٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذه السورة. واعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو كأنه تعالى يقول: إني وإن كنت أمرتكم بايتاء اليتامى أموالهم وبدفع صدقات النساء اليهن، فانما قلت ذلك إذا كانوا عاقلين بالغين متمكنين من حفظ أموالهم، فأما إذا كانوا غير بالغين، أو غير عقلاء، أو ان كانوا بالغين عقلاء إلا أنهم كانوا سفهاء مسرفين، فلا تدفعوا اليهم أموالهم وأمسكوها لأجلهم إلى أن يزول عنهم السفه، والمقصود من كل ذلك الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء والعاجزين. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في الآية قولان: الأول: أنها خطاب الأولياء فكأنه تعالى قال: أيها الأولياء لا تؤتوا الذين يكونون تحت ولايتكم وكانوا سفهاء أموالهم. والدليل على أنه خطاب الأولياء قوله: {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ } وأيضا فعلى هذا القول يحسن تعلق الآية بما قبلها كما قررناه. فان قيل: فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقال: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، فلم قال أموالكم؟ قلنا: في الجواب وجهان: الأول: أنه تعالى أضاف المال اليهم لا لأنهم ملكوه، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الاضافة أدنى سبب، الثاني: إنما حسنت هذه الاضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص، ونظيره قوله تعالى: {أية : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [التوبة: 128] وقوله: {أية : وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } تفسير : [النساء: 36] وقوله: {فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } وقوله: {أية : ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 85] ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه، ولكن كان بعضهم يقتل بعضا، وكان الكل من نوع واحد، فكذا ههنا المال شيء ينتفع به نوع الانسان ويحتاج اليه. فلأجل هذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء الى أوليائهم. والقول الثاني: أن هذه الآية خطاب الآباء فنهاهم الله تعالى اذا كان أولادهم سفهاء لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه أن يدفعوا أموالهم أو بعضها اليهم، لما كان في ذلك من الافساد، فعلى هذا الوجه يكون إضافة الأموال اليهم حقيقة، وعلى هذا القول يكون الغرض من الآية الحث على حفظ المال والسعي في أن لا يضيع ولا يهلك، وذلك يدل على أنه ليس له أن يأكل جميع أمواله ويهلكها، واذا قرب أجله فانه يجب عليه أن يوصي بماله الى أمين يحفظ ذلك المال على ورثته، وقد ذكرنا أن القول الأول أرجح لوجهين، ومما يدل على هذا الترجيح أن ظاهر النهي للتحريم، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله، وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع الى السفهاء أموالهم، واذا كان كذلك وجب حمل الآية على القول الأول لا على هذا القول الثاني والله أعلم. الثاني: أنه قال في آخر الآية: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } ولا شك أن هذه الوصية بالأيتام أشبه، لان المرء مشفق بطبعه على ولده، فلا يقول له إلا المعروف، وإنما يحتاج الى هذه الوصية مع الأيتام الأجانب، ولا يمتنع أيضا حمل الآية على كلا الوجهين. قال القاضي: هذا بعيد لأنه يقتضي حمل قوله: {أَمْوٰلَكُمْ } على الحقيقة والمجاز جميعا، ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله: {أَمْوٰلَكُمْ } يفيد كون تلك الأموال مختصة بهم اختصاصا يمكنه التصرف فيها، ثم إن هذا الاختصاص حاصل في المال الذي يكون مملوكا له، وفي المال الذي يكون مملوكا للصبي، إلا أنه يجب تصرفه، فهذا التفاوت واقع في مفهوم خارج من المفهوم المستفاد من قوله: {أَمْوٰلَكُمْ } واذا كان كذلك لم يبعد حمل اللفظ عليهما من حيث أن اللفظ أفاد معنى واحدا مشتركا بينهما. المسألة الثانية: ذكروا في المراد بالسفهاء أوجها: الأول: قال مجاهد وجويبر عن الضحاك السفهاء ههنا النساء سواء كن أزواجا أو أمهات أو بنات. وهذا مذهب ابن عمر، ويدل على هذا ما روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألا انما خلقت النار للسفهاء يقولها ثلاثا ألا وإن السفهاء النساء الا امرأة أطاعت قيمها»تفسير : . فان قيل: لو كان المراد بالسفهاء النساء لقال: السفائه. أو السفيهات في جمع السفيهة نحو غرائب وغريبات في جمع الغريبة. أجاب الزجاج: بأن السفهاء في جمع السفيهة جائز كما أن الفقراء في جمع الفقيرة جائز. والقول الثاني: قال الزهري وابن زيد: عني بالسفهاء ههنا السفهاء من الأولاد، يقول: لا تعط مالك الذي هو قيامك، ولدك السفيه فيفسده. القول الثالث: المراد بالسفهاء هم النساء والصبيان في قول ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد ابن جبير، قالوا اذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة، وان ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحدا منهما على ماله فيفسده. والقول الرابع: أن المراد بالسفهاء كل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال، ويدخل فيه النساء والصبيان والايتام كل من كان موصوفا بهذه الصفة، وهذا القول أولى لان التخصيص بغير دليل لا يجوز، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن السفه خفة العقل، ولذلك سمي الفاسق سفيها لانه لا وزن له عند أهل الدين والعلم، ويسمى الناقص العقل سفيها لخفة عقله. المسألة الثالثة: أنه ليس السفه في هؤلاء صفة ذم، ولا يفيد معنى العصيان لله تعالى، وإنما سموا سفهاء لخفة عقولهم ونقصان تمييزهم عن القيام بحفظ الاموال. المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ الأموال، قال تعالى: {أية : وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ } تفسير : [الإسراء: 26، 27] وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُوراً } تفسير : [الإسراء: 29] وقال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ } تفسير : [الفرقان: 67] وقد رغب الله في حفظ المال في آية المداينة حيث أمر بالكتابة والاشهاد والرهن، والعقل أيضاً يؤيد ذلك، لأن الانسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال لأن به يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار، فمن أراد الدنيا بهذا الغرض كانت الدنيا في حقه من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة الآخرة، أما من أرادها لنفسها ولعينها كانت من أعظم المعوقات عن كسب سعادة الآخرة. المسألة الخامسة: قوله تعالى: {ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً } معناه أنه لا يحصل قيامكم ولا معاشكم إلا بهذا المال، فلما كان المال سببا للقيام والاستقلال سماه بالقيام إطلاقا لاسم المسبب على السبب على سبيل المبالغة، يعني كان هذا المال نفس قيامكم وابتغاء معاشكم، وقرأ نافع وابن عامر {ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قَيِّماً } وقد يقال: هذا قيم وقيم، كما قال: {أية : دينا قيما ملة إبراهيم}تفسير : [الأنعام:161] وقرأ عبدالله بن عمر (قواما) بالواو، وقوام الشيء ما يقام به كقولك: ملاك الأمر لما يملك به. المسألة السادسة: قال الشافعي رحمه الله: البالغ إذا كان مبذراً للمال مفسداً له يحجر عليه وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يحجر عليه. حجة الشافعي: أنه سفيه، فوجب أن يحجر عليه، إنما قلنا إنه سفيه، لأن السفيه في اللغة، هو من خف وزنه. ولا شك أن من كان مبذرا للمال مفسداً له من غير فائدة، فانه لا يكون له في القلب وقع عند العقلاء، فكان خفيف الوزن عندهم، فوجب أن يسمى بالسفيه، وإذا ثبت هذا لزم اندراجه تحت قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ }. ثم قال تعالى: {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً }. واعلم أنه تعالى لما نهى عن إيتاء المال السفيه أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء: أولها: قوله: {وَٱرْزُقُوهُمْ } ومعناه: وأنفقوا عليهم ومعنى الرزق من العباد هو الاجراء الموظف لوقت معلوم يقال: فلان رزق عياله أي أجرى عليهم، وإنما قال: {فِيهَا } ولم يقل: منها لئلا يكون ذلك أمراً بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقا لهم، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم بأن يتجروا فيها ويثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول الأموال، وثانيها: قوله: {وَٱكْسُوهُمْ } والمراد ظاهر، وثالثها: قوله: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً }. واعلم انه تعالى إنما أمر بذلك لأن القول الجميل يؤثر في القلب فيزيل السفه، أما خلاف القول المعروف فانه يزيد السفيه سفهاً ونقصانا. والمفسرون ذكروا في تفسير القول المعروف وجوها: أحدها: قال ابن جريج ومجاهد: انه العدة الجميلة من البر والصلة، وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: اذا ربحت في سفرتي هذه فعلت بك ما انت أهله، وان غنمت في غزاتي أعطيتك، وثانيها: قال ابن زيد: انه الدعاء مثل أن يقول: عافانا الله وإياك بارك الله فيك، وبالجملة كل ما سكنت اليه النفوس وأحبته من قول وعمل فهو معروف وكل ما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر، وثالثها: قال الزجاج: المعنى علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم مما يتعلق بالعلم والعمل، ورابعها: قال القفال رحمه الله القول المعروف هو أنه ان كان المولى عليه صبيا، فالولي يعرفه ان المال ماله وهو خازن له، وأنه اذا زال صباه فانه يرد المال اليه، ونظير هذه الآية قوله: {أية : فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ } تفسير : [الضحى: 9] معناه لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد، وكذا قوله: {أية : وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا } تفسير : [الإسراء: 28] وان كان المولى عليه سفيها وعظه ونصحه وحثه على الصلاة، ورغبه في ترك التبذير والاسراف، وعرفه أن عاقبة التبذير الفقر والاحتياج الى الخلق الى ما يشبه هذا النوع من الكلام، وهذا الوجه أحسن من سائر الوجوه التى حكيناها.
القرطبي
تفسير : فيه عشر مسائل: الأُولى ـ لما أمر الله تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم في قوله {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2] وإيصال الصّدُقات إلى الزوجات، بيّن أن السفيه وغيرَ البالغ لا يجوز دفعُ ماله إليه. فدلّت الآية على ثبوت الوَصيّ والوَلِيّ والكفيل للأيتام. وأجمع أهل العلم على أن الوصية إلى المسلم الحرّ الثّقةِ العدل جائزةٌ. وٱختلفوا في الوصيّة إلى المرأة الحرة؛ فقال عَوَامّ أهل العلم: الوصيّة لها جائزةٌ. وٱحتجّ أحمد بأن عمر رضي الله عنه أوصى إلى حفصة. ورُوي عن عطاء بن أبي رَباح أنه قال في رجل أوْصى إلى ٱمرأته قال: لا تكون المرأة وصيّاً؛ فإن فعل حُوّلت إلى رجل من قومه. وٱختلفوا في الوصيّة إلى العبد، فمنعه الشافعيّ وأبو ثور ومحمد ويعقوب. وأجازه مالك والأوزاعيّ وابن عبد الحَكَم. وهو قول النخعِيّ إذا أوصى إلى عبده. وقد مضى القول في هذا في «البقرة» مستوفى. الثانية ـ قوله تعالى: {ٱلسُّفَهَآءَ} قد مضى في «البقرة» معنى السّفَه لغة. وٱختلف العلماء في هؤلاء السفهاء، مَن هم؟ فروى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: هم اليتامى لا تؤتوهم أموالكم. قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية. وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي مالك قال: هم الأولاد الصغار، لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها وتبقوا بلا شيء. وروى سفيان عن حُميد الأعرج عن مجاهد قال: هم النساء. قال النحاس وغيره وهذا القول لا يصح؛ إنما تقول العرب في النساء سفائه أو سِفيهات؛ لأنه الأكثر في جمع فعِيلة. ويقال: لا تدفع مالك مضاربة ولا إلى وكيل لا يحسن التجارة. وروي عن عمر أنه قال: من لم يتفقَّه فلا يتّجر في سوقنا؛ فذلك قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} يعني الجهال بالأحكام. ويقال: لا تدفع إلى الكفار؛ ولهذا كره العلماء أن يوكِّل المسلم ذِمياً بالشراء والبيع، أو يدفع إليه مضاربة. وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: السفهاء هنا كل من يستحق الحجْر. وهذا جامع. وقال ابن خويزِ منداد: وأما الحجر على السفيه فالسفيه له أحوال: حال يحجر عليه لصغره، وحالة لعدم عقله بجنون أو غيره، وحالة لسوء نظره لنفسه في ماله. فأما المُغْمَى عليه فاستحسن مالك ألاّ يحجر عليه لسرعة زوال ما به. والحجر يكون مرة في حق الإنسان ومرة في حق غيره؛ فأما المحجور عليه في حق نفسه من ذكرنا. والمحجور عليه في حق غيره العبد والمِديان والمرِيض في الثلثين، والمفلس وذات الزوج لحقِّ الزوج، والبكر في حق نفسها. فأما الصغير والمجنون فلا خلاف في الحجر عليهما. وأما الكبير فلأنه لا يحسن النظر لنفسه في ماله، ولا يؤمن منه إتلاف ماله في غير وجهٍ، فأشبه الصبيّ؛ وفيه خلاف يأتي. ولا فرق بين أن يُتلف ماله في المعاصي أو في القُرَب والمباحات. وٱختلف أصحابنا إذا أتلف ماله في القُرَب؛ فمنهم من حجر عليه، ومنهم من لم يحجر عليه. والعبد لا خلاف فيه. والمِديان يُنزع ما بيده لغرمائه؛ لإجماع الصحابة، وفعل عمر ذلك بأُسَيْفِع جُهَيْنة؛ ذكره مالك في الموطأ. والبكر ما دامت في الخِدْر محجور عليها؛ لأنها لا تحسن النظر لنفسها. حتى إذا تزوّجت ودخل إليها الناس، وخرجت وبَرز وجهها عَرَفت المضارّ من المنافع. وأما ذات الزوج فلأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا يجوز لامرأة ملك زوجُها عصمتَها قضاءٌ في مالها إلا في ثلثها ». تفسير : قلت: وأما الجاهل بالأحكام وإن كان غير محجور عليه لتنميته لماله وعدم تدبيره، فلا يدفع إليه المال؛ لجهله بفاسد البياعات وصحيحها وما يحل وما يحرم منها. وكذلك الذميّ مثله في الجهل بالبياعات ولما يخاف من معاملته بالرّبا وغيره. والله أعلم. وٱختلفوا في وجه إضافة المال إلى المخاطَبين على هذا، وهي للسفهاء؛ فقيل: أضافها إليهم لأنها بأيديهم وهم الناظرون فيها فنسبت إليهم اتساعاً؛ كقوله تعالى: { أية : فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [النور: 61] وقوله { أية : فَٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 54]. وقيل: أضافها إليهم لأنها من جنس أموالهم؛ فإن الأموال جعلت مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد، ومن مِلك إلى مِلك، أي هي لهم إذا ٱحتاجوها كأموالكم التي تقي أعراضكم وتصونكم وتعظم أقداركم، وبها قِوام أمركم. وقول ثان قاله أبو موسى الأشعريّ وٱبن عباس والحسن وقتادة: أن المراد أموال المخاطبين حقيقة. قال ٱبن عباس: لا تدفع مالك الذي هو سبب معيشتك إلى ٱمرأتك وٱبنك وتبقى فقيراً تنظر إليهم وإلى ما في أيديهم؛ بل كن أنت الذي تنفق عليهم. فالسفهاء على هذا هم النساء والصبيان؛ صغار ولد الرجل وٱمرأته. وهذا يخرّج مع قول مجاهد وأبي مالك في السفهاء. الثالثة ـ ودلت الآية على جواز الحجر على السفيه؛ لأمر الله عز وجل بذلك في قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} وقال { أية : فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً } تفسير : [البقرة:282]. فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف. وكان معنى الضعيف راجعاً إلى الصغير، ومعنى السفيه إلى الكبير البالغ؛ لأن السفه ٱسمُ ذمٍّ ولا يذم الإنسان على ما لم يكتسبه، والقلم مرفوع عن غير البالغ، فالذم والحرج منفِيّان عنه؛ قاله الخطابي. الرابعة ـ واختلف العلماء في أفعال السفيه قبل الحجر عليه؛ فقال مالك وجميع أصحابه غير ابن القاسم: إنّ فعل السفيه وأمره كلّه جائز حتى يضرب الإمام على يده. وهو قول الشافعي وأبي يوسف. وقال ابن القاسم: أفعاله غير جائزة وإن لم يضرب عليه الإمام. وقال أصْبَغ: إن كان ظاهر السفه فأفعاله مردودة، وإن كان غير ظاهر السفه فلا تُردّ أفعاله حتى يحجر عليه الإمام. وٱحتجّ سُحنون لقول مالك بأن قال: لو كانت أفعال السفيه مردودةً قبل الحجر ما ٱحتاج السلطان أن يحجر على أحد. وحجة ابن القاسم ما رواه البخاري من حديث جابر: أن رجلاً أعتق عبداً ليس له مال غيره فردّه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن حجر عليه قبل ذلك. الخامسة ـ وٱختلفوا في الحجر على الكبير؛ فقال مالك وجمهور الفقهاء: يحجر عليه. وقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلاً إلا أن يكون مفسداً لمالهِ؛ فإذا كان كذلك مُنع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، فإذا بلغها سُلّم إليه بكل حال، سواء كان مفسداً أو غير مفسد؛ لأنه يُحبَل منه لاثنتي عشرة سنة، ثم يولد له لستة أشهر فيصير جَدّاً وأبا، وأنا أستحي أن أحجر على مَن يصلح أن يكون جَدّاً. وقيل عنه: إن في مدّة المنع من المال إذا بلغ مفسداً ينفذ تصرفه على الإطلاق، وإنما يُمنع من تسليم المال ٱحتياطاً. وهذا كله ضعيف في النظر والأثر. وقد روى الدَّارَقُطْنِيّ: حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن الصوّاف أخبرنا حامد بن شعيب أخبرنا شُريح بن يونس أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ـ هو أبو يوسف القاضي ـ أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن جعفر أتى الزبير فقال: إني ٱشتريت بيع كذا وكذا، وإن عليّاً يريد أن يأتي أمير المؤمنين فيسأله أن يحجر عليّ فيه. فقال الزبير: أنا شريكك في البيع. فأتى عليّ عثمان فقال: إن ابن جعفر اشترى بيع كذا وكذا فاحجر عليه. فقال الزبير: فأنا شريكه في البيع. فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيعٍ شريكُه فيه الزبير؟ قال يعقوب: أنا آخذ بالحجر وأراه، وأحجر وأبطل بيع المحجور عليه وشراءه، وإذا ٱشترى أو باع قبل الحجر أجزت بَيعَه. قال يعقوب بن إبراهيم: وإن أبا حنيفة لا يحجر ولا يأخذ بالحجر. فقول عثمان: كيف أحجر على رجل، دليل على جواز الحجر على الكبير؛ فإن عبد الله بن جعفر ولدته أُمّه بأرض الحبشة، وهو أوّل مولود وُلد في الإسلام بها، وقدِم مع أبيه على النبيّ صلى الله عليه وسلم عامَ خَيْبر فسمع منه وحفِظ عنه. وكانت خيبر سنة خمس من الهجرة. وهذا يردّ على أبي حنيفة قوله. وستأتي حجَّته إن شاء الله تعالى. السادسة ـ قوله تعالى: {ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} أي لمعاشكم وصلاح دينكم. وفي «التي» ثلاث لغات: الّتي واللّتِ بكسر التاء واللّتْ بإسكانها. وفي تثنيتها أيضاً ثلاث لغات: اللتان واللّتا بحذف النون واللتانّ بشدّ النون. وأما الجمع فتأتي لغاته في موضعه من هذه السورة إن شاء الله تعالى. والقِيام والقِوام: ما يُقيمك بمعنًى. يقال: فلان قِيام أهله وقِوام بيته، وهو الذي يُقيم شأنه، أي يصلحه. ولما انكسرت القاف من قوام أبدلوا الواو ياء. وقراءة أهل المدينة «قِيَماً» بغير ألف. قال الكِسائيّ والفرّاء: قيِما وقِواماً بمعنى قياماً، وانتصب عندهما على المصدر. أي ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي تصلح بها أُموركم فيقوموا بها قياماً. وقال الأخفش: المعنى قائمة بأُموركم. يذهب إلى أنها جمع. وقال البصريون: قِيَماً جمع قِيمة؛ كدِيمَة ودِيَم، أي جعلها الله قِيمة للأشياء. وخطّأ أبو عليّ هذا القولَ وقال: هي مصدر كقِيام وقِوام وأصلها قِوم، ولكن شذت في الردّ إلى الياء كما شذّ قولهم: جياد في جمع جواد ونحوه. وقِوَماً وقِواماً وقِياماً معناها ثباتاً في صلاح الحال ودواماً في ذلك. وقرأ الحسن والنخعِيّ «اللاتِي» جعل على جمع التي، وقراءة العامة «التي» على لفظ الجماعة. قال الفرّاء: الأكثر في كلام العرب «النساء اللّواتي، والأموال التي» وكذلك غير الأموال؛ ذكره النحاس. السابعةـ قوله تعالى: {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ} قيل: معناه اجعلوا لهم فيها أو أفرضوا لهم فيها. وهذا فيمن يلزم الرجل نفقته وكسوته من زوجته وبنيه الأصاغر. فكان هذا دليلاً على وجوب نفقة الولد على الوالد والزوجةِ على زوجها. وفي البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : أفضل الصدقة ما ترك غنىً واليدُ العليا خير من اليد السفلى وٱبدأ بمن تَعُول تقول المرأة إمّا أن تُطعمَني وإمّا أن تطلِّقني ويقول العبد أطعمني وٱستعمِلني ويقول الابن أطعمني إلى من تَدَعُني »؟ تفسير : فقالوا: يا أبا هريرة، سمعتَ هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، هذا من كِيس أبي هريرة!. قال المهلّب: النفقة على الأهل والعيال واجبة بإجماع؛ وهذا الحديث حجة في ذلك. الثامنةـ قال ابن المنذر: واختلفوا في نفقة من بلغ من الأبناء ولا مال له ولا كَسْب؛ فقالت طائفة: على الأب أن ينفق على ولدِه الذكور حتى يحتلموا، وعلى النساء حتى يتزوّجن ويُدخل بهن. فإن طلقها بعد البِناء أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها. وإن طلّقها قبل البِناء فهي على نفقتها. التاسعةـ ولا نفقة لولد الولد على الجدّ؛ هذا قول مالك. وقالت طائفة: ينفق على ولدِ ولدِه حتى يبلغوا الحُلَم والمحيض. ثم لا نفقة عليه إلا أن يكونوا زَمْنَى، وسواء في ذلك الذكور والإناث ما لم يكن لهم أموال، وسواء في ذلك ولده أو ولد ولده وإن سَفِلوا ما لم يكن لهم أب دونه يقدِر على النفقة عليهم؛ هذا قول الشافعي. وأوجبت طائفة النفقة لجميع الأطفال والبالغين من الرجال والنساء إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد؛ على ظاهر حديث : قوله عليه السلام لِهند: «خُذِي ما يكفيكِ وولدَك بالمعروف» تفسير : . وفي حديث أبي هريرة: « حديث : يقول الابن أطْعِمْنِي إلى مَن تَدَعُني »؟ تفسير : يدل على أنه إنما يقول ذلك من لا طاقة له على الكسب والتَّحَرُّف. ومن بلغ سِنّ الحُلم فلا يقول ذلك؛ لأنه قد بلغ حدّ السعي على نفسه والكسب لها، بدليل قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} تفسير : [النساء: 6] الآية. فجعل بلوغ النكاح حدّاً في ذلك. وفي قوله حديث : «تقول المرأة إما أن تُطعِمَني وإما أن تُطلِّقني» تفسير : يردّ على من قال لا يفرّق بالإعسار ويلزم المرأة الصبر؛ وتتعلّق النفقة بذمّته بحكم الحاكم. هذا قول عطاء والزُّهريّ. وإليه ذهب الكوفيون متمسّكين بقوله تعالى: { أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } تفسير : . [البقرة: 280] قالوا: فوجب أن يُنْظَر إلى أن يُوسِر. وقوله تعالى: { أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ } تفسير : [النور: 32] الآية. قالوا: فندب تعالى إلى إنكاح الفقير؛ فلا يجوز أن يكون الفقر سبباً للفُرْقة وهو مندوب معه إلى النكاح. ولا حجة لهم في هذه الآية على ما يأتي بيانه في موضعها. والحديث نصٌّ في موضع الخلاف. وقيل: الخطاب لولِيّ اليتيم لينفق عليه من ماله الذي له تحت نظره؛ على ما تقدّم من الخلاف في إضافة المال. فالوصيّ ينفق على اليتيم على قدر ماله وحاله؛ فإن كان صغيراً ومالُه كثير ٱتَّخذ له ظِئْراً وحواضنَ ووَسّع عليه في النفقة. وإن كان كبيراً قدّر له ناعم اللباس وشهيّ الطعام والخدمَ. وإن كان دون ذلك فبِحسَبه. وإن كان دون ذلك فخَشِنَ الطعام واللباس قدر الحاجة. فإن كان اليتيم فقيراً لا مال له وجب على الإمام القيامُ به من بيت المال؛ فإن لم يفعل الإمام وجب ذلك على المسلمين الأخصِّ به فالأخص. وأُمُّه أخصّ به فيجب عليها إرضاعه والقيامُ به. ولا ترجع عليه ولا على أحد. وقد مضى في البقرة عند قوله: { أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ } تفسير : [البقرة: 233] العاشرة ـ قوله تعالى: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} أراد تليين الخطاب والوعدَ الجميل. واختُلف في القول المعروف؛ فقيل: معناه ٱدعوا لهم: بارك الله فيكم، وحاطكم وصنع لكم، وأنا ناظر لك، وهذا الاحتياط يرجع نفعه إليك. وقيل: معناه وعِدوهم وَعْداً حسناً؛ أي إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم. ويقول الأب لابنه: مالي إليك مصيره، وأنت إن شاء الله صاحبُه إذا ملكت رشدك وعرفت تصرفك.
البيضاوي
تفسير : {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ} نهي للأولياء عن أن يؤتوا الذين لا رشد لهم أموالهم فيضيعوها، وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء لأنها في تصرفهم وتحت ولايتهم، وهو الملائم للآيات المتقدمة والمتأخرة. وقيل نهي لكل أحد أن يعمد إلى ما خوله الله تعالى من المال فيعطى امرأته وأولاده، ثم ينظر إلى أيديهم. وإنما سماهم سفهاء استخفافاً بعقولهم واستهجاناً لجعلهم قواماً على أنفسهم وهو أوفق لقوله: {ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً} أي تقومون بها وتنتعشون، وعلى الأول يؤول بأنها التي من جنس ما جعل الله لكم قياماً سمي ما به القيام قياماً للمبالغة. وقرأ نافع وابن عامر «قيماً» بمعناه كعوذ بمعنى عياذ. وقرىء «قواماً» وهو ما يقام به. {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ} واجعلوها مكاناً لرزقهم وكسوتهم بأن تتجروا فيها وتحصلوا من نفعها ما يحتاجون إليه. {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} عدة جميلة تطيب بها نفوسهم، والمعروف ما عرفه الشرع أو العقل بالحسن، والمنكر ما أنكره أحدهما لقبحه. {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ} اختبروهم قبل البلوغ بتتبع أحوالهم في صلاح الدين، والتهدي إلى ضبط المال وحسن التصرف، بأن يكل إليه مقدمات العقد. وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى بأن يدفع إليه ما يتصرف فيه. {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ} حتى إذا بلغوا حد البلوغ بأن يحتلم، أو يستكمل خمس عشرة سنة عندنا لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا استكمل الولد خمس عشرة سنة، كتب ماله وما عليه وأقيمت عليه الحدود»تفسير : وثماني عشرة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وبلوغ النكاح كناية عن البلوغ، لأنه يصلح للنكاح عنده. {فَإِن آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً} فإن أبصرتم منهم رشداً. وقرىء أحستم بمعنى أحسستم. {فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ} من غير تأخير عن حد البلوغ، ونظم الآية أن إن الشرطية جواب إذاً المتضمنة معنى الشرط، والجملة غاية الابتلاء فكأنه قيل؛ وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم، وهو دليل على أنه لا يدفع إليهم ما لم يؤنس منهم الرشد. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا زادت على سن البلوغ سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير الأحوال، إذ الطفل يميز بعدها ويؤمر بالعبادة، دفع إليه المال وإن لم يؤنس منه الرشد. {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} مسرفين ومبادرين كبرهم، أو لإِسرافكم ومبادرتكم كبرهم. {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} من أكلها. {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} بقدر حاجته وأجرة سعيه، ولفظ الاستعفاف والأكل بالمعروف مشعر بأن الولي له حق في مال الصبي، وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : أن رجلاً قال له إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟ قال: كل بالمعروف غير متأثل مالاً ولا واق مالك بماله»تفسير : وإيراد هذا التقسيم بعد قوله ولا تأكلوها يدل على أنه نهي للأولياء أن يأخذوا وينفقوا على أنفسهم أموال اليتامى. {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ} بأنهم قبضوها فإنه أنفى للتهمة وأبعد من الخصومة، ووجوب الضمان وظاهره يدل على أن القيم لا يصدق في دعواه إلا بالبنية وهو المختار عندنا وهو مذهب مالك خلافاً لأبي حنيفة. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} محاسباً فلا تخالفوا ما أمرتم به ولا تتجاوزوا ما حد لكم. {لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنّسَاءِ نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ} يريد بهم المتوارثين بالقرابة. {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} بدل مما ترك بإعادة العامل. {نَصِيباً مَّفْرُوضاً} نصب على أنه مصدر مؤكد كقوله تعالى: {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ} أو حال إذ المعنى: ثبت لهم مفروضاً نصيب، أو على الاختصاص بمعنى أعني نصيباً مقطوعاً واجباً لهم، وفيه دليل على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه. روي (حديث : أن أوس بن الصامت الأنصاري خلف زوجته أم كحة وثلاث بنات، فزوى ابنا عمه سويد وعرفطة. أو قتادة وعرفجة ميراثه عنهن على سنة الجاهلية، فإنهم ما كانوا يورثون النساء والأطفال ويقولون: إنما يرث. من يحارب ويذب عن الحوزة، فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفضيخ فشكت إليه فقال: ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله. فنزلت فبعث إليهما: لا تفرقا من مال أوس شيئاً فإن الله قد جعل لهن نصيباً ولم يبين حتى يبين. فنزلت {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ } فأعطى أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ابن العم).تفسير : وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقف الخطاب. {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ} ممن لا يرث {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُمْ مّنْهُ} فاعطوهم شيئاً من المقسوم تطييباً لقلوبهم. وتصدقاً عليهم، وهو أمر ندب للبلغ من الورثة. وقيل أمر وجوب، ثم اختلف في نسخه والضمير لما ترك أو ما دل عليه القسمة {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} وهو أن يدعوا لهم ويستقلوا ما أعطوهم ولا يمنوا عليهم. {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـٰفاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ} أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم، أو للحاضرين المريض عند الإِيصاء بأن يخشوا ربهم، أو يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه أن يضرَّ بهم بصرف المال عنهم، أو للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافاً مثلهم هل يجوزون حرمانهم، أو للموصين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية ولو بما في حيزه، جعل صلة للذين على معنى وليخش الذين حالهم وصفتهم أنهم لو شارفوا أن يخلفوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم الضياع، وفي ترتيب الأمر عليه إشارة إلى المقصود منه والعلة فيه، وبعث على الترحم وأن يحب لأولاد غيره ما يحب لأولاده وتهديد للمخالف بحال أولاده. {فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} أمرهم بالتقوى التي هي غاية الخشية بعدما أمرهم بها مراعاة للمبدأ والمنتهى، إذ لا ينفع الأول دون الثاني، ثم أمرهم أن يقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولادهم بالشفقة وحسن الأدب، أو للمريض ما يصده عن الإِسراف في الوصية وتضييع الورثة، ويذكره التوبة وكلمة الشهادة، أو لحاضري القسمة عذراً جميلاً ووعداً حسناً، أو أن يقولوا في الوصية ما لا يؤدي إلى مجاوزة الثلث وتضييع الورثة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً} ظالمين، أو على وجه الظلم. {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ} ملء بطونهم. {نَارًا} ما يجر إلى النار، ويؤول إليها. وعن أبي بردة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يبعث الله قوماً من قبورهم تتأجج أفواههم ناراً»تفسير : فقيل: من هم؟ فقال: «حديث : ألم تر أن الله يقول: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً} {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} سيدخلون ناراً وأي نار». تفسير : وقرأ ابن عامر وابن عياش عن عاصم بضم الياء مخففاً. وقرىء به مشدداً يقال صلى النار قاسى حرها، وصليته شويته وأصليته وصليته ألقيته فيها، والسعير فعيل بمعنى مفعول من سعرت النار إذا ألهبتها. و{يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ} يأمركم ويعهد إليكم. {فِي أَوْلَـٰدِكُمْ} في شأن ميراثهم وهو إجمال تفصيله. {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ} أي يعد كل ذكر بأنثيين حيث اجتمع الصنفان فيضعف نصيبه، وتخصيص الذكر بالتنصيص على حظه لأن القصد إلى بيان فضله، والتنبيه على أن التضعيف كاف للتفضيل فلا يحرمن بالكلية وقد اشتركا في الجهة، والمعنى للذكر منهم فحذف للعلم به. {فَإِن كُنَّ نِسَاء} أي إن كان الأولاد نساء خلصاً ليس معهن ذكر، الضمير فأنث الضمير باعتبار الخبر أو على تأويل المولودات. {فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ} خبر ثان، أو صفة للنساء أي نساء زائدات على اثنتين. {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} المتوفى منكم، ويدلَ عليه المعنى. {وَإِن كَانَتْ وٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنّصْفُ} أي وإن كانت المولودة واحدة. وقرأ نافع بالرفع على كان التامة، واختلف في الثنتين فقال ابن عباس رضي الله عنهما حكمهما حكم الواحدة، لأنه تعالى جعل الثلثين لما فوقهما. وقال الباقون حكمهما حكم ما فوقهما لأنه تعالى لما بين أن حظ الذكر مثل حظ الأنثيين إذا كان معه أنثى وهو الثلثان، اقتضى ذلك أن فرضهما الثلثان. ثم لما أوهم ذلك أن يزاد النصيب بزيادة العدد رد ذلك بقوله: {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ} ويؤيد ذلك أن البنت الواحدة لما استحقت الثلث مع أخيها فبالحري أن تستحقه مع أخت مثلها. وأن البنتين أمس رحما من الأختين وقد فرض لهما الثلثين بقوله تعالى: {فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ}. {وَلأَبَوَيْهِ} ولأبوي الميت. {لِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا} بدل منه بتكرير العامل وفائدته التنصيص على استحقاق كل واحد منهما السدس، والتفصيل بعد الإِجمال تأكيداً. {ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ} أي للميت. {وَلَد} ذكر أو أنثى غير أن الأب يأخذ السدس مع الأنثى بالفريضة، وما بقي من ذوي الفروض أيضاً بالعصوبة. {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} فحسب. {فَلأُمّهِ ٱلثُّلُثُ} مما ترك وإنما لم يذكر حصة الأب، لأنه لما فرض أن الوارث أبواه فقط وعين نصيب الأم علم أن الباقي للأب، وكأنه قال: فلهما ما ترك أثلاثاً، وعلى هذا ينبغي أن يكون لها حيث كان معهما أحد الزوجين ثلث ما بقي من فرضه كما قاله الجمهور، لا ثلث المال كما قاله ابن عباس، فإنه يفضي إلى تفضيل الأنثى على الذكر المساوي لها في الجهة والقرب وهو خلاف وضع الشرع. {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ} بإطلاقهِ يدل على أن الإِخوة يردونها من الثلث إلى السدس، وإن كانوا لا يرثون مع الأب. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأم، والجمهور على أن المراد بالإِخوة عدد ممن له إخوة من غير اعتبار التثليث سواء كان من الإِخوة أو الأخوات، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا يحجب الأم من الثلث ما دون الثلاثة ولا الأخوات الخلص أخذاً بالظاهر. وقرأ حمزة والكسائي {فَلأُمِّهِ} بكسر الهمزة اتباعاً للكسرة التي قبلها. {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها أي هذه الأنصباء للورثة من بعد ما كان من وصية. أو دين، وإنما قال بأو التي للإِباحة دون الواو للدلالة على أنهما متساويان في الوجوب مقدمان على القسمة مجموعين ومنفردين، وقدم الوصية على الدين وهي متأخرة في الحكم لأنها مشبهة بالميراث شاقة على الورثة مندوب إليها الجميع والدين إنما يكون على الندور. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر بفتح الصاد. {آبَاؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً} أي لا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم، فتحروا فيهم ما أوصاكم الله به، ولا تعمدوا إلى تفضيل بعض وحرمانه. روي أن أحد المتوالدين إذا كان أرفع درجة من الآخر في الجنة سأل أن يرفع إليه فيرفع بشفاعته. أو من مورثيكم منهم أو من أوصى منهم فعرضكم للثواب بإمضاء وصيته، أو من لم يوص فوفر عليكم ماله فهو اعتراض مؤكد لأمر القسمة أو تنفيذ الوصية. {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ} مصدر مؤكد، أو مصدر يوصيكم الله لأنه في معنى يأمركم ويفرض عليكم. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} بالمصالح والرتب. {حَكِيماً} فيما قضى وقدر.
ابن كثير
تفسير : ينهى سبحانه وتعالى عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قياماً، أي: تقوم بها معايشهم؛ من التجارات وغيرها، ومن ههنا يؤخذ الحجر على السفهاء، وهم أقسام: فتارة يكون الحجر للصغر؛ فإن الصغير مسلوب العبارة، وتارة يكون الحجر للجنون، وتارة لسوء التصرف؛ لنقص العقل أو الدين، وتارة للفلس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل، وضاق ماله عن وفائها، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه، حجر عليه وقال الضحاك عن ابن عباس، في قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ} قال: هم بنوك، والنساء، وكذا قال ابن مسعود والحكم بن عيينة والحسن والضحاك: هم النساء والصبيان، وقال سعيد بن جبير: هم اليتامى، وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: هم النساء، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : وإن النساء السفهاء، إلا التي أطاعت قيمها» تفسير : ورواه ابن مردويه مطولاً. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا حرب بن سُريح، عن معاوية بن قرة، عن أبي هريرة: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ} قال: هم الخدم، وهم شياطين الإنس. وقوله: {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}. قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس، يقول: لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك، أو بنيك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيهاً، وقد قال: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ}، ورجل كان له على رجل دين، فلم يُشهِد عليه. وقال مجاهد: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}، يعني: في البر والصلة، وهذه الآية الكريمة تضمنت الإحسان إلى العائلة، ومن تحت الحجر بالفعل؛ من الإنفاق في الكساوي والأرزاق والكلام الطيب وتحسين الأخلاق. وقوله تعالى: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ} قال ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي ومقاتل بن حيان: أي: اختبروهم {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} قال مجاهد: يعني: الحلم، قال الجمهور من العلماء: البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم، وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد، وفي سنن أبي داود عن علي قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل» تفسير : وفي الحديث الآخر عن عائشة وغيرها من الصحابة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستقيظ، وعن المجنون حتى يفيق»تفسير : ، أو يستكمل خمس عشرة سنة، وأخذوا ذلك من الحديث الثابت في الصحيحين عن ابن عمر، قال: عُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وأنا ابن أربع عشرة، فلم يُجزني، وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة، فأجازني، فقال عمر بن عبد العزيز لما بلغه هذا الحديث: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير. واختلفوا في إنبات الشعر الخشن حول الفرج، وهي الشعرة، هل تدل على بلوغ أم لا؟ على ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين صبيان المسلمين، فلا يدل على ذلك؛ لاحتمال المعالجة، وبين صبيان أهل الذمة، فيكون بلوغاً في حقهم؛ لأنه لا يتعجل بها إلى ضرب الجزية عليه، فلا يعالجها، والصحيح أنها بلوغ في حق الجميع؛ لأن هذا أمر جبلي، يستوي فيه الناس، واحتمال المعالجة بعيد، ثم قد دلت السنة على ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عطية القرظي رضي الله عنه، قال: عُرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة، نأمرض ينظر من أنبت، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خُلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت، فخلي سبيلي، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة بنحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح. وإنما كان كذلك؛ لأن سعد بن معاذ كان قدحكم فيهم بقتل المقاتلة، وسبي الذرية. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الغريب: حدثنا ابن علية عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى ابن حبان، عن عمر، أن غلاماً ابتهر جارية في شعره، فقال عمر رضي الله عنه: انظروا إليه، فلم يوجد أنبت، فدرأ عنه الحد، قال أبو عبيد: ابتهرها، أي: قذفها، والابتهار أن يقول: فعلت بها، وهو كاذب، فإن كان صادقاً، فهو الابتيار، قال الكميت في شعره:شعر : قَبِيحٌ بِمثلِيَ نَعْتُ الفَتاة إِمَّا ابْتِهاراً وإِمَّا ابْتِياراً تفسير : وقوله عز وجل: {فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ} قال سعيد بن جبير: يعني: صلاحاً في دينهم، وحفظاً لأموالهم. وكذا روي عن ابن عباس والحسن البصري وغير واحد من الأئمة. وهكذا قال الفقهاء: متى بلغ الغلام مصلحاً لدينه وماله، انفك الحجر عنه، فيسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه بطريقه. وقوله: {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية {إِسْرَافاً وَبِدَاراً} أي: مبادرة قبل بلوغهم، ثم قال تعالى: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ}: من كان في غنية عن مال اليتيم، فليستعفف عنه، ولا يأكل منه شيئاً، وقال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم. {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة. {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} نزلت في مال اليتيم. وحدثنا الأشج وهارون بن إسحاق قالا: حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام عن أبيه عن عائشة: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه؛ إذا كان محتاجاً أن يأكل منه. وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، حدثنا علي بن مسهر عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في والي اليتيم: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} بقدر قيامه عليه. ورواه البخاري عن إسحاق عن عبد الله بن نمير عن هشام به، قال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين: أجرة مثله، أو قدر حاجته، واختلفوا هل يرد إذا أيسر؟ على قولين: (أحدهما): لا؛ لأنه أكل بأجرة عمله، وكان فقيراً، وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي؛ لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل، قال أحمد: حدثنا عبد الوهاب، حدثنا حسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ليس لي مال، ولي يتيم؟ فقال: «حديث : كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر، ولا متأثل مالاً، ومن غير أن تقي مالك ـ أو قال: ـ تفدي مالك بماله» تفسير : شك حسين، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، حدثنا حسين المكتب، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن عندي يتيماً عنده مال، وليس لي مال، آكل من ماله؟ قال: «حديث : كل بالمعروف غير مسرف» تفسير : ورواه أبو دواد والنسائي وابن ماجه من حديث حسين المعلم به. وروى أبو حاتم بن حبان في صحيحه، وابن مردويه في تفسيره من حديث يعلى بن مهدي، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عامر الخزاز، عن عمرو بن دينار، عن جابر: أن رجلاً قال: يا رسول الله، فيم أضرب يتيمي؟ قال: «حديث : ما كنت ضارباً منه ولدك، غير واق مالك بماله، ولا متأثل منه مالاً» تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس، فقال: إن في حجري أيتاماً، وإن لهم إبلاً، ولي إبل، وأنا أمنح من إبلي فقراء، فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جرباها، وتلوط حوضها، وتسقي عليها، فاشرب غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب. ورواه مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد، به، وبهذا القول، وهو عدم أداء البدل، يقول عطاء بن أبي رباح وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطية العوفي والحسن البصري. (والثاني): نعم؛ لأن مال اليتيم على الحظر، وإنما أبيح للحاجة، فيرد بدله؛ كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة، وقد قال ابن أبي الدنيا: حدثنا ابن خيثمة، حدثنا وكيع عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر رضي الله عنه: إني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرت قضيت. (طريق أخرى) قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: قال عمر رضي الله عنه: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت. إسناد صحيح. وروى البيهقي عن ابن عباس نحو ذلك، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} يعني: القرض، قال: وروي عن عبيدة وأبي العالية، وأبي وائل، وسعيد بن جبير في إحدى الروايات، ومجاهد والضحاك والسدي نحو ذلك، وروي من طريق السدي عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} قال: يأكل بثلاث أصابع، ثم قال: حدثنا أحمد ابن سنان، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن الحكم عن مقسم، عن ابن عباس: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} قال: يأكل من ماله يقوت على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، قال: وروي عن مجاهد، وميمون بن مهران في إحدى الروايات، والحكم، نحو ذلك. وقال عامر الشعبي: لا يأكل منه إلا أن يضطر إليه؛ كما يضطر إلى الميتة، فإن أكل منه قضاه، رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن وهب: حدثنا نافع بن أبي نعيم القاري قال: سألت يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة عن قول الله تعالى: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} الآية، فقالا: ذلك في اليتيم؛ إن كان فقيراً، أنفق عليه بقدر فقره، ولم يكن للولي منه شيء، وهذا بعيد من السياق، لأنه قال: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} يعني: من الأولياء. {وَمَن كَانَ فَقِيراً} أي منهم {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي؛ بالتي هي أحسن؛ كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} تفسير : [الأنعام: 152] أي: لا تقربوه إلا مصلحين له، فإن احتجتم إليه، أكلتم منه بالمعروف. وقوله: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ} يعني: بعد بلوغهم الحلم، وإيناسكم الرشد منهم، فحينئذٍ سلموا إليهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم، {فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ} وهذا أمر من الله تعالى للأولياء أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم، وسلموا إليهم أموالهم؛ لئلا يقع من بعضهم حجود وإنكار لما قبضه وتسلمه، ثم قال: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} أي: وكفى بالله محاسباً وشهيداً ورقيباً على الأولياء؛ في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال؛ هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مبخوسة، مدخلة، مروج حسابها، مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين ولا تَلِيَنَّ مال يتيم».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تُؤْتُواْ } أيها الأولياء {ٱلسُّفَهَاء } المبذِّرين من الرجال والنساء والصبيان {أَمْوٰلَكُمْ } أي أموالهم التي في أيديكم {ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً } مصدر (قام) أي تقوم بمعاشكم وصلاح أَوَدِكم فيضيعوها في غير وجهها، وفي قراءة «قِيمَا» جمع (قيمة) ما تقوم به الأمتعة {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا } أطعموهم منها {وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } عِدُوهم عِدَةً جميلة بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا.
الشوكاني
تفسير : هذا رجوع إلى بقية الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى. وقد تقدّم الأمر بدفع أموالهم إليهم في قوله تعالى: {أية : وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ } تفسير : [النساء: 2] فبين سبحانه هاهنا أن السفيه، وغير البالغ لا يجوز دفع ماله إليه. وقد تقدّم في البقرة معنى السفيه لغة. واختلف أهل العلم في هؤلاء السفهاء من هم؟ فقال سعيد بن جبير: هم اليتامى لا تؤتوهم أموالكم. قال النحاس، وهذا من أحسن ما قيل في الآية. وقال مالك: هم الأولاد الصغار لا تعطوهم أموالكم، فيفسدوها، وتبقوا بلا شيء. وقال مجاهد: هم النساء. قال النحاس، وغيره: وهذا القول لا يصح إنما تقول العرب سفائه أو سفيهات. واختلفوا في وجه إضافة الأموال إلى المخاطبين، وهي للسفهاء، فقيل: أضافها إليهم؛ لأنها بأيديهم، وهم الناظرون فيها، كقوله: {أية : فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ }تفسير : [النور: 61]، وقوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 54] أي: ليسلم بعضكم على بعض، وليقتل بعضكم بعضاً، وقيل: أضافها إليهم لأنها من جنس أموالهم، فإن الأموال جعلت مشتركة بين الخلق في الأصل. وقيل المراد: أموال المخاطبين حقيقة. وبه قال أبو موسى الأشعري، وابن عباس، والحسن، وقتادة. والمراد: النهي عن دفعها إلى من لا يحسن تدبيرها كالنساء، والصبيان، ومن هو ضعيف الإدراك لا يهتدي إلى وجوه النفع التي تصلح المال، ولا يتجنب، وجوه الضرر التي تهلكه، وتذهب به. قوله: {ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قياما} المفعول الأوّل محذوف، والتقدير التي جعلها الله لكم، و«قيما» قراءة أهل المدينة، وأبي عامر، وقرأ غيرهم: «قياماً» وقرأ عبد الله بن عمر: «قواما» والقيام والقوام: ما يقيمك، يقال فلان قيام أهله، وقوام بيته، وهو الذي يقيم شأنه، أي: يصلحه، ولما انكسرت القاف في قوام أبدلوا الواو ياء. قال الكسائي والفراء: قيماً وقواماً بمعنى قياماً، وهو منصوب على المصدر أي: لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي تصلح بها أموركم، فتقومون بها قياماً، وقال الأخفش: المعنى قائمة بأموركم، فذهب إلى أنها جمع. وقال البصريون: قيماً جمع قيمة كديمة وديم، أي: جعلها الله قيمة للأشياء. وخطأ أبو علي الفارسي هذا القول، وقال: هي مصدر، كقيام وقوام. والمعنى: أنها صلاح للحال، وثبات له، فأما على قول من قال: إن المراد أموالهم على ما يقتضيه ظاهر الإضافة، فالمعنى واضح. وأما على قول من قال إنها أموال اليتامى، فالمعنى أنها من جنس ما تقوم به معايشكم، ويصلح به حالكم من الأموال. وقرأ الحسن، والنخعي: «اللاتي جعل» قال الفراء: الأكثر في كلام العرب النساء اللواتي، والأموال التي، وكذلك غير الأموال، ذكره النحاس. قوله: {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ } أي: اجعلوا لهم فيها رزقاً، أو افرضوا لهم، وهذا فيمن تلزم نفقته، وكسوته من الزوجات، والأولاد، ونحوهم. وأما على قول من قال: إن الأموال هي أموال اليتامى، فالمعنى اتجروا فيها حتى تربحوا، وتنفقوهم من الأرباح، أو اجعلوا لهم من أموالهم رزقاً ينفقونه على أنفسهم، ويكتسون به. وقد استدل بهذه الآية على جواز الحجر على السفهاء، وبه قال الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلاً، واستدل بها أيضاً على وجوب نفقة القرابة، والخلاف في ذلك معروف في مواطنه. قوله: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } قيل: ادعوا لهم: بارك الله فيكم، وحاطكم، وصنع لكم. وقيل معناه: عدوهم وعداً حسناً قولوا لهم: إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم، ويقول الأب لابنه: مالي سيصير إليك، وأنت إن شاء الله صاحبه، ونحو ذلك. والظاهر من الآية ما يصدق عليه مسمى القول الجميل، ففيه إرشاد إلى حسن الخلق مع الأهل، والأولاد، أو مع الأيتام المكفولين. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: «حديث : خيركم خيركم أهله، وأنا خيركم لأهلي»تفسير : قوله: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ } الابتلاء: الاختبار. وقد تقدّم تحقيقه. وقد اختلفوا في معنى الاختبار، فقيل: هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه، ليعلم بنجابته، وحسن تصرفه، فيدفع إليه ماله إذا بلغ النكاح، وآنس منه الرشد، وقيل: معنى الاختبار: أن يدفع إليه شيئاً من ماله، ويأمره بالتصرف فيه حتى يعلم حقيقة حاله، وقيل: معنى الاختبار: أن يرد النظر إليه في نفقة الدار ليعرف كيف تدبيره، وإن كانت جارية ردّ إليها ما يردّ إلى ربة البيت من تدبير بيتها. والمراد ببلوغ النكاح بلوغ النكاح: بلوغ الحلم كقوله تعالى: {أية : وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم} تفسير : [النور: 59] ومن علامات البلوغ الإنبات، وبلوغ خمس عشرة سنة. وقال مالك، وأبو حنيفة، وغيرهما: لا يحكم لمن لم يحتلم بالبلوغ إلا بعد مضي سبع عشرة سنة، وهذه العلامات تعم الذكر، والأنثى، وتختص الأنثى بالحبل، والحيض. قوله: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ } أي: أبصرتم، ورأيتم، ومنه قوله: {أية : مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً } تفسير : [القصص: 29]. قال الأزهري: تقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى أحداً، معناه: تبصر. وقيل: هو هنا بمعنى: وجد وعلم، أي: فإن وجدتم، وعلمتم منهم رشداً. وقراءة الجمهور: {رشدا} بضم الراء وسكون الشين. وقرأ ابن مسعود، والسلمي، وعيسى الثقفي بفتح الراء، والشين، قيل: هما لغتان، وقيل: هو بالضم مصدر رشد، وبالفتح مصدر رشد. واختلف أهل العلم في معنى الرشد هاهنا، فقيل: الصلاح في العقل والدين، وقيل: في العقل خاصة. قال سعيد بن جبير، والشعبي: إنه لا يدفع إلى اليتيم ماله إذا لم يؤنس رشده، وإن كان شيخاً. قال الضحاك: وإن بلغ مائة سنة. وجمهور العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم لا يزول عنه الحجر. وقال أبو حنيفة، لا يحجر على الحرّ البالغ، وإن كان أفسق الناس، وأشدهم تبذيراً، وبه قال النخعي، وزفر، وظاهر النظم القرآني أنها لا تدفع إليهم أموالهم إلا بعد بلوغ غاية هي: بلوغ النكاح مقيدة هذه الغاية بإيناس الرشد، فلا بد من مجموع الأمرين، فلا تدفع إلى اليتامى أموالهم قبل البلوغ، وإن كانوا معروفين بالرشد، ولا بعد البلوغ إلا بعد إيناس الرشد منهم. والمراد بالرشد: نوعه، وهو المتعلق بحسن التصرف في أمواله، وعدم التبذير بها، ووضعها في مواضعها. قوله: {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ } الإسراف في اللغة: الإفراط، ومجاوزة الحدّ. وقال النضر بن شميل: السرف التبذير، والبدار المبادرة {أَن يَكْبَرُواْ } في موضع نصب بقوله: {بداراً} أي: لا تأكلوا أموال اليتامى أكل إسراف، وأكل مبادرة لكبرهم، أو لا تأكلوا لأجل السرف، ولأجل المبادرة أو لا تأكلوها مسرفين، ومبادرين لكبرهم، وتقولوا ننفق أموال اليتامى. فيما نشتهي قبل أن يبلغوا، فينتزعوها من أيدينا. قوله: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } بين سبحانه ما يحل لهم من أموال اليتامى، فأمر الغنيّ بالاستعفاف وتوفير مال الصبي عليه، وعدم تناوله منه، وسوّغ للفقير أن يأكل بالمعروف. واختلف أهل العلم في الأكل بالمعروف ما هو؟ فقال قوم: هو القرض إذا احتاج إليه، ويقضي متى أيسر الله عليه، وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعبيدة السلماني، وابن جبير، والشعبي، ومجاهد، وأبو العالية، والأوزاعي، وقال النخعي، وعطاء، والحسن، وقتادة: لا قضاء على الفقير فيما يأكل بالمعروف، وبه قال جمهور الفقهاء. وهذا بالنظم القرآني ألصق، فإن إباحة الأكل للفقير مشعرة بجواز ذلك له من غير قرض. والمراد بالمعروف: المتعارف به بين الناس، فلا يترفه بأموال اليتامى، ويبالغ في التنعم بالمأكول، والمشروب، والملبوس، ولا يدع نفسه عن سدّ الفاقة، وستر العورة. والخطاب في هذه الآية لأولياء الأيتام القائمين بما يصلحهم كالأب، والجدّ، ووصيهما. وقال بعض أهل العلم: المراد بالآية: اليتيم إن كان غنياً، وسع عليه، وعفّ من ماله، وإن كان فقيراً كان الإنفاق عليه بقدر ما يحصل له، وهذا القول في غاية السقوط. قوله: {فإذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } أي: إذا حصل مقتضى الدفع، فدفعتم إليهم أموالهم، فأشهدوا عليهم أنهم قد قبضوها منكم لتندفع عنكم التهم، وتأمنوا عاقبة الدعاوى الصادرة منهم، وقيل: إن الإشهاد المشروع هو ما أنفقه عليهم الأولياء قبل رشدهم، وقيل: هو على ردّ ما استقرضه إلى أموالهم، وظاهر النظم القرآني مشروعية الإشهاد على ما دفع إليهم من أموالهم، وهو يعمّ الإنفاق قبل الرشد، والدفع للجميع إليهم بعد الرشد: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً } أي: حاسباً لأعمالكم شاهداً عليكم في كل شيء تعملونه، ومن جملة ذلك معاملتكم لليتامى في أموالهم، وفيه وعيد عظيم، والباء زائدة، أي: كفى الله. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ } يقول لا تعمد إلى مالك، وما خولك الله، وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك، أو بنتك، ثم تضطر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك، وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم، ورزقهم، ومؤونتهم. قال: وقوله: {قَياما} يعني: قوامكم من معايشكم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه من طريق العوفي في الآية يقول: لا تسلط السفيه من ولدك على مالك، وأمره أن يرزقه منه، ويكسوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال: هم بنوك، والنساء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن النساء السفهاء إلا التي أطاعت قيمها» تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال: هم الخدم، وهم شياطين الإنس. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن مسعود قال: هم النساء، والصبيان. وأخرج ابن جرير، عن حضرمي: أن رجلاً عمد، فدفع ماله إلى امرأته، فوضعته في غير الحق، فقال الله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن سعيد بن جبير قال: هم اليتامى والنساء. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن عكرمة قال: هو مال اليتيم، يكون عندك، يقول لا تؤتوه إياه، وأنفق عليه حتى يبلغ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {وَٱرْزُقُوهُمْ } يقول: أنفقوا عليهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } قال: أمروا أن يقولوا لهم قولاً معروفاً في البرّ، والصلة. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } قال: عدة تعدونهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في قوله: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ } يعني: اختبروا اليتامى عند الحلم {فإن آنستم} عرفتم {مّنْهُمْ رُشْداً } في حالهم، والإصلاح في أموالهم: {فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً } يعني تأكل مال اليتيم ببادرة قبل أن يبلغ، فتحول بينه، وبين ماله. وأخرج البخاري، وغيره، عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في وليّ اليتيم: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } بقدر قيامه عليه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن عباس: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ } قال بغناه: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: يأكل من ماله يقوت على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، وأخرج ابن جرير عنه قال: هو القرض. وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي، عن ابن عباس قال: إن كان فقيراً أخذ من فضل اللبن، وأخذ من فضل القوت، ولا يجاوزه، وما يستر عورته من الثياب، فإن أيسر قضاه، وإن أعسر، فهو في حل. وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه من طرق عن عمر بن الخطاب قال: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة وليّ اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أخذت منه بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، عن ابن عمرو: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ليس لي مال، ولي يتيم فقال:" حديث : كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا مبذر، ولا متأثل مالاً، ومن غير أن تقي مالك بماله"تفسير : . وأخرج أبو داود، والنحاس كلاهما في الناسخ، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: نسختها {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ }تفسير : [النساء: 10] الآية.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} اختلفوا في المراد بالسفهاء في هذا الموضع على أربعة أقاويل: أحدها: أنهم الصبيان، وهو قول سعيد بن جبير، والحسن. والثاني: أنهم النساء، وهو قول ابن عمر. والثالث: أنه عنى الأولاد المسرفين أن يقسم ماله فيهم فيصير عيالاً عليهم، وهو قول ابن عباس، وابن زيد وأبي مالك. والرابع: أنه أراد كل سفيه استحق في المال حَجْراً، وهو معنى ما رواه الشعبي عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري أنه قال: ثلاثة يَدْعون فلا يستجيب الله لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى مالاً سفيهاً وقد قال الله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}، ورجل له على رجل دين لم يُشْهِد عليه. وأصل السفيه خفة الحِلْم فلذلك وصف به الناقص العقل. ووصف به المفسد لماله لنقصان تدبيره، ووصف به الفاسق لنقصانه عند أهل الدين، والعلم. {أَمْوَالَكُمُ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني أموال الأولياء، وهو قول ابن عباس. والثاني: أنه عنى به أموال السفهاء، وهو قول سعيد بن جبير. {الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً} قرأ نافع وابن عُمر{قِيَماً} ومعناهما واحد، يريد أنها قُوامُ معايشكم سفائكم. {وَارْزُقُوهُمْ فيها وأكسوهم} فيه قولان: أحدهما: أي أنفقوا أيها الأولياء على السفهاء من أموالهم. {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} فيه تأويلان: أحدهما: أنه الوعد بالجميل، وهو قول مجاهد. والثاني: الدعاء له كقوله بارك الله فيك، وهو قول ابن زيد. {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى} أي اختبروهم في عقولهم وتمييزهم وأديانهم. {حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} يعني الحُلُم في قول الجميع. {فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً} فيه أربع تأويلات: أحدها: أن الرشد العقل، وهو قول مجاهد، والشعبي. والثاني: أنه العقل والصلاح في الدين، وهو قول السدي. والثالث: أنه صلاح في الدين وإصلاح في المال، وهو قول ابن عباس، والحسن، والشافعي. والرابع: أنه الصلاح والعلم بما يصلحه، وهو قول ابن جريج. {فَادْفَعُواْ إِلَيْهِم أَمْوَالَهُمْ} يعني التي تحت أيديكم أيها الأولياء عليهم. {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وبِدَاراً أَن يَكْبَرُوا} يعني لا تأخذوها إسرافاً على غير ما أباح الله لكم، وأصل الإسراف تجاوز الحد المباح إلى ما ليس بمباح، فربما كان في الإفراط، وربما كان في التقصير، غير أنه إذا كان في الإفراط فاللغة المستعملة فيه أن يقال أسرف إسرافاً، وإذا كان في التقصير قيل سرف يسرف. قوله تعالى: {وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} قال ابن عباس: وهو أن تأكل مال اليتيم تبادر أن يكبر، فيحول بينك وبين ماله. {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} يعني بماله عن مال اليتيم. {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه القرض يستقرض إذا احتاج ثم يرده إذا وجد، وهو قول عمر، وابن عباس، وجمهور التابعين. والثاني: أنه يأكل ما يسد الجوعة، ويلبس ما يواري العورة، ولا قضاء، وهو قول الحسن، وإبراهيم، ومكحول، وقتادة. روى شعبة عن قتادة أن عم ثابت بن رفاعة_ وثابت يومئذ يتيم في حجره، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله؟ قال: "حديث : أَنْ تَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيرِ أن تقِيَ مَالَكَ بِمَالِهِ وَلاَ تَتَّخِذْ مِنْ مَالِهِ وَقْراً ". تفسير : والثالث: أن يأكل من ثمره، ويشرب من رِسْلِ ماشيته من غير تعرض لِمَا سوى ذلك من فضة أو ذهب، وهو قول أبي العالية، والشعبي. روى القاسم بن محمد قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاماً، وإن لهم إبلاً، فماذا يحل لي منها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جرباءَها، وتلوط حوضها، وتفرط عليها يوم وِرْدِهَا، فاشرب من ألبانها غير مُضِرِّ بنسل، ولا بأهل في الحلب. والرابع: أن يأخذ إذا كان محتاجاً أجرةً معلومة على قدر خدمته، وهو قول عطاء. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ليس لي مال ولي يتيم، فقال: "حديث : كُلْ مِنْ مَالِ يَتيمِكَ غَيرَ مُسْرِفٍ وَلاَ وَاقٍ مَالَكَ بِمَالِهِ ". تفسير : {فَإِذَا دَفَعْتُم إِلَيْهِم أَمْوَالَهُم فَأَشْهِدُواْ عَلَيهِم} ليكون بيِّنةَ في دفع أموالهم إليهم. {وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً} فيه قولان: أحدهما: يعني شهيداً. والثاني: كافياً من الشهود.
ابن عبد السلام
تفسير : {السُّفَهَآءَ} النساء، أو الصبيان، أو كل مستحق للحَجْر، أو الأولاد المفسدين، نهى أن يقسم ماله بينهم ثم يصير عيالاً عليهم، والسَّفَه: خِفَّة الحُلم، ولذا وصف به الناقص العقل، والمفسد للمال لنقصان تدبيره، والفاسق لنقصانه عند أهل الدين. {أَمْوَالَكُمُ} أيها الأولياء، أو أموال السفهاء. {قِيَمًا} و {قياماً} قوام معايشكم. {وَارْزُقُوهُمْ} أنفقوا من أموالكم على سفهائكم أو لينفق الولي مال السفيه عليه. {قَوْلاً مَّعْرُوفًا} وعداً جميلاً، أو دعاء كقوله: "بارك الله فيك".
النسفي
تفسير : {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ } المبذرين أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا قدرة لهم على إصلاحها وتثميرها والتصرف فيها، والخطاب للأولياء. وأضاف إلى الأولياء أموال السفهاء بقوله {أَمْوٰلَكُمْ } لأنهم يلونها ويمسكونها {ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً } أي قواماً لأبدانكم ومعاشاً لأهلكم وأولادكم. قيما بمعنى قياماً: نافع وشامي كما جاء «عوذا» بمعنى «عياذا». وأصل قيام قوام فجـعلت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خير من أن أحتاج إلى الناس، وعن سفيان ــ وكان له بضاعة يقلبها ــ لولاها لتمندل بي بنو العباس {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا } واجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تتجروا فيها وتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فيأكلها الإنفاق {وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } قال ابن جريج: عدة جميلة إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم، وكل ما سكنت إليه النفس لحسنه عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته لقبحه فهو منكر. {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ } واختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ، فالابتلاء عندنا أن يدفع إليه ما يتصرف فيه حتى تتبين حاله فيما يجيء منه، وفيه دليل على جواز إذن الصبي العاقل في التجارة {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ } أي الحلم لأنه يصلح للنكاح عنده ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد {فَإنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ } تبينتم {رَشَدًا } هداية في التصرفات وصلاحاً في المعاملات {فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ } من غير تأخير عن حد البلوغ، ونظم هذا الكلام أن ما بعد «حتى» إلى {فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ } جعل غاية للابتلاء وهي حتى التي تقع بعدها الجمل كالتي في قوله: حتى ماء دجلة أشكل والواقعة بعدها جملة شرطية لأن «إذا» متضمنة معنى الشرط وفعل الشرط «بلغوا النكاح»وقوله: «فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم» جملة من شرط وجزاء واقعة جواباً للشرط الأول الذي هو «إذا بلغوا النكاح»فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم. وتنكير الرشد يفيد أن المراد رشد مخصوص وهو الرشد في التصرف والتجارة، أو يفيد التقليل أي طرفاً من الرشد حتى لا ينتظر به تمام الرشد وهو دليل لأبي حنيفة رحمه الله في دفع المال عند بلوغ خمس وعشرين سنة. {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ } ولا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم فـ «إسرافاً» و«بداراً»} مصدران في موضع الحال و«أن يكبروا» في موضع المصدر منصوب الموضع بـ «بداراً»، ويجوز أن يكونا مفعولاً لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون ننفق فيما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنياً وبين أن يكون فقيراً، فالغني يستعف من أكلها أي يحترز من أكل مال اليتيم، واستعف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة والفقير يأكل قوتاً مقدراً محتاطاً في أكله. عن إبراهيم. ما سد الجوعة ووارى العورة {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } بأنهم تسلموها وقبضوها دفعاً للتجاحد وتفادياً عن توجه اليمين عليكم عند التخاصم والتناكر {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً } محاسباً فعليكم بالتصادق وإياكم والتكاذب، أو هو راجع إلى قوله «فليأكل بالمعروف» أي ولا يسرف فإن الله يحاسبه عليه ويجازيه به. وفاعل«كفى» لفظة «الله» والباء زائدة و «كفى» يتعدى إلى مفعولين دليله {أية : فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ }تفسير : [البقرة: 137]. {لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنّسَاءِ نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ } هم المتوارثون من ذوي القرابات دون غيرهم {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ } بدل «مما ترك» بتكرير العامل والضمير في «منه» يعود إلى ما ترك «نصيباً» نصب على الاختصاص بمعنى أعني نصيباً{ مّفروضاً} مقطوعاً لا بد لهم من أن يحوزوه. روي أن أوس بن ثابت ترك امرأته أم كحة وثلاث بنات فزوى ابنا عمه ميراثه عنهن، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح وحاز الغنيمة. فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت فقال: إرجعي حتى أنظر ما يحدث الله فنزلت الآية، فبعث إليهما لا تفرقا من مال أوس شيئاً فإن الله تعالى قد جعل لهن نصيباً ولم يبين حتى يبين فنزلت يوصيكم الله فأعطى أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ابني العم وإذا حضر القسمة أي قسمة التركة أولوا القربى ممن لا يرث واليتامى والمساكين من الأجانب فارزقوهم فأعطوهم مّنه مما ترك الوالدان والأقربون وهو أمر ندب وهو باقٍ لم ينسخ. وقيل: كان واجباً في الابتداء ثم نسخ بآية الميراث {***} مقطوعاً لا بد لهم من أن يجوزوه. روي أن أوس بن ثابت ترك امرأته أم كحة وثلاث بنات فزوى ابنا عمه ميراثه عنهن، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح وحاز الغنيمة. فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت فقال: حديث : إرجعي حتى أنظر ما يحدث اللهتفسير : فنزلت الآية، فبعث إليهما لا تفرقا من مال أوس شيئاً فإن الله تعالى قد جعل لهن نصيباً ولم يبين حتى يبين فنزلت «يوصيكم الله» فأعطى أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ابني العم {وإذا حضر القسمة} أي قسمة التركة {أولوا القربى} ممن لا يرث {واليتامى والمساكين} من الأجانب{ فارزقوهم} فأعطوهم {مّنه} مما ترك الوالدان والأقربون وهو أمر ندب وهو باقٍ لم ينسخ. وقيل: كان واجباً في الابتداء ثم نسخ بآية الميراث {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } عذراً جميلاً وعدة حسنة، وقيل: القول المعروف أن يقولوا لهم: خذوا بارك الله عليكم ويستقلوا ما أعطوهم ولا يمنوا عليهم. {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـٰفاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } المراد بهم الأوصياء أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى فيشفقوا عليهم خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً، وأن يقدروا ذلك في أنفسهم ويصوره حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة والرحمة. «ولو» مع ما في حيزه صلة لـ «الذين» أي وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافاً ــ وذلك عند احتضارهم ــ خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم. وجواب «لو»: «خافوا»، والقول السديد من الأوصياء أن يكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب ويدعوهم بـ يا بني ويا ولدي. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً } ظالمين فهو مصدر في موضع الحال {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ } ملء بطونهم {نَارًا } أي يأكلون ما يجر إلى النار فكأنه نار. روي أنه يبعث آكل مال اليتامى يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه فيعرف الناس أنه كان يأكل من مال اليتيم في الدنيا {وَسَيَصْلَوْنَ } «وسَيُصلون» شامي وأبو بكر {سَعِيراً } ناراً من النيران مبهمة الوصف. {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ } يعهد إليكم ويأمركم {فِى أَوْلَـٰدِكُمْ } في شأن ميراثهم وهذا إجمال تفصيله {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } أي للذكر منهم أي من أولادكم فحذف الراجع إليه لأنه مفهوم كقولهم «السمن منوان بدرهم» وبدأ بحظ الذكر ولم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر لفضله كما ضوعف حظه لذلك، ولأنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث وهو السبب لورود الآية فقيل: كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن مع إدلائهن من القرابة بمثل ما يدلون به. والمراد حال الاجتماع أي إذا اجتمع الذكر والأنثيان كان له سهمان كما أن لهما سهمين، وأما في حال الانفراد فالابن يأخذ المال كله، والبنتان تأخذان الثلثين، والدليل عليه أنه أتبعه حكم الانفراد بقوله {فَإِن كُنَّ نِسَاءً } أي فإن كانت الأولاد نساء خلصاً يعني بناتاً ليس معهن ابن {فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ } خبر ثانٍ لكان أو صفة لنساء أي نساء زائدات على اثنتين {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } أي الميت لأن الآية لما كانت في الميراث علم أن التارك هو الميت {وَإِن كَانَتْ وٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنّصْفُ } أي وإن كانت المولودة منفردةٌ. «واحدة »: مدني على «كان» التامة والنصب أوفق لقوله «فإن كن نساء». فإن قلت: قد ذكر حكم البنتين في حال اجتماعهما مع الابن وحكم البنات والبنت في حال الانفراد، ولم يذكر حكم البنتين في حال الانفراد فما حكمهما؟ قلت: حكمهما مختلف فيه؛ فابن عباس رضي الله عنهما نزلهما منزلة الواحدة لا منزلة الجماعة، وغيره من الصحابة رضي الله عنهم أعطوهما حكم الجماعة بمقتضى قوله {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } وذلك لأن من مات وخلف بنتاً وابناً فالثلث للبنت والثلثان للابن، فإذا كان الثلث لبنت واحدة كان الثلثان للبنتين، ولأنه قال في آخر السورة {إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلثَانِ مِمَّا تَرَكَ }. والبنتان أمس رحماً بالميت من الأختين فأوجبوا لهما ما أوجب الله للأختين، ولم ينقصوا حظهما عن حظ من هو أبعد منهما، ولأن البنت لما وجب لها مع أخيها الثلث كان أحرى أن يجب لها الثلث إذا كانت مع أخت مثلها ويكون لأختها معها مثل ما كان يجب لها أيضاً مع أخيها لو انفردت معه فوجب لهما الثلثان. وفي الآية دلالة على أن المال كله للذكر إذا لم يكن معه أنثى، لأنه جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وقد جعل للأنثى النصف إذا كانت منفردة فعلم أن للذكر في حال الانفراد ضعف النصف وهو الكل. والضمير في {وَلأَبَوَيْهِ } للميت والمراد الأب والأم إلا أنه غلب الذكر {لِكُلِّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ } بدل من لأبويه بتكرير العامل وفائدة هذا البدل أنه لو قيل «ولأبويه السدس» لكان ظاهره اشتراكهما فيه، ولو قيل «ولأبويه السدسان» لأوهم قسمة السدسين عليهما على التسوية وعلى خلافها، ولو قيل «ولكل واحد من أبويه السدس» لذهبت فائدة التأكيد وهو التفصيل بعد الإجمال. والسدس مبتدأ خبره لأبويه والبدل متوسط بينهما للبيان، وقرأ الحسن السدس والربع والثمن والثلث بالتخفيف {مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ } هو يقع على الذكر والأنثى {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمّهِ ٱلثُّلُثُ } أي مما ترك والمعنى وورثه أبواه فحسب، لأنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين كان للأم ثلث ما يبقى بعد إخراج نصيب الزوج لا ثلث ما ترك، لأن الأب أقوى من الأم في الإرث بدليل أن له ضعف حظها إذا خلصا. فلو ضرب لها الثلث كاملاً لأدى إلى حظ نصيبه عن نصيبها؛ فإن امرأة لو تركت زوجاً وأبوين فصار للزوج النصف وللأم الثلث والباقي للأب، حازت الأم سهمين والأب سهماً واحداً فينقلب الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين. «فلأمه» بكسر الهمزة: حمزة وعلي لمجاورة كسر اللام {فَإِن كَانَ لَهُ } أي للميت {إِخْوَةٌ فَلأِمِهِ ٱلسُّدُسُ } إذا كان للميت اثنان من الإخوة والأخوات فصاعداً، فلأمه السدس. والأخ الواحد لا يحجب، والأعيان والعلات والأخياف في حجب الأم سواء {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ } متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها لا بما يليه وحده كأنه قيل: قسمة هذه الأنصباء من بعد وصية {يُوصِى بِهَا } هو وما بعده بفتح الصاد: مكي وشامي وحماد ويحيـى وافق الأعشى في الأولى وحفص في الثانية لمجاورة «يورث»، وكسر الأولى لمجاورة «يوصيكم الله ». الباقون: بكسر الصادين أي يوصى بها الميت. {أَوْ دَيْنٍ } والإشكال أن الدّين مقدم على الوصية في الشرع، وقدمت الوصية على الدين في التلاوة. والجواب إن «أو» لا تدل على الترتيب، ألا ترى أنك إذا قلت «جاءني زيد أو عمرو» كان المعنى جاءني أحد الرجلين فكان التقدير في قوله «من بعد وصية يوصى بها» أو دين من بعد أحد هذين الشيئين: الوصية أو الدين. ولو قيل بهذا اللفظ لم يدر فيه الترتيب، بل يجوز تقديم المؤخر وتأخير المقدم كذا هنا. وإنما قدمنا الدين على الوصية بقوله عليه السلام «حديث : ألا إن الدّين قبل الوصية»تفسير : ولأنها تشبه الميراث من حيث إنها صلة بلا عوض فكان إخراجها مما يشق على الورثة، وكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين فقدمت على الدين ليسارعوا إلى إخراجها مع الدين {ءابَاؤُكُمْ } مبتدأ {وَأَبناؤُكُمْ } عطف عليه والخبر {لاَ تَدْرُونَ } وقوله {أَيُّهُم } مبتدأ خبره {أَقْرَبُ لَكُمْ } والجملة في موضع نصب بـ « تدرون» {نَفْعاً } تمييز والمعنى: فرض الله الفرائض على ما هو عنده حكمة، ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة، والتفاوت في السهام بتفاوت المنافع وأنتم لا تدرون تفاوتها فتولى الله ذلك فضلاً منه ولم يكلها إلى اجتهادكم لعجزكم عن معرفة المقادير. وهذه الجملة اعتراضية مؤكدة لا موضع لها من الإعراب {فَرِيضَةً } نصبت نصب المصدر المؤكد أي فرض ذلك فرضاً {مّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً } بالأشياء قبل خلقها {حَكِيماً } في كل ما فرض وقسم من المواريث وغيرها.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} اختلفوا في هؤلاء السفهاء من هم فقيل هم النساء نهى الله الرجال أن يؤتوا النساء أموالهم سواء كن أزواجاً أو بنات أو أمهات وقيل هم الأولاد خاصة يقول لا تعط ولدك السفيه مالك الذي هو قيامك فيفسده عليك وقيل امرأتك وابنك السفيه. قال ابن عباس لا تعمد إلى مالك الذي خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك وابنك فيكونوا هم الذين يقومون عليك ثم تنظر إلى ما بين أيديهم أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في رزقهم ومؤنتهم. وقال الكلبي: إذا علم الرجل إن امرأته سفيهة مفسدة وإن ولده سفيه مفسد لا ينبغي له أن يسلط واحداً منهما على ماله فيفسده. وقال سعيد بن جبير هو مال اليتيم يكون عندك يقول لا تؤته إياه وأنفق عليه منه حتى يبلغ وإنما أضاف المال إلى الأولياء لأنهم قوامها ومدبروها. وأصل السفه الخفة واستعمل في خفة النفس لنقصان العقل في الأمور الدنيوية والدينية والسفيه المستحق الحجر هو الذي يكون مبذراً في ماله ومفسداً في دينه فلا يجوز لوليه أن يدفع إليه ماله. وقيل إن السفه المذكور في هذه الآية ليس هو صفة ذم لهؤلاء وإنما سموا سفهاء لخفة عقولهم ونقصان تمييزهم وضعفهم عن القيام بحفظ المال فقوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء} يعني الجهال بموضع الحق أموالكم {التي جعل الله لكم قياماً} يعني قوام معايشكم يقول المال هو قوام الناس وقوام معايشهم كن أنت قيم أهلك أنفق عليهم ولا تؤت مالك امرأتك وولدك فيكونوا هم الذين يقومون عليك. ولما كان المال سبباً للقيام بالمعاش سمي به إطلاقاً لاسم المسبب على السبب على سبيل المبالغة لأنه به يقام الحج والجهاد وأعمال البر وفكاك الرقاب من النار {وارزقوهم فيها} أي أطعموهم {واكسوهم} يعني لمن يجب عليكم رزقه وكسوته لما نهى الله عن إيتاء المال للسفيه أمر أن يجري رزقه وكسوته وإنما قال: وارزقوهم فيها ولم يقل منها لأنه أراد اجعلوا لهم فيها رزقاً والرزق من الله تعالى هو العطية من عير حد ولا قطع ومعنى الرزق من العباد هو الأجر الموظف المعلوم لوقت معلوم محدود {وقولوا لهم قولاً معروفاً} يعني قولاً جميلاً لأن القول الجميل يؤثر في القلب ويزيل السفه وقيل معناه عدوهم عدة جميلة من البر والصلة. قال عطاء يقول: إذا ربحت أعطيتك وإن غنمت قسمت لك حظاً وقيل معناه الدعاء أي ادعوا لهم. قال ابن زيد إن لم يكن ممن تجب عليك نفقته فقل له عافانا الله وإياك بارك الله فيك. وقيل معناه قولوا لهم قولاً تطيب به أنفسهم وهو أن يقول الولي لليتيم السفيه: مالك عندي وأنا أمين عليه فإذا بلغت ورشدت أعطيتك مالك. وقال الزجاج معناه علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياههم أمر دينهم مما يتعلق بالعلم والعمل.
ابن عادل
تفسير : أصل تُؤْتُوا تُؤتيوا: تُكْرِموا فاستثقلت الضمةُ على الياءِ فَحُذِفَت الضمة، فالتقى ساكنان: الياء وواو الضمير فحذفت الياء لئلا يلتقي ساكنان. والسُّفَهاء جمع: سفيه، وعن مجاهد: "المراد بالسُّفَهاءِ" النِّسَاءِ مَنْ كُنَّ أزواجاً، أو بنات، أو أمهات، وضَعَّفَهُ بَعْضُهُم بأنَّ فَعِيلة إنَّما تُجْمَع على فَعَائلِ أوْ فَعِيلات، قاله [أبو البقاء] وابن عطية، وقد نقل بعضهم أنَّ سَفَيهةَ تُجْمَعُ: على "سُفَهَاءَ" كالمُذكَّر، وعلى هذا لا يَضْعُفُ قول مُجَاهِدٍ. وجمعُ فَعِيلَةٍ الصِّفَةِ على فُعَلاء وَإنْ كان نادراً، إلاَّ أنَّهُ قد نُقِلَ في هذا اللَّفْظِ خُصوصاً، وتخصيصُ ابن عطية جمع فَعِيلة بِفَعائِلٍ، أوْ فَعِيلات ليس بظاهر، لأنَّهَا يَطَّرد فيها أيْضاً "فِعَال" نحو: كريمةٍ، وَكرامٍ، وظريفةً، وظِراف، وكذلك إطلاقهُ فَعِيلة، وَكَانَ مِنْ حَقِّه أنْ يقيِّدَها بألاَّ تكون بمعنى: مَفْعُولةٍ، تَحَرُّزاً من قتيلة فَإنَّها لا تُجْمَعُ على فَعَائِل. والجمهورُ قرؤوا (الَّتِي) بلفظِ الإفراد صفةً للأمْوَالِ، وإنْ كانت جَمْعاً؛ لأنَّهُ تَقَدَّم أنَّ جمع ما لا يعقل من الكثرة، أو لم يكن له إلا جمعٌ واحدٌ، الأحسنُ فيه أنْ يُعَامَل مُعَاملةَ الوَاحِدَةِ المؤنَّثة، والأمْوالِ من هذا القبيل، لأنَّهَا جمعُ ما لا يَعْقل، ولم تُجْمَع إلاَّ على أفْعال، وإنْ كانت بلفظِ القِلَّةِ؛ لأن المرادَ بها الكثرة. وقرأ الحسن والنخعي "اللاتي" مطابقةٌ للفظ الجمع، وكان القياسُ ألاَّ يوصف بـ "اللاتي" إلا ما يُوصَف مفرده بـ "التي" والأموال لا يوصف مفردها وهو "مال" بـ "التي". وقال الفراء: العرب تقول في النِّساءِ "اللاتي" أكثر مما تقول "التي"، وفي الأموال: "التي" أكثر مما تقول "اللاَّتي" وكلاهما جائز. وقرئ "اللَّواتي" فيه جمع الجمع وهي جمع اللاتي أو جمع "التي" نفسها. قوله: "قياماً" إن قلنا: أن "جَعَلَ" بمعنى صَيَّرَ فـ "قياماً" مفعول ثانٍ، والأول محذوف، وهو عائد الموصول والتقدير: الَّتِي جعلها اللَّهُ، أي: صَيَّرَها لكم قياماً، وَإنْ قُلْنَا: إنها بمعنى "خلق" فـ "قياماً" حال، من ذلك العائد على المحذوف، والتقدير: جعلها أي: خلقها وأوجدها في حال كونها قياماً. وقرأ نافع وابن عامر "قيماً"، وباقي السبعة "قياماً" وابن عمر "قِواماً" بكسر القاف، والحسن وعيسى بن عمر "قَواماً" بفتحها وَيُرْوَى عَنْ أبي عمرو، وقرئ "قِوَماً" بزنة "عِنب". فَأَمَّا قراءة نافع وابن عامر ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن "قِيماً" مصدر كالقيام وليس مقصوراً منه قال الكسائِيُّ والأخْفشُ والفراء. فهو مصدر بمعنى القيام الذي يُرَادُ به الثباتُ والدَّوامُ، وقد رُدَّ هذا القولُ بأنه كان يَنْبَغِي أن تَصِحَّ الواو لتحضُّنها بِتَوسُّطِها، كما صَحَّت واو "عِوَض" "وحِوَل"، وقد أجيبَ عنه بأنه تَبعَ فعله من الإعلال وكما أُعِلَّ فعله أُعِلَّ هو، ولأنه بمعنى القِيام فَحُمِلَ عليه في الإعلال. وَحَكَى الأخفش: "قِيماً" و "قِوَماً" قال: والقياسُ تصحيحُ الواو، وإنما اعتلت على وجه الشُّذُوذِ كقولهم: "ثِيرَة" وقول بني ضبة "طِيال" في جمع طويل، وقول الجميع "جِياد" في جمع جواد، وإذا أعلّوا "دِيَماً" لإعلال "دِيْمة"، فاعتلالُ المصدر لاعتلال فعلِه أوْلى، ألا تَرَى إلى صِحَّةِ الجمع مع اعتلالِ مُفْرده في معيشة، ومعايش، ومقامة، ومَقَاوِم، ولم يُصَححوا مَصْدراً أعلُّوا فِعْلَه. الثاني: أنه مقصور من "قيام" فحذفوا الألف تخفيفاً كما قالوا: "خيَم" في "خيام" و "مخْيَط" و "مِقْوَل" في "مخْياط" و "مِقْوالِ". الثالث: أنه جمع "قِيمة" كـ "دِيَم" في جمع "دِيْمَة"، والمعنى: أنَّ الأموال كالقيم للنفوس؛ لأنَّ بقاءها بها، وقد رَدَّ الفارسيُّ هذا الوجه، وإنْ كان هو قول البصريين غير الأخفشِ، بأنه قد قرئ قوله تعالى: {أية : دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} تفسير : [الأنعام: 161] وقوله: {أية : ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 97]. ولا يصحُّ معنى القيمة فيهما، وقد رَدَّ عليه الناس بأنَّه لا يلزم من عدم صحَّة معناه في الآيتين المذكورتين ألا يصح هنا، إذ معناه لائق، وهناك معنى آخر يليق بالآيتين المذكورتين كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما قراءة باقي السَّبعة فهو مصدرُ "قام" والأصلُ "قِوام"، فأبدلت الواوُ ياءً للقاعدةِ المعروفة، والمعنى: التي جعلها اللَّهُ سبب قيام أبدانكم أي: بقائها. وقال الزَّمخشريُّ: "أي: تقومون بها وتنتعشون بها". وأما قراءة عبد الله بن عمر ففيها وجهان: أحدهما: أنه مصدرُ قَاوَمَ كـ "لاوَذَ، لِواذاً" صحَّت الواوُ في المصدرِ كما صحَّت في الفعل. الثاني: أنه اسم لما يقوم به الشَّيء، وليس بمصدر كقولهم: "هذا ملاك الأمر" أي: ما يملك به الأمر. وَأمَّا قراءة الحَسَن ففيها وجهان: أحدهما: أنَّه اسم مصدر كالكلام، والدَّوام، والسَّلام. والثاني: أنَّهُ لغة من القوام المراد به القامة، والمعنى: التي جعلها اللَّه سببُ بقاءِ قاماتكم، يقال: جارية حَسَنةُ القِوام، والقَوام، والقامة كله بمعنى واحد. وقال أبو حاتم قوام بالفتح خطأ، قال: لأنَّ القوام امتداد القامة، وقد تقدَّم تأويلُ ذلك على أنَّ الكسائيَّ قال: هو بمعنى القِوام أي بالكسر، يعني أنه مصدر، وَأمَّا "قِوَماً" فهو مصدر جاء على الأصلِ، أعني: الصَّحِيحَ العين كالعِوَض، والحِوَل. فصل لما أمر في الآية الأولى بإيتاء اليتامى أمْوَالَهم، وبدفع صدقات النساء إليهنَّ فَكَأنَّهُ قال: إنَّمَا أمرتكم بذلك إذا كانوا عاقلين بالغين، متمكنين من حفظ أموالهم، فأمَّا إذا كانوا غير بالغين، أو غير عقلاء، أو كانوا بالغين عقلاء؛ إلاَّ أنَّهم سُفهاء، فلا تدفعوا إليهم أموالهم، والمقصود منه الاحتياطُ في حفظ أموال الضُّعفاء العاجزين. واختلفوا في السُّفَهاء: فقال مجاهد والضَّحَّاكُ: هم النِّسَاءَ كما قَدَّمْنَا، وهذا مذهب ابن عمر ويدلُّ عليه ما روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألا إنَّما خُلِقَت النَّارُ للسُّفَهاء، يقولها [ثلاثاً] ألا وإن السُّفهاء النِّساء، [إلاّ امرأة أطاعت قيّمها"تفسير : ]. وقال الزَّمخشريُّ وابن زيد: والسُّفهاء ههنا السفهاء عن من الأولاد، ويقول: لا تعط مالك [الذي هو قيامك] ولدك السَّفيه فيفسده. وقال ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: هم النِّساء [والصبيان] إذا علم الرجل أنَّ امرأته سفيهةٌ مُفْسِدةٌ، وَأنَّ ولده سفيه مفسد، فلا يسلط واحداً منهما على ماله. وقيل: المرادُ بالسُّفهاء كل من لم يحفظ المال للمصلحة من النِّسَاءِ والصبيان والأيتام، وكلُّ من اتَّصف بهذه الصفة؛ لأنَّ التَّخصيص بغير دليل لا يجوز، وقد تقدَّم في "البقرة" أنَّ السَّفه خفة العقل ولذلك سُمِّي الفاسق سفيهاً، لأنه لا وزن له عند أهل العلم والدين، ويسمى النَّاقص العقل سفيهاً لخفة عقله. فصل في دلالة الآية في الحجر على السفيه قال القرطبيُّ: دلت هذه على جواز الحجر على السَّفيه لقوله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ}، وقوله: {أية : فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً} تفسير : [البقرة: 282] فأثبت الولاية على السَّفيه كما أثبتها على الضَّعيف، والمراد بالضَّعيف في الآية الضَّعيف الْعَقْلِ لصغرِ أو مرض. فصل في حال السفيه قبل الحجر عليه [قال القرطبيُّ]: واختلفوا في حال السَّفيه قبل الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فقال مالك وأكثر أصحابه: إنَّ فعل السَّفيه وأمره كُلّهُ جائز، حتى يحجر عليه الإمامُ، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأبي يوسف. وقال ابن القَاسِم: أفعاله غير جائزة، وإن لم يضرب الإمام على يَدِهِ. فصل: في الحجر على الكبير واختلفوا في الحجر على الكبير، فقال مالك وجمهورُ الفقهاء: يحجر عليه. وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يحجر على من بلغ عاقلاً إلا ان يكون مُفسداً لماله، فإذا كان كذلك منع من تسلميهم المالَ حتى يبلغ [خمساً وعشرين سنة، فإذا بلغها]، سُلِّمَ إليه المال بكل حالٍ، سواء كان مُفْسِداً، أو غير مفسد؛ لأنَّه يُحبَلُ منه لاثنتي عشرة سنة، ثم يُولد له لِستَّةِ أشهرٍ فيصير جَدَّاً وأباً، وأنا أستحي أن أحجر على مَنْ يصلح أن يكون جَدَّاً. فصل في الخطاب في الآية في هذا الخطاب قولان: الأوَّلُ: أنَّهُ خطاب الأولياء بأن يُؤتُوا السُّفهاء الذين تحت ولايتهم أموالهم لقوله تعالى: {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ} [النساء: 5] وبه يصلح نظمُ الآيةِ مع ما قَبلها. فإن قيلَ: فكان ينبغي على هذا أن يقال: ولا يؤتوا السُّفَهَاء أموالهم. فالجوابُ من وجهين: أحدهما: أنَّه تعالى أضاف المال إليهم، لا لأنَّهم ملكوه، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه، ويكفي في الإضافة الملابسة بأدنى سبب. وثانيهما: إنَّما حَسُنَتْ هذه الإضافَةُ إجراءاً للوحدة بالنَّوع مجرى الوحدة بالشخص كقوله تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [التوبة: 128] {أية : فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم} تفسير : [النساء: 25] {أية : فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 54] وقوله: {أية : ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 85] ومعلوم أنَّ الرَّجل منهم ما كان يقتل نفسه، وإنَّمَا كان يقتل بعضهم بعضاً، وكان الكلُّ من نَوْع واحدٍ، فكذا هاهنا لما كان المال ينتفع به نَوْع الإنسان، ويحتاج إليه، فلأجل هذه الوَحْدَة النَّوعيَّة حسنت إضافة أموال السُّفهاء إلى الأولياء. القول الثاني: أنَّه خطاب للآباء بألاَّ يدفعوا مالهم إلى أولادهم إذا كانوا لا يحفظون المال سفهاء، وعلى هذا فإضَافَةُ الأموال إليهم حقيقة، والقول الأوَّلُ أرجحُ؛ لأنَّ ظاهر النَّهي التحريم، وأجمعوا على أنَّهُ لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصّغار، ومن النِّسوان ما شاء من ماله، وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السُّفهاء أموالهم؛ لأنه قال في آخر الآية: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} وهذه الوصيّة بالأيتام أشبه، لأنَّ المرء مشفق بطبعه على ولده، فلا يقولُ له إلا المعروفَ، وإنَّما يحتاج إلى هذه الوصيَّة مع الأيتام الأجانب. قال ابنُ الخطيب: "ولا يمتنع [أيضاً] حمل الآية على كلا الوجهين". قال القاضي: هذا بعيد؛ لأنه يقتضي حمل قوله: "أمْوَالُكم" على الحقيقة والمجاز جميعاً، ويمكن الجوابُ عنه بأن قوله: {أَمْوَالَكُمُ} يفيدُ كون تلك الأموال مختصة بهم، اختصاصاً يمكنه التّصرف فيها، ثم إنَّ هذا الاختصاص حاصل في المال المملوك له وفي المال المملوك للصَّبي، إلاَّ أنَّهُ تحت تصرُّفه، فهذا التَّفاوت واقع في مفهوم خارج من المفهوم المستفاد من قوله {أَمْوَالَكُمُ} وإذا كَانَ كذلك لم يبعد حمل اللَّفظ عليهما من حيث إن اللفظ [أفاد] معنى واحداً مشتركاً بينهما. قوله: {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ}. ومعنى الرزق: أن أنفقوا عليهم. وقوله "فيها" فيه وجهان: أحدهما: أنَّ "في" على بابها من الظرفية، أي اجعلوا رزقهم فيها. والثاني: أنها بمعنى "مِنْ"، أي: بعضها والمراد: [من] أرباحها بالتجارة. قال ابن الخطيب: "وإنَّمَا قال "فيها" ولم يقل: مِنْهَا، لئلا يكون ذلك أمراً بأن يجعلوا بعض أموالهم رِزْقاً [لهم]، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكاناً لرزقهم، بأنْ يَتَجِرُوا فيها، فيجعلوا أرزاقهم من الأرْبَاحِ لا من أصول الأموال". والأمر بالكِسْوَةِ ظاهر. فصل في تفسير القول المعروف قوله تعالى: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}. اختلف المفسِّرون في القول المعروف: قال ابن جُريْجٍ ومجاهد: إنه العدة الجميلة من البرِّ والصِّلة. وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: إذا ربحت في سَفْرتِي هذه فعلت بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غَزَاتِي جعلت لك حظاً. وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن يجب عليك نفقته، فقل له: عافانا اللَّه وإياك، وبارك اللَّهُ فيك. وقيل: قولاً لَيِّنَاً تَطِيبُ بهِ أنفسهم. وقال الزَّجَّاجُ: "علموهم مع إطعامهم وكسوتهم أمر دينهم". وقال القَفَّالُ: "هو أنه إن كان المولى عليه صبياً فيعرفه الولي أنَّ المال ماله، وهو خازن له، وأنه إذا زال صباه يَردُّ إليه المال، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} تفسير : [الضحى: 9] [و] لا تعاشره بالتَّسلُّطِ عليه كمعاشرة العبيد، وكذا قوله: {أية : وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} تفسير : [الإسراء: 28] وإن كان المولى عليه سفيهاً، وَعَظَهُ ونصحه وحثه على الصلاة، ورَغَّبَهُ في ترك التبذير والإسراف، وعَرَّفَهُ عاقبة التبذير الفقر والاحتياج إلى الخلق، إلى ما يشبه هذا النوع من الكلام". وقال ابن الخطيب: وهذا أحسن من سائر الوجوه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن حضرمي. أن رجلاً عمد فدفع ماله إلى امرأته فوضعته في غير الحق فقال الله {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم..} الآية. يقول: لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك ثم تضطر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم. قال: وقوله {قياماً} يعني قوامكم من معائشكم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية يقول: لا تسلط السفيه من ولدك على مالك، وأمره أن يرزقه منه ويكسوه. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس {ولا تؤتوا السفهاء} قال: هم بنوك والنساء. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن النساء السفهاء إلا التي أطاعت قيمها ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة {ولا تؤتوا السفهاء} قال: الخدم وهم شياطين الأنس. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود {ولا تؤتوا السفهاء} قال: النساء والصبيان. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال: الصغار والنساء هم السفهاء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: نهى الرجال أن يعطوا النساء أموالهم وهن سفهاء من كن أزواجاً أو بنات أو أمهات، وأمروا أن يرزقوهن فيه ويقولوا لهن قولاً معروفاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير {ولا تؤتوا السفهاء} قال: اليتامى والنساء. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} قال: هو مال اليتيم يكون عندك يقول: لا تؤته إياه وأنفق عليه حتى يبلغ. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {ولا تؤتوا السفهاء} قال: هم اليتامى {أموالكم} قال: أموالهم بمنزلة قوله {أية : ولا تقتلوا أنفسكم} تفسير : [النساء:127]. وأخرج ابن جرير عن مورق قال: مرت امرأة بعبد الله بن عمر لها شارة وهيئة فقال لها ابن عمر {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً} . وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي موسى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد، ورجل أتى سفيهاً ماله وقد قال الله {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} تفسير : وأخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن أبي موسى موقوفاً. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: أمر الله بهذا المال أن يخزن فتحسن خزانته، ولا تملكه المرأة السفيهة والغلام. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن في قوله {قياماً} قال: قيام عيشك. وأخرج ابن جرير عن مجاهد. أنه قرأ {التي جعل الله لكم قياماً} بالألف يقول: قيام عيشك. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك {جعل الله لكم قياماً} قال: عصمة لدينكم، وقياماً لكم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس {وارزقوهم} يقول: أنفقوا عليهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {وقولوا لهم قولاً معروفاً} قال: أمروا أن يقولوا لهم قولاً معروفاً في البر والصلة. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج {وقولوا لهم قولاً معروفاً} قال: عدة تعدونهم. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد {وقولوا لهم قولاً معروفاً} قال: إن كان ليس من ولدك ولا ممن يجب عليك أن تنفق عليه فقل له قولاً معروفاً، قل له عافانا الله وإياك وبارك الله فيك.
ابو السعود
تفسير : {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ} رجوعٌ إلى بـيان بقيةِ الأحكامِ المتعلقةِ بأموال اليتامى، وتفصيلُ ما أُجمل فيما سبق من شرط إيتائِها ووقتِه وكيفيتِه إثرَ بـيانِ بعضِ الأحكامِ المتعلقةِ بأنفسهن، أعني نكاحَهن وبـيانِ بعضِ الحقوقِ المتعلقةِ بغيرهن من الأجنبـيات من حيث النفسُ ومن حيث المالُ استطراداً، والخطابُ للأولياء، نُهوا أن يؤتوا المبذرين من اليتامى أموالَهم مخافةَ أن يضيِّعوها وإنما أضيفت إليهم وهي لليتامى لا نظراً إلى كونها تحتَ ولايتِهم كما قيل فإنه غيرُ مصحِّحٍ لاتصافها بالوصف الآتي بل تنزيلاً لاختصاصها بأصحابها منزلةَ اختصاصِها بالأولياء، فكأن أموالَهم عينُ أموالِهم لما بـينهم وبـينهم من الاتحاد الجنسيِّ والنَّسَبـي مبالغةً في حملهم على المحافظة عليها كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النساء، الآية 29] أي لا يقتُلْ بعضُكم بعضاً حيث عبّر عن بني نوعِهم بأنفسهم مبالغةً في زجرهم عن قتلهم فكأن قتلَهم قتلُ أنفسِهم، وقد أيد ذلك حيث عبّر عن جعلها مناطاً لمعاشِ الأولياء فقيل: {ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً} أي جعلها الله شيئاً تقومون به وتنتعشون على حذف الأولِ، فلو ضيَّعتُموه لضِعْتم ثم زيد في المبالغة حتى جُعل ما به القيامُ قياماً فكأنها في أنفسها قيامُكم وانتعاشُكم، وقيل: إنما أضيفت إلى الأولياء لأنها من جنس ما يقيم به الناسُ معايشَهم حيث لم يُقصَدْ بها الخصوصيةُ الشخصيةُ بل الجنسيةُ التي هي معنى ما يقام به المعاشُ وتميل إليه القلوبُ ويُدّخر لأوقات الاحتياج، وهي بهذا الاعتبارِ لا تختص باليتامى، وأنت خبـيرٌ بأن ذلك بمعزل من حمل الأولياءِ على المحافظة المذكورةِ كيف لا والوحدةُ الجنسيةُ الماليةُ ليست مختصّةً بما بـين أموال اليتامى وأموالِ الأولياءِ بل هي متحققةٌ بـين أموالِهم وأموالِ الأجانبِ، فإذن لا وجهَ لاعتبارها أصلاً وقرىء اللاتي واللواتي وقرىء قَيْماً بمعنى قياماً كما جاء عَوْذاً بمعنى عِياذاً وقرىء قِواماً بكسر القاف وهو ما يقام به الشيءُ، أو مصدرُ قاوم وقرىء بفتحها {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ} أي واجعلوها مكاناً لرزقهم وكسوتِهم بأن تتّجروا وتربحوا حتى تكون نفقاتُهم من الأرباح لا من صُلْب المالِ، وقيل: الخطابُ لكل أحدٍ كائناً مَنْ كان، والمرادُ نهيُه عن أن يفوِّض أمرَ مالِه إلى من لا رُشدَ له من نسائه وأولادِه ووكلائِه وغير ذلك، ولا يخفى أن ذلك مُخِلٌّ بجزالة النظمِ الكريم {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} أي كلاماً ليناً تطيب به نفوسُهم، وعن سعيد بن جبـير ومجاهد وابن جريج: عِدوْهم عِدةً جميلةً بأن تقولوا إذا صلَحتم ورشَدتم سلَّمْنا إليكم أموالَكم، وكلُّ ما سكَنت إليه النفسُ لحسنه شرعاً أو عقلاً من قول أو عمل فهو معروفٌ وما أنكَرَتْه لقُبحه شرعاً أو عقلاً فهو منكر.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} [الآية: 5]. قيل: أولادكم الذين يمنعونكم عن الصدقة. قال سهل رحمه الله: أسفه السفهاء نفسك فإن زخرفتها بالعلم والخوف والورع، وإلا حجزتك عن طريق نجاتك من الخروج عن الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} أى: جعلها لكم إن قطعتم فى سبيلى وأورثتكم المحن إن تركتم قوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} قيل: يعنى أبصرتم منهم إصابة الحق. وقيل: القيام فى العبادات على شرط السنة. وقيل: سخاء النفس، وقيل: صحبة الأكابر والميل إليهم. وقال أبو عثمان رحمه الله: صحبة أهل الصلاح. قال رويم: الرشيد: الرجوع إلى التفويض وترك التدبير. وقال ابن عطاء رحمه الله: الرشيد من يفرق بين الإلهام والوسوسة. قوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً}. قال: هو الشاهد عليك، الشهيد على خواطرك وأنفاسك فاتقه فيها. وقال الواسطى رحمه الله: لا تشهد أفعالك ولا أحوالك وكفى بالله شهيدًا عليها وهو شاهد لها. قوله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}. قيل: هو المراقب بسرك والناظر إليك، فاجتهد أن لا ينظر إليك فيراك مشتغلاً بغيره فيقطعك ويمحقك. وقال ابن عطاء رحمه الله: فى قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} قال: عالمًا بما تغمره فى سرك وما تخفيه من خواطرك، فراقب من هو الرقيب عليك.
القشيري
تفسير : السَّفيه من يمنعك عن الحقِّ، و يشغلك عن الربِّ. والسَّفيه من العيال والأولاد من تؤثر حظوظَهم على حقوق الله تعالى. قوله: {ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً}: حفظ التجمل في الحال أجدى عليكم من التعرض للتبذل والسؤال، والكدية والاحتيال. وإنما يكون البذل خيراً من الإمساك عند تَحرُّرِ القلب والثقةِ بالصبر. فأمّا على نية الكدية وأن تجعل نفسك وعيالك كَلاًّ على الناس فَحِفْظُك ما جعله الله كفايةً لنفسك أَوْلَى، ثم الجود بفاضل كفايتك. قوله: {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}: إذا كان ذات يدك يتسع لكفاية يومهم ويَفْضُل فلا تدَّخره عمّا تدعو إليه حاجتهم معلومك خشيةَ فقرٍ في الغد، فإِنْ ضاقت يدُك عن الإنفاق فلا يَتَّسِعَنَّ لسانك بالقبيح من المقال. ويقال إذا دَعَتْكَ نَفْسُك إلى الإنفاق في الباطل فأنت أسفه السفهاء فلا تُطِعْ نَفْسَكَ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ } المال ههنا حقائق المعرفة التى لا يعرفها الا الربانيون اى لا تظهروها للمبتدين لئلا تفسد عقائدهم وايضا الا تعطوا المال الاى غير من يبلغ درجة التمكن فانه يهلك فى تصرفه قيل اولادكم الذين يمنعكم عن الصدقة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تؤتوا} ايها الاولياء {السفهاء} اى المبذرين من الرجال والنساء والصبيان واليتامى {اموالكم} اضاف الاموال الى الاولياء تنزيلا لاختصاصها باصحابها منزلة اختصاصها بالاولياء فكان اموالهم عين اموالهم لما بينهم وبينهم من الاتحاد الجنسى والنسبى مبالغة فى حملهم على المحافظة عليها وقد ايد ذلك حيث عبر عن جعلها مناطا لمعاش اصحابها بجعلها مناطا لمعاش الاولياء بقوله {التى جعل الله لكم قياما} اى جعلها الله شيئاً تقومون به وتنتعشون فلو ضيعتموه لضعتم ولما كان المال سببا للقيام والاستقلال سماه بالقيام اطلاقا لاسم المسبب على السبب على سبيل المبالغة فكأنها من فرط قيامهم بها واحتياجهم اليها نفس قيامهم {وارزقوهم فيها واكسوهم} الرزق من الله العطية من غير حد ومن العباد اجراء موقت محدود اى اطعموهم منها ولم يقل منها لئلا يكون ذلك امرا بان يجعلوا بعض اموالهم رزقا لهم بل امرهم ان يجعلوا اموالهم مكانا لرزقهم بان يتجروا فيها ويثمروا فيجعلوا ارزاقهم من الارباح لا من اصول الاموال {وقولوا لهم قولا معروفا} كلاما لينا تطيب به نفوسهم. قال القفال القول المعروف هو انه ان كان المولى عليه صبيا فالولى يعرفه ان المال ماله وهو خازن له وانه اذا زال صباه فانه يرد المال اليه وان كان المولى عليه سفيها وعظه ونصحه وحثه على الصلاة ورغبه فى ترك التبذير والاسراف وعرفه ان عاقبة التبذير الفقر والاحتياج الى الخلق الى ما يشبه هذا النوع من الكلام واذا كان رشيدا فطلب ماله ومنعه الولى يأثم. وفى الآية تنبيه على عظم خطر المال وعظم نفعه. قال السلف المال سلاح المؤمن هيىء للفقر الذى يهلك دينه وكانوا يقولون اتجروا واكتسبوا فانكم فى زمان اذا احتاج احدكم كان اول ما يأكل دينه وربما راوأ رجلا فى جنازة فقالوا له اذهب الى دكانك. قال الامام وقد رغب الله فى حفظ المال فى آية المداينة حيث امر بالكتاب والشهادات والرهن والعقل ايضا يؤيد ذلك لان الانسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل الدنيا والآخرة ولا يكون فارغ البال الا بواسطة المال لانه به يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار شعر : شب براكنده خسبد آنكه بديد نبود وجه بامدادانش مور كرد آورد بتابستان تافراغت بود زمستانش تفسير : فمن اراد الدنيا بهذا الغرض كانت الدنيا فى حقه من اعظم الاسباب المعينة على اكتساب سعادة الآخرة اما من ارادها لنفسها وعينها كانت من اعظم المعوقات عن كسب سعادة الآخرة فخير المال ما كان متاع البلاغ ولا ينبغى للمرء ان يسرف فى المال الذى يبلغه الى الآخرة والجنة والقربة شعر : جودخلت نيست خرج آهسته تركن كه ملاحان همى كويند سرودى اكر باران بكوهستان نبارد بسالى دجله كردد خشك رودى درخت اندر خزانها برفشاند زمستان لا جرم بى برك ماند تفسير : والاشارة الى ان الله تعالى جعله المال قياما لمصالح دين العباد ودنياهم فالعاقل منهم من يجعله قياما لمصالح دينه ما امكنه ولمصالح دنياه بقدر حاجته الضرورية اليه والسفيه من جعله لمصالح دنياه ما امكنه والمنهى عنه ان تؤتوا اليه اموالكم كائنا من كان ومن جملة السفهاء النفس التى هى اعدى عدوك وكل ما انفقه الرجل على نفسه بهواها ففيه مفاسد دينه ودنياه الا المستثنى منه كما اشار تعالى بقوله {وارزقوهم فيها} يعنى ما يسد به جوع النفس {واكسوهم} يعنى ما يستر عورتها فان ما زاد على هذا يكون اسرافا فى حق النفس والاسراف منهى عنه {وقولوا لهم قولا معروفا} فالقول المعروف مع النفس ان يقول اكلت رزق الله ونعمه فادى شكر نعمته بامتثال اوامره ونواهيه واذيبى طعامك بذكر الله كما قال عليه السلام "حديث : اذيبوا طعامكم بالصلاة والذكر " .تفسير : واقل ذلك ان يصلى ركعتين او يسبح مائة تسبيحة او يقرأ جزأ من القرآن عقيب كل اكلة وسببه انه اذا نام على الطعام من غير اذابته بالذكر والصلاة بعد اكله يقسو قلبه ونعوذ بالله من قسوة القلب ففى الاذابة رفع القسوة واداء الشكر. واعلم ان فى قوله تعالى {ولا تؤتوا السفهاء} الخ اشارة اخرى وهى ان اموال العلوم وكنوز المعارف لا تؤتى لغير اهلها من العوام ولا تذكر كما حكى ان بعض الكبار ذكر بعض الكرامات لولى فنقل ذلك بعض السامعين فى مجلس آخر وانكره رجل فلما رجع الى الاصل قال لا يباع الابل فى سوق الدجاج شعر : دريغست باسفله كفت ازعلوم كه ضايع شود تخم درشوره بوم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {قيمًا}: مصدر قام قيامًا وقيما، وأصله: قوامًا، قلبت الواو ياء. يقول الحقّ جلّ جلاله: للأوصياء: {ولا تؤتوا السفهاء} التي تحت حضانتكم {أموالكم} أي: أموالهم التي في أيديكم، وإنما أضاف أموال اليتامى لهم حثًا على حفظها وتنميتها كأنها مال من أموالهم، أي: ولا تمكنوا السفهاء من أموالهم التي جعلها الله في أيديكم {قيمًا} لمعاشهم، تقومون بها عليهم، ولكن احفظوها، واتجروا فيها، واجعلوا رزقهم وكسوتهم فيها باعتبار العادة، فإن طلبوها منكم فعدوهم وعدًا جميلاً، {وقولوا لهم قولاً معروفًا} أي: كلامًا لينًا بأن يقول له: حتى تكبر وترشد لتصلح للتصرف فيها. وشبه ذلك. وإنما قال: {وارزقوهم فيها} دون " منها"؛ لأن "فيها" يقتضي بقاءها بالتنمية والتجارة حتى تكون محلاً للرزق والكسوة دون "منها"، وقيل: الخطاب للأزواج، نهاهم أن يعمدوا إلى ما خولهم الله من المال فيعطوه إلى نسائهم وأولادهم، ثم ينظرون إلى أيديهم. وإنما سمَّاهن سفهاء استخفافًا بعقلهن، كما عبر عنهن بـ "ما" التي لغير العاقل. وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إنما خُلقتْ النارُ للسفهاء ــ قالها ثلاثًا ــ ألا وإن السفهاءَ النساء إلا امرأة أطاعت قيِّمَها". تفسير : وقالت أمرأة: يا رسول الله: سميتنا السفهاء! فقال: "حديث : الله تعالى سماكن في كتابه "،تفسير : يشير إلى هذه الآية. وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: (ثلاثة يَدْعُون الله فلا يُستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل دين فلم يُشْهِد عليه، ورجل أعطى سفيهًا ماله، وقد قال الله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} ). قلت: إنما مُنعوا إجابة الدعاء لتفريطهم في مراسم الشريعة. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينبغي للشيخ أن يُطلع المريد على أسرار التوحيد، وهي أسرار المعاني التي جعلها الله تعالى قائمة بالأشياء، حتى يكمل عقله، ويتحقق أدبه، ويظهر صدقه، فإذا استعجلها قبل وقتها فليعده وعدًا قريبًا، وليقل له قولاً معروفًا، فكم من مريد استعجل الفتح قبل إبانه فعوقب بحرمانه، وكم من مريد اطلع على أسرار الحقيقة قبل كمال خدمته فطُرد أو قتل، ووقتها هو حين تبرز معه فتأخذه الحيرة، اللهم إلا أن يراه الشيخ أهلاً لحملها؛ لرجحان عقله وكمال صدقه، فيمكنه منها قبل أن تبرز معه، ثم يربيه فيها، وهذا الذي شهدناه من أشياخنا لشدة كرمهم ــ رضي الله عنهم وأرضاهم ــ ورزقنا حسن الأدب معهم، فأطلق الحق تعالى الأموال بطريق الإشارة على أسرار المعاني، وأمر الشيوخ أن يرزقوهم منها شيئًا فشيئًا بالتدريب والتدريج، وأن يكسوهم بالشرائع، ويحتمل أن تبقى الأموال على ظاهرها، ويكون أمر الشيخ أن يمنعوا المريدين من أخذ الأموال قبل التمكين.
الطوسي
تفسير : القراءة، والمعنى: قرأ نافع، وابن عباس، قيما بغير الف. اختلف أهل التأويل فيمن المراد بالسفهاء المذكورين في الآية، فقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، والسدي، والضحاك، ومجاهد، وقتادة، وأبو مالك: إنهم النساء والصبيان، وهو الذي رواه أبو الجارود، عن أبي جعفر (ع) وقال سعيد بن جبير، والحسن وقتادة، في رواية أخرى عنهم: أنهم الصبيان الذين لم يبلغوا فحسب، وقال أبو مالك، معناه: لا تعط ولدك السفيه مالك فيفسده الذي هو قيامك وقال ابن عباس في رواية أخرى: إنها نزلت في السفهاء وليس لليتامى في ذلك شيء، وبه قال ابن زيد، وقال ابو موسى الاشعري ثلاثة يدعون فلا يستجيب الله لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، وقال: اللهم خلصني منها، ورجل أعطى مالا سفيهاً، وقد قال الله: {ولاتؤتوا السفهاء أموالكم}، ورجل له على غيره مال فلم يشهد عليه. وقد روي عن أبي عبد الله (ع) ان السفيه شارب الخمر، ومن جرى مجراه، وقال المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرمي أن المراد به النساء خاصة، وروي ذلك عن مجاهد، والضحاك، وابن عمر، والأولى حمل الآية على عمومها في المنع من اعطاء المال السفيه، سواء كان رجلا أو امرأة بالغاً أو غير بالغ. والسفيه هو الذي يستحق الحجر عليه، لتضييعه ماله، ووضعه في غير موضعه، لأن الله تعالى قال عقيب هذه الاوصاف: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} فامر الأولياء بدفع الأموال إلى اليتامى إذا بلغوا، وأونس منهم رشد، وقد يدخل في اليتامى الذكور والاناث، فوجب حملها على عمومها. اللغة: فأما من حمل الآية على النساء خاصة، فقوله ليس بصحيح، لأن فعيلة لا يجمع فعلاء، وانما يجمع فعايل وفعيلات، كغريبة وغرايب وغريبات، وقد جاء: فقيرة وفقراء، ذكره الرماني. فأما الغرباء فجمع غريب المعنى: وقوله: {أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم} اختلفوا في معناه. فقال ابن عباس، وأبو موسى الاشعري، والحسن، وقتادة، ومجاهد، وحضرمي. معناه: لا تؤتوا يا أيها الرّشد السفهاء من النساء والصبيان - على ما ذكرنا من اختلافهم - {أموالكم التي جعل الله لكم} يعني أموالكم التي تملكونها، فتسلطوهم عليها، فيفسدوها، ويضيعوها، ولكن {ارزقوهم فيها} إن كانوا ممن يلزمكم نفقته، واكسوهم {وقولوا لهم قولاً معروفاً}. وقال السدي: معناه: لا تعط امرأتك وولدك مالك، فيكونوا هم الذين ينفقون ويقومون عليك، واطعمهم من مالك، واكسهم. وبه قال ابن عباس، وابن زيد. وقال سعيد ابن جبير: يعني بـ {أموالكم} أموالهم، كما قال: {أية : ولا تقتلوا أنفسكم }تفسير : قال: واليتامى لا تؤتوهم أموالهم، {وارزقوهم فيها واكسوهم}. والاولى حمل الآية على الامرين، لأن عمومه يقتضي ذلك، فلا يجوز أن يعطى السفيه الذي يفسد المال، ولا اليتيم الذي لم يبلغ، ولا الذي بلغ ولم يؤنس منه الرشد، ولا أن يوصى إلى سفيه، ولا يختص ببعض دون بعض، وإنما يكون اضافة مال اليتيم إلى من له القيام بأمرهم، على ضرب من المجاز، أو لأنه أراد: لا تعطوا الأولياء ما يخصهم لمن هو سفيه ويجري ذلك مجرى قول القائل لواحدٍ: يا فلان أكلتم أموالكم بالباطل، فيخاطب الواحد بخطاب الجميع، ويريد به أنك وأصحابك أو قومك أكلتم، ويكون التقدير في الآية: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} التي بعضها لكم، وبعضها لهم، فيضيعوها. اللغة: وقوله: {التي جعل الله لكم قياماً} معناه: ماجعله قوام معايشكم ومعايش سفهائكم، التي بها تقومون قياماً، وقيما، وقواماً، بمعنى واحد. وأصل القيام: القِوام، فقلبت الواو ياء للكسرة التي قبلها، كما قالوا: صمت صياماً، وحلت حيالا، ومنه: فلان قوام أهله، وقيام أهله. ومنه: قوام الأمر وملاكه، وهو اسم. والقيام مصدر. المعنى: وبهذا التأويل قال أبو مالك، والسدي، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن زيد. وقوله: {وارزقوهم فيها واكسوهم} اختلفوا في تأويله، فمن قال: عنى بقوله: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} يعني أموال أولياء السفهاء، فانهم قالوا: معناه: وارزقوا أيها الناس سفهاءكم، من نسائكم وأولادكم من أموالكم، طعامهم، وما لا بد لهم منه. ذهب إليه مجاهد، والسدي، وغيرهما ممن تقدم ذكره. ومن قال: إن الخطاب للاولياء، بأن لا يؤتوا السفهاء أموالهم، يعني أموال السفهاء، حمل قوله: {وارزقوهم فيها واكسوهم} على أنه من أموال السفهاء، يعني ما لا بد منه من مؤنهم، وكسوتهم، وإذا حملنا الآية على عمومها، على ما بيناه، فالتقدير: وارزقوا أيها الرّشد من خاص أموالكم من يلزمكم النفقة عليه، مما لا بد منه من مؤنة وكسوة، ولا تسلموا إليه إذا كان سفيهاً، فيفسد المال. ويا أيها الاولياء، أنفقوا على السفهاء من أموالهم، التي لكم الولاية عليها، قدر ما يحتاجون إليه من النفقة والكسوة. وقوله: {وقولوا لهم قولاً معروفاً} قال مجاهد، وابن جريج. قولوا لهم، يعني للنساء والصبيان، وهم السفهاء، {قولاً معروفاً} في البر والصلة. وقال ابن زيد: ان كان السفيه ليس من ولدك، ولا يجب عليك نفقته، فقل له قولا معروفا، مثل: عافانا الله وإياك، بارك الله فيك. وقال ابن جريج: معناه: يا معاشر ولاة السفهاء، قولوا قولا معروفا للسفهاء، وهو: إن صلحتم ورشدتم، سلمنا إليكم أموالكم، وخلينا بينكم وبينها، فاتقوا الله في أنفسكم وأموالكم، وما أشبه ذلك، مما هو واجب عليكم، ويحثكم على الطاعة،، وينهاكم عن المعصية. وقال الزجاج: معناه: علموهم مع إطعامكم إياهم وكسوتكم إياهم، أمر دينهم. وفي الآية دلالة على جواز الحجر على اليتيم إذا بلغ، ولم يؤنس منه الرشد، لأن الله تعالى منع من دفع المال إلى السفهاء، وقد بينا أن المراد به أموالهم على بعض الأحوال. وفي الآية دلالة على وجوب الوصية، إذا كان الورثة سفهاء، لأن ترك الوصية بمنزلة إعطاء المال في حال الحياة إلى من هو سفيه، وإنما سمي الناقص العقل سفيهاً، وان لم يكن عاصياً، لأن السفه هو خفة الحلم، ولذلك سمي الفاسق سفيهاً، لأنه لا وزن له عند أهل الدين، والعلم فثقل الوزن وخفته، ككبر القدر وصغره.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} أي: النساء هن السفهاء. وقال مجاهد: هن النساء من كن: بنات أو أخوات أو أمهات. وقال الكلبي: هن النساء والأولاد؛ إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة، أو ابنه سفيه مفسد، فلا ينبغي له أن يسلّط واحداً منهما على ماله. قوله: {الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً} لمعايشكم وصلاحكم. قال: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} أي في أموالكم {وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} أي العِدَة الحسنة. وقال بعضهم: أمر الله بهذا المال أن يُخزَن فتُحسَن خِزانتُه، ولا تملكه المرأة السفيهة ولا الصبي السفيه. قوله: {وَابْتَلُوا اليَتَامَى} أي اختبروا عقولهم ودينهم {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} قال مجاهد: يعني الحلم. {فَإِنْ ءَانَسْتُم} أي رأيتم {مِّنْهُمْ رُشْداً} أي صلاحاً في دينهم {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أن يَكْبَرُوا} أي تبادرون باليتيم أن يكبر فيمنعكم ماله. قوله: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}. قال بعضهم: المعروف ما سدّ الجوع ووارى العورة. وقال بعضهم: كان الرجل يلي مال اليتيم، له الحائط من النخل، فيقوم على صلاحه وسقيه، فيصيب من ثَمَره. وتكون له الماشية فيقوم على صلاحها، ويلي علاجها ومؤونتها، فيصيب من جزازها وعوارضها ورِسلها. فأما رقاب المال، فليس له أن يستهلكه ولا أن يأكله. ذكروا أن رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سئلوا عن قول الله عز وجل: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} فقالوا: فينا والله نزلت؛ كان الرجل يلي مال اليتيم له النخل، فيقوم عليها، فإذا طابت الثمرة كانت يده مع أيديهم، مثلما كانوا مستأجرين به غيره في القيام عليها. ذكروا عن سعيد بن جبير أنه قال: يأكل قرضاً. ذكروا "حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله: إن في حجري يتيماً أفأضربه؟ فقال: اضربه مما كنت ضارباً منه ولدك. قال أفآكل من ماله؟ قال: بالمعروف غير متأثل من ماله مالاً، ولا واق مالك بماله". تفسير : قال مجاهد والحسن: هي طعمة أطعمه الله أياها. قوله: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً} أي: حفيظاً فيما بينكم وبينهم.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِى جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً}: السفهاء: اليتامى الأطفال ومن كان يتيماً ثم بلغ، ولما يؤنس رشده، والنساء اللاتى لا يحفظن المال، والرجال الذين يضيعون أموالهم، والسفه فى ذلك قلة العقل مع تضييع المال، ومن تضيعه صرفه فى المعاصى وصارفه فيها لا عقل كسبى له، وإيتائه: تمكينهم منه بأن يجعل فى أيدهم ولم يك فيها قبل، أو كان فيها فيترك فيها، وذلك على طريق عموم المجاز، نهوا عن ذلك كله، والخطاب لأولياء هؤلاء، والمال لهؤلاء لا للأولياء، وإنما أضيف للأولياء المخاطبين، لأنه بأيديهم يتصرفون فيه، وأموال هؤلاء ولو لم تكن قياماً لأوليائهم لكن سماها الله فيما لهم لأنها من جنس ما يكون فيما لهم" وحكمة هذه التسمية التنبيه على أنه كما تحافظون على ما يكون قيماً لكم من أموالكم، حافظوا على أموال هؤلاء ليكون لهم قيماً، والقيم بمعنى القيام، من قام يقوم عند الكسائى، أو مخفف من القيام، لحذف ألفه عند غيره، أى جعلها الله يقومون بها، ويعيشون بها، ويدل له قراءة غير نافع قياماً، وذلك كعوذ فى عياذ، وسمى ما به القيام قيماً او قياماً مبالغة فى التعمد عليه فى المعاش، حتى كان نفس القيام. وقرأ عبد الله بن عمرو بن العاص أيضاً: قواماً وهو ما يقوم به أو مصدر قاوم كلاو ذلواذاً على المبالغة، وقيل: القيم جمع قيمة لأن الأموال تجعل قيمة بعضها البعض، وأجرة والأجرة قيمة فى المعنى وهذا على أن المال كله يكون ثمناً مثمناً، وما ذكرت فى تفسير السفهاء، وأصحاب الأموال وهو ما عندى. وقال سعيد بن جبير: السفهاء اليتامى ورجح لأن الكلام قبل وبعد فيه لهم من الأولياء بحفظها حتى يؤنسوا. وقيل السفهاء النساء، والأولاد، والمال للمخاطبين، وقاله الكلبى، وأبو موسى الأشعرى وابن عباس والحسن: نهانا الله أن نجعل أموالنا فى أيدى عيالنا، من نسائنا وأولادنا، يضيعونه ويسوفون، ولو كانوا بلغاً، فيصيرون بهم المنفقين لنا، فلا نجد فيها من أمر الآخرة أو الدنيا إلا ما رضوا به ولا نفعل بأمر الخير إلا اطلعوا عليه، والمرء ينبغى له إلا يطلعهم على كمية ماله لئلا يكونوا لا يرضيهم إلا كثير، أو يكونوا مستحقرين له، فكيف يجعله بأيديهم، فيكونوا كالسائل لهم، وذلك تفسير للإيتاء، بالإيصال للأموال بأيديهم، وإن فسر بالتمليك والإعطاء فأولى بالنهى بينهما هو غنى مسئول، إذا صار فقيراً سائلا، وفسره بعض النساء والأولاد الصغار، واعترض بعضهم التعبير بالنساء والأولاد بوجهيه أن النهى للتحريم، وقد أجمعوا أنه لا يحرم أن يهب لهم ماله، وفيه أن هذا فى هبة البعض وأما الكل فلا إجماع فيه، وبقوله تعالى: {وقولوا لهم قولا معروفاً} فإنه أنسب باليتيم لأن ولدك قد طبعك الله على أن تلين له، ورجح يكون المال لمن أضيف إليه حقيقة، وقيل: السفهاء النساء، ويضعفه ضمير التذكير، والجمع فى قوله: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}: {فى} بمعنى من الابتدائية، أى ارزقوهم منها، أى: اجروا عليهم نفقتهم منها، أو للظرفية، أى: اثبتوا لهم فيها نفقتهم، فلهم فيها حق سواء بإبقائها أو بالتجر فيها، لتحظوا منها ما يكون فيها نفقة، لئلا تفنى بالإنفاق، فالمال لما كان ظرفاً لربحه، كان ظرفاً لرزق الأيتام، وأخر الكسوة لأن قيام البينة بالأكل. والقول المعروف: الدعاء لهم بما يجوز من أمر الدنيا والآخرة بحسب المدعو له، ويطيب قلوبهم، أو الوعد لهم بأن يقول لمن المال له: إذا رشدت أعطيتكه، والآن أعطيتك ما تحتاج إليه، ويقول لعياله: إنى أنفقكم وأحفظ لكم وإذا ربحت أو غنمت فى غزوتى ردت لكم. وقيل: القول المعروف: تعليم أمر الدين لهم، وهو قول الزجاج، وقيل: أن يعلم اليتيم أمر دينه وما يصلح له من دنياه، كحفظ المال، والتوسط فى النفقة، ويقول إن المال مالك وإنى خازن لك، وإذا أحسنت القيام له أعطيته لك.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تُؤْتُوا} الخطاب للأَولياء ونحوهم من الأوصياء والأزواج والوكلاء والمحتسبين {السُّفَهَآءَ} الأطفال والمجانين والبله، ومن يضيع ماله أو ينفقه فى المعصية، أو لا يقوم به من الرجال أو النساء فسفههم سوء، فعلهم لخفة عقلهم {أَمْوَالِكُمُ} أى أموالهم، ولكن أضافها للأولياء المخاطبين ونحوهم لأنهم امروا أن تكون تحت أيديهم ويحافظوا عليها كأموالهم ويخرجوا زكاتها، أى لا تتركوها تحت أيديهم إن كانت عندكم فأمسكوها وإلا فخذوها حفظاً لها وذلك يناسبه أن الكلام قبل وبعد فى اليتامى فألحق بهم أمثالهم، وقيل الخطاب لأصحاب الأموال، نهوا أن يؤتوها لمن ذكر فيفسدوها، ويكونوا يطالبونهم بما يحتاجون إليه منها كأنهم غير مالكين لها، وأمروا بإمساكها وإقامتها والإنفاق منها بما شاءوا عليهم من العدل، ولا يرد على هذا القول بأن النهى للتحريم، ولا يحرم عليه أن يعطى من ماله لهؤلاء، لأن صاحب هذا القول يفسر الإيتاء بالتمكين من المال لا بالتمليك، نعم القول المعروف المأمور به فى الآية يناسب كون الخطاب للأَولياء، ونحوهم {الَّتِى جَعَلَ اللهُ} جعلها الله {لَكُمْ قِيَاماً} أى من جنس أموالكم التى تقوم بحياتكم، وذلك أن الخطاب لنحو الأولياء، والمال لنحو اليتامى، لا للأَولياء، وفيه تأكيد الحفظ، كما يحفظ الرجل مال نفسه، أو يقدر جعل الله مثلها لكم قياماً، وكأنها قيم لهم مع أنها قيم لنحو اليتامى، وإن جعلنا الخطاب لأصحاب الأموال فالمال مالهم، وهو قيم لهم، وسمى ما به القيم قيما، مبالغة فى السببية، حتى كأنها نفس القيام، أو هو اسم لما يقام به، والأصل قوماً كعوض وحول، لكن أعلت حملا على قيام، وقيل هو قيام حذفت ألفه {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} أى منها، أو اجعلوها مكاناً لرزقهم، أى اجعلوا لهم فيها رزقاً بالتجر فلا تفنى، لكون الرزق من أرباحها، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بالتجر بأموال اليتامى، وهذا أولى من الوجه الأول، وهو كون فى بمعنى من الابتدائية، أو التبعيضية {وَاكْسُوهُمْ} منها، أو اجعلوها مكاناً لكسوتهم بالتجر على حد ما مر {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} يعرف شرعاً بالحسن، فيتبعه العقل السليم، وهو ضد المنكر، مثل أن يقول: إن ربحت فى سفرى أو غنمت فى غزوتى أعطك كذا، أو حظَّا، وأن هذا المال مالك إذا بلغت حسن القيام به أرده إليك، ونحو ذلك من الوعد الجميل والقول الحسن، ومنه أمره بالمحافظة على الصلاة، وسائر الدين، وترك الإسراف، وأن عاقبة المسرف الاحتياج إلى الناس، وروى أن رفاعة مات وترك ابنه صغيراً، اسمه ثابت، فقال عمه: يا رسول الله ابن أخى يقيم فى حجرى، ما يحل لى من ماله؟ ومتى أدفع إليه ماله؟ فنزل قوله تعالى: {وَابْتَلُوا} اختبروا {اليَتَامَى} قبل البلوغ ببيع ما قل، وشراء ما قل، وبيع الطفلة غزلها ونحوه مما قل، وشراء مثل ذلك، أو بقوله على تبيع كذا بكذا أو تشتريه بكذا، أو يعقد بيعاً أو شراء ويحضر له، فيقول له: هل يصلح هذا فيمضى البيع، لأن الولى أذن له خلافاً للشافعى فإنه يوقفه على إمضاء الولى، ولا يشترط اختباره فى دينه خلافاً للشافعى {حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} حد النكاح، وهو البلوغ بإحدى علامات البلوغ، فإن لم تكن فخمس عشرة سنة عندنا وعند الشافعية، لقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه، وأقيمت عليه الحدودتفسير : ، أو الطفل أربع عشرة، والأنثى ثلاث عشرة، وزعم أبو حنيفة أن مدة البلوغ الذكر ثمانى عشرة سنة والأنثى سبع عشرة، وله قول كقولنا تفتى به الحنيفة، وتمسك لقوله الأول بقوله تعالى: {حتى يبلغ أشده}، إذ قال ابن عباس: أشده ثمانى عشرة، وحتى للابتداء والتفريع، ولا تخلو عن غاية {فَإِنْ انَسْتُم} أبصرتم {مِّنْهُمْ رُشْداً} صلاحاً فى المال عندنا، ويدل له قوله: واتبلوا اليتامى، فإنه فى المال، قال الشافعى: وفى الدين {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} فالاختبار قبل البلوغ والدفع بعده، وبعد الإيناس، وإن بلغوا ولم يؤنس رشدهم لم يدفع إليهم أموالهم ولو بلغوا خمساً وعشرين سنة أو أكثر، وزعم أبو حنيفة أنه لا يدفع إليهم أموالهم ولو أونس رشدهم ما لم يبلغوا خمساً وعشرين، وإذ بلغوها دفعت إليهم ولو لم يؤنس رشدهم، لما روى عن عمر رضى الله عنه: ينتهى لب الرجل إذا بلغ خمساً وعشرين، ولا تدفع لهم قبل البلوغ ولو أنس رشدهم، وإن بلغوا ورشدوا وأرادوا أن لا يأخذوها جاز إمساكها إذا كان باختيارهم، لا خوفاً ولا مداراة، وزاد سبعاً على مدة البلوغ عنده، لأن السبع معتبرة فى تغير أحوال الإنسان، كقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : مروهم بالصلاة لسبع" تفسير : {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً} أكل إسراف أو مسرفين وذوى إسراف، أو لأجل إسراف، وكذا فى بدار، أو جاز أكل بمعروف فى مقابلة عملكم، ولما يفسد من طعامهم إن لم يؤكل مع تعويض {وَبِدَاراً} أى سرعة، وليس الفعال على بابه، إلا أن يقال، إن اليتيم يبادر النزع أو شبه الفعل بلا مفاعلة، كالفعل بها، لجامع شدة الاجتهاد بها، وشبه مجىء زمان كبرهم شيئاً فشيئاً بمن يتعاطى أن يكون أسرع منهم {أن يَكْبَرُوا} مفعول به لبدارا، من إعمال المصدر المنون، أو تقدر لام التقوية، أو إلى، أو مخافة أن يكبروا، وكانوا يسارعون فى أكل أموال اليتامى قبل أن يبلغوا أو يطلبوها، فنهوا عن ذلك، كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما - قال رجل: يا رسول الله إن فى حجرى يتيما فآكل من ماله، قال: حديث : كل بالمعروف غير متأثل بماله مالا، ولا واق مالك بماله تفسير : لقوله تعالى {وَمَن كَانَ غَنِيَّا} من أولياء اليتامى والأوصياء ونحوهم ممن كان مال اليتامى فى أيديهم {فَلْيَسْتَعْفِفْ} من الأكل منها، والاستعفاف للمبالغة أى فليطالب نفسه مطالبة شديدة فى الامتناع عن الأكل منها {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ} منه {بِالْمَعْرُوفِ} قيل هو أجرة عمله تقدر بعدل، وقيل بأقل من أجرة سعيه، وعندى أن ذلك غير أجرة، وعبارة بعض أن الولى الفقير يأخذ بلا إذن أقل الأمرين من النفقة والأجرة بالمعروف على سعيه، لأنه تصرف فى مال من لا تمكن مراجعته كعامل الصدقة، والمراد بالأكل ما يشمل سائر المؤونات أو ظاهره، ويقاس عليه غيره، ولا يأخذها الحاكم إلا بإذن الإمام أو الجماعة، وكذا الإمام بإذن من معه من قيام الإسلام، وقيل الأكل بالمعروف الاستقراض ويشهد عليه، وإذا أيسر قضى، وعن عمرو رضى الله عنه: إنى أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أخذت منه بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت، قلت: بل هذا فى القرض منه زيادة على ما فى الآية من الأكل بالمعروف، وعنه أنه كتب إلىعمار، وعبد الله بن مسعود، وعثمان بن ضيف: سلام عليكم، أما بعد، فإنى قد رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود، وربعها لعثمان، ألا وإنى أنزلت نفسى وإياكم من مال الله بمنزلة ولي اليتيم، فمن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف، وقيل القرض من الذهب والفضة، وله مع ذلك التناول من اللبن واستخدام العبيد وركوب الدواب بلا مضرة للمال تمسكا يقوله تعالى {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالِهُمْ} لإيناس الرشد إذا أردتم دفع أموالهم إليهم {فَاشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} أمناء، أو أمينين، أى أحضروهم، وادفعوا للأيتام أموالهم، وأشهدوهم، لئلا ينسى اليتامى أو ينكروا، أو اكتبوا ذلك، وإن دفعتم إليهم فليقروا لمن يشهد، والحاصل أنه يجب على ولي اليتيم أو نحوه أن يعمل فى تحصيل براءة ذمته من التهمة والضمان، والأمر للإرشاد، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا مواقع التهم"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من وجد لقطة فليشهد ذوى عدل ولا يكتم"تفسير : ، فأمره بالإشهاد لتزول تهمته، ولا يصدق القيم فى قوله إنى أوصلت مال اليتيم إليه بلا بينة ولا إقرار اليتيم بعد بلوغه، ويصدق فى قوله أنفقت عليه كذا، مما لاق وأمكن ولم يتبين كذبه، ولا يمين عليه، وزعم أبو حنيفة أنه يقبل قوله في الدفع بعد البلوغ بلا بينة، ولا إقرار يتيم، وإلا لم تقبل وصية، وترد الآية قوله، وإن سائر الدعاوى لا بد فيها من بيان، وإن أعطاه قبل البلوغ ضمن ما أفسد الطفل، قيل وكذلك قبل إيناس الرشد يضمن {وَكفَى بِاللهِ حَسِيباً} محاسباً، فلا يغرنكم ستر ما خدعتم به فى أموال اليتامى فى الدنيا.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ} رجوع إلى بيان بقية الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى وتفصيل ما أجمل فيما سبق من شرط إيتائها [ووقته] وكيفيته إثر بيان [بعض] الأحكام المتعلقة بالأنفس أعني النكاح، وبيان بعض الحقوق المتعلقة بالأجنبيات من حيث النفس ومن حيث المال استطراداً إذ الخطاب ـ كما يدل عليه كلام عكرمة ـ للأولياء، وصرح هو وابن جبير بأن المراد من السفهاء اليتامى، ومن أموالكم أموالهم وإنما أضيفت إلى ضمير الأولياء المخاطبين ـ تنزيلاً لاختصاصها بأصحابها منزلة اختصاصها بهم فكأن أموالهم عين أموالهم لما بينهم وبينهم من الاتحاد الجنسي والنسبـي ـ مبالغة في حملهم على المحافظة عليها، ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [النساء: 29] فإن المراد لا يقتل بعضكم بعضاً إلا أنه عبر عن نوعهم بأنفسهم مبالغة في الزجر عن القتل حتى كأن قتلهم قتل أنفسهم، وقد أيد ذلك بما دل عليه قوله سبحانه: {ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً} حيث عبر عن جعلها مناطاً لمعاش أصحابها بجعلها مناطاً لمعاش الأولياء، ومفعول {جَعَلَ} الأول محذوف وهو ضمير الأموال، والمراد من القيام ما به القيام والتعيش، والتعبير بذلك زيادة في المبالغة وهو المفعول الثاني لجعل، وقد جوز أن يكون المحذوف وحده مفعولاً، وهذا حالاً منه؛ وقيل: إنما أضيفت الأموال إلى ضمير الأولياء نظراً إلى كونها تحت ولايتهم. واعترض بأنه وإن كان صحيحاً في نفسه لأن الإضافة لأدنى ملابسة ثابتة في كلامهم كما في قوله:شعر : إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة سهيل أذاعت غزلها في القرائب تفسير : إلا أنه غير مصحح لاتصاف الأموال بما بعدها من الصفة، وقيل: إنما أضيفت إلى ضميرهم لأن المراد بالمال جنسه مما يتعيش الناس به ونسبته إلى كل أحد كنسبته إلى الآخر لعموم النسبة والمخصوص بواحد دون واحد شخص المال فجاز أن ينسب حقيقة إلى الأولياء كما ينسب إلى الملاك، ويؤيد ذلك وصفه بما لا يختص بمال دون مال، واعترض بأن ذلك بمعزل عن حمل الأولياء على المحافظة المذكورة كيف لا والوحدة الجنسية المالية ليست مختصة بما بين أموال اليتامى وأموال الأولياء بل هي متحققة بين أموالهم وأموال الأجانب فإذاً لا وجه لاعتبارها أصلاً، وروي أنه سئل الصادق رضي الله تعالى عنه عن هذه الإضافة، وقيل له: كيف كانت أموالهم أموالنا؟ فقال: إذ كنتم وارثين لهم، وفيه احتمالان: أحدهما: أنه إشارة إلى ما ذكرناه أولاً في توجيه الإضافة، وثانيهما: أن ذلك من مجاز الأول، ويرد عليه حينئذ بعد القول بكذب نسبته إلى الصادق رضي الله تعالى عنه أن الأول غير متحقق بل العادة في الغالب على خلافه، والحمل على التفاؤل مما يتشاءم منه الذوق السليم. وذكر العلامة الطيبـي أنه إنما أضيف الأموال إلى اليتامى في قوله تعالى: {أية : وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ}تفسير : [النساء: 2] ولم يضفه إليهم هنا مع أن الأموال في الصورتين لهم ليؤذن بترتب الحكم على الوصف فيهما فإن تسميتهم يتامى هناك يناسب قطع الطمع فيفيد المبالغة في ردّ الأموال إليهم، فاقتضى ذلك أن يقال: أموالهم، وأما الوصف هنا فهو السفاهة فناسب أن لا يختصوا بشيء من المالكية لئلا يتورطوا في الأموال فلذلك لم يضف أموالهم إليهم وأضافها إلى الأولياء انتهى، ولا يخفى أنه بيان للعلة المرجحة لإضافة الأموال لمن ذكر، وينبغي أن تكون العلة المصححة ما مرّ آنفاً، ثم وصف اليتامى بأنهم سفهاء باعتبار خفة أحلامهم واضطراب آرائهم لما فيهم من الصغر وعدم التدرب، وأصل السفه الخفة والحركة، يقال: تسفهت الريح الشجر أي مالت به، قال ذو الرمة:شعر : / جرين كما اهتزت رماح (تسفهت) أعاليها مر الرياح النواسم تفسير : وقال أيضاً:شعر : على ظهر مقلات (سفيه) جديلها تفسير : يعني خفيف زمامها، ولكون هذا الوصف مما ينشأ منه تبذير المال وتلفه المخل بحال اليتيم ناسب أن يجعل مناطاً لهذا الحكم، وقد فسر السفهاء بالمبذرين بالفعل من اليتامى وإلى تفسير الآية بما ذكرنا ذهب الكثير من المتأخرين، وروي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما أن المراد بالسفهاء النساء والصبيان، والخطاب لكل أحد كائناً من كان، والمراد نهيه عن إيتاء ماله من لا رشد له من هؤلاء، وقيل: إن المراد بهم النساء خاصة، وروي عن مجاهد وابن عمر، وروي عن أنس بن مالك أنه قال: «حديث : جاءت امرأة سوداء جرية المنطق ذات ملح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قل فينا خيراً مرة واحدة فإنه بلغني أنك تقول فينا كل شر قال: أي شيء قلت فيكن؟ قالت: سميتنا السفهاء فقال: الله تعالى سماكن السفهاء في كتابه، قالت: وسميتنا النواقص، فقال: كفى نقصانا أن تدعن من كل شهر خمسة أيام لا تصلين فيها، ثم قال: أما يكفي إحداكن أنها إذا حملت كان لها كأجر المرابط في سبيل الله تعالى وإذا وضعت كانت كالمتشحط في دمه في سبيل الله تعالى فإذا أرضعت كان لها بكل جرعة كعتق رقبة من ولد إسماعيل فإذا سهرت كان لها بكل سهرة تسهرها كعتق رقبة من ولد إسماعيل وذلك للمؤمنات الخاشعات الصابرات اللاتي لا يكفرن العشير فقالت: السوداء يا له من فضل لولا ما يتبعه من الشرط» تفسير : . وقيل: إن السفهاء عام في كل سفيه من صبي أو مجنون أو محجور عليه للتبذير، وقريب منه ما روي عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن السفيه شارب الخمر ومن يجري مجراه، وجعل الخطاب عاماً أيضاً للأولياء وسائر الناس، والإضافة في أموالكم لا تفيد إلا الاختصاص وهو شامل لاختصاص الملكية واختصاص التصرف، وأيد ما ذهب إليه الكثير بأنه الملائم للآيات المتقدمة والمتأخرة، ومن ذهب إلى غيره جعل ذكر هذا الحكم استطراداً وكون ذلك مخلاً بجزالة النظم الكريم محل تأمل، وقرأ نافع وابن عامر (قيماً) بغير ألف، وفيه ـ كما قال أبو البقاء ـ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مصدر مثل الحول والعوض وكان القياس أن تثبت الواو لتحصنها بتوسطها كما صحت في العوض والحول لكن أبدلوها ياءاً حملاً على قيام، وعلى اعتلالها في الفعل، والثاني: أنها جمع قيمة ـ كديمة وديم ـ والمعنى إن الأموال كالقيم للنفوس إذ كان بقاؤها بها، وقال أبو علي: هذا لا يصح لأنه قد قرىء في قوله تعالى: {أية : دِينًا قِيَمًا مّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الأنعام: 161] وقوله سبحانه: {أية : ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً} تفسير : [المائدة: 97] ولا يصح معنى القيمة فيهما. والثالث: أن يكون الأصل قياماً فحذفت الألف كما حذفت في خيم؛ وإلى هذا ذهب بعض المحققين وجعل ذلك مثل عوذاً وعياذاً، وقرأ ابن عمر ـ قواماً ـ بكسر القاف وبواو وألف، وفيه وجهان: الأول: أنه مصدر قاومت قواماً مثل لاوذت لواذاً فصحت في المصدر كما صحت في الفعل، والثاني: أنه اسم لما يقوم به الأمر وليس بمصدر، وقرىء كذلك إلا أنه بغير ألف وهو مصدر صحت عينه وجاءت على الأصل كالعوض، وقرىء بفتح القاف وواو وألف، وفيه وجهان: أحدهما: أنه اسم مصدر مثل السلام والكلام والدوام، وثانيهما: أنه لغة في القوام الذي هو بمعنى القامة يقال: جارية حسنة القوام والقوام، والمعنى التي جعلها الله تعالى سبب بقاء قامتكم، وعلى سائر القراءات في الآية إشارة إلى مدح الأموال وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن ولأن أترك مالاً يحاسبني الله تعالى عليه خير من أن احتاج إلى الناس، وقال عبد الله بن عباس: الدراهم والدنانير خواتيم الله في الأرض لا تؤكل ولا تشرب / حيث قصدت بها قضيت حاجتك، وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلا بفعال ولا مجد إلا بمال، وقيل لأبـي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال: هي وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها، وفي «منثور الحكم» من استغنى كرم على أهله، وفيه أيضاً الفقر مخذلة والغنى مجذلة والبؤس مرذلة والسؤال مبذلة وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه، وقال أبو العتاهية:شعر : أجلك قوم حين صرت إلى الغنى وكل غني في العيون جليل إذا مالت الدنيا على المرء رغبت إليه ومال الناس حيث يميل وليس الغنى إلا غنى زين الفتى عشية يقري أو غداة ينيل تفسير : وقد أكثر الناس في مدح المال واختلفوا في تفضيل الغنى والفقر، واستدل كل على مدعاه بما لا يتسع له هذا المجال، ولشيخنا علاء الدين أعلى الله تعالى درجته في أعلى عليين:شعر : قالوا اغتنى ناس وإنا نرى عنك وأنت العلم المال مال قلت غنى النفس كمال الغنى والفقر كل الفقر فقد الكمال تفسير : وله أيضاً:شعر : قالوا حوى المال رجال وما على كمال نلت هذا المنال فقلت حازوا بعض أجزائه وإنني حزت جميع الكمال تفسير : {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ} أي اجعلوها مكانا لرزقهم وكسوتهم بأن تتجروا وتربحوا حتى تكون نفقاتهم من الأرباح لا من صلب المال لئلا يأكله الانفاق، وهذا ما يقتضيه جعل الأموال نفسها ظرفاً للرزق والكسوة، ولو قيل: منها كان الانفاق من نفس المال، وجوز بعضهم أن تكون في بمعنى من التبعيضية. {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} أي كلاماً تطيب به نفوسهم كأن يقول الولي لليتيم: مالك عندي وأنا أمين عليه فإذا بلغت ورشدت أعطيتك مالك، وعن مجاهد وابن جريج أنهما فسرا القول المعروف بِعِدَة جميلة في البر والصلة، وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: إذا ربحت في سفري هذا فعلت بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غزاي جعلت لك حظاً، وقال الزجاج: علموهم ـ مع إطعامكم وكسوتكم إياهم ـ أمر دينهم مما يتعلق بالعلم والعمل، وقال القفال: إن كان صبياً فالوصي يعرفه أن المال ماله وأنه إذا زال صباه يرد المال إليه، وإن كان سفيهاً وعظه وحثه على الصلاة وعرفه أن عاقبة الاتلاف فقر واحتياج. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية إن كان ليس من ولدك ولا ممن يجب عليك أن تنفق عليه فقل له: عافانا الله تعالى وإياك بارك الله تعالى فيك، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر لما أنه ظاهر في أن الخطاب في هذه الجملة ليس للأولياء، وبالجملة كل ما سكنت إليه النفس لحسنه شرعاً أو عقلاً من قول أو عمل معروف، وكل ما أنكرته لقبحه شرعاً أو عقلاً منكر ـ قاله غير واحد ـ وليس إشارة إلى المذهبين في الحسن والقبح هل هو شرعي أو عقلي ـ كما قيل ـ إذ لا خلاف بيننا وبين القائلين بالحسن والقبح العقليين في الصفة الملائمة للغرض والمنافرة له، وإن منها ما مأخذه العقل وقد يرد به الشرع، وإنما الخلاف ـ فيما يتعلق به المدح والذم عاجلاً والثواب والعقاب آجلا ـ هل هو مأخذه الشرع فقط أو العقل على ما حقق في الأصول.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله: {أية : وآتوا النساء صدقاتهن}تفسير : [النساء: 4] لدفع توهّم إيجاب أن يؤتى كلّ مال لمالكه من أجل تقدّم الأمر بإتيان الأموال مالكيها مرّتين في قوله: {أية : وآتوا اليتامى أموالهم - وآتوا النساء صدقاتهن}تفسير : [النساء: 2، 4]. أو عطف على قوله: {وآتوا اليتامى} وما بينهما إعتراض. والمقصود بيان الحال التي يمنع فيها السفيه من ماله، والحال التي يؤتى فيها مالَه، وقد يقال كان مقتضى الظاهر على هذا الوجه أن يقدّم هنالك حكم منع تسليم مال اليتامى لأنّه أسبق في الحصول، فيتّجه لمخالفة هذا المقتضى أن نقول قدّم حكم التسليم، لأنّ الناس أحرص على ضدّه، فلو ابتدأ بالنهي عن تسليم الأموال للسفهاء لاتّخذه الظالمون حجّة لهم، وتظاهروا بأنّهم إنّما يمنعون الأيتام أموالهم خشية من استمرار السفه فيهم، كما يفعله الآن كثير من الأوصياء والمقدّمين غير الأتقياء، إذ يتصدّون للمعارضة في بيّنات ثبوت الرشد لمجرّد الشغب وإملال المحاجير من طلب حقوقهم. والخطاب في قوله: {ولا تؤتوا السفهاء} كمثل الخطاب في {وآتوا اليتامى - وآتوا النساء} هو لعموم الناس المخاطبين بقوله: {أية : يا أيها الناس اتّقوا ربكم}تفسير : [الحج: 1] ليأخذ كل من يصلح لهذا الحكم حظّه من الامتثال. والسفهاء يجوز أن يراد به اليتامى، لأنّ الصغر هو حالة السفه الغالبة، فيكون مقابلاً لقوله: {وآتوا اليتامى} لبيان الفرق بين الإيتاء بمعنى الحفظ والإيتاء بمعنى التمكين، ويكون العدول عن التعبير عنهم باليتامى إلى التعبير هنا بالسفهاء لبيان علّة المنع. ويجوز أن يراد به مطلق من ثبت له السفه، سواء كان عن صغر أم عن اختلال تصرّف، فتكون الآية قد تعرّضت للحجر على السفيه الكبير استطراداً للمناسبة، وهذا هو الأظهر لأنّه أوفر معنى وأوسع تشريعاً. وتقدّم بيان معاني السفه عند قوله تعالى: {أية : إلا من سفه نفسه} تفسير : في سورة البقرة (130). والمراد بالأموال أموال المحاجير المملوكة لهم، ألا ترى إلى قوله: وارزقوهم فيها} وأضيفت الأموال إلى ضمير المخاطبين بـ (يا أيّها الناس) إشارة بديعة إلى أنّ المال الرائج بين الناس هو حقّ لمالكية المختصّين به في ظاهر الأمر، ولكنّه عند التأمّل تلوح فيه حقوق الأمة جمعاء لأنّ في حصوله منفعة للأمّة كلّها، لأنّ ما في أيدي بعض أفرادها من الثروة يعود إلى الجميع بالصالحة، فمن تلك الأموال يُنفق أربابها ويستأجرون ويشترون ويتصدّقون ثم تورث عنهم إذا ماتوا فينتقل المال بذلك من يد إلى غيرها فينتفع العاجز والعامل والتاجر والفقير وذو الكفاف، ومتى قلَّت الأموال من أيدي الناس تقاربوا في الحاجة والخصاصة، فأصبحوا في ضنك وبؤس، واحتاجوا إلى قبيلة أو أمّة أخرى وذلك من أسباب ابتزاز عزّهم، وامتلاك بلادهم، وتصيير منافعهم لخدمة غيرهم، فلأجل هاته الحكمة أضاف الله تعالى الأموال إلى جميع المخاطبين ليكون لهم الحقّ في إقامة الأحكام التي تحفظ الأموال والثروة العامة. وهذه إشارة لا أحسب أنّ حكيماً من حكماء الاقتصاد سبق القرآن إلى بيانها. وقد أبْعَدَ جماعة جعلوا الإضافة لأدنى ملابسة، لأنّ الأموال في يد الأولياء، وجعلوا الخطاب للأولياء خاصّة. وجماعة جعلوا الإضافة للمخاطبين لأنّ الأموال من نوع أموالهم، وإن لم تكن أموالهم حقيقة، وإليه مال الزمخشري. وجماعة جعلوا الإضافة لأنّ السفهاء من نوع المخاطبين فكأنّ أموالَهم أموالُهم وإليه مال فخر الدين. وقارب ابن العرب إذ قال: «لأنّ الأموال مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد وتخرج من ملك إلى ملك» وبما ذكرته من البيان كان لكلمته هذه شأن. وأبعَدَ فريق آخرون فجعلوا الإضافة حقيقية أي لا تؤتوا ـــ يا أصحاب الأموال ـــ أموالكم لمن يضيعها من أولادكم ونسائكم، وهذا أبعد الوجوه، ولا إخال الحامل على هذا التقدير إلاّ الحيرة في وجه الجمع بين كون الممنوعين من الأموال السفهاء، وبين إضافة تلك الأموال إلى ضمير المخاطبين، وإنّما وصفته بالبعد لأنّ قائله جعله هو المقصود من الآية ولو جعله وجهاً جائزاً يقوم من لفظ الآية لكان له وجه وجيه بناء على ما تقرّر في المقدّمة التاسعة. وأجرى على الأموال صفة تزيد إضافتها إلى المخاطبين وضوحاً وهي قوله: {التي جعل اللَّه لكم قياماً} فجاء في الصفة بموصول إيماء إلى تعليل النهي، وإيضاحاً لمعنى الإضافة، فإنّ (قيما) مصدر على وزن فِعَل بمعنى فِعَال: مثل عِوذَ بمعنى عياذ، وهو من الواوي وقياسُه قِوَم، إلاّ أنّه أعلّ بالياء شذوذاً كما شذّ جياد في جمع جَواد وكما شذّ طيال في لغة ضَبَّةَ في جمع طويل، قصدوا قلب الواو ألفاً بعد الكسرة كما فعلوه في قيام ونحوه، إلاّ أنّ ذلك في وزن فِعال مطّرد، وفي غيره شاذّ لكثرة فِعال في المصادر، وقلّة فِعَل فيها، وقيم من غير الغالب. كذا قرأه نافع، وابن عامر: «قيما» بوزن فِعَل، وقرأه الجمهور «قياماً»، والقيام ما به يتقوّم المعاش وهو واوي أيضاً وعلى القراءتيْن فالإخبار عن الأموال به إخبار بالمصدر للمبالغة مثل قول الخنساء:شعر : فإنَّمَا هي إقْبَال وإدْبَار تفسير : والمعنى أنّها تقويم عظيم لأحوال الناس. وقيل: قيما جمع قِيمة أي التي جعلها الله قيماً أي أثماناً للأشياء، وليس فيه إيذان بالمعنى الجليل المتقدّم. ومعنى قوله: {وارزقوهم فيها واكسوهم} واقع موقع الاحتراس أي لا تؤتوهم الأموال إيتاء تصرّف مطلق، ولكن آتوهم إيّاها بمقدار انتفاعهم من نفقة وكسوة، ولذلك قال فقهاؤنا: تسلّم للمحجور نفقته وكِسْوته إذا أمن عليها بحسب حاله وماله، وعدل عن تعدية {ارزقوهم واكسوهم} بـ (مِن) إلى تعديتها بـ (في) الدالّة على الظرفية المجازية، على طريقة الاستعمال في أمثاله، حين لا يقصد التبعيض الموهم للإنقاص من ذات الشيء، بل يراد أنّ في جملة الشيء ما يحصل به الفعل: تارة من عينه، وتارة من ثمنه، وتارة من نتاجه، وأنّ ذلك يحصل مكرّراً مستمرّاً. وانظر ذلك في قول سَبرة بن عمرو الفَقْعسي:شعر : نُحابِي بها أكفاءنَا ونُهيِنَها ونَشْرَب في أثْمَانِها ونُقامِر تفسير : يريد الإبل التي سيقت إليهم في دية قتيل منهم، أي نشرب بأثمانها ونقامر، فإمّا شربنا بجميعها أو ببعضها أو نسترجع منها في القمار، وهذا معنى بديع في الاستعمال لم يسبق إليه المفسّرون هنا، فأهمل معظمهم التنبيه على وجه العدول إلى (في)، واهتدى إليه صاحب «الكشاف» بعض الاهتداء فقال: أي اجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تتّجروا فيها وتتربَّحوا حتّى تكون نفقتهم من الربح لا من صلب المال. فقوله: «لا من صلب المال» مستدرك، ولو كان كما قال لاقتضى نهياً عن الإنفاق من صلب المال. وإنّما قال: {وقولوا لهم قولاً معروفاً} ليسلم إعطاؤهم النفقة والكسوة من الأذى، فإنّ شأن من يُخرج المال من يده أن يستثقل سائل المال، وذلك سواء في العطايا التي من مال المعطي، والتي من مال المعطَى، ولأنّ جانب السفيه ملموز بالهون، لقلّة تدبيره، فلعلّ ذلك يحمل ولّيه على القلق من معاشرة اليتيم فيسمعه ما يكره مع أنّ نقصان عقله خلل في الخلقة، فلا ينبغي أن يشتم عليه، ولأنّ السفيه غالباً يستنكر منعَ ما يطلبُه من واسع المطالب، فقد يظهر عليه، أو يصدر منه كلمات مكروهة لوليّه، فأمر الله لأجل ذلك كلّه الأولياء بأن لا يبتدئوا محاجيرهم بسَيّىء الكلام، ولا يجيبوهم بما يسوء، بل يعظون المحاجير، ويعلّمونهم طرق الرشاد ما استطاعوا، ويذكّرونهم بأنّ المال مالهم، وحفظه حفظ لمصالحهم، فإنّ في ذلك خيراً كثيراً، وهو بقاء الكرامة بين الأولياء ومواليهم، ورجاء انتفاع الموالي بتلك المواعظ في إصلاح حالهم حتّى لا يكونوا كما قال:شعر : إذا نُهِي السفيهُ جرى إليه وخالف والسفيه إلى خلاف تفسير : وقد شمل القَول المعروف كلّ قول له موقع في حال مقاله. وخرج عنه كلّ قول منكر لا يشهد العقل ولا الخُلُق بمصادفته المحزّ، فالمعروف قد يكون ممّا يكرهه السفيه إذا كان فيه صلاح نفسه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لا تؤتوا: لا تعطوا. السفهاء: جمع سفيه وهو من لا يحسن التصرف في المال. قياماً: القيام: ما يقوم به الشيء فالأموال جعلها الله تعالى قياما أي تقوم عليها معايش الناس ومصالحهم الدنيوية والدينية أيضاً. قولا معروفاً: أي قولاً تطيب به نفسه فلا يغضب ولا يحزن. وابتلوا اليتامى: أي اختبروهم كي تعرفوا هل أصبحوا يحسنون التصرف في المال. بلغوا النكاح: أي سن الزواج وهي البلوغ. آنستم: أبصرتم الرشد في تصرفاتهم. إسرافاً وبداراً: الإِسراف الإنفاق في غير الحاجة الضرورية، والبدار: المبادرة والمسارعة إلى الأكل منه قبل أن ينقل إلى اليتيم بعد رشده. فليستعفف: أي يعف بمعنى يكف عن الأكل من مال يتيمه. فليأكل بالمعروف: أي بقدر الحاجة الضرورية. وكفى بالله حسيبا: شاهداً لقرينه فأشهدوا عليهم. معنى الآيتين: ما زال السياق الكريم في إرشاد الله تعالى عباده المؤمنين إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم في الدنيا، ونجاتهم وفلاحهم في الآخرة فقال تعالى في الآية الأولى [5]، ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها وأكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً، فنهاهم تعالى أن يعطوا أموالهم التي هي قوام معاشهم السفهاء من امرأة وولد أو رجل قام به وصف السفه وهو قلة البصيرة بالأمور المالية، والجهل بطرق التصرف الناجحة مخافة أن ينفقوها في غير وجوهها أو يفسدوها بأي نوع من الإِفساد، كالإِسراف ونحوه، وأمرهم أن يرزقوهم فيها ويكسوهم، وقال فيها ولم يقل منها إشارة إلى أن المال ينبغي أن ينمى في تجارة أو صناعة أو زراعة فيبقى رأس المال والأكل يكون من الربح فقط كما أمرهم أن يقولوا لسفائهم الذين منعوهم المال أن يقولوا لهم قولاً معروفاً كالعدة الحسنة والكلمة الطيبة، هذا ما تضمنته الآية الأولى أما الثانية [6] فقد أمرهم تعالى باختبار اليتامى إذا بلغوا سن الرشد أو ناهزوا البلوغ بأن يعطوهم شيئاً من المال ويطلبوا منهم أن يبيعوا أو يشتروا فإذا وجدوا منهم حسن تصرف دفعوا إليهم أموالهم وأشهدوا عليهم، حتى لا يقول أحدهم في يوم من الأيام ما أعطيتني مالي، وكفى بالله حسيبا أي شاهداً ورقيباً حفيظاً. ونهاهم عز وجل أن يأكلوا أموال اليتامى إسرافاً وبداراً أن يكبروا ويريد لا تأكلوا أموال يتاماكم أيها الولاة والأوصياء بطريق الإِسراف وهو الإنفاق الزائد على قدر الحاجة، والمبادرة هي المسارعة قبل أن يرشد السفية وينقل إليه المال. ثم أرشدهم إلى أقوم الطرق وأسدها في ذلك فقال ومن كان منكم غنيا فليكفّ عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئاً، ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف وذلك بأن يستقرض منه ثم يرده إليه بعد الميسرة، وإن كان الولي فقيراً جاز له أن يعمل بأجر كسائر العمال، وإن كان غنياً فليعمل مجاناً احتساباً وأجره على الله والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- مشروعية الحجر على السفيه لمصلحته. 2- استحباب تنمية الأموال في الأوجة الحلال لقرينة {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا}. 3- وجوب اختبار السفيه قبل دفع ماله إليه، إذ لا يدفع إليه المال إلا بعد وجود الرشد. 4- وجوب الإِشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه ورشده. 5- حرمة أكل مال اليتيم والسفية مطلقا. 6- الوالي على اليتيم إن كان غنياً فلا يأكل من مال اليتيم شيئاً، وإن كان فقيراً استقرض ورد عند الوجد واليسار، وإن كان مال اليتيم يحتاج إلى أجير للعمل فيه جاز للولي أن يعمل بأجرة المثل.
القطان
تفسير : السفهاء: ضعاف العقول الذين لا يحسنون تدبير أنفسهم. قياما: تقوم بها أمور معايشكم وتمنع عنكم الفقر. وارزقوهم فيها: اعطوهم رزقهم من أموالهم، ولا تجمّدوها بل اتَّجروا بها حتى لا تنفد. ولا تعطوا ضعاف العقول ممن لا يحسنون التصرف في المال أموالهم التي هي أموالكم كمجتمع. ذلك ان مال اليتيم وضعيف العقل هو مالُكم كمسلمين، فاذا ضاع أو تلف خسرتم أنتم. لذلك عليكم ان تثمِّروه وتحافظوا عليه حتى لا يضيع. {ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} الّتي بها تقوم الحياة وتثبت. وفي هذا حثٌّ على حفظ الأموال وعدم تضييعها. وقد كان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن. ولأَن أَترك مالاً يحاسبني الله عليه خيرٌ من أن احتاج الناس. (وأعطوهم رزقهم) اي أعطوهم من ثمراتها النصيب الذي يحتاجون اليه للطعام، واكسوهم وعاملوهم بالحسنى. {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً} يرضيهم ولا يؤذيهم. قراءات: قرأ نافع وابن عامر "التي جعل الله لكم قيما" والمعنى واحد.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمْوَالَكُمُ} {قِيَاماً} (5) - هذا خِطَابٌ لِمَجْمُوعِ الأمَّةِ، وَالنَّهْيُ فِيهِ شَامِلٌ لِكُلِّ مَالٍ يُعْطَى لأيِّ سَفيهٍ، فَاللهُ تَعَالَى يَأْمُرُ النَّاسَ بِإِعْطَاءِ كُلِّ يَتِيمٍ مَالَهُ إذَا بَلَغَ، وَكُلِّ امْرَأَةٍ صَدَاقَهَا، إلاَّ إذَا كَانَ أحَدُهُمَا سَفِيهاً لاَ يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ فَعَلَى المَسْؤُولِينَ عَنِ المَالِ أنْ لاَ يُعْطُوهُ مِنْهُ لِئَلاَّ يُبَذِّرَهُ، وَأنْ يَحْفَظُوهُ لَهُ حَتَّى يَرْشُدَ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ الأَمْوَالَ لِلنَّاسِ لِتَقُومَ بِهَا مَعَاشَاتُهُمْ وَتِجَارَتُهُمْ، وَتَثْبُتَ بِهَا مَنَافِعُهُمْ وَمَرَافِقُهُمْ. فَمَرَافِقُهُمْ وَمَصَالِحُهُم العَّامَّةُ لاَ تَزَالُ ثَابِتَةً قَائِمَةً مَا دَامَتْ أمْوَالُهُمْ فِي أيْدِي الرَّاشِدِينَ المُقْتَصِدِينَ مِنْهُمْ، الَّذِينَ يُحْسِنُونَ تَثْمِيرَها. وَنَبَّهَ اللهُ تَعَالَى الأوْلِيَاءَ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أمْوَالَ السُّفَهَاءِ وَتَثْمِيرَهَا، بِأَنَّ عَلَيهِمْ أنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ، وَيُقَدِّمُوا لَهُمْ كِفَايَتَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ وَنَحوِ ذَلِكَ، مِنْ نِتَاجِ الأمْوَالِ وَأرْبَاحِهَا، لاَ مِنْ صُلْبِ المَالِ حَتَّى لاَ يَأكُلَهُ الإِنْفَاقُ. وَعَلَى الوَلِيِّ أنْ يَنْصَحَ اليَتِيمَ الصَّغِيرَ، أوِ السَّفِيهَ، وَأنْ يُبَيِّنَ لَهُ مَا فِيهِ خَيْرُهُ وَمَصْلَحَتُهُ، وَأنْ يَحُثَّهُ عَلَى تَرْكِ الإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ، وَأنْ يُعَامِلهُ بِالرِّفْقِ وَالإِحْسَانِ وَالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ. السَّفَهُ - الخِفَّةُ وَالاضْطِرَابُ، ثُمّ أُطْلِقَ عَلَى التَّبْذِيرِ فِي إنْفَاقِ المَالِ فِيمَا لاَ يَنْبَغِي. قِيَاماً - تَقُومُ بِهَا أُمُورُ النَّاسِ وَمَعَايِشُهُمْ (وَمِنْها القَوَّامُ). القَوْلُ المَعْرُوفُ - هُوَ القَوْلُ الذِي يطيب بِهِ الخَاطِرُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومَنْ هو السفيه؟ إنه الذي لا صلاح له في عقل ولا يستطيع أن يصرّف ماله بالحكمة. ومَنْ الذي يعطي ماله إلى سفيه؟ إن الحق يقول ذلك ليعلمنا كيفية التصرف في المال - ومثال على ذلك يقول الحق: {أية : وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ..} تفسير : [الحجرات: 11]. هل أحد منا يلمز نفسه؟ لا، ولكن الإنسان يلمز خصمه، ولمز الخصم يؤدي إلى لمز النفس لأن خصمه سيلمزه ويعيبه أو لأنكما سواء. إذن فقول الحق: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ..} [النساء: 5] يعني أن الله يريد أن يقول: إن السفيه يملك المال، إلا أن سفهه يمنعه من أن يحسن التصرف. وعدم التصرف الحكيم يذهب بالمال، ويفسده، وحين يكون سفيهاً فالمال ليس له - تصرفاً وإدارة - ولكن المال لمَنْ يصلحه بالقوامة. أو أن الحق سبحانه وتعالى يعالج قضية كان لها وجود في المجتمع وهي أنّ الرجل إذا ما كان له أبناء، وكبروا قليلاً، فهو يحب أن يتملص من حركة الحياة، ويعطي لهم حق التصرف في المال. وإن كان تصرفهم لا يتفق مع الحكمة، فكأنه قال سبحانه: "لا" إياك أن تعطي أموالك للسفهاء بدعوى أنهم أولادك. وإياك أن تملك أولادك ما وهبه الله لك من رزقك؛ لأن الله جعل من مالك قياماً لك، وإياك أن تجعل قيامك أنت في يد غيرك. {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا ..} [النساء: 5] وهل السفيه لا يعيش؟ وهل يأكل السفيه دون أكل الرشيد؟ أَيَلْبِسُ السفيه لبس الرشيد؟ أيسكن السفيه دون مسكن الرشيد؟ أيبتسم الإنسان في وجه الرشيد ولا يبتسم في وجه السفيه؟ لا؛ لذلك يأمر الحق ويقول: {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفا} [النساء: 5] ذلك أمر بحسن معاملة السفيه، وإياكم أن تعيروهم بسفههم، ويكفيهم ما هم فيه من سفه. ويرجع الحق من بعد ذلك إلى اليتامى: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا ...}.
الصابوني
تفسير : [2] رعاية الإسلام لأموال الأيتام التحليل اللفظي {ٱلسُّفَهَآءَ}: أصل السفه في اللغة الخفة والحركة، يقال: تسفهت الريح الشجر إذا أمالته، ورجل سفيه إذا كان ناقص التفكير خفيف الحلم، والمراد به هنا الذي لا يحسن التصرف في ماله، أو يبذره في غير الطرق المشروعة. قال في "الكشاف": "السفهاء المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا يد لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها". {قِيَٰماً}: أي به معاشكم وقوام حياتكم. قال ابن قتيبة: قياماً وقواماً بمنزلة واحدة تقول: هذا قوام أمرك وقيامه أي ما يقوم به أمرك. {وَٱبْتَلُواْ}: الابتلاء: الاختبار أي اختبروا عقولهم وتصرفهم في أموالهم. {آنَسْتُمْ}: أي علمتم وقيل: رأيتم، وأصل الإيناس: الإبصار ومنه قوله تعالى: {أية : آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً} تفسير : [القصص: 29] قال الأزهري: تقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى أحداً؟ أي تبصّر. {رُشْداً}: الرشد الاهتداء إلى وجوه الخير، والمراد به هنا الاهتداء إلى حفظ الأموال. {إِسْرَافاً}: الإسراف مجاوزة الحد والإفراط في الشيء، والسرف التبذير. {وَبِدَاراً}: معناه مبادرة أي مسارعة، والمراد أن يسارع في أكل مال اليتيم خشية أن يكبر فيطالبه به. {فَلْيَسْتَعْفِفْ}: استعفّ عن الشيء كفّ عنه وتركه، وهو أبلغ من (عفّ) كأنه طلب زيادة العفة. {حَسِيباً}: أي محاسباً لأعمالكم ومجازياً لكم عليها. قال الأزهري: يحتمل أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب، وأن يكون بمعنى الكافي، ومن الثاني قولهم: حسبك الله أي كافيك الله. قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأنفال: 64]. {ٱلْقِسْمَةَ}: المراد بالقسمة في الآية قسمة التركة بين المستحقين من الأقرباء. {أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ}: المراد بهم الأقرباء الذين لا يرثون لكونهم محجوبين، أو لكونهم من ذوي الأرحام. {قَوْلاً مَّعْرُوفاً}: أي قولاً طيباً لطيفاً فيه نوع من الاعتذار، وتطييب الخاطر، قال سعيد بن جبير: يقول الولي للقريب: خذ بارك الله فيك، إني لست أملك هذا المال إنما هو للصغار. {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}: أي سيدخلون ويذوقون ناراً حامية مستعرة يصطلي الإنسان بحرّها ولهبها. المعنى الإجمالي نهى الله سبحانه وتعالى الأولياء عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال، التي جعلها الله للناس قياماً، تقوم بها حياتهم ومعايشهم، وأمر بالإنفاق عليهم بشتى أنواع الإنفاق من الكسوة والإطعام وسائر الحاجات، كما أمر تعالى باختبار اليتامى حتى إذا رأوا منهم صلاحاً في الدين، وحفظاً للأموال، فعلى الأوصياء أن يدفعوا إليهم أموالهم من غير تأخير، وعليهم ألاّ يبذّروها ويفرطوا في انفاقها، ويقولوا: ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا، فمن كان غنياً فليكفّ عن مال اليتيم، ومن كان فقيراً فليأكل بقدر الحاجة، فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم لئلا يجحدوا تسلمها وكفى بالله محاسباً ورقيباً. ثم بيّن تعالى أن للرجال نصيباً من تركة أقربائهم، كما للنساء، فرضها الله لهم بشرعه العادل وكتابه المبين، وأمر بإعطاء أولي القربى واليتامى والمساكين من غير الوارثين شيئاً من هذه التركة تطييباً لخاطرهم وإحساناً إليهم. ثم حذَّر تعالى الأوصياء من الظلم للأيتام الذين جعلهم الله تحت رعايتهم ووصايتهم، وأمرهم بالإحسان إليهم، فكما يخشى الإنسان على أولاده الصغار الضعاف بعد موته، عليه أن يتقي الله في هؤلاء الأيتام فكأنه تعالى يقول: افعلوا باليتامى، كما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم. ثم ختم تعالى الآيات ببيان جزاء الظالمين الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً وعدواناً، وبيّن أنهم إنما يأكلون ناراً تتأجج في بطونهم يوم القيامة، وسيدخلون السعير وهي نار جهنم المستعرة أعاذنا الله منها. سبب النزول أولاً: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء، ولا الولدان الصغار شيئاً، ويجعلون الميراث للرجال الكبار فأنزل الله {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ...} الآية. ثانياً: وروي عن ابن عباس أنه قال: "كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات ولا الصغار الذكور حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار يقال له: (أوس بن ثابت) وترك ابنتين وابناً صغيراً فجاء ابنا عمه فأخذوا ميراثه كله. فقالت امرأته لهما تزوجا بهما - وكان بهما دمامة - فأبيا فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فنزلت الآية: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليهما فقال لهما: لا تحركا من الميراث شيئاً فقد أخبرت أن للذكر والأنثى نصيباً، ثم نزل قوله تعالى: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ} تفسير : [النساء: 11]. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور {ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً}، وقرأ نافع وأهل المدينة (قِيَماً) بدون ألف. 2 - قرأ الجمهور {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} بضم الراء، وقرأ السلمي (رَشَداً) بفتح الراء والشين. 3 - قرأ الجمهور {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} وقرأ ابن عامر وعاصم (وسَيُصْلُون) بالبناء للمجهول. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {إِسْرَافاً وَبِدَاراً} مفعول لأجله ويجوز أن تعرب حالاً أي لا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم، وقوله (أن يكبروا) في محل نصب بـ (بداراً). ثانياً: قوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} الباء زائدة ولفظ الجلالة فاعل و(حسيباً) تمييز. ثالثاً: قوله تعالى: {نَصِيباً مَّفْرُوضاً} نصيباً منصوب على المصدر و(مفروضاً) صفة له. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: أضاف أموال اليتامى إلى الأوصياء مع أنها أموال اليتامى للتنبيه إلى التكافل بين أفراد الأمة، والحث على حفظ الأموال وعدم تضييعها، فإن تبذير السفيه للمال فيه مضرة للمجتمع، وهو كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [النساء: 29] عبّر عن قتل الغير بقتل النفس لهذه الرابطة بين أفراد المجتمع. قال الفخر الرازي: "المال شيء ينتفع به نوع الإنسان ويحتاج إليه، فلأجل هذه (الوحدة النوعية) حسنت إضافة أموال السفهاء إلى الأولياء". اللطيفة الثانية: لمّا كان المال سبباً لبقاء الإنسان وقيام شؤون حياته ومعاشه، سمّاه تعالى بالقيام إطلاقاً لاسم (المسبَّب) على (السبب) على سبيل المبالغة. ولهذا كان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خيرٌ من أن أحتاج إلى الناس. اللطيفة الثالثة: قال صاحب "الكشاف": "الفائدة في تنكير الرشد التنبيه على أن المعتبر هو الرشد في التصرف والتجارة، أو على أن المعتبر هو حصول طرفٍ من الرشد، وظهور أثر من آثاره حتى لا ينتظر به تمام الرشد". اللطيفة الرابعة: لفظ (استعفّ) أبلغ من (عفّ) كأنه يطلب زيادة العفة قاله أبو السعود. وفي لفظ الاستعفاف، والأكل بالمعروف، ما يدل على أن للوصي حقاً لقيامه بتدبير مال اليتيم، وقد روي أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "حديث : إنّ في حجْري يتيماً أفآكل من ماله؟ قال: بالمعروف، غير متأثل مالاً، ولا واقٍ مالك بماله، قال: أفأضربه؟ قال: ممّا كنت ضارباً منه ولدك ". تفسير : اللطيفة الخامسة: في اختيار هذا الأسلوب التفصيلي، مع أنه كان يكفي أن يقول: للرجال والنساء نصيبُ مما ترك الوالدان والأقربون... إلخ للاعتناء بأمر النساء، والإيذان بآصالتهن في استحقاق الإرث، والمبالغة في إبطال حكم الجاهلية، فإنهم ما كانوا يورثون النساء والأطفال ويقولون: كيف نعطي المال من لا يركب فرساً، ولا يحمل سلاحاً، ولا يقاتل عدواً؟ فلهذا فصّل الله تعالى الحكم بطريق (الإطناب) فتدبر أسرار الكتاب المجيد. اللطيفة السادسة: ذكر البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها للتأكيد والمبالغة، فهو كقول القائل: أبصرتُ بعيني، وسمعتُ بأذني وكقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46] وقوله: {أية : ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 4] وقوله: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 38] والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة، وفي الآية أيضاً تشنيع على آكل مال اليتيم حيث صرف المال في أخس الأشياء. اللطيفة السابعة: قال القرطبي: "سمي المأكول ناراً باعتبار ما يؤول إليه كقوله تعالى: {أية : إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً} تفسير : [يوسف: 36] أي عنباً يؤول إلى الخمر، وقيل: المراد بالنار الحرام لأن الحرام يوجب النار فسمّاه الله تعالى باسمه". اللطيفة الثامنة: قال الفخر الرازي: "وما أشد دلالة هذا الوعيد {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} على سعة رحمته تعالى وكثرة عفوه وفضله، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى، وذلك كله من رحمة الله تعالى باليتامى". الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد بالسفهاء في الآية الكريمة؟ اختلف المفسرون في المراد بالسفهاء في الآية الكريمة، فقال بعضهم: المراد به الصبيان والأولاد الصغار الذين لم يكتمل رشدهم وهو منقول عن الزهري وابن زيد. وقال بعضهم: المراد به النساء المسرفات سواءً كنّ أزواجاً أو أمهات أو بنات وهو منقول عن مجاهد والضحاك. وقيل: المراد به النساء والصبيان وهو قول الحسن وقتادة وابن عباس. وقال آخرون: المراد بالسفهاء كل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال، ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام وكل من كان موصوفاً بهذه الصفة، وهذا القول أصح وهو اختيار الطبري لأن اللفظ عام والتخصيص بغير دليل لا يجوز. قال الطبري: "إن الله جل ثناؤه عمّم، فلم يخص سفيهاً دون سفيه، فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهاً ماله، صبياً صغيراً كان، أو رجلاً كبيراً، ذكراً كان أو أنثى، والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله، هو المستحق الحجر بتضييعه ماله، وفساده وإفساده، وسوء تدبيره". الحكم الثاني: هل يحجر على السفيه؟ استدل الفقهاء بهذه الآية الكريمة على وجوب (الحجر على السفيه) لأنّ الله تعالى نهانا عن تسليم السفهاء أموالهم حتى نأنس منهم الرشد، ويبلغوا سنّ الاحتلام. والحجر على أنواع: فتارة يكون (الحجر للصغر) فإن الصغر قاصر النظر مسلوب العبارة. وتارة يكون (الحجر للجنون) فإن المجنون فاقد الأهلية في العقود لعدم العقل. وتارة يكون (الحجر للسفه) كالذي يبذّر المال، أو يسيء التصرف في ماله لنقض عقله ودينه. وتارة يكون (الحجر للإفلاس) كالذي تحيط الديون به ويضيق ماله عن وفائها، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه حجر عليه، فكل هؤلاء يحجر عليهم للأسباب التي ذكرناها. وقد اتفق الفقهاء على أن الصغير لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ سنّ الاحتلام، ويؤنس منه الرشد لقوله تعالى: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} فقد شرطت الآية شرطين: الأول: البلوغ، والثاني: الرشد وهو حسن التصرف في المال، وقال الشافعي: لا بدّ أن ينضم الصلاح في الدين، مع حسن الصلاح في المال، فالفاسق يحجر عليه عند الشافعي خلافاً لأبي حنيفة. وسبب الخلاف يرجع إلى معنى (الرشد) وقد نقل ابن جرير أقوال السلف في تفسير الرشد كقول مجاهد هو (العقل) وقول قتادة هو الصلاح في (العقل والدين) وقول ابن عباس هو (الصلاح في الأموال) ثم قال: "وأولى هذه الأقوال عندي في معنى الرشد (العقل وإصلاح المال) لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك لم يكن ممن يستحق الحجر عليه في ماله، وحوز ما في يده عنه وإن كان فاجراً في دينه". أقول: ليس كل فاسق يحجر عليه لأن في الحجر إهداراً للكرامة الإنسانية، وإنما يقال: إذا كان فسقه ممّا يتناول الأموال المالية، كإتلاف المال بالإسراف في الخمور والفجور وجب الحجر عليه، وإن كان يتعلق بأمر الدين خاصة كالفطر في رمضان مثلاً فلا يجب الحجر، وهذا هو نفس ما رجحه شيخ المفسرين الطبري وأرشدت إليه الآية الكريمة بطريق الإشارة، حيث جاء لفظ الرشد منكّراً، {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} أي نوعاً من الرشد وهو حسن التصرف في أمور المال، ولم يأت معرفاً والمقصود الأكبر في هذا الباب إنما هو الرشد الذي ينافي الإسراف في المال، فما اختاره ابن جرير قوي من هذه الوجهة والله أعلم. الحكم الثالث: هل يحجر على الكبير؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن الكبير يحجر عليه كما يحجر على الصغير إذا كان سفيهاً. وذهب أبو حنيفة إلى أن من بلغ خمساً وعشرين سنة سلّم له ماله سواءً كان رشيداً أو غير رشيد. قال العلامة القرطبي: "واختلفوا في الحجر على الكبير، فقال مالك وجمهور الفقهاء يحجر عليه، وقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلاً إلاّ أن يكون مفسداً لماله، فإذا كان كذلك منع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، فإذا بلغها سلم إليه بكل حال، سواء كان مفسداً أو غير مفسد لأنه يصير جَدّاً، وأنا أستحيي أن أحجر على من يصلح أن يكون جداً". أقول: الصحيح ما ذهب إليه الجمهور، وهو مذهب الصاحبين (أبي يوسف ومحمد) أيضاً، ولا عبرة بكبر السن فرب رجل يبلغ الخمسين من العمر وهو سفيه الحلم يسرف ماله ويبذره فيجب الحجر عليه، وذلك أن الصبي إنما منع من ماله لفقد العقل الهادي إلى حفظ المال، وكيفية الانتفاع به، فإذا كان هذا المعنى قائماً بالشيخ والشاب، كانا في حكم الصبي فوجب أن يمنع دفع المال إليه ما لم يؤنس منه الرشد لظاهر الآية الكريمة. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: "إن الرجل لتنبت لحيته ويشيب وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء فيها". الحكم الرابع: هل يباح للوصي أن يأكل من مال اليتيم؟ دلّ قوله تعالى: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} على أن للوصي أن يأكل من مال اليتيم إذا كان فقيراً بمقدار الحاجة من غير إسراف، وإذا كان غنياً وجب عليه أن يتعفف عن مال اليتيم، ويقنع بما رزقه الله من الغنى، وقد اتفق العلماء على جواز أخذ قدر الكفاية بالمعروف عند الحاجة واختلفوا هل عليه الضمان إذا أيسر؟ فذهب بعضهم إلى أنه لا ضمان عليه لأن الله تعالى أباح له الأكل بالمعروف فكان هذا مثل الأجرة، وهذا مروي عن الإمام أحمد رحمه الله. وذهب آخرون إلى وجوب الضمان واستدلوا بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "ألا إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة الولي من مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرتُ قضيت". وقال الحنفية فيما رواه الجصاص عنهم أنه لا يأخذ على سبيل القرض، ولا على سبيل الابتداء سواءً كان غنياً أو فقيراً، واحتجوا بعموم الآيات {أية : وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} تفسير : [النساء: 2]، {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ}، {أية : وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [النساء: 127] {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} تفسير : [البقرة: 188]. قال الجصاص فهذه محكمة حاصرة لمال اليتيم على وصيّه، وقوله: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} متشابه محتمل فوجب رده إلى تلك المحكمات. وروي عن ابن عباس أنه قال: {وَمَن كَانَ فَقِيراً} الآية نسختها {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً} إلخ. الترجيح: وقد رجح الطبري القول الأول وهو جواز الأخذ على وجه الاستقراض حيث قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} المراد أكل مال اليتيم عند الضرورة والحاجة إليه، على وجه الاستقراض منه فأما على غير ذلك الوجه فغير جائز له أكله". أقول: ولعلَّ هذا القول أرجح، لأنه جمع بين النصوص والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - وجوب الحجر على السفهاء حتى يتبيّن رشدهم وإصلاحهم للأموال. 2 - الانفاق على المحجور عليه بالطعام والكسوة وسائر وجوه الإنفاق. 3 - اختبار حال الأيتام عند البلوغ قبل تسليمهم المال لمعرفة دلائل الرشد. 4 - ضرورة الإشهاد عند تسليم اليتامى أموالهم خشية الجحود والإنكار. 5 - تقرير الإسلام لمبدأ الميراث وجعله حقاً للذكور والإناث في مال الأقرباء. 6 - وجوب الإحسان إلى اليتامى والخشية عليهم كما يخشى الإنسان على أولاده من بعده. 7 - الإعتداء على أموال اليتامى من الكبائر التي توجب عذاب النار.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} معناهُ النِّساءُ والصِّبيَانُ.
الأندلسي
تفسير : {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} السفهاء عام في الذكور والإِناث، والسفه: تبذير المال فيما لا ينبغي وأضاف الأموال إلى المخاطبين الناظرين في أموال السفهاء تغبيطاً للأموال لما كانوا يتصرفون فيها للسفهاء، والاضافة تكون بأدنى ملابسة. وقرىء اللاتي جمعاً وقرأ الجمهور التي بالافراد وإن كان نعتاً لجمع وجعل صلة حذف منها الضمير تقديره جعلها ومعنى قياماً تقومون بها وتنتعشون بها ولو ضيعتموها لتلفت أحوالكم ويقام بها الحج والجهاد وأعمال البر وبها فكاك الرقاب من الرق ومن الأسر ومن النار، وقال: فيها، ولم يقل: منها، تنبيهاً على ما قاله عليه الصلاة والسلام. ابتغوا في أموال اليتامى التجارة لا تأكلها الزكاة فعلى هذا يكون الرزق والكسوة من الأرباح التي تحصل من أصل الأموال. وقد يكون معنى الآية أمر ذوي الأموال أن لا يأتوا أموالهم السفهاء فيبقون فقراء بتبذير السفهاء الأموال كمن يعطي زوجته وولده السفيهين ماله فأمر بأن لا يفعل ذلك وأن يمسك ماله ويرزقهما ويكسوهما فيها أي في أموال نفسه. وتكون في بمعنى: من، فتكون إضافة الأموال إليهم حقيقة لا مجازاً. {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ} الآية قيل: حديث : توفي أوس بن ثابت عن زوجته أمّ كجّة وثلاث بنات وابن عم سويد وعُرفُجة فأخذا ماله ولم يعطيا المرأة ولا البنات شيئاً. وقيل: المانع ارتهن هو ابن عم بينها واسمه ثعلبة وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا البنات ولا الابن الذكر الصغير فشكتهما أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلا ولا يبكُىءُ عدواً. فقال: انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله تعالى، فنزلتتفسير : . وابتلاء اليتامى اختبارهم في عقولهم ودينهم وحفظ أموالهم وحسن تصرفهم فيها وكيفية ابتلاء الصغير انه يدفع إليه نذر من المال يتصرف فيه. والوصي يراعي حاله فيه لئلا يتلفه واختبار الصغيرة أن يرد إليها أمر البيت والنظر في الاستغزال دفعاً وأجرة واستيفاء واختبار كل منهما بحال ما يليق به وبما يعانيه من الأشغال والصنائع ولم تتعرض الآية لسن البلوغ وقد غُيي الابتلاء بوقت البلوغ. {فَإِنْ آنَسْتُمْ} أي بعد البلوغ. ودل ذلك على أنه لا يعطي ماله إلا بشيئين بلوغه وإيناس رشده فلو بلغ غير رشيد دام عليه الحجر أو أُونسَ منه رشد قبل البلوغ، فكذلك هذا الظاهر وهو عام في جميع اليتامى ولو عاشوا سنين بعد البلوغ من غير رشد فالحجر عليهم. وانتصب: {إِسْرَافاً وَبِدَاراً} على أنهما مصدران أو على أنهما في موضع الحال أي مسرفين ومبادرين. و{أَن يَكْبَرُواْ} معمول لقوله: وبدارا وجاء ولا تأكلوها ولا يراد خصوصية الأكل بل عبر بذلك عن أخذ مال اليتامى إذ الأكل أعظم منافع الأخذ. {وَمَن كَانَ غَنِيّاً} الجملتان الظاهر أنه يدل على أنه تقسم لحال الوصي على اليتيم فأمره تعالى بالاستعفاف عن ماله إن كان غنياً واقتناعه بما رزقه الله تعالى من الغنى. وأباح له الأكل بالمعروف من مال اليتيم إن كان فقيراً بحيث يأخذ قوتاً محتاطاً في تقديره. وظاهر هذه الآية الاباحة انه لا تبعة عليه ولا يترتب في ذمته ما أخذ مما يسد جوعه ويستر عورته بما لا يكون رفيعاً من الثياب ولا يقضي إذا أيسر. {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ}. أمر تعالى بالاشهاد لحسم مادة النزاع وسوء الظن بهم والسلامة من الضمان والعزم على تقدير إنكار اليتيم وطيب خاطره بفك الحجر عنه وانتظامه في سلك من يعامِل ويعامَل وإذا لم يشهد فادّعى عليه صدق مع اليمين عند أبي حنيفة وأصحابه وعند مالك والشافعي لا يصدق إلا بالبينة فكان في الاشهاد الاحتراز عن توجه الحلف المفضي إلى التهمة أو من وجوب الضمان إذا لم تتم البينة. وظاهر الأمر أنه واجب. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ} بالله فاعل كفى والباء زائدة أي وكفى الله. وحسيباً تمييز فقيل: مبالغة من حاسب. وقيل: معناه محاسب كجليس بمعنى مجالس.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وقوله تعالى: { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا } السفهاء: جمع "سفيه" وهو: من لا يحسن التصرف في المال، إما لعدم عقله كالمجنون والمعتوه، ونحوهما، وإما لعدم رشده كالصغير وغير الرشيد. فنهى الله الأولياء أن يؤتوا هؤلاء أموالهم خشية إفسادها وإتلافها، لأن الله جعل الأموال قياما لعباده في مصالح دينهم ودنياهم، وهؤلاء لا يحسنون القيام عليها وحفظها، فأمر الولي أن لا يؤتيهم إياها، بل يرزقهم منها ويكسوهم، ويبذل منها ما يتعلق بضروراتهم وحاجاتهم الدينية والدنيوية، وأن يقولوا لهم قولا معروفا، بأن يعدوهم -إذا طلبوها- أنهم سيدفعونها لهم بعد رشدهم، ونحو ذلك، ويلطفوا لهم في الأقوال جبرًا لخواطرهم. وفي إضافته تعالى الأموال إلى الأولياء، إشارة إلى أنه يجب عليهم أن يعملوا في أموال السفهاء ما يفعلونه في أموالهم، من الحفظ والتصرف وعدم التعريض للأخطار. وفي الآية دليل على أن نفقة المجنون والصغير والسفيه في مالهم، إذا كان لهم مال، لقوله: { وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ } . وفيه دليل على أن قول الولي مقبول فيما يدعيه من النفقة الممكنة والكسوة؛ لأن الله جعله مؤتمنا على مالهم فلزم قبول قول الأمين.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 188 : 24 : 7 - سفين عن حميد الأعرج عن مجاهد {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} قال، النساء. [الآية 5]. 189 : 15 : 8 - سفين عن أبي عمرو عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن بن عباس {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} قال، المرأة. قال، تقول: "أريد مرطا بكذى، أريد شيئاً بكذى"، او تقول. هي أسفه السفهاء. 190 : 16 : 9 - سفين عن رجل عن الضحاك في قول الله {ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً} قال، لدينك ومعيشتك.
همام الصنعاني
تفسير : 507- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحسن في قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً}: [الآية: 5]، قال: "السفهاء" ابنك السفيه وامرأتك السفيهة. قوله: {قِيَٰماً}، قال: قيام عيشك. 508- وقد ذكر أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اتقوا الله في الضعيفين: اليتيم والمرأة ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):