٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بدفع مال اليتيم اليه بقوله: {أية : وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ }تفسير : [النساء: 2] بين بهذه الآية متى يؤتيهم أموالهم، فذكر هذه الآية وشرط في دفع أموالهم اليهم شرطين: أحدهما: بلوغ النكاح، والثاني: إيناس الرشد، ولا بد من ثبوتهما حتى يجوز دفع مالهم اليهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: تصرفات الصبي العاقل المميز باذن الولي صحيحة، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: غير صحيحة، احتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية، وذلك لان قوله: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ } يقتضي ان هذا الابتلاء انما يحصل قبل البلوغ، والمراد من هذا الابتلاء اختبار حاله في أنه هل له تصرف صالح للبيع والشراء، وهذا الاختبار انما يحصل إذا أذن له في البيع والشراء، وإن لم يكن هذا المعنى نفس الاختبار، فهو داخل في الاختبار بدليل أنه يصح الاستثناء، يقال: وابتلوا اليتامى إلا في البيع والشراء، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فثبت أن قوله: {فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم } أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ، وذلك يقتضي صحة تصرفاتهم. أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن قال: ليس المراد بقوله: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ } الاذن لهم في التصرف حال الصغر بدليل قوله تعالى بعد ذلك: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ } فانما أمر بدفع المال اليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد، وإذا ثبت بموجب هذه الآية أنه لا يجوز دفع المال اليه حال الصغر، وجب أن لا يجوز تصرفه حال الصغر، لأنه لا قائل بالفرق، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على قول الشافعي، وأما الذي احتجوا به، فجوابه: أن المراد من الابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله، في أنه هل له فهم وعقل وقدرة في معرفة المصالح والمفاسد، وذلك إذا باع الولي واشترى بحضور الصبي، ثم يستكشف من الصبي أحوال ذلك البيع والشراء وما فيهما من المصالح والمفاسد ولا شك أن بهذا القدر يحصل الاختبار والابتلاء، وأيضا: هب أنا سلمنا أنه يدفع اليه شيئا ليبيع أو يشتري، فلم قلت إن هذا القدر يدل على صحة ذلك البيع والشراء، بل إذا باع واشترى وحصل به اختبار عقله، فالولي بعد ذلك يتمم البيع وذلك الشراء، وهذا محتمل والله أعلم. المسألة الثانية: المراد من بلوغ النكاح هو الاحتلام المذكور في قوله: {أية : وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ } تفسير : [النور: 59] وهو في قول عامة الفقهاء عبارة عن البلوغ مبلغ الرجال الذي عنده يجري على صاحبه القلم ويلزمه الحدود والأحكام، وإنما سمي الاحتلام بلوغ النكاح لأنه إنزال الماء الدافق الذي يكون في الجماع. واعلم أن للبلوغ علامات خمسة: منها ثلاثة مشتركة بين الذكور والاناث، وهو الاحتلام والسن المخصوص، ونبات الشعر الخشن على العانة، واثنان منها مختصان بالنساء، وهما: الحيض والحبل. المسألة الثالثة: أما إيناس الرشد فلا بد فيه من تفسير الايناس ومن تفسير الرشد، أما الايناس فقوله: {ءانَسْتُمْ } أي عرفتم وقيل: رأيتم، وأصل الايناس في اللغة الابصار، ومنه قوله: {أية : ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً } تفسير : [القصص: 29] وأما الرشد فمعلوم أنه ليس المراد الرشد الذي لا تعلق له بصلاح ماله، بل لا بد وأن يكون هذا مراداً، وهو أن يعلم أنه مصلح لما له حتى لا يقع منه إسراف ولا يكون بحيث يقدر الغير على خديعته، ثم اختلفوا في أنه هل يضم إليه الصلاح في الدين؟ فعند الشافعي رضي الله عنه لا بد منه، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه هو غير معتبر، والأول أولى، ويدل عليه وجوه: أحدها: أن أهل اللغة قالوا: الرشد هو إصابة الخير، والمفسد في دينه لا يكون مصيباً للخير. وثانيها: أن الرشد نقيض الغي قال تعالى: {أية : قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ } تفسير : [البقرة: 256] والغي هو الضلال والفساد وقال تعالى: {أية : وَعَصَىٰ ءادَمَ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } تفسير : [طه: 121] فجعل العاصي غويا، وهذا يدل على أن الرشد لا يتحقق إلا مع الصلاح في الدين، وثالثها: أنه تعالى قال: {أية : وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } تفسير : [هود: 97] نفي الرشد عنه لأنه ما كان يراعي مصالح الدين، والله أعلم. إذا عرفت هذا فنقول: فائدة هذا الاختلاف أن الشافعي رحمه الله يرى الحجر على الفاسق، وأبو حنيفة رضي الله عنه لا يراه. المسألة الرابعة: اتفقوا على أنه إذا بلغ غير رشيد فانه لا يدفع اليه ماله، ثم عند أبي حنيفة لا يدفع اليه ماله حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، فاذا بلغ ذلك دفع اليه ماله على كل حال، وإنما اعتبر هذا السن لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة، فاذا زاد عليه سبع سنين وهي مدة معتبر في تغير أحوال الانسان لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : مروهم بالصلاة لسبع» تفسير : فعند ذلك تمت المدة التي يمكن فيها حصول تغير الأحوال، فعندها يدفع اليه ماله، أونس منه الرشد أو لم يؤنس وقال الشافعي رضي الله عنه: لا يدفع إليه أبدا إلا بايناس الرشد، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله. احتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية فقال: لا شك أن اسم الرشد واقع على العقل في الجملة، والله تعالى شرط رشداً منكرا ولم يشترط سائر ضروب الرشد، فاقتضى ظاهر الآية أنه لما حصل العقل فقد حصل ما هو الشرط المذكور في هذه الآية، فيلزم جواز دفع المال اليه ترك العمل به فيما دون خمس وعشرين سنة، فوجب العمل بمقتضى الآية فيما زاد على خمس وعشرين سنة ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى قال: {فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا} ولا شك أن المراد ابتلاؤهم فيما يتعلق بمصالح حفظ المال، ثم قال: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ } ويجب أن يكون المراد: فان آنستم منهم رشدا في حفظ المال وضبط مصالحه، فانه ان لم يكن المراد ذلك تفكك النظم ولم يبق للبعض تعلق بالبعض، وإذا ثبت هذا علمنا أن الشرط المعتبر في الآية هو حصول الرشد في رعاية مصالح المال، وعند هذا سقط استدلال أبي بكر الرازي، بل تنقلب هذه الآية دليلا عليه لأنه جعل رعاية مصالح المال شرطا في جواز دفع المال اليه، فاذا كان هذا الشرط مفقوداً بعد خمس وعشرين سنة، وجب أن لا يجوز دفع المال اليه، والقياس الجلي أيضا يقوي الاستدلال بهذا النص، لأن الصبي إنما منع منه المال لفقدان العقل الهادي إلى كيفية حفظ المال وكيفية الانتفاع به، فاذا كان هذا المعنى حاصلا في الشباب والشيخ كان في حكم الصبي، فثبت أنه لا وجه لقول من يقول: انه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة دفع اليه ماله وان لم يؤنس منه الرشد. المسألة الخامسة: إذا بلغ رشيدا ثم تغير وصار سفيها حجر عليه عند الشافعي ولا يحجر عليه عند أبي حنيفة وقد مرت هذه المسألة عند قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً } تفسير : [النساء: 5] والقياس الجلي أيضا يدل عليه، لأن هذه الآية دالة على أنه إذا بلغ غير رشيد لم يدفع اليه ماله، وإنما لم يدفع اليه ماله لئلا يصير المال ضائعا فيكون باقيا مرصداً ليوم حاجته، وهذا المعنى قائم في السفه الطارىء، فوجب اعتباره والله أعلم. المسألة السادسة: قال صاحب «الكشاف»: الفائدة في تنكير الرشد التنبيه على ان المعتبر هو الرشد في التصرف والتجارة، أو على أن المعتبر هو حصول طرف من الرشد وظهور أثر من آثاره حتى لا ينتظر به تمام الرشد. المسألة السابعة: قال صاحب «الكشاف»: قرأ ابن مسعود فان أحستم، بمعنى أحسستم قال:شعر : أحسن به فهن اليه شوستفسير : وقرىء رشدا بفتحتين ورشداً بضمتين. ثم قال تعالى: {فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ } والمراد أن عند حصول الشرطين أعني البلوغ وإيناس الرشد يجب دفع المال اليهم، وإنما لم يذكر تعالى مع هذين الشرطين كمال العقل، لأن إيناس الرشد لا يحصل إلا مع العقل لأنه أمر زائد على العقل. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ } أي مسرفين ومبادرين كبرهم أو لاسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون: ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينزعوها من أيدينا، ثم قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنيا وبين أن يكون فقيرا فقال: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ } قال الواحدي رحمه الله: استعف عن الشيء وعف اذا امتنع منه وتركه، وقال صاحب «الكشاف»: استعف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة وقال: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } واختلف العلماء في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم؟ وفي هذه المسألة أقوال: أحدهما: أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج اليه من مال اليتيم وبقدر أجر عمله، واحتج القائلون بهذا القول بوجوه: الأول: أن قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً } مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، وثانيها: أنه قال: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } فقوله: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ } ليس المراد منه نهي الوصي الغني عن الانتفاع بمال نفسه، بل المراد منه نهيه عن الانتفاع بمال اليتيم، وإذا كان كذلك لزم أن يكون قوله: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } إذنا للوصي في أن ينتفع بمال اليتيم بمقدار الحاجة، وثالثها: قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً } تفسير : [النساء: 10] وهذا دليل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، ولو لم يكن ذلك لم يكن لقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً } فائدة، وهذا يدل على أن للوصي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف، ورابعها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له: ان تحت حجري يتيما أآكل من ماله؟ حديث : قال: بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله،تفسير : قال: أفأضربه؟ حديث : قال: مما كنت ضاربا منه ولدك، تفسير : وخامسها: ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب الى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام عليكم أما بعد: فاني رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبدالله ابن مسعود، وربعها لعثمان، ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله بمنزلة ولي مال اليتيم: من كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف. وعن ابن عباس أن ولي يتيم قال له: أفأشرب من لبن إبله؟ قال: إن كنت تبغي ضالتها وتلوط حوضها وتهنأ جرباها وتسقيها يوم وردها، فاشرب غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب وعنه أيضا: يضرب بيده مع أيديهم فليأكل بالمعروف ولا يلبس عمامة فما فوقها، وسادسها: أن الوصي لما تكفل باصلاح مهمات الصبي وجب أن يتمكن من أن يأكل من ماله بقدر عمله قياسا على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها، فانه يضرب له في تلك الصدقات بسهم، فكذا ههنا، فهذا تقرير هذا القول. والقول الثاني: أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج اليه من مال اليتيم قرضا، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية، وأكثر الروايات عن ابن عباس. وبعض أهل العلم خص هذا الاقراض بأصول الأموال من الذهب والفضة وغيرها، فأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب، فمباح له إذا كان غير مضر بالمال، وهذا قول أبي العالية وغيره، واحتجوا بأن الله تعالى قال: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ } فحكم في الأموال بدفعها اليهم. والقول الثالث: قال أبو بكر الرازي: الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذ على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء، سواء كان غنيا أو فقيرا. واحتج عليه بآيات: منها: قوله تعالى: {أية : وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ } تفسير : [النساء: 2] إلى قوله: {أية : إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } تفسير : [النساء: 2] ومنها: قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً }تفسير : [النساء: 10] ومنها: قوله {أية : وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ }تفسير : [النساء: 127] ومنها: قوله: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُم بِٱلْبَاطِلِ} تفسير : [البقرة: 188] قال: فهذه الآية محكمة حاصرة لمال اليتيم على وصية في حال الغنى والفقر، وقوله: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } متشابه محتمل فوجب رده لكونه متشابها إلى تلك المحكمات، وعندي أن هذه الآيات لا تدل على ما ذهب الرازي اليه. أما قوله: {وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ } فهو عام وهذه الآية التي نحن فيها خاصة، والخاص مقدم على العام. وقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً } فهو إنما يتناول هذه الواقعة لو ثبت أن أكل الوصي من مال الصبي بالمعروف ظلم، وهل النزاع الا فيه، وهو الجواب بعينه عن قوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُم بِٱلْبَاطِلِ } أما قوله: {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ } فهو إنما يتناول محل النزاع لو ثبت أن هذا الأكل ليس بقسط، والنزاع ليس إلا فيه، فثبت أن كلامه في هذا الموضع ساقط ركيك، والله أعلم. ثم قال تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ }. واعلم أن الأمة مجمعة على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد صيرورته بالغا، فان الأولى والأحوط أن يشهد عليه لوجوه: أحدها: أن اليتيم إذا كان عليه بينة بقبض المال كان أبعد من أن يدعي ما ليس له، وثانيها: أن اليتيم إذا أقدم على الدعوى الكاذبة أقام الوصي الشهادة على أنه دفع ماله اليه. ثالثها: أن تظهر أمانة الوصي وبراءة ساحته، ونظيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب» تفسير : فأمره بالاشهاد لتظهر أمانته وتزول التهمة عنه، فثبت بما ذكرنا من الاجماع والمعقول أن الاحوط هو الاشهاد. واختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم انه قد دفع المال اليه هل هو مصدق؟ وكذلك لو قال: أنفقت عليه في صغره هل هو مصدق؟ قال مالك والشافعي: لا يصدق، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يصدق، واحتج الشافعي بهذه الآية فان قوله: {فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } أمر، وظاهر الأمر الوجوب، وأيضا قال الشافعي: القيم غير مؤتمن من جهة اليتيم، وإنما هو مؤتمن من جهة الشرع، وطعن أبو بكر الرازي في هذا الكلام مع السفاهة الشديدة وقال: لو كان ما ذكره علة لنفي التصديق لوجب أن لا يصدق القاضي إذا قال لليتيم: قد دفعت اليك لأنه لم يأتمنه، وكذلك يلزمه أن يقول في الأب إذا قال بعد بلوغ الصبي: قد دفعت مالك اليك أن لا يصدق لأنه لم يأتمنه، ويلزمه أيضا أن يوجب الضمان عليهم إذا تصادقوا بعد البلوغ انه قد هلك لأنه أمسك ماله من غير ائتمان له عليه، فيقال له: ان قولك هذا لبعيد عن معاني الفقه، أما النقض بالقاضي فبعيد، لأن القاضي حاكم فيجب إزالة التهمة عنه ليصير قضاؤه نافذا، ولولا ذلك لتمكن كل من قضى القاضي عليه بأن ينسبه إلى الكذب والميل والمداهنة، وحينئذ يحتاج القاضي إلى قاض آخر، ويلزم التسلسل، ومعلوم أن هذا المعنى غير موجود في وصي اليتيم، وأما الأب فالفرق ظاهر لوجين: أحدهما: ان شفقته أتم من شفقة الاجنبي، ولا يلزم من قلة التهمة في حق الأب قلتها في حق الأجنبي، وأما إذا تصادقوا بعد البلوغ أنه قد هلك فنقول: ان كان قد اعترف بأنه هلك لسبب تقصيره فههنا يلزمه الضمان، أما إذا اعترف بأنه هلك لا بتقصيره، فههنا يجب أن يقبل قوله، والا لصار ذلك مانعاً للناس من قبول الوصاية، فيقع الخلل في هذا المهم العظيم، فأما الاشهاد عند الرد اليه بعد البلوغ فانه لا يفضي إلى هذه المفسدة فظهر الفرق، ومما يؤكد هذا الفرق أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية ما يدل على أن اليتيم حصل في حقه ما يوجب التهمة، وهو قوله: {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ } وهذا يدل على جريان العادة بكثرة إقدام الولي على ظلم الايتام والصبيان، وإذن دلت هذه الآية على تأكد موجبات التهمة في حق ولي اليتيم. ثم قال بعده: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ } أشعر ذلك بأن الغرض منه رعاية جانب الصبي؛ لأنه إذا كان لا يتمكن من ادعاء دفع المال اليه إلا عند حضور الشاهد، صار ذلك مانعاً له من الظلم والبخس والنقصان، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن قوله: {فَأَشْهِدُواْ } كما أنه يجب لظاهر الايجاب، فكذلك يجب أن القرائن والمصالح تقتضي الايجاب، ثم قال هذا الرازي، ويدل على أنه مصدق فيه بغير إشهاد، اتفاق الجميع على أنه مأمور بحفظه وإمساكه على وجه الأمانة حتى يوصله إلى اليتيم في وقت استحقاقه، فهو بمنزلة الودائع والمضاربات، فوجب أن يكون مصدقا على الرد كما يصدق على رد الوديعة، فيقال له: أما الفرق بين هذه الصورة وصورة الوديعة فقد ذكره الشافعي رضي الله تعالى عنه، واعتراضك على ذلك الفرق قد سبق إبطاله، وأيضاً فعادتك ترك الالتفات إلى كتاب الله لقياس ركيك تتخيله، ومثل هذا الفقه مسلم لك، ولا يجب المشاركة فيه معك وبالله التوفيق. ثم قال تعالى: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً } قال ابن الانباري والأزهري: يحتمل أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب، وأن يكون بمعنى الكافي، فمن الأول قولهم للرجل للتهديد: حسبه الله ومعناه يحاسبه الله على ما يفعل من الظلم، ونظير قولنا الحسيب بمعنى المحاسب، قولنا الشريب بمعنى المشارب، ومن الثاني قولهم: حسيبك الله أي كافيك الله. واعلم أن هذا وعيد لولي اليتيم وإعلام له أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ظاهره لئلا ينوي أو يعمل في ماله ما لا يحل، ويقوم بالأمانة التامة في ذلك إلى أن يصل اليه ماله، وهذا المقصود حاصل سواء فسرنا الحسيب بالمحاسب أو بالكافي. واعلم أن الباء في قوله: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ } {أية : وَكَفَىٰ بِرَبّكَ } تفسير : [الإسراء: 65] في جميع القرآن زائدة، هكذا نقله الواحدي عن الزجاج و{حَسِيباً } نصب على الحال أي كفى الله حال كونه محاسبا، وحال كونه كافيا.
القرطبي
تفسير : فيه سبع عشرة مسألة. الأُولى ـ قوله تعالى: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ} الابتلاء الاختبار؛ وقد تقدّم. وهذه الآية خطاب للجميع في بيان كيفية دفع أموالهم. وقيل: إنها نزلت في ثابت بن رِفاعة وفي عمه. وذلك أن رفاعةُ توفي وترك ٱبنه وهو صغير، فأتى عمُّ ثابت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن ٱبن أخي يتيم في حِجْري فما يحلّ لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. الثانية ـ واختلف العلماء في معنى الاختبار؛ فقيل: هو أن يتأمّل الوصيُّ أخلاقَ يتيمه، ويستمع إلى أغراضه، فيحصل له العلم بنجابته، والمعرفة بالسعي في مصالحه وضبط ماله، والإهمال لذلك. فإذا توسّم الخير قال علماؤنا وغيرهم: لا بأس أن يدفع إليه شيئاً من ماله يبيح له التصرف فيه، فإن نمّاه وحسّن النظر فيه فقد وقع الاختبار، ووجب على الوصيّ تسليمُ جميع ماله إليه. وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك ماله عنده. وليس في العلماء من يقول: إنه إذا اختبر الصبيّ فوجده رشيداً ترتفع الولاية عنه، وأنه يجب دفع ماله إليه وإطلاقُ يده في التصرف؛ لقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ}. وقال جماعة من الفقهاء: الصغير لا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكون غلاماً أو جارية؛ فإن كان غلاماً ردّ النظر إليه في نفقة الدار شهراً، أو أعطاه شيئاً نَزْراً يتصرّف فيه؛ ليعرف كيف تدبيره وتصرفه، وهو مع ذلك يراعيه لئلا يتلفه؛ فإن أتلفه فلا ضمان على الوصيّ. فإذا رآه متوخِّياً سلّم إليه ماله وأشهد عليه. وإن كانت جارية ردّ إليها ما يُردّ إلى رَبّة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه، في الاستغزال والاستقصاء على الغزّالات في دفع القطن وأجرته، واستيفاء الغزل وجودته. فإن رآها رشيدة سلّم أيضاً إليها مالَها وأشهد عليها. وإلاّ بقيا تحت الحَجْر حتى يُؤنس رُشدهما. وقال الحسن ومجاهد وغيرهما: ٱختبروهم في عقولهم وأديانهم وتَنْمية أموالهم. الثالثة ـ قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} أي الحُلمُ لقوله تعالى: { أية : وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ } تفسير : [النور: 59] أي البلوغ، وحال النكاح والبلوغ يكون بخمسة أشياء: ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء، واثنان يختصان بالنساء وهما الحيض والحَبل. فأما الحيض والحبَل فلم يختلف العلماء في أنه بلوغ، وأن الفرائض والأحكام تجب بهما. واختلفوا في الثلاث؛ فأما الإنبات والسن فقال الأُوزاعِيّ والشافعيّ وابن حنبل: خمس عشرة سنة بلوغ لمن لم يحتلم. وهو قول ابن وهب وأَصْبَغ وعبد الملك بن الماجشون وعمر بن عبد العزيز وجماعة من أهل المدينة، واختاره ابن العربي. وتجب الحدود والفرائض عندهم على من بلغ هذا السنّ. قال أَصْبَغ بن الفرج: والذي نقول به إن حدّ البلوغ الذي تلزم به الفرائض والحدود خمس عشرة سنة؛ وذلك أحبّ ما فيه إليّ وأحسنه عندي؛ لأنه الحدُّ الذي يُسْهِّمُ فيه في الجهاد ولمن حضر القتال. واحتج بحديث ابن عمر إذْ عُرض يوم الخَنْدق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجيز، ولم يُجَز يوم أُحُد؛ لأنه كان ابنَ أربع عشرة سنة. أخرجه مسلم. قال أبو عمر بن عبد البر: هذا فيمن عرف مولده، وأمّا من جُهل مولده وعدة سنّه أو جحده فالعمل فيه بما روى نافع عن أسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أُمراء الأجْنَاد: ألا تَضرِبوا الجزية إلا على مَن جَرَت عليه المَوَاسِي. وقال عثمان في غلام سَرَق: ٱنظروا إن كان قد ٱخضرّ مِئزَره فاقطعوه. وقال عطية القُرَظي: عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة فكلّ من أنبت منهم قتله بحكم سعد بن معاذ، ومن لم ينبِت منهم ٱستحياه؛ فكنت فيمن لم يُنبِت فتركَنِي. وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: لا يُحكم لمن لم يحتلم حتى يبلغ ما لم يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك سبع عشرة سنة؛ فيكون عليه حينئذ الحدّ إذا أتى ما يجب عليه الحدّ. وقال مالك مرّةً: بلوغه بأن يغلِظُ صوته وتنشقّ أرنبته. وعن أبي حنيفة رواية أُخرى: تسع عشرة سنة؛ وهي الأشهر. وقال في الجارية: بلوغها لسبع عشرة سنة وعليها النظر. وروى اللُّؤْلُئي عنه ثمان عشرة سنة. وقال داود: لا يبلغ بالسن ما لم يحتلم ولو بلغ أربعين سنة. فأما الإنبات فمنهم من قال: يستدل به على البلوغ؛ روي عن ابن القاسم وسالم، وقاله مالك مرةً، والشافعي في أحد قوليْه، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور. وقيل: هو بلوغ؛ إلاّ أنه يحكم به في الكفار فيقتل من أنبت ويُجْعل من لم ينبِت في الذراري؛ قاله الشافعيّ في القول الآخر؛ لحديث عطية القُرَظي. ولا اعتبار بالخضرة والزّغَب، وإنما يترتب الحكم على الشعر. وقال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: العمل عندي على حديث عمربن الخطاب: لو جرت عليه المَواسِي لحددته. قال أصْبَغ: قال لي ابن القاسم وأحبّ إليّ ألاّ يقام عليه الحدّ إلا باجتماع الإنبات والبلوغ. وقال أبو حنيفة: لا يثبت بالإنبات حكم، وليس هو ببلوغ ولا دِلالة على البلوغ. وقال الزهري وعطاء: لا حدّ على من لم يحتلم؛ وهو قول الشافعيّ، ومال إليه مالك مَرّة، وقال به بعض أصحابه. وظاهره عدم اعتبار الإنبات والسنّ. قال ٱبن العربيّ: «إذا لم يكن حديث ٱبن عمر دليلاً في السنّ فكل عدد يذكرونه من السنين فإنه دعوى، والسنّ التي أجازها رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من سنّ لم يعتبرها، ولا قام في الشرع دليل عليها، وكذلك اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الإنبات في بني قريظة؛ فمن عَذِيري ممن ترك أمرين اعتبرهما النبيّ صلى الله عليه وسلم فيتأوله ويعتبر ما لم يعتبره النبيّ صلى الله عليه وسلم لفظاً، ولا جعل الله له في الشريعة نظراً». قلت: هذا قوله هنا، وقال في سورة الأنفال عكسَه؛ إذْ لم يعرّج على حديث ٱبن عمر هناك، وتأوله كما تأوله علماؤنا، وأن موجبه الفرق بين من يطيق القتال ويُسهَم له وهو ٱبن خمس عشرة سنة، ومن لا يطيقه فلا يُسهَم له فيجعل في العيال. وهو الذي فهمه عمر بن عبد العزيز من الحديث. والله أعلم. الرابعة ـ قوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} أي أبصرتم ورأيتم؛ ومنه قوله تعالى { أية : آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً } تفسير : [القصص: 29] أي أبصر ورأى. قال الأزهري: تقول العرب ٱذهب فٱستأنس هل ترى أحداً؛ معناه تبصّر. قال النابغة: شعر : .... على مستأنِس وَحَدِ تفسير : أراد ثَوْرا وحشِيّاً يتبصّر هل يرى قانصاً فيحذره. وقيل: آنست وأحسست ووجدت بمعنًى واحد؛ ومنه قوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} أي علمتم. والأصل فيه أبصرتم. وقراءة العامة «رُشْداً» بضم الراء وسكون الشين. وقرأ السُّلْمِيّ وعيسى والثّقفِيّ وابن مسعود رضي الله عنهم «رَشَداً» بفتح الراء والشين، وهما لغتان. وقيل: رُشْداً مصدر رَشَد. وَرَشَداً مصدر رَشِد، وكذلك الرّشاد. والله أعلم. الخامسة ـ واختلف العلماء في تأويل «رُشْداً» فقال الحسن وقتادة وغيرهما: صلاحاً في العقل والدّين. وقال ابن عباس والسُّدِّي والثَّورِيّ: صلاحاً في العقل وحفظ المال. قال سعيد بن جُبير والشَّعبيّ: إن الرجل ليأخذ بلحيته وما بلغ رشده؛ فلا يُدفع إلى اليتيم مالُه وإن كان شيخاً حتى يؤنَس منه رشده. وهكذا قال الضحاك: لا يُعطَى اليتيم وإن بلغ مائة سنة حتى يُعلم منه إصلاحُ ماله. وقال مجاهد: «رُشْداً» يعني في العقل خاصة. وأكثر العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلُم وإن شاخ لا يزول الحجر عنه؛ وهو مذهب مالك وغيره. وقال أبو حنيفة: لا يحجر على الحرّ البالغ إذا بلغ مبلغ الرجال، ولو كان أفسق الناس وأشدهم تبذيراً إذا كان عاقلاً. وبه قال زُفَر بن الهُذيل؛ وهو مذهب النخعي. واحتجوا في ذلك بما رواه قتادة عن أنس حديث : أن حَبّان بن مُنقِذ كان يبتاع وفي عُقْدَتِه ضعف، فقيل: يا رسول الله ٱحجر عليه؛ فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف. فاستدعاه النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تبع». فقال: لا أصبر. فقال له: «فإذا بايعت فقل لا خِلابة ولك الخيار ثلاثاً» تفسير : . قالوا: فلما سأله القوم الحجر عليه لِمَا كان في تصرفه من الغبْن ولم يفعل عليه السلام، ثبت أن الحجر لا يجوز. وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأنه مخصوص بذلك على ما بيناه في البقرة، فغيره بخلافه. وقال الشافعي: إن كان مفسداً لمالِه ودينه، أو كان مفسداً لمالِه دون دينه حُجر عليه، وإن كان مفسداً لدينه مصلحاً لمالِه فعلى وجهين: أحدهما يحجر عليه؛ وهو اختيار أبي العباس بن شريح. والثاني لا حجر عليه؛ وهو اختيار أبي إسحاق المرْوَزيّ، والأظهر من مذهب الشافعيّ. قال الثعلبي: وهذا الذي ذكرناه من الحجر على السفيه قول عثمان وعليّ والزبير وعائشة وابن عباس وعبد الله بن جعفر رضوان الله عليهم، ومن التابعين شريح، وبه قال الفقهاء: مالك وأهل المدينة والأُوزاعيّ وأهل الشام وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثور. قال الثعلبي: وادّعى أصحابنا الإجماع في هذه المسألة. السادسة ـ إذا ثبث هذا فاعلم أن دفع المال يكون بشرطين: إيناس الرشد والبلوغ، فإن وجد أحدهما دون الآخر لم يجز تسليم المال، كذلك نص الآية. وهو رواية ابن القاسم وأشهب وابن وهب عن مالك في الآية. وهو قول جماعة الفقهاء إلا أبا حنيفة وزفر والنخعي فإنهم أسقطوا إيناس الرشد ببلوغ خمس وعشرين سنة. قال أبو حنيفة: لكونه جداً وهذا يدل على ضعف قوله، وضعف ما احتج به أبو بكر الرازي في أحكام القرآن له من استعمال الآيتين حسب ما تقدّم؛ فإن هذا من باب المطلق والمقيَّد، والمطلق يردّ إلى المقيَّد باتفاق أهل الأُصول. وماذا يغني كونه جَدّاً إذا كان غير جَدّ، أي بخت. إلا أن علماءنا شرطوا في الجارية دخول الزوج بها مع البلوغ، وحينئذ يقع الابتلاء في الرشد. ولم يره أبو حنيفة والشافعيّ، ورأُوا الاختبار في الذكر والأُنثى على ما تقدّم. وفرق علماؤنا بينهما بأن قالوا: الأُنثى مخالفة للغلام لكونها محجوبة لا تعاني الأُمور ولا تبرز لأجل البكارة فلذلك وقف فيها على وجود النكاح؛ فبه تفهم المقاصد كلها. والذكر بخلافها؛ فإنه بتصرفه وملاقاته للناس من أوّل نشئه إلى بلوغه يحصل له الاختبار، ويكمل عقله بالبلوغ، فيحصل له الغرض. وما قاله الشافعي أصوب؛ فإن نفس الوطء بإدخال الحشفة لا يزيدها في رشدها إذا كانت عارفة بجميع أُمورها ومقاصدها، غير مبذرة لمالها. ثم زاد علماؤنا فقالوا: لا بدّ بعد دخول زوجها من مضيّ مدّة من الزمان تمارس فيها الأحوال. قال ابن العربيّ: وذكر علماؤها في تحديدها أقوالاً عديدة؛ منها الخمسة الأعوام والستة والسبعة في ذات الأب. وجعلوا في اليتيمة التي لا أب لها ولا وصي عليها عاماً واحداً بعد الدخول، وجعلوا في الموَلّى عليها مؤبّداً حتى يثبت رشدها. وليس في هذا كله دليل، وتحديد الأعوام في ذات الأب عسير؛ وأعسر منه تحديد العام في اليتيمة. وأما تمادي الحجر في المولّى عليها حتى يتبين رشدها فيخرجها الوصيّ عنه، أو يخرجها الحَكَم منه فهو ظاهر القرآن. والمقصود من هذا كله داخل تحت قوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} فتعيّن اعتبار الرشد ولكن يختلف إيناسه بحسب اختلاف حال الراشد. فٱعِرفه وركِّب عليه وٱجتنب التحكّم الذي لا دليل عليه. السابعة ـ وٱختلفوا فيما فعلته ذات الأب في تلك المدة؛ فقيل: هو محمول على الردّ لبقاء الحجر، وما عملته بعده فهو محمول على الجواز. وقال بعضهم: ما عملته في تلك المدّة محمول على الردّ إلا أن يتبين فيه السداد، وما عملته بعد ذلك محمول على الإمضاء حتى يتبين فيه السفه. الثامنة ـ واختلفوا في دفع المال إلى المحجور عليه هل يحتاج إلى السلطان أم لا؟ فقالت فرقة: لا بدّ من رفعه إلى السلطان، ويثبت عنده رُشْده ثم يدفع إليه ماله. وقالت فرقة: ذلك موكول إلى اجتهاد الوصيّ دون أن يحتاج إلى رفعه إلى السلطان. قال ابن عطية: والصواب في أوصياء زماننا ألا يستغني عن رفعه إلى السلطان وثبوت الرشد عنده، لما حفظ من تواطؤ الأوصياء على أن يرشد الصبيّ، ويبرأ المحجور عليه لسفهه وقلة تحصيله في ذلك الوقت. التاسعة ـ فإذا سُلّم المال إليه بوجود الرشْد، ثم عاد إلى السفه بظهور تبذير وقلة تدبير عاد إليه الحجر عندنا، وعند الشافعي في أحد قوليه. وقال أبو حنيفة: لا يعود؛ لأنه بالغ عاقل؛ بدليل جواز إقراره في الحدود والقصاص. ودليلنا قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} وقال تعالى: { أية : فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ } تفسير : [البقرة: 282] ولم يفرق بين أن يكون محجوراً سفيهاً أو يطرأ ذلك عليه بعد الإطلاق. العاشرة ـ ويجوز للوصيّ أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه من تجارة وإبضاع وشراء وبيع. وعليه أن يؤدّي الزكاة من سائر أمواله: عينٍ وحرث وماشية وفِطرة ويؤدّي عنه أروش الجنايات وقِيم المتلَفات، ونفقة الوالدين وسائر الحقوق اللازمة. ويجوز أن يزوّجه ويؤدّي عنه الصداق، ويشتري له جارية يتسررها، ويصالح له وعليه على وجه النظر له. وإذا قضى الوصيّ بعض الغرماء وبَقِي من المال بقيةٌ تفِي ما عليه من الديْن كان فعل الوصيّ جائزاً. فإن تلِف باقي المال فلا شيء لباقي الغرماء على الوصيّ ولا على الذين اقتضوا. وإن اقتضى الغرماء جميع المال ثم أتى غرماء آخرون فإن كان عالماً بالدّين الباقي أو كان الميت معروفاً بالدين الباقي ضمن الوصيّ لهؤلاء الغرماء ما كان يصيبهم في المحاصّة، ورجع على الذين اقتضوا ديْنهم بذلك. وإن لم يكن عالماً بذلك، ولا كان الميت معروفاً بالدين فلا شيء على الوصيّ. وإذا دفع الوصيّ ديْن الميت بغير إشهاد ضمن. وأما إن أشهد وطال الزمان حتى مات الشهود فلا شيء عليه، وقد مضى في البقرة عند قوله تعالى: { أية : وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ } تفسير : [البقرة: 220] من أحكام الوصيّ في الإنفاق وغيره ما فيه كفاية، والحمد لله. الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} ليس يريد أن أكل ما لهم من غير إسراف جائز، فيكون له دليل خطاب، بل المراد ولا تأكلوا أموالهم فإنه إسراف. فنهى الله سبحانه وتعالى الأوصياء عن أكل أموال اليتامى بغير الواجب المباح لهم؛ على ما يأتي بيانه. والإسراف في اللغة الإفراط ومجاوزة الحدّ. وقد تقدّم في آل عمران والسرف الخطأ في الإنفاق. ومنه قول الشاعر: شعر : أعْطَوْا هُنَيْدَة يَحْدُوها ثمانِيةٌ ما في عطائهمُ مَنٌّ ولا سَرَفُ تفسير : أي ليس يخطئون مواضع العطاء. وقال آخر: شعر : وقال قائلهم والخيْلُ تخْبِطُهمْ أسْرَفْتُمُ فأجبنا أنَّنا سَرَفُ تفسير : قال النضْر بن شُمَيْل: السرف التبذير، والسرف الغفلة. وسيأتي لمعنى الإسراف زيادة بيان في «الأنعام» إن شاء الله تعالى. {وَبِدَاراً} معناه ومبادرة كِبرهم، وهو حال البلوغ. والبِدار والمبادرة كالقتال والمقاتلة. وهو معطوف على «إسْرَافاً» و {أَن يَكْبَرُواْ} في موضع نصب بـ «بِدارا»، أي لا تستغنم مال محجورك فتأكله وتقول أبادر كبره لئلا يرشد ويأخذ ماله؛ عن ابن عباس وغيره. الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} الآية. بين الله تعالى ما يحل لهم من أموالهم؛ فأمر الغني بالإمساك وأباح للوصي الفقير أن يأكل من مال ولِيّه بالمعروف. يقال: عفّ الرجل عن الشيء وٱستعف إذا أمسك. والاستعفاف عن الشيء تركه. ومنه قوله تعالى: { أية : وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً } تفسير : [النور: 33] والعِفّة: الامتناع عما لا يحل ولا يجب فعله. روى أبو داود من حديث حسين المعلّم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه حديث : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم. قال فقال: «كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مُباذِرٍ ولا مُتأَثِّل». تفسير : الثالثة عشرة ـ واختلف العلماء مَن المخاطَب والمراد بهذه الآية؟ ففي صحيح مسلم عن عائشة في قوله تعالى: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} قالت: نزلت في ولي اليتيم الذي يقوم عليه ويُصلحه إذا كان محتاجاً جاز أن يأكل منه. في رواية: بقدر ماله بالمعروف. وقال بعضهم: المراد اليتيم إن كان غنياً وَسّع عليه وأعَفّ عن ماله، وإن كان فقيراً أنفق عليه بقدره؛ قاله ربيعة ويحيى بن سعيد. والأوّل قول الجمهور وهو الصحيح؛ لأن اليتيم لا يخاطب بالتصرف في ماله لصغره ولسفهه. والله أعلم. الرابعة عشرة ـ واختلف الجمهور في الأكل بالمعروف ما هو؟ فقال قوم: هو القرض إذا احتاج ويقضي إذا أيسر، قاله عمربن الخطاب وابن عباس وعبيدة وابن جبير والشعبي ومجاهد وأبو عالية، وهو قول الأوزاعي. ولا يستسلف أكثر من حاجته. قال عمر: ألاَ إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة الولِيّ من مال اليتيم، إن ٱستغنيت ٱستعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف؛ فإذا أيسرت قضيت. روى عبد الله بن المبارك عن عاصم عن أبي العالية {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} قال: قرضاً ـ ثم تلا {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ}. وقول ثانٍ - روى عن إبراهيم وعطاء والحسن البصري والنخعي وقتادة: لا قضاء على الوصيّ الفقير فيما يأكل بالمعروف؛ لأن ذلك حق النظر، وعليه الفقهاء. قال الحسن: هو طعمة من الله له؛ وذلك أنه يأكل ما يسدّ جوعته، ويكتسى ما يستر عورته، ولا يلبس الرفيع من الكتان ولا الحُلل. والدليل على صحة هذا القول إجماعُ الأمة على أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غُرم ما أكل بالمعروف؛ لأن الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله. فلا حجة لهم في قول عمر: فإذا أيسرت قضيت ـ أن لو صح. وقد روى عن ابن عباس وأبي العالية والشعبي أن الأكل بالمعروف هو كالانتفاع بألبان المواشي، واستخدام العبيد، وركوب الدوابّ إذا لم يضرّ بأصل المال؛ كما يهنأ الجَرْبَاء، ويَنْشُد الضالّة، ويلُوط الحوض، ويجذّ التمر. فأما أعيان الأموال وأصولها فليس للوصيّ أخذها. وهذا كله يخرج مع قول الفقهاء: إنه يأخذ بقدر أجر عمله؛ وقالت به طائفة وأن ذلك هو المعروف، ولا قضاء عليه، والزيادة على ذلك محرّمة. وفرّق الحسن بن صالح بن حيّ ـ ويقال ابن حيان ـ بيْن وصيّ الأب والحاكم؛ فلوصّي الأب أن يأكل بالمعروف، وأما وصيّ الحاكم فلا سبيل له إلى المال بوجه؛ وهو القول الثالث. وقول رابع روى عن مجاهد قال: ليس له أن يأخذ قرضاً ولا غيره. وذهب إلى أن الآية منسوخةٌ، نسخها قوله تعالى: { أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ } تفسير : [النساء: 29] وهذا ليس بتجارة. وقال زيد بن أسلم: إن الرخصة في هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً } تفسير : [النساء: 10] الآية. وحكى بِشْر بن الوَليد عن أبي يوسف قال: لا أدري، لعل هذه الآية منسوخة بقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ}. وقول خامس ـ وهو الفرق بين الحضر والسفر؛ فيمنع إذا كان مقيماً معه في المصر. فإذا احتاج أن يسافر من أجله فله أن يأخذ ما يحتاج إليه، ولا يقتني شيئاً؛ قاله أبو حنيفة وصاحباه أبو يوسف ومحمد. وقول سادس ـ قال أبو قِلابة: فليأكل بالمعروف مما يَجْني من الغلة؛ فأما المال النّاض فليس له أن يأخذ منه شيئاً قرضاً ولا غيره. وقول سابع ـ روى عكرمة عن ابن عباس {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} قال: إذا احتاج وٱضطر. وقال الشعبي: كذلك إذا كان منه بمنزلة الدم ولحم الخنزير أخذ منه؛ فإن وجد أَوْفَى. قال النحاس: وهذا لا معنى له؛ لأنه إذا اضطر هذا الاضطرار كان له أخذ ما يُقِيمه من مال يتيمه أو غيره من قريب أو بعيد. وقال ابن عباس أيضاً والنخعي: المراد أن يأكل الوصي بالمعروف من مال نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم؛ فيستعفف الغنيّ بغناه، والفقير يقَتَرْ على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال يتيمه. قال النحاس: وهذا من أحسن ما روي في تفسير الآية؛ لأن أموال الناس محظورة لا يطلق شيء منها إلا بحجة قاطعة. قلت: وقد اختار هذا القول الكيا الطبرِي في أحكام القرآن له؛ فقال: «توهم متوهمون من السلف بحكم الآية أن للوصيّ أن يأكل من مال الصبي قدراً لا ينتهي إلى حد السرف، وذلك خلاف ما أمر الله تعالى به في قوله: {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} ولا يتحقق ذلك في مال اليتيم. فقوله: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} يرجع إلى أكل مال نفسه دون مال اليتيم. فمعناه ولا تأكلوا أموال اليتيم مع أموالكم، بل ٱقتصروا على أكل أموالكم. وقد دل عليه قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} [النساء: 2]. وبان بقوله تعالى: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} الاقتصارُ على البُلْغة، حتى لا يحتاج إلى أكل مال اليتيم؛ فهذا تمام معنى الآية. فقد وجدنا آيات محكمات تمنع أكل مال الغير دون رضاه، سيما في حق اليتيم. وقد وجدنا هذه الآية محتملة للمعاني، فحملها على موجب الآيات المحكمات مُتعَيِّن. فإن قال من ينصر مذهب السلف: إن القضاة يأخذون أرزاقهم لأجل عملهم للمسلمين، فهلا كان الوصي كذلك إذا عمل لليتيم، وَلِمَ لا يأخذ الأجرة بقدر عمله؟ قيل له: اعلم أن أحداً من السلف لم يجوّز للوصي أن يأخذ من مال الصبي مع غنى الوصي، بخلاف القاضي؛ فذلك فارق بين المسألتين. وأيضاً فالذي يأخذه الفقهاء والقضاة والخلفاء القائمون بأمور الإسلام لا يتعين له مالك. وقد جعل الله ذلك المال الضائع لأصناف بأوصاف، والقضاة من جملتهم، والوصي إنما يأخذ بعمله مال شخص معين من غير رضاه؛ وعمله مجهول وأجرته مجهولة وذلك بعيد عن الاستحقاق. قلت: وكان شيخنا الإمام أبو العباس يقول: إن كان مال اليتيم كثيراً يحتاج إلى كبير قيام عليه بحيث يشغل الولي عن حاجاته ومهماته فرض له فيه أجر عمله وإن كان تافهاً لا يشغله عن حاجاته فلا يأكل منه شيئاً؛ غير أنه يستحب له شرب قليل اللبن وأكل القليل من الطعام والسمن، غير مُضرٍّ به ولا مستكثر له، بل على ما جرت العادة بالمسامحة فيه. قال شيخنا: وما ذكرته من الأجرة، ونيل اليسير من التمر واللبن كل واحد منهما معروف؛ فصلح حمل الآية على ذلك. والله أعلم. قلت: والاحتراز عنه أفضل، إن شاء الله. وأما ما يأخذه قاضي القسمة ويسميه رسماً ونهْبُ أتباعه فلا أدري له وجها ولا حلا، وهم داخلون في عموم قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً } تفسير : [النساء: 10.] الخامسة عشرة ـ قوله تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ} أمر الله تعالى بالإشهاد تنبيهاً على التحصين وزوالا للتّهم. وهذا الإشهاد مستَحبُّ عند طائفة من العلماء؛ فإن القول قول الوصي؛ لأنه أمين. وقالت طائفة: هو فرض؛ وهو ظاهر الآية، وليس بأمين فيُقبل قوله، كالوكيل إذا زعم أنه قد ردّ ما دُفع إليه أو المودع، وإنما هو أمين للأب، ومتى ائتمنه الأب لا يُقبل قوله على غيره. ألا ترى أن الوكيل لو ادّعى أنه قد دفع لزيد ما أمره به بعدالته لم يُقبل قوله إلا ببيَّنة؛ فكذلك الوصي. ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن جبير أن هذا الإشهاد إنما هو على دفع الوصي في يُسْره ما استقرضه من مال يتيمه حالة فقره. قال عبيدة؛ هذه الآية دليل على وجوب القضاء على من أكل؛ المعنى: فإذا اقترضتم أو أكلتم فأشهدوا إذا غرمتم. والصحيح أن اللفظ يعم هذا وسواه. والظاهر أن المراد إذا أنفقتم شيئاً على المُولَى عليه فأشهدوا، حتى لو وقع خلافٌ أمكن إقامة البينة؛ فإن كل مال قبض على وجه الأمانة بإشهاد لا يبرأ منه إلا بالإشهاد على دفعه؛ لقوله تعالى: {فَأَشْهِدُواْ} فإذ دفع لمن دفع إليه بغير إشهاد فلا يحتاج في دفعها لإشهاد إن كان قبضها بغير إشهاد. والله أعلم. السادسة عشرة ـ كما على الوصي والكفيل حفظ مال يتيمه والتثمير له، كذلك عليه حفظ الصبي في بدنه. فالمال يحفظه بضبطه، والبدن يحفظه بأدبه. وقد مضى هذا المعنى في «البقرة». حديث : وروي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن في حجري يتيماً أآكل من ماله؟ قال: « نعم غير متأثل مالا ولا واقٍ مالك بماله». قال: يا رسول الله، أفأضر به؟ قال: «ما كنت ضاربا منه ولدك» تفسير : . قال ابن العربي: وإن لم يثبت مسنداً فليس يجد أحد عنه مُلْتَحداً. السابعة عشرة ـ قوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} أي كفى الله حاسباً لأعمالكم ومجازيا بها. ففي هذا وعيد لكل جاحد حق. والباء زائدة، وهو في موضع رفع.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱبْتَلُواْ } اختبروا {ٱلْيَتَٰمَىٰ } قبل البلوغ في دينهم وتصرفهم في أحوالهم {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ } أي صاروا أهلاً له بالاحتلام أو السن وهو استكمال خمسة عشرة سنة عند الشافعي {فَإِنْ ءَانَسْتُم } أبصرتم {مِّنْهُمْ رُشْداً } صلاحا في دينهم ومالهم {فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا } أيها الأولياء {إِسْرَافاً } بغير حق حال {وَبِدَاراً } أي مبادرين إلى إنفاقها مخافة {أَن يَكْبَرُواْ } رشداء فيلزمكم تسليمها إليهم {وَمَن كَانَ } من الأولياء {غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ } أي يعف عن مال اليتيم ويمتنع من أكله {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ } منه {بِٱلْمَعْرُوفِ } بقدر أجرة عمله {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ } أي إلى اليتامى {أَمْوٰلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } أنهم تسلموها وبرئتم لئلا يقع اختلاف فترجعوا إلى البينة وهذا أمر إرشاد {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ } الباء زائدة {حَسِيباً } حافظاً لأعمال خلقه ومحاسبهم.
ابن عطية
تفسير : هذه مخاطبة للجميع، والمعنى: يخلص التلبس بهذا الأمر للأوصياء، والابتلاء: الاختبار، و {بلغوا النكاح} ، معناه: بلغوا مبلغ الرجال بحلم وحيض أو ما يوازيه، ومعناه: جربوا عقولهم وقرائحهم وتصرفهم، و {آنستم} ، معناه علمتم وشعرتم وخبرتم، كما قال الشاعر: [الخفيف] شعر : آنَسَتْ نَبْأَةً وأفزعها القنّاص عَصْراً وَقَدْ دَنَا الإمْساءُ تفسير : وقرأ ابن مسعود - " حسْتم" - بالحاء وسكون السين على مثال فعلتم، وقرأ أبو عبد الرحمن وأبو السمال وابن مسعود وعيسى الثقفي: "رشداً" بفتح الراء والشين والمعنى واحد، ومالك رحمه الله يرى الشرطين: البلوغ، والرشد المختبر، وحينئذ يدفع المال، وأبو حنيفة يرى أن يدفع المال بالشرط الواحد ما لم يحتفظ له سفه كما أبيحت التسرية بالشرط الواحد وكتاب الله قد قيدها بعدم الطول وخوف العنت، إلى غير ذلك من الأمثلة، كاليمين والحنث اللذين بعدهما تجب الكفارة، ولكنها تجوز قبل الحنث. قال القاضي أبو محمد: والتمثيل عندي في دفع المال بنوازل الشرطين غير صحيح، وذلك أن البلوغ لم تسقه الآية سياق الشرط، ولكنه حالة الغالب على بني آدم أن تلتئم عقولهم فيها، فهو الوقت الذي لا يعتبر شرط الرشد إلا فيه، فقال إذا بلغ ذلك الوقت فلينظر إلى الشرط وهو الرشد حينئذ، وفصاحة الكلام تدل على ذلك، لأن التوقيف بالبلوغ جاء بـ {إذا} والمشروط جاء بـ {إن} التي هي قاعدة حروف الشرط، و {إذا} ليست بحرف شرط لحصول ما بعدها، وأجاز سيبويه أن يجازى بها في الشعر، وقال: فعلوا ذلك مضطرين، وإنما جوزي به لأنها تحتاج إلى جواب، ولأنها يليها الفعل مظهراً أو مضمراً، واحتج الخليل على منع شرطيتها بحصول ما بعدها، ألا ترى أنك تقول أجيئك إذا احمر البسر، ولا تقول: إن احمر البسر، وقال الحسن وقتادة: الرشد في العقل والدين، وقال ابن عباس: بل في العقل وتدبير المال لا غير، وهو قول ابن القاسم في مذهبنا، والرواية الأخرى: أنه في العقل والدين مروية عن مالك، وقالت فرقة: دفع الوصي المال إلى المحجور يفتقر إلى أن يرفعه إلى السلطان ويثبت عنده رشده، أو يكون ممن يأمنه الحاكم في مثل ذلك، وقالت فرقة: ذلك موكول إلى اجتهاد الوصي دون أن يحتاج إلى رفعه إلى السلطان. قال القاضي أبو محمد: والصواب في أوصياء زمننا أن لا يستغنى عن رفعه إلى السلطان وثبوت الرشد عنده، لما حفظ من تواطؤ الأوصياء على أن يرشد الوصي ويبرى المحجور لسفهه وقلة تحصيله في ذلك الوقت، وقوله: {ولا تأكلوها} الآية، نهي من الله تعالى للأوصياء عن كل أموال اليتامى بغير الواجب المباح لهم، والإسراف: الإفراط في الفعل، والسرف الخطأ في مواضع الإنفاق، ومنه قول الشاعر [جرير]: [البسيط] شعر : ما في عَطائِهِمُ مَنٌّ وَلاَ سَرَفُ تفسير : أي لا يخطئون مواضع العطاء {وبداراً}: معناه مبادرة كبرهم، أي إن الوصي يستغنم مال محجوره فيأكل ويقول: أبادر كبره لئلا يرشد ويأخذ ماله، قاله ابن عباس وغيره. و {أن يكبروا} نصب ببدار، ويجوز أن يكون التقدير مخافة أن وقوله: {ومن كان غنياً فليستعفف} الآية، يقال: عف الرجل عن الشيء واستعف: إذا أمسك، فأمر الغني بالإمساك عن مال اليتيم، وأباح الله للوصي الفقير أن يأكل من مال يتيمه بالمعروف، واختلف العلماء في حد المعروف، فقال عمر بن الخطاب وابن عباس وعبيدة وابن جبير والشعبي ومجاهد وأبو العالية: إن ذلك القرض أن يتسلف من مال يتيمه ويقضي إذا أيسر، ولا يتسلف أكثر من حاجته، وقال ابن عباس أيضاً وعكرمة والسدي وعطاء: روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إني نزلت من مال الله منزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت. وروي عن إبراهيم وعطاء وغيرهما أنه لا قضاء على الوصي الفقير فيما أكل بالمعروف، قال الحسن: هي طعمة من الله له، وذلك أن يأكل ما يقيمه أكلاً بأطراف الأصابع، ولا يكتسي منه بوجه، وقال إبراهيم النخعي ومكحول: يأكل ما يقيمه ويكتسي ما يستر عورته، ولا يلبس الكتان والحلل، وقال ابن عباس وأبو العالية والحسن والشعبي: إنما يأكل الوصي بالمعروف إذا شرب من اللبن وأكل من الثمر بما يهنأ الجربى ويليط الحوض ويجد الثمر وما أشبهه، وقالت فرقة: المعروف أنه يكون له أجر بقدر عمله وخدمته، وقال الحسن بن حي: إن كان وصي أب فله الأكل بالمعروف، وإن كان وصي حاكم فلا سبيل له إلى المال بوجه، وقال ابن عباس والنخعي: المراد أن يأكل الوصي بالمعروف من ماله حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: المراد اليتامى في الحالين، أي: من كان منهم غنياً فليعف بماله، ومن كان فقيراً فليتقتر عليه بالمعروف والاقتصاد، وقوله: {فإذا دفعتم} الآية. أمر من الله بالتحرز والحزم، وهذا هو الأصل في الإشهاد في المدفوعات كلها، إذا كان حبسها أولاً معروفاً، وقالت فرقة: الإشهاد ها هنا فرض وقالت فرقة: هو ندب إلى الحزم، وروى عمر بن الخطاب وابن جبيرة أن هذا هو دفع ما يستقرضه الوصي الفقير إذا أيسر، واللفظ يعم هذا وسواه، والحسيب هنا المحسب، أي هو كاف من الشهود، هكذا قال الطبري، والأظهر {حسيباً} معناه: حاسباً أعمالكم ومجازياً بها، ففي هذا وعيد لكل جاحد حق.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى} اختبروهم في عقولهم وتمييزهم وأديانهم. {النِّكَاحَ} الحلم اتفاقاً. {ءَانَسْتُم} علمتم {رُشْدًا} عقلاً، أو عقلاً وصلاحاً في الدين، أو صلاحاً في الدين والمال، أو صلاحاً وعلماً بما يصلح. {إِسْرَافاً} تجاوز المباح، فإن كان إفراطاً قيل أسرف إسرافاً، وإن كان تقصيراً قيل سرف يسرف. {وَبِدَارًا} هو أن يأكله مبادرة أن يكبر فيحول بينه وبين ماله. {فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} قرضاً ثم يرد بدله، أو سد جوعه وستر عورته ولا بدل عليه، أو يأكل من ثمره ويشرب من رِسْل ماشيته ولا يتعرض لما سوى ذلك من أمواله، أو يأخذ أجره بقدر خدمته، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:" حديث : كُلْ من مالِ يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالك بماله"تفسير : . {حَسِيبًا} شهيداً، أو كافياً من الشهود.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وابتلوا اليتامى} الآية نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه وذلك أن رفاعة مات وترك ابنه ثابتاً وهو صغير فجاء عمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له إن ابن أخي يتيم في حجري فيما يحل لي من ماله ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية {وابتلوا اليتامى} يعني اختبروهم في عقولهم وأديانهم وحقوق أموالهم {حتى إذا بلغوا النكاح} أي مبلغ الرجال والنساء {فإن آنستم} أي أبصرتم وعرفتم {منهم رشداً} يعني عقلاً وصلاحاً في الدين وحفظاً للمال وعلماً بما يصلحه. فصل في أحكام تتعلق بالحجر وفيه مسائل المسألة الأولى: الابتلاء يختلف باختلاف أحوال اليتامى فإن كان ممن يتصرف بالبيع والشراء في الأسواق يدفع إليه شيئاً يسيراً من المال، وينظر في تصرفه وإن كان ممن لا يتصرف في الأسواق فيختبر بنفقته على أهله وعبيده وأجرائه وتصرفه في أموال داره، وتختبر المرأة في أمر بيتها وحفظ متاعها وغزلها واستغزالها فإذا رأى حسن تدبير اليتيم وحسن تصرفه في الأمور مرار أو غلب على الظن رشده دفع إليه ماله بعد بلوغه ولا يدفع إليه ماله وإن كان شيخاً يغلب عليه السفه حتى يؤنس منه الرشد. المسألة الثانية: قال الإمام أبو حنيفة: تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة. وقال الشافعي هي غير صحيحة. واحتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية وذلك لأن قوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح يقتضي أن هذا الابتلاء إنما يحصل قبل البلوغ والمراد من هذا الابتلاء اختبار حاله في جميع تصرفاته فثبت أن قوله وابتلوا اليتامى أمر للأولياء بالإذن لهم في البيع والشراء قبل البلوغ أجاب الشافعي بأن قال ليس المراد وابتلوا اليتامى الإذن لهم في التصرف حال الصغر بدليل قوله فإن آنستم منهم رشداً {فادفعوا إليهم أموالهم} وإنما تدفع إليهم أموالهم بعد البلوغ وإيناس الرشد فثبت بموجب هذه الآية أنه لا يدفع إليه ماله حال الصغر فوجب إن لا يصح تصرفه حال الصغر وإنما المراد من الابتلاء هو اختبار عقله واستكشاف حاله في معرفة المصالح والمفاسد. المسألة الثالثة: في بيان البلوغ وذلك بأربعة أشياء اثنان يشترك فيهما الرجال والنساء. واثنان يختصان بالنساء أما اللذان يشترك فيهما الرجال والنساء فأحدهما بالسن فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة. حكم ببلوغه غلاماً كان أو جارية. ويدل عليه ما روى عن ابن عمر قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني. ثم عرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. أخرجاه في الصحيحين وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة بلوغ الجارية باستكمال سبع عشرة سنة وبلوغ الغلام باستكمال ثماني عشرة سنة والثاني الاحتلام وهو إنزال المني الدافق سوا أنزل باحتلام أو جماع فإذا وجد ذلك من الصبي أو الجارية حكم ببلوغه لقوله تعالى {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم} ولقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "حديث : خذ من كل حالم ديناراً أما نبات الشعر الخشن حول الفرج فهو يدل على البلوغ" تفسير : في أولاد المشركين لما روى عن عطية القرظي قال: كنت من سبي قريظة فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قتل ومن لم ينبت لم يقتل. فكنت ممن لم ينبت وهل يكون ذلك علامة عن البلوغ في أولاد المسلمين؟ فيه قولان: أحدهما أنه يكون بلوغاً كما في أولاد المشركين والثاني لا يكون ذلك بلوغاً في حق أولاد المسلمين لأنه يمكن الوقوف على مواليد أولاد المسلمين والرجوع إلى قول آبائهم بخلاف الكفار فإنه لا يوقف على مواليدهم ولا يقبل في ذلك قول آبائهم لكفرهم فجعل الإنبات الذي هو أمارة البلوغ بلوغاً في حقهم. وأما الذي يختص بالنساء فهو الحيض والحبل فإذا حاضت الجارية بعد استكمال تسع سنين حكم ببلوعها وكذلك إذا ولدت حكم ببلوغها قبل الوضع بستة أشهر لأنها أقل مدة الحمل. المسألة الرابعة: في بيان الرشد وهو أن يكون مصلحاً في دينه وماله فالصلاح في الدين هو اجتناب الفواحش والمعاصي التي تسقط بها العدالة والصلاح في المال هو أن لا يكو مبذراً والتبذير أن ينفق ماله فيما لا يكون فيه محمدة دنيوية ولا مثوبة أخروية أو لا يحسن التصرف فيغبن في البيع والشراء. فإذا بلغ الصبي وهو مفسد لماله ودينه لم ينفك عنه الحجر ولا ينفذ تصرفه في ماله. وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا كان مصلحاً لماله زال عنه الحجر وإن كان مفسداً لدينه وإذا كان لما له مفسداً لا يدفع إليه المال حتى يبلغ خمسة وعشرين سنة غير أنه ينفذ تصرفه قبله والقرآن حجة الشافعي في استدامة الحجر عليه لأن الله تعالى قال {فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} أمر بدفع المال بعد البلوغ وإيناس الرشد والفاسق لا يكون رشيداً وبعد بلوغه خمساً وعشرين سنة وهو مفسد لماله بالإنفاق غير رشيد فوجب أن لا يجوز دفع المال إليه كما قبل بلوغ هذا السن. المسألة الخامسة: إذا بلغ الصبي أو الجارية وأونس منه الرشد زال عنه الحجر ودفع إليه ماله سواء تزوج أو لم يتزوج وقال مالك إن كانت امرأة لا يدفع إليها المال ما لم تتزوج فإذا تزوجت دفع إليها مالها ولا ينفذ تصرفها إلا بإذن الزوج ما لم تكبر وتجرب. المسألة السادسة: إذا بلغ الصبي رشيداً زال عنه الحجر فلو عاد سفيهاً ينظر فإن كان مبذراً لماله حجر عليه وإن كان مفسداً في دينه فعلى وجهين: إحدهما أن يعاد عليه الحجر كما يستدام إذا بلغ وهو بهذه الصفة. والثاني لا يحجر عليه لأن حكم الدوام أقوى من حكم الابتداء. وعند أبي حنيفة لا حجر على الحر العاقل البالغ بحال والدليل على إثبات الحجر من اتفاق الصحابة ما روي عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبدالله بن جعفر ابتاع أرضاً سبخة بستين ألف درهم فقال علي: لآتين عثمان ولأحجرن عليك فأتى ابن جعفر الزبير فأعلمه بذلك فقال الزبير أنا شريكك في بيعك فأتى علي عثمان فقال احجر على هذا فقال الزبير أنا شريكه فقال عثمان كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير فكان اتفاقاً منهم على جواز الحجر حتى حتى احتال الزبير لدفعه وقوله تعالى: {ولا تأكلوها إسرافاً} الخطاب للأولياء يعني يا معشر الأولياء لا تأكلوا أموال اليتامى بغير حق {وبداراً أن يكبروا} يعني لا تبادروا كبرهم ورشدهم فتفرطوا في إنفاقها وتقولون ننفق كما نشتهي قبل أن يكبروا فيلزمكم تسليمها إليهم. ثم بيّن تعالى حال الأولياء وقسمهم قسمين فقال تعالى: {ومن كان غنياً فليستعفف} أي فليمتنع من أكل مال اليتيم ولا يرزأه قليلاً ولا كثيراً {ومن كان فقيراً} يعني محتاجاً إلى مال اليتيم وهو يحفظه {فليأكل بالمعروف} روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حديث : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني فقير وليس لي ولي يتيم فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل"تفسير : . واختلف العلماء في حكم هذه الآية فروي عن عمر وابن عباس وابن جبير وأبي العالية وعبيدة السلماني وأبي وائل ومجاهد ومقاتل أنه يأخذ من مال اليتيم على وجه القرض. واختلفوا في أنه هل يلزمه القضاء فذهب قوم إلى أنه يلزمه القضاء إذا أيسر وهو المراد من قوله تعالى فليأكل بالمعروف والمعروف القرض أي يستقرض من مال اليتيم إذا احتاج إليه، فإذا أيسر قضاه وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير قال عمر بن الخطاب: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف فإذا أيسرت قضيت. وقال قوم لا ضمان عليه ولا قضاء بل يكون ما يأكله كالأجرة له على عمله وهو قول الحسن والشعبي والنخعي وقتادة قال الشعبي لا يأكله إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة ثم القائلون بجواز الأكل من مال اليتيم اختلفوا في قوله فليأكل بالمعروف. فقال عطاء وعكرمة يأكل بأطراف أصابعه ولا يسرف ولا يكتسي منه ولا يلبس الكتان ولا الحلل لكن يأكل ما يسد به الجوع ويلبس ما يستر به العورة. وقال الحسن يأكل من تمر نخله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه فأما الذهب الفضة فلا يأخذ منه شيئاً فإن أخذ وجب عليه رده. وقال الكلبي المعروف هو ركوب الدابة وخدمة الخادم، وليس له أن يأكل من ماله شيئاً وروي أن رجلاً قال لابن عباس إن لي يتيماً وإن له إبلاً أفأشرب من لبن إبله فقال ابن عباس إن كنت تبغي ضالة إبل وتهنأ جرباها وتليط حوضها وتسقيها يوم ورودها فاشرب غير مضر نسل ولا ناهك في الحلب وقال قوم المعروف أن يأخذ من ماله بقدر قيامه وأجرة عمله ولا قضاء عليه وهو قول عائشة وجماعة من أهل العلم وقوله تعالى: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} هذا أمر إرشاد وليس بواجب أمر الله تعالى الولي بالإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعد البلوغ لتزول عنه التهمة وتنقطع الخصومة لأنه إذا كانت عليه بينة كان أبعد من أن يدعى عدم القبض وتظهر بذلك أمانة الوصي وتسقط عنه اليمين عند إنكار اليتيم القبض {وكفى بالله حسيباً} يعني محاسباً ومجازياً وشاهداً به.
الثعالبي
تفسير : وقوله: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ...} الآية: الابتلاءُ: الاختبارُ، و {بَلَغُواْ النّكَاحَ}: معناه: بَلَغُوا مَبْلَغَ الرجَالِ بِحُلُمٍ أوْ حَيْضٍ، أوْ غَيْرِ ذلك، ومعناه: جَرِّبوا عقولهم، وقَرَائِحهم، وتصرُّفهم، و {ءانَسْتُمْ}: معناه: عَلِمْتُمْ، وشَعَرْتُمْ، وخَبَرْتُمْ، ومالكٌ (رحمه اللَّه) يرَى الشَّرْطَيْن البُلُوغَ والرُّشد المختَبَرَ، وحينئذٍ يدفع المال. قال * ع *: والبلوغُ لم تَسُقْهُ الآيةُ سِيَاقَ الشَّرْط، ولكنَّها حالةُ الغالِبِ علَىٰ بني آدم؛ أنْ تَلْتَئِمَ عقولُهم فيها، فهو الوقْتُ الذي لا يُعْتَبَرُ شَرْط الرُّشْد إلاَّ فيه، فقال: إذا بلغ ذلك الوقْتَ، فلينظُرْ إلى الشرط، وهو الرُّشْد حينئذٍ؛ وفصاحةُ الكلامِ تدُلُّ علَىٰ ذلك؛ لأنَّ التوقيتَ بالبلوغِ جاء بـــ «إذَا»، والمشروطُ جاء بـ «إنْ» التي هي قاعدةُ حروفِ الشرطِ، «وإذا» ليستْ بحَرْفِ شرطٍ إلاَّ في ضرورة الشِّعْر، قال ابنُ عَبَّاس: الرُّشْد في العقلِ وتدبيرِ المَالِ لا غَيْرُ؛ وهو قولُ ابنِ القَاسِمِ في مَذْهَبنا. وقال الحَسَنُ، وقَتَادة: الرُّشْد في العَقْلِ والدينِ؛ وهو روايةٌ أيضًا عن مالك. وقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ}: نهي منه سبحانَه للأوصياء عَنْ أَكْل أموالِ اليتامَىٰ بغَيْر الواجبِ المُبَاح لهم، والإسْرَافُ: الإفراط في الفَعْل، والسَّرَف: الخَطَأُ في مواضع الإنفاق، وبِدَاراً: معناه: مُبَادَرَةَ كِبَرِّهم، أيْ أنَّ الوصِيَّ يستغنمُ مالَ مَحْجُورِهِ، وأَنْ يَكْبَرُوا: نَصْبٌ بـ «بِدَار»، ويجوز أنْ يكونَ التقديرُ مخافةَ أنْ يَكْبَرُوا. وقوله تعالَىٰ: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ}، يقال: عَفَّ الرجُلُ عَنِ الشَّيْء، وٱسْتَعَفَّ، إذا أَمْسَكَ، فَأُمِرَ الغنيُّ بالإمساك عَنْ مالِ اليتيمِ؛ وأبَاحَ اللَّه للوصيِّ الفقيرِ أنْ يأكُلَ مِنْ مالِ يتيمه بالمَعْروف. واختلف العلماءُ في حَدِّ {ٱلْمَعْرُوفِ}، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: إنما يأكل الوصيُّ بالمعروف؛ إذا شَرِبَ مِنَ اللَّبَنَ، وأَكَلَ مِنَ التَّمْر بما يهنأ الجَرْبَاء، ويلطُّ الحَوْض، ويُجِدُّ التمْر، وما أشبهه، قُلْتُ: يقال للقَطِرَانِ: الهَنا؛ في لغة العرب؛ كذا رأيته مَنْصُوصاً عليه. وقوله تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ}: أمْرٌ من اللَّه تعالَىٰ بالتحرُّز والحَزْم، وهذا هو الأَصْل في الإشهاد في المَدْفُوعات كلِّها؛ إذا كان حَبَسَهَا أوَّلاً معروفاً. قال * ع *: والأظهر أنَّ {حَسِيباً} هنا: معناه: حَاسِباً أعمالكم، ومجازياً بها، ففِي هذا وعيدٌ لكلِّ جاحدِ حَقٍّ. وقوله سبحانه: {لِّلرِّجَالِ نَصِيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوِٰلِدانِ وَٱلأَقْرَبُونَ...} الآية: قال قتادة وغَيْره: سبَبُ نزولِ هذه الآيةِ أنَّ العرب كَانَ منْها مَنْ لا يُوَرِّثُ النساءَ، ويقولونَ: لا يَرِثُ إلاَّ مَنْ طَاعَنَ بالرُّمْحِ، وقَاتَلَ بالسَّيْف.
ابن عادل
تفسير : لما أمر بدفع مال اليتيم إليه، بيَّن هنا متى يؤتيهم أموالهم، وشرَطَ في دفع أموالهم إليهم شرطين: أحدهما: بلوغ النكاح. والثَّاني: إينَاسِ الرُّشد. في "حتى" هذه وما أشبهها أعني الداخلة على "إذا" قولان: أشهرهما: أنَّها حرف غاية، دخلت على الجملة الشَّرطيَّة وجوابها، والمعنى: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم، بشرط إيناس الرُّشد، فهي حرف ابتداء كالدَّاخلة على سائِرِ الجمل كقوله: [الطويل] شعر : 1754- فَمَا زَالَتِ القَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا بِدجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دَجْلَةَ أشْكَلُ تفسير : وقول امرئ القيس: [الطويل] شعر : 1755- سَرَيْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ وَحَتَّى الْجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بأرْسَانِ تفسير : والثاني: وهو قول جماعة منهم الزَّجَّاجُ وابن درُسْتَويه: أنَّها حرف جر، وما بعدها مجرور بها، وعلى هذا فـ "إذا" تتمحَّضَ للظَّرْفِيَّةِ، ولا يكون فيه معنى الشَّرط، وعلى القول الأوَّلِ يكون العامل في "إذَا" ما تَخَلَّص من معنى جوابها تقديره: إذا بلغوا النِّكاح راشدين فادفعوا. وظاهرُ العبارة لبعضهم أنَّ "إذا" ليست بشرطيَّة، لحُصُولِ ما بعدها، وأجاز سيبويه أن يجازي بها في الشِّعر، وقال: "فعلوا ذلك مضطرين"، وإنما جُوزي بها لأنَّها تحتاج إلى جواب، وبأنَّه يليها الفعلُ ظاهراً، أو مضمراً، واحتجَّ الخليلُ على عدم شَرطيَّتِها بحصولِ ما بعدِها، ألا ترى أنك تقول: أجيئك إذا احمر البُسر، ولا تقول: إن احمر. قال أبُو حيان: وكلامُه يُدلُّ على أنها تكون ظرفاً مجرداً، ليس فيها معنى الشَّرط، وهو مخالف للنَّحويين، فإنَّهم كالمجمعين على أنها [ظرف] فيها معنى الشِّرط غالباً، وإن وُجِدَ في عبارةِ بعضهم ما يَنْفَى كونها أداة شرطٍ، فإنَّما أنها لا يجزم بها، إلاَّ أنها لا تكون شرطاً، وقَدَّرَ بعضهم مضافاً قال: تقديره يبلغوا حَدَّ النكاحِ أو وقته، والظَّاهرُ أنها لا تحتاج إليه، والمعنى: صَلَحوا للنكاح. فصل في معنى الابتلاء وكيفيته والابتلاءُ: الاختيارُ، أي اختبروهم في عقولهم وإدراكهم، وحفظهم أموالهم. نزلت في ثابت بن رفاعة، مات أبُوهُ رفاعةُ وتركه صغيراً عند عمه، فجاء عمُّه إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يَحِلُّ لي مِنْ ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فنزلت هذه الآية. قال سعيد بن جبير ومجاهد والشَّعبيُّ: "لا يدفع إليه ماله، وإنْ كان شيخاً حتى يؤنس رشده"، فالابتلاءُ يختلف باختلاف أحوالهم، فإن كان مِمَّنْ يتصرف في السوق فيدفع الولي إليه شيئاً كبيراً من المال، وينظر في تَصَرُّفه، وإن كان ممَّن لا يتصرف فيختبره في نفقة داره، والإنفاق على عبيده وأجرائه وتُخْتبر المرأة في أمر بيتها وحفظ متاعها وغزلها واستغزالها فإذَا رأى حسن تصرُّفه وتدبيره مراراً حيث يغلب على الظن رشده دفع إليه المال. فصل فيما إذا عاد إلى السَّفه بعد أخذ المال قال القرطبيُّ: "إذا سُلِّم إليه المال لوجود الرشد، ثم عاد إلى السَّفه عاد الحجرُ عليه". وقال أبو حنيفة: لا يعود عليه الحجر؛ لأنَّه بالغ عاقل، يجوز إقراره في الحدود والقصاص. دليلنا قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} تفسير : [النساء: 5]. ويجوز للوصيّ أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه من تجارةٍ وإبضاع وشراء وبيع، وعليه أنْ يؤدّى الزَّكاة من سائر أمواله عينٍ وحرث وماشية وفطرة، ويؤدّي عنه أرُوش الجنايات، وقيم المُتْلَفَاتِ، ونفقةِ الوالدين، وسائر الحقوق اللازمة، ويجوز أن يزوجه، ويؤدّي عنه الصداق، ويشتري له جارية يتسرّى بها، ويصالح له وعليه على وجه النَّظر. فصل المراد من بلوغ النكاح والمراد من بلوغ النِّكاح هو الاحتلام، لقوله تعالى: {أية : وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ} تفسير : [النور: 59] وعند هذا الحدّ يجري على صاحبه قلم التَّكليف، وإنَّما سمي الاحتلام بلوغ النَّكاح، لأنَّه إنزال الماء الدَّافق الذي يكون في الجماع، وهذه الآية دالّة على ورود لفظ النِّكاح بمعنى الجماع. واعلم أن للبلوغ خمس علامات ثَلاثَةٌ منها مُشْتَرَكةٌ بين الذكور والإناث وهي: الاحتلامُ، والسنُّ المخصوص، ونَبَاتُ الشّعر الخشن على العانَةِ. وقيل: إنبات الشَّعر الخشن بلوغ في أولاد المشركين، ولا يكون لأولاد المسلمين؛ لأن أولاد المسلمين يمكن الوقوف على مواليدهم بالرُّجوع إلى آبائهم، وأولاد الكفار لا يوقف على مواليدهم، ولا يُقْبَلُ قول آبائهم فيه لكفرهم، فجعل الإنبات الذي هو أمَارَةُ البلوغ بلوغاً في حقِّهم. واثنان منها تختّص بالنّساء وهما: الْحَيْضُ والْحَبَلُ. فصل قال أبُو حنيفةَ: "تصرفات [الصَّبي] العاقل المميز بإذن الوليّ صحيحة لهذه الآية، ولأنه يصحّ الاستثناء فيه فيقال: ابتلوا اليتامى إلاَّ في البَيْع والشِّراء". قال الشَّافعيُّ: لا تصحُّ تصرفاته؛ لأنه إنَّما أمر بدفع ماله إليه بعد البلوغ وإيناس الرُّشْدِ، وإذا كان لا يجوز دفع المال حال الصغر، فلا يجوز تصرفه حال الصغر؛ لأنه لا قائل بالفرق. والمرادُ بالابتلاء: اختبار عقله في أنه هل له فَهْم وعَقْلٌ في معرفة المصالح والمفاسد؟ بأن يبيع الوليُّ ويشتري له بحضوره، ثم يستكشفُ من الصبيِّ أحوال ذلك البيع والشِّراء، وما فيها من المصالح والمفاسد، وبهذا القَدْر يحصل الابتلاء والاختبار، وأيضاً هَبْ أنَّا سَلَّمْنَا أنه يدفع إليه شيئاً ليبيع أو يشتري، فَلِمَ قلتَ: إنَّ هذا القدر يدل على صحَّةِ ذلك البيع والشِّراء؟ بل إذا باع واشترى، وحصَلَ به اختبار عقله فالوليُّ بعد ذلك يتمم ذلك البيع والشراء. قوله: {فَإِنْ آنَسْتُمْ}. والفاءُ جواب "إذا" وفي قوله: {فَٱدْفَعُواْ} جواب "إن". وقرأ ابن مسعود "فإن أحستم" والأصْلُ أحسسْتُم فحذف إحدى السِّينين، ويحتمل أن تكون العينَ أو اللام، ومثله قول أبي زبيد: [الوافر] شعر : 1756- سِوَى أنَّ الْعِتَاقَ مِنَ الْمَطَايَا حَسِينَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ تفسير : وهذا خلاف لا ينقاسُ، ونقل بعضهم أنَّها لغةُ سُلَيم، وَأنَّها مُطَّردة في عين كل فعلٍ مضاعفة اتصل به تاءُ الضَّمير أو نونه ونَكَّر "رُشْداً" دلالةً على التنويعِ، والمعنى أيّ نوعٍ حَصَلَ من الرُّشدِ كان كافياً. وقرأ الجمهور "رُشْداً" بضمة وسكون، وابن مسعود والسُّلميُّ بفتحتين، وبعضهم بضمتين، وسيأتي الكلامُ على ذلك في الأعراف إن شاء الله تعالى. وآنس كذا أحسَّ به وشَعَرَ، قال: [الخفيف] شعر : 1757- آنسَنْ نَبْأةً وَأفْزَعَهَا القُنْـ ـنَاصُ عَصْراً وَقَدْ دَنَا الإمْسَاءُ تفسير : وقد قيل: "وجد" عن الفراء. وقيل: أبصر. وقيل: رأيتم. وقيل: آنست وأحسست ووجدت بمعنى واحدٍ. وقال القرطبي: وأصْلُ الإيناس في اللُّغة الإبصار، ومنه قوله {أية : آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً} تفسير : [القصص: 29]. قال أهل اللُّغة: هو إصابة الخير، قال تعالى: {أية : قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} تفسير : [البقرة: 256]، والغيُّ: هو العصيان: قال تعالى: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} تفسير : [طه: 121] فيكون نقيضه هو الرشد، وقال تعالى: {أية : وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} تفسير : [هود: 97]. وقال أبو حنيفة: "لا يعتبر هنا الصَّلاح في المال فقط"، وينبني على هذا أن أبا حنيفة لا يرى الحجر على الفاسق، والشافعي يراه. فصل إذا بلغ الرُّشْد زال عنه الحجر، ودفع إليه، رجلاً كان أو امرأة، تزوج أو لم يتزوج. وعند مالك إن كانت امرأة لا يدفع المال إليها ما لم تتزوج، فإذا تزوّجتْ دفع المال إليها، ولكن لا ينفذ تصرفها إلاَّ بإذن الزَّوج ما لم تكبر وَتُجَرَّبْ، فإذا بلغ الصبي رشيداً وزال الحجر عنه ثم عاد سفيهاً [نُظِرَ] إنْ عاد مبذراً لماله حُجِرَ عليه، وإن عاد مفسداً في دينه فقيل: يُعاد الحجْرُ عليه، كما يستدام الحجر عَلَيْهِ إذا بلغ بهذه الصفة، وقيل: لا يُعَادُ؛ لأن حكم الدوام أقْوَى من حكم الابتداء، وعند أبي حنيفة لا حَجْرَ على البَالِغِ العاقِلِ بحال. قوله: {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً}. في نصبهما وجهان: أحدهما: أنهما منصوبان على المفعولِ من أجْلِهِ أي: لأجل الإسراف والبِدَارِ. ونقل عن ابن عباس أنه قال: "كان الأولياء يستغنمون أكل مال اليتيم، لئلا يكبر فينزع المال منهم". والثَّاني: أنَّهما مصدران في موضع الحالِ أي: مُسْرِفينَ وَمُبادِرِينَ. وبداراً مصدرُ بادرَ والمفاعلة هنا يجوز أن تكون من اثنين على بابها، بمعنى أن الوليَّ يبادرُ اليتيم إلى أخْذِ مالهِ، واليتيمُ يُبَادِرُ إلى الكبر، ويجوز أن يكون من واحد بمعنى: أنَّ فاعل بمعنى فعل نحو: سافر وطارق. قوله: "أن تكبروا". فيه وجهان: أحدهما: أنه مفعول بالمصدر أي: وبداراً كبرهم، كقوله: {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً} تفسير : [البلد: 14،15] وفي إعمال المصدر المُنَوِّنِ الخلاف المشهور. والثَّاني: أنَّه مفعول من أجله على حذف أي: مخافة أن يكبروا، وعلى هذا فمفعولُ "بِدَاراً" محذوف، وهذه الجملة النَّهْييَّةُ فيها وجهان: أصحهما: أنها استئنافية، وليست معطوفةً على ما قبلها. والثَّاني: أنَّها عطف على ما قبلها، وهو جوابُ الشرط بـ "إن" أي: فادفعوا ولا تأكلوها، وهذا فاسدٌ؛ لأن الشّرط وجوابه، مترتِّبان على بلوغ النِّكاح وهو معارضٌ لقوله: {وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} فَيَلزَمُ منه سَبْقُه على ما ترتَّب عَلَيْهِ، وذلك ممتنع. والمعنى: ولا تأكلوها يا معشرَ الأولياءِ "إسْرافاً" أي: بغير حقٍّ، "وبداراً" أي: ومبادرة، ثم بَيَّنَ مَا يَحِلُّ لهم من مالهم فقال: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} أي: فليمتنع من مال اليتيم فلا يرزؤه قليلاً ولا كثيراً، والعفة الامتناع مما لا يحل. قال الواحديُّ: استعفف عن الشيءِ وعَفَّ: إذا امتنعَ منه وتَرَكَهُ. قال الزمخشريُّ: "استعفف أبلغ مِنْ عَفَّ كأنَّه طالب زيادة العفَّةِ". قوله: {وَمَن كَانَ فَقِيراً}. محتاجاً إلى مال اليتيم، وهو يحفظه ويتعمَّده {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ}. رُوِيَ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أن رجلاً أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : إنِّي فَقِيرٌ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ وَلِي يَتيمٌ، فقال: كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلا مُبَذِّرٍ وَلاَ مُتَأثِّل ". تفسير : واختلفوا، هل يلزمهُ القضاءُ؟ فقال مجاهدٌ وسعيدُ بن جبير: يقضي إذا أيسر لقوله: {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} والمعروف: هو أن يقترض من مال اليتيم إذا احتاج إليه، فإذا أيْسَرَ قَضَاهُ. قال عمرُ بن الخطّاب: "إنِّي أنْزَلْتُ نفسي من مال اللَّه بمنزلة مال اليتيم، إن استغنيتُ استعففتُ، وإنْ افترقتُ أكَلْتُ بالمعروفِ، فَإذا أيْسَرْتُ قضيتُ". وأكثر الروايات عن ابن عباس، وبعض العلماء أنّ القرض مخصوص بأصول الأموال من الذَّهب والفضَّة وغيرهما، فأمَّا التَّناول من ألبان المواشي، واستخدام العبيد، وركوب الدَّواب، فمباح له إذا لم يضرَّ بالمال، وهذا قول أبي العالية؛ لأنه أمر بدفع أموالهم إليهم. قال الشَّعْبيُّ: "لا يأكله إلا أن يضطر كما يضطر إلى الميتة". وقال قوم: لا قضاء عليه لقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً} وهذا يُشْعِرُ بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، وقوله {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} أن للوصي أن ينتفع بمقدار الحاجة، وقوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً} تفسير : [النساء: 10] يدل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلماً وغير ظلم، وإلاَّ لم يكن لقوله {ظُلْماً} معنى. وأيضاً الحديث المتقدم، وأيضاً فيقاسُ على السَّاعي فإنَّهُ يُضْرَبُ له من الصَّدقات على قدر عمله، فكذا ها هنا. وقال أبُو بكرٍ الرازيُّ: الَّذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذ على سبيل القرض، ولا على سبيل الابتداء سواء كان غنياً أو فقيراً، لقوله تعالى: {أية : وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} تفسير : [النساء: 2] إلى قوله {أية : حُوباً كَبِيراً} تفسير : [النساء: 2]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً} تفسير : [النساء: 10] إلى قوله {أية : سَعِيراً} تفسير : [النساء: 10] وقوله: {أية : وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [النساء: 127]. فصل قال القرطبيُّ: كما على الوصي والكفيل حفظ مال يتيمه كذلك عليه حفظ الصبيِّ في بدنه وتأديبه، حديث : رُوِيَ أنَّ رجلاً قال لِلنبِيِّ صلى الله عليه وسلم إنَّ في حجري يتيماً أآكل من ماله؟ قال: "نعم" غير متأثل مالاً ولا واقٍ مالك بماله" قال: يا رسول اللَّه أفأضربه، قال: "مَا كُنْت ضَارِباً منه وَلَدَكَ ". تفسير : {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ}. وهذا أمر رشاد، وليس بواجب، أمر الولي بالإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعد البلوغ ليزول عنه التهمة وتنقطع الخصومة. واختلفوا فيما إذا ادَّعى الوصيُّ بعد بلوغ اليتيم أنَّه دفع المال إليه هل يصدَّقُ؟ أو قال أنْفَقْتُ عليه المالَ في صغره؟ فقال مالكٌ والشَّافعيُّ: لا يصدَّقُ. وقال أبو حنيفة: "يصدَّقُ". قوله: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً}. في "كفى" قولان: أحدهما: أنَّها اسم فعل. والثاني - وهو الصَّحيح - إنها فعلٌ، وفي فاعلها قولان: الأول: وهو الصَّحيح أنَّهُ المجرور بالباء، والباء زائدة فيه وفي فاعل مضارعه نحو: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ} تفسير : [فصلت: 53] باطِّراد فقال أبُو البقاء: زيدت لتدلَّ على معنى الأمر إذ التقدير: اكتف باللَّه، وهذا القول سبقه إليه مَكِي والزَّجاجُ فإنه قال: دَخَلَتْ الباءُ في الفاعل؛ لأن معنى الكلام الأمرُ أي: الباء ليست بزائدة، وهو كلامٌ غيرُ صحيح؛ لأنه من حيث المعنى الذي قدَّره يكون الفاعل هم المخاطبين، و "بالله" متعلّق به، ومن حيث كون "الباء" دخلت في الفاعل يكون الفاعل هو اللَّهُ تعالى، فيتناقض. وفي كلام ابن عطية نحو من قوله أيضاً فإنه قال: "باللَّه" في موضع رفع بتقدير زيادة الخافض، وفائدة زيادته تبيَّن معنى الأمر في صورة الخَبَرِ أي: اكتفوا باللَّه، "فالباء" تدل على المراد من ذلك، وفي هذا ما رُدَّ به على الزَّجَّاجِ، وزيادة جَعْلِ الحرف زائداً وغير زائدٍ. والثاني: أنَّه مضمر والتَّقديرُ: كفى الاكتفاء و "بالله" على هذا في موضع نصب؛ لأنه مفعول به في المعنى، وهذا رأي ابن السَّراج، وَرُدَّ هذا بأن إعمال المصدر المحذوف لا يجوز عند البصريين إلا ضرورة كقوله: [البسيط] شعر : 1758- هَلْ تَذْكُرُونَ إلَى الدَّيْرَينِ هجْرَتَكُمْ وَمَسْحَكُمْ صُلْبَكُمْ رَحْمَانُ قُرْبَانَا تفسير : أي قولكم: يا رحمان قرباناً، وقَالَ أبو حيان: وقيل: الفاعِلُ مضمر، وهو ضمير الاكتفاء أي: كفى هو أيْ: الاكتفاء، و "الباء" ليست زائدة، فيكون في موضع نصب ويتعلق أنذاك بالفاعل، وهذا الوجه لا يسوغ على مذهب البصريين، لأنه لا يجوز عندهم إعْمَالُ المصدر مضمراً، وإن عني بالإضمار الحذف امتنع عندهم أيضاً لوجهين: حذف الفاعل، وإعمال المصدر محذوفاً وإبقاء معموله، وفيه نظرٌ؛ إذْ لقائل أن يقول: إذا قلنا بأن فاعل "كفى" مضمر لا نعلق "باللَّه" بالفاعل حتّى يلزم ما ذكر بل نعلقه بنفس الفعل كما تقدَّمَ. وقال ابْن عيسى: إنَّما دخلت الباء في "كفى باللَّه"؛ لأنَّهُ كان يتصل اتِّصال الفاعل [وبدخول الباء اتصل] اتصالَ المضافِ، واتِّصال الفاعل، لأنَّ الكفاية منه ليست كالكفاية من غيره فضوعِفَ لفظها لمضاعفة معناها، ويحتاج إلى فكر. قوله: {حَسِيباً} فيه وجهان: أصحهما: أنه تمييز يدلُّ على ذلك صلاحيَّة دخول "مِنْ" عليه، وهي علامة التمييز. والثَّاني: أنه حال. و "كفى" هاهنا متعدِّية لواحد، وهو محذوف تقديره: "وكفاكم الله". وقال أبُو البَقَاءِ: "وكفى" يتعدَّى إلى مفعولين حُذِفا هنا تقديره: كفاك اللَّهُ شرَّهم بدليل قوله: {أية : فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 137] والظاهر أن معناها غيرُ معنى هذه. قال أبو حيّان بعد أن ذكر أنها متعدية لواحد: وتأتي بغير هذا المعنى متعدية إلى اثنين كقوله: {أية : فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 137] وهو محل نظر. قال ابن الأنباري والأزهري: يحتمل أن يكون الحَسِيبُ بمعنى المحاسب، وأن يكون بمعنى الكافي، فمن الأول قولهم للرَّجل تهديداً: حَسْبُهُ اللَّهُ، [ومعناه: يحاسبه] الله على ما يفعل من الظُّلم، ومن الثَّاني قولهم: حسبك الله، أي: كافيك الله وهذا وعيد سواء فسَّرنا الحسيب بالمحاسب، أو بالكافي.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس {وابتلوا اليتامى} يعني اختبروا اليتامى عند الحلم {فإن آنستم} عرفتم {منهم رشداً} في حالهم والإصلاح في أموالهم {فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً} يعني تأكل مال اليتيم مبادرة قبل أن يبلغ فتحول بينه وبين ماله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {وابتلوا اليتامى} قال: عقولهم {حتى إذا بلغوا النكاح} يقول: الحلم {فإن آنستم} قال: أحسستم {منهم رشداً} قال: العقل. وأخرج ابن جرير عن السدي {وابتلوا اليتامى} قال: جربوا عقولهم {فإن آنستم منهم رشداً} قال: عقولاً وصلاحاً. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن مقاتل {وابتلوا اليتامى} يعني الأولياء والأوصياء. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن قيس {حتى إذا بلغوا النكاح} قال: خمس عشرة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن الحسن {فإن آنستم منهم رشداً} قال: صلاحاً في دينه وحفظاً لماله. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {فإن آنستم منهم رشداً} قال: صلاحاً في دينهم وحفظاً لأموالهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إذا أدرك اليتيم بحلم وعقل ووقار دفع إليه ماله. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: لا تدفع إلى اليتيم ماله وإن شمط ما لم يؤنس منه رشد. وأخرج ابن جرير عن الحسن {ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً} ويقول: لا تسرف فيها ولا تبادر. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {ولا تأكلوها إسرافاً} يعني في غير حق {وبداراً أن يكبروا} قال: خشية أن يبلغ الحلم فيأخذ ماله. وأخرج البخاري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في ولي اليتيم {ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} بقدر قيامه عليه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والحاكم وصححه من طريق مقسم عن ابن عباس {ومن كان غنياً فليستعفف} قال: بغناه من ماله حتى يستغني عن مال اليتيم لا يصيب منه شيئاً {ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} قال: يأكل من ماله يقوت على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم. وأخرج ابن المنذر من طريق أبي يحيى عن ابن عباس {ومن كان غنياً فليستعفف} قال: يستعف بماله حتى لا يفضي إلى مال اليتيم. وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس {ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} قال: هو القرض. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس {ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} يعني القرض. وأخرج عبد بن حميد والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية قال: ولي اليتيم إن كان غنياً فليستعفف وإن كان فقيراً أخذ من فضل اللبن وأخذ بالقوت لا يجاوزه، وما يستر عورته من الثياب، فإن أيسر قضاه، وإن أعسر فهو في حل. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية يقول: إن كان غنياً فلا يحل له أن يأكل من مال اليتيم شيئاً، وإن كان فقيراً فليستقرض منه، فإذا وجد ميسرة فليعطه ما استقرض منه فذلك أكله بالمعروف. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير والنحاس في ناسخه وابن المنذر والبيهقي في سننه من طرق عن عمر بن الخطاب قال: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم، إن استغنيت استعففت وإن احتجت أخذت منه بالمعروف. فإذا أيسرت قضيت. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس في قوله {ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} قال: إذا احتاج ولي اليتيم وضع يده فأكل من طعامهم، ولا يلبس منه ثوباً ولا عمامة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {فليأكل بالمعروف} قال: بأطراف أصابعه الثلاث. وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن عباس في الآية قال: يأكل الفقير إذا ولي مال اليتيم بقدر قيامه على ماله ومنفعته له، وما لم يسرف أو يبذر. وأخرج مالك وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه عن القاسم بن محمد قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاماً، وإن لهم إبلاً فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها، وتهنا جرباها، وتلوط حوضها، وتسعى عليها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عمرو "حديث : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا مبذر، ولا متأثل مالاً، ومن غير أن تقي مالك بماله ". تفسير : وأخرج ابن حبان عن جابر "حديث : أن رجلاً قال يا رسول الله مم أضرب يتيمي؟ قال: مما كنت ضارباً منه ولدك غير واق مالك بماله، ولا متأثل منه مالاً ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي شيبة والنحاس في ناسخه عن الحسن العرني "حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله مم أضرب يتيمي؟ قال: مما كنت ضارباً منه ولدك قال: فأصيب من ماله؟ قال: بالمعروف غير متأثل مالاً، ولا واق مالك بماله ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أن عم ثابت بن وداعة - وثابت يومئذ يتيم في حجره من الأنصار - أتى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : إن ابن أخي يتيم في حجري فماذا يحل لي من ماله؟ قال: أن تأكل من ماله بالمعروف من غير أن تقي مالك بماله، ولا تأخذ من ماله وفراً. قال: وكان اليتيم يكون له الحائط من النخل فيقوم وليه على صلاحه وسقيه فيصيب من ثمره، ويكون له الماشية فيقوم وليه على صلاحها ومؤنتها وعلاجها فيصيب من جزازها ورسلها وعوارضها، فأما رقاب المال فليس لهم أن يأكلوا ولا يستهلكوه ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن عطاء قال: خمس في كتاب الله رخصة وليست بعزيمة قوله {ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل. وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس {ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} قال: نسختها {أية : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً..} تفسير : [النساء:10] الآية. وأخرج أبو داود في ناسخه عن الضحاك. مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي الزناد في الآية قال: كان أبو الزناد يقول: إنما كان ذلك في أهل البدو وأشباههم. وأخرج ابن أبي حاتم عن نافع بن أبي نعيم القاري قال: سألت يحيى بن سعيد وربيعة عن قوله {فليأكل بالمعروف} قالا: ذلك في اليتيم، إن كان فقيراً أنفق عليه بقدر فقره ولم يكن للولي منه شيء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} يقول: إذا دفع إلى اليتيم ماله فليدفعه إليه بالشهود كما أمره الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية يقول للأوصياء: إذا دفعتم إلى اليتامى أموالهم إذا بلغوا الحلم فأشهدوا عليهم بالدفع إليهم أموالهم {وكفى بالله حسيباً} يعني لا شاهد أفضل من الله فيما بينكم وبينهم. وأخرج ابن جرير عن السدي {وكفى بالله حسيباً} شهيداً.
ابو السعود
تفسير : {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ} شروعٌ في تعيـين وقتِ تسليمِ أموالِ اليتامى إليهم وبـيانِ شرطِه بعد الأمرِ بإيتائها على الإطلاق والنهيِ عنه عند كونِ أصحابِها سفهاءَ، أي واختبروا من ليس منهم بـيِّن السَّفَهِ قبل البلوغِ بتتبُّع أحوالِهم في صلاح الدينِ والاهتداءِ إلى ضبط المالِ وحسنِ التصرفِ فيه، وجرِّبوهم بما يليق بحالهم فإن كانوا من أهل التجارةِ فبأن تعطوهم من المال ما يتصرفون فيه بـيعاً وشراءً وإن كانوا ممن له ضِياعٌ وأهلٌ وخدَمٌ فبأن تعطوهم منه ما يصرفونه إلى نفقة عبـيدِهم وخدمِهم وأُجَرائِهم وسائرِ مصارفِهم حتى تتبـين لكم كيفيةُ أحوالِهم {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ} بأن يحتلموا لأنهم يصلُحون حينئذ للنكاح {فَإِنْ آنَسْتُمْ} أي شاهدتم وتبـينتم وقرىء أحَسْتم بمعنى أحسستم كما في قول من قال: [الوافر] شعر : خلا أن العتاقَ من المطايا أحَسْنَ به وهنّ إليه شوُسُ تفسير : {مّنْهُمْ رُشْداً} أي اهتداءً إلى وجوه التصرفاتِ من غير عجز وتبذيرٍ، وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، أو للاعتداد بمبدئيته له. والتنوينُ للدِلالة على كفاية رُشدٍ في الجملة وقرىء بفتح الراء والشين وبضمهما {فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ} من غير تأخيرٍ عن حد البلوغِ، وفي إيثار الدفعِ على الإيتاء الواردِ في أول الأمرِ إيذانٌ بتفاوتهما بحسب المعنى كما أشير إليه فيما سلف، ونظم الآية الكريمة أن حتى هي التي تقع بعدها الجملُ كالتي في قوله: [الطويل] شعر : فما زالت القتلى تمُجُّ دماءَها بدِجلةَ حتى ماءُ دِجلةَ أشكلُ تفسير : وما بعدها جملةٌ شرطيةٌ جُعلت غايةً للابتلاء، وفعلُ الشرطِ {بَلَغُواْ} وجوابُه الشرطيةُ الثانيةُ كأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغِهم واستحقاقِهم دفعَ أموالِهم إليهم بشرط إيناسِ الرُشدِ منهم، وظاهرُ الآيةِ الكريمةِ أن من بلغ غيرَ رشيدٍ إما بالتبذير أو بالعجز لا يدفع إليه مالُه أبداً وبه أخذ أبو يوسفَ ومحمدٌ، وقال أبو حنيفة: ينتظر إلى خمس وعشرين سنةً لأن البلوغ بالسن ثماني عشرة سنةً فإذا زادت عليها سبعُ سنين ـــ وهي مدةٌ معتبرةٌ في تغير أحوالِ الإنسانِ لما قاله عليه الصلاة والسلام: «حديث : مروهم بالصلاة لسبع» تفسير : دفع إليه مالَه أُونِسَ منه أو لم يُؤْنَس {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} أي مسرفين ومبادرين كِبرَهم إو لإسرافكم ومبادرتِكم كِبرَهم تفرِّطون في إنفاقها وتقولون: نُنفق كما نشتهي قبل أن يكبَرَ اليتامى فينتزعوها من أيدينا، والجملة تأكيدٌ للأمر بالدفع وتقريرٌ لها وتمهيدٌ لما بعدها من قوله تعالى: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} الخ، أي من كان من الأولياء والأوصياءِ غنياً فليتنزَّهْ عن أكلها وليقنَعْ بما آتاه الله تعالى من الغنى والرزقِ إشفاقاً على اليتيم وإبقاءً على ماله {وَمَن كَانَ} من الأولياء والأوصياءِ {فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} بقدْر حاجتِه الضروريةِ وأُجرةِ سعيِه وخِدمتِه، وفي لفظ الاستعفافِ والأكلِ بالمعروف ما يدل على أن للوصيّ حقاً لقيامه عليها. عن النبـي عليه الصلاة والسلام «حديث : أن رجلاً قال له: إن في حِجري يتيماً أفآكلُ من ماله؟ قال: "بالمعروف غيرَ متأثِّلٍ مالاً ولا واقٍ مالَك بماله"» تفسير : وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن وليَّ يتيمٍ قال له: أفأشرب من لبن إبلِه؟ قال: "إن كنت تبغي ضالّتَها وتلوطُ حوضَها وتهنأ جَرْباها وتسقيها يوم ورودِها فاشرَبْ غير مُضِرٍ بنسل ولا ناهكٍ في الحلب" وعن محمد بن كعب يتقرَّمُ كما تتقرّم البهيمة ويُنزِل نفسَه منزلةَ الأجيرِ فيما لا بد منه. وعن الشعبـي: يأكلُ من ماله بقدر ما يُعين فيه. وعنه: كالميتة يتناول عند الضرورة. وعن مجاهد: يستسلف فإذا أيسرَ أدّىٰ. وعن سعيد بن جبـير: إن شاء شرِب فضلَ اللبن وركِبَ الظهرَ ولبس ما يستُره من الثياب وأخَذَ القوتَ ولا يجاوزُه فإن أيسر قضاه وإن أعسر فهو في حل. وعن عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه: إني أنزلت نفسي من مال الله تعالى منزلةَ وليَّ اليتيمِ إن استغنيتُ استعففتُ وإن افتقرتُ أكلتُ بالمعروف وإذا أيسرتُ قضيت. واستعفَّ أبلغُ من عفّ كأنه يطلب زيادةَ العفة {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ} بعد ما راعيتم الشرائطَ المذكورةَ وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول الصريحِ للاهتمام به {فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ} بأنهم تَسَلَّموها وقبضوها وبرِئَتْ عنها ذممُكم لما أن ذلك أبعدُ من التهمة وأنفى للخصومة وأدخَلُ في الأمانة وبراءةِ الساحةِ وإن لم يكن ذلك واجباً عند أصحابنا، فإن الوصيَّ مُصدِّقٌ في الدفع مع اليمين خلافاً لمالكٍ والشافعيِّ رحمهما الله {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} أي محاسباً فلا تُخالفوا ما أمركم به ولا تُجاوزوا ما حَدَّ لكم.
القشيري
تفسير : إيناس الرشد العفة والديانة، والسخاء والصيانة، وصحبة الشيوخ، والحرص على مشاهدة الخير، وأداء العبادات على قضية الأمر. ويقال الرشيد من اهتدى إلى ربِّه، وعندما تسنح له (حاجة) من حوائجه لا يتَّكل على حَوْله وقُوَّتِه، وتدبيره واختياره.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} الرشد ههنا والله اعلم معرفة الله ومحبته وسلوك سبيله على موافقة السنة وقيل اصحابه الحق وقيل القيام فى العبادات على شرط السنة قال ابن عطا الرشيد من يفرق بين الا لهام والوسوسة قوله تعالى {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} هذا تسلية للمشتاقين اى كفى بكم عدى انفاسكم التى تنفستم بها فى غلبة شوقكم الى لقائى فاجازكم بكل نفس بوصل بلا فصل وانا حسبكم ومشاهدتى حسبكم لانها بلا نهاية ولا حجاب وتخوف به اهل المراقبة لئلا يخرط على قلوبكم خاطر دونه قيل الحسب الكريم ان يوفيك مالك ولا يناقشك فيما عليك قال ابن عطا الحسيب الذى لا يضيع عنده عمل.
اسماعيل حقي
تفسير : {وابتلوا اليتامى} اى واختبروا ايها الاولياء والاوصياء من ليس من اليتامى بين السفه قبل البلوغ يتتبع احوالهم فى صلاح الدين والاهتداء الى ضبط المال وحسن التصرف فيه وجربوهم بما يليق بحالهم فان كانوا من اهل التجارة فبان تعطوهم من المال ما يتصرفون فيه بيعا وابتياعا وان كانوا ممن له ضياع واهل وخدم فبان تعطوا منه ما يصرفونه الى نفقة عبيدهم وخدمهم واجرائهم وسائر مصارفهم حتى يتبين لكم كيفية احوالهم {حتى اذا بلغوا النكاح} بان يحتلموا لانهم يصلحون عنده للنكاح {فان آنستم} اى شاهدتم وتبينتم {منهم رشدا} صلاحا فى دينهم واهتداء الى وجوه التصرفات من غير عجز وتبذير {فادفعوا اليهم اموالهم} من غير تأخير عن حد البلوغ. وظاهر الآية الكريمة ان من بلغ غير رشيد اما بالتبذير او بالعجز لا يدفع اليه ماله ابدا وبه اخذ ابو يوسف ومحمد. وقال ابو حنيفة ينتظر الى خمس وعشرين سنة لان البلوغ بالسن ثمانى عشرة فاذا زادت عليها بسبب سنين وهى مدة معتبرة فى تغيير احوال الانسان لما قال عليه السلام "حديث : مروهم بالصلاة لسبع " .تفسير : دفع اليه ماله اونس منه رشد او لم يونس {ولا تأكلوها اسرافا} بغير حق حال اى مسرفين وليس فيه اباحة القليل وتحريم الاسراف بل هو بيان انه اسراف {وبدارا} اى مبادرين ومسارعين الى انفاقهما مخافة {ان يكبروا} فتفرطون فى انفاقها وتقولون ننفق كما نشتهى قبل ان تكبر اليتامى رشدا فينتزعوها من ايدينا ويلزمنا تسليمها اليهم {ومن كان غنيا} من الاولياء والاوصياء {فليستعفف} فليتنزه عن اكلها وليمتنع وليقنع بما آتاه الله من الغنى والرزق اشفاقا على اليتيم وابقاء على ماله واستعفف ابلغ من عف كأنه يطلب زيادة العفة {ومن كان} من الاولياء والاوصياء {فقيرا فليأكل بالمعروف} اى بما عرف فى الشرع بقدر حاجته الضرورية واجرة سعيه وخدمته وفيه ما يدل على ان للوصى حقا لقيامه عليها {فاذا دفعتم اليهم اموالهم} بعد ما راعيتم الشرائط المذكورة {فأشهدوا عليهم} بانهم تسملوها وقبضوها وبرئت منها ذممكم لما ان ذلك ابلغ من التهمة وانفى للخصومة وادخل فى الامانة وبراءة الساحة وان لم يكن واجبا عند اصحابنا فان الوصى مصدق فى الدفع مع اليمين وقال مالك والشافعى لا يصدق فى دعواه الا بالبينة {وكفى بالله} الباء صلة {حسيبا} محاسبا وحافظ الأعمال خلقه فلا تخالفوا ما امرتم به ولا تجاوزوا ما حدّ لكم واعلموا ان اللائق للعاقل ان يحترز عن حق الغير خصوصا اليتيم فانه يجره الى نار الجحيم فأكل حقه من الكبائر ومن ابتلى بحق من حقوق العباد فعليه بالاستحلال قبل الانتقال الى دار السؤال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من كانت عنده مظلمة لاخيه او شىء فليتحلله منه اليوم من قبل ان لا يكون دينار ولا درهم ان كان له عمل صالح اخذ منه بقدر مظلمته وان لم يكن له حسنات اخذ من سيآت صاحبه فحمل عليه ومن اجتمعت عليه مظالم وقد تاب عنها وعسر عليه استحلال ارباب المظالم فليكثر من حسناته ليوم القصاص وليسرّ ببعض الحسنات بينه وبين الله بكمال الاخلاص حيث لا يطلع عليه الا الله فعساه يقربه ذلك الى الله فينال به لطفه الذى ادخره لارباب الايمان فى دفع مظالم العباد عنهم بارضائه اياهم ". تفسير : قال العلماء اذا زنى بامرأة ولها زوج فما لم يجعل ذلك الرجل فى حل لا يغفر له لان خصمه الآدمى فاذا تاب وجعله فى حل فان يغفر له ويكتفى بحل منه ولا يذكر الزنى ولكن يقول كل حق لك على فاجعلنى فى حل منه ومن كل خصومة بينى وبينك وهذا صلح بالمعلوم على المجهول وذلك جائز كرامة لهذه الامة لان الامم السالفة ما لم يذكروا الذنب لا يغفر لهم وكذا غصب اموال عباد الله واكلها وضربهم وشتمهم وقتلهم كلها من الحقوق التى يلزم فيها ارضاء الخصماء والتوبة والمبادرة الى الاعمال الصالحة والافعال الحسنة فاذا لم يتب العبد من امثال هذه ولم يرض خصماءه كان خاسرا خاليا عن العمل عند العرض الاكبر شعر : نماند ستمكار بد روزكار بماند برو لعنت بايدار جنان زى كه ذكرت بتحسين كند جو مردى نه بركور نفرين كنند تبايد برسم بد آيين نهاد كه كويند لعنت بران كين نهاد تفسير : فينبغى للظالم ان يتوب من الظلم ويتحلل من المظلوم فى الدنيا فاذا لم يقدر عليه ينبغى ان يستغفر له ويدعو له فان يرجى ان يحلله بذلك. وعن فضيل بن عياض رحمه الله انه قال قراءة آية من كتاب الله والعمل بها احب الى من ختم القرآن الف الف مرة وادخال السرور على المؤمن وقضاء حاجته احب الى من عبادة العمر كله وترك الدنيا ورفضها احب الى من التعبد بعبادة اهل السموات والارض وترك دانق من حرام احب الى ما مائتى حجة من المال الحلال. وقال ابو القاسم الحكيم ثلاثة اشياء تنزع الايمان من العبد. اولها ترك الشكر على الاسلام. والثانى ترك الخوف على ذهاب الاسلام. والثالث الظلم على اهل الاسلام وعن ابى ميسرة قال اتى بسوط الى رجل فى قبره بعدما دفن يعنى جاءه منكر ونكير فقالا له انا ضارباك مائة سوط فقال الميت انا كنت كذا وكذا يتشفع حتى حطا عنه عشرا ثم لم يزل بهما حتى صارت الى ضربة واحدة فقالا له انا ضارباك ضربة واحدة فضرباه ضربة واحدة التهب القبر نارا فقال لم ضربتمانى قالا مررت برجل مظلوم فاستغاث بك فلم تغثه فهذا حال الذى لم يغث المظلوم فكيف يكون حال الظالم. واعلم ان الكبار يكفون انفسهم عن المشتبهات فضلا عن الحرام فان اللقمة الطيبة لها اثر عظيم فى اجابة الدعاء ولذا قال الشيخ نجم الدين الكبرى قدس سره اول شرائط اجابة الدعاء اصلاح الباطن بلقمة الحلال وآخر شرائطها الاخلاص وحضور القلب يعنى التوجه الاحدى اذ القلب الحاضر فى الحضرة شفيع له قال تعالى {أية : فادعوا الله مخلصين له الدين} تفسير : [غافر: 14]. فحركة الانسان باللسان وصياحه من غير حضور القلب ولولة الواقف على الباب وصوت الحارس على السطح فعلى العاقل ان يحترز عن الحرام والمشتبهات كى يستجاب دعاؤه فى الخلوات.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الابتلاء: الاختبار، و "آنس": أبصر. والرشد هو كمال العقل بحيث يعرف مصالح نفسه وتدبير ماله من غير تبذير ولا إفساد. و {إسرافًا وبدارًا}: حالان من " الواو"، أو مفعولان لأجله، و {أن يكبروا} مفعول ببدار. يقول الحقّ جلّ جلاله: للأوصياء: واختبروا {اليتامى} قبل البلوغ بتتبع أحوالهم في تصرفاتهم، بأن يُدفع لهم الدرهم والدرهمان، فإن ظهر عليه حسن التصرف زادهم قليلاً قليلا، وإن ظهر عليهم التبذير كفَّ عنهم المال، {حتى إذا بلغوا النكاح}، وهو البلوغ بعلامته، {فإن آنستم} أي: أبصرتم {منهم رشدًا}، وهو المعرفة بمصالحه وتدبير ماله، وإن لم يكن من أهل الدين ــ واشترطه قوم، {فادفعوا إليهم} حينئِذ {أموالهم} من غير تأخير. {ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا} أي: لا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم فتزول من يدكم، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم {ومَن كان غنيًّا فليستعفف} عن أكلها في أجرة قيامه بها، {ومَن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف} بقدر حاجته وأجر سعيه، وعنه صلى الله عليه وسلم: أنَّ رجُلاً قال لهُ: إنَّ في حجْرِي يتَيمًا أفآكُلُ مِنْ مَالِهِ؟ قال: " حديث : بالمعْرُوفِ، غَيْرَ مُتأثِّلٍ" مَالاً ولا وَاقٍ مَالَكَ بمَالِه ". تفسير : {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا} في قبضها منكم {عليهم}، فإنه أنفى للتهمة وأبعدُ من الخصومة، وهو ندب، وقيل: فرض، فلا يصدق في الدفع إلا ببينة، {وكفى بالله حسيبًا} أي: محاسبًا، فلا تخالفوا ما أمرتم به، ولا تجاوزوا ما حدّ لكم. وإنما قال: {حسيبًا} ولم يقل: " شهيدًا"، مع مناسبته، تهديدًا للأوصياء لئلا يكتموا شيئًا من مال اليتامى، فإذا علموا أن الله يحاسبهم على النقير والقطمير، ويعاقبهم عليه، انزجروا عن الكتمان. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للشيخ أن يختبر المريد في معرفته وتحقيق بغيته، فإذا بلغ مبلغ الرجال وتحققت فيه أوصاف الكمال، بحيث تحقق فناؤه، وكمل بقاؤه، وتمت معرفته، فيكون تصرفه كله بالله ومن الله وإلى الله، يَفهم عن الله في كل شيء، ويأخذ النصيب من كل شيء، ولا يأخذ من نصيبه شيئًا، قد تحلَّى بحلية الورع، وزال عنه الجزع والطمع، وزال عن قلبه خوف الخلق وهَمُّ الرزق واكتفى بنظر المَلِك الحق، يأخذ الحقيقة من معدنها، والشريعة من موضعها، فإذا تحققت فيه هذه الأمور، وأنس رشده، فليُطلقُ له التصرف في نفسه، وليأمره بتربية غيره، إن رآه أهلاً لذلك، ولا ينبغي أن يحجر عليه بعد ظهور رشده، ولا يسرف عليه في الخدمة قبل رشده، مخافة أن يزول من يده. فإن كان غنيًا عن خدمته فليستعفف عنه، وليجعل تربيته لله اقتداء بأنبياء الله. قال تعالى: {أية : قُل لآَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} تفسير : [الأنعَام:90] {أية : وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} تفسير : [الشُّعَرَاء:109]، وإن كان محتاجًا إليها فليستخدمه بالمعروف، ولا يكلفه ما يشق عليه، فإذا دفع إليه السر، وتمكن منه، وأمره بالتربية أو التذكير فليشهد له بذلك، ويوصي بخلافته عنه، كي تطمِئن القلوب بالأخذ عنه، {أية : وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً} تفسير : [النساء:45].
الطوسي
تفسير : المعنى: هذا خطاب لأولياء اليتامى، أمر الله تعالى بأن يختبروا عقول اليتامى في أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم. وهو قول قتادة، والحسن، والسدي، ومجاهد، وابن عباس، وابن زيد. وقد بينا أن الابتلاء معناه الاختبار فيما مضى. وقوله: {حتى إذا بلغوا النكاح} معناه: حتى يبلغوا الحد الذي يقدرون على مجامعة النساء وينزل، وليس المراد الاحتلام، لأن في الناس من لا يحتلم، أو يتأخر احتلامه، وهو قول أكثر المفسرين: مجاهد، والسدي، وابن عباس، وابن زيد. ومنهم من قال: إذا كمل عقله، واونس منه الرشد، سلم إليه ماله، وهو الاقوى. ومنهم من قال: لا يسلم إليه حتى يكمل له خمس عشرة سنة، وإن كان عاقلا، لأن هذا حكم شرعي، وبكمال العقل تلزمه المعارف لا غير، وقال أصحابنا: حد البلوغ إما بلوغ النكاح، أو الانبات في العانة، أو كمال خمس عشرة سنة. وقوله: {فإن آنستم منهم رشداً} معناه: فان وجدتم منهم رشدا وعرفتموه، وهو قول ابن عباس. اللغة: تقول: آنست من فلان خيراً إيناساً وأنست به أنساً: إذا ألفته. وفي قراءة عبد الله: فان أحسيتم يعني أحسستم، أي وجدتم، والاصل فيه: أبصرتم. ومنه قوله: {أية : آنس من جانب الطور ناراً } تفسير : أي أبصر، ومنه أخذ انسان العين، وهو حدقتها التي يبصر بها. المعنى: واختلفوا في معنى الرشد، فقال السدي، وقتادة: معناه عقلا وديناً وصلاحاً. وقال الحسن، وابن عباس: معناه: صلاحاً في الدين، وإصلاحاً للمال. وقال مجاهد، والشعبي: معناه العقل. قال: لا يدفع إلى اليتيم ماله، وإن أخذ بلحيته، وإن كان شيخاً، حتى يؤنس منه رشده: العقل. وقال ابن جريج: صلاحاً، وعلماً بما يصلحه. والاقوى أن يحمل على أن المراد به العقل، وإصلاح المال، على ما قال ابن عباس، والحسن، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، للاجماع على أن من يكون كذلك لا يجوز الحجر في ماله، وان كان فاجراً في دينه، فاذا كان ذلك اجماعا فكذلك إذا بلغ، وله مال في يد وصي أبيه أو في يد حاكم قد ولي ماله، وجب عليه أن يسلم إليه ماله، إذا كان عاقلا، مصلحاً لما له، وإن كان فاسقاً في دينه. وفي الآية دلالة على جواز الحجر على العاقل، إذا كان مفسداً في ماله، من حيث أنه إذا كان عند البلوغ يجوز منعه المال إذا كان مفسداً له، فكذلك في حال كمال العقل إذا صار بحيث يفسد المال، جاز الحجر عليه، وهو المشهور في أخبارنا. ومن الناس من قال: لا يجوز الحجر على العاقل، ذكرناه في الخلاف. وقوله: {فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً} فهو خطاب لأولياء اليتيم، أمرهم الله تعالى إذا بلغ اليتيم، وأونس منه الرشد، على ما فسرناه، أن يسلم إليه ماله، ولا يحبسه عنه. وقوله: {ولا تأكلوها إسرافاً} معناه بغير ما أباحه الله لكم. وقال الحسن، والسدي: الاسراف في الاكل. وأصل الاسراف تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح، وربما كان ذلك في الافراط، وربما كان في التقصير، غير أنه إذا كان في الافراط يقال منه: أسرف يسرف إسرافاً، وإذا كان في التقصير يقال: سرف يسرف سرفاً، يقال: مررت بكم فسرفتكم، يريد: فسهوت عنكم، واخطأتكم، كما قال الشاعر: شعر : اعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ما في عطائهم منّ ولا سرف تفسير : يعني لا خطأ فيه، يريد أنهم يصيبون مواضع العطاء فلا يخطونها. وقوله: {وبداراً أن يكبروا} فالبدار والمبادرة مصدران، فنهى الله تعالى أولياء اليتامى أن يأكلوا أموالهم اسرافاً بغير ما أباح الله لهم أكله، ولا مبادرة منكم بلوغهم، وإيناس الرشد منهم، حذراً أن يبلغوا، فيلزمكم تسليمه إليهم، وبه قال ابن عباس، وقتادة، والحسن، والسدي، وابن زيد. وأصل البدار الامتلاء. ومنه البدر القمر، لامتلائه نوراً، والبدرة: لامتلائها بالمال، والبيدر: لامتلائه بالطعام، وموضع "أن" نصب بالمبادرة، والمعنى: لا تأكلوها مبادرة كبرهم. وقوله: {ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} يعني: من كان غنياً من ولاة أموال اليتامى فليستعفف بماله عن أكلها، وبه قال ابن عباس، وابراهيم. وقوله: {ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} قال عبيدة: معناه القرض، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، ألا ترى أنه قال: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} {ومن كان فقيراً} فاختلفوا في الوجه الذي يجوز له أكل مال اليتيم به إذا كان فقيراً، وهو المعروف، فقال سعيد بن جبير، وعبيدة السلماني، وأبو العالية، وأبو وائل، والشعبي، ومجاهد، وعمر بن الخطاب: هو أن يأخذه قرضاً على نفسه فيما لا بد له منه، ثم يقضيه، وبينا أنه المروي عن أبي جعفر (ع). وقال الحسن، وإبراهيم، ومكحول، وعطاء بن أبي رباح: يأخذ ما سد الجوعة، ووارى العورة، ولا قضاء عليه، ولم يوجبوا أجرة المثل، لأن أجرة المثل ربما كانت أكثر من قدر الحاجة. والظاهر في أخبارنا أن له أجرة المثل، سواء كان قدر كفايته، أو لم يكن. وسئل ابن عباس عن ولي يتيم له إبل هل له أن يصيب من ألبانها؟ فقال: إن كنت تلوط حوضها، وتهنأ جرباها، فأصبت من رسلها، غير مضر بغسل ولا ناهكه في الحلب. معنى تلوط حوضها: تطينه، وتهنأ جرباها، معناه: تطليها بالهناء، وهو الخضخاض، ذكره الازهري، والرسل اللبن، والنهك: المبالغة في الحلب. واختلفوا في هل للفقير من ولي اليتيم أن يأكل من ماله هو وعياله، فقال عمرو بن عبيد: ليس له ذلك، لقوله: {فليأكل بالمعروف} فخصه بالاكل، وقال الجبائي: له ذلك لأن قوله: {بالمعروف} يقتضي أن يأكل هو وعياله، على ما جرت به العادة في أمثاله، وقال إن كان المال واسعاً كان له أن يأخذ قدر كفايته، له ولمن يلزمه نفقته من غير اسراف، وإن كان قليلا كان له أجرة المثل لا غير، وإنما لم يجعل له أجرة المثل إذا كان المال كثيراً، لأنه ربما كان أجرة المثل أكثر من نفقته بالمعروف، وعلى ما قلناه من أن له أجرة المثل سقط هذا الاعتبار وقوله: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} خطاب لأولياء اليتامى، إذا دفعوا أموال اليتامى إليهم، أن يحتاطوا لأنفسهم بالاشهاد عليهم، لئلا يقع منهم جحود، ويكونوا أبعد من التهمة، وسواء كان ذلك في أيديهم، أو استقرضوه ديناً على نفوسهم، فان الاشهاد يقتضيه الاحتياط، وليس بواجب. وقوله: {كفى بالله حسيباً} معناه: كفى الله، والباء زائدة، وقال السدي: معناه: شهيدا ها هنا، وقيل: معناه: وكفى بالله كافياً من الشهود، ولأن أحسبنى معناه: كفاني، والمعنى: وكفى بالله شهيداً في الثقة بايصال الحق إلى صاحبه والمحسب من الرجال المرتفع النسب. والمحسب، المكفى. وولي اليتيم المأمور بابتلائه، وهو الذي جعل إليه القيام به، من وصي، أو حاكم، أو أمين،، ينصبه الحاكم. وأجاز أصحابنا الاستقراض من مال اليتيم إذا كان ملياً، وفيه خلاف.
الجنابذي
تفسير : {ٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ} باختبار احوالهم من اوان تميزهم وزمان صغرهم {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} وعدم تضييع للمال {فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} عن الصّادق (ع) اشارة الى وجه من وجوه التّأويل فى هذه انّه قال: اذا رأيتموهم يحبّون آل محمّد (ص) فادفعوهم درجة يعنى وابتلوا يتامى آل محمّد (ص) وراقبوا في تربيتهم ايّها المربّون ليتامى آل محمّد (ص) حتّى اذا بلغوا مقام الزّواج بالشّواهد الآلهيّة والواردات الغيبيّة فان آنستم منهم رشداً وثباتاً في المحبّة وعدم افشاء الاسرار بهوى النّفس فادفعوهم عن مقامهم الدّانى درجةً كما هو شأن الائمّة (ع) والمشايخ في تربية اطفال الطّريق وايتام السّلوك {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً} تجاوزاً عن حدّ المعروف {وَبِدَاراً} اى مسرعين في الأكل خوف {أَن يَكْبَرُواْ} او مبادرين كبرهم {وَمَن كَانَ غَنِيّاً} عن اموالهم بعدم اشتغاله بها عن معيشته او بعدم حاجته اليها لغنائه في نفسه {فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً} لاجل اشتغاله عن مرمّة معيشته بواسطة اصلاح اموالهم او كان فقيراً فى نفسه {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} اى بقدر اجرة اشتغاله بها فانّ الأكل بالمعروف عند الشّرع والعقل ما كان بقدر اجرة اشتغاله عن اصلاح معيشته لا اصلاح معيشته عن اموالهم وان كان اضعاف عمله وبما فسّرنا يمكن الجمع بين المتخالفات من الاخبار في هذا المقام ولمّا كان السّورة المباركة اكثرها في آداب المعاشرة وتدبير المنزل وسياسة المدن، ومن جملة الحزم في المعاشرة ان تكون بريئاً من المخاصمة متّقياً عن مواضع التّهمة حافظاً لعرضك عن افواه النّاس مجتنبا عمّا فيه الملامة وذلك بان يكون معاملتك مع الغير سالماً عن الشّبهة والادّعاء الباطل ولا يمكن السّلامة الاّ بان يكون ثالث بينك وبين من تعامله حتّى يكون مانعاً لادّعائه باطلاً ومطّلعاً حتّى يرفع الشّبهة اذا وقعت، علّم الله تعالى عباده ذلك فقال تعالى {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ} ولا تخونوا فيما لم يطّلع هو ولا غيره عليه لانّ الله تعالى شاهد عليكم ويحاسبكم بدقيق ما عندكم وجليله {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} هذا بحسب التّنزيل وامّا بحسب التّأويل فيقال: اذا دفعتم الى يتامى آل محمّد (ص) بعد الاستحقاق ما يستحقّونه من رفع درجة فأشهدوا الله وملائكته عليهم حتّى يكونوا بمرأى من الله وملائكته ويكون اعطاؤكم باذن من الله بل بمرأى منه بل بيده حتّى لا يكون انفسكم واسطةً بينهم وبين الله ويكون المحاسب هو الله وكفى بالله حسيباً.
اطفيش
تفسير : {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى}: اختبروا البلغ الذين كانوا يتامى منفردين عن الآباء، هل يعرفون حفظ المال؟ ويكسبونه؟ ويعرفون الربح ولا يضيعون المال فى معصية؟ ولا فى غيرها؟ فإن تحققتم ذلك منهم بأن مضت مدة بعد البلوغ وبلغوا حد التزوج، وجب الوطء، والغالب أن يوجد ذلك منهم ويحقق إذا بلغوا ذلك الحد فأعطوهم أموالهم كما قال الله عز وجل: {حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ}: بلغوا الحد الذى يحبون فيه التزوج، ويشتد عليهم حب الوطء، مثل خمس عشرة سنة، أو أربع عشرة. {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}: وقيل: يبتلى اليتمى قبل البلوغ بمراقبتهم، هل يعرفون الربح والتصرف بالتجر وحفظ المال وذلك بالكلام، والسؤال ومشاهدة أفعالهم وأقوالهم فى سائر أمرهم بأنه يعرف منها أحوالهم فى المال، وبأن يقال لهم هل تشترى بكذا؟ أو هل تبيع بكذا؟ بلا حضور بيع أو شراء أو عند حضور بيع ماله على يد الولى، أو مال غيره أو شراء له، أو لغيره، أو بان يعطيه شيئاً يبيعه أو يشترى به، فإذا فعل ظهر للولى رشده أو سفهه، ولا يتم فعله إلا إن أتمه الولى بعد العقد. وقيل: إذا أذن له تم فعله، والأول للشافعى والثانى لأبى حنيفة، والذى عندنا أن فعل البالغ ماض، إذا لم يحجر عليه، وهذا غير محجور عليه فيما أعطى وأمن ببيعه أو الشراء به، بل فى المراهق قولان احتج الشافعى بأن الله عز وجل منعنا من إعطائهم مالهم حتى يؤنس رشدهم، والاختيار قبل ذلك ليس ببيعه وشرائه، بل بمراعاة حاله، واحتج أبو حنيفة بالأمر بالاختبار، وهو يتحقق بتمكينه من بعض المال، ولا يدفع إليه ماله قبل البلوغ إجماعاً إلا ما هو قليل على وجه الرسالة به أو نحوه، أو لا يمنع بعد إيناس رشده وقوته عليه إجماعاً وإن بلغ الحد الذى يؤنس فيه الرشد، ولم يؤنس لم يدفع إليه، لو بلغ عشرين سنة أو ثلاثين أو أكثر، وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمساً وعشرين سنة ولم يؤنس رشده دفع إليه يقول: إنه إما أن تظهر علامة بلوغ أو لا، فإن لم تظهر بلغ بثمانى عشرة سنة ولزمه التكاليف، والأنثى بسبع عشرة سنة، وزيد عليه لدفع المال سبع سنين، إن لم يؤنس رشده لأن السبع مدة معتبرة فى تغير أحوال الإنسان، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مروهم بالصلاة لسبع"تفسير : والصحيح أن البلوغ بخمس عشرة سنة، إذا دخل فيها ولم تظهر قبلها علامة بلوغ لقوله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه، وأقيمت عليه الحدود"تفسير : وقيل خمس عشرة للذكر، وأربع عشرة للأنثى، وقيل: أربع عشرة لهما، كل ذلك بالدخول فى العدد لا بالفراغ منه. وزعم بعض أن البلوغ بالبنات مختص بولد المشرك لأنه لا يوقف على مولده ولا يصدق عليه المشركون، فلو وقف عليه بالسنين ايضاً وقال الحسن وقتادة ومالك فى رواية: يخير اليتيم فى أمر المال وفى أمر الدين. والصحيح وهو مذهبنا، ومذهب ابن عباس رضى الله عنهما، ورواية عن مالك رواها ابن القاسم: أنه يختير فى المال إلا إن أردت ديانته إلى إفساد امال بأن يوجد يحب شرب الخمر أو صرف المال فى الزنى أو نحو ذلك. والأنثى والذكر فى الاختبار سواء، إلا أنها تختبر بما يليق بها من حفظ ما عندها ومن عزلها، ويختبران أيضاً بالنفقة على العبيد والعيال، وقد قيل: إن الآية نزلت فى ثابت بن رفاعة، مات أبوه وهو طفل، فجاء عمه إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقال له: إن ابن أخى يتيم فى حجرى، فما يحل لى من ماله ومتى أرفع إليه ماله؟ فنزلت الآية.. وبعد ما يدفع المال لليتامى بعد البلوغ وإيناس الرشد إن حدث سفه أو ظهر وخفة عقل وفساد، رد المال منه، وكذا كل بالغ عاقل ظهر منه تضييع المال، نزع منه وحفظ له. وقال أبو حنيفة لا الحجر على بالغ عاقل ولو كان يضيع ماله، ويرده أنه لما اشترى عبد الله ابن جعفر أرضاً سبخة بستين ألف درهم، قال على بن أبى طالب: لأتبين عثمان ولأحجرن عليك. فأخبر عبد الله بن جعفر الزبير فقال: أنا شريكك فقال عثمان لعلى: كيف تحجر على بيع اشتراك فيه الزبير، فالأربعة قائلون بالحجر، وما منع عثمان من الحجر على ابن جعفر، إلا أنه رأى فيه من هو حاذق بالأمور، لا يغبن فزال ما ظن من التضييع، وقال مالك: أيدفع للمرأة مالها حتى تتزوج ولو أونس رشدها؟ فحين تزوجت لا ينفد لصرفها إلا بإذن زوجها حتى تكبر، وتجرب الأمور، ومعنى {آنستم}: علمتم، وأصله وضوح الأمر للعين، فاستعير للتبيين والمعرفة وجمل {إن} الشرطية وشرطها جوابها، وفاؤه جواب لإذا، مقرون بالفاء، وقرأ ابن مسعود: فإن أحسبتم بحذف إحدى السينين من أحسستم تخفيفاً، وهو دليل لما ذكرت من أصل الإيناس، وضوح الأمر للعين، كقوله تعالى: {أية : آنس من جانب الطور ناراً}تفسير : وقرأ رشده بفتح الراء والشين، ورشد بضمهما، ونكر رشد للتنويع، أى إذا علمتم منهم نوعاً من الرشد فى المال تستدلون به على باقى الإرشاد فادفعوا إليهم أموالهم. {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ}: إسرافاً وبداراً مفعولان مطلقان بواسطة العطف فى الثانى، أى لا تأكولها أكل إسراف وبدار، أو مفعولان للتعليل، أى: من أجل إسراف وبدار، أى من أجل حبهما، وأن يكبروا فى تأويل مصدر مفعول به لـ {بدارا}، عن إعمال المصدر المنون فى المفعول به، كقوله تعالى {أية : وإطعام فى يوم ذى مسغبة يتيماً} تفسير : أو حالان مبالغة فى النهى عنهما، أو حالان تقدير مضاف، أى ذوى إسراف وبداراً، أو بمعنى اسم فاعل، أى مسرفين ومباذرين، وإن يكبروا على جميع الأوجه مفعول للمصدر، وهو بدارا مصدر بادر، مع أنه فى الوجه الأخير بمعنى اسم الفاعل، واسم الفاعل ينصب المفعول، إذ هو هنا لغير الماضى بل هو للاستقبال، وبداراً مفاعلة موافق للمجرد أو على معنى المفاعلة لأن الولى يبادر اليتيم إلى أخذ ماله، واليتيم يبادر إلى الكبر وهذا مجاز فى المفاعلة، لأن الكبر ليس من فعل اليتيم، أو الجملة معطوفة على مجموع إذا الشرطية وجوابها لا على جوابها وحده، ولا على جواب إن وإلا لزم أن يكون البدار بعد البلوغ للنكاح وإيناس الرشد، وإنما هو قبلها. {وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً}: غير محتاج. {فَلْيَسْتَعْفِفْ}: عن أكلها، أى: فليتمنع عن الأكل منها، فيتصرف فى مال اليتيم لليتيم بنفسه، بلا أجرة، أو بغيره بأجرة من مال اليتيم للأجير، وذلك حق واجب على الولى، وصلة للرحم، هذا وجهه ظهر لى وظهر لى وجهه آخر: أن المراد بالاستعفاف تنزه عن مال اليتيم، زيادة فى الخير بترك ما أبيح له فيكون التنزه، الأمر للندب، فيجوز للغنى الأكل من مال اليتيم بقدر عنائه والاستعفاف للمبالغة، أو الموافقة عف المجرد. {وَمَن كَانَ فَقِيراً}: أى محتاجاً. {فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}: وهو أن يأكل قدر عنائه أو يقترض منه إن احتاج ليجمع مالا بالتجر بما يقترض توسعاً لا احتياجاً، وله أن يأخذ ما اعتيدت إباحته عند قومه، كما إذا كان اللبن عند قوم لا قيمة له، فليأخذ منه بالشرب، وإن كان يقوم بحيوانه فأولى باللبن كما مر فى حديث ابن عباس ولا شىء للولى، وقيم لليتيم فى ماله إلا ما ذكر. وأما حديث : قوله صلى الله عليه وسلم لقائل: إن فى حجرى يتيماً أفآكل من ماله؟ "تأكل بالمعروف غير متأثل مالا ولا واقياً مالك بماله"تفسير : . فالمراد إذ فيه ما ذكرته إن شاء الله لا الأكل مطلقاً تعنى أو لم يتعن مقدار عنائه أو أكثر، بل سوق الآية بعد قوله {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} نهى للأولياء أن يأخذوا أو ينفقوا على أنفسهم أموال اليتامى، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : غير متأتل مالا"تفسير : زجر عن الرغبة حتى يكون يجمع لنفسه مالا من مال اليتيم، وإشارة إلى أن يكون إنما يأخذ قوتاً أو نحوه، وقد فسر مجاهد وسعيد بن جبير: المعروف بالفرض إذا احتاج، وإذا أيسر رد ويدل له قول عمر بن الخطاب فى كتابه إلى عمار وعبد الله بن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام عليكم أما بعد فإنى قد رزقتكم كل يوم شطرها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود، وربعها لعثمان، ألا وإنى نزلت نفسى وإياكم من قال الله بمنزلة ولى اليتيم، فمن كان غنياً فليستعفف، ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت، ولا تبطل. هذا ما روى عن الحسن والشعبى وقتادة: أنه لا يرد ما أكل من يكون أجره له على عمله، لأنه اقترضت ما زاد على عنائه رد الزائد، وعن الشعبى: لا يأكل إلا إن اضطر إليه، كما يضطر إلى الميتة، وليس كما قيل عن عكرمة وعطاء: أنه يأكل ولو لم يتقن بأطراف أصابعه ولا يسرف، ولا يكتسى من الكتان والحلل، بل ما يسد به الجوع، وما يستر به العورة، فإنه ليس له ذلك إن لم يتقن، وعن عائشة رضى الله عنها وجماعة: المعروف، أن يأخذ من ماله بقدر عمله وقيامه، ولا يرد. وعن الكلبى: ركوب الدابة واستخدام العبيد لا لأكل المال. وقال الحسن: هو أن يأكل من تمر نخيله، ومن لبن مواشيه بالمعروف، ولا قضاء عليه، وأما الذهب والفضة فلا يأخذ، فإن أخذ رد. وقيل: أن يشرب من اللبن، ويركب الدابة ويستخدم العبيد إن لم يضر بالمال لقوله تعالى. {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ}: أنهم قبضوا، فحكم فى الأموال بدفعها إليها، أى: إذا أردتم الدفع فأحضروا عدلين يحضران عند الدفع واستشهدوهما بحضرة اليتيم، إذ لو دفع بلا حضور منهما ثم أراد استشهادهما لم يدر لعل اليتيم لا يقر، فإن أقر شهدا، فإن علة الإشهاد خوف الإنكار، ولا يصدق لا بينة، إن ادعى الدفع، فإذا أشهدهما زالت التهمة عنه، فلا يقال: ضيع مال اليتيم أو خان فيه، ولا يخاصمه اليتيم بعد، ولا يضمن بعد. وقد صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا مواقع التهم"تفسير : . وقال أبو حنيفة وأصحابه: يصدق بلا بينة، لأنه لو لم يقبل قوله لامتنع الناس من قبول الوصايا، فيختل الأمر، ولكن الإشهاد مندوب عندهم. وقال الجمهور: إنه للارشاد وأنه وإن لم يقر اليتيم، وزعم بعض وإنه إن لم يقر اليتيم، حلف الولى ولم يغرم، والصحيح أنه يحلف اليتيم ويغرم الولى. {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً}: الله فاعل كفى والباء صلة للتأكيد، وحسيباً: حال أو تمييز والاشتقاق ضعيف فى التمييز، ومعناه محاسباً، كقوله حسيبه الله أى محاسبه على ظلمه، أو بمعنى كافياً، كقوله: حسيبك الله. أى كافيك، والأول أولى، لأنه أنسب بالوعيد على مال اليتيم. كأنه قيل: محاسبكم على مال اليتامى هو الله عز وجل، الذى لا يخفى عليه، فخافوا عقابه على أن تأكلوا بلا معروف، أو لا تدفعوها كلها بأن تكتموا شيئاً.
الالوسي
تفسير : {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ} شروع في تعيين وقت تسليم أموال اليتامى إليهم وبيان شرطه بعد الأمر بإيتائها على الإطلاق، والنهي عنه عند كون / أصحابها سفهاء ـ قاله شيخ الإسلام ـ وهو ظاهر على تقدير أن يراد من السفهاء المبذرين بالفعل من اليتامى وأما على تقدير أن يراد بهم اليتامى مطلقاً ووصفهم بالسفه باعتبار ما أشير إليه فيما مرّ ففيه نوع خفاء، وقيل: إن هذا رجوع إلى بيان الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى لا شروع وهو مبني على أن ما تقدم كان مذكوراً على سبيل الاستطراد والخطاب للأولياء، والابتلاء الاختبار أي ـ واختبروا من عندكم من اليتامى بتتبع أحوالهم في الاهتداء إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها وجربوهم بما يليق بحالهم ـ والاقتصار على هذا الاهتداء رأي أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه والشافعي رحمه الله تعالى يعتبر مع هذا أيضاً الصلاح في الدين وإلى ذلك ذهب ابن جبير، ونسب إلى ابن عباس والحسن. واتفق الإمامان رضي الله تعالى عنهما على أن هذا الاختبار قبل البلوغ وظاهر الكلام يشهد لهما لما تدل عليه الغاية، وقال الإمام مالك: إنه بعد البلوغ، وفرع الإمام الأعظم على كون الاختبار قبل، أن تصرفات العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له في البيع والشراء مثلا، وقال الشافعي: الاختبار لا يقتضي الإذن في التصرف لأنه يتوقف على دفع المال إلى اليتيم ـ وهو موقوف على الشرطين ـ وهما إنما يتحققان بعد، بل يكون بدونه على حسب ما يليق بالحال، فولد التاجر مثلا يختبر في البيع والشراء إلى حيث يتوقف الأمر على العقد وحينئذ يعقد الولي إن أراد وعلى هذا القياس. {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ} أي إذا بلغوا حدّ البلوغ وهو إما بالاحتلام أو بالسن ـ وهو خمس عشرة سنة ـ عند الشافعي وأبـي يوسف ومحمد ـ وهي رواية عن أبي حنيفة ـ وعليها الفتوى عند الحنفية لما أن العادة الفاشية أن الغلام والجارية يصلحان للنكاح وثمرته في هذه المدة ولا يتأخران عنها، والاستدلال بما أخرجه البيهقي في «الخلافيات» من حديث أنس إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه وأقيمت عليه الحدود ـ ضعيف لأن البيهقي نفسه صرح بأن إسناد الحديث ضعيف، وشاع عن الإمام الأعظم أن السن للغلام تمام ثماني عشرة سنة وللجارية تمام سبع عشرة سنة، وله في ذلك قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} تفسير : [الأنعام: 152] وأشُـدّ الصبي ثماني عشرة سنة ـ هكذا قاله ابن عباس ـ وتابعه القتبـي، وهذا أقل ما قيل فيه فيبنى الحكم عليه للتيقن غير أن الإناث نشؤهن وإدراكهن أسرع فنقصنا في حقهن سنة لاشتمالها على الفصول الأربعة التي يوافق واحد منها المزاج لا محالة، وعنه في الغلام تسع عشرة سنة، والمراد أن يطعن في التاسعة عشرة ويتم له ثماني عشرة، وقيل: فيه اختلاف الرواية لذكر حتى يستكمل تسع عشرة سنة. وشاع عن الإمام الشافعي أنه قد جعل الإنبات دليلاً على البلوغ في المشركين خاصة، وشنع ابن حزم الضال عليه، والذي ذكره الشافعية أنه إذا أسر مراهق ولم يعلم أنه بالغ فيفعل فيه ما يفعل بالبالغين من قتل ومنّ وفداء بأسرى منّاً أو مال واسترقاق أو غير بالغ فيفعل فيه ما يفعل بالصبيان من الرق يكشف عن سوأته فإن أنبت فله حكم الرجال وإلا فلا وإنما يفعل به ذلك لأنه لا يخبر المسلمين ببلوغه خوفاً من القتل بخلاف المسلم فإنه لا يحتاج إلى معرفة بلوغه بذلك، ولا يخفى أن هذا لا يصلح محلاً للتشنيع وغاية ما فيه أنه جعل الإنبات سبباً لإجراء أحكام الرجال عليه في هذه المسألة لعدم السبيل إلى معرفة البلوغ فيها وصلاحيته لأن يكون أمارة في الجملة لذلك ظاهرة، وأما أن فيه أن الإنبات أحد أدلة البلوغ مثل الاحتلام والإحبال والحيض والحبل / في الكفار دون المسلمين فلا. {فَإِنْ ءانَسْتُمْ} أي أحسستم ـ قاله مجاهد ـ وأصل معنى الاستئناس ـ كما قال الشهاب ـ النظر من بعد وضع اليد على العين إلى قادم ونحوه ما يؤنس به، ثم عم في كلامهم قال الشاعر:شعر : (آنست) نبأة وأفزعها القـ ـناص عصراً وقد دنا الإمساء تفسير : ثم استعير للتبين أي علم الشيء بينا، وزعم بعضهم أن أصله الإبصار مطلقاً وأنه أخذ من إنسان العين وهو حدقتها التي يبصر بها، وهو هنا محتمل لأن يراد منه المعنى المجازي أو المعنى الحقيقي، وقرأ ابن مسعود أحستم بحاء مفتوحة وسين ساكنة، وأصله أحسستم بسينين نقلت حركة الأولى إلى الحاء وحذفت لالتقاء الساكنين إحداهما على غير القياس، وقيل: إنها لغة سليم وإنها مطردة في عين كل فعل مضاعف اتصل بها تاء الضمير، أو نونه كما في قول أبـي زيد الطائي:شعر : خلا أن العتاق من المطايا أحسن به فهن إليه شوس تفسير : {مّنْهُمْ رُشْداً} أي اهتداءاً إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها، وقيل: صلاحاً في دينهم وحفظاً لأموالهم، وتقديم الجار والمجرور لما مر غير مرة، وقرىء (رشداً) بفتحتين، و (رشداً) بضمتين، وهما بمعنى رشداً، وقيل: الرشد بالضم في الأمور الدنيوية والأخروية، وبالفتح في الأخروية لا غير، والراشد والرشيد يقال فيهما {فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ} أي من غير تأخير عن حدّ البلوغ كما تدل عليه الفاء، وفي إيثار الدفع على الإيتاء في أول الأمر إيذان على ما ذهب إليه البعض بتفاوتهما بحسب المعنى، وقد تقدم الكلام في ذلك، ونظم الآية أن حتى هي التي تقع بعدها الجمل كالتي في قوله:شعر : سريت بهم حتى تكل مطيهم وحتى الجياد ما يقدن بأرسان تفسير : وتسمى ابتدائية في ذلك، ولا يذهب منها معنى الغاية كما نصوا عليه في عامة كتب النحو، وذكره الكثير من الأصوليين خلافاً لمن وهم فيه، وما بعدها جملة شرطية جعلت غاية للابتلاء، وفعل الشرط بلغوا وجوابه الشرطية الثانية كما حققه غير واحد من المعربين، وبيان ذلك أنه ذكر في «شرح التسهيل» لابن عقيل أنه إذا توالى شرطان فأكثر كقولك: إن جئتني إن وعدتك أحسنت إليك، فأحسنت إليك جواب إن جئتني واستغنى به عن جواب إن وعدتك، وزعم ابن مالك أن الشرط الثاني مقيد للأول، بمنزلة الحال، وكأنه قيل: إن جئتني في حال وعدي لك، والصحيح في هذه المسألة أن الجواب للأول، وجواب الثاني محذوف لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه فإذا قلت: إن دخلت الدار إن كلمت زيداً إن جاء إليك فأنت حر، فأنت حرّ جواب إن دخلت، وإن دخلت، وجوابه دليل جواب إن كلمت، وإن كلمت وجوابه دليل جواب إن جاء، والدليل على الجواب جواب في المعنى، والجواب متأخر فالشرط الثالث مقدم وكذا الثاني فكأنه قيل: إن جاء فإن كلمت فإن دخلت فأنت حر فلا يعتق إلا إذا وقعت هكذا مجيء ثم كلام ثم دخول، وهو مذهب الشافعي، وذكر الجصاص أن فيها خلافاً بين محمد وأبـي يوسف، وليس مذهب الشافعي فقط والسماع يشهد له قال:شعر : إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا منا معاقد عز زانها كرم تفسير : وعليه فصحاء المولدين، وقال بعض الفقهاء: الجواب للأخير والشرط الأخير وجوابه جواب الثاني، والشرط الثاني وجوابه جواب الأول، فعلى هذا لا يعتق حتى يوجد هكذا دخول ثم كلام ثم مجيء، وقال بعضهم / إذا اجتمعت حصل العتق من غير ترتيب وهذا إذا كان التوالي بلا عاطف فإن عاطف بأو فالجواب لأحدهما دون تعيين نحو ـ إن جئتني، أو إن أكرمت زيداً أحسنت إليك ـ وإن كان بالواو فالجواب لهما. وإن كان بالفاء فالجواب للثاني، وهو وجوابه جواب الأول فتخرج الفاء عن العطف وما نحن فيه من المقرون بالفاء وهي رابطة للجواب كالفاء الثانية وما خرجناه عليه هو الذي ارتضاه جماعة منهم الزمخشري، ومذهب الزجاج وبعض النحاة والمؤنة عليه أقل أن حتى الداخلة على هذه الجملة حرف جر، وإذا متمحضة للظرفية وليس فيها معنى الشرط، والعامل فيها على التقدير الأول ما يتلخص من معنى جوابها والمعنى وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم، وعبر في البلوغ بإذا وفي الإيناس بإن للفرق بينهما ظهوراً وخفاءاً. وظاهر الآية الكريمة أنه لا يدفع إليهم ولو بلغوا ما لم يؤنس منهم الرشد وهو مذهب الشافعي، وقول الإمامين وبه قال مجاهد، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عنه أنه قال: لا يدفع إلى اليتيم ماله وإن شمط ما لم يؤنس منه رشد، ونسب إلى الشعبـي، وقال الإمام الأعظم. إذا زادت على سن البلوغ سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير الأحوال إذ الطفل يميز بعدها ويؤمر بالعبادة كما في الحديث ـ يدفع إليه ماله، وإن لم يؤنس الرشد لأن المنع كان لرجاء التأديب فإذا بلغ ذلك السن ولم يتأدب انقطع عنه الرجاء غالباً فلا معنى للحجر بعده وفي «الكافي». وللإمام الأعظم قوله تعالى: {أية : وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ} تفسير : [النساء: 2]، والمراد بعد البلوغ فهو تنصيص على وجوب دفع المال بعد البلوغ إلا أنه منع عنه ماله قبل هذه المدة بالإجماع ولا إجماع هنا فيجب دفع المال بالنص والتعليق بالشرط لا يوجب العدم عند العدم عندنا على أن الشرط رشد نكرة فإذا صار الشرط في حكم الوجود بوجه وجب جزاؤه، وأول أحوال البلوغ قد يقارنه السفه باعتبار أثر الصبا وبقاء أثره كبقاء عينه، وإذا امتد الزمان وظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثر الصبا وحدث ضرب من الرشد لا محالة لأنه حال كمال لبه فقد ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: ينتهي لب الرجل إذا بلغ خمساً وعشرين. وقال أهل الطباع: من بلغ خمساً وعشرين سنة فقد بلغ أشدّه ألا ترى أنه قد يصير جداً صحيحاً في هذا السن لأن أدنى مدة البلوغ اثنا عشر حولاً وأدنى مدة الحمل ستة أشهر، ففي هذه المدة يمكن أن يولد له ابن ثم ضعف هذا المبلغ يولد لابنه ابن. وأنت تعلم أن الاستدلال بما ذكر من الآية على الوجه الذي ذكر ظاهر بناءاً على أن المراد بالإيتاء فيها الدفع، وقد مر الكلام في ذلك، واعترض على قوله: على أن الشرط الخ بأنه إذا كان ضرب من الرشد كافياً كما يشعر به التنكير وكان ذلك حاصلاً لا محالة في ذلك السن كما هو صريح كلامه، واستدل عليه بما استدل ـ كان الدفع حينئذ عند إيناس الرشد ـ وهو مذهب الشافعي وقول الإمامين ـ فلم يصح أن يقال: إن مذهب الإمام وجوب دفع مال اليتيم إليه إن أونس منه الرشد أو لم يؤنس، غاية ما في الباب أنه يبقى خلاف بين الإمام وغيره في أن الرشد المعتبر شرطاً للدفع في الآية ماذا ـ وهو أمر آخر وراء ما شاع عن الإمام رضي الله تعالى عنه في هذه المسألة ـ وأيضاً إن أريد بهذا الضرب من الرشد الذي أشار إليه التنوين هو الرشد في مصلحة المال فكونه لا بد وأن يحصل في سن خمس وعشرين سنة في حيز المنع، وإن أريد ضرب من الرشد كيفما كان فهو على فرض تسليم حصوله إذ ذاك لا يجدي نفعاً إذ الآية كالصريحة في اشتراط الضرب الأول. فقد قال الفخر: ((لا شك / أن المراد من ابتلاء اليتامى المأمور به ابتلاؤهم فيما يتعلق بمصالح حفظ المال، وقد قال الله تعالى بعد ذلك الأمر {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} فيجب أن يكون المراد فإن آنستم [منهم] رشداً في [حفظ المال و] ضبط مصالحه فإنه إن لم يكن المراد ذلك تفكك النظم ولم يبق للبعض تعلق بالبعض، وإذا ثبت هذا علمنا أن الشرط المعتبر في الآية هو حصول الرشد في رعاية مصالح المال (لا ضرب من الرشد كيف كان)، ثم قال: والقياس الجلي يقوي الاستدلال بالآية لأن الصبي إنما منع منه المال لفقدان العقل الهادي إلى كيفية حفظ المال وكيفية الانتفاع به؛ فإذا كان هذا المعنى حاصلاً في الشاب والشيخ كانا في حكم الصبـي)) فوجب أن يمنع دفع المال إليهما إن لم يؤنس منهما الرشد ومنه يعلم ما في التعليل السابق أعني قولهم لأن المنع كان لرجاء التأديب الخ من النظر ولقوة كلام المخالف في هذه المسألة شنع الضال ابن حزم كعادته مع سائر أئمة الدين على الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وتابعه في ذلك سفهاء الشيعة ـ كيوسف الأوالي وغيره ـ ولا يخفى أن المسألة من الفروع، وكم لابن حزم وأتباعه فيها من المخالفات للكتاب والسنة ومتمسكهم في ذلك بما هو أوهى وأوهن من بيت العنكبوت. ومن أمعن النظر فيما ذهب إليه الإمام علم أن نظره رضي الله تعالى عنه في ذلك دقيق لأن اليتيم بعد أن بلغ مبلغ الرجال واعتبر إيمانه وكفره وصار مورد الخطابات الالهۤية والتكاليف الشرعية وسلم الله تعالى إليه نفسه يتصرف بها حسب اختياره المترتب عليه المدح والذم والثواب والعقاب كان منع ماله عنه وتصرف الغير به أشبه الأشياء بالظلم، ثم هذا وإن اقتضى دفع المال إليه بعد البلوغ مطلقاً من غير تأخير إلى بلوغه سن خمس وعشرين فيمن بلغ غير رشيد إلا أنا أخرنا الدفع إلى هذه المدة للتأديب ورجاء الرشد والكف عن السفه وما فيه تبذير المال وإفساده، ونظير ذلك من وجه أخذ أموال البغاة وحبسها عنهم ليفيئوا، واعتبرت الزيادة سبع سنين لأنها ـ كما تقدم ـ مدة معتبرة في تغير الأحوال، والعشر مثلاً وإن كانت كذلك كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع»تفسير : إلا أنا اعتبرنا الأقل لأنه كاف في الغرض غالباً، ولا يرد أن المنع يدور مع السفه لأنا لا نسلم أنه يدور مع السفه مطلقاً بل مع سفه الصبا ولا نسلم بقاءه بعد تلك المدة على أن التعليق بالشرط لا يوجب العدم عند عدمه عندنا فأصل الدوران حينئذ ممنوع، وعلى هذا لا معنى للتشنيع على الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه فيما ذهب إليه. ويؤيد مذهبه أيضاً قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} فإنه مشير إلى أنه لا يمنع مال اليتيم عنه إذا كبر، إذ المعنى لا تأكلوا أموالهم مسرفين ومبادرين كبرهم بأن تفرطوا في إنفاقها وتقولوا ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا إلا أنه قدر الكبر فيمن بلغ سفيها بما تقدم لما تقدم، فافهم ذاك والله تعالى يتولى هداك. والإسراف في الأصل تجاوز الحدّ المباح إلى ما لم يبح، وربما كان ذلك في الإفراط، وربما كان في التقصير غير أنه إذا كان في الإفراط منه يقال: أسرف يسرف إسرافاً، وإذا كان في التقصير يقال: سرف يسرف سرفاً ويستعمل بمعنى السهو والخطأ وهو غير مراد أصلاً، والمبادرة المسارعة وهي لأصل الفعل هنا وتصح المفاعلة فيه بأن يبادر الولي أخذ مال اليتيم واليتيم يبادر نزعه منه، وأصلها كما قيل: من البدار وهو الامتلاء ومنه البدر لامتلائه نوراً، والبدرة لامتلائها بالمال، والبيدر لامتلائه بالطعام والاسمان المتعاطفان منصوبان على الحال كما أشرنا إليه، وقيل: إنهما مفعول لهما والجملة معطوفة على ـ ابتلوا ـ لا على جواب الشرط لفساد المعنى لأن الأول بعد البلوغ / وهذا قبله، و (يكبروا) بفتح الباء الموحدة من باب علم يستعمل في السن، وأما بالضم فهو في القدرة والشرف، وإذا تعدى الثاني بعلى كان للمشقة نحو كبر عليه كذا وتخصيص الأكل الذي هو أساس الانتفاع وتكثر الحاجة إليه بالنهي يدل على النهي عن غيره بالطريق الأولى، وفي الجملة تأكيد للأمر بالدفع وتقرير لها وتمهيد لما بعدها من قوله تعالى: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} الخ أي ومن كان من الأولياء والأوصياء ذا مال فليكف نفسه عن أكل مال اليتيم ولينتفع بما آتاه الله تعالى من الغنى، فالاستعفاف الكف وهو أبلغ من العف، وفي «المختار» يقال: ((عف عن الحرام يعف بالكسر عفة وعفا وعفافة أي كف فهو عف وعفيف؛ والمرأة عفة وعفيفة، وأعفه الله تعالى واستعف عن المسألة أي عف، وتعفف تكلف العفة))، وتفسيره بالتنزه كما يشير إليه كلام البعض بيان لحاصل المعنى. {وَمَن كَانَ} من الأولياء والأوصياء {فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} بقدر حاجته الضرورية من سدّ الجوعة وستر العورة قاله عطاء وقتادة. وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن عباس أنه قال: يأكل الفقير إذا ولي مال اليتيم بقدر قيامه على ماله ومنفعته له ما لم يسرف أو يبذر، وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه حديث : عن ابن عمر سأل النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: ليس لي مال وإني وليّ يتيم فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالاً ومن غير أن تقي مالك بمالهتفسير : ، وهل يعدّ ذلك أجرة أم لا؟ قولان، ومذهبنا الثاني كما صرح به الجصاص في «الأحكام»، وعن سعيد بن جبير ومجاهد وأبـي العالية والزهري وعبيدة السلماني والباقر رضي الله تعالى عنهم وآخرين أن للولي الفقير أن يأكل من مال اليتيم بقدر الكفاية على جهة القرض فإذا وجد ميسرة أعطى ما استقرض، وهذا هو الأكل بالمعروف، ويؤيده ما أخرجه عبد بن حميد وابن أبـي شيبة وغيرهما من طرق عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: إني أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن احتجت أخذت منه بالمعروف فإذا أيسرت قضيت، وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في «الناسخ» وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: {وَمَن كَانَ فَقِيراً} الآية نسختها {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً}تفسير : [النساء: 10] الخ، وذهب قوم إلى إباحة الأكل دون الكسوة، ورواه عكرمة عن ابن عباس، وزعم آخرون أن الآية نزلت في حق اليتيم ينفق عليه من ماله بحسب حاله، وحكي ذلك عن يحيـى بن سعيد ـ وهو مردود ـ لأن قوله سبحانه: {فَلْيَسْتَعْفِفْ} لا يعطي معنى ذلك، والتفكيك مما لا ينبغي أن يخرج عليه النظم الكريم. {فَإِذَا دَفَعْتُمْ} أيها الأولياء والأوصياء {إِلَيْهِمُ} أي اليتامى بعد رعاية ما ذكر لكم {أَمْوٰلَهُمُ} التي تحت أيديكم، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح للاهتمام به {فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ} بأن قبضوها وبرئت عنها ذممكم لما أن ذلك أبعد عن التهمة وأنفى للخصومة وأدخل في الأمانة وهو أمر ندب عندنا، وذهب الشافعية والمالكية إلى أنه أمر وجوب، واستدلوا بذلك على أن القيم لا يصدق بقوله في الدفع بدون بينة. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} أي شهيداً قاله السدي، وأخرج ابن أبـي حاتم عن سعيد بن جبير أن معنى وكفى بالله حسيباً أنه لا شاهد أفضل من الله تعالى فيما بينكم وبينهم وهذا موافق لمذهبنا في عدم لزوم البينة، وقيل: إن المعنى وكفى به تعالى محاسباً لكم فلا تخالفوا ما أمرتم به ولا تجاوزوا ما حدّ لكم، ولا يخفى موقع المحاسب هنا لأن الوصي يحاسب على ما في يده، وفي فاعل كفى كما قال أبو البقاء: وجهان، أحدهما: أنه الاسم الجليل، / والباء زائدة دخلت لتدل على معنى الأمر، فالتقدير اكتفوا بالله تعالى، والثاني: أن الفاعل مضمر والتقدير كفى الاكتفاء بالله تعالى فبالله على هذا في موضع نصب على أنه مفعول به، و حسيباً حال، وقيل: تمييز، وكفى متعدية إلى مفعول واحد عند السمين، والتقدير وكفاكم الله حسيباً، وإلى مفعولين عند أبـي البقاء والتقدير، وكفاكم الله شركم ونحو ذلك. هذا ومن باب الإشارة: {يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} أي احذروه من المخالفات والنظر إلى الأغيار والزموا عهد الأزل حين أشهدكم على أنفسكم {ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ} وهي الحقيقة المحمدية ويعبر عنها أيضاً بالنفس الناطقة الكلية التي هي قلب العالم وبآدم الحقيقي الذي هو الأب لآدم، وإلى ذلك أشار سلطان العاشقين ابن الفارض قدس سره بقوله على لسان تلك الحقيقة:شعر : وإني وإن كنت ابن آدم صورة فلي فيه معنى شاهد بأبوتي تفسير : {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وهي الطبيعة أو النفس الحيوانية الناشئة منها، وقد خلقت من الجهة التي تلي عالم الكون وهو الضلع الأيسر المشار إليه في الخبر، وقد خصت بذلك لأنها أضعف من الجهة التي تلي الحق {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً} أي كاملين يميلون إلى أبيهم {ونساءاً} ناقصين يميلون إلى أمهم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ} فلا تثبتوا لأنفسكم وجوداً مع وجوده لأنه الذي أظهر تعيناتكم بعد أن لم تكونوا شيئاً مذكوراً واتقوا الأرحام أي اجتنبوا مخالفة أوليائي وعدم محبتهم فإن من وصلهم وصلته ومن قطعهم قطعته فالأرحام الحقيقية هي قرابة المبادىء العالية {أية : إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }تفسير : [النساء: 1] ناظراً إلى قلوبكم مطلعاً على ما فيها فإذا رأى فيها الميل إلى السوى وسوء الظن بأهل حضرته ارتحلت مطايا أنواره منها فبقيت بلاقع تتجاوب في أرجائها البوم {وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ} وهم يتامى القوى الروحانية المنقطعين عن تربية الروح القدسي الذي هو أبوهم {أَمْوٰلَهُمُ} وهي حقوقهم من الكمالات {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ} بأن تعطوا الطيب من الصفات وتذيلوه وتأخذوا بدله الخبيث منها وتتصفوا به {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ} بأن تخلطوا الحق بالباطل {أية : إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً }تفسير : [النساء: 2] أي حجاباً عظيماً {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ} أي تعدلوا في تربية يتامى القوى {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ} لتقل شهواتكم وتحفظوا فروجكم فتستعينوا بذلك على التربية لما يحصل لكم من التزكية عن الفاحشة {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} بين النساء فتقعوا في نحو ما هربتم منه {أية : فَوٰحِدَةً }تفسير : [النساء: 3] تكفيكم في تحصيل غرضكم {وَءاتُواْ ٱلنّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ} مهورهن {نِحْلَةً} عطية من الله وفضلاً، وفيه إشارة إلى التخلية عن البخل والغدر والتحلية بالوفاء والكرم، وذلك من جملة ما يربـي به القوى {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } تفسير : [النساء: 4] ولا تأنفوا وتتكبروا عن ذلك وهذا أيضاً نوع من التربية لما فيه من التخلية عن الكبر والأنفة والتحلية بالتواضع والشفقة {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوٰلَكُمُ} أي لا تودعوا الناقصين عن مراتب الكمال أسراركم وعلومكم {ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا} أي غذوهم بشيء منها {وَٱكْسُوهُمْ} أي حلوهم {أية : وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً }تفسير : [النساء: 5] لينقادوا إليكم ويسلموا أنفسهم بأيديهم {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ} أي اختبروهم، ولعله إشارة إلى اختبار الناقصين من السائرين {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ} وصلحوا للإرشاد والتربية {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} أي استقامة في الطريق وعدم تلون {فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ} التي يستحقونها من الأسرار التي لا تودع إلا عند الأحرار. / والمراد إيصاء الكمل من الشيوخ أن يخلفوا ويأذنوا بالإرشاد من يصلح لذلك من المريدين السالكين على أيديهم {وَلاَ تَأْكُلُوهَا} أي تنتفعوا بتلك الأموال دونهم {إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} بالتصدي للإرشاد فإن ذلك من أعظم أدواء النفس والسموم القاتلة {وَمَن كَانَ} منكم {غَنِيّاً} بالله لا يلتفت إلى ضرورات الحياة أصلاً {فَلْيَسْتَعْفِفْ} عما للمريد {وَمَن كَانَ فَقِيراً} لا يتحمل الضرورة {فَلْيَأْكُلْ} أي فلينتفع بما للمريد {بِٱلْمَعْرُوفِ} وهو ما كان بقدر الضرورة {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ} الله تعالى وأرواح أهل الحضرة وخذوا العهد عليهم برعاية الحقوق مع الحق والخلق {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} [النساء: 6] لأنه الموجود الحقيقي والمطلع الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون جملة {وابتلوا} معطوفة على جملة {أية : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} تفسير : [النساء: 5] لتنزيلها منها منزلة الغاية للنهي. فإن كان المراد من السفهاء هنالك خصوص اليتامى فيتّجه أن يقال: لماذا عدل عن الضمير إلى الاسم الظاهر وعن الاسم الظاهر المساوي للأوّل إلى التعبير بآخر أخصّ وهو اليتامى، ويجاب بأنّ العدول عن الإضمار لزيادة الإيضاح والاهتمام بالحكم، وأنّ العدول عن إعادة لفظ السفهاء إيذان بأنّهم في حالة الابتلاء مرجو كمال عقولهم، ومتفاءل بزوال السفاهة عنهم، لئلاّ يلوح شبه تناقض بين وصفهم بالسفه وإيناس الرشد منهم، وإن كان المراد من السفهاء هنالك أعمّ من اليتامى، وهو الأظهر، فيتّجه أن يقال: ما وجه تخصيص حكم الابتلاء والاستيناس باليتامى دون السفهاء؟ ويجاب بأنّ الإخبار لا يكون إلاّ عند الوقت الذي يرجى فيه تغيّر الحال، وهو مراهقة البلوغ، حين يرجى كمال العقل والتنقّل من حال الضعف إلى حال الرشد، أمّا من كان سفهه في حين الكبر فلا يعرف وقت هو مظنّة لانتقال حاله وابتلائه. ويجوز أن تكون جملة {وابتلوا} معطوفة على جملة {أية : وآتوا اليتامى أموالهم}تفسير : [النساء: 2] لبيان كيفية الإيتاء ومقدّماته، وعليه فالإظهار في قوله: {اليتامى} لبعد ما بين المعاد والضمير، لو عبّر بالضمير. والابتلاء: الاختبار، وحتّى ابتدائية، وهي مفيدة للغاية، لأنّ إفادتها الغاية بالوضع، وكونَها ابتدائية أو جارّة استعمالاتٌ بحسب مدخولها، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : حتى إذا فشلتم} تفسير : في سورة [آل عمران:152]. و(إذا) ظرف مضمّن معنى الشرط، وجمهور النحاة على أنّ (حتّى) الداخلة على (إذا) ابتدائية لا جارّة. والمعنى: ابتلوا اليتامى حتّى وقت إن بلغوا النكاح فادفعوا إليهم أموالهم وما بعد ذلك ينتهي عنده الابتلاء، وحيث علم أنّ الابتلاء لأجل تسليم المال فقد تقرّر أنّ مفهوم الغاية مراد منه لازمه وأثره، وهو تسليم الأموال. وسيصرّح بذلك في جواب الشرط الثاني. والابتلاء هنا: هو اختبار تصرّف اليتيم في المال باتّفاق العلماء، قال المالكية: يدفع لليتيم شيء من المال يمكنه التصرّف فيه من غير إجحاف، ويردّ النظر إليه في نفقة الدار شهراً كاملاً، وإن كانت بنتاً يفوّض إليها ما يفوّض لربّة المنزل، وضبط أموره، ومعرفة الجيّد من الرديء، ونحو ذلك، بحسب أحوال الأزمان والبيوت. وزاد بعض العلماء الاختبار في الدين، قاله الحسن، وقتادة، والشافعي. وينبغي أن يكون ذلك غير شرط إذ مقصد الشريعة هنا حفظ المال، وليس هذا الحكم من آثار كليّة حفظ الدين. وبلوغ النكاح على حذف مضاف، أي بلوغ وقت النكاح أي التزوّج، وهو كناية عن الخروج من حالة الصبا للذكر والأنثى، وللبلوغ علامات معروفة، عبّر عنها في الآية ببلوغ النكاح بناء على المتعارف عند العرب من التبكير بتزويج البنت عن البلوغ. ومن طلب الرجل الزواج عند بلوغه، وبلوغ صلاحية الزواج تختلف باختلاف البلاد في الحرارة والبرودة، وباختلاف أمزجة أهل البلد الواحد في القوّة والضعف، والمزاج الدموي والمزاج الصفراوي، فلذلك أحاله القرآن على بلوغ أمد النكاح، والغالب في بلوغ البنت أنّه أسبق من بلوغ الذكر، فإن تخلّفت عن وقت مظنّتها فقال الجمهور: يستدلّ بالسنّ الذي لا يتخلّف عنه أقصى البلوغ عادة، فقال مالك، في رواية ابن القاسم عنه: هو ثمان عشرة سنة للذكور والإناث، وروي مثله عن أبي حنيفة في الذكور، وقال: في الجاري سَبْع عشرة سنة، وروى غيْر ابن القاسم عن مالك أنّه سبع عشرة سنة. والمشهور عن أبي حنيفة: أنّه تسع عشرة سنة للذكور وسبع عشرة للبنات، وقال الجمهور: خمس عشرة سنة. قاله القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بنِ عُمر، وإسحاق، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وابن الماجشون، وبه قال أصبغ، وابن وهب، من أصحاب مالك، واختاره الأبهري من المالكية، وتمسّكوا بحديث ابن عمر أنّه عرضَه رسولُ الله يوم بدر وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يُجزه، وعرضه يوم أحُد وهو ابن خمس عشرة فأجازه. ولا حجّة فيه إذ ليس يلزم أن يكون بلوغ عبد الله بن عمر هو معيار بلوغ عموم المسلمين، فصادف أن رآه النبي وعليه ملامح الرجال، فأجازه، وليس ذكر السنّ في كلام ابن عمر إيماء إلى ضبط الإجازة. وقد غفل عن هذا ابن العربي في أحكام القرآن، فتعجّب من ترك هؤلاء الأيمّة تحديد سنّ البلوغ بخمس عشرة سنة، والعجبُ منه أشدّ من عجبه منهم، فإنّ قضية ابن عمر قضية عَين، وخلاف العلماء في قضايا الأعيان مَعلوم، واستدلّ الشافعية بما روى حديث : أنّ النبي قال: إذا استكمل الولد خمس عشرة سنة كتب ما لَه وما عليه، وأقيمت عليه الحدودتفسير : . وهو حديث ضعيف لا ينبغي الاستدلال به. ووقت الابتلاء يكون بعد التمييز لا محالة، وقبل البلوغ: قاله ابن الموّاز عن مالك، ولعلّ وجهه أنّ الابتلاء قبل البلوغ فيه تعريض بالمال للإضاعة لأنّ عقل اليتيم غير كامل، وقال البغداديون من المالكية: الابتلاء قبل البلوغ. وعبّر عن استكمال قوّة النماء الطبيعي {بلغوا النكاح}، فأسند البلوغ إلى ذواتهم لأنّ ذلك الوقت يدعو الرجل للتزوّج ويدعو أولياء البنت لتزويجها، فهو البلوغ المتعارف الذي لا متأخّر بعده، فلا يشكل بأنّ الناس قد يزوّجون بناتهم قبل سنّ البلوغ، وأبناءهم أيضاً في بعض الأحوال، لأنّ ذلك تعجّل من الأولياء لأغراض عارضة، وليس بلوغاً من الأبناء أو البنات. وقوله: {فإن آنستم منهم رشداً} شرط ثان مقيّد للشرط الأول المستفاد من {إذا بَلغوا}. وهو وجوابه جواب (إذا)، ولذلك قرن بالفاء ليكون نصّاً في الجواب، وتكون (إذا) نصّاً في الشرط، فإنّ جواب (إذا) مستغن عن الربط بالفاء لولا قصد التنصيص على الشرطية. وجاءت الآية على هذا التركيب لتدلّ على أنّ انتهاء الحجر إلى البلوغ بالأصالة، ولكن بشرط أن يُعرف من المحجور الرشد، وكلّ ذلك قطع لمعاذير الأوصياء من أن يمسكوا أموال محاجيرهم عندهم مدّة لزيادة التمتّع بها. ويتحصّل من معنى اجتماع الشرطين في الكلام هنا، إذ كان بدون عطف ظاهر أو مقدّر بالقرينة، أنّ مجموعهما سبب لتسليم المال إلى المحجور، فلا يكفي حصول أحدهما ولا نظر إلى الذي يحصل منهما ابتداء، وهي القاعدة العامّة في كلّ جملة شرط بنيت على جملة شرط آخر، فلا دلالة لهما إلاّ على لزوم حصول الأمرين في مشروط واحد، وعلى هذا جرى قول المالكية، وإمامِ الحرمين. ومن العلماء من زعم أنّ ترتيب الشرطين يفيد كون الثاني منهما في الذكر هو الأوّل في الحصول. ونسبه الزجّاجي في كتاب «الأذكار» إلى ثعلب، واختاره ابن مالك وقال به من الشافعية: البغوي، والغزالي في الوسيط، ومن العلماء من زعم أنّ ترتيب الشرطين في الحصول يكون على نحو ترتيبهما في اللفظ، ونسبه الشافعية إلى القفّال، والقاضي الحسين، والغزالي في «الوجيز»، والإمام الرازي في «النهاية»، وبنوا على ذلك فروعاً في تعليق الشرط على الشرط في الإيمان، وتعليق الطلاق والعتاق، وقال إمام الحرمين: لا معنى لاعتبار الترتيب، وهو الحقّ، فإنّ المقصود حصولها بقطع النظر عن التقدّم والتأخّر، ولا يظهر أثر للخلاف في الإخبار وإنشاء الأحكام، كما هنا، وإنّما قد يظهر له أثر في إنشاء التعاليق في الأيمان، وأيمان الطلاق والعتاق، وقد علمت أنّ المالكية لا يرون لذلك تأثيراً. وهو الصواب. واعلم أنّ هذا إذا قامت القرينة على أنّ المراد جعل الشرطين شرطاً في الجواب، وذلك إذا تجرّد عن العطف بالواو ولو تقديراً، فلذلك يتعيّن جعل جملة الشرط الثاني وجوابه جواباً للشرط الأول، سواء ارتبطت بالفاء ـــ كما في هذه الآية ـــ أم لم ترتبط، كما في قوله: {أية : ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم}تفسير : [هود: 34]. وأمّا إذا كان الشرطان على اعتبار الترتيب فلكلّ منهما جواب مستقلّ نحو قوله تعالى: {أية : يأيّها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} تفسير : [الأحزاب: 50] إلى قوله: {أية : وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها} تفسير : [الأحزاب: 50]. فقوله: {إن وهبت} شرط في إحلال امرأة مؤمنة له، وقوله: {إنْ أرَادَ النَّبِىُّ} شرط في انعقاد النكاح، لئلاّ يتوهّم أنّ هبة المرأة نفسها للنبي تعيِّن عليه تزوّجها، فتقدير جوابه: إن أراد فله ذلك، وليسا شرطين للإحلال لظهور أنّ إحلال المرأة لا سبب له في هذه الحالة إلاّ أنّها وهبت نفسها. وفي كلتا حالتي الشرط الوارد على شرط يجعل جواب أحدهما محذوفاً دلّ عليه المذكور، أو جواب أحدهما جواباً للآخر: على الخلاف بين الجمهور والأخفش، إذ ليس ذلك من تعدّد الشروط وإنَّما يتأتَّى ذلك في نحو قولك: «إن دخلت دار أبي سفيان، وإن دخلت المسجد الحرام، فأنت آمن» وفي نحو قولك: «إن صليت إن صمت أُثْبِت» من كلّ تركيب لا تظهر فيه ملازمة بين الشرطين، حتَّى يصير أحدهما شرطاً في الآخر. هذا تحقيق هذه المسألة الذي أطال فيه كثير وخصّها تقيّ الدين السبكي برسالة وهي مسألة سأل عنها القاضي ابنُ خلكان الشيخ ابن الحاجب كما أشار إليه في ترجمته من كتاب «الوفيات»، ولم يفصّلها، وفصّلها، الدماميني في «حاشية مغني اللبيب». وإيناس الرشد هنا علمه، وأصل الإيناس رؤية الإنسي أي الإنسان، ثمّ أطلق على أوّل ما يتبادر من العلم، سواء في المبصرات، نحو: {أية : آنس من جانب الطُّور ناراً}تفسير : [القصص: 29] أم في المسموعات، نحو قول الحارث بن حلزة في بقرة وحشية:شعر : ءانَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَهَا القُنـ ـاصُ عَصْراً وقد دَنا الإمْساء تفسير : وكأنّ اختيار {آنستم} هنا دون علمتم للإشارة إلى أنّه إن حصل أوّل العلم برشدهم يدفع إليهم مالهم دون تراخ ولا مطل. والرشد ـــ بضم الراء وسكون الشين، وتفتح الراء فيفتح الشين، وهما مترادفان وهو انتظام تصرّف العقل، وصدور الأفعال عن ذلك بانتظام، وأريد به هنا حفظ المال وحسن التدبير فيه كما تقدّم في {ابتلوا اليتامى}. والمخاطب في الآية الأوصياء، فيكون مقتضى الآية أنّ الأوصياء هم الذين يتولَّون ذلك، وقد جعله الفقهاء حكماً، فقالوا: يتولّى الوصيّ دفع مال محجوره عندما يأنس منه الرشد، فهو الذي يتولّى ترشيد محجوره بتسليم ماله إليه. وقال اللخمي: من أقامه الأب والقاضي لا يقبل قوله بترشيد المحجور إلاّ بعد الكشف لفساد الناس اليوم وعدم أمنهم أن يتواطئوا مع المحاجير ليرشِّدوهم فيسمحوا لهم بما قبلَ ذلك. وقال ابن عطية: والصواب في أوصياء زماننا أن لا يستغنى عن رفعهم إلى السلطان وثبوت الرشد عنده لما عرف من تواطؤ الأوصياء على أن يرشّد الوصيّ محجوره ويبرىء المحجور الوصيّ لسفهه وقلّة تحصيله في ذلك الوقت. إلاّ أنّ هذا لم يجر عليه عمل، ولكن استحسن الموثّقون الإشهاد بثبوت رشد المحجور الموصى عليه من أبيه للاحتياط، أمّا وصيّ القاضي فاختلفت فيه أقوال الفقهاء، والأصحّ أنّه لا يرشّد محجوره إلاّ بعد ثبوت ذلك لدى القاضي، وبه جرى العمل. وعندي أنّ الخطاب في مثله لعموم الأمّة، ويتولّى تنفيذه مَن إليه تنفيذ ذلك الباب من الولاة، كشأن خطابات القرآن الواردة لجماعة غير معيّنين، ولا شك أنّ الذي إليه تنفيذ أمور المحاجير والأوصياء هو القاضي، ويحصل المطلوب بلا كلفة. والآية ظاهرة في تقدّم الابتلاء والاستيناس على البلوغ لمكان (حتّى) المؤذنة بالانتهاء، وهو المعروف من المذهب، وفيه قول أنّه لا يُدفع للمحجور شيء من المال للابتلاء إلا بعد البلوغ. والآية أيضاً صريحة في أنّه إذا لم يحصل الشرطان معاً: البلوغ والرشد، لا يدفع المال للمحجور. واتّفق على ذلك عامّة علماء الإسلام، فمن لم يكن رشيداً بعد بلوغه يستمرّ عليه الحجر، ولم يخالف في ذلك إلاّ أبو حنيفة. قال: ينتظر سبعَ سنين بعد البلوغ فإن لم يؤنس منه الرشد أطلق من الحجر. وهذا يخالف مقتضى الشرط من قوله تعالى: {فإن آنستم منهم رشداً} لأنّ أبا حنيفة لا يعتبر مفهوم الشرط، وهو أيضاً يخالف القياس إذ ليس الحجر إلاّ لأجل السفه وسوء التصرّف فأي أثر للبلوغ لولا أنّه مظنّة الرشد، وإذا لم يحصل مع البلوغ فما أثر سبع السنين في تمام رشده. ودلّت الآية بحكم القياس على أنّ من طرأَ عليه السفه وهو بالغ أو اختلّ عقله لأجل مرض في فكره، أو لأجل خرف من شدّة الكبر، أنّه يحجّر عليه إذ علّة التحجير ثابتة، وخالف في ذلك أيضاً أبو حنيفة. وقال: لا حجر على بالغ. وحكم الآية شامل للذكور والإناث بطريق التغليب: فالأنثى اليتيمة إذا بلغت رشيدة دُفع مالها إليها. والتنكير في قوله: {رشداً} تنكير النوعية، ومعناه إرادة نوع الماهية لأنّ المواهي العقلية متّحدة لا أفراد لها، وإنّما أفرادها اعتبارية باعتبار تعدد المحَال أو تعدّد المتعلّقات، فرشد زيد غير رشد عمرو، والرشد في المال غير الرشد في سياسة الأمّة، وفي الدعوة إلى الحقّ، قال تعالى: {أية : وما أمر فرعون برشيد} تفسير : [هود: 97]، وقال عن قوم شعيب {أية : إنك لأنت الحليم الرشيد}تفسير : [هود: 87]. وماهية الرشد هي انتظام الفكر وصدور الأفعال على نحوه بانتظام، وقد علم السامعون أنّ المراد هنا الرشد في التصرّف المالي، فالمراد من النوعية نحو المراد من الجنس، ولذلك ساوى المعرّف بلام الجنس النكرةَ، فمن العجائب توهّم الجصّاص أنّ في تنكير (رشداً) دليلاً لأبي حنيفة في عدم اشتراط حسن التصرّف واكتفائه بالبلوغ، بدعوى أنّ الله شرط رشداً مَّا وهو صادق بالعقل إذ العقل رشد في الجملة، ولم يشترط الرشّد كلّه. وهذا ضعف في العربية، وكيف يمكن العموم في المواهي العقلية المحضة مع أنّها لا أفراد لها. وقد أُضيفت الأموال هنا إلى ضمير اليتامى: لأنّها قَوي اختصاصها بهم عندما صاروا رشداء فصار تصرّفهم فيها لا يخاف منه إضاعة ما للقرابة ولعموم الأمّة من الحقّ في الأموال. وقوله: {ولا تأكلوها إسرافاً} عطف على {وابتلوا اليتامى} باعتبار ما اتّصل به من الكلام في قوله: {فإن آنستم منهم رشداً} إلخ وهو تأكيد للنهي عن أكل أموال اليتامى الذي تقدّم في قوله: {أية : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}تفسير : [النساء: 2] وتفضيح لحيلة كانوا يحتالونها قبل بلوغ اليتامى أشُدّهم: وهي أن يتعجّل الأولياء استهلاك أموال اليتامى قبل أن يتهّيئوا لمطالبتهم ومحاسبتهم، فيأكلوها بالإسراف في الإنفاق، وذلك أنّ أكثر أموالهم في وقت النزول كانت أعياناً من أنعام وتمر وحبّ وأصواف فلم يكن شأنها ممّا يكتم ويختزن، ولا ممّا يعسر نقل الملك فيه كالعقار، فكان أكلها هو استهلاكها في منافع الأولياء وأهليهم، فإذا وجد الوليّ مال محجوره جَشِع إلى أكله بالتوسّعِ في نفقاته ولباسه ومراكبه وإكرام سمرائه ممّا لم يكن ينفق فيه مال نفسه، وهذا هو المعنى الذي عبّر عنه بالإسراف، فإنّ الإسراف الإفراط في الإنفاق والتوسّع في شؤون اللذات. وانتصب (إسرافاً) على الحال: أو على النيابة عن المفعول المطلق، وأيّا ما كان، فليس القصد تقييد النهي عن الأكل بذلك، بل المقصود تشويه حالة الأكل. والبدار مصدر بادره، وهو مفاعلة من البَدْر، وهو العجلة إلى الشيء، بَدَره عجله، وبادره عاجله، والمفاعلة هنا قصد منها تمثيل هيئة الأولياء في إسرافهم في أكل أموال محاجيرهم عند مشارفتهم البلوغ، وتوقّع الأولياء سرعة إبَّانه، بحال من يبدر غيره إلى غاية والآخر يبدر إليها فهما يتبادرانها، كأنّ المحجور يسرع إلى البلوغ ليأخذ ماله، والوصي يسرع إلى أكله لكيلا يجد اليتيم ما يأخذ منه، فيذهب يدّعي عليه، ويقيم البيّنات حتّى يعجز عن إثبات حقوقه، فقوله: {أن يكبروا} في موضع المفعول لمصدر المفاعلة. ويكبر بفتح الموحدة مضارع كبر كعَلِم إذا زاد في السنّ، وأمّا كبُر ــــ بضم الموحدة ــــ فهو إذا عظم في القدر، ويقال: كبر عليه الأمر ــــ بضم الموحدة ــــ شَقّ. عطف على {ولا تأكلوها إسرافاً} الخ المقرّر به قوله: {أية : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}تفسير : [النساء: 2] ليتقرّر النهي عن أكل أموالهم. وهو تخصيص لعموم النهي عن أكل أموال اليتامى في الآيتين السابقتين للترخيص في ضرب من ضروب الأكل، وهو أن يأكل الوصيّ الفقير من مال محجوره بالمعروف، وهو راجع إلى إنفاق بعض مال اليتيم في مصلحته، لأنّه إذا لم يُعْط وصيّه الفقير بالمعروف ألهاه التدبير لقوته عن تدبير مال محجوره. وفي لفظ المعروف (حوالة على ما يناسب حال الوصيّ ويتيمه بحسب الأزمان والأماكن وقد أرشد إلى ذلك حديث أبي داوود: «حديث : أنّ رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني فقير وليس لي شيء» قال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متاثل».تفسير : وفي «صحيح مسلم» عن عائشة: نزلت الآية في ولي اليتيم إذا كان محتاجاً أن يأكل منه بقدر ماله بالمعروف، ولذلك قال المالكية: يأخذ الوصي بقدر أجرة مثله، وقال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأبو عبيدة، وابن جبير، والشعبي، ومجاهد: إنّ الله أذن في القرض لا غير. قال عمر: «إني نزّلت نفسي من مال الله منزلة الوصيّ من مال اليتيم، إن استغنيت استعففت وإن احتجت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت» وقال عطاء، وإبراهيم: لا قضاء على الوصيّ إن أيسر. وقال الحسن، والشعبي، وابن عباس، في رواية: إنّ معناه أن يشرب اللبن ويأكل من الثمر ويهنأ الجربي من إبله ويلوط الحوض. وقيل: إنّما ذلك عند الاضطرار كأكل الميتة والخنزير: روي عن عكرمة، وابن عباس، والشعبي، وهو أضعف الأقوال لأنّ الله ناط الحكم بالفقر لا بالاضطرار، وناطه بمال اليتيم، والاضطرار لا يختصّ بالتسليط على مال اليتيم بل على كلّ مال. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يأخذ إلاّ إذا سافر من أجل اليتيم يأخذ قوته في السفر. واختلف في وصيّ الحاكم هل هو مثل وصيّ الأب. فقال الجمهور: هما سواء، وهو الحقّ، وليس في الآية تخصيص. ثم اختلفوا في الوصيّ الغنيّ هل يأخذ أجر مثله على عمله بناء على الخلاف في أنّ الأمر في قوله: {فليستعفف} للوجوب أو للندب، فمن قال للوجوب قال: لا يأكل الغني شيئاً، وهذا قول كلّ من منعه الانتفاع بأكثر من السلف والشيء القليل، وهم جمهور تقدّمت أسماءهم. وقيل: الأمر للندب فإذا أراد أن يأخذ أجر مثله جاز له إذا كان له عمل وخدمة، أمّا إذا كان عمله مجرّد التفقّد لليتيم والإشراف عليه فلا أجر له. وهذا كله بناء على أنّ الآية محكمة. ومن العلماء من قال: هي منسوخة بقوله تعالى: {أية : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما}تفسير : [النساء: 10] الآية، وقوله: {أية : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}تفسير : [البقرة: 188] وإليه مال أبو يوسف، وهو قول مجاهد، وزيد بن أسلم. ومن العلماء من سلك بالآية مسلك التأويل فقال ربيعة بن أبي عبد الرحمٰن: المراد فمن كان غنياً أي من اليتامى، ومن كان فقيراً كذلك، وهي بيان لكيفية الإنفاق على اليتامى فالغنيّ يعطى كفايته، والفقير يعطى بالمعروف، وهو بعيد، فإنّ فعل (استعفف) يدلّ على الاقتصاد والتعفّف عن المسألة. وقال النخعي، وروي عن ابن عباس: من كان من الأوصياء غنيّا فليستعفف بماله ولا يتوسّع بمال محجوره ومن كان فقيراً فإنّه يقتّر على نفسه لئلا يمدّ يده إلى مال يتيمه. واستحسنه النحاس والكِيَا الطبري في أحكام القرآن. {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً}. تفريع عن قوله {فادفعوا إليهم أموالهم} وهو أمر بالإشهاد عند الدفع، ليظهر جليّا ما يسلمه الأوصياء لمحاجيرهم، حتى يمكن الرجوع عليهم يوماً ما بما يطّلع عليه ممّا تخلّف عند الأوصياء، وفيه براءة للأوصياء أيضاً من دعاوي المحاجير من بعدُ. وحسبك بهذا التشريع قعطا للخصومات. والأمر هنا يحتمل الوجوب ويحتمل الندب، وبكلّ قالت طائفة من العلماء لم يسمّ أصحابها: فإن لوحظ ما فيه من الاحتياط لحقّ الوصيّ كان الإشهاد مندوباً لأنّه حقّه فله أن لا يفعله، وإن لوحظ ما فيه من تحقيق مقصد الشريعة من رفع التهارج وقع الخصومات، كان الإشهاد واجباً نظير ما تقدّم في قوله تعالى: {أية : إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه}تفسير : [البقرة: 282] وللشريعة اهتمام بتوثيق الحقوق لأنّ ذلك أقوم لنظام المعاملات. وأياما كان فقد جعل الله الوصيّ غير مصدّق في الدفع إلاّ ببينة عند مالك قال ابن الفرس: لولا أنّه يَضمن إذا أنكره المحجور لم يكن للأمر بالتوثّق فائدة، ونقل الفخر عن الشافعي موافقة قول مالك، إلاّ أنّ الفخر احتجّ بأنّ ظاهر الأمر للوجوب وهو احتجاج واه لأنّه لا أثر لكون الأمر للوجوب أو للندب في ترتّب حكم الضمان، إذ الضمان من آثار خطاب الوضع، وسببه هو انتفاء الإشهاد، وأمّا الوجوب والندب فمن خطاب التكليف وأثرهما العقاب والثواب. وقال أبو حنيفة: هو مصدّق بيمينه لأنّه عدّه أمينا، وقيل: لأنّه رأى الأمر للندب. وقد علمت أنّ محمل الأمر بالإشهاد لا يؤثّر في حكم الضمان. وجاء بقوله: {وكفى بالله حسيباً} تذييلا لهذه الأحكام كلها، لأنّها وصيّات وتحريضات فوكل الأمر فيها إلى مراقبة الله تعالى. والحسيب: المحاسب. والباء زائدة للتوكيد.
القطان
تفسير : آنستم منهم رشدا: أبصرتم منهم حسن التصرف في الأموال. اسرافا وبدارا ان يكبروا: لا تأكلوا اموالهم مسرفين ومسرعين في تبذيرها قبل ان يكبروا. والبدار والمبادرة: المسارعة. بعد أن أمرنا الله في الآيات السابقة بإيتاء الايتام أموالهم وباعطاء النساء مهورهن بيّن في هذه الآية الكريمة شرطا مهما، وهو: لا يعطى اليتيم أو القاصر ماله الا اذا كان بالغاً راشدا. فاختبروا عقول اليتامى وتبينوا حسن تصرفهم بالمال، حتى اذا أصبحوا صالحين للزواج وعرفتم فيهم الرشد والسداد فادفعوا اليهم أموالهم. وإياكم ان تأكلوها، لا مسرفين فيها بالانفاق منها (ولو على اليتيم نفسه)، ولا مستعجلين في الانفاق قبل ان يكبر اليتيم. ومن كان من الأوصياء غنياً فليتعفف عن أموال اليتامى، ومن كان فقيرا فليكتفِ بقدر ما يكفيه بحسب الصرف الجاري في بلده ووقته. فاذا سلّمتموهم أموالهم فأشهدوا عليهم انهم قبضوها، (والاشهاد واجب عند الشافعية والمالكية ومندوب عند الحنفية)، والله من ورائكم هو المحاسب والمراقب. وقد ورد في الحديث: "حديث : ان رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: لي مال وإني وليُّ يتيم، فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالاً، ومن غير أن تَقِيَ مالَك بماله" ".
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْيَتَامَىٰ} {آنَسْتُمْ} {أَمْوَالَهُمْ} (6) - وَاخْتَبِرُوا اليَتَامَى، بِإِعْطَائِهِمْ شَيْئاً مِنَ المَالِ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ، فَإنْ أحْسَنُوا التَّصَرُّفَ كَانُوا رَاشِدِينَ. فَإذا بَلَغُوا سِنَّ الرُّشْدِ، وَبَلَغُوا الحُلُمُ، وَتَأكَّدْتُمْ مِنْ صَلاَحِهِمْ فِي دِينِهِمْ، وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، فَسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ أمْوَالَهُمْ التِي تَحْتَ أيْدِيكُمْ. أمّا إذا لَمْ تَجِدُوهُمْ أهْلاً لِتَسلُّمِ المَالِ فَاسْتَمِرُّوا عَلَى الابْتِلاءِ حَتَّى تَأنَسُوا الرُّشْدَ مِنْهُمْ. وَيَنْهَى اللهُ تَعَالَى العِبَادَ عَنْ أكْلِ مَالِ اليَتِيمِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وَبِمُبَادَرَةٍ مِنَ الوَلِيِّ إلى الإِسْرَافِ فِي الإِنْفَاقِ لِتَبْدِيدِ مَالِ اليَتِيمِ قَبْلَ أنْ يَكْبَرَ. فَإذا كَانَ الوَلِيُّ غَنِيّاً فَلْيَعُفَّ عَنْ مَالِ اليَتِيمِ، وَلاَ يَأكُلْ مِنْهُ شَيْئاً، وَإذا كَانَ الوَلِيُّ فَقيراً جَازَ لَهُ أنْ يَأكُلَ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ، أيْ بِقَدْرِ جُهْدِهِ فِي القِيَامِ بِتَدْبِيرِ مَالِ اليَتِيمِ (فَلَهُ أنْ يَأكُلَ بِأقَلِّ الأمْرَيْنِ: أجْرِ مِثْلِهِ، وَقَدْرِ حَاجَتِهِ). وَأشْهِدُوا شُهُوداً عَلَى عَمَلِيَّةِ دَفْعِ مَالِ الأيْتَامِ إليْهِمْ لِتَبْرَأ ذِمَمُكُمْ. آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً - لاَحَظْتُمْ مِنْهُمْ حُسْنَ التَّصَرُّفِ. الإِسْرَافُ - مُجَاوَزَةُ الحَدِّ فِي التَّصَرُّفِ. البِدَارُ - المُبَادَرَةُ وَالمُسَارَعَةُ إلى الشَّيءِ. يَسْتَعْفِفُ - أنْ يَعُفَّ عَنْ مَالِ اليَتِيمِ، وَالعِفَّةُ هِيَ تَرْكُ مَالاَ يَنْبَغِي مِنَ الشَّهَواتِ. الحَسِيبُ - المُحَاسِبُ وَالمُرَاقِبُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن الله سبحانه وتعالى يأمر في التعامل مع اليتامى بأن يبدأ الولي في اختبار اليتيم وتدريبه على إدارة أمواله من قبل الرشد، أي لا تنتظر وقت أن يصل اليتيم إلى حد البلوغ ثم تبتليه بعد ذلك، فقبل أن يبلغ الرشد، لا بد أن تجربه في مسائل جزئية فإذا تبين واتضح لك اهتداء منه وحسن تصرف في ماله؛ لحظتها تجد الحكم جاهزاً، فلا تضطر إلى تأخير إيتاء الأموال إلى أن تبتليه في رشده. بل عليك أن تختبره وتدربه وتمتحنه وهو تحت ولايتك حتى يأتي أوَانُ بلوغ الرشد فيستطيع أن يتسلم منك ماله ويديره بنفسه. وحتى لا تمر على المال لحظة من رشد صاحبه وهو عندك. فسبحانه يقول: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً ..} [النساء: 6]. فعندما يبلغ اليتيم الرشد وقد تم تدريبه على حسن إدارة المال. وعرف الوصي أن اليتيم قد استطاع أن يدبر ماله، ومن فور بلوغه الرشد يجب على الوصي أن يدفع إليه ماله، ولا يصح أن يأكل الوصي مال اليتيم إسرافاً .. والإسراف هو الزيادة في الحد؛ لأنه ليس ماله، إنه مال اليتيم. وعندما قيل لرجل شره: ماذا تريد أيها الشره؟ قال الشره: "أريد قصعة من ثريد أضرب فيها بيدي كما يضرب الولي السوء في مال اليتيم". أنجانا الله وإياكم من هذا الموقف، ونجد الحق يقول: {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ ..}. إن الحق سبحانه يحذرنا من الإسراف في مال اليتيم في أثناء مرحلة ما قبل الرشد، وذلك من الخوف أن يكبر اليتيم وله عند الولي شيء من المال أي أن يسرف الولي فينفق كل مال اليتيم قبل أن يكبر اليتيم ويرشد، والله سبحانه وتعالى حين يشرع فهو بجلال كماله يشرع تشريعاً لا يمنع قوامة الفقير العادل غير الواجد. كان الحق قادراً أن يقول : لا تعطوا الوصية إلا لإنسان عنده مال لأنه في غنى عن مال اليتيم. لكن الحق لا يمنع الفقير النزيه صاحب الخبرة والإيمان من الولاية. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى عن الولي: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ..} [النساء: 6] فلا يقولن أحد عن أحد آخر: إنه فقير، ولو وضعنا يده على مال اليتيم فإنه يأكله. لا، فهذا قول بمقاييس البشر، لا يجوز أن يمنع أحد فقيراً مؤمناً أن يكون ولياً لليتيم؛ لأننا نريد من يملك رصيداً إيمانياً يعلو به فوق الطمع في المال؛ لذلك يقول الحق عن الوصي على مال اليتيم: إن عليه مسئولية واضحة. فإن كان غنياً فليستعفف، وإن كان فقيراً فليأكل بالمعروف. وحددوا المعروف بأن يأخذ أجر مثله في العمل الذي يقوم به. وكلمة المعروف تعني الأمر المتداول عند الناس، أو أن يأخذ على قدر حاجته. ويقول الحق: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبا} [النساء: 6] وانظروا الحماية، هو سبحانه يصنع الحماية للولي أو الوصي، فالحق يعلم خَلْقَه، - وخَلْقُه من الأغيار - والولي على اليتيم لابد أن يلي الأمر بحكمة وحرص، حتى لا يكرهه اليتيم. وربما قد يراضيه في كل شيء. نقول له: لا، أعطه بقدَر حتى لا تفسده. فإذا ما أعطى الولي لليتيم بقدر ربما كرهه اليتيم؛ لأن اليتيم قد يرغب في أشياء كمالية لا تصلح له ولا تناسب إمكاناته، وعندما يصل اليتيم إلى سن الرشد قد يتركز كرهه ضد الوصي، فيقول له: لقد أكلت مالي؛ لذلك يوضح الحق للولي أو الوصي: كما حميت اليتيم بحسن ولايتك أحميك أنا من رشد اليتيم. لذلك يجب عليك - أيها الولي - حين تدفع المال إليه أن تشهد عليه، لأنك لا تملك الأغيار النفسية، فربما وَجَد عليك وكرهك؛ لأنك كنت حازماً معه على ماله، وكنت تضرب على يده إذا انحرف. وإذا ما كرهك ربما التمس فترة من الفترات وقام ضدك واتهمك بما ليس فيك؛ لذلك لابد من أن تحضر شهوداً وعدولاً لحظة تسليمه المال. وهذه الشهادة لتستبرىء بها من المال فحسب، أما استبراء الدِّين فموكل إلى الله {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبا} [النساء: 6]. هذا وإن سورة النساء تعالج الضعف في المرأة والضعف في اليتيم، لأن الحال في المجتمع الذي جاء عليه الإسلام أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا يورثون الصغار الذين لم تشتد أجنحتهم، وكانت القاعدة الغريبة عندهم هي: مَنْ لم يطعن برمح ولم يذد عن حريم أو عن مال ولم يشهد معارك فهو لا يأخذ من التركة. وكانت هذه قمة استضعاف أقوياء لضعفاء. وجاء الإسلام ليصفي هذه القاعدة. بل فرض وأوجب أن تأخذ النساء حقوقهن وكذلك الأطفال، ولهذا قال الحق سبحانه: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ} [الآية: 6]. يقول: ابتلوا عقولهم، {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ}. يقول: إِذا بلغوا الحلم. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن عبد الأَعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {مَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} [الآية: 6]. قال: يأكل والي اليتيم قوته، ويلبس منه ما يستره ويشرب فضل اللبن، ويركب فضل الظهر. فان أَيسر قضاه، وإِن أَعسر كان في حلّ. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {يَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوف} يعني سلفا / 12و / مِنْ مال يتيمه. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن عطاءٍ بن أَبي رباح قال: يضع يده مع أَيديهم، فيأْكل معهم بقدر خدمته وقدر عمله. [الآية: 16]. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن المغيرة عن إِبراهيم قال: ليس المعروف أَن يلبس الحلل والكتان ولكن المعروف ما سد الجوع ووارى العورة [الآية: 16]. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً} [الآية: 9]. قال: هذا عند الوصية فيقول له من حضره: أَللت، فاوص لفلان ولا لفلان يقول الله، عز وجل: {وَلْيَخْشَ} أَولئك ليقولوا كما يحبون أَن يقال لهم في ولده بعده {وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} [الآية: 9] يعني: عدلاً. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن عطاءٍ بن أَبي رباح، عن ابن عباس في قوله: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} [الآية: 11]. قال: كان الميراث للولد، والوصية للوالدين والأَقربين، فنسخ الله، عز وجل، من ذلك ما أَحب. فجعل للولد الذكر مثل حظ الأُنثيين، وجعل للوالدين السدسين، وجعل للزوج النصف أَو الربع، وجعل للمرأَة الربع أَو الثمن. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} [الآية: 11] قال: يعني في الدنيا. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {غَيْرَ مُضَآرٍّ} [الآية: 12] يقول الموصي لا يضار في الميراث أًَهله. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ} [الآية: 15] يعني: الزنا. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} [الآية: 15] قال: الحد. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله {فَآذُوهُمَا} [الآية: 16] يعني: سبّا ثم نسختها {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [سورة النور: 2]. أخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ} [الآية: 17] قال: من عصى ربه، فهو جاهل حتى ينزع عن العصية.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} معناهُ أَبْصَرْتُمْ. فالرُّشْدُ العَقلُ. والرُّشدُ فِي الدِّينِ، والصَّلاَحُ فِي المَالِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: فالإِسْرَافُ: الإِفْرَاطُ. والبِدَارُ: المُبَادَرَةُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : والإشارة في قوله تعالى: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} [النساء: 6]؛ أي: قلوب السائرين إلى الله تعالى، حتى إذا بلغوا مبلغ الرجال الكاملين البالغين، وابتلاهم بأدنى توسع في المعيشة بعد ما كانوا محجوبين عن التصرف مدة مديدة، {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} [النساء: 6]، بأن استمدوا بذلك على دينهم وزادوا في اجتهادهم وجدهم في الطلب، وكان كما قال الجنيد: أشبع الزِّنجي وكدَّه، {فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6]، وهاهنا أضاف المال إليهم لما بلغوا حد الرجال الذين يكون المال لهم، فلا يكونون في المال كالسفهاء، فالعبد في هذا المقام يكون جائز التصرف في ممالك سيده كالعبد المأذون، وفي قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً} [النساء: 6]، الإشارة في الخطاب إلى تربيتهم من المشايخ فإنهم أولياء أطفال الطريقة وأوصياؤهم؛ يعني: فإن أنستم من المريدين البالغين رشد التصرف في أصحاب الإرادة وأرباب الطلب، فأوقعوا إليهم عنان التصرف بإجازة الشيخوخة ولا تمنعوهم مقام الشيخوخة إسرافاً وبداراً، غيرة وغبطة على المريدين، {أَن يَكْبَرُواْ} [النساء: 6] بالشيخوخة فتكسد أسواقهم، {وَمَن كَانَ غَنِيّاً} [النساء: 6] بالله من قوة الولاية ستظهر بالعناية { فَلْيَسْتَعْفِفْ} [النساء: 6] عن أمثال هذه الغيرة والغبطة، {وَمَن كَانَ فَقِيراً} [النساء: 6]، يفتقر بولاية المريد والانتفاع به في الصحبة {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} [النساء: 6]؛ أي: ينتفع به بأن يجيز له بالشيخوخة لا يغار عليه ويمده بالظاهر والباطن، وبإيمانه يتوسل إلى الله تعالى، فإن الله يكون في عون العبد ما دام في عون أخيه، وقال تعالى: {أية : وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ}تفسير : [المائدة: 35]، {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] مقام الشيخوخة، {فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ} [النساء: 6] الله ورسوله وأرواح المشايخ، وأوصوهم بشرائط الشيخوخة ورعاية حقوقها مع الله والخلق وأنفسهم، {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} [النساء: 6]، مكافياً ومجازياً لكم بحسن صنائعكم، ومحاسباً لهم فيما يراقبون الله تعالى في حفظ حدوده، ويراعون الخلق بأداء حقوقهم وترك حظوظ أنفسهم. ثم أخبر عن نصيب كل نسيب بقوله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} [النساء: 7]، إشارة في الآيتين: إن للرجال وهم أقوياء الطلبة والسلاك نصيب بقدر صدقهم في الطلب، ورجوليتهم في الاجتهاد، {مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} [النساء: 7]؛ وهم المشايخ والإخوان في الله والأعوان على الطلب، وتركهم سيرتهم في الدين وأنوار همتهم العلية، ومواهب ولايتهم السنية، {وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} [النساء: 7]؛ يعني ضعفاء القوم، {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} [النساء: 7]؛ أي: قدراً معلوماً على قدر وفق صدق التجائهم وجدهم في الطلب، وحسن استعدادهم لقبول فيض الولاية، وهذا حال المجتهدين الذين هم ورثة المشايخ، كما أنهم ورثة الأنبياء، فأما المنتهون إلى ولايتهم بالإرادة وحسن الظن، والمقتبسون من أنوارهم والمقتفون على آثارهم، والمتشبهون بربهم والمتبركون بهم على تفاوت درجاتهم فهو بمثابة {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينُ} [النساء: 8] إذا حضروا القسمة عند محافل صحبتهم ومجامع سماعهم ومجالس ذكرهم، فإنها مقاسم خيراتهم وبركاتهم، {فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ} [النساء: 8]؛ أي: من مواهب ولايتهم، وآثار هدايتهم، وأعطاف رعايتهم، {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} [النساء: 8] في التشويق وإرشاد الطريق والحث على الطلب والتوجه إلى الحق؛ والإعراض عن الدنيا وتقرير هوانها على الله وخسارة أهلها، وعزة أهل الله في الدارين وكمال سعادتهم في المنزلتين. {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً} [النساء: 9] من مبتدئ المريدين ومتوسطهم، {خَافُواْ عَلَيْهِمْ} [النساء: 9] آفات المفارقة، إما سرف وإما توان {فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ} [النساء: 9]؛ أي: يوصونهم بالتقوى فإن التقوى جماع كل خير، {وَلْيَقُولُواْ} [النساء: 9]؛ أي: يأمرونهم؛ ليقولوا {قَوْلاً سَدِيداً} [النساء: 9]؛ وهو كلمة لا إله إلا الله؛ والمعنى: أنهم يأمرون بملازمة التقوى ومداومة الذكر، فإنهما الخطوتان اللتان توصلان العبد إلى الله تعالى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : الابتلاء: هو الاختبار والامتحان، وذلك بأن يدفع لليتيم المقارب للرشد، الممكن رشده، شيئا من ماله، ويتصرف فيه التصرف اللائق بحاله، فيتبين بذلك رشده من سفهه، فإن استمر غير محسن للتصرف لم يدفع إليه ماله، بل هو باق على سفهه، ولو بلغ عمرا كثيرا. فإن تبين رشده وصلاحه في ماله وبلغ النكاح { فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } كاملة موفرة. { وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا } أي: مجاوزة للحد الحلال الذي أباحه الله لكم من أموالكم، إلى الحرام الذي حرمه الله عليكم من أموالهم. { وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا } أي: ولا تأكلوها في حال صغرهم التي لا يمكنهم فيها أخذها منكم، ولا منعكم من أكلها، تبادرون بذلك أن يكبروا، فيأخذوها منكم ويمنعوكم منها. وهذا من الأمور الواقعة من كثير من الأولياء، الذين ليس عندهم خوف من الله، ولا رحمة ومحبة للمولى عليهم، يرون هذه الحال حال فرصة فيغتنمونها ويتعجلون ما حرم الله عليهم، فنهى الله تعالى عن هذه الحالة بخصوصها.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 191 : 17 : 10 - سفين عن منصور عن مجاهد قال: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} قال، ان لا يخدع عن ماله ولا يسرف فيه. [الآية 6]. 192 : 18 : 11 - سفين عن ابن أبي نجيح عن مجاهد {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} قال، القرض. [الآية 6]. 193 : 19 : 12 - سفين عن حماد عن سعيد بن جبير مثله. 194 : 20 : 13 - سفين عن المغيرة عن إبراهيم {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} قال، ما سد الجوع ووارى العورة. 195 : 21 : 14 - سفين عن السدي عن من سمع بن عباس قال، يأكل بأصابعه، ولا يكتسي منه.
همام الصنعاني
تفسير : 509- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة والحسن في قوله تعالى: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ}: [الآية: 6]، قالا: يقول: اختبروا اليتامى، {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً} [الآية: 6]، يقول لا تسرف فيها، ولا تبادر أن تكبر {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ}: [الآية: 6]. 510- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن القاسم بن محمد، قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى ابنِ عباسٍ، فقال إن في حجري أموال يتامى! وَهُوَ يستأذنه أن يُصيبَ فيها، قال ابن عباس: ألَسْتَ تبْغي ضالَتها؟ قال: بلَى، قال: ألَسْتَ تهنأ جرباها؟ ق ال: بلى، قال: ألَسْتَ تلوط حياضَها؟ قال: بلى، قا ل: ألست تفْرِك عَلَيها يَوْمَ وردِها؟ قال: بَلى، قالَ: فأصِبْ من رَسلها يعْني لبَنها. 511- عبد الرزاق، قال: أخبرني الثَّوْري، عن يحْيى بن سعيد، عَنِ القاسِم بن محمد، قالَ: جاءَ أعْرابيٌّ إلى ابن عبَّاس، قال: إن في حجري يتامى وإن لهُمْ إبلاً ولي إبلٌ، وأ،ا أمنح في إبلي، وأفقر يعْني ظهرها فماذا يحلّ لي مِنْ ألْبَانِها؟ قال: إن كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جرباها، وتلوط حياضَهَا، وتَسْقي عليها، فاشْرَب غير مُضِرٍّ بنسْلٍ ولا ناهِكٍ في الْحَلبِ. 512- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوْري، عن مغيرة، عن إبراهيم في هذه الآية: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ}: [الآية: 6]، قال، قال: ما سدَّ الجوع، ووارى الْعَوْرة، ليس بلبس الكتّان ولا الحلل. 513- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثّوْري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وعن حماد، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ}: [الآية: 6]، قال: هو القَرْضُ، قال الثوري، وقاله الحكم أيضاً، ألا ترى أنه يقول: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ}: [الآية: 6]، يعني الوصيّ. 514- حدثنا عبد الرزاق، قال: سمعتُ هشاماً يُحَدِّثُ عن محمد بن سيرين، عن عبيدة في قوله تعالى: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ}: [الآية: 6]، قال: هو عليه قَرْضٌ. 515- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أيوب عن ابن سيرين، عن عُبَيْدة مِثْلُهُ. 516- قال معمر سمعت هشاماً يقول: سألت الحسن عن قوله تعالى: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ}: [الآية: 6]، قال: لَيْسَ بقَرْض. 517- عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عيينة قال: أخبرني عمرو بن دينار عن عطاء وعكرمة قالا: يضع يده. 518- حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثّوْري، عن أبي إسحاق عن صلة بن زُفَرَ العبسي، قال: جاء إلى عبد الله رجُلٌ من همذان على فرس أبلق فقال: إن عمي أوصى إليَّ بتركته وإنَّ هذا من تركته، أفأشتريه؟ قال: لا، ولا تستقرض مِنْ أمْوالِهِم شيئاً. 519- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني ابن عُيَيْنة، عن عمرو بن دينار، عن الحسن العُرَنِي قال: حديث : قال رجلٌ للنبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ في حجري يتيماً، أفأضْرِبُهُ؟ قال: ممّا كنت منه ضارباً ولَدَك، قال: أفأصيب مِن مالِهِ؟ قال: بالمعروف، غير متأثل مالاً، ولا واقٍ مالك بمالِهِ . تفسير : 520- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني معمر عن أيُّوب، عَنْ عمْروا بن دينار عن الحسن العُرَنِيّ مثله. 521- حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا الثوري عن ابن أبي نجيح، عن الزبير بن موسى، عن الحسن العُرَنِيّ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):