٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وَءاتُواْ ٱلنّسَاء } خطاب لمن؟ فيه قولان: أحدهما: ان هذا خطاب لأولياء النساء، وذلك لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن شيئا، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئا لك النافجة، ومعناه أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها الى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه، وقال ابن الأعرابي: النافجة يأخذه الرجل من الحلوان اذا زوج ابنته، فنهى الله تعالى عن ذلك، وأمر بدفع الحق الى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة. القول الثاني: ان الخطاب للأزواج. أمروا بايتاء النساء مهورهن، وهذا قول: علقمة والنخعي وقتادة واختيار الزجاج، قال لأنه لا ذكر للأولياء ههنا، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج. المسألة الثانية: قال القفال رحمه الله: يحتمل أن يكون المراد من الايتاء المناولة، ويحتمل أن يكون المراد الالتزام، قال تعالى:{أية : حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ } تفسير : [التوبة: 29] والمعنى حتى يضمنوها ويلتزموها، فعلى هذا الوجه الأول كأن المراد أنهم أمروا بدفع المهور التي قد سموها لهن، وعلى التقدير الثاني: كان المراد أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلزم سواء سمي ذلك أو لم يسم، إلا ما خص به الرسول صلى الله عليه وسلم في الموهوبة، ثم قال رحمه الله: ويجوز أن يكون الكلام جامعا للوجهين معا، والله أعلم. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف»: {صَدُقَـٰتِهِنَّ } مهورهن، وفي حديث شريح: قضى ابن عباس لها بالصدقة وقرأ {صَدُقَـٰتِهِنَّ } بفتح الصاد وسكون الدال على تخفيف صدقاتهن و{صَدُقَـٰتِهِنَّ } بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة، وقرىء {صَدُقَـٰتِهِنَّ } بضم الصاد والدال على التوحيد وهو مثقل صدقة كقوله في ظلمة: ظلمة، قال الواحدي: موضوع (ص د ق) على هذا الترتيب للكمال والصحة، فسمي المهر صداقاً وصدقة لأن عقد النكاح به يتم ويكمل. المسألة الرابعة: في تفسير النحلة وجوه: الأول: قال ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد: فريضة، وإنما فسروا النحلة بالفريضة، لأن النحلة في اللغة معناها الديانة والملة والشرعة والمذهب، يقال: فلان ينتحل كذا إذا كان يتدين به، ونحلته كذا أي دينه ومذهبه، فقوله: {آتَوْا ٱلنّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً } أي آتوهن مهورهن، فانها نحلة أي شريعة ودين ومذهب وما هو دين ومذهب فهو فريضة. الثاني: قال الكلبي: نحلة أي عطية وهبة، يقال: نحلت فلانا شيئاً أنحله نحلة ونحلا، قال القفال: وأصله إضافة الشيء إلى غير من هوله، يقال: هذا شعر منحول، أي مضاف إلى غير قائله، وانتحلت كذا إذا ادعيته وأضفته إلى نفسك، وعلى هذا القول فالمهر عطية ممن؟ فيه احتمالان: أحدهما: أنه عطية من الزوج، وذلك لأن الزوج لا يملك بدله شيئاً لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله، فالزوج أعطاها المهر ولم يأخذ منها عوضا يملكه، فكان في معنى النحلة التي ليس بازائها بدل، وإنما الذي يستحقه الزوج منها بعقد النكاح هو الاستباحة لا الملك، وقال آخرون إن الله تعالى جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركا بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر فكان ذلك عطية من الله ابتداء. والقول الثالث: في تفسير النحلة قال أبو عبيدة: معنى قوله {نِحْلَةً } أي عن طيب نفس، وذلك لأن النحلة في اللغة العطية من غير أخذ عوض، كما ينحل الرجل لولده شيئاً من ماله، وما أعطى من غير طلب عوض لا يكون إلا عن طيب النفس، فأمر الله باعطاء مهور النساء من غير مطالبة منهن ولا مخاصمة، لأن ما يؤخذ بالمحاكمة لا يقال له نحلة. المسألة الخامسة: إن حملنا النحلة على الديانة ففي انتصابها وجهان: أحدهما: أن يكون مفعولا له، والمعنى آتوهن مهورهن ديانة. والثاني: أن يكون حالا من الصدقات أي دينا من الله شرعه وفرضه، وأما إن حملنا النحلة على العطية ففي انتصابها أيضاً وجهان: أحدهما: أنه نصب على المصدر، وذلك لأن النحلة والايتاء بمعنى الاعطاء، فكأنه قيل: وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم. والثاني: أنها نصب على الحال، ثم فيه وجهان: أحدهما: على الحال من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالاعطاء. والثاني: على الحال من الصدقات، أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس. المسألة السادسة: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: الخلوة الصحيحة تقرر المهر، وقال الشافعي رضي الله عنه: لا تقرره احتج أبو حنيفة على صحة قوله بهذه الآية، وذلك لأن هذا النص يقتضي إيجاب إيتاء المهر بالكلية مطلقا، ترك العمل به فيما إذا لم يحصل المسيس ولا الخلوة، فعند حصولهما وجب البقاء على مقتضى الآية. أجاب أصحابنا بأن هذه عامة وقوله تعالى: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } تفسير : [البقرة: 237] يدل على أنه لا يجب فيها إلا نصف المهر، وهذه الآية خاصة ولا شك أن الخاص مقدم على العام. قوله تعالى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً }. اعلم أنه تعالى لما أمرهم بايتائهن صدقاتهن عقبه بذكر جواز قبول إبرائها وهبتها له، لئلا يظن أن عليه إيتاءها مهرها وإن طابت نفسها بتركه، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: نفسا: نصب على التمييز والمعنى: طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق بنقل الفعل من الأنفس إليهن، فخرجت النفس مفسرة كما قالوا: أنت حسن وجها، والفعل في الأصل للوجه، فلما حول إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسراً لموقع الفعل، ومثله: قررت به عيناً وضقت به ذرعا. المسألة الثانية: إنما وحد النفس لأن المراد به بيان موقع الفعل، وذلك يحصل بالواحد ومثله عشرون درهما. قال الفراء: لو جمعت كان صوابا كقوله: {أية : ٱلأخْسَرِينَ أَعْمَـٰلاً } تفسير : [الكهف: 103]. المسألة الثالثة: من: في قوله: {مِنْهُ } ليس للتبعيض، بل للتبيين والمعنى عن شيء من هذا الجنس الذي هو مهر كقوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأوْثَـٰنِ } تفسير : [الحج: 30] وذلك أن المرأة لو طابت نفسها عن جميع المهر حل للزوج أن يأخذه بالكلية. المسألة الرابعة: منه: أي من الصدقات أو من ذلك وهو كقوله تعالى: {أية : قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذٰلِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 15] بعد ذكر الشهوات. وروي أنه لما قال رؤبة:شعر : فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق تفسير : فقيل له: الضمير في قوله «كأنه» ان عاد إلى الخطوط كان يجب أن تقول: كأنها، وان عاد إلى السواد والبلق كان يجب أن تقول: كأنهما، فقال: أردت كأن ذاك، وفيه وجه آخر وهو أن الصدقات في معنى الصداق لأنك لو قلت: وآتوا النساء صداقهن لكان المقصود حاصلا، وفيه وجه ثالث: وهو أن الفائدة في تذكير الضمير أن يعود ذلك إلى بعض الصداق، والغرض منه ترغيبها في أن لا تهب إلا بعض الصداق. المسألة الخامسة: معنى الآية: فان وهبن لكم شيئا من الصداق عن طيبة النفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن، أو سوء معاشرتكم معهن، فكلوه وأنفقوه، وفي الآية دليل على ضيق المسلك في هذا الباب، ووجوب الاحتياط، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال: {فَإِن طِبْنَ } ولم يقل: فان وهبن أو سمحن، إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة. المسألة السادسة: الهنيء والمريء: صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه، وقيل: الهنىء ما يستلذه الآكل، والمريء ما يحمد عاقبته، وقيل: ما ينساغ في مجراه، وقيل: لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة: المريء لمروء الطعام فيه وهو انسياغه. وحكى الواحدي عن بعضهم أن أصل الهنيء من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران، فالهنيء شفاء من الجرب، قال المفسرون: المعنى انهن إذا وهبن مهورهن من أزواجهن عن طيبة النفس لم يكن على الأزواج في ذلك تبعة لا في الدنيا ولا في الآخرة، وبالجملة فهو عبارة عن التحليل، والمبالغة في الاباحة وإزالة التبعة. المسألة السابعة: قوله: {هَنِيئاً مَّرِيئاً } وصف للمصدر، أي أكلا هنيئا مريئا، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء، وقد يوقف على قوله: {فَكُلُوهُ } ثم يبتدأ بقوله: {هَنِيئاً مَّرِيئاً } على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل: هنأ مرأ. المسألة الثامنة: دلت هذه الآية على أمور: منها: ان المهر لها ولا حق للولي فيه، ومنها جواز هبتها المهر للزوج، وجواز أن يأخذه الزوج، لأن قوله: {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } يدل على المعنيين، ومنها جواز هبتها المهر قبل القبض، لأن الله تعالى لم يفرق بين الحالتين. وههنا بحث وهو أن قوله: {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } يتناول ما إذ كان المهر عينا، أما إذا كان دينا فالآية غير متناولة له، فانه لا يقال لما في الذمة: كله هنيئاً مريئاً. قلنا: المراد بقوله: {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } ليس نفس الأكل، بل المراد منه حل التصرفات، وإنما خص الأكل بالذكر لأن معظم المقصود من المال إنما هو الأكل، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً } تفسير : [النساء: 10] وقال: {أية : لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ }تفسير : [البقرة: 188]. المسألة التاسعة: قال بعض العلماء: ان وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم أنها لم تطب عنه نفساً، وعن الشعبي: أن امرأة جاءت مع زوجها شريحا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب الرجوع فقال شريح: رد عليها، فقال الرجل أليس قد قال الله تعالى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء } فقال: لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه. وروي عنه أيضا: أقيلها فيما وهبت ولا أقيله لأنهن يخدعن، وحكي أن رجلا من آل أبي معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقا كان لها عليه، فلبث شهرا ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرجل: أعطتني طيبة به نفسها، فقال عبد الملك: فان الآية التي بعدها {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً } اردد عليها. وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى قضاته: ان النساء يعطين رغبة ورهبة، فايما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه عشر مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ} الصّدُقات جمعٌ، الواحدة صَدُقة. قال الأخفش: وبنو تميم يقولون صُدْقة والجمع صُدْقات، وإن شئت فتحت وإن شئت أسكنت. قال المازنيّ: يقال صِداق المرأة (بالكسر)، ولا يقال بالفتح. وحكى يعقوب وأحمد بن يحيى بالفتح عن النحاس. والخِطاب في هذه الآية للأزواج؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وابن جريج. أمرهم الله تعالى بأن يتبرّعوا بإعطاء المهور نحلة منهم لأزواجهم. وقيل: الخِطاب للأولياء؛ قاله أبو صالح. وكان الوليّ يأخذ مهر المرأة ولا يعطيها شيئاً، فنُهُوا عن ذلك وأمِروا أن يدفعوا ذلك إليهن. قال في رواية الكلبيّ: إن أهل الجاهلية كان الوليّ إذا زوّجها فإن كانت معه في العِشرة لم يعطها من مهرها كثيراً ولا قليلا، وإن كانت غريبة حملها على بعير إلى زوجها ولم يعطها شيئاً غير ذلك البعير؛ فنزل: {وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}. وقال المُعْتَمِر بن سليمان عن أبيه: زعم حضرميّ أن المراد بالآية المتَشَاغِرون الذين كانوا يتزوّجون ٱمرأة بأُخرى، فأُمِروا أن يضربوا المهور. والأوّل أظهر؛ فإن الضمائر واحدة وهي بجملتها للأزواج فهم المراد؛ لأنه قال: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} إلى قوله: {وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}. وذلك يوجب تناسق الضمائر وأن يكون الأوّل فيها هو الآخر. الثانية ـ هذه الآية تدلّ على وجوب الصداق للمرأة، وهو مُجَمعٌ عليه ولا خلاف فيه إلا ما روي عن بعض (أهل العلم) من أهل العراق أن السيّد إذا زوّج عبده من أَمَته أنه لا يجب فيه صداق؛ وليس بشيء؛ لقوله تعالى: {وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} فعمّ. وقال: { أية : فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } تفسير : . [النساء: 25] وأجمع العلماء أيضاً أنه لا حَدّ لكثيره، واختلفوا في قليله على ما يأتي بيانه في قوله: { أية : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً } تفسير : [النساء: 20]. وقرأ الجمهور «صَدُقَاتِهِنّ» بفتح الصاد وضم الدال. وقرأ قتادة «صُدْقاتِهِن» بضم الصاد وسكون الدال. وقرأ النَّخَعيّ وابن وَثّاب بضمهما والتوحيد «صُدُقَتَهُنّ». الثالثة ـ قوله تعالى: {نِحْلَةً} النِّحلة والنُّحلة، بكسر النون وضمها لغتان. وأصلها من العطاء؛ نحلْتُ فلاناً شيئاً أعطيته. فالصداق عطِيّة من الله تعالى للمرأة. وقيل: «نِحْلة» أي عن طيب نفس من الأزواج من غير تنازع. وقال قتادة: معنى «نِحلة» فريضة واجبة. ابن جُريج وابن زيد: فريضةً مُسَمّاةً. قال أبو عبيد؛ ولا تكون النِّحلة إلا مسمّاة معلومة. وقال الزجاج: «نحلة» تَديُّناً. والنِّحلة الديانة والمِلّة. يقال: هذا نِحلته أي دينه. وهذا يحسن مع كون الخطاب للأولياء الذين كانوا يأخذونه في الجاهلية، حتى قال بعض النساء في زوجها: شعر : لا يأخذُ الحُلْوانَ من بناتنا تفسير : تقول: لا يفعل ما يفعله غيره. فانتزعه الله منهم وأمر به للنساء. و «نِحْلَةً» منصوبة على أنها حال من الأزواج بإضمار فعل من لفظها تقديره أنحلوهن نِحلة. وقيل: هي نصب على التفسير. وقيل: هي مصدر على غير الصدر في موضع الحال. الرابعة ـ قوله تعالى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً} مخاطبة للأزواج، ويدل بعمومه على أن هِبة المرأة صدَاقها لزوجها بِكْراً كانت أو ثيّبا جائزة؛ وبه قال جمهور الفقهاء. ومنع مالكٌ من هِبة البِكر الصّداقَ لزوجها وجعل ذلك للوَلِيّ مع أن المِلك لها. وزعم الفرّاء أنه مخاطبة للأولياء؛ لأنهم كانوا يأخذون الصداق ولا يُعطون المرأة منه شيئاً، فلم يُبَح لهم منه إلاّ ما طابت به نفس المرأة. والقول الأوّل أصح؛ لأنه لم يتقدّم للأولياء ذِكْر، والضمير في «مِنْهُ» عائد على الصداق. وكذلك قال عِكرمة وغيره. وسبب الآية فيما ذُكِر أن قوماً تحرّجوا أن يرجع إليهم شيء مما دفعوه إلى الزوجات فنزلت {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ}. الخامسة ـ وٱتفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه. إلا أن شُرَيْحَا رأى الرجوع لها فيه، واحتج بقوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً} وإذا كانت طالبة له لم تطب به نفساً. قال ابن العربيّ: وهذا باطل؛ لأنها قد طابت وقد أكل فلا كلام لها؛ إذ ليس المراد صورة الأكل، وإنما هو كناية عن الإحلال والاستحلال، وهذا بَيّن. السادسة ـ فإن شرطت عليه عند عقد النكاح ألاّ يتزوّج عليها، وحطّت عنه لذلك شيئاً من صداقها، ثم تزوّج عليها فلا شيء لها عليه في رواية ابن القاسم؛ لأنها شرطت عليه ما لا يجوز شرطه. كما اشترط أهل بَرِيرَةَ أن تعتقها عائشة والولاء لبائعها، فصحّح النبيّ صلى الله عليه وسلم العقد وأبطل الشرط. كذلك هٰهنا يصحّ إسقاط بعضِ الصداق عنه وتبطل الزيجة. وقال ابن عبد الحكم: إن كان بقي من صداقها مثلُ صداق مثلها أو أكثرُ لم ترجع عليه بشيء، وإن كانت وَضعت عنه شيئاً من صداقها فتزوّج عليها رجعت عليه بتمام صداق مثلها؛ لأنه شَرط على نفسه شرطاً وأخذ عنه عِوَضاً كان لها واجباً أخذه منه، فوجب عليه الوفاء لقوله عليه السلام: « حديث : المؤمنون عند شروطهم».تفسير : السابعة ـ وفي الآية دليل على أن العتق لا يكون صداقاً؛ لأنه ليس بمال؛ إذْ لا يمكن المرأة هبته ولا الزوج أكله. وبه قال مالك وأبو حنيفة وزُفَر ومحمد والشافعي. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق ويعقوب: يكون صداقاً ولا مهر لها غير العتق؛ على حديث صفية ـ رواه الأئمة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أعتقَها وجعل عتقَها صداقَها. ورُوي عن أنَس أنه فَعَله، وهو راوي حديث صَفِيّة. وأجَاب الأوّلون بأن قالوا: لا حجة في حديث صَفِيّة؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان مخصوصاً في النكاح بأن يتزوّج بغير صداق، وقد أراد زينَبَ فحُرمت على زيد فدخل عليها بغير وليّ ولا صداق. فلا ينبغي الاستدلال بمثل هذا؛ والله أعلم. الثامنة ـ قوله تعالى: {نَفْساً} قيل: هو منصوب على البَيَان. ولا يجيز سيبويه ولا الكُوفِيّون أن يتقدّم ما كان منصوباً على البَيَان، وأجاز ذلك المَازِنيّ وأبو العباس المُبردّ إذا كان العاملُ فِعْلاً. وأنشد: شعر : ومـا كـان نفْسـاً بِالفُرَاقِ تَطِيـبُ تفسير : وفي التنزيل {خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ} [القمر: 7] فعلى هذا يجوز «شَحْماً تفَقّأت. ووجهاً حَسُنت». وقال أصحاب سيبويه: إن «نفسا» منصوبة بإضمار فعل تقديره أعني نفساً، وليست منصوبة على التمييز؛ وإذا كان هذا فلا حجة فيه. وقال الزجاج. الرواية: شعر : ومــا كـان نفسـي... تفسير : وٱتفق الجميع على أنه لا يجوز تقديم المميز إذا كان العامل غير متصرّف كعشرين درهماً. التاسعة ـ قوله تعالى: {فَكُلُوهُ} ليس المقصود صورةَ الأكل، وإنما المراد به الاستباحةُ بأيّ طريق كان، وهو المعنيُّ بقوله في الآية التي بعدها { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً } تفسير : [النساء: 10]. وليس المراد نفسَ الأكل؛ إلا أن الأكل لما كان أوفى أنواعِ التمتُّع بالمال عُبِّر عن التصرفات بالأكل. ونظيره قوله تعالى: { أية : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ } تفسير : [الجمعة: 9] يعلم أن صورة البيع غيرُ مقصودة، وإنما المقصود ما يشغله عن ذكر الله تعالى مثل النكاح وغيره؛ ولكن ذُكر البيعُ لأنه أهمّ ما يشتغل به عن ذكر الله تعالى. العاشرة ـ قوله تعالى: {هَنِيئاً مَّرِيئاً} منصوب على الحال من الهاء في «كُلُوهُ» وقيل: نعت لمصدر محذوف، أي أكلاً هنيئاً بطيب الأنفس. هَنَأه الطعام والشّراب يَهْنَئُه، وما كان هنيئاً؛ ولقد هَنُؤَ، والمصدر الهِنْءُ. وكل مالم يأت بمشقّة ولا عناء فهو هنِيءٌ. وهَنِيءٌ اسم فاعل من هَنُؤَ كظريف من ظَرُف. وهَنِيء يهْنأ فهو هَنِيء على فَعِل كزَمِن. وهَنأَنِي الطعام ومَرأني على الإتباع؛ فإذا لم يذكر «هَنأني» قلت: أمرأني الطعام بالألف، أي ٱنهضم. قال أبو عليّ: وهذا كما جاء في الحديث: « حديث : ٱرجعنَ مأزُورَات غيرَ مأجورات » تفسير : . فقلبوا الواو من «مَوْزورات» ألِفاً إتباعاً للفظ مأجورات. وقال أبو العباس عن ابن الأعرابيّ: يقال هَنِيء وهَنأنِي ومَرأَنِي وأمرأنِي ولا يقال مرئني؛ حكاه الهَروِيّ. وحكى القُشيريّ أنه يقال: هنئني ومَرِئني بالكسر يَهْنَأني ويَمْرَأني، وهو قليل. وقيل: «هَنِيئاً» لا إثم فيه، و «مَرِيئاً» لا داء فيه. قال كثير: شعر : هَنِيئاً مَرِيئاً غيرَ داء مُخامِر لِعَزّة من أعْراضِنا ما ٱستَحَلَّتِ تفسير : ودخل رجل على علقمة وهو يأكل شيئاً وهبته ٱمرأته من مهرها فقال له: كل من الهَنِيءِ المَرِيءِ. وقيل: الهَنيءُ الطيِّب المساغ الذي لا يَنغِّصه شيء، والمريء المحمود العاقبة، التام الهضم الذي لا يضر ولا يؤذِي. يقول: لا تخافون في الدنيا به مطالبة، ولا في الآخرة تَبِعَة. يدل عليه ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ} فقال: « حديث : إذا جادت لزوجها بالعطية طائعةً غير مُكرهة لا يقضي به عليكم سلطان، ولا يؤاخذكم الله تعالى به في الآخرة » تفسير : وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إذا اشتكى أحدكم شيئاً فليسأل امرأته درهماً من صداقها، ثم ليشتر به عسلاً فليشربه بماء السماء؛ فيجمع الله عز وجل له الهنيءَ والمَرِيءَ والماء المبارك. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَءَاتُواْ ٱلنّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ} مهورهن. وقرىء بفتح الصاد وسكون الدال على التخفيف، وبضم الصاد وسكون الدال، جمع صدقة كغرفة، وبضمهما على التوحيد وهو تثقيل صدقة كظلمة في ظلمة. {نِحْلَةً} أي عطية يقال نحله كذا نحلة ونحلاً إذا أعطاه إياه عن طيب نفس بلا توقع عوض، ومن فسرها بالفريضة ونحوها نظر إلى مفهوم الآية لا إلى موضوع اللفظ، ونصبها على المصدر لأنها في معنى الإيتاء أو الحال من الواو، أو الصدقات أي آتوهن صدقاتهن ناحلين أو منحولة. وقيل المعنى نحلة من الله وتفضلاً منه عليهن فتكون حالاً من الصدقات. وقيل ديانة من قولهم انتحل فلان كذا إذا دان به على أنه مفعول له، أو حال من الصدقات أي ديناً من الله تعالى شرعه، والخطاب للأزواج، وقيل للأولياء لأنهم كانوا يأخذون مهور مولياتهم. {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مّنْهُ نَفْساً} للصداق حملاً على المعنى أو جرى مجرى اسم الإِشارة كقول رؤبة:شعر : كَأَنَّه في الجلْد تَوْلِيْعُ البُهَق تفسير : إذ سئل فقال: أردت كأن ذاك. وقيل للإِيتاء، ونفساً تمييز لبيان الجنس ولذلك وحد، والمعنى فإن وهبن لكم شيئاً من الصداق عن طيب نفس، لكن جعل العمدة طيب النفس للمبالغة وعداه بعن لتضمن معنى التجافي والتجاوز، وقال منه بعثا لهن على تقليل الموهوب {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} فخذوه وأنفقوه حلالاً بلا تبعة. والهنيء والمريء صفتان من هنأ الطعام ومرأ إذا ساغ من غير غصص، أقيمتا مقام مصدريهما أو وصف بهما المصدر أو جعلتا حالاً من الضمير. وقيل الهنيء ما يلذه الإِنسان، والمريء ما تحمد عاقبته. روي: أن ناساً كانوا يتأثمون أن يقبل أحدهم من زوجته شيئاً مما ساق إليها. فنزلت.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَءَاتُواْ } أعطوا {ٱلنّسَاءَ صَدُقَٰتِهِنَّ } جمع (صَدُقَة) ( مهورهن) {نِحْلَةً } مصدر عطية عن طيب نفس {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مّنْهُ نَفْساً } تمييز محول عن الفاعل، أي طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق فوهبنه لكم {فَكُلُوهُ هَنِيئاً } طيباً {مَّرِيئاً } محمود العاقبة لا ضرر فيه عليكم في الآخرة نزلت ردًّا على من كره ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَءَاتُواْ النِّسآءَ} أيها الأزواج عند الأكثرين، أو أيها الأولياء، لأن الولي في الجاهلية كان يتملك صداق المرأة. {نِحْلَةً} النحلة: العطية بغير بدل، الدِّين نحلة، لأنه عطية من الله تعالى ومنه النَّحْل لإعطائه العسل، أو لأن الله ـ تعالى ـ نحله عباده، [الصداق] أي نحلة من الله ـ تعالى ـ لهن بعد أن كان ملكاً لآبائهن، أو فريضة مسماة، أو نهى عما كانوا عليه من خطبة الشغار والنكاح بغير صداق، أو أراد طيب نفوسهم بدفعه إليهم كما يطيبون نفساً بالهبة. {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ} أيها الأزواج عند من جعله للأزواج، أو أيها الأولياء عند من رآه لهم. {هَنِيئًا} الهني: ما أعقب نفعاً وشفاء منه هنأ البعير لشفائه.
الخازن
تفسير : {وآتوا النساء صدقاتهن} قال الكلبي وجماعة هذا خطاب للأولياء قال أبو صالح كان الرجل إذا تزوج أيمة أخذ صداقها دونها فنهاهم الله عن ذلك. وقيل إن ولي المرأة كان إذا زوجها فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها لا قليلاً ولا كثيراً، وإن كان زوجها غريباً حملوها إليه على بعير ولا يعطيها من مهرها غير ذلك فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى أهله. وقال الحضرمي كان أولياء النساء يعطي هذا أخته على أن يعطيه الآخر أخته ولا مهر بينهما وهذا هو الشغار فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بتسمية المهر في العقد (ق) عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار في العقد والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الرجل ابنته وليس بينهما صداق. وقيل الخطاب للأزواج وهذا أصح وهو قول الأكثرين لأن الخطاب فيما قبل مع الناكحين وهم الأزواج أمرهم الله تعالى بإتيان نسائهم الصداق والصداق المهور واحدها صدقة بفتح الصاد وضم الدال {نحلة} يعني فريضة مسماة وقيل عطية وهبة. وقيل نحلة يعني عن طيب نفس وأصل النحلة العطية على سبيل التبرع وهي أخص من الهبة وسمي الصداق نحلة من حيث إنه لا يجب في مقابلته غير التمتع دون عرض مالي (ق) عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج"تفسير : . وقوله تعالى: {فإن طبن} يعني النساء المتزوجات {لكم} يعني للأزواج {عن شيء منه} يعني من الصداق ومن هنا لبيان الجنس لا للتبعيض لأنها لو وهبت المرأة لزوجها جميع صداقها جاز {نفساً} نصب على التمييز والمعنى فإن طابت نفوسهن عن شيء من ذلك الصداق المبين فوهبن ذلك لكم فنقل الفعل من النفوس إلى أصحابها فخرجت النفس مفسراً فلذلك وحد النفس وقيل لفظه واحد ومعناه الجمع {فكلوه} يعني ما وهبنه لكم {هنيئاً مريئاً} يعني طيباً سائغاً وقيل الهنيء الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء والمريء المحمود العاقبة وفي الآية دليل على إباحة هبة المرأة صداقها وأنها تملكه ولا حق للوالي فيه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَءاتُواْ ٱلنِّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً...} الآية: قال ابن عَبَّاس وغيره: الآيةُ خطابٌ للأزواج وقال أبو صَالِحٍ: هي خطابٌ لأوليَاءِ النِّسَاءِ؛ لأنَّ عادَةَ بَعْض العَرَب كانَتْ أنْ يأكل وليُّ المرأة مَهْرها، فرفَعَ اللَّه ذلكَ بالإسْلام، وقيل: إن الآية في المتشاغِرِينَ الذين يتزوَّجون امرأةً بأخْرَىٰ، فُأمِرُوا أنْ يضربوا المُهُورَ. قال * ع *: والآية تتناوَلُ هذه التأويلاتِ الثَّلاثَ، ونِحْلَةَ، أي: عطيَّة منْكم لهُنَّ، وقيل: نِحْلَة: معناه: شِرْعَة؛ مأخوذٌ من النِّحَل، وقيل: التقديرُ: نِحْلَةً مِنَ اللَّه لَهُنَّ؛ قال ابنُ العَرَبِيِّ: وذلك أنَّ النحلة في اللُّغة: العطيَّةُ عنْ غَيْرِ عِوَضٍ. انتهى. وقوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً...} الآية: الخطابُ حَسْبَما تقدَّم مِنَ الاختلافِ، والمعنَىٰ: إنْ وَهَبْنَ غيْرَ مكرَهَاتٍ، طيِّبةً نفوسُهنَّ، والضميرُ في «مِنهُ» يعود علَى الصَّدَاقِ؛ قاله عكرمةُ وغيره، «ومَنْ»: تتضمَّن الجِنْس ههنا؛ ولذلك يجوزُ أنْ تهب المَهْر كلَّه. وقوله تعالى: {هَنِيئاً مَّرِيئاً}: قال اللغويُّون: الطعامُ الهَنِيءُ هو السَّائِغُ المستحسَنُ الحميدُ المَغَّبةِ؛: وكذلك المريءُ. وقوله سبحانه: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ}، قال أبو موسَى الأشعريُّ وغيره: نَزَلَتْ في كلِّ مَنِ ٱقتَضَى الصِّفَة الَّتي شرط اللَّهُ مِنَ السَّفَهِ، كان من كان، وقولُه: {أَمْوٰلَكُمْ}، يريد: أموالَ المخاطَبِينَ؛ قاله أبو مُوسَى الأشعريُّ، وابنُ عبَّاس، والحَسَنُ، وغيرهم، وقال ابنُ جُبَيْر: يريدُ أموالَ السُّفَهاء، وأضافها إلى المخاطَبِينَ، إذ هى كأموالهم، و {قِيَاماً} جمع قِيمَة. وقوله تعالى: {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا...} الآية: قيل: معناه: فِيمَنْ تلزم الرَّجُلَ نفقتُهُ، وقيل: في المحجُورِينَ مِنْ أموالهم، وَ {مَّعْرُوفاً}: قيل: معناه: ٱدْعُوا لهم، وقيل: معناه: عِدُوهُمْ وَعْداً حَسَناً، أي: إنْ رَشَدتُّمْ، دَفَعْنا لكُمْ أموالكم، ومعنى اللفظة: كُلُّ كلام تعرفه النفُوسُ، وتأْنس إلَيْه، ويقتضيه الشَّرْع.
ابن عادل
تفسير : مفعول ثانٍ، وهي جمع "صَدُقة" بفتح الصَّاد وضمَّ الدَّال بزنة "سَمُرة"، والمرادُ بها: المهر وهذه هي القراءة المشهُورَةُ، وهي لُغَةُ الحجاز. وقرأ قتادةُ: "صُدْقاتهن" بضمِّ الصَّادِ وإسكان الدَّال، جمعُ صُدْقَةٍ بزنة غُرْفَةٍ. وقرأ مجاهدٌ وابن أبي عبلة بضمهما وهي جمع صدقة بضم الصاد والدال، وهي تثقيل الساكنة الدَّال للاتباع. وقرأ ابن وثاب والنخعي "صُدُقَتَهُنَّ" بضمهما مع الإفراد. قال الزَّمخشريُّ وهي تثقيل صُدْقة كقولهم في "ظُلْمة" "ظُلُمة"، وقد تقدم الخلاف، هل يجوز تثقيل الساكن المضموم الفاء؟ وقرئ: "صدقاتهن" بفتح الصَّادِ وإسْكَانِ الدَّالِ وهي تخفيف القراءة المشهورة، كقولهم في عَضُد: عَضْد. قال الوَاحِدِيُّ: ولفظ الصَّادِ والدَّال والقاف موضوع للكمال والصحة، يسمّى المهر صداقاً وصدقة وذلك لأنَّ عقد النكاح به يتم. وفي نصب "نحلة" أربعةُ أوجهٍ: أحدها: أنَّها منصوبةِ على المصدر، والعامل فيها الفعل قبلها؛ لأن "آتوهن" بمعنى انحلوهُنَّ، فهي مصدر على غير الصدر نحو: "قَعَدْت جلوساً". الثاني: أنها مصدرٌ واقِعٌ موقع الحال، وفي صاحب الحال ثلاثة احتمالات: أحدها: أنَّهُ الفاعل من "فآتوهن" أي: فآتوهن ناحِلين. الثاني: أنَّهُ المفعول الأوَّل وهو: النِّسَاءُ. الثالث: أنه المفعول الثاني وهو "صدقاتهن". أي: منحولات. الوجه الثَّالثُ: أنَّها مفعول من أجله، إذا فُسِّرَتْ بمعنى: شِرْعة. الوجه الرابع: انتصابها بإضمار فعل بمعنى: شَرَعَ أي: نحل الله ذلك نِحلة، أي: شَرَعَةُ شِرْعة وديناً. والنِّحْلَةُ العَطِيَّةُ عَنْ طِيبِ النَّفْسِ، والنَّحْلَة: الشِّرْعَة، ومنه: نِحْلة الإسلام خَير النحل، وفلان ينتحل بكذا: أي يَدِيِنُ به، والنَّحْلَةُ: الفَرِيضةُ. قال الراغب: والنِّحْلَة والنَّحْلَةُ: الْعَطِيَّةُ على سبيل التبرع، وهي أخصُّ من الهِبَةِ، إذ كُل هبة نحلة من غير عكس، واشتقاقهُ فيما أرَى من النَّحْلِ، نظراً منه إلى فعله، فكأن "نَحَلْتهُ" أعْطَيْتَهُ عَطِيةَ النحل، ثم قال: ويجوز أن تكون النِّحْلةُ أصلاً فَسُمَّى النَّحْلُ بذلك اعتباراً بفعله. وقال الزَّمخشريُّ: مِنْ نَحَلَه كذا أي: أعطاه إيَّاه ووهبه له عن طيب نفسه، نِحْلَةً وَنَحْلاً، ومنه حديث أبي بكر - رضي الله عَنْهُ -: "إنِّي نَحَلْتُكَ جِدَادَ عِشْرِينَ وِسْقاً". قال القَفَّالُ: وأصله إضافة الشيء إلى غير من هو له، يقال: هذا شعر منحول، أي: مضاف إلى غير قائله، وانتحلت كذا إذا ادَّعَيْتَهُ وَأَضَفْتَهُ إلى نَفْسِكَ. فصل من المقصود بالخطاب في الآية في هذا الخطاب قولان: أحدهما: أنه "لأولياء" [النساء]؛ لأنَّ العربَ كانت في الجاهليَّة لا تعطي النساء من مهورهن شيئاً، وكذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئاً لك النافجة، ومعناه: أنَّك تأخذ مهرها إبلاً فَتُضُمُّهَا إلى إبلك فتنفج مالك أي: تعظمه، وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرَّجلُ من الحلوانِ إذا زوج ابنته، فَنَهى الله عن ذلك، وأمر بدفع الحقِّ إلى أهله، وهذا قول الكلبيِّ وأبي صالح واختيار الفرَّاء وابن قتيبةَ. وقال الحضرميّ: وكان أولياء النساء يُعطى هذا أُخْتَه على أن يعطيه الآخرُ أخته، ولا مهرَ بينهما، فَنُهوا عن ذلك، "حديث : ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشِّغَار"تفسير : وهو أن يزوج الرَّجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ولا صداق بَيْنَهُمَا. الثاني: أنَّ الخطاب للأزواج، أمِرُوا بإيفاء مهور النساء، وهذا قول علقمة، والنَخَعِيِّ وقتادة، واختيار الزجَّاج، لأنه لا ذكر للأولياء ها هنا، والخطاب قبله للأزواج. قال قَتَادَةُ: نحله فريضة. وقال ابن جريج: فريضة مسمَّاة. قال أبو عبيدة: لا تكون النِّحْلَةُ إلاَّ مُسَمَّاة ومعلومة. قال القَفَّال: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة، ويحتمل أن يكون المراد منه الالتزام كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ} تفسير : [التوبة: 29] أي: يضمنوها ويلتزموها، فعلى الأول المراد دفع المُسَمَّى، وعلى الثاني أن المراد بيان أن الفروج لا تُستباح إلا بعوض يلتزم سواء سمَّي أو لم يسمَّ، إلا ما خُصَّ به النبي صلى الله عليه وسلم في الموهوبة. قوله: {فإن طبن لكم منه} "منه" في محل جر؛ لأنه صفة لـ "شيء" فيتعلق بمحذوف أي: عن شيء كائن منه. و "مِنْ" فيها وجهان: أحدهما: أنها للتبعيض، ولذلك لا يجوز لها أن تَهَبَهُ كُلَّ الصَّداق، وإليه ذهب الليث. والثاني: أنها للبيان، ولذلك يجوز أن تَهَبَهُ كُلَّ الصَّداق. قال ابن عطيَّة: و "مِنْ" لبيان الجنس ها هنا ولذلك يجوز أن تهب المهر كله، ولو [وقعت] على التبعيض لما جَازَ ذلك انتهى. وقد تَقَدَّمَ أن الليث يمنع ذلك، ولا يشكل كونها للتَّبعيض، وفي هذا الضمير أقوال: أحدها: أنه يعود على الصَّداق المدلول عليه بـ {صَدُقَاتِهِنَّ}. الثاني: أنه يعود على "الصَّدُقات" لسدِّ الواحِدِ مَسَدَّها، لو قيل: صَداقَهُنَّ لم يختلَّ المعنى، وهو شبيهٌ بقولهم: هو أحسنُ الفتيان وأجْمَلُهُ؛ ولأنه لو قيل: "هو أحسنُ فتىً" لَصَحَّ المعنى. ومثله: [الرجز] شعر : 1748- وَطَابَ ألْبَانُ اللِّقَاحِ وَبَرَدْ تفسير : في "برد" ضمير يعود على "ألبان" لسدِّ "لبن" مسدَّها. الثالث: أنه يعود على "الصَّدُقات" أيضاً، لكن ذهاباً بالضمير مذهب الإشارة فَإنَّ اسم الإشارة قد يُشارُ بِهِ مفرداً مذكراً إلى أشياء تقدمت، كقوله: {أية : قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ} تفسير : [آل عمران: 15] بعد ذكر أشياء قبله، وقد تقدم ما روي في البقرة ما حكي عن رؤية لما قيل له في قوله: [الرجز] شعر : 1749- فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادِ وَبَلَقْ كَأَنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ تفسير : فقال: أردت ذلك فأجْرَى الضمير مجرى اسم الإشارة. الرابع: أنه يعود على المال، وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ؛ لأنَّ الصَّدُقاتِ تدُلُّ عليه. الخامس: أنه يعود على الإيتاء المدلول عليه بـ "آتوا"، قاله الرَّاغب وابن عطيَّة. السَّادس: قال الزمخشريُّ "ويجوز أن يُذَكَّر الضميرُ؛ لينصرف إلى الصَّداق الواحد، فيكون متناولاً بَعْضَهُ، ولو أَنّثَ لتناول ظاهرة هبةَ الصَّداق كُلِّه؛ لأنَّ بعض الصُّدقات واحد منها فصاعداً". وقال أبو حَيَّان: وأقولُ حَسَّن تذكير الضمير أن معنى "فَإنْ طِبْنَ" فإن طابَتْ كُلُّ واحدةٍ فلذلك قال: "منه" أي: مِنْ صَداقِها، وهو نظير قوله: {أية : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً} تفسير : [يوسف: 31]؛ أي لكلّ واحدة منهن، ولذلك أفرد "متكأ". قوله: "نَفْساً" منصوب على التَّمييز، وهو هنا منقولٌ من الفاعل؛ إذ الأصل: فإنْ طابَتْ أنفسُهُنَّ، ومثله {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} تفسير : [مريم: 4]. وهذا منصوب عن تمام الكلام، وجِيء بالتمييز هنا مفرداً، وإن كان قبلَه جمعٌ لعدم اللَّبْسِ، إذْ من المعلوم أنَّ الكُلَّ لَسْنَ مشتركاتٍ في نفسٍ واحدةٍ، ومثله: قَرَّ الزيدون عيناً، كقوله: {أية : وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} تفسير : [هود: 77] وقيل: لَفْظُهَا واحد ومعناها جمع، ويجوز "أنفساً" "وأعيناً" وَلاَ بُدَّ مِنَ التعرُّض لقاعدةٍ يَعُمُّ نفعها، وهي أنَّه إذا وقع تمييز بعد جمع منتصبٍ عن تمام الكلام فلا يخلو: إمَّا أن يكون موافقاً لما قبله في المعنى، أو مخالفاً له، فإن كان الأوَل وَجَبَتْ مطابقةُ التَّمييز لما قبله نحو: كَرُمَ الزيدون رجالاً، كما يطابقهُ خبراً وصفةً وحالاً. وإن كان الثاني: فإمَّا أن يكونَ مفرد المدلول أو مختلفة، فإن كان مفردَ المدلول وَجَبَ إفرادُ التمييز كقولك في أبناء رجل واحد: كَرُمَ بنو زيدٍ أباً أو أصلاً، أي: إنَّ لهم جميعهم أباً واحداً متصفاً بالكرمِ، ومثله "كَرم الأتقياءُ سَعْياً"، إذا لم تَقصدْ بالمصدر اختلافَ الأنواع لاختلاف محالَّه، وإنْ كَانَ مختلفَ المدلول: فإما أن يُلبِسَ إفرادُ التمييز لو أُفرد أولاً، فإن ألْبَسَ وَجَبَت المطابقُ نحو: كَرُمَ الزيدون آباء، أي: أن لكل واحد أباً غير أب الآخر يتصفُ بالكرمِ، ولو أفردت هنا لَتُوُهِّم أنهم كلَّهم بنو أبٍ واحد، والغرضُ خلافه، وإنْ لم يُلبس جاز الأمران المطابقة والإفراد، وهو الأوْلى، ولذلك جاءت عليه الآية الكريمةُ، وحكمُ التثنية في ذلك كالجمع، وَحَسَّنَ الإفرادَ هاهنا أيضاً ما تقدَّم مِن مُحَسِّنِ تذكير الضمير وإفراده في "منه"، وهو أنَّ المعنى: فإن طابت كُلُّ واحدة نفساً. وقال بعض البصريين: "إنَّما أفرد؛ لأن المراد بالنفس هنا الهوى، والهوى مصدر، والمصادر لا تُثَنَّى ولا تجمع". وقال الزَّمخشريُّ: و "نَفْساً" تمييزٌ، وتوحيدُها؛ لأن الغرضَ بيانُ الجنس والواحد يدل عليه. ونحا أبو البَقاءِ نَحْوهُ، وشَبَّهَهُ بـ "درهماً" في قولك: عشرون درهماً. واختلف النحاةُ في جوازِ تقديمِ التمييزِ على عامله إذا كان متصرفاً فمنعه سيبويه، وأجازه المبرد وجماعة مستدلين بقوله: [الطويل] شعر : 1750- أتَهْجُرُ لَيْلَى بِالفِرَاقِ حَبيبَها وَمَا كَانَ نَفْساً بالفراقِ تَطِيبُ تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 1751- رَدَدْتُ بِمِثْلِ السَّيدِ نَهْدٍ مُقَلَّصٍ كَمِيشٍ إذَا عِطْفَاهُ مَاءً تَحَلَّبَا تفسير : والأصل تطيبُ نفساً، وتحلَّبا ماء، وفي البيتين كلامٌ طويل ليس هذا محلَّه، وحجةُ سيبويه في منع ذلك أنَّ التَّمييز فاعل في الأصْلِ، والفاعِلُ لا يَتَقدَّم، فكذلك ما في قوته، واعترضَ على هذا بنحو: زيداً، من قولك أخرجْتُ زيداً، فإن زيداً في الأصل فاعل قبل النَّقْل، إذ الأصل: خرج زيدٌ والفرق لائح فالتمييز أقسام كثيرة مذكورة في كتب القوم. والجارّان في قوله {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ} متعلقان بالفعل قبلهما متضمناً معنى الإعراض، ولذلك عُدِّي بـ "عن" كأنَّهُ قيل: فَإن أعْرَضن لَكُمْ عَن شيء منه طيبات النفوس، والفاء في "فَكُلوه" جواب الشرط وهي واجبة، والفاء في "فَكُلوه" عائدة على "شيء". فإن قيل: لِمَ قال: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ} ولم يقل: وَهَبْنَ لَكُمْ أوْ سَمَحْنَ لَكُمْ؟ فالجواب أنَّ المراعى وهو تجافي نفسها عن بالموهوب طيبة]. قوله: {فكلوه هنيئاً مريئاً}. في نصب "هَنِيئاً" أربعةُ أقوال: أحدها: أنَّه منصوبٌ على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: أكْلاً هنيئاً. الثاني: أنه منصوب على الحال من الهاء في "فَكلُوهُ" أي: مُهَنِّئاً، أي سهلاً. والثالث: أنه منصوب على الحال بفعل لا يجوز إظهاره ألبتة؛ لأنَّهُ قصد بهذه الحال النيابةُ عن فعلها نحو: "أقائماً وَقَدْ قَعَدَ النَّاسُ"، كما ينوب المصدر عن فعله نحو "سَقْياً لَهُ وَرَعْياً". الرابع: أنهما صفتان قامتا مقام المصدر المقصود به الدعاءُ النائب عن فعله. قال الزَّمَخشرِيُّ: وقد يوقف على "فَكُلُوهُ" ويبتدأ بـ "هنيئاً مريئاً" على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين، كأنه قيل: "هَنْئاً مًرْءاً". قال أبو حيان: وهذا تحريف لكلام النُّحاة، وتحريفه هو جَعْلهما أُقِيما مُقام المصدر، فانتصابهما انتصابَ المصدرِ، ولذلك قال: كَأَنَّهُ قيل: "هَنْئاً مَرْءاً"، فصار كقولك "سٌقْياً لك" و "رَعْياً لك"، وَيَدُلُّ على تحريفه وَصِحَّةِ قول النحاة أنَّ المصادرَ المقصودَ بها الدعاء لا ترفع الظاهر، لا تقول: "سقياً اللَّهَ لك"، ولا: "رعياً الله لك"، وإنْ كَانَ ذلك جائزاً في أفعالها، و "هنيئاً مرئياً"، يرفعان الظاهر بدليل قوله: [الطويل] شعر : 1752- هَنِيئاً مَرِيئاً غَيْرَ دَاءٍ مُخامِرٍ لِعِزَّةَ مِنْ أعْرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتِ تفسير : فـ "ما" مرفوع بـ "هنيئاً" أو "مريئاً" على الإعمال، وجاز ذلك وَإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْعَاملين رَبْطٌ بِعَطْفٍ ولا غيره؛ لأن "مريئاً" لا يستعملُ إلاَّ تابعاً لـ "هنيئاً" فكأنَّهما عاملٌ واحد. ولو قلت: "قام قعد زيد" لم يكن من الإعمال إلاَّ على نِيَّة حرف العطف. انتهى. إلاَّ أن عبارة سيبويه فيها ما يُرْشِدُ لِما قاله الزَّمخشريُّ، فإنه قال: هنيئاً مَرِيئاً صِفَتَانِ نصبهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل المذكور غير المستعمل إظهارُهُ المختزل لدلالة الكلام عليه، كأنهم قالوا: ثبت ذلك هنيئاً مريئاً، فَأوَّلُ العبارة يُساعِدُ الزمخشري، وآخرها وهو تقديره بقوله: كأنهم قالوا: ثَبَتَ هنيئاً، يُعَكِّر عليه، فعلى القولين الأوَّلين يكُون "هَنيئاً مَريئاً" متعلقين بالجملة قبلهما لفظاً ومعنى، وعلى الآخرين مقتطعين لفظاً؛ لأنَّ عاملهما مُقَدَّر من جُملةٍ أخرى كما تقدم تقريره. واختلف النحويون في قولك لمن قال: أصاب فلان خيراً هنيئاً مريئاً له ذلك. هل "ذلك" مرفوع بالفعل المقدر، وتقديره: ثبت له ذلك هنيئاً، فحذف "ثبت" وقام "هنيئاً" مقامه الذي هو حال أو مرفوع بـ "هنيئاً" نفسه؛ لأنه لمَّا قَامً مقامَ الفعلِ رَفَع ما كان الفعل يرفعه، كما أن قولك: "زَيْدٌ في الدَّارِ" "في الدار" ضمير كان مستتراً في الاستقرار فلما حذف الاستقرار، وقام الجار مقامه رفع الضمير [المستتر] الذي كان فيه، وقد ذهب إلى الأول السيرافي وجعل في "هنيئاً" ضميراً عائداً على "ذلك"، وذهب إلى الثاني أبو علي، وجعل "هنيئاً" فارغاً من الضمير لرفعه الاسمَ الظاهر، وَإذا قُلْتَ: "هَنِيئاً" وَلَمْ تَقُلْ "ذلك" فعلى مذهب السيرافي يكون في "هَنِيئاً" ضمير عائدٌ على ذِي الْحَالِ، وهو ضمير الفاعل الذي استتر في "ثبت" المحذوفِ، وعلى مذهب الفارسي يكون في "هنيئاً" ضمير فاعل بها، وهو الضميرُ المستتر الذي كان فاعلاً لـ "ثبت"، ويكون "هنيئاً" قد قام مقام الفعل المحذوف فارغاً من الضمير. وأما نصب "مريئاً" ففيه خمسة أوجه: أحدها: أنَّهُ صِفَةٌ لـ "هنيئاً" وإليه ذَهَبَ الحوفي. والثاني: أنَّه انتصب انتصاب "هنيئاً"، وقد تقدَّم ما فيه من الأوجه، ومنع الفارسي كونه صفة لـ "هنيئاً" قال: لأنَّ هنيئاً قام مقام الفعل، والفعل لا يوصف، فكذا ما قام مَقَامَهُ، ويؤيد ما قاله الفارسيُّ أنَّ اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المبالغة والمصادر إذا وُصِفت لم تَعْمَل عمل الفعل، ولم تستعمل "مريئاً" إلا تابعاً لـ "هنيئاً"، ونقل بعضهم أنه قد يجيء [غير] تابع وهو مردود؛ لأن العرب لم تَستَعْمِله إلاَّ تابعاً، وهل "هَنِيئاً مريئاً" في الأصل اسما فاعل على زنة المَبَالَغَة؟ أم هما مصدران جاءا على وزن فَعِيلٍ، كالصَّهيلِ والهدير؟ خلاف. نقل أبُو حَيَّان القول الثاني عن أبي البَقَاءِ قال: وأجاز أبو البقاء أن يكونا مصدرين جاءا على خلاف وزن "فعيل"، كالصَّهيل والهدير، وليسا من باب ما يطرد فيه فعيل في المصدر. انتهى. وأبو البقاء في عبارته إشْكَالٌ، فلا بد من التعرض إليها ليُعرف ما فيها، قال: "هنيئاً" مصدر جاء على وزن "فَعِيل"، وهو نعت لمصدر محذوفٍ، أي: أكْلاً هنيئاً، وقيل: هو مصدر في موضع الحال من الهاء، والتقدير مُهَنَّأً، و "مريئاً" مثله، والمريءُ فعيل بمعنى مُفْعِل، لأنَّك تقول: "أمْرَأَنِي الشَّيْء"، ووجه الإشكال: أنَّه بعد الحكم عليهما بالمصدريَّة كيف يجعلهما [حالاً] وصفين لمصدر محذوف؟ وكيف يفسر "مريئاً" المصدر بمعنى اسم الفاعل؟ ذهب الزمخشري إلى انَّهُمَا وصفان قال: "فإنَّ الهنيءَ والْمَريءَ صفتان من هَنُؤ الطعام ومَرُؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه". انتهى. وَهَنَا يَهْنَا بغير همز - لغة ثانية أيضاً، وقرأ أبو جعفر: "هنيّاً مريّاً"، بتشديد الياء فيهما من غير همزة، كذلك "بري" و "بريون" و "بريَّا"، ويقال: هَنَأَني الطعامُ ومرأني، وإن أفردت "مَرَأنِي" لم يستعمل إلا رباعيّاً فتقول: "أمْرَأني"، وإنَّما استعمل ثلاثياً للتَّشاكل مع "هَنَأني"، وهذا كما قالوا: أخَذَهُ ما قَدُمَ وَمَا حَدُثَ، بضم الدَّال من "حدث" مشاكلة لـ "قَدُمَ"، ولو أُفرد لم يستعمل إلاَّ مفتوح الدال، وله نظائر أخر، ويقال: هَنَأتُ الرجل أهْنِئُهُ بكسر العين في المضارع أي: أعطيته. واشتقاق الهنيء من الهِناء، وهو ما يُطْلَى به البعير للجرب كالقطران قال: [الطويل] شعر : 1753- مُتَبَذِّلاً تَبْدُو مَحَاسِنُهُ يَضَعُ الْهَنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ تفسير : والمريءُ مَا سَاغَ وَسَهُلَ من الحق، ومنه قِيل لمجرى الطَّعَام من الحُلْقُوم إلى فم المعدة: مَرِيء. فصل في دلالة الآية على أمور دَلَّت الآية الكريمة على أمور: منها أنَّ المهر لها ولا حق للولي فيه. ومنها جواز هبتها للمهر قبل القبضِ؛ لأن اللَّه تعالى لم يفرق بين الحالين. فإن قيل: قوله: {فكلوه هنيئاً مريئاً} يتناول ما إذا كان المهر عيناً، أما إذا كان ديناً فالآية غير متناولة له لأنَّهُ لا يقال لما في الذمة كُلْهُ هَنِيئاً مريئاً. فالجواب أن المراد بقوله "هنيئاً مريئاً" ليس نفس الأكل، بل المراد منه كل التصرفات، وإنما خَصَّ الأكل بالذكر، لأنَّهُ معظم المقصود من المال لقوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً} تفسير : بالنساء: 10] وقوله: {أية : لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} تفسير : [النساء: 29]. فصل قال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت بعد الهبة، علم أنها لم تطب عنه نفساً، وعن الشعبي: أن امرأة جاءت مع زوجها إلى شُريح في عَطِيَّة أعْطَتْهَا إيَّاهُ، وَهِيَ تطلب الرجوع، فقال شُرَيْح: رُدَّ عَلَيْهَا، فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ}، فقال: لو طابت نفسها عنه ما رجعت فيه. وروي عنه أيضاً: أقيلها فيما وهبت ولا أقيله؛ لأنهن يخدعن. وَرُوِيَ أنَّ رجلاً من آل أبي معيطٍ أعطته امرأته ألف دينار صداقاً كان لها عليه، فلبثت شهراً ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرَّجُلُ: أعْطَتْنِي طيبة به نفسها، فقال عبدُ الملك: فإن الآية التي بَعْدَهَا {أية : فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} تفسير : [النساء: 20] أردد عليها. وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كتب إلى قُضاتِه: إن النساءَ يُعْطين رَغْبَةً ورهبة، وَأَيُّمَا امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها.
البقاعي
تفسير : ولما حذروا من القول الذي من مدلوله المحاجة عن كثرة النساء؛ كان ربما تعلق به من يبخل عن بعض الحقوق، لا سيما ما يستكثره من الصداق، فأتبعه ما ينفي ذلك، فقال - مخاطباً للأزواج، لأن السياق لهم، معبراً بما يصلح للدفع والالتزام المهيىء له: {وآتوا النساء} أي عامة من اليتامى وغيرهن {صدقاتهن} ، وقوله مؤكداً للإيتاء بمصدر من معناه: {نحلة} مؤيد لذلك، لأن معناها: عطية عن طيب نفس؛ قال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: وأصله - أي النحل: إعطاء الشيء لا يراد به عوض وكذا إن قلنا: معنى النحلة الديانة والملة والشرعة والمذهب، أي آتوهن ذلك ديانة. ولما وقع الأمر بذلك كان ربما أبى المتخلق بالإسلام قبول ما تسمح به المرأة منه بإبراء أو رد على سبيل الهبة - لظنه أن ذلك لا يجوز أو غير ذلك فقال: {فإن طبن لكم} أي متجاوزات {عن شيء} ووحّد الضمير ليرجع إلى الصداق المفهوم من الصدقات، ولم يقل: منها، لئلا يظن أن الموهوب لا يجوز إلا إن كان صداقاً كاملاً فقال: {منه} أي الصداق {نفساً} أي عن شهوة صادقة من غير إكراه ولا خديعة {فكلوه} أي تصرفوا فيه بكل تصرف يخصكم {هنيئاً} أي سائغاً صالحاً لذيذاً في عافية بلا مشقة ولا مضرة {مريئاً *} أي جيد المغبة بهجا ساراً، لا تنغيص فيه، وربما كان التبعيض ندباً إلى التعفف عن قبول الكل، لأنه في الغالب لا يكون إلا عن خداع أو ضجر فربما أعقب الندم، وهذا الكلام يدل أيضاً على تخصيص الأحرار دون العبيد، لأنهم لا يملكون ماجعلته النساء لهم ليأكلوه هنيئاً. قال الأصبهاني: فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة علم أنها لم تطب نفسها، وعن الشعبي ان رجلاً أتى مع امرأته شريحاً في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع، فقال شريح: رد عليها، فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى: {فإن طبن لكم} [النساء: 4] قال: لو طابت نفسها لما رجعت فيه؛ وعنه قال: أقيلها فيما وهبت ولا أقيله، لأنهن يخدعن. ولما أمر بدفع أموال اليتامى والنساء إليهم، ونهى عن أكل شيء منها تزهيداً في المال واستهانة به، وكان في النساء والمحاجير من الأيتام وغيرهم سفهاء، وأمر بالاقتصاد في المعيشة حذراً من الظلم والحاجة نهى عن التبذير، وقد حث سبحانه على حسن رعاية المال في غير آية من كتابه لأنه "نعم المال الصالح للرجل الصالح" رواه أحمد وابن منيع عن عمرو بن العاص رفعه؛ لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل ما يهمه من الدنيا، وما لم يتمكن من تحصيل ما يهمه من الدنيا لا يمكنه أمر الآخرة، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة ما يكفيه من المال - لأنه لا يتمكن في هذه الدار التي مبناها على الأسباب من جلب المنافع ودفع المضار إلا به، فمن أراده لهذا الغرض كان من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة الآخرين، ومن أراد لنفسه كان من أعظم المعوقات عن سعادة الآخرة فقال تعالى: {ولا تؤتوا} أيها الأزواج والأولياء {السفهاء} أي من محاجيركم ونسائكم وغيرهم {أموالكم} أي الأموال التي خلقها الله لعباده سواء كانت مختصة بكم أو بهم، ولكم بها علقة بولاية أو غيرها، فإنه يجب عليكم حفظها {التي جعل الله} أي الذي له الإحاطة بالعلم الشامل والقدرة التامة {لكم قياما} أي ملاكاً وعماداً تقوم بها أحوالكم، فيكون ذلك سبباً لضياعها، فضياعها سبب لضياعكم، فهو من تسمية السبب باسم المسبب للمبالغة، في سببيته {وارزقوهم} متجرين {فيها} وعبر بالظرف إشارة إلى الاقتصاد واستثمار الأموال حتى لا تزال موضعاً للفضل، حتى تكون النفقة والكسوة من الربح لا من رأس المال {واكسوهم} أي فإن ذلك ليس من المنهيّ عنه، بل هو من معالي الأخلاق ومحاسن الأعمال {وقولوا لهم} أي مع ذلك {قولاً معروفاً *} أي في الشرع والعقل كالعدة الحسنة ونحوها، وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته من قول أو عمل وليس مخالفاً للشرع فهو معروف، فإن ذلك ربما كان أنفع في كثير من الإعطاء وأقطع للشر؛ والحجر على السفيه مندرج في هذه الآية، لأن ترك الحجر عليه من الإيتاء المنهي عنه. ولما نهى عن ذلك البذل للسفهاء أيتاماً كانا أو غيرهم، بين أنه ليس دائماً بل ما دام السفه قائماً، فمست الحاجة إلى التعريف بمن يعطي ومن يمنع وكيف عند الدفع، ولما كان السفه أمراً باطناً لا يعرف إلا بالتصرف ولا سيما في المال؛ بدأ سبحانه بتعليم ما يتوصلون به إلى معرفته فقال مصرحاً بالأيتام اهتماماً بأمرهم: {وابتلوا اليتامى} أي اختبروهم في أمر الرشد في الدين والمال في مدة مراهقتهم واجعلوا ذلك دأبكم {حتى إذا بلغوا النكاح} أي وقت الحاجة إليه بالاحتلام أو السن {فإن آنستم} أي علمتم علماً أنتم في عظيم تيقنه كأنكم تبصرونه على وجه تحبونه وتطيب أنفسكم به {منهم} أي عند بلوغه {رشداً} أي بذلك التصرف، ونكره لأن وجود كمال الرشد في أحد يعز وقوعه {فادفعوا إليهم أموالهم} أي لزوال الحاجة إلى الحجر بخوف التبذير، وأضافها إليهم بعد إضافتها أولاً إلى المعطين إشارة إلى أنه لا يستحقها إلا من يحسن التصرف فيها. ولما كان الإنسان مجبولاً على نقائص منها الطمع وعدم الشبع لا سيما إذا خالط، لا سيما إن حصل له إذن ما؛ أدبه سبحانه بقوله: {ولا تأكلوها} أي بعلة استحقاقكم لذلك بالعمل فيها {إسرافاً} أي مسرفين بالخروج عن القصد في التصرف ووضع الشيء في غير موضعه وإغفال العدل والشفقة {وبداراً} أي مبادرين {أن يكبروا} أي فيأخذوها منكم عند كبرهم فيفوتكم الانتفاع بها، وكأنه عطف بالواو الدالة على تمكن الوصف وتمامه إشارة إلى عدم المؤاخذة بما يعجز عنه الإنسان المجبول على النقصان مما يجري في الأفعال مجرى الوسوسة في الأقوال "حديث : ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ". تفسير : ولما أشعر النهي عن أكل الكل بأن لهم في الأكل في الجملة علة مقبولة، أفصح به في قوله: {ومن كان} أي منكم أيها الأولياء {غنياً فليستعفف} أي يطلب العفة ويوجدها ويظهرها عن الأكل منها جملة، فيعف عنه بما بسط الله له من رزقه {ومن كان فقيراً} وهو يتعهد مال اليتيم لإصلاحه، ولما كان يخشى من امتناعه من الأكل منه التفريط فيه بالاشتغال بما يهمه في نفسه، أخرج الكلام في صيغة الأمر فقال معبراً بالأكل لأنه معظم المقصود: {فليأكل بالمعروف} أي بقدر أجرة سعيه. ولما كان ذلك ربما أفهم الأمان إلى الرشد بكل اعتبار، أمر بالحزم - كما في الطبراني الأوسط عن أنس "احترسوا من الناس بسوء الظن" - فقال: {فإذا دفعتم إليهم} أي اليتامى {أموالهم} أي التي كانت تحت أيديكم لعجزهم عن حفظها {فأشهدوا عليهم} أي احتياطاً لأن الأحوال تتبدل، والرشد يتفاوت، فالإشهاد أقطع للشر، وأنفع في كل أمر، والأمر بالإشهاد أزجر للولي عن الخيانة، لأن من عرف أنه لا يقبل عند الخصام إلا ببينة عف غاية العفة، واحترز غاية الاحتراز. ولما كانت الأموال مظنة لميل النفوس، وكان الحب للشيء يعمي ويصم؛ ختم الآية بقوله: {وكفى بالله} أي الذي له الحكمة البالغة والقدرة الباهرة والعظمة التي لا مثل لها، والباء في مثل هذا تأكيد لأن ما قرنت به هو الفاعل حقيقة لا مجازاً - كما إذا أمرنا بالفعل مثلاً {حسيباً *} أي محاسباً بليغاً في الحساب، فهو أبلغ تحذيراً لهم وللأيتام من الخيانة والتعدي ومدّ العين إلى حق الغير.
السيوطي
تفسير : أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوّج أيمة أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك ونزلت {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة}. وأخرج ابن جرير عن حضرمي أن ناساً كانوا يعطي هذا الرجل أخته ويأخذ أخت الرجل، ولا يأخذون كبير مهر. فقال الله {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة}. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل {وآتوا النساء} يقول: أعطوا النساء {صدقاتهن} يقول: مهورهن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {نحلة} قال: يعني بالنحلة المهر. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة {نحلة} قالت واجبة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جرير {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} قال: فريضة مسماة. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال "النحلة" في كلام الواجب، يقول: لا تنكحها إلا بشيء واجب لها، وليس ينبغي لأحد أن ينكح امرأة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا بصداق واجب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {نحلة} قال: فريضة. وأخرج أحمد عن جابر بن عبد الله "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أن رجلاً أعطى امرأة صداقاً ملء يديه طعاماً كانت له حلالاً "تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن أبي لبيبة عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من استحل بدرهم فقد استحل ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر بن ربيعة "حديث : "أن رجلاً تزوج على نعلين فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم نكاحه" "تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من نكح امرأة وهو يريد أن يذهب بمهرها فهو عند الله زان يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة وأم سلمة قالتا: ليس شيء أشد من مهر امرأة وأجر أجير. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {فإن طبن لكم} قال: هي للأزواج. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة {فإن طبن لكم عن شيء منه} قال: من الصداق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} يقول: إذا كان من غير إضرار ولا خديعة فهو هنيء مريء كما قال الله. وأخرج ابن جرير عن حضرمي، أن ناساً كانوا يتأثمون أن يراجع أحدهم في شيء مما ساق إلى امرأته فقال الله {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً}. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحوها فليشتر بها عسلاً، وليأخذ من ماء السماء فيجمع هنيئاً مريئاً وشفاء ومباركاً. وأخرج ابن سعد عن علقمة أنه كان يقول لامرأته: أطعمينا من ذلك الهنيء المريء، يتأوّل هذه الآية.
ابو السعود
تفسير : {وَءاتُواْ ٱلنّسَاءَ} أي اللاتي أُمر بنكاحهن {صَدُقَـٰتِهِنَّ} جمعُ صَدُقة كسمُرة وهي المَهرُ وقرىء بسكون الدالِ على التخفيف وبضم الصادِ وسكونِ الدال جمعُ صُدْقة كغرفة، وبضمهما على التوحيد وهو تثقيلُ صُدْقة كظُلُمة في ظُلْمة {نِحْلَةً} قال ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد: فريضةً من الله تعالى لأنها مما فرضه الله في النِحْلة أي المِلةِ والشِرْعة والديانةِ، فانتصابُها على الحالية من الصَّدُقات أي أعطوهن مهورَهن حالَ كونِها فريضةً منه تعالى، وقال الزجاجُ: تديُّناً فانتصابُها على أنها مفعولٌ له أي أعطوهن ديانةً وشِرْعيةً، وقال الكلبـي: نحلةً أي هِبةً وعطيةً من الله وتفضّلاً منه عليهن فانتصابُه على الحالية منها أيضاً وقيل: عطيةً من جهة الأزواجِ من نَحَله كذا إذا أعطاه إياه ووهبَه له عن طِيبةٍ من نفسه نِحْلةً ونُحْلاً، والتعبـير عن إيتاء المهورِ بالنِّحلة مع كونها واجبةً على الأزواج لإفادة معنى الإيتاءِ عن كمال الرضا وطيبِ الخاطرِ، وانتصابُها على المصدرية لأن الإيتاءَ والنحلةَ بمعنى الإعطاءِ، كأنه قيل: وانحَلوا النساءَ صَدُقاتِهن نِحْلةً أي أعطوهن مهورَهن عن طيبةِ أنفسِكم، أو على الحالية من ضمير {آتَوْا} أي آتوهن صَدُقاتِهن ناحلين طيِّبـي النفوسِ بالإعطاء أو من الصَّدُقات أي منحولةً مُعطاةً عن طيبة الأنفسِ، فالخطابُ للأزواج وقيل: للأولياء لأنهم كانوا يأخُذون مهورَ بناتِهم وكانوا يقولون: هنيئاً لك النافجةُ، لِمَن يولدُ له بنتٌ، يعنون تأخُذ مَهرَها فتنفج به مالَك أي تعظّمه {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ} الضميرُ للصدُقات وتذكيرُه لإجرائه مُجرى ذلك فإنه يشار به إلى المتعدد كما في قوله عز وجل: {أية : قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذٰلِكُمْ } تفسير : [آل عمران، الآية 15] بعد ذكر الشهواتِ المعدودةِ وقد رُوي عن رؤبةَ أنه حين قيل له في قوله: [الرجز] شعر : فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَق كأنه في الجِلْد تَوليعُ البَهَقْ تفسير : إن أردت الخطوطَ ينبغي أن تقول: كأنها وإن أردت السوادَ والبلَقَ ينبغي أن تقول: كأنهما، قال: لكني أردتُ كأن ذلك. أو للصَّداق الواقعِ موقعَه صدُقاتِهن كأنه قيل: وآتوا النساءَ صَداقَهن كما في قوله تعالى: {أية : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن } تفسير : [المنافقين، الآية 10] حيث عَطفَ أكنْ على ما دل عليه المذكورُ ووقع موقعَه، كأنه قيل: إن أخرتني أصَّدقْ وأكنْ، واللامُ متعلقةٌ بالفعل وكذا عن لكن بتضمينه معنى التجافي والتجاوزِ، ومن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لشيء أي كائنٍ من الصَّداق، وفيه بعثٌ لهن على تقليل الموهوبِ {نَفْساً} تميـيزٌ والتوحيدُ لما أن المقصودَ بـيانُ الجنسِ أي إن وهَبْن لكم شيئاً من الصَّداق متجافياً عنه نفوسُهن طيباتٍ غيرَ مُخْبثاتٍ بما يَضطرُّهن إلى البذل من شكاسة أخلاقِكم وسوءِ معاشرتِكم لهن، عَدَل عن لفظ الهبةِ والسماحةِ إلى ما عليه النظمُ الكريمُ إيذاناً بأن العُمدة في الأمر إنما هو طيبُ النفسِ وتجافيها عن الموهوب بالمرة {فَكُلُوهُ} أي فخذوا ذلك الشيءَ الذي طابت به نفوسُهن وتصرفوا فيه تملُّكاً، وتخصيصُ الأكلِ بالذكر لأنه معظمُ وجوهِ التصرفاتِ المالية {هَنِيئاً مَّرِيئاً} صفتان من هنُؤَ الطعامُ ومرُؤَ إذا كان سائغاً لا تنغيصَ فيه، وقيل: الهنيءُ الذي يلَذُّه الآكِلُ والمريءُ ما يُحمد عاقبتُه، وقيل: ما ينساغ في مجراه الذي هو المريءُ وهو ما بـين الحُلْقوم إلى فم المعِدةِ سُمِّي بذلك لمروءِ الطعامِ فيه أي انسياغِه، ونصبُهما على أنهما صفتانِ للمصدر أي أكلاً هنيئاً مريئاً أو على أنهما حالانِ من الضمير المنصوبِ أن كُلوه وهو هنيءٌ مريءٌ وقد يوقف على كلوه، ويبتدأ هنيئاً مريئاً على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مُقامَ المصدرين، كأنه قيل: هنْأً ومَرْأً، وهذه عبارةٌ عن التحليل والمبالغةِ في الإباحة وإزالةِ التبعة. روي أن ناساً كانوا يتأثمون أن يَقْبل أحدُهم من زوجته شيئاً مما ساقه إليها فنزلت.
التستري
تفسير : سئل عن قوله: {وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}[4] قال: أعطوهن الصداق هبة من الله عزَّ وجلَّ لهن. وقد قال: إن النحلة الديانة، وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أقذر المعاصي عند الله تعالى منع الأجير أجرته، ومنع المرأة مهرها ".
اسماعيل حقي
تفسير : {وآتوا النساء} اى اللاتى امر بنكاحهن {صدقاتهن} جمع صدقة وهى المهر {نحلة} فريضة من الله لانها مما فرضه الله فى النحلة اى الملة والشريعة والديانة فانتصابها على الحالية من الصدقات اى اعطوهن مهورهن حال كونها فريضة من الله او تدينا فانتصابها على انه مفعول له اى اعطوهن ديانة وشرعة او هبة وعطية من الله وتفضلا منه عليهن فانتصابها على الحالية منها ايضا او عطية من جهة الازواج من نحله اذا اعطاه اياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلا والتعبير عن ايتاء المهور بالنحلة مع كونها واجبة على الازواج لافادة معنى الايتاء عن كمال الرضى وطيب الخاطر وانتصابها على المصدرية لان الايتاء والنحلة بمعنى الاعطاء كأنه قيل وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة اى اعطوهن مهورهن عن طيبة انفسكم فالخطاب للازواج وقيل للاولياء لانهم كانوا يأخذون مهور بناتهم وكانوا يقولون هنيئا لك النافجة لمن يولد له بنت يعنون تأخذ مهرها فتنفج به مالك اى تعظم {فان طبن لكم عن شىء منه} الضمير للصدقات وتذكيره لاجرآئه مجرى ذلك فانه قد يشار به الى المتعدد واللام متعلقة بالفعل وكذا عن لكن بتضمينه معنى التجافى والتجاوز ومن متعلقة بمحذوف وقع صفة لشىء اى كائن من الصداق وفيه بعث لهن الى تقليل الموهوب {نفسا} تمييز والتوحيد لما ان المقصود بيان الجنس اى وهبن لكم شيأ من الصداق متجافيا عن نفوسهن طيبات غير خبيثات بما يضطرهن الى البذل من شكاية اخلاقكم وسوء معاشرتكم {فكلوه} اى فخذوا ذلك الشىء الذى طابت به نفوسهن وتصرفوا فيه تملكا وتخصيص الاكل بالذكر لانه معظم وجوه التصرفات المالية {هنيئا مريئا} صفتان من هنأ الطعام ومرأ اذا كان سائغا لا تنغيض فيه ونصبهما على انهما صفتان للمصدر اى اكلا هنيئا مريئا وهذه عبارة عن التحليل والمبالغة فى الاباحة وازالة التبعة ـ روى ـ ان ناسا كانوا يتأثمون ان يقبل احدهم من زوجته شيئاً مما ساقه اليها فنزلت. وفى الآية دليل على وجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس ولذا قيل يجوز الرجوع بما وهبن ان خدعن من الازواج وبيان لجواز معروفها وترغيب فى حسن المعاشرة بينهما فان خير الناس خيرهم لاهله وانفعهم لعياله وفى الحديث "حديث : جهاد المرأة حسن التبعل ". حديث : وكانت المرأة على عهد النبى عليه السلام تستقبل زوجها اذا دخل وتقول مرحبا بسيدى وسيد اهل بيتى وتقصد الى اخذ ردائه فتأخذه من عنقه وتعمد الى نعله فتخلعه فان رأته حزينا قالت ما يحزنك ان كان حزنك لآخرتك فزاد الله فيها وان كان لدنياك فكفاك الله فقال النبى صلى الله عليه وسلم "يا فلان اقرئها منى السلام واخبرها ان لها نصف اجر الشهيد" " . تفسير : وعلامة الزوجة الصالحة عند اهل الحقيقة ان يكون حسنها مخافة الله وغناها القناعة وحليها العفة اى التكفف عن الشرور والمفاسد وعبادتها بعد الفرائض حسن الخدمة للزوج وهمتها الاستعداد للموت شعر : اكر بارسا باشد وخوش سخن نكه درنكويى وزشتى مكن زن خوب وخوش طبع كنجست ومار رها كن زن زشت ناساز كار تفسير : يعنى لا تلتفت الى امرأة ليس لها حسن ولا موافقة لك بحسن الخلق ـ روى ـ ان الاسكندر كان يوما عنده جمع من ندمائه فقال واحد منهم ان الله تعالى اعطى لك مملكة كثيرة وشوكة وافرة فاكثر من النساء حتى يكثر اولادك ويبقوا بعدك قال الاسكندر اولاد الرجال ليست ما ذكرت بل هى العادات الحسنة والسير المرضية والاخلاق الكريمة وليس مما يليق بالرجل الشجيع ان تغلب عليه النساء بعد ان غلب هو على اهالى الدنيا ونعم ما قيل يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام شعر : جونيست بيش بدراين قدر يقين كه بسر زخيل بى خردانست ياخردمندان بسست سيرت نيكو حكيم را فرزند زبون زن جه شود براميد فرزندان تفسير : قال الشيخ السعدى قدس سره فى البستان شعر : جه نغز آمداين يك سخن زان دوتن كه سركشته بودنداز دست زن يكى كفت كس را زان بد مباد دكر كفت زن درجهان خودمباد زن نو كن اى دوست هر نوبهار كه تقويم بارين نيايد بكار تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : "ثلاثة من امتى يكونون فى جهنم كعمر الدنيا سبع مرات. اولهم متسمنون مهزولون. والثانى كاسون عارون. والثالث عالمون جاهلون" قيل من هؤلاء يا رسول الله قال "اما المتسمنون المهزولون فالنساء متسمنات باللحم مهزولات فى امور الدين واما الكاسون العارون فهن النساء كاسيات من الثياب عاريات من الحياء واما العالمون الجاهلون فهم اهل الدنيا التاجرون الكاسبون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون " .تفسير : فهؤلاء عالمون فى امور الدنيا جاهلون فى امور الآخرة لا يبالون من اين يجمعون المال وهم لا يشبعون من الحلال ولا يبالون من الحرام نعوذ بالله.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {نِحلة}: مصدر من {آتوهن}، لأنها في معنى الإيتاء، يقال: نحله كذا نحلة ونحلا؛ إذا أعطاه إياه عن طيب نفس بلا توقع عوض ولا حكم حاكم، والضمير في {منه} يعود على الصداق أو على " الإيتاء"، و {نفسًا} تمييز، و {هنيئاً مريئًا}: صفتان لمصدر محذوف، أي: أكلاً هنيئًا، وهو من هَنُؤ الطعام ومَرُؤ، إذا كان سائغًا لا تنغيص فيه، وقيل الهنيء: ما يلذه الإنسان، والمريء: ما تُحمد عاقبته. يقول الحقّ جلّ جلاله: للأزواج: {وآتوا النساء} التي تزوجتموهن {صدقَاتهن نحلة} أي: عطية مُبتلة، لا مطل فيها ولا ظلم، {فإن طِبن لكم عن شيءٍ} من الصداق: وأعطينه لكم عن طيب أنفسهن {فكلوه هنيئًا} لاتبعة عليكم فيه، {مريئًا}: سائغًا حلالاً لا شبهة فيه، رُوي أن ناسًا كانوا يتحرّجون أن يقبل أحدهم من زوجته شيئًا، فنزلت. وقيل: الخطاب للأولياء، لأن بعضهم كان يأكل صداق محجورته، فأمروا أن يعطوهن صداقهن، إلا إن أعطينَهم شيئًا عن طيب أنفسهن، والله تعالى أعلم. الإشارة: وآتوا النفوس حقوقها من الراحة وقوت البشرية، نحلة، ولا تكلفوها فوق طاقتها، فإن طبن لكم عن شيء من الأعمال أو الأحوال، بانشراح صدر ونشاط، فكلوه هنيئًا مريئاً، فإنَّ العبادة مع النشاط والفرح بالله أعظم وأقرب للدوام، وهذا في حق النفوس المطمئنة، وأما النفوس الأمارة فلا يناسبها إلا قهرية المجاهدة مع السياسة؛ لئلا تمل، أو تقول: من أقامه الحق تعالى في حال من الأحوال أو مقام من المقامات فليلزمه، وليقم حيث أقامه الحق، ويعطيه حقه، فإن طاب وقته لحال من الأحوال فليأكله هنيئًا مريئًا. فالفقير ابن وقته، ينظر ما يبرز له فيه من رزقه، فكل ما وجد فيه قلبه فهو رزقه، فليبادر إلى أكله لئلا يفوته رزقه منه. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
الجنابذي
تفسير : {وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ} ايّها الازواج {صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} منكم لهنّ اي عطيّة وفيه تنشيطاً لهم فانّ استرداد العطيّة فى غاية القبح وان كان الخطاب لاولياء النّكاح لانّهم كانوا يأخذون الصّداق لانفسهم كما هو الان كذلك في بعض الاعراب والاكراد فالمعنى آتوهنّ صدقاتهنّ ايّها الاولياء فانّها عطيّة لهنّ فليس لكم ان تأخذوها {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ} اى من الصّداق {نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً}. اعلم انّ الانسان ذو نشأةٍ محسوسةٍ وذو نشأةٍ غير محسوسةٍ وله بحسب كلّ نشأة ما ينفعه وما يضرّه وكلّ من ميّز بين النّافع والضّارّ وقدر على جلب النّافع ودفع الضّارّ يسمّى عاقلاً ورشيداً، ومن لم يميّز او لم يقدر يسمّى سفيهاً لكن لا ملازمة بين سفاهة الدّنيا وسفاهة الآخرة؛ فكم من سفيه في الدّنيا عاقل في الآخرة، وكم من عاقلٍ في الدّنيا سفيه في الآخرة فمعاوية مع كونه ملقّباً باعقل زمانه سفيه، والبهلول مع كونه مجنوناً عاقل، واختلاف الاخبار في تفسير السّفيه بمن لم يكن تصرّفه فى ماله على وجه يرتضيه العقل وبمن لم يعرف الحقّ وبشارب الخمر وبمن لم يدخل فى هذا الامر بحسب اختلاف النّشأتين، فانّ العاقل بحسب النّشأة الآخرة من عرف امامه ودخل على الوجه المقرّر فى ولايته وبايعه بالبيعة الخاصّة وقبول الدّعوة الباطنة ودخل الايمان فى قلبه ولذلك نسبوا الى شيعتهم العقل والعلم التّعلّم والعرفان وغير ذلك ممّا يدلّ على كونهم عاقلين مع انّ اكثرهم لم يكونوا من اهل العلوم الرّسميّة والعقول الدّنيويّة بل كانوا في نظر اهل الدّنيا مجانين وسفهاء كما قالوا: {أية : أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ} تفسير : [البقرة:13]،وقالوا: {أية : أَم بِهِ جِنَّةٌ}تفسير : [سبأ: 8]، وكما انّ الشّرع والعقل حاكمان بقبح اعطاء المال الدّنيوىّ للسّفيه من الاولاد والازواج او الايتام الّذين فى تربيتكم او غيرهم ممّن يضيّع المال او من لا يعرف الحقّ كذلك حاكمان بقبح اعطاء المال الاخروىّ من العلم والحكمة لمن لم يكن اهله ولم يعرف الحقّ فانّ الله يأمركم ان تؤدّوا الامانات الى اهلها يعنى لا تمنعوها اهلها فتظلموهم ولا تعطوها غير اهلها فتظلموها وتكونوا كمن علّق الدرّ على اعناق الخنازير {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ} بان تمكّنوهم فيها لتحصيل رزقهم وكسوتهم منها بالعمل فيها بحيث لم ينقص من اصل المال شيء سواء زاد فيها بعملهم اولا، وانّما قال فى الآية الآتية: وارزقوهم منها لانّ المعطى هناك من اصل المال {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} لا ازدراء فيه ولا لوم {وَ} امّا اموال التيامى فـ {ٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ}.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهنَّ نحلةً} قيل: كان الرجل يتزوج وليته ولا يعطيها مهرها فنهوا عن ذلك، وقيل: كان الرجل يزوج أخته من الرجل ويزوجه أخته على أن لا مهر بينهما وهو الشعار فنهوا عن ذلك نحلةً من الله عطيَّة من عنده وتفضلاً منه عليهنَّ وانتصابها على المصدر لأن النحلة والايتاء بمعنى الاعطاء فكأنه قيل: وانحلوا النساء صدقاتهنَّ نحلةً أي أعطوهن مهرهن عن طيب أنفسكم {فكلوه} وأنفقوه، قالوا: فإن وهبت له ثم طلبته منه علم أنها لم تطب عنه نفساً {هنيئاً مريئاً} والهنيء والمريء صفتان من هنوء الطعام ومروئه إذا كان سائغا لا تنغيص فيه، وقيل: الهنيء ما يلذه الأكل والمريء ما تحمد عاقبته، وقيل: هو ما ينساغ في مجراه، قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} روي أن رجلاً دفع إلى امرأته مالاً فوضعته في غير الحق فنزلت الآية، وقيل: نزلت في أموال الصبيان والمجانين والسفهاء المبذرين بأموالهم الذين ينفقونها في ما لا ينبغي والخطاب للأولياء وأضاف الأموال إليهم لأنها من حسن ما يقيم به الناس معائشهم كما قال الله تعالى: {أية : ولا تقتلوا أنفسكم} تفسير : [النساء: 29] قوله تعالى: {التي جعل الله لكم قياماً} أي تقومون بها وتعيشون ولو ضيعتموها لضعتم، قوله تعالى: {وارزقوهم فيها} واجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تتجروا فيها وتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح {وقولوا لهم قولاً معروفاً} عدة جميلة ان صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم، قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى} أي واختبروا عقولهم {حتى إذا بلغوا النكاح} الحلم في الغلام والحيض في الجارية {فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا} وهو الرشد في التصرف والتجارة دفعتم {إليهم أموالهم} من غير تأخير من حد البلوغ، قوله تعالى: {إسرافاً وبداراً} أي مسرفين ومبادرين {ومن كان غنيا فليستعفف} ثم قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنياً أو بين أن يكون فقيراً، فالغني يستعفف عن أكلها بما رزقه الله من الغنى والفقير يأكل قوتاً مقدراً محتاطاً في تقديره على وجه الأجرة، قوله تعالى: {فأشهدوا عليهم} بأن تسلموها وتقبضوها وبرئت عنها ذممكم، وذلك أبعد عن التخاصم والتجاحد وأدخل في الأمانة وبراءة الساحة {وكفى بالله حسيباً} أي كافياً بالشهادة.
اطفيش
تفسير : {وَآتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}: الصدقات بفتح الصاد وضم الدال: المهور، والمفرد صدقة بذلك الضبط، وذلك لغة الحجاز، وقرئ صدقاتهن بفتح الصاد وإسكان الدال تخفيفاً من ضمها، كسمرة بفتح السين وإسكان الميم، فى سمرة بفتحها وضم الميم. وقرأ قتادة: صدقاتهن بضم الصاد وإسكان الدال جمع صدقة، كغرفة، وقرأ مجاهد وابن أب عبلة: صدقاتهن بضم الصاد والدال، وإما ضم الصاد من السكون إتباعاً للدال، كغرفات، بضم الغين والراء فى جمع غرفة بضم الغين وإسكان الراء، أو جمعاً لصدقة على لغة من يضم الصاد والدال، كما قرأ ابن وثاب والنخعى: صدقاتهن بضمهما مع الإفراد. والنحلة: العطية عن طيب نفس، بلا توقع عوض وإعطاء المرأة صداقها واجب يدان به، ويكون بطيب نفس، وبل مطالبة من المرأة، وكيف إذا طلبت؟ وتفسير قتادة وابن جريح وابن زيد: {النحلة}: الفريضة تفسير بالواقع، لا بالوضع اللغوى، وذلك أن إعطاء الصداق للمرأة فريضة، وليس النحلة فى اللغة الفريضة، وكذا تفسير ابن عرفة له بالدين تفسير بالواقع، لأنه دين يدان به لله لا بالوضع اللغوى، إذ لم يوضع بمعنى الدين ولا نسلم أن انتحل تدين بل بمعنى تناول الشىء بقلبه، أو جارحته والظاهر أن مراد هؤلاء: أنه موضوع لغة للدين وللفريضة، ونصب نحلة على المفعولية المطلقة، لآتوا، لأنه بمعنى إيتاء، أو على الحالية من واو آتوهن بمعنى ناحلين، أو من صدقة بمعنى نحلة منحولة، وعلى هذا الآخر الناحل الأزواج والأولياء، والناحل: الله، أى نحلة من الله وتفضلا بها عليهن، إذ فرضها لهن، وعلى الذى قبله الناحلون الأزواج، والأولياء. وعلى تفسيره بالديانة يكون حالا من الواو، أو مفعولا لأجله أى متدينين، أو تديناً أو حالا من صدقات والخطاب فى أتوهن: للأزواج، وقيل: للأولياء، لأن العادة فى الجاهلية أن يأكل الولى صداق وليته، فإذا ولدت للرجل بنت قيل له هنياً لك النافحة، أى المكثرة لمالك، بضم صداقها إليه، واختير الأول لأنهُ لم يجز للأولياء ذكر وحر للأزواج وعليه الأكثر، قال عقبة بن عامر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن أحق الشروط أن يوفى ما استحللتم به الفروج"تفسير : . قال صهيب رضى الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أصدق امرأة صداقاً وهو مجمع على أن لا يوافيها إياه ثم مات ولم يعطها إياه، لقى الله عز وجل زانياً"تفسير : . وقيل الآية نهى عن نكاح الشغار، أى: اثبتوا للنساء صدقات، ولا يزوج أحدكم وليته لآخر بلا صداق على أن يزوج له الآخر وليتهُ بلا صداق، فإنه إذا لم يف عنهما الصداق لم يؤتهما وإذا عقد لهما أو ثبتاه. {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ}: فإن طابت النساء المتزوجات لكم يا معشر الأزواج. {عَن شَىْءٍ مِّنْهُ}: أى من الصداق المدلول عليه، بقوله صدقاتهن فى حوز عود الضمير للصدقات، فتأويل المذكور وعوده على الإيتاء المدلول عليه بآتوا، والمراد جنس الصداق ولأن كل واحدة بصداقها، ومن للبيان، أى عن شىء هو الصداق كله فيفهم منه بالأولى أنه يسوغ أن تهب بعضه أيضاً كما يسوغ أن تهبه كله، ويصح للزوج، ويجوز أن تكون للتبعيض، فيفهم بالمساواة أنه يصح أن تهبه كله للزوج فيصح لهُ، لأنه شرط طيب النفس، ومعلوم أنه مع طيبها يصح له. {نَفْساً}: تمييز محول عن الفاعل، لأن المراد بيان الجنس. {فَكُلُوهُ}: أى تصرفوا فيه بالإنفاق فى مصالحكم، استعمل لفظ الخصوص فىالعموم. {هَنِيئاً}: غير مكدر بعقاب فى الدنيا ولا فى الآخرة ولا رد. {مَّرِيئاً}: شبيهاً بالطعام اللائق بالمعدة والقلب فى مطلق الحسن والقبول ويجوز أن يكونا بمعنى أولها أو ثانيهما تأكيداً، وقيل: هنيئاً: طيباً مساغاً لا يكدره شىء كما تكدر اللقمة بالغص، ومريئا: محمود العاقبة لا ضرر فيه عليكم فى الآخرة، وقيل: الهنىء ما يلذه الإنسان، والمرىء: ما تحمد عاقبته نزلت الآية ردا على من كره هبة المرأة صداقها أو بعضه لزوجها، أو تخرج عن هبتها، فإذا وهبته بطيب نفس لزوجها صح لهُ، ولو طلبت منه رده بعد ذلك، لم يكن لها به، وكذا ما وهبت لهُ من مالها، ولو غير صداق وإن تبين أنه لم تطب، ثم طلبته رده إليها، وحكم عليه بالرد، وكذا لو وهبت له على شرط، ولم يف لها به مثل أن تهب له على أن لا يطلقها، صرحت أو علم ذلك بإمارة، أو تهب له لأنه يهددها، أو يسىء عشرتها، فإنه يرده إليها. قال ابن عباس رضى الله عنهما: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سئل عن هذه الآية فقال: "إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضى به عليكم سلطان، ولا يؤاخذكم به فى الآخرة"تفسير : .. وعن عمر بن عبد العزيز: أيما امرأة تصدقت على زوجها بطيب نفسها، فهو جائز، قال يقول: ما طابت به نفسها فى غير كره أو هوان، فقد أجل الله له ذلك. واختلف فيما إذا وهبت لزوجها، ولم تتبين إمارة الطيب ولا إمارة غيره، أو شىء مما يوجب الرد، فقيل: تحمل على الطيب، فلا يرد إليها. وقيل على غيره: فيرد إليها. روى أن عمراً رضى الله عنه كتب إلى عماله: أن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فلها ذلك. وروى أن رجلا من آل أبى معيط أعطته امرأة ألف دينار صداقاً كان لها عليه فلبث شهراً ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك ابن مروان، فقال الرجل: أعطتى طيبة بها نفسها. فقال عبد الملك: فاين الآية التى بعدها فلا تأخذوا منه شيئاً؟ اردده عليها. وروى عن الشعبى: أتى مع امرأته شريحاً فى عطية أعطتها إياه، وهى تطلب أن ترجع، فقال شريح: رد عليها. فقال الرجل: ألم يقل الله تعالى {فإن طبن لكم عن شىء منه} فقال: لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه. وعنه: قبلها وهبت ولا أقبله، لأنهن يخدعن. و{هنيئاً مريئاً}: حالان من هاء كلوه، العائد إلى الشىء أو مفعولان مطلقان نعتان لمصدر محذوف، أى فكلوه أكلا هنيئاً مريئا، وإسناد الهناءة والمراءة إلى الأكل بإسكان الكاف مجاز عقلى لأن حقيقتها للمأكول، أو مفعولان مطلقان، بمعنى المصدر على حذف مضاف، أى أكل هناءة ومراءة وناصبهما كلوه، أعنى فعل الأمر أو مفعولان مطلقان على طريق العرب، فى الدعاء لأن الله لا يوصف بالدعاء على التضرع كسقيا، كأنه قيل هناءة ومراءة ففاعلهما محذوف من لفظهما، أو مفعولان مطلقان، كذلك لكن على تقدير القول، والقول حال من واو كلوه، أى مفعولا لكم هناءة ومراءة.
اطفيش
تفسير : {وَءَاتُوا} أى أيها الأزواج {النِسَّآء} أزواجكم {صَدُقَاتِهِنَّ} مهورهن {نِحْلَةً} أى إيتاءً بطيب نفس، بلا تعرض لعوض أو حال كونكم نحلة، أى ذوى نحلة، أو حال كون صدقاتهن نحلة من الله لهن، بأن فرضها، أو نحلة ديانة أى دائنين بها، أو لأجل الديانة، قال عقبة بن عامر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من أحق الشروط أن يوّفى ما استحللتم به الفروج"تفسير : ، وعن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أصدق امرأة صداقاً وهو مجمع على ألا يوفيها إياه ثم مات، ولم يعطها إياه لقى الله عز وجل زانياً"تفسير : ، وقيل الخطاب للأولياء، كان الأولياء لا يعطون النساء شيئاً من مهورهن، وهو ضعيف، ولو شهر فعل الجاهلية، لأن الكلام جرى فى الأزواج، لا فى الأولياء، وجريانه أقوى من تلك الشهرة، وجاء منها أنه إذا ولد الرجل بنتاً قيل له هنيئاً لك النافجة، أى المكثرة لمالك، بأخذك صداقها، وكان بعض الصحابة يتحرجون عن أن يقبلوا ما تطيب به نفوس أزواجهن فنزل {فَإِن طِبنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْساً} تمييز عن الفاعل، أى طابت أنفسهن عن شىء مما ذكر من الصدقات أو ذلك المذكور من الصدقات، كما قال رؤبة: شعر : فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ كأنّهُ فِى الجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ تفسير : قيل له إن أردت كأن الخطوط فلم لم تقل كأنها، وإن أردت السواد والبلق فلم لم تقل كأنهما، فقال: أردت كأن ذلك، ويحك، أو عن شىء من الصداق بأل الجنسية الصادق على ما صدق عليه صدقات، كما يراد بالجمع المقرون بأل، أو المضاف الحقيقة الصادقة بالفرد، يراد بالمفرد الجمع إذا قرن بأل أو أضيف أو عن شىء من الإيتاء المدلول عليه بآتوا، وكما يجوز أن تطيب نفسها عن بعض الصداق فيحل له، كذلك يجوز أن تطيب عنه كله {فَكُلُوهُ} خذوه وتصرفوا فيه بما شئتم {هَنِيئاً مَّرِيئاً} أكلا هنيئاً مريئاً، أو أهنأوا به هنيئاً وامرأوا به مريئاً، كسقيا لزيد، أو حال كونه هنيئاً مريئاً، وذلك تشبيه بما لم يتكدر من الطعام بسوء، والتذٌ به ومرأ فى البطن لاق به وهضم وحمدت عاقبته.
الالوسي
تفسير : {وَءاتُواْ ٱلنّسَاء} أي اعطوا النساء اللاتي أمر بنكاحهن {صَدُقَـٰتِهِنَّ} جمع صدقة بفتح الصاد وضم الدال، وهي كالصداق بمعنى المهر، وقرىء صدقاتهنّ بفتح الصاد وسكون الدال، وأصلها بضم الدال فخففت بالتسكين، وصدقاتهن بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة بوزن غرفة، وقرىء صدقتهن بضم الصاد والدال على التوحيد، وأصله صدقة بضم الصاد وسكون الدال فضمت الدال اتباعاً لضم الأول كما يقال: ظلمة وظلمة. {نِحْلَةً} أي فريضة قاله ابن عباس وابن زيد وابن جريج وقتادة فانتصابها على الحالية من الصدقات أي أعطوهن مهورهنّ حال كونها فريضة من الله تعالى لهنّ. وقال الزجاج، وابن خالويه: تدينا فانتصابها على أنها مفعول له أي أعطوهنّ ديانة وشرعة، وقال الكلبـي: هبة وعطية من الله وتفضلاً منه تعالى عليهن فانتصابها على الحالية من الصدقات أيضاً، وقيل عطية من الأزواج لهنّ فانتصابها على المصدر، أو على الحالية من ضمير آتوا أو من النساء أو من صدقاتهنّ. واعترض بأن الحال قيد للعامل فيلزم هنا كون الإيتاء قيداً للإيتاء والشيء لا يكون قيداً لنفسه، وأجيب بأن النحلة ليست مطلق الإيتاء بل هي نوع منه، وهو الإيتاء عن طيب نفس، فالمعنى أعطوهنّ صدقاتهنّ طيبـي النفوس بالإعطاء، أو معاطاة عن طيب نفس، وعليه فالمصدر مبين للنوع. فإن قلت إن النحلة أخذ في مفهومها أيضاً عدم العوض فكيف يكون المهر بلا عوض وهو في مقابلة البضع والتمتع به؟ أجيب بأنه لما كان للزوجة في الجماع مثل ما للزوج أو أزيد وتزيد عليه بوجوب النفقة والكسوة كان المهر مجاناً لمقابلة التمتع بتمتع أكثر منه، وقيل: إن الصداق كان في شرع من قبلنا للأولياء بدليل قوله تعالى: {أية : إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ} تفسير : [القصص: 27] الخ، ثم نسخ فصار ذلك عطية اقتطعت لهنّ فسمي نحلة، وأيد ـ غير واحد ـ قول الكلبـي: بأن ما وضع له لفظ النحلة هو العطية من غير عوض كما ذهب إليه جماعة منهم الرماني، وجعل من ذلك النحلة للديانة لأنها كالنحلة التي هي عطية من الله تعالى والنحل للدبر لما يعطي من العسل، والناحل للمهزول لأنه يأخذ لحمه حالاً بعد حال كأنه المعطيه بلا عوض، والمنحول من الشعر لأنه نحلة الشاعر ما ليس له، وحينئذٍ فمن فسر النحلة بالفريضة نظر إلى أن هذه العطية فريضة، والخطاب على ما هو المتبادر للأزواج، وإليه ذهب ابن عباس وجماعة، واختاره الطبري والجبائي وغيرهما قيل: كان الرجل يتزوج بلا مهر يقول: أرثك وترثيني؟ فتقول: نعم، فأمروا أن يسرعوا إلى إعطاء المهور، وقيل: الخطاب لأولياء النساء فقد أخرج ابن حميد وابن أبـي حاتم عن أبـي صالح قال: كان الرجل إذا زوج أيماً أخذ صداقها دونها فنهاهم الله تعالى عن ذلك ونزلت {وَءاتُواْ ٱلنّسَاء} الخ، وروى ذلك الجارود من الإمامية عن الباقر رضي الله تعالى عنه، وهذه عادة كثير من العرب اليوم، وهو حرام كأكل الأزواج شيئاً من مهور النساء بغير رضاهنّ. {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ} الضمير للصدقات وتذكيره لإجرائه مجرى ذلك فإنه كثيراً ما يشار به إلى المتعدد كقوله تعالى: {أية : قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذٰلِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 15] بعد ذكر الشهوات المعدودة، وقد روي عن أبـي عبيدة أنه قال: قلت لرؤبة في قوله:شعر : فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق تفسير : إن أردت الخطوط: فقل كأنها، وإن أردت السواد والبلق فقل كأنهما، فقال: أردت كأن ذلك ويلك، أو للصداق الواقع موقعه صدقاتهن كأنه قيل: ـ وآتوا النساء صداقهن ـ والحمل على المعنى كثير، ومنه قوله تعالى: {أية : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن } تفسير : [المنافقون: 10] حيث عطف على ما دل عليه المذكور ووقع موقعه، أو للصداق الذي في ضمن الجمع لأن المعنى آتوا كل واحدة من النساء صداقاً، وقيل: الضمير عائد إلى الإيتاء، واعترض بأنه إنما يستقيم إذا أريد به المأتى، ورجوع ضمير إلى مصدر مفهوم، ثم تأويل ذلك المصدر بمعنى المفعول لا يخلو عن بعد، واللام متعلقة بالفعل وكذا عن بتضمينه معنى التجافي والتباعد، وإلا فأصله أن يتعدى لمثل ذلك بالباء كقوله:شعر : وما كاد نفساً بالفراق تطيب تفسير : و ـ من ـ متعلقة بمحذوف وقع صفة لشيء أي كائن من الصداق، وفيه بعث لهنّ على تقليل الموهوب حتى نقل عن الليث أنه لا يجوز تبرعهن إلا باليسير ولا فرق بين المقبوض وما في الذمة إلا أن الأول هبة والثاني إبراء، ولذلك تعامل الناس على التعويض فيه ليرتفع الخلاف. {نَفْساً} تمييز لبيان الجنس ولذا وحد، وتوضيح ذلك على ما ذكره بعض المحققين أن التمييز ـ كما قاله النحاة ـ إن اتحد معناه بالمميز وجبت المطابقة نحو كرم الزيدون رجالاً كالخبر والصفة والحال، وإلا فإن كان مفرداً غير متعدد وجب إفراده نحو ـ كرم بنو فلان أباً ـ إذ المراد أن أصلهم واحد متصف بالكرم فإن تعدد وألبس وجب خلفه بظاهر نحو ـ كرم الزيدون آباءاً ـ إذا أريد أن لكل منهم أباً كريماً إذ لو أفرد توهم أنهم من أب واحد، والغرض خلافه وإن لم يلبس جاز الأمران، ومصحح الإفراد عدم الإلباس كما هنا لأنه لا يتوهم أن لهن نفساً واحدة ومرجحه أنه الأصل مع خفته ومطابقته لضمير {مِنْهُ}، وهو اسم جنس والغرض هنا بيان الجنس، والواحد يدل عليه كقولك: عشرون درهماً، والمعنى فإن وهبن لكم شيئاً من الصداق متجافياً عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى البذل من شكاسة أخلاقكم وسوء معاملتكم، وإنما أوثر ما في النظم الكريم دون فإن وهبن لكم شيئاً منه عن طيب نفس إيذاناً بأن العمدة في الأمر طيب النفس وتجافيها عن الموهوب بالمرة حيث جعل ذلك مبتدأً وركناً من الكلام لا فضلة كما في التركيب المفروض. {فَكُلُوهُ} أي فكلوا ذلك الشيء الذي طابت لكم عنه نفوسهن وتصرفوا فيه تملكاً، وتخصيص الأكل بالذكر لأنه معظم وجوه التصرفات المالية. {هَنِيئاً مَّرِيئاً} صفتان من ـ هنؤ الطعام يهنؤ هناءة ومرؤ يمرؤ مراءة ـ إذا لم يثقل على المعدة وانحدر عنها طيباً. وفي «الصحاح» نقلاً عن الأخفش يقال: هنؤ وهنىء. ومرؤ ومرىء، كما يقال: فقه وفقه ـ بكسر القاف وضمها ـ ويقال: هنأني الطعام يهنئني ويهنأني ولا نظير له في المهموز هنأ وهنأ، وتقول: هنئت الطعام أي تهنأت به وكذا يقال: مرأني الطعام يمرأ مرءاً، وقال بعضهم: أمرأني، وقال الفراء: يقال: هنأني الطعام ومرأني بغير ألف فإذا أفردوها عن هنأني قالوا: أمرأني، وقيل الهنىء الذي يلذه الآكل، والمرىء ما تحمد عاقبته، وقيل: ما ينساغ في مجراه الذي هو المرىء كأمير ـ وهو رأس المعدة، والكرش اللاصق بالحلقوم سمي به لمرور الطعام فيه أي انسياغه، وانتصابهما ـ كما قال الزمخشري ـ على أنهما صفتان للمصدر أي أكلاً هنيئاً مريئاً ووصف المصدر بهما كما قال السعد: على الإسناد المجازي إذ الهنىء حقيقة هو المأكول أو على أنهما حالان من الضمير المنصوب أي كلوه وهو هنيء مريء، وقد يوقف على كلوه ويبتدأ هنيئاً مريئاً على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل: هنأ مرأ، وأورد على ذلك مع أن الدعاء لا يكون من الله تعالى حتى أولوه أنه تحريف لكلام النحاة ومخالفة لهم، فإنهم يجعلون انتصاب {هَنِيئَاً} على الحال، و {مَّرِيئاً} إما على الحال، وإما / على الوصف، ويدل على فساد ما خرّجه الزمخشري ـ وصحة قول النحاة ـ ارتفاع الأسماء الظاهرة بعد {هَنِيئاً مَّرِيئاً}، ولو كانا منتصبين انتصاب المصادر المراد بها الدعاء لما جاز ذلك فيها كما لا يجوز أن يقال: في سقيا لك ورعيا سقيا الله تعالى لك ورعيا الله لك، وإن كان ذلك جائزاً في فعله، والدليل على جواز رفع الأسماء الظاهرة بعدهما قول كثير:شعر : (هنيئاً مريئاً) غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلت تفسير : فإن (ما) مرفوعة بما تقدم من {هَنِيئَاً} أو {مَّرِيئاً} على طريق الإعمال، وجاز الإعمال في هذه المسألة، وإن لم يكن بينهما رابط عطف لكون مريئاً في الغالب لا يستعمل إلا تابعاً لهنيئاً فصارا كأنهما مرتبطان لذلك ورد بأن سيبويه قال: هنيئاً مريئاً صفتان نصبهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره المختزل لدلالة الكلام عليه، وفيه أنه ليس بنص فيما ذهب إليه الزمخشري لاحتمال أنه أراد أنهما صفتان منصوبان على الحالية، والعامل فيهما فعل محذوف يدل الكلام عليه كالمصادر المدعو بها في أنها معمولة لفعل محذوف يدل الكلام عليه، ويؤيد ذلك أنه قال بعد ذلك كأنهم قالوا: ثبت ذلك هنيئاً فإن هذا مما يقال: على تقدير إقامتهما مقام المصدر، ومن هنا قال السفاقسي: إن مذهب سيبويه والجماعة أنهما حال منصوب بفعل مقدر محذوف وجوباً لقيامهما مقامه كقولك: أقائماً وقد قعد الناس، واعترض بهذا على ما تقدم من احتمال جعلهما حالاً من الضمير المنصوب في (كلوه) إذ عليه يكونان من جملة أخرى لا تعلق لهما ـ بكلوا ـ من حيث الإعراب. واعترض أيضاً على الاستدلال بالبيت على رفع الظاهر بهما بأنه لا يتم لجواز أن تكون (ما) مرفوعة بالابتداء ولعزة خبره، أو مرفوعة بفعل مقدر، وكيفما كان الأمر يكون قوله سبحانه ذلك عبارة عن التحليل والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة، وفي «كتاب العياشي» من الإمامية مرفوعاً إلى عليّ كرم الله تعالى وجهه أنه جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن في بطني وجعاً فقال: ألك زوجة؟ قال: نعم. قال: استوهب منها شيئاً طيبة به نفسها من مالها ثم اشتر به عسلاً ثم اسكب عليه من ماء السماء ثم اشربه فإني سمعت الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: {أية : وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء مُّبَـٰرَكاً} تفسير : [قۤ: 9] وقال تعالى: {أية : يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ} تفسير : [النحل: 69] وقال عز شأنه: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} فإذا اجتمعت البركة والشفاء والهنىء والمرىء شفيت إن شاء الله تعالى ففعل الرجل ذلك فشفي، وأخرج عبد بن حميد وغيره من أصحابنا عن علي كرم الله تعالى وجهه ما يقرب من هذا بلفظ إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحوها فليشتر بها عسلاً وليأخذ من ماء السماء فيجمع هنياً مريئاً وشفاءً ومباركاً. وأخرج ابن جرير عن حضرمي أن أناساً كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما ساقه إلى امرأته فنزلت هذه الآية، وفيها دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط حيث بني الشرط على طيب النفس وقلما يتحقق ولهذا كتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى قضاته أن النساء تعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها. وحكى الشعبـي أن رجلاً أتى مع امرأته شريحاً في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع فقال شريح: ردها عليها فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ} قال: لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه، وعنه أقيلها فيما وهبت ولا أقيله لأنهن يخدعن والذي عليه الحنفيون أن الزوجة إذا وهبت شيئاً للزوج ليس لها الرجوع / فيه بل ذكر ابن هبيرة اتفاق الأئمة الأربعة على أنه ليس لأحد من الزوجين الرجوع فيما وهب لصاحبه.
ابن عاشور
تفسير : جانبان مُسْتَضْعَفَان في الجاهلية: اليتيم، والمرأة. وحقّان مغبون فيهما أصحابهما: مال الأيتام، ومال النساء، فلذلك حرسهما القرآن أشدّ الحراسة فابتدأ بالوصاية بحق مال اليتيم، وثنّى بالوصاية بحقّ المرأة في مال ينجرّ إليها لا محالة، وكان توسّط حكم النكاح بين الوصايتين أحسن مناسبة تهَيّىء لعطف هذا الكلام. فقوله: {وآتوا النساء} عطف على قوله:{أية : وآتوا اليتامى أموالهم}تفسير : [النساء: 2] والقول في معنى الإيتاء فيه سواء. وزاده اتّصالاً بالكلام السابق أنّ ما قبله جرى على وجوب القسط في يتامى النساء، فكان ذلك مناسبة الانتقال. والمخاطَب بالأمر في أمثال هذا كلّ من له نصيب في العمل بذلك، فهو خطاب لعموم الأمّة على معنى تناوله لكلّ من له فيه يد من الأزواج والأولياء ثم ولاة الأمور الذين إليهم المرجع في الضرب على أيدي ظلمة الحقوق أربابَها. والمقصود بالخطاب ابتداء هم الأزواج، لكيلا يتذرّعوا بحياء النساء وضعفهنّ وطلبهنّ مرضاتَهم إلى غمص حقوقهنّ في أكل مهورهنّ، أو يجعلوا حاجتهنّ للتزوّج لأجل إيجاد كافل لهنّ ذريعة لإسقاط المهر في النكاح، فهذا ما يمكن في أكل مهورهنّ، وإلاّ فلهنّ أولياء يطالبون الأزواج بتعيين المهور، ولكن دون الوصول إلى ولاة الأمور متاعب وكلف قد يملّها صاحب الحقّ فيترك طلبه، وخاصّة النساء ذوات الأزواج. وإلى كون الخطاب للأزواج ذهب ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وابن جريج، فالآية على هذا قرّرت دفع المهور وجعلته شرعاً، فصار المهر ركناً من أركان النكاح في الإسلام، وقد تقرّر في عدّة آيات كقوله: {أية : فآتوهن أجورهن فريضة}تفسير : وغير ذلك [النساء: 24]. والمهر علامة معروفة للتفرقة بين النكاح وبين المخادنة، لكنّهم في الجاهلية كان الزوج يعطي مالاً لولي المرأة ويسمّونه حلواناً ـــ بضم الحاء ـــ ولا تأخذ المرأة شيئاً، فأبطل الله ذلك في الإسلام بأن جعل المال للمرأة بقوله: {وآتوا النساء صداقتهن}. وقال جماعة: الخطاب للأولياء، ونقل ذلك عن أبي صالح قال: لأنّ عادة بعض العرب أن يأكل وليّ المرأة مهرها فرفع الله ذلك بالإسلام. وعن الحضرمي: خاطبتْ الآية المتشاغرين الذين كانوا يتزوّجون امرأة بأخرى، ولعلّ هذا أخذ بدلالة الإشارة وليس صريحَ اللفظ، وكل ذلك ممّا يحتمله عموم النساء وعموم الصدقات. والصدُقات جمع صدُقة ـــ بضمّ الدال ـــ والصدُقة: مهر المرأة، مشتقّة من الصدق لأنّها عطية يسبقها الوعد بها فيصدقه المعطي. والنِّحلة ـــ بكسر النون ـــ العطيّة بلا قصد عوض، ويقال: نُحْل ـــ بضم فسكون ـــ. وانتصب نحلة على الحال من «صدقاتهنّ»، وإنّما صحّ مجيء الحال مفردة وصاحبها جمع لأنّ المراد بهذا المفرد الجنس الصالح للأفراد كلّها، ويجوز أن يكون نِحلة منصوباً على المصدرية لآتوا لبيان النوع من الإيتاء أي إعطاءَ كرامة. وسمّيت الصدُقات نحلة إبعاداً للصدقات عن أنواع الأعواض، وتقريباً بها إلى الهدية، إذ ليس الصداق عوضاً عن منافع المرأة عند التحقيق، فإنّ النكاح عقد بين الرجل والمرأة قصد منه المعاشرة، وإيجاد آصرة عظيمة، وتبادل حقوق بين الزوجين، وتلك أغلى من أن يكون لها عوض مالي، ولو جعل لكان عوضُها جزيلاً ومتجدّداً بتجدّد المنافع، وامتداد أزمانها، شأن الأعواض كلّها، ولكنّ الله جعله هدية واجبة على الأزواج إكراماً لزوجاتهم، وإنّما أوجبه الله لأنّه تقرّر أنّه الفارق بين النكاح وبين المخادنة والسفاح، إذ كان أصل النكاح في البشر اختصاص الرجل بامرأة تكون له دون غيره، فكان هذا الاختصاص يُنال بالقُوّة، ثمّ اعتاض الناس عن القوّة بذْل الأثمان لأولياء النساء ببيعهم بناتهم ومَوْلَيَاتِهم، ثمّ ارتقى التشريع وكمُل عقد النكاح، وصارت المرأة حليلة الرجل شريكته في شؤونه وبقيت الصدُقات أمارات على ذلك الاختصاص القديم تميّز عقد النكاح عن بقية أنواع المعاشرة المذمومة شرعاً وعادة، وكانت المعاشرة على غير وجه النكاح خالية عن بذل المال للأولياء إذ كانت تنشأ عن الحبّ أو الشهوة من الرجل للمرأة على انفراد وخفية من أهلها، فمن ذلك الزنى الموقّت، ومنه المخادنة، فهي زنا مستمرّ، وأشار إليها القرآن في قوله: {أية : محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان}تفسير : [النساء: 25] ودون ذلك البغاء وهو الزنا بالإماء بأجور معيّنة، وهو الذي ذكر الله النهي عنه بقوله: {أية : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا}تفسير : [النور: 33] وهنالك معاشرات أخرى، مثل الضماد وهو أن تتّخذ ذات الزوج رجلاً خليلاً لها في سنة القحط لينفق عليها مع نفقة زوجها. فلأجل ذلك سمّى الله الصداق نِحلة، فأبعد الذين فسّروها بلازم معناها فجعلوها كناية عن طيب نفس الأزواج أو الأولياء بإيتاء الصدقات، والذين فسروها بأنّها عطية من الله للنساء فرضها لهنّ، والذين فسّروها بمعنى الشرع الذي يُنتحل أي يُتَّبع. وقوله: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً} الآية أي فإن طابت أنفسهنّ لكم بشيء منه أي المذكور. وأفرد ضمير «منه» لتأويله بالمذكور حملاً على اسم الإشارة كما قال رؤبة:شعر : فيها خُطوط من سواد وبلَق كأنَّه في الجِلد توليع البَهَق تفسير : فقال له أبو عبيدة: إمّا أن تقول: كأنّها إن أردت الخطوط، وإما أن تقول: كأنّهما إن أردت السواد والبلَق فقال: أردْتُ كأنّ ذلك، ويْلَك أي أجرى الضمير كما يُجرى اسم الإشارة. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : عوان بين ذلك} تفسير : في سورة البقرة (68). وسيأتي الكلام على ضمير (مثله) عند قوله تعالى: {أية : ومثله معه ليفتدوا به} تفسير : في سورة العقود (36). وجيء بلفظ «نفساً» مفرداً مع أنّه تمييز نسبة {طبن} إلى ضمير جماعة النساء لأنّ التمييز اسم جنس نكرة يستوي فيه المفرد والجمع. وأسند الطيب إلى ذوات النساء ابتداء ثم جيء بالتمييز للدلالة على قوّة هذا الطيب على ما هو مقرّر في علم المعاني: من الفرق بين واشتعل الرأس شيباً وبين اشتعل شيب رأسي، ليعلم أنه طيب نفس لا يشوبه شيء من الضغط والإلجاء. وحقيقة فعل (طاب) اتّصاف الشيء بالملاءمة للنفس، وأصله طيب الرائحة لحسن مشمومها، وطيب الريح موافقتها للسائر في البحر: {أية : وجرين بهم بريح طيّبة}تفسير : [يونس: 22]، ومنه أيضاً ما ترضى به النفس كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً}تفسير : [البقرة: 168] ثم استعير لما يزكو بين جنسه كقوله: {أية : ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب}تفسير : [النساء: 2] ومنه فعل {طبن لكم عن شيء منه نفساً} هنا أي رضين بإعطائه دون حرج ولا عسف، فهو استعارة. وقوله: {فكلوه} استعمل الأكل هنا في معنى الانتفاع الذي لا رجوع فيه لصاحب الشيء المنتفع به، أي في معنى تمام التملّك. وأصل الأكل في كلامهم يستعار للاستيلاء على مال الغير استيلاء لا رجوع فيه، لأنّ الأكل أشدّ أنواع الانتفاع حائلاً بين الشيء وبين رجوعه إلى مستحقّه. ولكنّه أطلق هنا على الانتفاع لأجل المشاكلة مع قوله السابق: {أية : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}تفسير : [النساء: 2] فتلك محسّن الاستعارة. و{هنيئاً مريئاً} حالان من الضمير المنصوب وهما صفتان مشبّهتان من هنَا وهَنِيء ـــ بفتح النون وكسرها ـــ بمعنى ساغ ولم يعقب نغصاً. والمريء من مُرو الطعام ـــ مثلث الراء ـــ بمعنى هنىء، فهو تأكيد يُشبه الاتباع. وقيل: الهنيء الذي يلذّه الآكل والمريء ما تحمد عاقبته. وهذان الوصفان يجوز كونهما ترشيحاً لاستعارة {كلوه} بمعنى خذوه أخذ ملك، ويجوز كونهما مستعملين في انتفاء التبعة عن الأزواج في أخذ ما طابت لهم به نفوس أزواجهم، أي حلالاً مباحاً، أو حلالاً لا غرم فيه. وإنّما قال: {عن شيء منه} فجيء بحرف التبعيض إشارة إلى أن الشأن أنّ لا يَعرى العقد عن الصداق، فلا تسقطه كلّه إلاّ؛ أنّ الفقهاء لمّا تأوّلوا ظاهر الآية من التبعيض، وجعلوا هبة جميع الصداق كهبته كلّه أخذاً بأصل العطايا، لأنّها لمّا قبضته فقد تقرّر ملكها إيّاه، ولم يأخذ علماء المالكية في هذا بالتهمة لأنّ مبنى النكاح على المكارمة، وإلاّ فإنّهم قالوا في مسائل البيع: إنّ الخارج من اليد ثم الراجع إليها يعتبر كأنّه لم يخرج، وهذا عندنا في المالكات أمر أنفسهنّ دون المحجورات تخصيصاً للآية بغيرها من أدلّة الحجر فإنّ الصغيرات غير داخلات هنا بالإجماع. فدخل التخصيص للآية. وقال جمهور الفقهاء: ذلك للثيّب والبكر، تمسّكاً بالعموم. وهو ضعيف في حمل الآدلّة بعضها على بعض. واختلف الفقهاء في رجوع المرأة في هبتها بعضَ صداقها: فقال الجمهور: لا رجوع لها، وقال شريح، وعبد الملك بن مروان: لها الرجوع، لأنّها لو طابت نفسها لما رجعت. ورووا أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى قضاته «إنّ النساء يعطين رغبة ورهبة فأيّما امرأة أعطته، ثمّ أرادت أن ترجع فذلك لها» وهذا يظهر إذا كان ما بين العطيّة وبين الرجوع قريباً، وحدث من معاملة الزوج بعد العطيّة خلاف ما يؤذن حسن المعاشرة السابق للعطيّة. وحكم هذه الآية ممّا أشار إليه قوله تعالى: {أية : وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء}تفسير : [النساء: 1].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 4- وأعطوا النساء مهورهن عطية خالصة، وليس لكم حق فى شئ من هذه المهور، فإن طابت نفوسهن بالنزول عن شئ من المهر فخذوه وانتفعوا به طيباً محمود العاقبة. 5- ولا تعطوا ضعاف العقول ممن لا يحسنون التصرف فى المال أموالهم التى هى أموالكم، فإن مال اليتيم وضعيف العقل مالكم، يعنيكم أمره وإصلاحه حتى لا يضيع المال، فقد جعله الله قوام الحياة، وأعطوهم من ثمراتها النصيب الذى يحتاجون إليه فى الطعام، واكسوهم وعاملوهم بالحسنى، وقولوا لهم: قولاً يرضيهم ولا يؤذيهم ولا يذلُّهم. 6- واختبروا عقول اليتامى وتبينوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ، حتى إذا أصبحوا صالحين للزواج وتبينتم رشدهم وسدادهم فادفعوا إليهم أموالهم، ولا تأكلوها مسرفين مستعجلين الانتفاع بها قبل أن يبلغوا وتُردُّ إليهم. ومن كان من الأوصياء عليهم غنياً فليتعفف عن أموال اليتامى، ومن كان فقيراً فليكتف بقدر ما يكفيه عُرْفاً، فإذا سلمتموهم أموالهم فأشهدوا عليهم، والله من ورائكم هو المحاسب والمراقب، وكفى به حسيباً ومراقباً. 7- للرجال نصيب من الأموال التى يتركها الوالدان والأقربون - ميراثاً - وللنساء أيضاً نصيب مما ترك هؤلاء دون منع أو بخس، وهذه الأنصبة الثابتة مفروضة ومقدرة سواء قَلَّتْ الأموال أو كثرت.
القطان
تفسير : صدقاتهن: مهورهن. نحلة: عطية عن طيب نفس. الخطاب للأزواج، وأعطوا النساء مهورهن عطية خالصة، ليس لكم فيها شيء. فإن طابت نفوسهن بأعطائكم شيئا منها دون اجبار ولا خديعة فكلوا هنيئا طيبا، محمود العاقبة. وعلى هذا لا يجوز للرجل ان يأخذ لنفسه أو ينقص شيئاً من مهر زوجته الا اذا علم ان نفسها طيبة به، لأن العلاقات بين الزوجين ينبغي ان تقوم على السماحة النابعة من القلب، والود الذي لا يبقى معه حرج.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَآتُواْ} {صَدُقَاتِهِنَّ} {مَّرِيئاً} (4) - وَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أنْ يُعْطِيَ المَرْأَةَ مَهْرَهَا طَيِّباً نَفْساً بِذَلِكَ، لِيَكُونَ رَمْزاً لِلْمَوَدَّةِ التِي يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا، فَإنْ تَنَازَلَتِ المَرْأَةُ عَنْ شَيءٍ مِنْ مَهْرِهَا لِلرَّجُلِ مِنْ بَعْدِ فَرْضِ المَهْرِ، عَنْ طِيبِ خَاطِرٍ مِنْهَا، وَرِضَا نَفْسٍ، دُونَ ضِرَارٍ أوْ تَهْدِيدٍ أوْ خَدِيعَةٍ، فَلاَ بَأْسَ عَلَيهِ في ذَلِكَ، وَلْيَأكُلْهُ حَلاَلاً طَيِّباً. (وَعَلَى هَذا فَلاَ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَأكُلَ مَالَ المَرْأَةِ أوْ شَيئاً مِنْهُ إلاَّ إذا عَلِمَ أنَّ نَفْسَهَا طَيِّبَةٌ بِذَلِكَ، فَإنْ طَلَبَ مِنْهَا شَيْئاً وَحَمَلَهَا الخَوْفُ أوِ الخَجَلُ عَلَى إعْطَاءِ مَا طَلَبَ فَلاَ يَحِلُّ لَهُ). الصَّدُقَاتُ - المُهُورُ. نِحْلَةً - العَطَاءَ عَن ْطِيبِ خَاطِرٍ. طَابَ بِهِ نَفْساً - أعْطَاهُ عَنْ طِيبِ خَاطِرٍ. الهَنِيءُ - مَا يُسْتَلَذُّ أكْلُهُ. المَرِيءُ - مَا حَسُنَتْ عَاقِبَتُهُ هَضْماً وَغِذَاءً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والمقصود بـ {صَدُقَاتِهِنَّ ..} [النساء: 4] هو المهور، و "النِّحلة" هي العطية، وهل الصداق عطية؟ لا. إنه حق وأجر بضع. ولكن الله يريد أن يوضح لنا: أي فليكن إيتاء المهور للنساء نحلة، أي وازع دين لا حكم قضاء، والنحلة هي العطية. وانظر إلى اللمسات الإلهية والأداء الإلهي للمعاني، لأنك إن نظرت إلى الواقع فستجد الآتي: الرجل يتزوج المرأة، وللرجل في المرأة متعة، وللمرأة أيضاً متعة أي أن كُلاً منهما له متعة وشركة في ذلك، وفي رغبة الإنجاب، وكان من المفترض ألا تأخذ شيئاً، لأنها ستستمتع وأيضاً قد تجد ولداً لها، وهي ستعمل في المنزل والرجل سيكدح خارج البيت، ولكن هذه عطية قررها الله كرامة للنساء {وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة ..} [النساء: 4] والأمر في {آتُواْ ..} [النساء: 4] لمَنْ؟ إما أن يكون للزوج فقوله: {وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ ..} [النساء: 4] يدل على أن المرأة صارت زوجة الرجل، وصار الرجل ملزماً بالصداق ومن الممكن أن يكون ديناً إذا تزوجها بمهر في ذمته يؤديه لها عند يساره، وإمّا أن يكون الأمر لولي أمرها فالذي كان يزوجه أخته مثلاً، كان يأخذ المهر له ويتركها دون أن يعطيها مهرها، والأمر في هذه الآية - إذن - إما أن يكون للأزواج وإما أن يكون للأولياء. وحين يُشَرِّع الحق لحماية الحقوق فإنه يفتح المجال لأريحيات الفضل. لذلك يقول: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} [النساء: 4]. لقد عرّف الحق الحقوق أولاً بمخاطبة الزوج أو ولي الأمر في أن مهر الزوجة لها لأنه أجر البضع. ولكنه سبحانه فتح باب أريحية الفضل فإن تنازلت الزوجة فهذا أمر آخر، وهذا أدعى أن يؤصل العلاقة الزوجية وأن يؤدم بينهما. والمراد هنا هو طيب النفس، وإياك أن تأخذ شيئاً من مهر الزوجة التي تحت ولايتك بسبب الحياء، فالمهم أن يكون الأمر عن طيب نفس. {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} [النساء: 4] والهنيء هو الشيء المأكول وتستسيغه حين يدخل فمك. لكنك قد تأكل شيئاً هنيئاً في اللذة وفي المضغ وفي الأكل ولكنه يورث متعبة صحية. إنه هنيء لكنه غير مريء. والمقصود هو أن يكون طيب الطعم وليس له عواقب صحية رديئة. وهو يختلف عن الطعام الهنيء غير المريء الذي يأكله الإنسان فيطلب من بعده العلاج. إذن فكل أكل يكون هنيئاً ليس من الضروري أن يكون مريئاً. وعلينا أن نلاحظ في الأكل أن يكون هنيئاً مريئاً. والإمام عليّ - رضوان الله عليه وكرم وجهه - جاء له رجل يشتكي وجعاً، والإمام عليّ - كما نعرف - مدينة العلم والفتيا، وهبه الله مقدرة على إبداء الرأي والفتوى. لم يكن الإمام عليّ طبيباً. لكن الرجل كان يطلب علاجاً من فهم الإمام عليّ وإشراقاته. قال الإمام عليّ للرجل: خذ من صداق امرأتك درهمين واشتر بهما عسلاً، وأذب العسل في ماء مطر نازل لساعته - أي قريب عهد بالله - واشربه فإني سمعت الله يقول في الماء ينزل من السماء: {أية : وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً ..} تفسير : [ق: 9]. وسمعته سبحانه وتعالى يقول في العسل: {أية : فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ..} تفسير : [النحل: 69]. وسمعته يقول في مهر الزوجة: {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} [النساء: 4]. فإذا اجتمع في دواء البركة والشفاء الهنيء والمريء عافاك الله إن شاء الله. لقد أخذ الإمام عليّ - رضوان الله عليه وكرّم وجهه - عناصر أربعة ليمزجها ويصنع منها دواءً ناجعاً، كما يصنع الطبيب العلاج من عناصر مختلفة وقد صنع الإمام عليّ علاجاً من آيات القرآن. وبعد ذلك ينتقل الحق إلى قضايا اليتامى والسفهاء والمال والوصاية والقوامة، فيقول سبحانه: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً} معناهُ أَعْطُوا وصَدُقَاتُهِنَّ: مُهُورُهنَّ. ونِحْلَةٌ. عَنْ طِيبِ نَفْسٍ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} إذا أردتم النكاح أيها المسلمون {ءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ} الحرائر، والإماء لغيركم {صَدُقَٰتِهِنَّ} أي: مهورهن {نِحْلَةً} بَتةً مؤبداً بلا حيلة وخديعة {فَإِن طِبْنَ} هن {لَكُمْ} لإفراط محبتكم في قلوبهن {عَن شَيْءٍ} كلٍ أو بعضٍ {مِّنْهُ} أي: من المهر {نَفْساً} رغبةً ورضاً، لا كرهاً واستحياء {فَكُلُوهُ} أي: الشيء الموهوب من المهر {هَنِيئاً} حلالاً {مَّرِيئاً} [النساء: 4] طيباً؛ تقويماً لمزاجكم؛ لإقامة القسط والعدل الذي هو من حدود الله المتعلقة بالقتوى. {وَ} أيضاً من جملة الحقوق المتعلقة بالتقوى أيها الأولياء أن {لاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ} سواء كانوا من أصلابكم وما ينتمي إليكم، وهم الذين خرجوا عن طور العقل ومرتبة التدبير والتكليف {أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ} ملكاً {لَكُمْ} أيها العقلاء المكلفون {قِيَٰماً} سبباً لقيامكم على الطاعة والعبادة {وَ} لكن {ٱرْزُقُوهُمْ} أي: اجعلوا طعامهم وسائر حوائجهم في مدة أعمالهم {فِيهَا} في ربحها ونمائها {وَٱكْسُوهُمْ} أيضاً منها {وَ} إن كان منهم له أدنى شعور بأمر الإضافة والتمليك، ولكن لا ينتهي إلى التدبير والتصرف المشروع {قُولُواْ لَهُمْ} لهؤلاء المخطئين من مرتبة العقلاء {قَوْلاً مَّعْرُوفاً} [النساء: 5] مستحسناً عقلاً وشرعاً؛ لئلا ينكسر قلوبهم. {وَ} أيضاً من جملة الأمور التي وجب حفظها: ابتلاء أو رشد اليتامى قبل أداء أموالهم إليهم {ٱبْتَلُواْ} اختبروا وجربوا أيها الأولياء عقول {ٱلْيَتَامَىٰ} وتدابيرهم في التصرفات الجارية بين أصحاب المعاملات {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} أي: السن المعتبر في باب النكاح، هو خمسة عشر عند الشافعي - رحمة الله عليه - وثمانية عشر عند أبي حنيفة {فَإِنْ آنَسْتُمْ} أي: أشعرتم وأحسستم {مِّنْهُمْ رُشْداً} تدبيراً كافياً، وافياً للتصرفات الشرعية {فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} على الوجه المذكور بلا مماطلة وتأخير، وإن لم تؤنسوا الرشد المعتبر فيهم لا تدفعوها، بل تحفظوها إلى إيناس الرشد. لكن {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً} مسرفين في أجرة المحافظة {وَبِدَاراً} مبادرين في أكلها؛ خوفاً {أَن يَكْبَرُواْ} ويخرجوها من أيديكم {وَمَن كَانَ} منكم أيها الاولياء {غَنِيّاً} ذو يسر {فَلْيَسْتَعْفِفْ} من أكلها، والتعفف منها خير له في الدنيا والآخرة {وَمَن كَانَ} منكم {فَقِيراً} ذا عسر {فَلْيَأْكُلْ} منها {بِٱلْمَعْرُوفِ} المعتدل، لا ناقصاً من أجرة حفظ، ولا زائداً عليها؛ حفظاً للغبطتين {فَإِذَا دَفَعْتُمْ} أيها الأولياء بعدما آنستم الرشد المعتبر منهم {إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ} فأحضروا ذوي عدل من المسلمين {عَلَيْهِمْ} ليشهدوا فيماجرى بينك وبينهم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} [النساء: 6] أي: كفى الله حسيباً فيماجرى بينكم وبينه سبحانه في مدة المحافظة، يحاسبكم ويجازيكم على مقتضى حسابه. ومن خطر هذه التصرفات، كان أرباب الولاء من المشايخ - قدس الله أسرارهم - يمنعون أهل الإرادة عن أمثالها؛ لأن البشر قلَّما يخلون عن الخطر، خصوصاً في أمثال هذه المزالق. ثبت أقدامنا على جادة توحيدك، وجنبنا عن الخطر والتزلزل منها بمنِّك وجودك.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 186 : 12 : 5 - سفين عن السدي عن يعفور بن المغيرة بن شعبة عن علي بن أبي طالب قال، اذا اشتكا أحدكم، فليسئل امرأته ثلثة دراهم. قال سفين، أو نحوها - فليشتري بها عسلا. فليشربه بماء السماء. فيجمع الشفاء ومباركا و {هَنِيئاً مَّرِيئاً}. [الآية 4]. 187 : 13 : 6 - سفين عن منصور عن إبرهيم عن علقمة انه كان يقول لامرأته: "اطعمينا من ذاك الهنيّ المريّ" يعني مالها، ثم يتأول {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):