجاز - لإشرافها على ما حولها، وكذا العوالي - لقرى بظاهر المدينة الشريفة - لأنها في المكان العالي الذي يجري ماؤه إلى غيره، والمعلاة: كسب الشرف، ومقبرة مكة بالحجون - لأنها في أعلى مكة وماؤها يصوب إلى ما دونه، وفلان من علية الناس، أي أشرافهم، والعلية بالتشديد: الغرفة، وعلى حرف الاستعلاء، وتعلت المرأة من نفاسها، أي طهرت وشفيت - لأنها كانت في سفول من الحال، والعلاوة: رأس الجبل وعنقه، وما يحمل على البعير بين العدلين، ومن كل شيء: ما زاد عليه، والمعلى: القدح السابع من الميسر - لأنه الغاية في القداح الفائزة، لأن القداح عشرة: السبعة الأولى منها فائزة، والثلاثة الأخيرة مهملة لا أنصباء لها، وعلوان الكتاب: عنوانه وارتفاعه على بقية الكتاب واضح، والعليان: الطويل والضخم، والناقة المشرفة، ومن الأصوات: الجهيرة، والعلاة: السندان، والعلياء: رأس كل جبل مشرف، والسماء، والمكان العالي، وكل ما علا من شيء، وعليك زيداً: الزمه - لأنه يلزم من ملازمته له العلو على أمره، وعلا النهار: ارتفع, وعلا الدابة: ركبها, وأعلى عنها: نزل - كأنه من الإزالة, وكذا علَّى المتاع عن الدابة تعلية: أنزله، وأعليت عن الوسادة وعاليت: ارتفعت وتنحيت، ورجل عالي الكعب: شريف، وعلَّى الكتاب تعلية: عنونه كعلونه، وعالوا نعيه: أظهروه، والعلي: الشديد القوي، وعليون في السماء السابعة، وأخذه علواً: عنوة، والتعالي: الاتفاع، إذا أمرت منه قلت: تعال - بفتح اللام، ولها: تعالي - بفتح اللام، - ولو كنت في موضع أسفل من موضع المأمور، لأنه يحتاج إلى تطاول مهما كان بينك وبينه مسافة، ولأن الآمر أعلى من المأمور رتبة فموضعه كذلك، وتعلى: علا في مهلة، والمعتلي: الأسد؛ واللعو: السيء الخلق، والفسل، والشره الحريص، واللاعي: الذي يفزعه أدنى شيء، إما لأنه وصل إلى الغاية في السفول فتسنم أعلاها حتى رضي لنفسه هذه الأخلاق، وإما لأنه من باب الإزالة، أو التسمية بالضد، وذئبة لعوة وامرأة لعوة، أي حريصة، واللعوة: السواد بين حلمتي الثدي، إما لأن ذلك أعلاه، وإما لعلو لون السواد على لون الثدي، والألعاء: السلاميات، والسلامى عظم يكون في فرسن البعير، وعظام الصغار في اليد والرجل، وذلك لأن العظام أعلى ما في الجسد في القوة والشدة والصلابة، وهي أعظم قوامه؛ واللاعية: شجيرة في سفح الجبل، لها نور أصفر، ولها لبن، وإذا ألقي منه شيء في غدير السمك أطفاها، أي جعلها طافية أي عالية على وجه الماء، سميت بذلك إما من باب الإزلاة نظراً إلى محل بيتها، وإما لأن ريحها يعلو كل ما خالطه ويكسبه طعمها, وإما لفعلها هذا في السمك, وتلعّى العسل: تعقّد وزناً ومعنى - إما من اللاعية لأنها كثيرة العقد، وإما من لازم العلو: القوة والشدة، ولعا لك - يقال عند العثرة، أي أنعشك الله؛ والعول: ارتفاع الحساب في الفرائض، والعول: الميل، وقدم تقدم أنه لازم للعلو، والعول: كل ما أمر غلبك، كأنه علا عنك فلم تقدر على نيله, والمستعان به - لأنه لا يتوصل به إلى المقصود إلا وفيه علو، وقوت العيال - لأنه سبب علوهم، وعوّل عليه معولاً: اتكل واعتمد، والاسم كعنب، وعيّل ككيس، وعال: جار والميزان: نقص أو زاد، فالزيادة من الارتفاع، والنقص من لازم الميل، وعالت الفريضة: ارتفعت أي زادت سهامها فدخل النقصان على أهل الفرائض، قال أبو عبيد: أظنه مأخوذاً من الميل، وعال أمرهم: اشتد وتفاقم، وعال فلان عولاً وعيالاً: كثر عياله، كأعول وأعيل، ورجل معيل ومعيّل ذو عيال، وأعال الرجل وأعول - إذا حرص، إما مما تقدم تخريجه، وإما لأنه لازم لذي العيال، وعال عليه: حمل، أي رفع عليه الحمول كعول، وفلان: حرص، والفرس، صوتت، وأعولت المرأة: رفعت صوتها بالبكاء، وعيل عوله: ثكلته أمه - لما يقع من صياحها، وعيل ما هو عائله: غلب ما هو غالبه، يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه لأنه لا يكون كذلك إلا وقد خرج عن أمثاله علواً، وقد يكون بسفول، فيكون من التسمية بالضد، والعالة: النعامة لأنها أطول الطير، وما له عال ولا مال: شيء ح لأن ذلك غاية في السفول إن كان عجزاً، وفي العلو إن كان زهداً، ويقال للعاثر: عالك عالياً. كقولهم: لعا لك، والمعول: حديدة تنفر بها الجبال - من القوة اللازمة للعلو، والعالة، شبه الظلة يستر بها من المطر؛ واللوعة: حرقة توجد من الحزن أو الحب أو المرض أو الهم - لأنها تعلو الإنسان، ولاعه الحب: أمرضه، وأتان لاعة الفؤاد إلى جحشها - كأنها ولهى فزعاً، ولاع يلاع: جزع أو مرض ورجل هاع لاع: جبان جزوع، أو حريص، أو سيىء الخلق - لما علاه من هذه الأخلاق المنافية للعقل وغلبه منها، ولاعته الشمس: غيرت لونه واللاعة أيضاً: الحديدة الفؤاد الشهمة - لأنه يعلوا غيره، وامرأة لاعة: التي تغازلك ولا تمكنك - لما لها في ذلك من الغلبة والعلو على القلوب؛ والوعل: تيس الجبل، والشريف، والملجأ، والوعلة: الموضع المنيع من الجبل، أو صخرة مشرفة منه، وهم علينا وعل واحد: مجتمعون، وما لك عن ذلك وعل، أي بد - إنه لولا علوه عليك ما اضطررت إليه, والوعل: اسم شوال - كأنه لما له من العلو بالعيد والحج، والوعل ككتف: اسم شعبان ح لما له من العلو بتوسطه بين رجب وشوال، والوعلة أيضاً: عروة القميص والزير زره والقدح والإبريق الذي يعلق بها فيعلو، ووعال كغراب: حصن باليمن، والمستوعل - بفتح العين: حرز الوعل، ووعل كوعد: أشرف، وتوعلت الجبل: علوته؛ وأولع فلان بكذا، أو ولع بالكسر: استخف، أي صار عالياً عليه غالباً له إطاقته حمله، وولع بحقه: ذهب، وولع بالفتح - إذا كذب، إما للإزالة وإما لأنه استخفه الكذب فحمله، وولع والع - مبالغة، أي كذب عظيم والمولع: الذي فيه لمع من ألوان - كأنه علا على تلك الألوان، أو غلب تلك الألوان أصل لونه، وعبارة القاموس: والتوليع: استطالة البلق، يقال برذون وثور مولع - كمعظم، والوليع: الطلع ما دام في قيقائه، أي وعائه. وهو قشرة الطلع لعلوه، وما أدري ما ولعه - بالفتح أي حبسه، إما للإزالة، لإنه لما منعه كان كأنه أزال علوه، وإما لأنه علا عليه، وأولعه به، أي أغراه، أي حمله عليه؛ والعيلة: الحاجة، وعال يعيل - إذا افتقر، وذلك إما من الإزالة، أو لأن الحاجة علته، أو لأنها ميل، وعالني الشيء: أعجزني، وعيل صبري: قل وضعف أي علاه من الأمر ما أضعفه، وعلت الضالة: لم أدر أين أبغيها، والمعيل: الأسد والنمر والذئب - لأنه يعيل صيداً أي يلتمس, فهو يرجع إلى العلو والقدرة على الطلب، وعالني الشيء: أعوزني - إما أزال علوي، أو علا عني، وعال في مشيه: تمايل واختال وتبختر - لأنه لا يفعله إلا عال في نفسه مع أنه كله من الميل، وعال في الأرض: ذهب أي علا عليها مشياً، والذكر من الضباع عيلان، والعيل محركة: عرضك حديثك وكلامك على من لا يريده وليس من شأنه - كأنه لم يهتد لمن يريده فعرضه على من لا يريده، فهو يرجع إلى الحاجة المزيلة للعلو؛ وليعة الجوع - بالفتح: حرقته - كما تقدم في اللوعة، ولعت - بالكسر: ضجرت، كأنه من الإزالة، أو أن العلو للأمر المتضجر منه، والملياع - علاها، والملياع: التي تقدم الإبل سابقة ثم ترجع إليها، وريح لياع - بالكسر: شديدة، وقد وضح بذلك صحة ما فسر به إمامنا الشافعي صريحاً ومطابقة - كما تقدم، وشهد له العول في الحساب والسهام، وهو كثرتها، وظهر تحامل من رد ذلك وقال: إنه لا يقال في كثرة العيال إلا: عال يعيل، وكم من عائب قولا صحيحاً! وكيف لا وهو من الأئمة المحتج بأقوالهم في اللغة، وقد وافقه غيره وشهد لقوله الحديث الصحيح؛ قال الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني الشافعي في كتابه البيان: {ألا تعولوا} قال الشافعي: معناه أن لا تكثر عيالكم ومن تمونونه، وقيل: إن أكثر السلف قالوا: المعنى أن لا تجوروا، يقال: عال يعول - إذا جار وأعال يعيل - إذا كثر عياله؛ إلا زيد بن أسلم فإنه قال: معناه أن لا تكثر عيالكم، وقول النبي صلى الله عليه وسلم يشهد لذلك، قال: " حديث : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" تفسير : انتهى. وهذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما عن حكيم بن حزام عن أبي هريرة رضي الله عنهما بلفظ " حديث : أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول"تفسير : وفي الباب أيضاً عن عمران بن حصين وأبي رمثة البلوي وأبي أمامة رضي الله عنهم، وأثر زيد بن أسلم رواه الدارقطني والبيهقي من طريق سعيد بن أبي هلال عنه، قال: " حديث : ذلك أدنى أن لا يكثر من يعولونه " تفسير : أفاده شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي وقال الإمام: إن تفسير الشافعي هو تفسير الجماعة، عبر عنه بالكناية وهي ذكر الكثرة، وأراد الميل لكون الكثرة، لا تنفك عنه، وقال ابن الزبير: لما تضمنت سورة البقرة ابتداء الخلق وإيجاد آدم عليه الصلاة والسلام من غير أب ولا أم، وأعقبت بسورة آل عمران لتضمنها - مع ذكر في صدرها - أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه كمثل آدم عليه الصلاة والسلام في عدم الافتقار إلى أب، وعلم الموقنون من ذلك أنه تعالى لو شاء لكانت سنة فيمن بعد آدم عليه الصلاة والسلام، فكأن سائر الحيوان لا يتوقف إلا على أم فقط؛ أعلم سبحانه أن من عدا المذكورين عليهما الصلاة والسلام من ذرية آدم سبيلهم سبيل الأبوين فقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} إلى قوله: {وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء} ثم أعلم تعالى كيفية النكاح المجعول سبباً في التناسل وما يتعلق به، وبين حكام الأرحام والمواريث فتضمنت السورة ابتداء الأمر وانتهاءه، فأعلمنا بكيفية التناكح وصورة الاعتصام واحترام بعضنا لبعض وكيفية تناول الإصلاح فيما بين الزوجين عند التشاجر والشقاق، وبين لنا ما ينكح وما أبيح من العدد وحكم من لم يجد الطول وما يتعلق بهذا إلى المواريث، فصل ذلك كله إلا الطلاق. لأن أحكامه تقدمت، ولأن بناء هذه السورة على التواصل والائتلاف ورعي حقوق ذوي الأرحام وحفظ ذلك كله إلى حالة الموت المكتوب علينا، وناسب هذا المقصود من التواصل والألفة ما افتتحت به السورة من قوله تعالى: {أية : الذي خلقكم من نفس واحدة}تفسير : [النساء: 1]، فافتتحها بالالتئام والوصلة ولهذا خصت من حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والمعدلة إبقاء لذلك التواصل فلم يكن الطلاق ليناسب هذا، فلم يقع له هنا ذكر إلا إيماء {أية : وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته}تفسير : [النساء: 13] ولكثرة ما يعرض من رعي حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة - ويدق ذلك ويغمض - تكرر كثيراً في هذه السورة الأمر بالاتقاء، وبه افتتحت {أية : اتقوا ربكم} تفسير : [النساء: 1]، {أية : واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام}تفسير : [النساء: 1]، {أية : ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله}تفسير : [النساء: 131]، ثم حذروا من حال من صمم على الكفر وحال اليهود والنصارى والمنافقين وذوي التقلب في الأديان بعد أذن اليقين، وكل ذلك تأكيد لما أمروا به من الاتقاء، والتحمت الآيات إلى الختم بالكلالة من المواريث المتقدمة - انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله ‏ {‏وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى‏} ‏ قالت‏:‏ يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في مالها ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره‏.‏ فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية‏.‏ فأنزل الله ‏{أية : ويستفتونك في النساء‏}‏ ‏تفسير : [‏البقرة: 220‏]‏ قالت عائشة‏:‏ وقول الله في الآية الأخرى ‏{أية : وترغبون أن تنكحوهن‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 127‏]‏ رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال‏.‏ فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من باقي النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال‏.‏ وأخرج البخاري عن عائشة. أن رجلاً كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذق فكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء‏.‏ فنزلت فيه ‏ {‏وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى‏} ‏ أحسبه قال كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عائشة قالت‏:‏ نزلت هذه الآية في اليتيمة تكون عند الرجل وهي ذات مال، فلعله ينكحها لمالها وهي لا تعجبه، ثم يضربها ويسيء صحبتها‏.‏ فوعظ في ذلك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال‏:‏ كان الرجل من قريش يكون عنده النسوة ويكون عنده الأيتام، فيذهب ماله فيميل على مال الأيتام‏.‏ فنزلت هذه الآية ‏{‏وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عكرمة في الآية قال‏:‏ كان الرجل يتزوّج الأربع والخمس والست والعشر فيقول الرجل‏:‏ ما يمنعني أن أتزوّج كما تزوّج فلان‏!‏ فيأخذ مال يتيمة فيتزوّج به، فنهوا أن يتزوّجوا فوق الأربع‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ كان الرجل يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى، فنهى الله عن ذلك‏.‏ وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ قصر الرجال على أربع نسوة من أجل أموال اليتامى‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏:‏ بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم والناس على أمر جاهليتهم إلا أن يؤمروا بشيء وينهوا عنه، فكانوا يسألون عن اليتامى ولم يكن للنساء عدد ولا ذكر، فأنزل الله ‏ {‏وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وكان الرجل يتزوج ما شاء فقال‏:‏ كما تخافون أن لا تعدلوا في اليتامى فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن‏.‏ فقصرهم على الأربع‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ كانوا في الجاهلية ينكحون عشراً من النساء الأيامى، وكانوا يعظمون شأن اليتيم، فتفقدوا من دينهم شأن اليتامى، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية‏. ‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ كما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى فخافوا أن لا تعدلوا في النساء إذا جمعتموهن عندكم‏. ‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية قال‏:‏ كانوا في الجاهلية لا يرزؤن من مال اليتيم شيئاً وهم ينكحون عشراً من النساء وينكحون نساء آبائهم، فتفقدوا من دينهم شأن النساء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن أبي موسى الأشعري عن ابن عباس في الآية يقول‏:‏ فإن خفتم الزنا فانكحوهن يقول‏:‏ كما خفتم في أموال اليتامى أن لا تقسطوا فيها كذلك فخافوا على أنفسكم ما لم تنكحوا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية يقول‏:‏ إن تحرجتم في ولاية اليتامى وأكل أموالهم إيماناً وتصديقاً فكذلك فتحرجوا من الزنا، وانكحوا النساء نكاحاً طيباً مثنى وثلاث ورباع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن إدريس قال أعطاني الأسود بن عبد الرحمن بن الأسود مصحف علقمة فقرأت ‏ {‏فانكحوا ما طاب لكم من النساء‏} ‏ بالألف، فحدثت به الأعمش فأعجبه، وكان الأعمش لا يكسرها‏.‏ لا يقرأ ‏ "طيب‏" ‏ يمال، وهي في بعض المصاحف بالياء ‏ {‏طيب لكم‏} ‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك ‏ {‏ما طاب لكم‏} ‏ قال‏:‏ ما أحل لكم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الحسن وسعيد بن جبير ‏ {‏ما طاب لكم‏}‏ قال‏:‏ ما حل لكم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عائشة ‏ {‏ما طاب لكم‏} ‏ يقول‏:‏ ما أحللت لكم‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏مثنى وثلاث ورباع‏}‏‏.‏ أخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن ماجة والنحاس في ناسخه والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر. "حديث : أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏: ‏اختر منهن - وفي لفظ - أمسك أربعا وفارق سائرهن ‏"‏‏تفسير : .‏ وأخرج ابن أبي شيبة والنحاس في ناسخه "حديث : عن قيس بن الحارث قال‏:‏ أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال‏: اختر منهن أربعاً وخل سائرهن ففعلت‏‏‏ "تفسير : .‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين قال‏:‏ قال عمر‏:‏ من يعلم ما يحل للمملوك من النساء‏؟‏ قال رجل‏:‏ أنا‏.‏ امرأتين فسكت‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن الحكم قال‏:‏ أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق اثنتين‏.‏ أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في ‏ {‏فإن خفتم أن ألا تعدلوا‏} ‏ الآية يقول إن خفت أن لا تعدل في أربع فثلاث، وإلا فاثنتين، وإلا فواحدة، فإن خفت أن لا تعدل في واحدة فما ملكت يمينك‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الربيع‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك ‏ {‏فإن خفتم ألا تعدلوا‏} ‏ قال‏‏ في المجامعة والحب‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ‏ {‏أو ما ملكت أيمانكم‏} ‏ قال‏:‏ السراري‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏ {‏أو ما ملكت أيمانكم‏} ‏ فكانوا في حلال مما ملكت أيمانكم من الإماء كلهن‏.‏ ثم أنزل الله بعد هذا تحريم نكاح المرأة وأمها، ونكاح ما نكح الآباء والأبناء، وأن يجمع بين الأخت والأخت من الرضاعة، والأم من الرضاعة، والمرأة لها زوج حرم الله ذلك حر من حرةٍ أو أمة‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه عن عائشة"حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏ {‏ذلك أدنى ألا تعولوا‏} ‏ قال‏:‏ أن لا تجوروا"تفسير : قال ابن أبي حاتم‏:‏ قال أبي‏:‏ هذا حديث خطأ، والصحيح عن عائشة موقوف‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ألا تعولوا‏} ‏ قال‏:‏ أن لا تميلوا‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ‏ {‏ذلك أدنى ألا تعولوا‏} ‏ قال‏:‏ أجدر أن لا تميلوا‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول الشاعر‏:‏ شعر : إنا تبعنا رسول الله واطرحوا قول النبي وعالوا في الموازين تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والمنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ‏ {‏ألا تعولوا‏} ‏ قال‏:‏ أن لا تميلوا‏.‏ ثم قال‏:‏ أما سمعت قول أبي طالب‏:‏ شعر : بميزان قسط لا تخيس سعيرة ووازن صدق وزنه غير عائل تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي إسحق الكوفي قال‏:‏ كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه‏:‏ إني لست بميزان لا أعول‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الرحمن وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ‏{‏ألا تعولوا‏} ‏ قال‏:‏ أن لا تميلوا‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رزين وأبي مالك والضحاك‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال ‏ {‏ذلك أدنى‏} ‏ أن لا يكثر من تعولوا‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال‏:‏ ذلك أقل لنفقتك‏.‏ الواحدة أقل من عدد، وجاريتك أهون نفقة من حرة، أهون عليك في العيال‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة ‏ {‏ألا تعولوا‏} ‏ قال‏:‏ أن لا تفتقروا‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ} الإقساطُ العدلُ وقرىء بفتح التاء فقيل: هو مِنْ قَسَط أي جار ولا مزيدةٌ كما في قوله تعالى: {أية : لّئَلاَّ يَعْلَمَ } تفسير : [الحديد، الآية، 29] وقيل: هو بمعنى أقسطَ فإن الزجاجَ حَكى أن قسَط يُستعمل استعمالَ أقسطَ، والمرادُ بالخوف العلمُ كما في قوله تعالى: {أية : فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا} تفسير : [البقرة، الآية 182] عبّر عنه بذلك إيذاناً بكون المعلومِ مَخوفاً محذوراً لا معناه الحقيقي لأن الذي عُلّق به الجوابُ هو العلمُ بوقوع الجَورِ المَخوفِ لا الخوفُ منه وإلا لم يكنِ الأمرُ شاملاً لمن يُصِرُّ على الجور ولا يخافه، وهذا شروعٌ في النهي عن منكر آخَرَ كانوا يباشرونه متعلقٌ بأنفس اليتامىٰ أصالةً وبأموالهم تبعاً عَقيبَ النهي عما يتعلق بأموالهم خاصةً، وتأخيرُه عنه لقلة وقوعِ المنهيِّ عنه بالنسبة إلى الأول ونزولِه منه بمنزلة المركّبِ من الفرد وذلك أنهم كانوا يتزوّجون من تحِلُّ لهم من اليتامى اللاتي يلُونهنّ لكن لا لرغبة فيهن بل في مالهن ويُسيئون في الصحبة والمعاشرةِ ويتربّصون بهن أن يمُتْنَ فيرِثوهن، وهذا قولُ الحسنِ وقيل: هي اليتيمةُ التي تكونُ في حِجْر وليِّها فيرغب في مالها وجمالِها ويريد أن ينكِحَها بأدنى مِنْ مَهر نسائِها فنُهوا أن ينكِحوهن إلا أن يُقسِطوا لهن في إكمال الصَّداقِ، وأُمروا أن ينكِحوا ما سواهن من النساء، وهذا قولُ الزهري روايةً عن عروةَ عن عائشة رضي الله عنها، وأما اعتبارُ اجتماعِ عددِ كثيرٍ منهن كما أطبق عليه أكثرُ أهلِ التفسيرِ ــ حيث قالوا: كان الرجلُ يجد اليتيمةَ لها مالٌ وجمالٌ ويكون وليَّها فيتزوجها ضَناً بها عن غيره فربما اجتمعت عنده عشرٌ منهن الخ ــ فلا يساعده الأمرُ بنكاح غيرِهن فإن المحذورَ حينئذ يندفع بتقليل عددِهن، أي وإن خفتم أن لا تعدِلوا في حق اليتامى إذا تزوجتم بهن بإساءة العِشرةِ أو بنقصِ الصَّداق {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ} {مَا} موصولةٌ أو موصوفةٌ، ما بعدها صلتُها أو صفتُها أُوثِرَت على ــ مَنْ ــ ذهاباً إلى الوصف وإيذاناً بأنه المقصودُ بالذات والغالبُ في الاعتبار لا بناءً على أن الإناثَ من العقلاء يجرين مَجرى غيرِ العقلاءِ لإخلاله بمقام الترغيبِ فيهن، وقرأ ابنُ أبـي عَبْلةَ: من طاب. و{مِنْ} في قوله تعالى: {مّنَ ٱلنّسَاء} بـيانيةٌ وقيل: تبعيضيةٌ والمرادُ بهن غيرُ اليتامى بشهادة قرينةِ المقامِ أي فانكِحوا مَن استطابَتْهن نفوسُكم من الأجنبـيات، وفي إيثار الأمرِ بنكاحهن على النهي عن نكاح اليتامى مع أنه المقصودُ بالذات مزيدُ لطفٍ في استنزالهم عن ذلك، فإن النفسَ مجبولةٌ على الحِرص على ما مُنِعت منه كما أن وصفَ النساءِ بالطيب على الوجه الذي أشير إليه فيه مبالغةٌ في الاستمالة إليهن والترغيبِ فيهن، وكلُّ ذلك للاعتناء بصَرْفهم عن نكاح اليتامى، وهو السرُّ في توجيه النهي الضمنيِّ إلى النكاح المُتَرقَّبِ مع أن سببَ النزولِ هو النكاحُ المحققُ لما فيه من المسارعة إلى دفع الشرِّ قبل وقوعِه فرب واقعٍ لا يُرفع، والمبالغةِ في بـيان حالِ النكاحِ المحققِ فإن محظوريةَ المترقَّبِ حيث كانت للجَور المترقَّبِ فيه فمحظوريةُ المحقِّقِ مع تحقق الجَوْر فيه أولى، وقيل: المرادُ بالطيب الحِلُّ أي ما حل لكم شرعاً لأن ما استطابوه شاملٌ للمحرمات، ولا مخصصَ له بمن عداهن وفيه فِرارٌ من محذور ووقوعٍ فيما هو أفظعُ منه لأن ما حل لهم مُجملٌ، وقد تقرر أن النصَّ إذا تردد بـين الإجمالِ والتخصيصِ يُحمل على الثاني لأن العامَّ المخصوصَ حجةٌ في غير محلّ التخصيصِ والمُجملُ ليس بحجة قبل ورودِ البـيانِ أصلاً، ولئن جُعل قوله تعالى: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } تفسير : [النساء، الآية 23. وسورة المائدة، الآية 3] الخ، دالاً على التفصيل بناءً على ادعاء تقدّمِه في التنزيل فلْيُجْعل دالاً على التخصيص {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ} معدولةٌ عن أعداد مكررةٍ غيرُ منصرفةٍ لما فيها من العدْلين: عدلِها عن صِيَغها وعدلِها عن تكرُّرِها، وقيل: للعدل والصفةِ، فإنها بُنيت صفاتٍ وإن لم تكن أصولُها كذلك. وقرىء وثُلَثَ ورُبَعَ على القصر من ثلاثَ ورُباعَ ومحلُّهن النصبُ على أنها حالٌ من فاعل طاب مؤكدةٌ لما أفاده وصفُ الطيّبِ من الترغيب فيهن والاستمالةِ إليهن بتوسيع دائرةِ الإذْنِ، أي فانكِحوا الطيباتِ لكم معدوداتٍ هذا العددَ ثنتين ثنتين وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً حسبما تريدون على معنى أن لكل واحدٍ منهم أن يختار أيَّ عددٍ شاء من الأعداد المذكورةِ لا أن بعضَها لبعض منهم وبعضَها لبعض آخرَ كما في قولك: اقتسِموا هذه البَدْرةَ درهمينِ درهمينِ وثلاثةً ثلاثةً وأربعةً أربعة، ولو أُفردت لفُهم منه تجويزُ الجمعِ بـين تلك الأعدادِ دون التوزيعِ، ولو ذكرت بكلمة ــ أو ــ لفات تجويزُ الاختلافِ في العدد، هذا وقد قيل في تفسير الآيةِ الكريمةِ لما نزلت الآية في اليتامى وما في أكل أموالِهم من الحُوب الكبـيرِ: أخذ الأولياءُ يتحرّجون من ولايتهم خوفاً من لُحوق الحُوب بترك الإقساطِ مع أنهم كانوا لا يتحرّجون من ترك العدلِ في حقوق النساءِ حيث كان تحت الرجلِ منهم عشرٌ منهن فقيل لهم: إن خفتم تركَ العدلِ في حقوق اليتامى فتحرّجتم منها فخافوا أيضاً تركَ العدلِ بـين النساءِ فقلِّلوا عددَ المنكوحاتِ لأن من تحرّج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكبٌ مثلَه فهو غيرُ متحرِّجٍ ولا تائبٍ عنه وقيل: كانوا لا يتحرجون من الزنى وهم يتحرّجون من ولاية اليتامى، فقيل: إن خفتم الجَوْرَ في حق اليتامى فخافوا الزنى فانكِحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حولَ المحرَّماتِ، ولا يخفى أنه لا يساعدهما جزالةُ النظمِ الكريمِ لبنائهما على تقدّم نزولِ الآيةِ الأولى وشيوعِها بـين الناسِ مع ظهور توقفِ حُكمِها على ما بعدها من قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ} تفسير : [النساء، الآية 5] إلى قوله تعالى: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} تفسير : [النساء، الآية 6]. {فَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تَعْدِلُواْ} أي فيما بـينهن ولو في أقل الأعدادِ المذكورةِ كما خِفتُموه في حق اليتامى أو كما لم تعدِلوا في حقهن أو كما لم تعدِلوا فيما فوق هذه الأعدادِ {فَوٰحِدَةً} أي فالزَموا أو فاختاروا واحدةً وذروا الجمعَ بالكلية، وقرىء بالرفع أي فالمُقنِعُ واحدةٌ أو فحسبُكم واحدةٌ {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} أي من السراري بالغةً ما بلغت من مراتب العددِ وهو عطفٌ على واحدةً على أن اللزومَ والاختيارَ فيه بطريق التسرِّي لا بطريق النكاحِ كما فيما عُطف عليه لاستلزامه ورودَ ملكِ النكاحِ على ملك اليمينِ بموجب اتحادِ المخاطَبـين في الموضعين بخلاف ما سيأتي من قوله تعالى:{أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم }تفسير : [النساء، الآية 25] فإن المأمورَ بالنكاح هناك غيرُ المخاطَبـين بملك اليمين وإنما سُوِّي في السهولة واليُسرِ بـين الحرةِ الواحدةِ وبـين السراري من غير حصرٍ في عددٍ لقلةِ تَبِعتِهن وخِفةِ مؤنتِهن وعدمِ وجوبِ القَسْمِ بـينهن. وقرىء {أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} [النساء، الآية: 3] وما في القراءة المشهورةِ للإيذان بقصور رتبتِهن عن رتبة العقلاءِ {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى اختيار الواحدةِ والتسرّي {أَدْنَىٰ أَن لا تَعُولُواْ} العَول الميلُ من قولهم: عال الميزانُ عَوْلاً إذا مال، وعال في الحكم أي جار، والمرادُ هنا الميلُ المحظورُ المقابلُ للعدل أي ما ذُكر من اختيار الواحدةِ والتسرّي أقربُ بالنسبة إلى ما عداهما من أن لا تميلوا ميلاً محظوراً لانتفائه رأساً بانتفاء محلِّه في الأول وانتفاءِ خطرِه في الثاني بخلاف اختيارِ العددِ في المهائر فإن الميلَ المحظورَ متوقَّعٌ فيه لتحقق المحلِّ والخطرِ، ومن هٰهنا تبـين أن مدارَ الأمرِ هو عدمُ العولِ لا تحققُ العدلِ كما قيل، وقد فُسِّر بأن لا يكثُر عيالُكم على أنه من عال الرجلُ عيالَه يعولُهم أي مانَهم، فعبر عن كثرة العيالِ بكثرة المَؤُونةِ على طريقة الكتابةِ ويؤيده قراءةُ أن تُعيلوا من أعال الرجلُ إذا كثُر عيالُه، ووجهُ كونِ التسري مَظِنَّةَ قلةِ العِيالِ مع جواز الاستكثارِ من السراري أنه يجوز العزلُ عنهن بغير رضاهن ولا كذلك المهائرُ، والجملةُ مستأنفةٌ جارية مما قبلها مَجرى التعليلِ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً}. أباح الله للرجال الأحرار التزوج بأربع في حالة واحدة، وأوجب العدل بينهن، فيجب على العبد أن يراعي الواجبَ فإنْ عَلِمَ أنه يقوم بحق هذا الواجب آثر هذا المُباح، وإنْ عَلِم أنه يقصِّر في الواجب فلا يتعرَّض لهذا المباح، فإنَّ الواجبَ مسؤولٌ عنه. قوله جلّ ذكره: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً}. دلَّ هذا على أن طعامَ الفتيان والأسخياء مريء لأنهم لا يُطعِمون إلا عن طيب نَفْسٍ، وطعام البخلاء رديء لأنهم يرون أنفسهم، وإنما يُطعِمون عن تكلّف لا عن طيب نَفْس. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : طعامُ السخيِّ دواء وطعام البخيل داء ".

اسماعيل حقي

تفسير : {وان خفتم الا تقسطوا فى اليتامى} الاقساط العدل والمراد بالخوف العلم عبر عنه بذلك ايذانا بكون المعلوم مخوفا محذورا لا معناه الحقيقى لان لاذى علق به الجواب هو العلم بوقوع الجور المخوف لا الخوف منه والا لم يكن الامر شاملا لمن يصبر على الجور ولا يخافه وسبب النزول انهم كانوا يتزوجون من يحل لهم من اليتامى اللاتى يلونهن لكن لا لرغبة فيهن بل فى مالهن ويسيئون فى الصحبة والمعاشرة ويتربصون بهن ان يمتن فيرثوهن وقيل هى اليتيمة تكون فى حجر وليها فيرغب فى مالها وجمالها ويريد ان ينكحها بادنى من سنة نسائها فنهوا ان ينكحوهن الا ان يقسطوا لهن فى اكمال الصداق وامروا ان ينكحوا من سواهن من النساء والمعنى وان خفتم ان لا تعدلوا فى حق اليتامى اذا تزوجتم بهن باساءة العشرة او بنقص الصداق {فانكحوا ما} موصولة او موصوفة اوثرت على من ذهابا بها الى الوصف اى نكاحا {طاب لكم من النساء} اى غير اليتامى بشهادة قرينة المقام اى فانكحوا من استطابتها نفوسكم من الاجنبيات {مثنى وثلاث ورباع} حال من فاعل طاب اى فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثا وثلاثا واربعا واربعا حسبما تريدون على معنى ان لكل واحد منهم ان يختار أى عدد شاء من الاعداد المذكورة لا ان بعضها لبعض منهم وبعضها لبعض آخر {فان خفتم ان لا تعدلوا} اى فيما بينهن ولو فى اقل الاعداد المذكورة كما خفتموه فى حق اليتامى او كما لم تعدلوا فيما فوق هذه الاعداد {فواحدة} فالزموا او فاختاروا واحدة وذروا الجمع بالكلية {او ما} ولم يقل من ايذانا بقصور رتبة الاماء عن رتبة العقلاء {ملكت ايمانكم} اى من السرارى بالغة ما بلغت من مراتب العدد وهو عطف على واحدة على ان اللزوم والاختيار فيه بطريق التسرى لا بطريق النكاح كما فيما عطف عليه لاستلزامه ورود ملك النكاح على ملك اليمين بموجب اتحاد المخاطبين فى الموضعين وانما سوى فى السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين السرارى من غير حصر فى عدد لقلة تبعيتهن وخفة مؤنهن وعدم وجوب القسم فيهن {ذلك} اشارة الى اختيار الواحدة {ادنى ان لا تعولوا} العول الميل من قولهم عال الميزان عولا اذا مال وعال فى الحكم جار والمراد ههنا الميل المحظور المقابل للعدل اى ما ذكر من اختيار الواحدة والتسرى اقرب بالنسبة الى ما عداهما من ان لا يميلوا ميلا محظورا لانتفائه رأسا بانتفاء محله فى الاول وانتفاء حظره فى الثانى بخلاف اختيار العدد فى المهائر فان الميل المحظور متوقع فيه لتحقق المحل والحظر.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ما} من شأنها أن تقع على ما لا يعقل، وهنا وقعت على النساء لقلة عقلهن حتى التحَقْنَ بمن لا يعقل و {مثنى وثلاث ورباع} أحوال من {ما} ممنوعة من الصرف للوصف والعدل، أي: اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعًا أربعا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإن خفتم} يا معشر الأولياء إلاَّ تعدلوا {في اليتامى} التي تحت حجركم إذا تزوجتم بهن طلبًا لمالهن، مع قلة جمالهن، فتهجروهن أو تسيئوا عشرتهن، {فانكحوا ما طاب لكم} من غيرهن، أو: وإن خفتم ألا تُقسطوا في صداقهن إذا أعجبنكم لِمَالِهنّ ــ الذي بيدكم ــ وجمالهن، فانكحوا غيرهن، ولا تنكحوهن إلا إذا أعطيتموهن صداق أمثالهن. قالت عائشة ــ رضي الله عنها ــ: (هي اليتيمة تكون في حِجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ويرد أن ينكحها بأدنى صداقها، فنُهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأُمِروا أن ينكحوا ما سواهن من النساء). رواه البخاري. وقال ابن عباس رضي الله عنه: ـ ( إن الرجل منهم كان يتزوج العشرة وأكثر ــ يعني قبل التحريم ــ فإذا ضاق ماله أخذ من مال يتيمه)، فقال لهم: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ــ أي: في أموالهن ــ فانكحوا ما طاب لكم من غيرهن {مثنى وثلاث ورباع} أي: اثنتين اثنتين لكل واحدٍ، أو ثلاثاً ثلاثاً، أو أربعًا أربعًا، ولا تزيدوا، فمنع ما كان في الجاهلية من الزيادة على الأربع، وهو مُجمع عليه بنص الآية، ولا عبرة بمن جوَّز تسعًا لظاهر الآية؛ لأن المراد التخيير بين تلك الأعداد، لا الجمع، ولو أراد الجمع لقال تسعًا، ولم يعدل عن ذلك إلى ما هو أطول منه وأقل بيانًا. {فإن خفتم ألا تعدلوا} بين الاثنتين أو الثلاث أو الأربع، فاقتصروا على واحدة، أو على ما ملكت أيمانكم من قليل أو كثير؛ إذ لا يجب العدل بينهن، {ذلك} الاقتصار على الواحدة {أدنى} أي: أقرب {ألا تعولوا} أي: تجوروا أو تميلوا، أو ألا تجاوزوا ما فرض عليكم من العدل، أو أدنى ألا يكثر عيالكم فتفتقروا، وهي لغة حِمْيَر. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الحق تعالى جعل أولياءه أصنافاً عديدة؛ فمنهم من غلب عليه فيض العلوم، ومنهم من غلب عليه هجوم الأحوال، ومنهم من غلب عليه تحقيق المقامات، قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: كان الجنيد رضي الله عنه قطبًا في العلوم، وكان أبو يزيد رضي الله عنه قطبًا في الأحوال، وكان سهل بن عبد الله قطبًا في المقامات. هـ. أي: كل واحد غلب واحد من ذلك، مع مشاركته للآخر في الباقي، فينبغي لكل واحد أن يخوض في فنِّه الذي خصَّه الله به ولا يتصدى لغيره. فقال لهم الحق ــ جل جلاله ــ من طريق الإشاره: فإن خفتم يا مَنْ غلبت عليهم الأحوال أو المقامات، أَلاَّ تُقسطوا في يتامى العلوم التي اختص بها غيركم، فانكحوا ما طاب لكم من ثيبات الأحوال وأبكار الحقائق، كثيرة أو قليلة، فإن خفتم أن تغلبكم الأحوال، أو التنزل في المقامات، ولا تعدلوا فيها، فالزموا حالة واحدة ومقامًا واحدًا، وهو المقام الذي ملكه وتحقق به، فإن أقرب ألا ينحرف عن الاعتدال؛ لأن كثرة الأحوال تضر بالمريد كما هو مقرر في فنه. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : النزول، والمعنى: واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية على ستة أقوال: أولها - ما روي عن عائشة انها قالت: نزلت في اليتيمة التي تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بدون صداق مثلها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لها صداق مهر مثلها، وأمروا أن ينكحوا ما طاب مما سواهن من النساء إلى الاربع {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} من سواهن {أو ما ملكت أيمانكم} ومثل هذا ذكر في تفسير أصحابنا. وقالوا: انها متصلة بقوله:{أية : ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن} تفسير : {فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} الآية وبه قال الحسن والجبائي والمبرد. والثاني - قال ابن عباس وعكرمة: ان الرجل منهم كان يتزوج الاربع والخمس والست والعشر ويقول ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان فاذا فنى ماله مال على مال اليتيم فانفقه، فنهاهم الله تعالى عن أن يتجاوزوا بالاربع إن خافوا على مال اليتيم وإن خافوا من الاربع أيضاً أن يقتصروا على واحدة. والثالث - قال سعيد بن جبير والسدي وقتادة والربيع والضحاك. وفي احدى الروايات عن ابن عباس قالوا: كانوا يشددون في أمر اليتامى ولا يشددون في النساء، ينكح أحدهم النسوة فلا يعدل بينهن، فقال الله تعالى كما تخافون ألا تعدلوا في اليتامى فخافوا في النساء، فانكحوا واحدة إلى الاربع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة. والرابع - قال مجاهد: ان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى معناه: ان تحرجتم من ولاية اليتامى وأكل أموالهم إيماناً وتصديقاً فكذلك تحرجوا من الزنا، وانكحوا النكاح المباح من واحدة إلى أربع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة. والخامس - قال الحسن: ان خفتم ألا تقسطوا في اليتيمة المربّاة في حجركم فانكحوا ما طاب لكم من النساء مما أحل لكم من يتامى قراباتكم مثنى وثلاث ورباع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت ايمانكم. وبه قال الجبائي وقال: الخطاب متوجه إلى أولياء اليتيمة إذا أراد أن يتزوجها إذا كان هو وليها كان له أن يزوجها قبل البلوغ وله أن يتزوجها. والسادس - قال الفراء: المعنى ان كنتم تتحرجون من مؤاكلة اليتامى فاحرجوا من جمعكم بين اليتامى، ثم لا تعدلون بينهن. وقوله: {فانكحوا ما طاب لكم} جواب لقوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا} على قول من قال ما رويناه أولا عن عائشة وأبي جعفر (ع). ومن قال: تقديره: ان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء الجواب قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} والتقدير: فان خفتم ألا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها فكذلك فخافوا ألا تقسطوا في حقوق النساء، فلا تتزوجوا منهن إلا من تأمنون معه الجور، مثنى وثلاث ورباع، وان خفتم أيضاً من ذلك فواحدة، فان خفتم من الواحدة فما ملكت ايمانكم، فترك ذكر قوله فكذلك فخافوا ألا تقسطوا في حقوق النساء لدلالة الكلام عليه وهو قوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} ومعنى {ألا تقسطوا} أي لا تعدلوا ولا تنصفوا، فالاقساط هو العدل والانصاف والقسط هوالجور. ومنه قوله: {أية : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} تفسير : وقد بيناه فيما مضى. واليتامى جمع لذكران اليتامى واناثهم في هذا المعنى. المعنى، واللغة، والاعراب وقال الحسين بن علي المغربي: معنى ما طاب أي بلغ من النساء كما يقال: طابت الثمرة إذا بلغت، قال: والمراد المنع من تزويج اليتيمة قبل البلوغ لئلا يجري عليها الظلم، فان البالغة تختار لنفسها، وقيل: معنى {ما طاب لكم من النساء} من أحل لكم منهن دون من حرم عليكم، وانما قال: {ما طاب} ولم يقل: من طاب وان كان من لما يعقل وما لما لا يعقل لأن المعنى: انكحوا الطيب أي الحلال هذه العدة، لأنه ليس كل النساء حلالا، لأن الله حرم كثيراً منهن بقوله: {أية : حرمت عليكم أمهاتكم } تفسير : الآية. هذا قول الفراء. وقال مجاهد: فانكحوا النساء نكاحاً طيباً. وقال المبرد: "ما" ها هنا للجنس كقول القائل: ما عندك؟ فتقول: رجل أو امرأة، فالمعني بقوله: ما طاب الفعل دون اعيان النساء واشخاصهن، لأن الاعيان لا تحرّم ولا تحلل، وإنما يتناول التحريم والتحليل التصرف فيها، وجرى ذلك مجرى قول القائل: خذ من رقيقي ما أردت: إذا أراد خذ منهم ارادتك ولو أراد خذ الذي تريد لم يجز إلا أن يقول خذ من رقيقي من أردت وكذلك قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} معناه أو ملك ايمانكم، ومعنى {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} فلينكح كل واحد منكم مثنى وثلاث ورباع، كما قال: {أية : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة }تفسير : معناه: فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة. وقوله: {مثنى وثلاث ورباع} بدل من {ما طاب} وموضعه النصب وتقديره: اثنين اثنين، وثلاثاً وثلاثاً، واربعاً اربعاً، إلا انه لا ينصرف لعلتين، احداهما: انه معدول عن اثنين اثنين وثلاث ثلاث في قول الزجاج، وقال غيره: لأنه معدول ولأنه نكرة، والنكرة أصل للاشياء، وقال غيرهم: هو معرفة، وهذا فاسد عند البصريين، لأنه صفة للنكرة في قوله: {أية : أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع } تفسير : والمعنى اولي اجنحة ثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. وقال الفراء لأنه معدول، لأنه يقع على الذكر والانثى، ولأنه مضاف إلى ما يضاف إليه الثلاث، فكأن لامتناعه من الاضافة كان فيه الالف واللام. قال الشاعر: شعر : ولكنما اهلي بواد أنيسه ذئاب تبغى الناس مثنى وموحدا تفسير : ومن قال: انه اسم للعدد معرفة استدل بقول تميم بن أبي مقبل: شعر : ترى النعرات الزرق تحت لبانه احاد ومثنى أصعقتها صواهله تفسير : فرد احاد ومثنى على النعرات وهي معرفة، وقد يجيء منكراً مصروفاً كما قال الشاعر: شعر : قتلنا به من بين مثنى وموحد باربعة منكم وآخر خامس تفسير : وترك الصرف أكثر قال صخر الغي: شعر : منت لك أن تلاقيني المنايا احاد احاد في شهر حلال تفسير : وقد تقع هذه الالفاظ على الذكر والانثى، فوقوعها على الانثى مثل الآية التي نحن في تفسيرها، ووقوعها على الذكر قوله: {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} لأن المراد به الجناح وهو مذكر، ويقال: احاد وموحد وثنى ومثنى، وثلاث ومثلث، ورباع ومربع، ولم يسمع في ما زاد عليه مثل خماس ولا المخمس ولا السداس والسباع إلا بيت للكميت فانه يروى في العشره عشار، وهوقوله: شعر : فلم يستريثوك حتى رميت فوق الرجال خصالا عشارا تفسير : يريد عشراً. وقال صخر السلمي في ثنا وموحد: شعر : ولقد قتلكتم ثناء وموحداً وتركت مرة مثل امس الدابر تفسير : ولم يرد أنه قتل الثلاثة، وانما أراد انه قتل نفراً كثيراً منهم واحداً بعد واحد واثنين بعد اثنين، وقوله: {فواحدة} نصب على انه مفعول به، والتقدير: فان خفتم ألا تعدلوا فيما زاد على الواحدة فانكحوا واحدة، ولو رفع كان جايزاً، وقد قرأ به أبو جعفر المدني، وتقديره: فواحدة كافية، أو فواحدة مجزية، كما قال: {أية : فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} تفسير : ومن استدل بهذه الآية على أن نكاح التسع، جائز فقد اخطأ، لأن ذلك خلاف الاجماع، وأيضاً فالمعنى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ان امنتم الجور وإما ثلاث ان لم تخافوا ذلك أو رباع ان امنتم ذلك فيهن، بدلالة قوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} لأن معناه فان خفتم في الثنتين فانكحوا واحدة، ثم قال: فان خفتم أيضاً في الواحدة فما ملكت ايمانكم. على أن مثنى لا يصح إلا لاثنين اثنين، أو اثنتين اثنتين على التفريق في قول الزجاج، فتقدير الآية {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث} [فثلاث] بدلا من مثنى ورباع بدلا من ثلاث، ولو قيل بـ (أو) لظن أنه ليس لصاحب مثنى ثلاث، ولا لصاحب الثلاث رباع. ومن استدل بقوله: {فانكحوا} على وجوب التزويج من حيث أن الامر يقتضي الايجاب، فقد اخطأ، لأن ظاهر الأمر وإن اقتضى الايجاب، فقد ينصرف عنه بدليل، وقد قام الدليل على أن التزويج ليس بواجب على أن الغرض بالآية النهي عن العقد على من يخاف ألا يعدل بينهن، والتقدير: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فتحرجتم فيهم، فكذلك فتحرجوا في النساء، فلا تنكحوا إلا ما أمنتم الجور فيه منهن، مما أحللته لكم منهن، من الواحدة إلى الأربع، وقد يراد بصورة الأمر ما يراد بالنهي أو التهديد كقوله: {أية : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } تفسير : وقال: {أية : ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون } تفسير : والمراد بذلك كله التهديد والزجر، فكذلك معنى الآية النهي، وتقديرها: فلا تنكحوا إلا ما طاب لكم من النساء على ما بيناه. وقوله: {ذلك أدنى ألا تعولوا} اشارة إلى العقد على الواحدة مع الخوف من الجور فيما زاد عليها، أو الاقتصار على ما ملكت أيمانكم، ومعنى {أدنى} أقرب {ألا تعولوا} وقيل في معنى {ألا تعولوا} ثلاثة أقوال: أحدها - وهو الاقوى والاصح أن معناه: ألا تجوروا، ولا تميلوا يقال منه: عال الرجل يعول عولا وعيالة إذا مال وجار، ومنه عول الفرائض، لأن سهامها إذا زادت دخلها النقص، قال أبو طالب: شعر : بميزان قسط وزنه غير عائل تفسير : وقال أبو طالب أيضاً: شعر : بميزان قسط لا يخيس شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل تفسير : وروي: لا يضل شعيرة، وبهذا قال ابراهيم، وعكرمة، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وأبو مالك، والربيع بن أنس، والسدي، وابن عباس، واختاره الطبري، والجبائي. وقال قوم: معناه: ألا تفتقروا، وهذا خطأ، لأن [العول] الحاجة، يقال منه: عال الرجل يعيل عيلة إذا احتاج، كما قال الشاعر: شعر : وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل تفسير : أي: متى يفتقر. وقال ابن زيد: معناه: ألا تكثر عيالكم، وهذا أيضاً خطأ، لأن المراد لو كان ذلك لما أباح الواحدة، وما شاء من مالك الايمان، لأن اباحة كل ما ملكت اليمين أزيد في العيال من أربع حرائر، على أن من كثرة العيال يقال: أعال يعيل فهو معيل، إذا كثر عياله وعال العيال: إذا مانهم، ومنه قوله: ابدأ بمن تعول. وحكى الكسائي، قال: سمعت كثيراً من العرب يقول: عال الرجل يعول إذا كثر عياله. وقوله: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} فصدقاتهن: جمع صدقة، يقال: هو صداق المرأة، وصدقة المرأة، وصُدقة المرأة، وصداق المرأة، والفتح اقلها. ومن قال: صُدقة المرأة قال: صدقاتهن، كما تقول: غرفة وغرفات، ويجوز صدقاتهن، بضم الصاد وفتح الدال، وصدقاتهن، ذكره الزجاج. ولا يقرأ من هذه إلا بما قرئ به صدقاتهن، لأن القراءة سنة متبعة. وقوله: "نحلة" نصب على المصدر، ومعناه، قال بعضهم: فريضة، وقال بعضهم ديانة، كما يقال: فلان ينتحل كذا وكذا، أي يدين به، ذكره الزجاج، وابن خالويه. قال بعضهم: هي نحلة من الله لهن، أن جعل على الرجل الصداق ولم يجعل على المرأة شيئاً من الغرم، وذلك نحلة من الله تعالى للنساء. ويقال: نحلت الرجل: إذا وهبت له نحلة ونحلا، ونحل جسمه ونحل: إذا دق، وسمي النحل نحلا لأن الله نحل الناس منها العسل الذي يخرج من بطونها، والنحلة عطية عليك على غير جهة المثامنة، والنحلة الديانة، والمنحول من الشعر ما ليس له، واختلفوا في المعنيّ بقوله {وآتوا النساء} فقال ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد، واختاره الطبري، والجبائي، والرماني، والزجاج: المراد به الازواج، أمرهم الله تعالى باعطاء المهر إذا دخل بها كملا، إذا سمّى لها، فأما غير المدخول بها إذا طلقت فان لها نصف المسمى، وإن لم يكن سمى، فلها المتعة على ما بيناه فيما مضى. وقال أبوصالح: هذا خطاب للأولياء، لأن الرجل منهم كان إذا زوج أيمة أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، وأنزل هذه الآية. وروى هذا أبو الجارود، عن أبي جعفر (ع)، وذكر المعمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرمي ان اناساً كانوا يعطي هذا الرجل أخته، ويأخذ أخت الرجل، ولا يأخذون كثير مهر، فنهى الله عن ذلك، وأمر باعطاء صداقهن، وأول الأقوال أقوى، لأن الله تعالى ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين للنساء، ونهاهم عن ظلمهن والجور عليهن، ولا ينبغي أن يترك الظاهر من غير حجة ولا دلالة، وقوله: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً} اختلفوا فيمن المخاطب به، فقال عكرمة، وابراهيم، وعلقمة، وقتادة، وابن عباس، وابن جريج، وابن زيد: الخطاب متوجه إلى الازواج، لأن أناساً كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما ساق إلى امرأته، فانزل الله هذه الآية. وقال أبو صالح: المعني به الاولياء، لأنه حمل أول الآية أيضاً عليهم، على ما حكيناه عنه، والأول هو الأولى، لأنا بينا أن الخطاب متوجه إلى الازواج الناكحين، فكذلك آخر الآية. ومعنى {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً} إن طابت لكم أنفسهن بشيء، ونصبه على التمييز، كما يقولون: ضقت بهذا الأمر ذرعاً، وقررت به عيناً، والمعنى ضاق به ذرعي وقرت به عيني، كما قال الشاعر: شعر : إذا التياز ذو العضلات قلنا "اليك اليك" ضاق بها ذراعا تفسير : وإنما هو على ذرعا وذراعا، لأن المصدر والأسم يدلان على معنى واحد، فنقل صفة الذراع إلى رب الذراع، ثم أخرج الذراع مفسرة لموقع الفعل، ولذلك وحد النفس لما كانت مفسرة لموقع الخبر، والنفس المراد به الجنس، يقع على الواحد والجمع، كما قال الشاعر: شعر : بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب تفسير : ولم يقل: فجلودها، ولو قال: {فإن طبن لكم عن شيء منه} أنفساً لجاز، وكذلك ضقت به أذرعا وذراعا. فأما قوله: {أية : بالأخسرين أعمالاً} تفسير : إنما جمع لئلا يوهم أنه عمل يضاف الى الجميع، كما يضاف القتل إلى جماعة إذا رضوا به، ومالأوا عليه. ومثل الآية: أنت حسن وجهاً، فالفعل للوجه، فلما نقل الى صاحب الوجه، نصب الوجه على التمييز. وقوله: {فكلوه هنيئاً مريئاً} فهنيئاً مأخوذ من هنأت البعير بالقطران، وذلك إذا جرب فعولج به، كما قال الشاعر: شعر : متبذلا تبدو محاسنه يضع الهناء مواضع النقب تفسير : فالهني شفاء من المرض، كما أن الهناء شفاء من الجرب. ومعنى {فكلوه هنيئاً مريئاً} أي دواء شافياً، يقال منه: هنأني الطعام ومرأني: إذا صار لي دواء وعلاجاً شافياً، وهنيني ومريني بالكسر، وهي قليلة، ومن قال: هناني يقول في المستقبل: يهناني، ويمراني، ومن يقول: هنأني، يقول يهنئني، ويمرئني، فاذا أفردوا قالوا: قد أمراني هذا الطعام، ولا يقولون: أهنانى، والمصدر منه هناً، مراً، وقد مرؤ هذا الطعام مراً، ويقال: هنأت القوم إذا علتهم، وهنأت فلاناً المال إذا وهبته له، أهنؤه هناً، ومنه قولهم: انما سميت هانياً لتهنا، أي: لتعطي، ومعنى قوله: {فإن طبن لكم عن شيء منه} يعني من المهر، و "من" ها هنا ليست للتبعيض وانما معناه لتبيين الجنس، كما قال {أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان} تفسير : ولو وهبت له المهر كله لجاز، وكان حلالا بلا خلاف. واستدل أبو علي بهذه الآية على أن لولي اليتيمة الذي هو غير الأب أن يزوج اليتيمة، أو يتزوجها قبل أن تحيض، أو يكمل عقلها، بأن قال الخطاب في قوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} متوجه إلى الاولياء الذين كانوا يتحرجون من العقد على اليتامى اللائى لهم عليهن ولاية، خوفا من الجور، فقال الله لهم: ان خفتم من العقد على أربع فعلى ثلاث، أو اثنتين، أو واحدة، أو ما ملكت أيمانكم من سواهن، ثم أمرهم باعطائهن المهر، ثم قال: {فإن طبن لكم} يعني الأزواج الذين هم الاولياء، {عن شيء} من ذلك، {فكلوه هنيئاً مريئاً} وهذا الذي قاله ليس بصحيح، لأنه لا يسلم له أولا أنه خطاب للأولياء، فما الدليل على ذلك ثم إن عندنا وعند الشافعي ليس لأحد من الأولياء أن يزوج الصغيرة إلا الأب خاصة فكيف يسلم له ما قاله؟ ومن قال: يجوز ذلك، قال: يكون العقد موقوفا على بلوغها ورضاها، فان لم ترض كان لها الفسخ، فعلى كل حال لا يصح ما قاله.

الجنابذي

تفسير : {وَإِنْ خِفْتُمْ} ايّها النّاظرون من امر اليتامى اذا اردتم نكاحهنّ ضنّة بأموالهنّ {أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} بالتّقصير في حقّهنّ {فَ} دعوا نكاحهنّ و {ٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} وعن امير المؤمنين (ع) في جواب مسائل الزّنديق الّذي سأل عن اشياء انّه اسقط بين طرفى تلك الآية اكثر من ثلث القرآن {مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} تخيير بين الواحدة الى اربع وايضاً تخيير فى الاستبدال فانّ فى هذا الوزن دلالة على التّكرير {فَإِنْ خِفْتُمْ} ايّها الرّاغبون في النّكاح {أَلاَّ تَعْدِلُواْ} بينهنّ اذا كنّ اكثر من الواحدة {فَ} انكحوا {وَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ان خفتم التّقصير في حقّ الحرّة {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} اى لا تميلوا عن الحقّ اولا تمونوا فتعسروا فانّ خفّة العيال احد اليسارين كما في الخبر.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا} أي ألا تعدلوا {فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم} أي ما حل لكم {مِّنَ النِّسَاءِ}. قال بعضهم: يقول: كما خفتم الجور في اليتامى وَهَمُّكُمْ ذلك؛ فخافوا في جمع النساء. وكان الرجل يتزوج في الجاهلية العشر فما دون ذلك؛ فأحل الله له أربعاً، فقال: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} {مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا} في أربع فانكحوا ثلاثاً، وإن خفتم ألا تعدلوا في ثلاث فانكحوا اثنتين، فإن خفتم ألا تعدلوا في اثنتين {فَـ} انكحوا {وَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}. تطأ بملك يمينك كم تشاء. قال الحسن: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى} أي: إن علمتم فيهم مخافة إثم؛ وذلك أن الرجل كان يكون عنده يتامى النساء، هو وليُّهن، التسع، والسبع، والخمس، والثلاث، والواحدة، فيكره أن يزوّجهن، يريد أن يحبسهن حتى يمتن فيرثهن، أو يتزوج منهن من يشاء. ذكروا عن مجاهد أنه قال: كان الرجل في الجاهلية يتزوج بمال اليتيم لا يبالي، فنهاهم الله عن ذلك. وبلغنا عن ابن عباس أنه قال: إنما قصروا على أربع من أجل أموال اليتامى. قوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} أي: أجدر ألا تعولوا. ذكروا عن مجاهد قال: ذلك أدنى ألا تضلوا. وقال بعضهم: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا}، أي: أدنى ألا تميلوا؛ وهو واحد. قوله: {وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} أي فريضة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا على أحدكم على ما تزوّج من قليل أو كثير إذا ما سمَّى وأشهد . تفسير : ذكروا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل مهور نساء المؤمنين أربعمائة درهم، فما اصطلحوا عليه دون ذلك فهو جائز. وقال بعضهم: كانوا يكرهون أن يكون مثل مهر النبي، ولكن بالعشرة والعشرين. قوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً} أي: عن شيء من الصداق {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً}. ذكروا أن عمر بن عبد العزيز كتب: أيما امرأة تصدقت على زوجها بصداقها بطيب نفس فهو جائز. قال بعضهم: يقول: ما طابت به نفسها في غير كره أو هوان، فقد أحل الله أن يأكله هنيئاً مريئاً.

اطفيش

تفسير : {وإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى الْيَتَامَى}: أى ألا تعدلوا، أى: وإن خفتم عدم الإقساط، أى عدم العدل، يقال: أقسط، أى أزال الجور، فالهمزة فيه للسلب، كأفردت البعير، أى أزلت قرده، وقسط بلا همزة بمعنى جاد، وقرأ إبراهيم النخعى ويحيى بن وثاب بفتح تاء تقسطوا من قسط بلا همزة بمعنى جاد، أما على أن لا زائدة، كقوله تعالى: {أية : لئلا يعلم أهل الكتاب}تفسير : أى: وإن خفتم أن تقسطوا، أى تجوروا، وأما على نحو ما ذكر الزجاج، أن قسط الثلاثى، يستعمل بمعنى العدل، كأقسط ويستعمل بمعنى جاد، والمشهور أن أقسط: عدل، وقسط: جاب قال الله جل وعلا: {أية : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً}تفسير : من قسط الثلاثى. وقال: {أية : وأقسطوا إن الله يحب المقسطين}تفسير : أى اعدلوا. قال الحجاج لسعيد بن جبير: ما تقول فى من قال قاسط عادل، فأعجب الحاضرين. فقال الحجاج: ويلكم لم تفهموا منه أنه جعلنى جائراً كافراً، ألم تسمعوا قوله تعالى: {أية : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً}تفسير : وقوله تعالى: {أية : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون}تفسير : والمراد اليتامى النساء اليتيمات فهو جمع يتيمة، وهن الصغار اللاتى مات آباؤهن أو اللاتى بلغن، وقد كن يتيمات، فإن كلا قد أفردن عن آبائهن، سأل عروة عائشة عن قوله تعالى {فَإن خِفْتُمْ أن لا تُقْسِطُواْ فِى الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاء} إلى قوله: {أية : أو ما ملكت إيمانكم}تفسير : فقالت: يا ابن أختى هذه اليتيمة تكون فى حجر وليها فيرغب فى جمالها ومالها، ويريد أن ينقص صداقها، أى ومع ذلك يخافون عقاب الله على ذلك، لأن الخطاب للمؤمنين، فأنزل الله جل وعلا الآية ومعناها إن خفتم عدم العدل فى تزوجكم بيتيماتكم بنقص الصداق وأكل مالهن وعدم الوفاء بحق الزوجة لهن. {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ}: أى ما حل لكم من سائر النساء اللاتى يتكلمن بحقوقهن، ويدفعن الجور عن أنفسهن ويناضلن، وقال الحسن: كان الرجل يتزوج وليته لأجل مالها، ولا تعجبه هى كراهية أن يشاركه غيره فى مالها، فكان يسىء صحبتها، ويتربص موتها، فرثها. وعليه فالمعنى: فانكحوا ما طاب لقلوبكم من النساء، بأن أعجبكم، وقال ابن عباس: كان الرجل من قريش يتزوج عشراً من النساء فتثقل عليه مؤنتهن، فيصرف عليهن ما عنده من أموال اليتامى، وهو يخاف من العقاب فى صرفه، وقيل: كانوا يتورعون عن أموال اليتامى، ولا يعدلون بين أزواجهم، ولا يوفى الرجل لزوجه حقها، فقال الله جل وعلا: إن خفتم عدم العدل فى اليتامى، فخافوا أيضاً عدمه فى النساء، وعليه فالجواب محذوف كما رأيت، وقوله {فانكحوا} نائب عنه، لأنه لازمه ومسببه، ومعنى طاب على هذا صار هيناً لكم، لا يتكدر بالجوز وذلك أن من ترك ذنباً أو تاب منه، وأصر على غيره، لم ينتفع فى الآخرة بذلك. قال أبو عمر وعثمان بن خليفة: من سرق أو شرب خمراً أو مثل ذلك من الذنوب الموبقة، وتاب من بعض سرقته دون بعض، نحو أن يتوب من نوع من السرقة دون نوع، أو نوع من الخمر دون نوع، هل تجزئه توبته من ذلك أم لا؟ قال أبو يحيى رحمه الله: لا يجزيه إنما كان اختلاف العلماء أن يتوب من شرب الخمر دون السرقة، ولو كانت معه. قال بعضهم: تجزيه توبته، وقال بعض: لا تجزيه، وأما نوع من جنس واحد من الذنوب فليس فيه اختلاف، وقيل: كانوا يتحرجون من مال اليتامى، ولا يتحرجون من الزنا، فقال الله جل وعلا إن خفتم عدم القسط فى اليتامى، فخافوا أيضاً من الزنا، وحذف الجواب، وناب عنه لازمه ومسببه. أى: انكحوا ما طاب لكم، أى ما ينفعكم فى ترك الزنا، بأن تكتفوا به عن الزنى، ويجوز أن يكونوا غير خائفين من عدم القسط فى اليتامى، ومع ذلك قال الله جل وعلا: {وإن خفتم} إشارة إلى أن من الواجب عليهم أن يخافوا، وأنهم إن خافوا فما لهم لم يخافوا من عدم الوفاء، بحقوق الأزواج، والنكاح واجب على من خاف الزنا وإن تسرى أجزأه. وإن لم يخف ندب، لأنه سنة ولأنه يضاعف عمل المتزوج على غيره، وقيل: واجب مطلقاً، إلا أن فسد الزمان. والآية بيان للعدد الذى يحل تزوجه، ولما يوصل به إلى ترك الجواز على النساء، ويكتفى به عن الزنا، وقيل: لا يجب النكاح ولا يندب، واستعملت ما فى النساء، وهن عالمات، لأن المراد الصفة أو النوع والصفة، أو النوع هكذا غير عالم، كأنه قيل: تزوج الحلال أو المقدار الكافى، أو لتنزيلهن منزلة غير من يعلم لنقص عقلهن، وكذا ما ملكت إيمانكم، فإن الأمة المملوكة كالمتاع المملوك، وقيل: إن {ما} و{من} يتعاقبان بلا تأويل، ويجوز أن يراد بما طاب: ما حل تزوجه من النساء، احترازاً عما يأتيه تحريمه من الأمهات، وما بعده أجمل هنا ما حل مع إرادة المعانى السابقة فى تفسير الآية، وبينه بعد بيان ما حرم، وبقوله: وأحل لكم ما وراء كقولك: إن خفت الضعف فى بدنك فكل من اللحم ما حل ولا تحل لك الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به. {مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعْ}: أى اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً، فتلك الأسماء ممنوعات من الصرف للوصف والعدل عن تكرير هذه الألفاظ كما رأيت، وهن اختصار للمختصر، فإن اثنتين اثنتين مثلا، اختصار عن زيادة التكرار بمقدار الكلم، مرتين اختصار عن اثنتين اثنتين،والوصفية فى مثنى مثلا أصلية ولو لم تكن فى اثنتين، فلا يقال الوصفية عارضة، فكيف أثرت؟ بل الوصفية وجود فى لفظ اثنتين اثنتين مكرراً أيضاً، ومثنى معدود عن التكرير، وقيل: منعت التكرير. العدل إذ عدل عن وزن اثنتين، وعدل عن التكرير، وهو حال ما من أو من ضميرها فى طاب، والمراد إباحة أن يتزوج كل واحد اثنتين، أو كل واحد ثلاثاً، او كل واحد أربعاً، وإباحة أن يتزوج بعضهم اثنتين، وبعضهم ثلاثاً، وبعضهم أربعاً، أو بعض اثنتين أو ثلاثاً، وبعض أربعاً، ولو كان ذلك بأو لكان المعنى إيجاب أن يتفقوا على اثنتين اثنتين، أو يتفقوا على ثلاث ثلاث أو يتفقوا على أربع أربع، لأن تكرير الجمع يستلزم مقابلة الجمع بالجمع، دون إفراده وليس هذا مراداً، فليست الواو بمعنى أو، ولو قيل اثنتين وثلاثاً وأربعاً لجاز الجمع، فيكون تسع لكل واحد، وليس ذلك مراداً. وقد حديث : روى أن الحارث ابن قيس، أو قيس بن الحارث، أسلم وتحته ثمان نسوة فقال صلى الله عليه وسلم: "اختر منهن أربعاً"تفسير : وكذا أمر غيلان بن سلمة، وقد أسلم، على عشر. والآية لا تشمل العبيد، لأنه لا خيار لهم فضلا عن أن يطيب لهم شىء، لأنهم مقهورون تحت سادتهم لا يقدرون على شىء، فلا يحل لهم أربع بل واحدة، ولقوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} والعبد لا يملك، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو رد" تفسير : وأجاز مالك أن يتزوج العبد أربعاً لهذه الآية، وقيل: ما ظرفية مصدرية، وفاعل طاب عاد إلى النكاح، أى ما دام النكاح طيباً لكم، أى ما دمتم تستحسنونه، وإلا لأضعف فيه من هذه الجهة، إلا بالنسبة إلى الوجه الذى فسرنا عليه أولا، وعليه فيتعين أن يكون من النساء متعلقاً بانكحوا، ومن للابتداء، وتجوز على الوجه الأول هذا، وتعليقه بمحذوف حال من ما أو ضميرها، وعلى هذا الوجه يكون مثنى مفعولا لانكحوا، وفيه ضعف من هذه الجهة، لأنهُ لا يكون مفعولا، بل حالا، أو نعتاً لا غيرهما إلا شاذاً، وقد يجعل مفعول انكحوا محذوفاً، ومثنى حالا منه، أى فانكحوا من النساء ما شئتم ما دمتم تحبون النكاح، وفى ذلك فائدة، وهو الترغيب للرجل، والخض على التزوج ما دام كذلك، ليحصن فرجه، وإذا زال عن ذلك فلا بأس بترك التزوج، وقيل: التزوج على كل حال أفضل. {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ}: بين المرأتين أو الثلاث، أو الأربع. {فَوَاحِدَةً}: أى فتزوجوا وانكحوا، واختاروا واحدة، وقرأ: فواحدة بالرفع، أى فالكافى واحدة، أو فالمقنع واحدة، فهو خبر لمحذوف ويجوز أن يكون فاعل لمحذوف، أى فتكفيكم واحدة، وعليه فإنما كانت الفاء مع أن المضارع يصلح شرطاً، لأنه محذوف، فلا يعلم أن واحدة مرفوع بالجواب، وأنه من جملة الجواب، لا بالفاء، وقدر المضارع مرفوعاً لأن الماضى شرط إلا يظهر جزمه فألغى الجار من عن الجواب، أو يقدر الجواب مضارعاً مجزوماً بلا فاء، ولما حذف قرن الفاعل بالفاء دلالة عليه. {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}: من الإماء تتسرونهن بلا عدد ولا عدالة بينهن، ولا وجوب ترك العزل، فيجوز عزل الماء عنها، ولو كرهت، ولا مهر لهن، ودلت الآية على ذلك كله، أى إن خفتم عدم العدل، فتزوجوا واحدة، أو من لاعدالة له ولا حق له فى الوطء ولم يذكر فيما ملكت اليمين عدداً فلا حد له، وهن بمنزلة امرأة واحدة لا عدل بينهن وخص اليمين لاختصاصها بمناولة المحاسن. {ذلِكَ}: المذكور من الاقتصار على الواحدة أو التسرى، ومثلهما جمع الواحدة إلى التسرى، أو من عدم الزيادة على أربع. {أَدْنَى}: أقرب. {أَلاَّ تَعُولُواْ}: أى إلى أن لا تعولوا، أى إلى أن لا تميلوا، أو من أن لا تميلوا، كذا فسر الجمهور العول بالميل، وبه قال ابن عباس وعائشة، وهو الصحيح، يقال عال الميزان، إذا مال، وعال الحاكم إذا جار، وعالت الفريضة مالت عن حد السهام المسماة، وقد علمت أن إلى مقدرة، أو من قبل أن لا تعولوا، ومن التى تقدر ليست تفضيلية، بل مثلها فى قولك دنوت من زيد، ويجوز تقدير اللام، أى لأن تعولوا، وليست لام التعليل، أو الصيرورة، وأصل العول: مطلق الميل، وخص فى العرف بالميل إلى الجور وقال الشافعى: ألا تعولوا، معناه أن لا يكثر عيالكم، ورده الزجاج، وأبو بكر الرازى، والجرجانى بمعنى الذى بمعنى كثر العيال، عال يعيل، بالياء، لا عال يعول بالواو، وأجيب بأن الشافعى فسره بالملزوم، وإنه يقال: عال الرجل عياله يعولهم، أى عالج مئونتهم، أى وأدنى أن لا تشتدوا فى علاج المئونة، أى: وأدنى أن لا يكثر عيالكم، فضلا عن أن تشتدوا فى علاجها، فنفى شدة علاج المئونة، وأراد نفى ملزومها، وهو قلة العيال، لكن الشدة غير مصرح بها فى الآية، بل دل عليها المقام، لأن ترك العدل عن ثقل ما يحصل به العدل، والواحدة مثلا لا شدة غالياً، فى علاج مئونتها أجاب عنه أهل مذهبه بذلك، لقول عمر رضى الله عنه: لا تظنن بكلمة خرجت من فم أخيك سوءا وأنت تجد لها فى الخير محملاً صحيحاً. والحديث "حديث : احملوا الكلام على أحسن وجوهه"تفسير : ، وحديث: "حديث : إن الكلام ظاهراً وباطناً، فاحملوه على الأحسن"تفسير : . ويدل لتفسير الشافعى من حيث المعنى، قراءة طاووس وطلحة بن مطرف، أن لا تعيلوا - بضم التاء - ويقال: أعال الرجل: صار ذا عيال كثير، والمراد بالعيال: الأزواج أو السرارى، أو الأولاد، ولا يخفى أن مئونة السرية ليست كمئونة الزوجة، وأنه إذا باع السرية وأخرجها من ملكه لم تبق عليه نفقتها، بخلاف الزوجة المطلقة، وإن له العزل عنها عند نزول الماء، وإنه لا حق لها فى الجماع، فلا يكثر ولدها، ويدل الشافعى ما ذكره الأزهرى عن عبد الله بن زيد بن أسلم فى قوله "لا تعولوا" أنه بمعنى لا يكثر عيالكم. قال الأزهرى: من العرب الفصحاء من يقول: عال يعول: إذا كثر عياله وهى لغة حمير.

الالوسي

تفسير : {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء} شروع في النهي عن منكر آخر كانوا يباشرونه متعلق بأنفس اليتامى أصالة وبأموالهم تبعاً عقيب النهي عما يتعلق بأموالهم خاصة، وتأخيره عنه لقلة وقوع المنهي عنه بالنسبة إلى الأموال ونزوله منه منزلة المركب من المفرد مع كون المراد من اليتامى هنا صنفاً مما أريد منه فيما تقدم، وذلك أنهم كانوا يتزوجون من تحل لهم من يتامى النساء اللاتي يلونهن لكن لا رغبة فيهن بل في مالهنّ ويسيئون صحبتهن ويتربصون بهن أن يمتن فيرثوهن فوعظوا في ذلك وهذا قول الحسن، ورواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبـي حاتم عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وأخرج هؤلاء من طريق آخر والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي في «سننه» عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن هذه الآية فقالت يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها يشركها في مالها ويعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، فالمراد من اليتامى المتزوج بهن والقرينة على ذلك الجواب فإنه صريح فيه ـ والربط يقتضيه ـ ومن النساء غير اليتامى كما صرحت به الحميراء رضي الله تعالى عنها لدلالة المعنى وإشارة لفظ النساء إليه، والإقساط العدل والإنصاف، وجعل بعض الهمزة فيه للإزالة فأصل معناه حينئذ إزالة القسوط أي الظلم والحيف، وقرأ النخعى تقسطوا بفتح التاء فقيل: هو من قسط بمعنى جار وظلم، ومنه {أية : وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } تفسير : [الجن: 15] ولا مزيدة كما في قوله تعالى: {أية : لّئَلاَّ يَعْلَمَ } تفسير : [الحديد: 29]، وقيل: هو بمعنى أقسط فإن الزجاج حكى أن قسط بلا همز تستعمل استعمال أقسط. واليتامى جمع يتيمة على القلب كما قيل أيامى والأصل أيائم ويتائم وهو كما يقال للذكور يقال للإناث، والمراد من الخوف العلم عبر عنه بذلك إيذاناً بكون المعلوم مخوفاً محذوراً لا معناه الحقيقي لأن الذي علق به الجواب هو العلم بوقوع الجور المخوف لا الخوف منه وإلا لم يكن الأمر شاملاً لمن يصبر على الجور ولا يخافه، وإن وما بعدها في تأويل مصدر فإن لم تقدر من كان منصوباً وكان الفعل واصلاً إليه بنفسه وإن قدرت جاز فيه أمران: النصب عند سيبويه والجر عند الخليل، وما موصولة أو موصوفة وما بعدها صلتها أو صفتها، وأوثرت على من ذهاباً إلى الوصف من البكر أو الثيب مثلاً، وما تختص ـ أو تغلب ـ في غير العقلاء فيما إذا أريد الذات، وأما إذا أريد الوصف فلا كما تقول: ما زيد؟ في الاستفهام، أي أفاضل أم كريم؟ وأكرم ما شئت من الرجال تعني الكريم أو اللئيم. وحكي عن الفراء أنها هنا مصدرية وأن المصدر المقدر بها وبالفعل مقدر باسم الفاعل أي ـ انكحوا الطيب / من النساء ـ وهو تكلف مستغنى عنه، وقيل: إن إيثارها على من بناءاً على أن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء لما روي في حقهن أنهن ناقصات عقل ودين، وفيه أنه مخل بمقام الترغيب فيهن، ومن بيانية، وقيل: تبعيضية، والمراد مما طاب لكم ما مالت له نفوسكم واستطابته، وقيل: ما حل لكم، وروي ذلك عن عائشة، وبه قال الحسن وابن جبير وأبو مالك، واعترضه الإمام بأنه في قوة أبيح المباح، وأيضاً يلزم الإجمال حيث لا يعلم المباح من الآية، وآثر الحمل على الأول ويلزم التخصيص وجعله أولى من الإجمال، وأجاب المدقق في «الكشف» بأن المبين تحريمه في قوله تعالى: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } تفسير : [النساء: 23] الخ إن كان مقدم النزول فلا إجمال ولا تخصيص لأن الموصول جار مجرى المعرف باللام، والحمل على العهد في مثله هو الوجه وإلا فالإجمال المؤخر بيانه أولى من التخصيص بغير المقارن لأن تأخير بيان المجمل جائز عند الفريقين، وتأخير بيان التخصيص غير جائز عند أكثر الحنفية. وقال بعض المحققين: ما طاب لكم ما لا تحرج منه لأنه في مقابل المتحرج منه من اليتامى ولا يخلو عن حسن، وكيفما كان فالتعبير عن الأجنبيات بهذا العنوان فيه من المبالغة في الاستمالة إليهن والترغيب فيهن ما لا يخفى، والسر في ذلك الاعتناء بصرف المخاطبين عن نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل رعاية ليتمهن وجبراً لانكسارهن ولهذا الاعتناء أوثر الأمر بنكاح الأجنبيات على النهي عن نكاحهن مع أنه المقصود بالذات وذلك لما فيه من مزيد اللطف في استنزالهم فإن النفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه، ووجه النهي الضمني إلى النكاح المترقب مع أن سبب النزول هو النكاح المحقق على ما فهمه البعض من الأخبار، ودل عليه ما أخرجه البخاري عن عائشة «أن رجلاً كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عَذْق فكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيء فأنزل الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ}» الخ لما فيه من المسارعة إلى دفع الشر قبل وقوعه فرب واقع لا يرفع، والمبالغة في بيان حال النكاح المحقق فإن محظورية المترقب حيث كان للجور المترقب فيه فمحظورية المحقق مع تحقق الجور فيه أولى، وقرأ ابن أبـي عبلة ـ من طاب ـ وفي بعض المصاحف ـ كما في «الدر المنثور» ـ ما طيب لكم بالياء، وفي الآية على هذا التفسير دليل لجواز نكاح اليتيمة وهي الصغيرة إذ يقتضي جوازه إلا عند خوف الجور. وقد بسط الكلام في كتب الفقه على وليّ النكاح، ومذهب الإمام مالك أن اليتيمة الصغيرة لا تزوج إذ لا إذن لها وعنده خلاف في تزويج الوصي لها إذا جعل له الأب الإجبار أو فهم عنه ذلك، والمشهور أن له ذلك فيحمل اليتامى في الآية على الحديثات العهد بالبلوغ، واسم اليتيم كما أشرنا إليه فيما مر. {مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ} منصوبة على الحال من فاعل طاب المستتر، أو من مرجعه، وجوز العلامة كونها حالاً من النساء على تقدير جعل من بيانية، وذهب أبو البقاء إلى كونها بدلاً من ما وإلى الحالية ذهب البصريون وهو المذهب المختار، والكوفيون لم يجوزوا ذلك لأنها معارف عندهم، وأوجبوا في هذا المقام ما ذهب إليه أبو البقاء، وهي ممنوعة من الصرف على الصحيح، وجوز الفراء صرفها والمذاهب المنقولة في علة منع صرفها أربعة: أحدها: قول سيبويه والخليل وأبـي عمرو: إنه العدل والوصف، وأورد عليه أن الوصفية في أسماء العدد عارضة وهي لا تمنع الصرف، وأجيب بأنها وإن عرضت في أصلها فهي نقلت عنها بعد ملاحظة الوصف العارض فكان أصلياً في هذه دون أصلها ولا يخلو عن نظر، والثاني: قول الفراء: إنها منعت للعدل والتعريف بنية الألف واللام ولذا لم تجز إضافتها / ولا دخول أل عليها، والثالث: ما نقل عن الزجاج أنها معدولة عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، فعدلت عن ألفاظ العدد وعن المؤنث إلى المذكر ففيها عدلان وهما سببان، والرابع: ما نقله أبو الحسن عن بعض النحويين أن العلة المانعة من الصرف تكرار العدل فيه لأن مثنى مثلاً عدلت عن لفظ اثنين ومعناه لأنها لا تستعمل في موضع تستعمل فيه إذ لا تلي العوامل وإنما تقع بعد جمع إما خبراً، أو حالاً، أو وصفاً، وشذ أن تلي العوامل وأن تضاف، وزاد السفاقسي في علة المنع خامساً: وهو العدل من غير جهة العدل لأن باب العدل أن يكون في المعارف وهذا عدل في النكرات، وسادساً: وهو العدل والجمع لأنه يقتضي التكرار فصار في معنى الجمع، وقال: زاد هذين ابن الصائغ في «شرح الجمل»، وجاء آحاد وموحد، وثناء ومثنى، وثلاث ومثلث، ورباع ومربع، ولم يسمع فيما زاد على ذلك ـ كما قال أبو عبيدة ـ إلا في قول الكميت:شعر : ولم يستر يثوك حتى رميت فوق الرجال خصالاً (عشاراً) تفسير : ومن هنا أعابوا على المتنبـي قوله:شعر : أحاد أم (سداس) في أحاد لييلتنا المنوطة بالتناد تفسير : ومن الناس من جوز خماس ومخمس إلى آخر العقد قياساً وليس بشيء، واختير التكرار والعطف بالواو لتفهم الآية أن لكل واحد من المخاطبين أن يختار من هذه الأعداد المذكورة أي عدد شاء إذ هو المقصود لا أن بعضها لبعض منهم والبعض الآخر لآخر، ولو أفردت الأعداد لفهم من ذلك تجويز الجمع بين تلك الأعداد دون التوزيع ولو ذكرت بكلمة ـ أو ـ لفات تجويز الاختلاف في العدد بأن ينكح واحد اثنتين، وآخر ثلاثاً أو أربعاً وما قيل: إنه لا يلتفت إليه الذهن ـ لأنه لم يذهب إليه أحد ـ لا يلتفت إليه لأن الكلام في الظاهر الذي هو نكتة العدول؛ وادعى بعض المحققين أنه لو أتى من الأعداد بما لا يدل على التكرار لم يصح جعله حالاً معللاً ذلك بأن جميع الطيبات ليس حالها أنها اثنان ولا حالها أنها ثلاثة، وكذا لو قيل: اقتسموا هذا المال الذي هو ألف درهم درهماً واثنين وثلاثة وأربعة لم يصح جعل العدد حالاً من المال الذي هو ألف درهم لأن حال الألف ليس ذلك بخلاف ما إذا كرر فإن المقصود حينئذ التفصيل في حكم الانقسام كأنه قيل: فانكحوا الطيبات لكم مفصلة ومقسمة إلى ثنتين ثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً، واقتسموا هذا المال الذي هو ألف درهم مفصلاً ومقسماً إلى درهم درهم، واثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وبهذا يظهر فساد ما قيل: من أنه لا فرق بين اثنين ومثنى في صحة الحالية لأن انفهام الانقسام ظاهر من الثاني دون الأول كما لا يخفى، وأنه إنما أتى بالواو دون أو ليفيد الكلام أن تكون الأقسام على هذه الأنواع غير متجاوز إياها إلى ما فوقها لا أن تكون على أحد هذه الأنواع غير مجموع بين اثنين منها وذلك بناءاً على أن الحال بيان لكيفية الفعل، والقيد في الكلام نفي لما يقابله والواو ليست لأحد الأمرين أو الأمور كأو، وبهذا يندفع ما ذهب إليه البعض من جواز التسع تمسكاً بأن الواو للجمع فيجوز الثنتان والثلاث والأربع وهي تسع، وذلك لأن من نكح الخمس أو ما فوقها لم يحافظ على القيد أعني كيفية النكاح وهي كونه على هذا التقدير والتفصيل بل جاوزه إلى ما فوقه، ولعل هذا مراد القطب بقوله: إنه تعالى لما ختم الأعداد على الأربعة لم يكن لهم الزيادة عليها وإلا لكان نكاحهم خمساً خمساً؛ فقول بعضهم: / اللزوم ممنوع لعدم دلالة الكلام على الحصر فإن الإنسان إذا قال لولده: افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدرسة وإلى البستان كان هذا تنصيصاً في تفويض زمام الاختيار إليه مطلقاً ورفع الحجر عنه ولا يكون ذلك تخصيصاً للإذن بتلك الأشياء المذكورة بل كان إذناً في المذكور وغيره فكذا هنا؛ وأيضاً ذكر جميع الأعداد متعذر ـ فإذا ذكر بعض الأعداد بعد فانكحوا ما طاب لكم من النساء كان ذلك تنبيهاً على حصول الإذن في جميع الأعداد ـ كلام ليس في محله، وفرق ظاهر بين ما نحن فيه والمثال الحادث. وقد ذكر الإمام الرازي شبه المجوزين التزوج بأي عدد أريد، وأطال الكلام في هذا المقام إلا أنه لم يأت بما يشرح الصدر ويريح الفكر، وذلك أنه قال: ((إن قوماً شذاذاً ذهبوا إلى جواز التزوج بأي عدد واحتجوا بالقرآن والخبر، أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية بثلاثة أوجه: الأول: إن قوله سبحانه: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء} إطلاق في جميع الأعداد بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلاً، والثاني: أن {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ} لا يصلح مخصصاً لذلك العموم لأن التخصيص بالبعض لا ينفي ثبوت الحكم في الباقي، والثالث: أن الواو للجمع المطلق ـ فمثنى وثلاث ورباع ـ يفيد حل المجموع وهو تسع بل ثماني عشرة. وأما الخبر فمن وجهين: الأول: أنه ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات عن تسع ثم إن الله تعالى أمرنا باتباعه فقال: {أية : وَٱتَّبِعُوهُ } تفسير : [الأعراف: 158] وأقل مراتب الأمر الإباحة، الثاني: أن سنة الرجل طريقته والتزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم فكان ذلك سنة له ثم إنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من رغب عن سنتي فليس مني» تفسير : وظاهر الحديث يقتضي توجه الذم على من ترك التزوج بالأكثر من الأربع فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز، ثم قال: واعلم أن معتمد الفقهاء في إثبات الحصر على أمرين: الأول: الخبر، وهو ما روي أن غيلان أسلم وتحته عشرة نسوة فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أمسك أربعاً وفارق سائرهن»تفسير : وهذا الطريق ضعيف لوجهين الأول: أن القرآن لما دل على عدم الحصر (فلو أثبتنا الحصر) بهذا الخبر كان ذلك نسخاً للقرآن بخبر الواحد، وأنه غير جائز، والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم لعله إنما أمر بإمساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع بين الأربع و [بين] البواقي غير جائز إما بسبب النسب أو بسبب الرضاع، وبالجملة فهذا الاحتمال قائم في هذا الخبر فلا يمكن نسخ القرآن بمثله، والأمر الثاني هو إجماع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع وهذا هو المعتمد لكن فيه سؤالان: الأول: أن الاجماع (لا يَنسخ ولا يُنسخ) فكيف يقال: إن الإجماع نسخ هذه الآية، الثاني: أن في الأمة أقواماً شذاذاً لا يقولون بحرمة الزيادة على الأربع والإجماع عند مخالفة الواحد والاثنين لا ينعقد. وأجيب عن السؤال الأول أن الإجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن الثاني أن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة فلا اعتبار بمخالفته)) (فلا تضر في انعقاد الاجماع) انتهى. ولا يخفى ما في احتجاج الشذاذ بالآية من النظر، ويعلم ذلك من التأمل فيما ذكرنا. وأما الاحتجاج بالخبر فليس بشيء أيضاً لأن الإجماع قد وقع على أن الزيادة على الأربع من خصوصياته صلى الله عليه وسلم ونحن مأمورون باتباعه والرغبة في سنته عليه الصلاة والسلام في غير ما علم أنه من الخصوصيات أما فيما علم أنه منها فلا، وأما الأمران اللذان اعتمد عليهما الفقهاء في هذا المقام ففي غاية الإحكام. / والوجه الأول في تضعيف الأمر الأول منهما يردّ عليه أن قول الإمام فيه: إن القرآن لما دل على عدم الحصر الخ ممنوع، كيف وقد تقدم ما يفهم منه دلالته على الحصر؟! وبتقدير عدم دلالته على الحصر لا يدل على عدم الحصر بل غاية الأمر أنه يحتمل الأمرين الحصر وعدمه، فيكون حينئذٍ مجملاً، وبيان المجمل بخبر الواحد جائز كما بين في الأصول، وما ذكر في الوجه الثاني من وجهي التضعيف ـ بأنه صلى الله عليه وسلم لعله إنما أمر بإمساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع غير جائز إما بسبب النسب أو بسبب الرضاع ـ مما لا يكاد يقبل مع تنكير أربعاً وثبوت «اختر منهنّ أربعاً» كما في بعض الروايات الصحيحة في حديث غيلان، وكذا في الحديث الذي أخرجه ابن أبـي شيبة والنحاس عن قيس بن الحرث الأسدي أنه قال: أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة فأخبرت النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : اختر منهنّ أربعاً وخل سائرهنّ ففعلت»تفسير : فإن ذلك يدل دلالة لا مرية فيها أن المقصود إبقاء أي أربع لا أربع معينات، فالاحتمال الذي ذكره الإمام قاعد لا قائم، ولو اعتبر مثله ـ قادحاً في الدليل ـ لم يبق دليل على وجه الأرض، نعم الحديث مشكل على ما ذهب إليه الإمام الأعظم على ما نقل ابن هبيرة فيمن أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة من أنه إن كان العقد وقع عليهن في حالة واحدة فهو باطل وإن كان في عقود صح النكاح في الأربع الأوائل فإنه حينئذٍ لا اختيار، وخالفه في ذلك الأئمة الثلاثة وهو بحث آخر لسنا بصدده. وأقوى الأمرين المعتمد عليهما في الحصر الإجماع فإنه قد وقع وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور المخالف، ولا يشترط في الإجماع اتفاق كل الأمة من لدن بعثته عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة كما يوهمه كلام الإمام الغزالي، وإلا لا يوجد إجماع أصلاً، وبهذا يستغنى عما ذكره الإمام الرازي ـ وهو أحد مذاهب في المسألة ـ من أن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة فلا اعتبار بمخالفته، فالحق الذي لا محيص عنه أنه يحرم الزيادة على الأربع ـ وبه قال الإمامية ـ ورووا عن الصادق رضي الله تعالى عنه لا يحل لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام، وشاع عنهم خلاف ذلك، ولعله قول شاذ عندهم. ثم إن مشروعية نكاح الأربع خاصة بالأحرار، والعبيد غير داخلين في هذا الخطاب لأنه إنما يتناول إنساناً متى طابت له امرأة قدر على نكاحها والعبد ليس كذلك لأنه لا يجوز نكاحه إلا بإذن مولاه لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر»تفسير : ولأن في تنفيذ نكاحه تعيباً له إذ النكاح عيب فيه فلا يملكه بدون إذن المولى، وأيضاً قوله تعالى بعد: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} لا يمكن أن يدخل فيه العبيد لعدم الملك فحيث لم يدخلوا في هذا الخطاب لم يدخلوا في الخطاب الأول لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد فبعيد أن يدخل في الخطاب السابق ما لا يدخل في اللاحق وكذا لا يمكن دخولهم في قوله تعالى: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً }تفسير : [النساء: 4] لأن العبد لا يأكل فيكون لسيده، وخالف في ذلك الإمام مالك فأدخل العبيد في الخطاب، وجوز لهم أن ينكحوا أربعاً كالأحرار ولا يتوقف نكاحهم على الإذن لأنهم يملكون الطلاق فيملكون النكاح، ومن الفقهاء من ادعى أن ظاهر الآية يتناولهم إلا أنه خصص هذا العموم بالقياس لأن الرق له تأثير في نقصان حقوق النكاح كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يجعل للعبد نصف ما للحر فيه أيضاً. واختلفوا في الأمر بالنكاح فقيل للإباحة ولا يلغو طاب إذا كان بمعنى حل لأنه يصير المعنى أبيح لكم ما أبيح هنا لأن مناط الفائدة القيد وهو العدد المذكور، وقيل: للوجوب أي وجوب الاقتصار على هذا العدد لا وجوب أصل / النكاح فقد قال الإمام النووي: «لا يعلم أحد أوجب النكاح إلا داود ومن وافقه من أهل الظاهر، ورواية عن أحمد فإنهم قالوا: يلزمه إذا خاف العنت أن يتزوج أو يتسرى قالوا: وإنما يلزمه في العمر مرة واحدة ولم يشرط بعضهم خوف العنت، وقال أهل الظاهر: إنما يلزمه التزوج فقط ولا يلزمه الوطء... واختلف العلماء في الأفضل من النكاح وتركه. وذكر الإمام النووي أن الناس في ذلك أربعة أقسام: قسم تتوق إليه نفسه ويجد المؤن فيستحب له النكاح، وقسم لا تتوق ولا يجد المؤمن فيكره له، وقسم تتوق ولا يجد المؤن فيكره له أيضاً، وهذا مأمور بالصوم لدفع التوقان، وقسم يجد المؤن ولا تتوق نفسه، فمذهب الشافعي وجمهور الشافعية أن ترك النكاح لهذا والتخلي للتحلي بالعبادة أفضل، ولا يقال النكاح مكروه بل تركه أفضل، ومذهب أبـي حنيفة وبعض أصحاب مالك والشافعي أن النكاح له أفضل انتهى المراد منه». وأنت تعلم أن المذكور في كتب ساداتنا الحنفية متوناً وشروحاً مخالف لما ذكره هذا الإمام في تحقيق مذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، ففي «تنوير الأبصار» وشرحه «الدر المختار» في كتاب النكاح ما نصه: ((ويكون واجباً عند التوقان فإن تيقن الزنا إلا به فرض كما في «النهاية» وهذا إن ملك المهر والنفقة وإلا فلا إثم بتركه كما في البدائع»، ويكون سنة مؤكدة في الأصح فيأثم بتركه ويثاب إن نوى تحصيناً وولداً حال الاعتدال أي القدرة على وطء ومهر ونفقة. ورجح في «النهر» وجوبه للمواظبة عليه، والإنكار على من رغب عنه، ومكروهاً لخوف الجور فإن تيقنه حرم)) انتهى؛ لكن في دليل الوجوب على ما ذكره صاحب «النهر» مقالاً للمخالفين وتمام الكلام في محله. هذا وقد قيل: في تفسير الآية الكريمة أن المراد من النساء اليتامى أيضاً، وأن المعنى وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى المربّاة في حجوركم فانكحوا ما طاب لكم من يتامى قراباتكم، وإلى هذا ذهب الجبائي وهو كما ترى، وقيل: إنه لما نزلت الآية في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير أخذ الأولياء يتحرجون من ولايتهم خوفاً من لحوق الحوب بترك الإقساط مع أنهم كانوا لا يتحرجون من ترك العدل في حقوق النساء حيث كان تحت الرجل منهم عشر منهن فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها فخافوا أيضاً ترك العدل بين النساء وقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فهو غير متحرج ولا تائب عنه، وإلى نحو من هذا ذهب ابن جبير والسدي وقتادة والربيع والضحاك وابن عباس في إحدى الروايات عنه، وقيل: كانوا لا يتحرجون من الزنا وهم يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم الحوب في حق اليتامى فخافوا الزنا فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات، ونظيره ما إذا داوم على الصلاة من لا يزكي فتقول له: إن خفت الإثم في ترك الصلاة فخف من ترك الزكاة، وإلى قريب من هذا ذهب مجاهد. وتعقب هذين القولين العلامة شيخ الإسلام بقوله: ولا يخفى أنه لا يساعدهما جزالة النظم الكريم لابتنائهما على تقدم نزول الآية الأولى وشيوعها بين الناس وظهور توقف حكمها على ما بعدها من قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ} إلى قوله سبحانه: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً }تفسير : [النساء: 5-6] ويفهم من كلام بعض المحققين أيضاً أن الأظهر في الآية ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها دون هذين القولين لأن الآية على تلك الرواية تتنزل على قوله تعالى: {أية : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاء قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء / ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} تفسير : [النساء: 127] فيتطابق الآيتان ولا يتأتى ذلك على القولين بل لا ارتباط بين الآيتين عليهما لأن مقتضاهما أن الكلام في مطلق اليتامى لا في يتامى النساء، ثم يبعدهما أن الشرط لا يرتبط معهما بالجواب إلا من وجه عام، أما الأول: فمن حيث إن الجور على النساء في الحرمة كالجور على اليتامى في أن كلاً منهما جور، وأما الثاني: فلأن الزنا محرم كما أن الجور على اليتامى محرم وكم من محرم يشاركهما في التحريم فليس ثم خصوصية تربط الشرط والجواب كالخصوصية الرابطة بينهما هناك، ثم الظاهر من قوله سبحانه: {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ} أنه وارد بصيغة التوسعة عليهم بنوع من التقييد كأنه قيل: إن خفتم من نكاح اليتامى ففي غيرهن متسع إلى كذا، وعلى القول الأول من القولين يكون المراد التضييق لأن حاصله إن خفتم الجور على النساء فاحتاطوا بأن تقللوا عدد المنكوحات وهو خلاف ما يشعر به السياق من التوسعة وبعيد عن جزالة التنزيل كما لا يخفى، وقيل: إن الرجل كان يتزوج الأربع والخمس والست والعشر ويقول: ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان فإذا فني ماله مال على مال اليتيم الذي في حجره فأنفقه فنهي أولياء اليتامى على أن يتجاوزوا الأربع لئلا يحتاجوا إلى أخذ مال اليتيم، ونسب هذا إلى ابن عباس وعكرمة، وعليه يكون المراد من اليتامى أعم من الذكور والإناث وكذا على القولين قبله. وأورد عليه أنه يفهم منه جواز الزيادة على الأربع لمن لا يحتاج إلى أخذ مال اليتيم وهو خلاف الإجماع، وأيضاً يكون المراد من هذا الأمر التضييق وهو كما علمت خلاف ما يشعر به السياق المؤكد بقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوٰحِدَةً} كأنه لما وسع عليهم أنبأهم أنه قد يلزم من الاتساع خوف الميل فالواجب حينئذٍ أن يحترزوا بالتقليل فيقتصروا على الواحدة، والمراد فإن خفتم أن لا تعدلوا فيما بين هذه المعدودات ولو في أقل الأعداد المذكورة كما خفتموه في حق اليتامى، أو كما لم تعدلوا في حقهن فاختاروا، أو الزموا واحدة واتركوا الجميع بالكلية، وقرأ إبراهيم ـ وثلث وربع ـ على القصر من ـ ثلاث ورباع، وقرأ أبو جعفر {فَوٰحِدَةً} بالرفع أي فالمقنع واحدة، أو فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة أو فالمنكوحة واحدة. {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} أي من السراري بالغة ما بلغت كما يؤخذ من السياق، ومقابلة الواحدة وهو عطف على واحدة على أن اللزوم والاختيار فيه بطريق التسري لا بطريق النكاح كما فيما عطف عليه لاستلزامه ورود ملك النكاح على ملك اليمين بموجب اتحاد المخاطبين في الموضعين، وقد قالوا: لا يجوز أن يتزوج المولى أمته ولا المرأة عبدها لأن النكاح ما شرع إلا مثمراً بثمرات مشتركة بين المتناكحين والمملوكية تنافي المالكية فيمتنع وقوع الثمرة على الشركة، وهذا بخلاف ما سيأتي بقوله سبحانه: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [النساء: 25] فإن المأمور بالنكاح هناك غير المخاطبين بملك اليمين، وبعضهم يقدر في المعطوف عليه فانكحوا لدلالة أول الكلام عليه، ويعطف هذا عليه على معنى اقتصروا على ما ملكت، والكلام على حد قوله:شعر : علفتها تبناً وماءاً بارداً تفسير : وأو للتسوية وسوي في السهولة واليسرة بين الحرة الواحدة / والسراري من غير حصر لقلة تبعتهن وخفة مؤنتهن وعدم وجوب القسم فيهن، وزعم بعضهم أن هذا معطوف على النساء أي فانكحوا ما طاب لكم من النساء أو مما ملكت أيمانكم ولا يخفى بعده، وقرأ ابن أبـي عبلة من ملكت، وعبر بما في القراءة المشهورة ذهاباً للوصف ولكون المملوك لبيعه وشرائه والمبيع أكثره ما لا يعقل كان التعبير بما فيه أظهر، وإسناد المِلك لليمين لما أن سببه الغالب هو الصفقة الواقعة بها، وقيل: لأنه أول ما يكون بسبب الجهاد والأسر، وذلك محتاج إلى أعمالها وقد اشتهر ذلك في الأرقاء لا سيما في إناثهم كما هو المراد هنا رعاية للمقابلة بينه وبين ملك النكاح الوارد على الحرائر، وقيل: إنما قيل للرقيق ملك اليمين لأنها مخصوصة بالمحاسن وفيها تفاؤل باليمن أيضاً، وعن بعضهم أن أعرابياً سئل لم حسنتم أسماء مواليكم دون أسماء أبنائكم؟ فقال: أسماء موالينا لنا وأسماء أبنائنا لأعدائنا فليفهم. وادعى ابن الفرس أن في الآية رداً على من جعل النكاح واجباً على العين لأنه تعالى ((خير فيها بينه وبين التسري ولا يجب التسري بالاتفاق ولو كان النكاح واجباً لما (خير) بينه وبين التسري لأنه لا يصح عند الأصوليين التخيير بين واجب وغيره لأنه يؤدي إلى إبطال حقيقة الواجب وأن تاركه لا يكون آثماً))، ولا يرد هذا على من يقول: الواجب أحد الأمرين، ويمنع الاتفاق على عدم وجوب التسري في الجملة فتدبر، وزعم بعضهم أن فيها دليلاً على منع نكاح الجنيات لأنه تعالى خص النساء بالذكر. وأنت تعلم أن مفهوم المخالفة عند القائل به غير معتبر هنا لظهور نكتة تخصيص النساء بالذكر وفائدته. وادعى الإمام السيوطي أن فيها إشارة إلى حل النظر قبل النكاح لأن الطيب إنما يعرف به، ولا يخفى أن الإشارة ربما تسلم إلا أن الحصر ممنوع وهذا الحل ثبت في غير ما حديث، وفي «صحيح مسلم» حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال للمتزوج امرأة من الأنصار: «أنظرت إليها؟ قال: لا قال: فاذهب وانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً»تفسير : وهو مذهب جماهير العلماء، وحكي عن قوم كراهته وهم محجوجون بالحديث والإجماع على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة ونحوها، ثم إنه إنما يباح له النظر إلى الوجه والكفين، وقال الأوزاعي: إلى مواضع اللحم. وقال داود: إلى جميع بدنها وهو خطأ ظاهر منابذ لأصول السنة والإجماع، وهل يشترط رضا المرأة أم لا؟ الجمهور على عدم الاشتراط بل للرجل النظر مع الغفلة وعدم الرضا، وعن مالك كراهة النظر مع الغفلة، وفي رواية ضعيفة عنه لا يجوز النظر إليها إلا برضاها، واستحسن كثير كون هذا النظر قبل الخطبة حتى إن كرهها تركها من غير إيذاء بخلاف ما إذا تركها بعد الخطبة كما لا يخفى. وقال بعضهم: إن فيها إشارة أيضاً إلى استحباب الزيادة على الواحدة لمن لم يخف عدم العدل لأنه سبحانه قدم الأمر بالزيادة وعلق أمر الواحدة بخوف عدم العدل، ويا ما أحيلى الزيادة إن ائتلفت الزوجات وصح جمع المؤنث بعد التثنية معرباً بالضم من بين سائر الحركات، وهذا لعمري أبعد من العيوق وأعز من الكبريت الأحمر وبيض الأنوق:شعر : ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن تفسير : {ذٰلِكَ} أي اختيار الواحدة أو التسري أو الجميع ـ وهو الأولى ـ وإليه يشير كلام ابن أبـي زيد {أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} العول في الأصل الميل المحسوس يقال: عال الميزان عولاً إذا مال، ثم نقل إلى الميل المعنوي وهو الجور، ومنه عال الحاكم إذا جار، والمراد هٰهنا الميل المحظور المقابل للعدل أي ما ذكر من اختيار الواحدة والتسري أقرب بالنسبة إلى ما عداهما من أن لا تميلوا ميلاً محظوراً لانتفائه رأساً بانتفاء محله في / الأول، وانتفاء خطره في الثاني بخلاف اختيار العدد في المهائر، فإن الميل المحظور متوقع فيه لتحقق المحل والخطر. وإلى هذا ذهب بعض المحققين؛ وجوز بعضهم كون الإشارة إلى ثلاثة أمور: التقليل من الأزواج واختيار الواحدة والتسري، أي هذه الأمور الثلاثة أدنى من جميع ما عداها، والأول أظهر. وقد حكي عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه فسر {أَلاَّ تَعُولُواْ} بأن لا تكثر عيالكم. وقد ذكر الشهاب أنه خطأه وحاشاه فيه كثير من المتقدمين لأنه إنما يقال لمن كثرت عياله: أعال يعيل إعالة ولم يقولوا عال يعول. وأجيب بأن الإمام الشافعي سلك في هذا التفسير سبيل الكناية فقد جعل رضي الله تعالى عنه الفعل في الآية من عال الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم، ومن كثرت عياله لزمه أن يعولهم فاستعمل الإنفاق وأراد لازم معناه وهو كثرة العيال، واعترض بأن عال بمعنى مان وأنفق لا دلالة له على كثرة المؤنة حتى يكنى به عن كثرة العيال، وأجيب بأن الراغب ذكر أن أصل معنى العول الثقل يقال: عاله أي تحمل ثقل مؤنته، والثقل إنما يكون في كثير الإنفاق لا في قليله فيراد من لا تعولوا كثرة الإنفاق بقرينة المقام والسياق لأنه ليس المراد نفي المؤنة والعيال من أصله إذ من تزوج واحدة كان عائلاً وعليه مؤنة، فالكلام كالصريح فيه واستعمال أصل الفعل في الزيادة فيه غير عزيز فلا غبار، وذكر في «الكشف» أنه لا حاجة إلى أصل الجواب عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فإن الكسائي نقل عن فصحاء العرب عال يعول إذا كثر عياله وممن نقله الأصمعي والأزهري وهذا التفسير نقله ابن أبـي حاتم عن زيد بن أسلم وهو من أجلة التابعين، وقراءة طاوس ـ أن لا تعيلوا ـ مؤيدة له فلا وجه لتشنيع من شنع على الإمام جاهلاً باللغات والآثار، وقد نقل الدوري إمام القراء أنها لغة حمير وأنشد:شعر : وإن الموت يأخذ كل حي بل شك وإن أمشى (وعالا) تفسير : أي وإن كثرت ماشيته وعياله، وأما ما قيل: إن عال بمعنى كثرت عياله يائي وبمعنى جار واوي فليست التخطئة في استعمال عال في كثرة العيال بل في عدم الفرق بين المادتين، فرد أيضاً بما اقتضاه كلام البعض من أن عال له معان: مال وجار وافتقر وكثرت عياله ومان وأنفق وأعجز، يقال: عالني الأمر أي أعجزني ومضارعه يعيل ويعول فهو من ذوات الواو والياء على اختلاف المعاني، ثم المراد بالعيال على هذا التفسير يحتمل أن يكون الأزواج كما أشرنا إليه وعدم كثرة الأزواج في اختيار الواحدة وكذا في التقليل إن قلنا إنه داخل في المشار إليه ظاهر، وأما عدم كثرتهن في التسري فباعتبار أن ذلك صادق على عدمهنّ بالكلية. ويحتمل أن يكون الأولاد وعدم كثرتهم في اختيار الواحدة وكذا في التقليل ظاهر أيضاً، وأما عدم كثرتهم في التسري فباعتبار أنه مظنة قلة الأولاد إذ العادة على أن لا يتقيد المرء بمضاجعة السراري ولا يأبـى العزل عنهن بخلاف المهائر فإن العادة على تقيد المرء بمضاجعتهن وإباء العزل عنهن، وإن كان العزل عنهن كالعزل عن السراري جائزاً شرعاً بإذن وبغير إذن في المشهور من مذهب الشافعي، وفي بعض شروح «الكشاف» ما يدل على أن في ذلك خلافاً عند الشافعية فمنعه بعضهم كما هو مذهب أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وأخرج ابن أبـي حاتم عن سفيان بن عيينة أنه فسر {أَلاَّ تَعُولُواْ} بأن لا تفتقروا، وقد قدمنا أن عال يجىء بمعنى افتقر، ومن وروده كذلك قوله:شعر : فما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى (يعيل) تفسير : إلا أن الفعل في البيت يائي لا واوي كما في الآية والأمر فيه سهل كما عرفت، وعلى سائر التفاسير الجملة مستأنفة / جارية مما قبلها مجرى التعليل.

ابن عاشور

تفسير : اشتمال هذه الآية على كلمة {اليتامى} يؤذن بمناسبتها للآية السابقة، بيد أنّ الأمر بنكاح النساء وعددهنّ في جواب شرط الخوف من عدم العدل في اليتامى ممّا خفي وجهُه على كثير من علماء سلف الأمة، إذ لا تظهر مناسبة أي ملازمة بين الشرط وجوابه. واعلم أنّ في الآية إيجازاً بديعاً إذ أطلق فيها لفظ اليتامى في الشرط وقوبل بلفظ النساء في الجزاء فعلم السامع أنّ اليتامى هنا جمع يتيمة وهي صنف من اليتامى في قوله السابق: {أية : وآتوا اليتامى أموالهم}تفسير : [النساء: 2]. وعلم أنّ بين عدم القسط في يتامى النساء، وبين الأمر بنكاح النساء، ارتباطاً لا محالة وإلاّ لكان الشرط عبثاً. وبيانه ما في «صحيح البخاري»: أنّ عروة بن الزبير سأل عائشة عن هذه الآية فقالت: «يابنَ أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها تشرَكه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوجها بغير أن يُقسط في صداقها فلا يعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنُهوا أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا لهنّ ويبلغوا بهنّ أعلى سنتهنّ في الصداق فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء غيرهنّ. ثم إنّ الناس استفتوا رسول الله بعد هذه الآية فأنزل الله: {أية : ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء التي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن} تفسير : [النساء: 127]. فقول الله تعالى: {أية : وترغبون أن تنكحوهن}تفسير : [النساء: 127] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا عن أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلاّ بالقسط من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كنّ قليلات المال والجمال». وعائشة لم تسند هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن سياق كلامها يؤذن بأنّه عن توقيف، ولذلك أخرجه البخاري في باب تفسير سورة النساء بسياق الأحاديث المرفوعة اعتداداً بأنها ما قالت ذلك إلاّ عن معاينة حال النزول، وأَفهام المسلمين التي أقرّها الرسول عليه السلام، لا سيما وقد قالت: ثمّ إنّ الناس استفتوا رسول الله، وعليه فيكون إيجاز لفظ الآية اعتداداً بما فهمه الناس ممّا يعلمون من أحوالهم، وتكون قد جمعت إلى حكم حفظ حقوق اليتامى في أموالهم الموروثة حفظ حقوقهم في الأموال التي يستحقّها البنات اليتامى من مهور أمثالهنّ، وموعظة الرجال بأنّهم لمّا لم يجعلوا أواصر القرابة شافعة النساء اللاتي لا مرغِّب فيهنّ لهم فيرغبون عن نكاحهنّ، فكذلك لا يجعلون القرابة سبباً للإجحاف بهنّ في مهورهنّ. وقولها: ثمّ إنّ الناس استفتوا رسول الله، معناه استفتوه طلباً لإيضاح هذه الآية. أو استفتوه في حكم نكاح اليتامى، وله يهتدوا إلى أخذه من هذه الآية، فنزل قوله: {ويستفتونك في النساء} الآية، وأنّ الإشارة بقوله: {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء} أي ما يتلى من هذه الآية الأولى، أي كان هذا الاستفتاء في زمن نزول هذه السورة. وكلامها هذا أحسن تفسير لهذه الآية. وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدّي، وقتادة: كانت العرب تتحرّج في أموال اليتامى ولا تتحّرج في العدل بين النساء، فكانوا يتزوّجون العشر فأكثر فنزلت هذه الآية في ذلك، وعلى هذا القول فمحلّ الملازمة بين الشرط والجزاء إنّما هو فيما تفرّع عن الجزاء من قوله: {فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة}، فيكون نسج الآية قد حيك على هذا الأسلوب ليدمج في خلاله تحديد النهاية إلى الأربع. وقال عكرمة: نزلت في قريش، كان الرجل يتزوّج العشر فأكثر فإذا ضاق ماله عن إنفاقهنّ أخذ مال يتيمه فتزوّج منه، وعلى هذا الوجه فالملازمة ظاهرة، لأنّ تزوّج ما لا يستطاع القيام به صار ذريعة إلى أكل أموال اليتامى، فتكون الآية دليلاً على مشروعية سدّ الذرائع إذا غلبت. وقال مجاهد: الآية تحذير من الزنا، وذلك أنّهم كانوا يتحرّجون من أكل أموال اليتامى ولا يتحرّجون من الزنا، فقيل لهم: إن كنتم تخافون من أموال اليتامى فخافوا الزنا، لأنّ شأن المتنسّك أن يهجر جميع المآثم لا سيما ما كانت مفسدته أشدّ. وعلى هذا الوجه تضعف الملازمة بين الشرط وجوابه ويكون فعل الشرط ماضياً لفظاً ومعنى. وقيل في هذا وجوه أخر هي أضعف ممّا ذكرنا. ومعنى {ما طاب} ما حسن بدليل قوله: {لكم} ويفهم منه أنّه ممّا حلّ لكم لأن الكلام في سياق التشريع. وما صَدْقُ {ما طاب} النساء فكان الشأن أن يؤتى بـ (مَن) الموصولة لكن جيء بـ (ـما) الغالبة في غير العقلاء، لأنّها نُحِي بها مَنْحى الصفة وهو الطيّب بِلا تعيين ذات، ولو قال (مَنْ) لتبادر إلى إرادة نسوة طيّبات معروفات بينهم، وكذلك حال (ما) في الاستفهام، كما قال صاحب «الكشاف» وصاحب «المفتاح». فإذا قلت: ما تزوجت؟ فأنت تريد ما صفتها أبكرا أم ثيّباً مثلاً، وإذا قلت: مَن تزوجت؟ فأنت تريد تعيين اسمها ونسبها. والآية ليست هي المثبتة لمشروعية النكاح، لأنّ الأمر فيها معلّق على حالة الخوف من الجور في اليتامى، فالظاهر أنّ الأمر فيها للإرشاد، وأنّ النكاح شرع بالتقرير للإباحة الأصلية لما عليه الناس قبل الإسلام مع إبطال ما لا يرضاه الدين كالزيادة على الأربع، وكنكاح المقت، والمحرّمات من الرضاعة، والأمر بأن لا يُخْلوه عن الصداق، ونحو ذلك. وقوله: {مثنى وثلاث ورباع} أحوال من {طاب} ولا يجوز كونها أحوالاً من النساء لأنّ النساء أريد به الجنس كلّه لأن (مِنْ) إمَّا تبعيضية أو بيانية وكلاهما تقتضي بقاء البيان على عمومه، ليصلح للتبعيض وشبهه، والمعنى: أنّ الله وسّع عليكم فلكم في نكاح غير أولئك اليتامى مندوحة عن نكاحهنّ مع الإضرار بهنّ في الصداق، وفي هذا إدماج لحكم شرعي آخر في خلال حكم القسط لليتامى إلى قوله: {ذلك أدنى ألا تعولوا}. وصيغة مَفْعَل وفُعَال في أسماء الأعداد من واحد إلى أربعة، وقيل إلى ستة وقيل إلى عشرة، وهو الأصح، وهو مذهب الكوفيّين، وصحّحه المعرّي في «شرح ديوان المتنبيّ» عند قول أبي الطّيب:شعر : أُحَاد أم سُدَاسٌ في آحاد لُيَيْلَتُنَا المَنوطةُ بالتنادي تفسير : تدُلّ كلّها على معنى تكرير اسم العدد لقصد التوزيع كقوله تعالى: {أية : أولي أجنحة مَثْنَى وثُلاث ورُباع}تفسير : [فاطر: 1] أي لطائفة جناحان، ولطائفة ثلاثة، ولطائفة أربعة. والتوزيع هنا باعتبار اختلاف المخاطبين في السعة والطَّول، فمنهم فريق يستطيع أن يتزوّجوا اثنتين، فهؤلاء تكون أزواجهم اثنتين اثنتين، وهلمّ جرّا، كقولك لجماعة: اقتسِموا هذا المال درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، على حسب أكبركم سنّاً. وقد دل على ذلك قوله بعد: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة}. والظاهر أنّ تحريم الزيادة على الأربع مستفاد من غير هذه الآية لأنّ مجرّد الاقتصار غير كاف في الاستدلال ولكنّه يُستأنس به، وأنّ هذه الآية قرّرت ما ثبت من الاقتصار، على أربع زوجات كما دلّ على ذلك الحديث الصحيح: «حديث : إنّ غيلان بن سلمة أسلم على عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أمسك أربعاً وفارق سائرهنّ»تفسير : . ولعلّ الآية صدرت بذكر العدد المقرّر من قبل نزولها، تمهيداً لشرع العدل بين النساء، فإنّ قوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} صريح في اعتبار العدل في التنازل في مراتب العدد ينزل بالمكلّف إلى الواحدة. فلا جرم أن يكون خوفه في كلّ مرتبة من مراتب العدد ينزل به إلى التي دونها. ومن العجيب ما حكاه ابن العربي في الأحكام عن قوم من الجهّال ـــ لم يعيّنهم ـــ أنّهم توهّموا أنّ هذه الآية تبيح للرجال تزوّج تسع نساء توهّما بأنّ مثنَى وثُلاث ورُباع مرادفة لاثنين وثلاثاً وأربعاً، وأنّ الواو للجمع، فحصلت تسعة وهي العدد الذي جمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين نسائه، وهذا جهل شنيع في معرفة الكلام العربي. وفي «تفسير القرطبي» نسبة هذا القول إلى الرافضة، وإلى بعض أهل الظاهر، ولم يعيّنه. وليس ذلك قولاً لداوود الظاهري ولا لأصحابه، ونسبه ابن الفرس في أحكام القرآن إلى قوم لا يعبأ بخلافهم، وقال الفخر: هم قوم سُدى، ولم يذكر الجصّاص مخالفاً أصلاً. ونسب ابن الفرس إلى قوم القول بأنّه لا حصر في عدد الزوجات وجعلوا الاقتصار في الآية بمعنى: إلى ما كان من العدد، وتمسّك هذان الفريقان بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسع نسوة، وهو تمسّك واه، فإنّ تلك خصوصية له، كما دلّ على ذلك الإجماع، وتطلُّب الأدلّة القواطع في انتزاع الأحكام من القرآن تطلّب لما يقف بالمجتهدين في استنباطهم موقف الحيرة، فإنّ مبنى كلام العرب على أساس الفطنة. ومسلكه هو مسلك اللمحة الدالّة. وظاهر الخطاب للناس يعم الحرّ والعبد، فللعبد أن يتزوّج أربع نسوة على الصحيح، وهو قول مالك، ويعزى إلى أبي الدرداء، والقاسم بن محمد، وسالم، وربيعة بن أبي عبد الرحمان، ومجاهد، وذهب إليه داوود الظاهري. وقيل: لا يتزوّج العبد أكثر من اثنتين، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وينسب إلى عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمٰن بن عوف، وابن سيرين، والحسن. وليس هذا من مناسب التنصيف للعبيد، لأنّ هذا من مقتضى الطبع الذي لا يختلف في الأحرار والعبيد. ومن ادّعى إجماع الصحابة على أنّه لا يتزوّج أكثر من اثنتين فقد جازف القول. وقوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة}، أي فواحدة لكلّ من يخاف عدم العدل. وإنّما لم يقل فأُحاد أو فمَوْحَد لأنّ وزن مَفعل وفُعال في العدد لا يأتي إلاّ بعد جمع ولم يجر جمع هنا. وقرأ الجمهور: فواحدة ـــ بالنصب ـــ، وانتصب واحدة على أنّه مفعول لمحذوف أي فانكحوا واحدة. وقرأه أبو جعفر ـــ بالرفع ـــ على أنه مبتدأ وخبره محذوف أي كفاية. وخوف عدم العدل معناه عدم العدل بين الزوجات، أي عدم التسوية، وذلك في النفقة والكسوة والبشاشة والمعاشرة وترك الضرّ في كلّ ما يدخل تحت قدرة المكلّف وطوقه دون ميل القلب. وقد شرع الله تعدّد النساء للقادر العادل لِمصالح جمّة: منها أنّ في ذلك وسيلة إلى تكثير عدد الأمة بازدياد المواليد فيها، ومنها أنّ ذلك يعين على كفالة النساء اللائي هنّ أكثر من الرجال في كلّ أمّة لأنّ الأنوثة في المواليد أكثر من الذكورة، ولأنّ الرجال يعرض لهم من أسباب الهلاك في الحروب والشدائد ما لا يعرض للنساء، ولأنّ النساء أطول أعماراً من الرجال غالباً، بما فطرهنّ الله عليه، ومنها أنّ الشريعة قد حرّمت الزنا وضيّقت في تحريمه لمّا يجرّ إليه من الفساد في الأخلاق والأنساب ونظام العائلات، فناسب أن توسّع على الناس في تعدّد النساء لمن كان من الرجال ميّالاً للتعدّد مجبولاً عليه، ومنها قصد الابتعاد عن الطلاق إلاّ لضرورة. ولم يكن في الشرائع السالفة ولا في الجاهلية حدّ للزوجات، ولم يثبت أن جاء عيسى عليه السلام بتحديد للتزوّج، وإن كان ذلك توهّمه بعض علمائنا مثل القرافي، ولا أحسبه صحيحاً، والإسلام هو الذي جاء بالتحديد، فأمّا أصل التحديد فحكمته ظاهرة: من حيث إنّ العدل لا يستطيعه كلّ أحد، وإذا لم يقم تعدّدُ الزوجات على قاعدة العدل بينهنّ اختلّ نظام العائلة، وحدثت الفتن فيها، ونشأ عقوق الزوجات أزواجهنّ، وعقوق الأبناء آباءهم بأذاهم في زوجاتهم وفي أبنائهم، فلا جرم أن كان الأذى في التعدّد لمصلحة يجب أن تكون مضبوطة غير عائدة على الأصل بالإبطال. وأمّا الانتهاء في التعدّد إلى الأربع فقد حاول كثير من العلماء توجيهه فلم يبلغوا إلى غاية مرضية، وأحسب أنّ حكمته ناظرة إلى نسبة عدد النساء من الرجال في غالب الأحوال، وباعتبار المعدّل في التعدّد فليس كلّ رجل يتزوّج أربعاً، فلنفرض المعدّل يكشف عن امرأتين لكلّ رجل، يدلّنا ذلك على أنّ النساء ضعف الرجال. وقد أشار إلى هذا ما جاء في «الصحيح»: أنه يكثر النساء في آخر الزمان حتّى يكون لخمسين امرأةً القيِّم الواحد. وقوله: {أو ما ملكت أيمانكم} إن عطف على قوله: {فواحدة}، فقد خيّر بينه وبين الواحدة باعتبار التعدّد، أي فواحدة من الأزواج أو عدد ممّا ملكت أيمانكم، وذلك أنّ المملوكات لا يشترط فيهنّ من العدل ما يشترط في الأزواج، ولكن يشترط حسن المعاملة وترك الضرّ، وإن عطفتَه على قوله: {فانكحوا ما طاب} كان تخييراً بين التزوّج والتسرّي بحسب أحوال الناس، وكان العدل في الإماء المتّخذات للتسرّي مشروطاً قياساً على الزوجات، وكذلك العدد بحسب المقدرة غير أنّه لا يمتنع في التسرّي الزيادة على الأربع لأنّ القيود المذكورة بين الجمل ترجع إلى ما تقدّم منها. وقد منع الإجماع من قياس الإماء على الحراير في نهاية العدد، وهذا الوجه أدخل في حكمة التشريع وأنظم في معنى قوله: {ذلك أدنى ألا تعولوا} والإشارة بقوله {ذلك أدنى أن لا تعولوا} إلى الحكم المتقدّم، وهو قوله: {فانكحوا ما طاب لكم} إلى قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} باعتبار ما اشتمل عليه من التوزيع على حسب العدل. وإفراد اسم الإشارة باعتبار المذكور كقوله تعالى: {ومن يفعل ذلك يلق أثاماً}. و(أدنى) بمعنى أقرب، وهو قرب مجازي أي أحقّ وأعون على أن لا تعُولوا، و«تعولوا» مضارع عال عَوْلاً، وهو فعل واوي العين، بمعنى جار ومال، وهو مشهور في كلام العرب، وبه فسّر ابن عباس وجمهور السلف، يقال: عَال الميزان عَولاً إذا مال، وعال فلان في حكمه أي جار، وظاهر أنّ نزول المكلّف إلى العدد الذي لا يخاف معه عدم العدل أقرب إلى عدم الجور، فيكون قوله: {أدنى ألا تعولوا} في معنى قوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا} فيفيد زيادة تأكيد كراهية الجور. ويجوز أن تكون الإشارة إلى الحكم المتضمّن له قوله: {فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} أي ذلك أسلم من الجور، لأنّ التعدّد يعرّض المكلّف إلى الجور وإن بذل جهده في العدل، إذ للنفس رغبات وغفلات، وعلى هذا الوجه لا يكون قوله: {أدنى ألا تعولوا} تأكيداً لمضمون {فإن خفتم ألا تعدلوا} ويكون ترغيباً في الاقتصار على المرأة الواحدة أو التعدّد بملك اليمين، إذ هو سدّ ذريعة الجور، وعلى هذا الوجه لا يكون العدل شرطاً في ملك اليمين، وهو الذي نحاه جمهور فقهاء الأمصار في ملك اليمين. وقيل: «معنى ألا تعولوا» أن لا تكثر عيالكم، مأخوذ من قولهم عال الرجل أهله يعولهم بمعنى مالهم، يعني فاستعمل نفي كثرة العيال على طريق الكناية لأنّ العول يستلزم وجود العيال، والإخبار عن الرجل بأنّه يعول يستلزم كثرة العيال، لأنّه إخبار بشيء لا يخلو عنه أحد فما يخبر المخبر به إلاّ إذا رآه تجاوز الحدّ المتعارف. كما تقول فلان يأكل، وفلان ينام، أي يأكل كثيراً وينام كثيراً، ولا يصحّ أن يراد كونه معنى لعال صريحاً، لأنّه لا يقال عال بمعنى كثرت عياله، وإنّما يقال أعال. وهذا التفسير مأثور عن زيد بن أسلم، وقاله الشافعي، وقال به ابن الأعرابي من علماء اللغة وهو تفسير بعيد، وكناية خفيّة، لا يلائم إلاّ أن تكون الإشارة بقوله: {ذلك} إلى ما تضمنّه قوله: {فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} ويكون في الآية ترغيب في الاقتصار على الواحدة لخصوص الذي لا يستطيع السعة في الإنفاق، لأنّ الاقتصار على الواحدة يقلل النفقة ويقلّل النسل فيُبقي عليه مالَه، ويدفع عنه الحاجة، إلاّ أنّ هذا الوجه لا يلائم قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} لأنّ تعدّد الإماء يفضي إلى كثرة العيال في النفقة عليهنّ وعلى ما يتناسل منهنّ، ولذلك ردّ جماعة على الشافعي هذا الوجه بين مُفرط ومقتصد. وقد أغلظ في الردّ أبو بكر الجصّاص في أحكامه حتّى زعم أنّ هذا غلط في اللغة، اشتبه به عال يَعيل بعال يَعُول. واقتصد ابن العربي في ردّ هذا القول في كتاب الأحكام. وانتصر صاحب «الكشاف» للشافعي، وأُورد عليهم أنّ ذلك لا يلاقي قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} فإن تعدّد الجواري مثل تَعدّد الحرائر فلا مفرّ من الإعالة على هذا التفسير. وأجيب عنه بجواب فيه تكلّف. وحكم هذه الآية ممّا أشار إليه قوله: {أية : وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء}تفسير : [النساء: 1].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} الآية. لا يخفى ما يسبق إلى الذهن في هذه الآية الكريمة من عدم ظهور وجه الربط بين هذا الشرط، وهذا الجزاء، وعليه، ففي الآية نوع إجمال، والمعنى كما قالت أم المؤمنين، عائشة رضي الله عنها: أنه كان الرجل تكون عنده اليتيمة في حجره. فإن كانت جميلة، تزوجها من غير أن يقسط في صداقها، وإن كانت دميمة رغب عن نكاحها وعضلها أن تنكح غيره: لئلا يشاركه في مالها. فنهُوا أن ينكحوهنَّ إلا أن يقسطوا إليهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنَّ. أي: كما أنه يرغب عن نكاحها إن كانت قليلة المال، والجمال، فلا يحل له أن يتزوجها إن كانت ذات مال وجمال إلا بالإقساط إليها، والقيام بحقوقها كاملة غير منقوصة، وهذا المعنى الذي ذهبت إليه أم المؤمنين، عائشة، رضي الله عنها، يبينه ويشهد له قوله تعالى: {أية : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} تفسير : [النساء: 127] وقالت، رضي الله عنها: إن المراد بما يُتلَى عليكم في الكتاب هو قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} [النساء: 3] الآية، فتبين أنها يتامى النساء بدليل تصريحه بذلك في قوله: {فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} الآية. فظهر من هذا أن المعنى: وإن خفتم ألا تقسطوا في زواج اليتيمات فدعوهن، وانكحوا ما طاب لكم من النساء سواهن، وجواب الشرط دليل واضح على ذلك. لأن الربط بين الشرط والجزاء يقتضيه، وهذا هو أظهر الأقوال. لدلالة القرآن عليه، وعليه فاليتامى جمع يتيمة على القلب، كما قيل أيامى والأصل أيائم ويتائم لما عرف أن جمع الفعلية فعائل، وهذا القلب يطرد في معتل اللام كقضية، ومطية، ونحو ذلك ويقصر على السماع فيما سوى ذلك. قال ابن خويز منداد: يُؤخذ من هذه الآية جواز اشتراء الوصي وبيعه من مال اليتيم لنفسه بغير محاباة، وللسلطان النظر فيما وقع من ذلك، وأخذ بعض العلماء من هذه الآية أن الولي إذا اراد نكاح من هو وليها جاز أن يكون هو الناكِح والمنكح وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والثوري، وأبو ثور، وقاله من التابعين: الحسن وربيعة وهو قول الليث. وقال زفر والشافعي: لا يجوز له أن يتزوجها إلا بإذن السلطان، أو يزوجها ولي آخر أقرب منه أو مساو له. وقال أحمد في إحدى الروايتين: يُوكل رجلاً غيره فيزوجها منه، وروي هذا عن المغيرة بن شعبة، كحما نقله القرطبي، وغيره. وأخذ مالك بن أنس من تفسير عائشة لهذه الآية، كما ذكرنا الرد إلى صداق المثل فيما فسد من الصداق، أو وقع الغبن في مقداره. لأن عائشة رضي الله عنها، قالت: "ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق" فدل على أن للصداق سنة معروفة لكل صنف من الناس على قدر أحوالهم، وقد قال مالك: للناس مناكح عُرفت لهم، وعُرفوا لها يعني مهوراً وأكفاء. ويؤخذ ايضاً من هذه الآية جواز تزويج اليتيمة إذا أُعطيت حقوقها وافية، وما قاله كثير من العلماء من أن اليتيمة لا تزوج حتى تبلغ، محتجين بأن قوله تعالى: {أية : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 127] اسم ينطلق على الكبار دون الصغار، فو ظاهر السقوط. لأن الله صرح بأنهن يتامى، بقوله: {أية : فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [النساء: 127] وهذا الاسم أيضاً قد يُطلق على الصغار، كما في قوله تعالى: {أية : يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ}تفسير : [البقرة: 49] وهن إذ ذاك رضيعات فالظاهر المتبادر من الآية جواز نكاح اليتيمة مع الإقساط في الصداق، وغيره من الحقوق. ودلت السنة على أنها لا تُجبر، فلا تزوج إلا برضاها، وإن خالف في تزويجها خلق كثير من العلماء. تنبيه: قال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه: واتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} [النساء: 3] ليس له مفهوم إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة، اثنتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً، كمن خاف فدل على أنَّ الآية نزلت جواباً لمن خاف ذلك وأن حكمها أعم من ذلك اهـ منه بلفظه. قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر في الآية على ما فسرتها به عائشة، وارتضاه القرطبي، وغير واحد من المحققين ودل عليه القرآن: أن لها مفهوماً معتبراً. لأن معناها: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتيمات فانكحوا ما طاب لكم من سواهن، ومفهومه أنهم إن لم يخافوا عدم القسط لم يؤمروا بمجاوزتهن إلى غيرهن، بل يجوز لهم حينئذ الاقتصار عليهن وهو واضح كما ترى، إلا أنه تعالى لما أمر بمجاوزتهن إلى غيرهن عند خوفهم أن لا يقسطوا فيهن، أشار إلى القدر الجائز من تعدد الزوجات، ولا إشكال في ذلك والله أعلم. وقال بعض العلماء معنى الآية {{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ}. أي: إن خشيتم ذلك فتحرجتم من ظلم اليتامى، فاخشوا أيضاً وتحرجوا من ظلم النساء بعدم العدل بينهن، وعدم القيام بحقوقهن، فقللوا عدد المنكوحات ولا تزيدوا على أربع، وإن خفتم عدم إمكان ذلك مع التعدد فاقتصروا على الواحدة. لأن المرأة شبيهة باليتيم، لضعف كل واحد منهما وعدم قدرته على المدافعة عن حقه فكما خشيتم من ظلمه فاخشوا من ظلمها. وقال بعض العلماء: كانوا يتحرجون من ولاية اليتيم ولا يتحرجون من الزنى فقيل لهم في الآية: إن خفتم الذنب في مال اليتيم فخافوا ذنب الزنا، فانكحوا ما طاب لكم من النساء ولا تقربوا الزنا. وهذا أبعد الأقوال فيما يظهر والله تعالى أعلم. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة ايضاً: أن من كان في حجره يتيمة لا يجوز له نكاحها إلا بتوفيته حقوقها كاملة، وأنه يجوز نكاح أربع ويحرم الزيادة عليها، كما دل على ذلك أيضاً إجماع المسلمين قبل ظهور المخالف الضال، وقوله صلى الله عليه وسلم لغيلان بن سلمة: "حديث : اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن"تفسير : . وكذا قال للحارث بن قيس الأسدي وأنه مع خشية عدم العدل لا يجوز نكاح غير واحدة والخوف في الآية. قال بعض العلماء: معناه الخشية، وقال بعض العلماء: معناه العلم. أي: وإن علمتم ألا تقسطوا - الآية. ومن إطلاق الخوف بمعنى العلم. قول أبي محجن الثقفي. شعر : إذا مت فادفني إلى جنب كرمة تروي عظامي في الممات عروقها ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت ألا أذوقها تفسير : فقوله أخاف: يعني أعلم. تنبيه: عبر تعالى عن النساء في هذه الآية "بما" التي هي لغير العاقل في قوله: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ} [النساء: 3] ولم يقل من طاب. لأنها هنا أُريد بها الصفات لا الذوات. أي: ما طاب لكم من بكر أو ثيب، أو ما طاب لكم لكونه حلالاً، وإذا كان المراد الوصف عبر عن العاقل "بما" كقولك ما زيد في الاستفهام تعني أفاضل؟ وقال بعض العلماء: عبر عنهن "بما" إشارة إلى نقصانهن وشبههن بما لا يعقل حيث يؤخذ بالعوض والله تعالى أعلم.

الواحدي

تفسير : {وإن خفتم ألا تُقسطوا} : ألا تعدلوا {في اليتامى} [أي: في نكاح اليتامى] وهمَّكم ذلك {فانكحوا ما طاب} أَي: الطَّيِّب {لكم من النساء} يعني: من اللاتي تحلُّ دون المحرَّمات، والمعنى: أنَّ الله سبحانه قال لنا: فكما تخافون ألا تعدلوا بين اليتامى إذا كفلتموهم، فخافوا أيضاً ألا تعدلوا بين النِّساء إذا نكحتموهنَّ، فانكحوا من النِّساء {مثنى} أَي: اثنتين اثنتين {وثلاث} ثلاثاً ثلاثاً {ورباع} أربعاً أربعاً {فإن خفتم ألا تعدلوا} أَيْ: في الأربع {فواحدة} أَيْ: فلينكح كلُّ واحدٍ منكم واحدةً و {ذٰلك} أنَّ نكاح هؤلاء النِّسوة على قلَّة عددهنَّ {أدنى} أَيْ: أقربُ إلى العدل، وهو قوله: {ألا تعولوا} أَيْ: تميلوا وتجوروا. {وآتوا النساء} أَيُّها الأزواج {صدقاتهنَّ} مهورهنَّ {نحلة} فريضةً وتديُّناً {فإنْ طبن لكم} أَيْ: إنْ طابت لكم أنفسهنَّ {عن شيء} من الصَّداق {فكلوه هنيئاً} في الدُّنيا لا يقضي به عليكم سلطانٌ {مريئاً} في الآخرة لا يؤاخذكم الله به. {ولا تؤتوا السفهاء} أَي: النِّساء والصِّبيان {أموالكم التي جعل الله لكم قياماً} لمعايشكم وصلاح دنياكم. يقول: لا تعمدْ إلى مالك الذي خوَّلك الله، وجعله لك معيشةً فتعطيه امرأتك وبنيك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك، ثمَّ تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم، وهو قوله: {وارزقوهم فيها} [أي: اجعلوا لهم فيها رزقاً]، {واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً} أَيْ: عدةً جميلةً من البرِّ والصِّلة. {وابتلوا اليتامى} أَيْ: اختبروهم في عقولهم وأديانهم {حتى إذا بلغوا النكاح} أَيْ: حال النِّكاح من الاحتلام {فإن آنستم} أبصرتم {منهم رشداً} صلاحاً للعقل وحفظاً للمال. {ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا} أَيْ: لا تبادروا بأكل مالهم كبرَهم ورشدهم حذر أن يبلغوا، فيلزمكم تسليم المال إليهم {ومن كان غنيّاً} من الأوصياء {فليستعفف} عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئاً {ومَنْ كان فقيراً فليأكل بالمعروف} يقدِّر أجرة عمله {فإذا دفعتم} أَيُّها الأولياء {إليهم} إلى اليتامى {أموالهم فأشهدوا عليهم} لكي إنْ وقع اختلافٌ أمكن الوليِّ أن يقيم البيِّنة على ردِّ المال إليه {وكفى بالله حسيباً} محاسباً ومجازياً للمحسن والمسيء. {للرجال نصيب...} الآية. كانت العرب في الجاهليَّة لا تورث النِّساء ولا الصِّغار شيئاً، فأبطل الله ذلك، وأعلم أنَّ حقَّ الميراث على ما ذكر في هذه الآية من الفرض. {وإذا حضر القسمة} أَيْ: قسمة المال بين الورثة {أولوا القربى} أَي: الذين يُحجبون ولا يرثون {واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} وهذا على النَّدب والاستحباب. يستحبُّ للوارث أن يرضخ لهؤلاء إذا حضروا القسمة من الذَّهب والفضَّة، وأن يقولوا لهم قولاً معروفاً إذا كان الميراث ممَّا لا يمكن أن يرضخ منه كالأرضين والرَّقيق.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 3- وإن شعرتم بالخوف من ظلم اليتامى لأنه ذنب كبير، فخافوا كذلك أَلَمَ نسائكم بعدم العدل بينهن، والزيادة على أربع، فتزوجوا منهن اثنتين او ثلاثاً أو أربعاً إذا وثقتم بالقدرة على العدل، فإن خفتم عدم العدل فتزوجوا واحدة، أو استمتعوا بما تملك أيديكم من الإماء، ذلك أقرب إلى عدم الوقوع فى الظلم والجور، وأقرب ألا تكثر عيالكم فتعجزوا عن الإنفاق عليهم.

القطان

تفسير : تقسطوا: تعدلوا. تعولوا: تميلوا عن الحق، وقيل يكثُر عيالكم. يسأل كثير من الناس قديماً وحديثا: ما وجه الربط بين العدل في معاملة اليتامى، ونكاح النساء! وقد سأل عروة بن الزبير خالته عائشة أم المؤمنين، ففسرت ذلك بأن بعض أولياء اليتامى كان يتزوج بمن عنده من اليتيمات اللاتي يحل له زواجهن، أو يزوّجها بعض أبنائه، ويتخذ ذلك ذريعة الى أكل مالها أو أكل مهرها الذي تستحقه بعقد الزواج. فأنزل الله تعالى هذه الآية مرشدة لهم بأن من كان عنده يتيمة وأراد ان يتزوج بها أو يزوّجها من بعض أبنائه، لا لغاية أكل مالها أو أكل مهرها ـ فلا مانع من ذلك. اما اذا اراد ان يتزوجها ليأكل مالها أو مهرها، فان الله يأمره أن يتركها تتزوج غيره، وله ان يتزوج غيرها. ولقد أباح له الزواج بأكثر من واحدة الى اربع نساء. ثم وضع شرطاً مهماً جداً فقال: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} بين الزوجات فعليكم ان تكتفوا بواحدة فقط، لكم ان تتمتّعوا بمن تشاؤون من السراري. واختيار الواحدة اقرب من عدم الجور والظلم، اذ ان العدل بين النساء من الأمور الصعبة جدا. لذلك قال تعالى في آية أخرى {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} والمقصود بالعدل هنا هو المعاملة الطيبة، والنفقة، والمعاشرة الحسنة للزوجات على السواء. اما العدل في مشاعر الرجل وميله القلبي فإنه غير ممكن وليس هو المقصود. فان النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: "حديث : اللهم هذا قَسمي فيما امِلكَ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ". تفسير : وموضوع تعدد الزوجات أمرٌ كثر فيه الكلام قديماً وحديثا، واتخذه أعداء الاسلام سبيلاً للطعن فيه، ولا سيما المستشرقون والمبشرون. ولو ان هؤلاء المتعصبين بحثوا الموضوع بتجرد عن الهوى لرأوا ان الاسلام لم يبتدع تعدد الزوجات بل حدّده ووضع قيوداً تقلله بقدر الامكان. فقد كان التعدد معروفاً ومعمولاً به عند جميع الأمم، فجاء الاسلام ورخّص فيه وقيّده بقيود صارمة. وذلك لمواجهة واقع الحياة البشرية، وضرورات الفطرة الانسانية. إن الناس ليسوا سواء، فمنهم من لا تكفيه زوجة واحدة ومنهم المضطرُّ الى الجمع، لأمور عديدة, والدين الاسلامي ليس ديناً جامداً، بل هو واقعيٌّ ايجابي، يتوافق مع فطرة الانسان وتكوينه كما ينظر الى واقعه وضروراته, ولهذا أباح تعدد الزوجات بذلك التحفظ الشديد، فيحسن ان يؤخذ هذا الموضوع بيسر ووضوح، وان تُعرف الملابسات التي تحيط به، فلا ينبغي لمسلم ان يقدم على الزواج بأكثر من واحدة الا لضرورة، ومع مراعاة ما أوجبه الله من العدل. {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} تمتعوا بما شئتم من السراري، وهذا غير موجود في عصرنا. {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} اي ان الاقتصار على زوجة واحدة أقرب الى عدم الوقوع في الظلم والجور، كما أنه أدعى إلى ألاّ تكثر عيالكم فتعجزوا عن الانفاق عليهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْيَتَامَىٰ} {وَثُلاَثَ} {وَرُبَاعَ} {فَوَاحِدَةً} {أَيْمَانُكُمْ} (3) - فَإنْ خِفْتُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أنْ لاَ تَعْدِلُوا مَعَ الزَّوْجَةِ اليَتِيْمَةِ، وَأنْ تَأْكُلُوا مَالَهَا، فَاعْدِلُوا عَنِ الزَّوَاجِ بِهَا إلى الزَّوَاجِ بِغَيْرِهَا، فَإذا كَانَ فِي حِجْرِ أحَدِكُمْ يَتِيمَةٌ وَخَافَ أنْ لاَ يُعْطِيَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا، فَعَلَيْهِ أنَ يَعْدِلَ إلى الزَّوَاجِ بِغَيْرِها، فَإِنَّ النِّسَاءَ كَثِيرَاتٌ، وَلَم يُضَيِّقِ اللهُ عَلَى النَّاسِ، إذْ أبَاحَ لَهُمْ الزَّوَاجَ بِاثْنَتَينِ وَثَلاَثٍ وَأرْبَعٍ. فَإِنْ خِفْتُمْ، فِي حَالِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ عِنْدَكُمْ، أنْ لاَ تَعْدِلُوا بَيْنَهُنَّ فِي المُعَامَلَةِ، فَاقْتَصِرُوا عَلَى الزَّوَاجِ بِوَاحِدَةٍ، وَعَلَى الجَوَاري السَّرَارِي (لأنَّهُ لاَ وُجُوبَ لِلْعَدْلِ بَيْنَهُنَّ، وَإنْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَحَبّاً) وَالاقْتِصَارُ عَلَى الزَّوَاجِ بِوَاحِدَةٍ فِيهِ ضَمَانٌ مِنْ عَدَمِ الجَوْرِ وَالظُّلْمِ. (وَقِيلَ إنَّ مَعْنَى - ذَلِكَ أدْنَى ألاّ تَعُولُوا - هُوَ أنْ لاَ تَفْتَقِرُوا) (وَالعَدْلُ يَكُون فِيما يَدْخُلُ تَحْتَ طَاقَةِ الإِنْسَانِ كَالتَّسْويَةِ فِي المَأْكَلِ وَالمَلْبَسِ وَالمَسْكَنِ وَغَيْرِهِ .. أمَّا مَا لاَ يَدْخُلُ فِي وُسْعِهِ مِنْ مَيْلِ القَلْبِ إلَى وَاحِدَةٍ دُونَ الأخْرَى فَلاَ يُكَلَّفُ الإِنْسَانُ بِالعَدْلِ فِيهِ). ألا تقْسِطُوا - أنْ لاَ تَعْدِلُوا. طَابَ - حَسُنَ وَمَالَ القَلْبُ إليْهِ، وَهُوَ هُنَا مَا حَلَّ لَكُمْ. ألاَّ تَعُولُوا - ألاَّ تَجُورُوا فِي المُعَامَلَةِ. أوْ ألاَّ تَفْتَقِرُوا مِنْ كَثْرَةِ العِيَالِ. النِّكَاحُ - الزَّوَاجُ. مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ - الجَوَارِي المَمْلُوكَاتُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا يؤكد الحق الأمر بأن ابتعدوا عن اليتامى. فاليتيم مظنة أن يُظلم لضعفه، وبخاصة إذا كان أنثى. إنّ الظلم بعامة محرم فى غير اليتامى، ولكن الظلم مع الضعيفة كبير، فهي لا تقدر أن تدفع عن نفسها، فالبالغة الرشيدة من النساء قد تستطيع أن تدفع الظلم عن نفسها. وقوله الحق: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ ..} [النساء: 3] من "أقسط" أي عدل، والقسط من الألفاظ التي تختلط الأذهان فيها، و"القسط" مرة يطلق ويراد به "العدل"، إذا كان مكسور القاف، ولذلك يأتي الحق سبحانه فيقول: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيم} تفسير : [آل عمران: 18]. وهكذا نعرف أن كلمة "قسط" تأتي مرة للعدل ومرة للجور. فـ"قَسَطَ" "يَقْسطُ" "قَسْطَا" و "قُسوطاً" أي ظَلَم بفتح القاف في "قَسطٍ" وضمها في "قُسوط". والقِسط بكسر القاف هو العدل، والقَسط بفتح القاف - كما قلنا - هو الظلم وهناك مصدر ثان هو " قسوط " لكن الفعل واحد، وعندما يقول الحق: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ ..} [النساء: 3] من أقسط. أي خفتم من عدم العدل وهو الظلم. وهناك في اللغة ما نسميه همزة الإزالة، وهي همزة تدخل على الفعل فتزيله، مثال ذلك: فلان عتب على فلان، أي لامه على تصرف ما، ويقال لمن تلقى العتاب عندما يرد على صاحب العتاب: أعتبه، أي طمأن خاطره وأزال مصدر العتاب. ويقال: محمد عتب على عليّ. فماذا كان موقف عليّ؟ يقال: أعتب محمداً أي طيب خاطره وأزال العتاب. ويقال أعجم الكتاب. فلا تفهم من ذلك أنه جعل الكتاب معجماً، لا، فأعجمه أي أزال إبهامه وغموضه. كذلك " أقسط " أي أزال القَسْط والظلم. إذن "القِسط" هو العدل من أول الأمر، لكن " أقسط. إقساطا" تعني أنه كان هناك جور أو ظلم وتم رفعه. والأمر ينتهي جميعه إلى العدل. فالعدل إن جاء ابتداء هو: قِسط بكسر القاف. وإن جاء بعد جور تمت إزالته فهو إقساط. فحين يقال " أقسط " و" تقسطوا " بالضم، فمعناها أنه كان هناك جور وظلم تم رفعه، ولذلك فعندما نقرأ القرآن نجده يقول: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} تفسير : [الجن: 15]. والقاسطون هنا من القسط - بالفتح - ومن القسوط بالضم، أي من الجور والظلم، ونجد القرآن الكريم يقول أيضاً: {أية : وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} تفسير : [المائدة: 42]. أي أن الله يجب الذين إن رأوا ظلماً أزالوه وأحلوا محله العدل. الحق هنا في سورة النساء يقول: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَى ..} [النساء: 3] أي إن خفتم ألا ترفعوا الظلم عن اليتامى، ومعنى أن تخاف من ألا تقسط لأنك بار تعرف كيف تنقذ نفسك من مواطن الزلل. أي فإن خفتم أيها المؤمنون ألا ترفعوا الجور عن اليتامى فابتعدوا عنهم وليسد كل مؤمن هذه الذريعة أمام نفسه حتى لا تحدثه نفسه بأن يجور على اليتيمة فيظلمها. وإن أراد الرجل أن يتزوج فأمامه من غير اليتامى الكثير من النساء. وما دامت النساء كثيرات فالتعدد يصبح وارداً، فهو لم يقل: اترك واحدة وخذ واحدة، لكنه أوضح: اترك اليتيمة وأمامك النساء الكثيرات. إذن فقد ناسب الحال أن تجيء مسألة التعدد هنا، لأنه سبحانه وتعالى يريد أن يرد الرجل الولي عن نكاح اليتيمات مخافة أن يظلمهن، فأمره بأن يترك الزواج من اليتيمة الضعيفة؛ لأن النساء غيرها كثيرات. {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ..} [النساء: 3]. وقوله الحق: {مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآء ..} [النساء: 3] أي غير المحرمات في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 22]. وفي قوله سبحانه: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ..} تفسير : [النساء: 23-24]. إذن فما طاب لكم من النساء غير المحرمات هن اللاتي يحللن للرجل {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} [النساء: 3] وهنا يجب أن نفهم لماذا جاء هذا النص؛ ولماذا جاء بالمثنى والثلاث والرباع هنا؟ إنه سبحانه يريد أن يُزَهِّد الناس في نكاح اليتيمات مخافة أن تأتي إلى الرجل لحظة ضعف فيتزوج اليتيمة ظالماً لها، فأوضح سبحانه: اترك اليتيمة، والنساء غيرها كثير، فأمامك مثنى وثلاث ورباع، وابتعد عن اليتيمة حتى لا تكون طامعاً في مالها أو ناظراً إلى ضعفها أو لأنها لم يعد لها وليّ يقوم على شأنها غيرك. ونريد أن نقف هنا وقفة أمام قوله تعالى: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ..} [النساء: 3] ما معنى مثنى؟ يقال {مَثْنَىٰ ..} [النساء: 3] أي اثنين مكررة، كأن يقال: جاء القوم مثنى، أي ساروا في طابور وصف مكون من اثنين اثنين. هذا يدل على الوحدة الجائية. ويقال: جاء القوم ثلاث، أي ساروا في طابور مكون من ثلاثة؛ ثلاثة. ويقال: جاء القوم رباع. أي جاء القوم في طابور يسير فيه كل أربعة خلف أربعة أخرى. ولو قال واحد: إن المقصود بالمثنى والثلاث والرباع أن يكون المسموح به تسعة من النساء. نقول له: لو حسبنا بمثل ما تحسب، لكان الأمر شاملاً لغير ما قصد الله، فالمثنى تعني أربعة، والثلاث تعني ستة، والرباع تعني ثمانية، وبذلك يكون العدد ثمانية عشر، ولكنك لم تفهم، لأن الله لا يخاطب واحداً، لكن الله يخاطب جماعة، فيقول: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاع ..} [النساء: 3]. فإذا قال مدرس لتلاميذه: افتحوا كتبكم، أيعني هذا الأمر أن يأتي واحد ليفتح كل الكتب؟ لا، إنه أمر لكل تلميذ بأن يفتح كتابه، لهذا فإن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً. وعندما يقول المدرس: أخرجوا أقلامكم. أي على كل تلميذ أن يخرج قلمه. وعندما يقال: اركبوا سياراتكم، أي أن يركب كل واحد سيارته. إذن فمقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً، وقوله تعالى: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُوا} [النساء: 3] هو قول يخاطب جماعة، فواحد ينكح اثنتين وآخر ينكح ثلاث نساء، وثالث ينكح أربع نساء. والحق سبحانه وتعالى حينما يشرع الحكم يشرعه مرة إيجاباً ومرة يشرعه إباحةً، فلم يوجب ذلك الأمر على الرجل، ولكنه أباح للرجل ذلك، وفيه فرق واضح بين الإيجاب وبين الإباحة. والزواج نفسه حتى من واحدة مباح. إذن ففيه فرق بين أن يلزمك الله أن تفعل وأن يبيح لك أن تفعل. وحين يبيح الله لك أن تفعل، ما المرجح في فعلك؟ إنه مجرد رغبتك. ولكن إذا أخذت الحكم، فخذ الحكم من كل جوانبه، فلا تأخذ الحكم، بإباحة التعدد ثم تكف عن الحكم بالعدالة، وإلا سينشأ الفساد في الأرض، وأول هذا الفساد أن يتشكك الناس في حكم الله. لماذا؟ لأنك إن أخذت التعدد، وامتنعت عن العدالة فأنت تكون قد أخذت شقاً من الحكم، ولم تأخذ الشق الآخر وهو العدل، فالناس تجنح أمام التعدد وتبتعد وتميل عنه لماذا؟ لأن الناس شقوا كثيراً بالتعدد أخذاً لحكم الله في التعدد وتركاً لحكم الله في العدالة. والمنهج الإلهي يجب أن يؤخذ كله، فلماذا تكره الزوجة التعدد؟ لأنها وجدت أن الزوج إذا ما تزوج واحدة عليها التفت بكليته وبخيره وببسمته وحنانه إلى الزوجة الجديدة، لذلك فلا بد للمرأة أن تكره زواج الرجل عليها بإمرأة أخرى. إن الذين يأخذون حكم الله في إباحة التعدد يجب أن يلزموا أنفسهم بحكم الله أيضاً في العدالة، فإن لم يفعلوا فهم يشيعون التمرد على حكم الله، وسيجد الناس حيثيات لهذا التمرد، وسيقال: انظر، إن فلاناً تزوج بأخرى وأهمل الأولى، أو ترك أولاده دون رعاية واتجه إلى الزوجة الجديدة. فكيف نأخذ إباحة الله في شيء ولا تأخذ إلزامه في شيء آخر، إن مَنْ يفعل ذلك يشكك الناس في حكم الله، ويجعل الناس تتمرد على حكم الله - والسطحيون في الفهم يقولون: إنهم معذورون، وهذا منطق لا يتأتى. إن آفة الأحكام أن يؤخذ حكم جزئي دون مراعاة الظروف كلها، والذي يأخذ حكماً عن الله لابد أن يأخذ كل منهج الله. هات إنساناً عدل في العِشْرة وفي النفقة وفي البيتوتة وفي المكان وفي الزمان ولم يرجح واحدة على أخرى، فالزوجة الأولى إن فعلت شيئاً فهي لن تجد حيثية لها أمام الناس. أما عندما يكون الأمر غير ذلك فإنها سوف تجد الحيثية للاعتراض، والصراخ الذي نسمعه هذه الأيام إنما نشأ من أن بعضاً قد أخذ حكم الله في إباحة التعدد ولم يأخذ حكم الله في عدالة المعدد. والعدالة تكون في الأمور التي للرجل فيها خيار. أما الأمور التي لا خيار للرجل فيها فلم يطالبه الله بها. ومن السطحيين مَنْ يقول: إن الله قال: اعدلوا، ثم حكم أننا لا نستطيع أن نعدل. نقول لهم: بالله أهذا تشريع؟، أيعطي الله باليمين ويسحب بالشمال؟ ألم يشرع الحق على عدم الاستطاعة فقال: {أية : وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 129]. وما دام قد شرع على عدم الاستطاعة في العدل المطلق فهو قد أبقى الحكم ولم يلغه، وعلى المؤمن ألا يجعل منهج الله له في حركة حياته عضين بمعنى أنه يأخذ حكماً في صالحه ويترك حكماً إن كان عليه. فالمنهج من الله يؤخذ جملة واحدة من كل الناس؛ لأن أي انحراف في فرد من أفراد الأمة الإسلامية يصيب المجموع بضرر. فكل حق لك هو واجب عند غيرك، فإن أردت أن تأخذ حقك فأدّ واجبك. والذين يأخذون حكم الله في إباحة التعدد يجب أن يأخذوا حكم الله أيضاً في العدل، وإلا أعطوا خصوم دين الله حججاً قوية في إبطال ما شرع الله، وتغيير ما شرع الله بحجة ما يرونه من آثار أخذ حكم وإهمال حكم آخر. والعدل المراد في التعدد هو القسمة بالسوية في المكان، أي أن لكل واحدة من المتعددات مكاناً يساوي مكان الأخرى، وفي الزمان، وفي متاع المكان، وفيما يخصص الرجل من متاع نفسه، فليس له أن يجعل شيئاً له قيمة عند واحدة، وشيئاً لا قيمة له عند واحدة أخرى، يأتي مثلاً ببجامة "منامة" صُوف ويضعها عند واحدة، ويأتي بأخرى من قماش أقل جودة ويضعها عند واحدة، لا. لابد من المساواة، لا في متاعها فقط، بل متاعك أنت الذي تتمتع به عندها، حتى أن بعض المسلمين الأوائل كان يساوي بينهن في النعال التي يلبسها في بيته، فيأتي بها من لون واحد وشكل واحد وصنف واحد، وذلك حتى لا تَدِلُّ واحدة منهن على الأخرى قائلة: إن زوجي يكون عندي أحسن هنداماً منه عندك. والعدالة المطلوبة - أيضاً - هي العدالة فيما يدخل في اختيارك؛ لأن العدالة التي لا تدخل في اختيارك لا يكلف الله بها، فأنت عدلت في المكان، وفي الزمان، وفي المتاع لكل واحدة، وفي المتاع لك عند كل واحدة، ولكن لا يطلب الله منك أن تعدل بميل قلبك وحبك نفسك؛ لأن ذلك ليس في مكنتك. والرسول صلى الله عليه وسلم يعطينا هذا فيقول: عن عائشة رضي الله عنها قالت: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ويعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" يعني (القلب) ". تفسير : إذن فهذا معنى قول الحق: {أية : وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ..} تفسير : [النساء: 129]. لأن هناك أشياء لا تدخل في قدرتك، ولا تدخل في اختيارك، كأن ترتاح نفسياً عند واحدة ولا ترتاح نفسياً عند أخرى، أو ترتاح جنسياً عند واحدة ولا ترتاح عند أخرى، لكن الأمر الظاهر للكل يجب أن تكون فيه القسمة بالسوية حتى لا تَدِلُّ واحدة على واحدة. وإذا كان هذا في النساء المتعددات - وهن عوارض - حيث من الممكن أن يخرج الرجل من أي إمرأة - بطلاق أو فراق فما بالك بأولادها منه؟ لابد أيضاً من العدالة. والذي يفسد جو الحكم المنهجي لله أن أناساً يجدون رجلاً عدّد، فأخذ إباحة الله في التعدد، ثم لم يعدل، فوجدوا أبناءه من واحدة مهملين مشردين، فيأخذون من ذلك حجة على الإسلام. والذين حاولوا أن يفعلوا ما فعلوا في قوانين الأحوال الشخصية إنما نظروا إلى ذلك، التباين الشديد الذي يحدثه بعض الآباء الحمقى نتيجة تفضيل أبناء واحدة على أخرى في المأكل والملبس والتعليم! إذن فالمسلم هو الذي يهجر دينه ويعرضه للنقد والنيل من أعدائه له. فكل إنسان مسلم على ثغرة من ثغرات دين الله تعالى فعليه أن يصون أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته من أي انحراف أو شطط؛ لأن كل مسلم بحركته وبتصرفه يقف على ثغرة من منهج الله، ولا تظنوا أن الثغرات فقط هي الشيء الذي يدخل منه أعداء الله على الأرض كالثغور، لا، الثغرة هي الفجوة حتى في القيم يدخل منها خصم الإسلام لينال من الإسلام. إنك إذا ما تصرفت تصرفاً لا يليق فأنت فتحت ثغرة لخصوم الله. فسُدَّ كل ثغرة من هذه الثغرات، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد توسع في العدل بين الزوجات توسعاً لم يقف به عند قدرته، وإن وقف به عند اختياره، فالرسول صلى الله عليه وسلم حين مرض كان من الممكن أن يعذره المرض فيستقر في بيت واحدة من نسائه، ولكنه كان يأمر بأن يحمله بعض الصحابة ليطوف على بقية نسائه في أيامهن فأخذ قدرة الغير. وكان إذا سافر يقرع بينهن، هذه هي العدالة. وحين توجد مثل هذه العدالة يشيع في الناس أن الله لا يشرع إلا حقاً، ولا يشرع إلا صدقاً، ولا يشرع إلا خيراً. ويسد الباب على كل خصم من خصوم دين الله، حتى لا يجد ثغرة ينفذ منها إلى ما حرم دين الله، وإن لم يستطع المسلم هذه الاستطاعة فليلزم نفسه بواحدة. ومع ذلك حين يلزم المسلم نفسه بزوجة واحدة، هل انتفت العدالة مع النفس الواحدة؟ لا، فلا يصح ولا يستقيم ولا يحل أن يهمل الرجل زوجه. ولذلك حينما شكت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن زوجها لا يأتي إليها وهي واحدة وليس لها ضرائر، فكان عنده أحد الصحابة، فقال له: أفتها "أي أعطها الفتوى". قال الصحابي: لك عنده أن يبيت عندك الليلة الرابعة بعد كل ثلاث ليال. ذلك أن الصحابي فرض أن لها شريكات ثلاثاً، فهي تستحق الليلة الرابعة. وسُر عمر - رضي الله عنه - من الصحابي؛ لأنه عرف كيف يفتي حتى في أمر المرأة الواحدة. إذن قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ ..} تفسير : [ النساء: 129]. أي لا تظنوا أن المطلوب منكم تكليفياً هو العدالة حتى في ميل القلب وحبه، لا. إنما العدالة في الأمر الاختياري، وما دام الأمر قد خرج عن طاقة النفس وقدرتها فقد قال - سبحانه -: {أية : فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْل ..} تفسير : [النساء: 129]. ويأخذ السطحيون الذين يريدون أن يبرروا الخروج عن منهج الله فيقولوا: إن المطلوب هو العدل وقد حكم الله أننا لا نستطيع العدل. ولهؤلاء نقول: هل يعطي ربنا باليمين ويأخذ بالشمال؟ فكأنه يقول: اعدلوا وأنا أعلم أنكم لن تعدلوا؟ فكيف يتأتى لكم مثل هذا الفهم؟ إن الحق حين قال: {أية : وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ..} تفسير : [النساء: 129] أي لا يتعدى العدل ما لا تملكون من الهوى والميل؛ لأن ذلك ليس في إمكانكم، ولذلك قال: {أية : فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْل ..} تفسير : [النساء: 129]. نقول ذلك للذين يريدون أن يطلقوا الحكم غير واعين ولا فاهمين عن الله، ونقوله كذلك للفاهمين الذين يريدون أن يدلسوا على منهج الله، وهذه المسألة من المسائل التي تتعرض للأسرة، وربها الرجل. فهب أن رجلاً ليس له ميل إلى زوجته، فماذا يكون الموقف؟ أمن الأحسن أن يطلقها ويسرحها، أم تظل عنده ويأتي بامرأة تستطيع نفسه أن ترتاح معها؟ أو يطلق غرائزه في أعراض الناس؟ إن الحق حينما شرّع، إنما شرع ديناً متكاملاً، لا تأخذ حكماً منه لتترك حكماً آخر. والأحداث التي أرهقت المجتمعات غير المسلمة ألجأتهم إلى كثير من قضايا الإسلام. وأنا لا أحب أن أطيل، هناك بعض الدول تكلمت عن إباحة التعدد لا لأن الإسلام قال به، ولكن لأن ظروفهم الاجتماعية حكمت عليهم أنه لا يحل مشاكلهم إلا هذا، حتى ينهو مسألة الخليلات. والخليلات هنّ اللائي يذهب إليهن الرجال ليهتكوا أعراضهن ويأتوا منهن بلقطاء ليس لهم أب. إنّ مَن الخير أن تكون المرأة الثانية، امرأة واضحة في المجتمع. ومسألة زواج الرجل منها معروفة للجميع، ويتحمل هو عبء الأسرة كلها. ويمكن لمن يريد أن يستوضح كثيراً من أمر هؤلاء الناس أن يرجع إلى كتاب تفسير في هذا الموضوع للدكتور محمد خفاجة حيث أورد قائمة بالدول وقراراتها في إباحة التعدد عند هذه الآية. وهنا يجب أن ننتبه إلى حقيقة وهي: أن التعدد لم يأمر به الله، وإنما أباحه، فالذي ترهقه هذه الحكاية لا يعدد، فالله لم يأمر بالتعدد ولكنه أباح للمؤمن أن يعدد. والمباح أمر يكون المؤمن حراً فيه يستخدم رخصة الإباحة أو لا يستعملها، ثم لنبحث بحثاً آخر. إذا كان هناك تعدد في طرف من طرفين فإن كان الطرفان متساويين في العدد، فإن التعدد في واحد لا يتأتى، والمثل هو كالآتي: إذا دخل عشرة أشخاص حجرة وكان بالحجرة عشرة كراسي فكل واحد يجلس على كرسي، ولا يمكن بطبيعة الحال أن يأخذ واحد كرسياً للجلوس وكرسياً آخر ليمد عليه ساقيه، لكن إذا كان هناك أحد عشر كرسياً، فواحد من الناس يأخذ كرسياً للجلوس وكرسياً آخر ليستند عليه، إذن فتعدد طرف في طرف لا ينشأ إلا من فائض. فإذا لم يكن هناك فائض، فالتعدد - واقعاً - يمتنع، لأن كل رجل سيتزوج امرأة واحدة وتنتهي المسألة، ولو أراد أن يعدد الزواج فلن يجد. إذن فإباحة التعدد تعطينا أن الله قد أباحه وهو يعلم أنه ممكن لأن هناك فائضاً. والفائض كما قلنا معلوم، لأن عدد ذكور كل نوع من الأنواع أقل من عدد الإناث. وضربنا المثل من قبل في النخل وكذلك البيض عندما يتم تفريخه؛ فإننا نجد عدداً قليلاً من الديوك والبقية إناث. إذن فالإناث في النبات وفي الحيوان وفي كل شيء أكثر من الذكور. وإذا كانت الإناث أكثر من الذكور، ثم أخذ كل ذكر مقابله فما مصير الأعداد التي تفيض وتزيد من الإناث؟ إما أن تعف الزائدة فتكبت غرائزها وتحبط، وتنفس في كثير من تصرفاتها بالنسبة للرجل وللمحيط بالرجل، وإما أن تنطلق، تنطلق مع مَنْ؟ إنها تنطلق مع متزوج. وإن حدث ذلك فالعلاقات الاجتماعية تفسد. ولكن الله حين أباح التعدد أراد أن يجعل منه مندوحة لامتصاص الفائض من النساء؛ ولكن بشرط العدالة. وحين يقول الحق: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَة ..} [النساء: 3] أي إن لم نستطع العدل الاختياري فليلزم الإنسان الواحدة. وبعد ذلك يقول الحق: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ..} [النساء: 3]. وهناك مَنْ يقف عند {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ..} [النساء: 3] ويتجادل، ونطمئن هؤلاء الذين يقفون عند هذا القول ونقول: لم يعد هناك مصدر الآن لملك اليمين؛ لأن المسلمين الآن في خنوع، وقد اجترأ عليهم الكفار، وصاروا يقتطعون دولاً من دولهم. وما هبّ المسلمون ليقفوا لحماية أرض إسلامية. ولم تعد هناك حرب بين مسلمين وكفار، بحيث يكون فيه أسرى، و "ملك اليمين". ولكنا ندافع عنه أيام كان هناك ملك يمين. ولنر المعنى الناضج حين يبيح الله متعة السيد بما ملكت يمينه، انظر إلى المعنى، فالإسلام قد جاء ومن بين أهدافه أن يصفي الرِّق، ولم يأت ليجيء بالرق. وبعد أن كان لتصفية الرق سبب واحد هو إرادة السيد. عدَّدَ الإسلام مصارف تصفية الرق؛ فارتكاب ذنب ما يقال للمذنب: اعتق رقبة كفارة اليمين. وكفارة ظهار فيؤمر رجل ظاهر من زوجته بأن يعتق رقبة وكفارة فطر في صيام، وكفارة قتل .. إلخ .. إذن فالإسلام يوسع مصارف العتق. ومَنْ يوسع مصارف العتق أيريد أن يبقى على الرق، أم يريد أن يصفيه ويمحوه؟ ولنفترض أن مؤمناً لم يذنب، ولم يفعل ما يستحق أن يعتق من أجله رقبة، وعنده جوار، هنا يضع الإسلام القواعد لمعاملة الجواري: - إن لم يكن عندك ما يستحق التكفير، فعليك أن تطعم الجارية مما تأكل وتلبسها ما يلبس أهل بيتك، لا تكلفها ما لا تطيق، فإن كلفتها فأعنها، أي فضل هذا، يدها بيد سيدها وسيدتها، فما الذي ينقصها؟ إن الذي ينقصها إرواء إلحاح الغريزة، وخاصة أنها تكون في بيت للرجل فيه امرأة، وتراها حين تتزين لزوجها، وتراها حين تخرج في الصباح لتستحم، والنساء عندهن حساسية لهذا الأمر، فتصوروا أن واحدة مما ملكت يمين السيد بهذه المواقف؟ ألا تهاج فيها الغرائز؟ حين يبيح الله للسيد أن يستمتع بها وأن تستمتع به، فإنه يرحمها من هذه الناحية ويعلمها أنها لا تقل عن سيدتها امرأة الرجل فتتمتع مثلها. ويريد الحق أيضاً أن يعمق تصفية الرق، لأنه إن زوجها من رجل رقيق فإنها تظل جارية أمة، والذي تلده يكون رقيقاً، لكن عندما تتمتع مع سيدها وتأتي منه بولد، فإنها تكون قد حررت نفسها وحررت ولدها، وفي ذلك زيادة في تصفية الرق، وفي ذلك إكرام لغريزتها. لكن الحمقى يريدون أن يؤاخذوا الإسلام على هذا!! يقول الحق: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُوا} [النساء: 3] فالعدل أو الاكتفاء بواحدة أو ما ملكت اليمين، ذلك أقرب ألا تجوروا. وبعض الناس يقول: {أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُوا} [النساء: 3] أي ألا تكثر ذريتهم وعيالهم. ونقول لهم: إن كان كذلك فالحق أباح ما ملكت اليمين، وبذلك يكون السبب في وجود العيال قد اتسع أكثر، وقوله: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُوا} [النساء: 3] أي أقرب ألا تظلموا وتجوروا، لأن العول فيه معنى الميل، والعول في الميراث أن تزيد أسهم الأنصباء على الأصل، وهذا معنى عالت المسألة، وإذا ما زاد العدد فإن النصيب في التوزيع ينقص. وبعد ذلك يقول الحق: { وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : نا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} [الآية: 3] يقول: إِن تحرجتم من ولاية أَموال اليتامى، إِيماناً وتصديقاً، فما تأْتون في جمعكم النساءِ أَعظم {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [الآية: 3] يقول: وكذلك فتحرجوا من الزنا. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} [الآية: 3] أَلاَّ تَمِيلُوا. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {ٱلسُّفَهَآءَ} [الآية: 5] يعني النساءَ نهى الله، عز وجل، الرجل. أَن يعطو النساءَ أَموالهم، وهن السفهاءُ ومن كن إن كن أَزواجاً، أَو بنات أَو أمهات، فأُمروا أَن يرزقوهم منها، وأَن يقولوا {لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}. أنا عبد الله، قال: نا إِبراهيم، قال نا: آدم، قال: نا شيبان عن جابر، قال: سألت مجاهداً عن "السفهاءِ" فقال: السفهاءُ من الرجال والنساءِ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ} معناهُ أَيقَنْتُمْ. تفسير : وقوله تعالى: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} معناه ما أحِّلَ لَكُمْ. تفسير : وقوله تعالى: {أَدْنَىٰ} معناهُ أَقربُ. و {أَلاَّ تَعُولُواْ} أَلاَّ تَجُورُوا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت حجوركم وولايتكم وخفتم أن لا تقوموا بحقهن لعدم محبتكم إياهن، فاعدلوا إلى غيرهن، وانكحوا { مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء } أي: ما وقع عليهن اختياركم من ذوات الدين، والمال، والجمال، والحسب، والنسب، وغير ذلك من الصفات الداعية لنكاحهن، فاختاروا على نظركم، ومن أحسن ما يختار من ذلك صفة الدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : تنكح المرأة لأربع لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يمينك ". تفسير : وفي هذه الآية - أنه ينبغي للإنسان أن يختار قبل النكاح، بل وقد أباح له الشارع النظر إلى مَنْ يريد تزوجها ليكون على بصيرة من أمره. ثم ذكر العدد الذي أباحه من النساء فقال: { مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ } أي: مَنْ أحب أن يأخذ اثنتين فليفعل، أو ثلاثا فليفعل، أو أربعا فليفعل، ولا يزيد عليها، لأن الآية سيقت لبيان الامتنان، فلا يجوز الزيادة على غير ما سمى الله تعالى إجماعا. وذلك لأن الرجل قد لا تندفع شهوته بالواحدة، فأبيح له واحدة بعد واحدة، حتى يبلغ أربعا، لأن في الأربع غنية لكل أحد، إلا ما ندر، ومع هذا فإنما يباح له ذلك إذا أمن على نفسه الجور والظلم، ووثق بالقيام بحقوقهن. فإن خاف شيئا من هذا فليقتصر على واحدة، أو على ملك يمينه. فإنه لا يجب عليه القسم في ملك اليمين { ذَلِك } أي: الاقتصار على واحدة أو ما ملكت اليمين { أَدْنَى أَلا تَعُولُوا } أي: تظلموا. وفي هذا أن تعرض العبد للأمر الذي يخاف منه الجور والظلم، وعدم القيام بالواجب -ولو كان مباحًا- أنه لا ينبغي له أن يتعرض له، بل يلزم السعة والعافية، فإن العافية خير ما أعطي العبد. ولما كان كثير من الناس يظلمون النساء ويهضمونهن حقوقهن، خصوصا الصداق الذي يكون شيئا كثيرًا، ودفعة واحدة، يشق دفعه للزوجة، أمرهم وحثهم على إيتاء النساء { صَدُقَاتِهِنَّ } أي: مهورهن { نِحْلَةً } أي: عن طيب نفس، وحال طمأنينة، فلا تمطلوهن أو تبخسوا منه شيئا. وفيه: أن المهر يدفع إلى المرأة إذا كانت مكلفة، وأنها تملكه بالعقد، لأنه أضافه إليها، والإضافة تقتضي التمليك. { فَإِنْ طِبْنَ لَكُم عَنْ شَيْءٍ مِّنْهُ } أي: من الصداق { نَفْسًا } بأن سمحن لكم عن رضا واختيار بإسقاط شيء منه، أو تأخيره أو المعاوضة عنه. { فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } أي: لا حرج عليكم في ذلك ولا تبعة. وفيه دليل على أن للمرأة التصرف في مالها -ولو بالتبرع- إذا كانت رشيدة، فإن لم تكن كذلك فليس لعطيتها حكم، وأنه ليس لوليها من الصداق شيء، غير ما طابت به. وفي قوله: { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء } دليل على أن نكاح الخبيثة غير مأمور به، بل منهي عنه كالمشركة، وكالفاجرة، كما قال تعالى: { وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } وقال: { وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } .

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 183 : 9 : 48 - سفين عن حبيب بن أبي ثابت عن طاؤوس عن بن عباس قال، قصر الرجال على أربع نسوة من أجل أموال اليتامى. [الآية 3]. 184 : 10 : 3 - سفين عن اسماعيل عن أبي مالك في قوله {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ} ألا تميلوا. [الآية 3]. 185 : 11 : 4 - سفين عن يونس بن عمرو عن مجاهد، ألا تضلوا.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله جل ثناؤه: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} [3] 110- أنا أبو داود سليمان بن سيف، نا يعقوب بن إبراهيم، نا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه، سأل عائشة عن قول الله عز وجل {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ} قالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حَجْر وليِّها تشركه في مالها، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليُها أن يتزوجها بغير أن يُقسط في صداقها فيعيطها مثل ما يعطيها غيره، فنُهوُا أن ينكحوهنَّ إلا أن يُقْسطوا لهُنَّ، ويبلغوا بهنَّ أعلى سنتهنَّ في الصَّداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنَّ، قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله تبارك وتعالى {أية : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} تفسير : [النساء: 127] فذكر الله أنه يُتلى عليكم في الكتاب الأول، قال الله {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} قالت عائشة: وقول الله عز وجل في الآية الأخرى {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال، قليلة الجمال قالت: فنُهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم / عنهن إذا كنَّ قليلات المال والجمال.

همام الصنعاني

تفسير : 504- عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قال: قلت لها: قول الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ}: [الآية: 3] قالت: يابن أختي، هي اليتيمة التي تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، فنهوا عن أن ينكحوهن حتى يُقسط لهنَّ في إكمال الصّداق، وأُمِرُوا أن ينكحوا ما سِواهنّ من النساء. 505- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ}: [الآية: 3]، قال: خاف الناس ألا يقسطوا في اليتامى فنزلت: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ} يقول: ما أحِلَّ لكم، {مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ}، وخافوا في النساء مثل الذي خفتم في اليتامى أَلاَّ تُقْسِطوا فِيهِنَّ. 506- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ}: [الآية: 3]، قال: ألاَّ تميلوا.