٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة وهو ما يتعلق بالمواريث والفرائض وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية قال ابن عباس: ان أوس بن ثابت الانصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة، فجاء رجلان من بني عمه وهما وصيان له يقال لهما: سويد، وعرفجة وأخذا ماله. فجاءت امرأة أوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت القصة، وذكرت أن الوصيين ما دفعا إلي شيئا، وما دفعا إلى بناته شيئا من المال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ارجعي إلى بيتك حتى أنظر ما يحدث الله في أمرك» تفسير : فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية، ودلت على أن للرجال نصيبا وللنساء نصيبا، ولكنه تعالى لم يبين المقدار في هذه الآية، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الوصيين وقال: «حديث : لا تقربا من مال أوس شيئا» تفسير : ثم نزل بعد: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ } تفسير : [النساء: 11] ونزل فرض الزوج وفرض المرأة، فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام الوصيين أن يدفعا إلى المرأة الثمن ويمسكا نصيب البنات، وبعد ذلك أرسل عليه الصلاة والسلام اليهما أن ادفعا نصيب بناتها اليها فدفعاه اليها، فهذا هو الكلام في سبب النزول. المسألة الثانية: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال، ويقولون لا يرث إلا من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، فبين تعالى أن الارث غير مختص بالرجال، بل هو أمر مشترك فيه بين الرجال والنساء، فذكر في هذه الآية هذا القدر، ثم ذكر التفصيل بعد ذلك ولا يمتنع إذا كان للقوم عادة في توريث الكبار دون الصغار ودون النساء، أن ينقلهم سبحانه وتعالى عن تلك العادة قليلا قليلاً على التدريج، لأن الانتقال عن العادة شاق ثقيل على الطبع، فاذا كان دفعة عظم وقعه على القلب، وإذا كان على التدريج سهل، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذا المجمل أولا، ثم أردفه بالتفصيل. المسألة الثالثة: احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على توريث ذوي الارحام قال: لأن العمات والخالات والاخوال وأولاد البنات من الأقربين، فوجب دخولهم تحت قوله: {لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأقْرَبُونَ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأقْرَبُونَ } أقصى ما في الباب أن قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية، إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية، وأما المقدار فنستفيده من سائر الدلائل. وأجاب أصحابنا عنه من وجهين: أحدهما: انه تعالى قال في آخر الآية {نَصِيباً مَّفْرُوضاً } أي نصيبا مقدرا، وبالاجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر، فثبت أنهم ليسوا داخلين في هذه الآية، وثانيهما: أن هذه الآية مختصة بالأقربين، فلم قلتم إن ذوي الأرحام من الأقربين؟ وتحقيقه أنه إما أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب من شيء آخر، أو المراد منه من كان أقرب من جميع الأشياء، والأول باطل؛ لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه، لأن كل إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد، وهو الانتساب إلى آدم عليه السلام، ولا بد وأن يكون هو أقرب إليه من ولده، فيلزم دخول كل الخلق في هذا النص وهو باطل، ولما بطل هذا الاحتمال وجب حمل النص على الاحتمال الثاني وهو أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب الناس إليه، وما ذاك إلا الوالدان والأولاد، فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذو الأرحام، لا يقال: لو حملنا الأقربين على الوالدين لزم التكرار، لأنا نقول: الأقرب جنس يندرج تحته نوعان: الوالد والولد، فثبت أنه تعالى ذكر الوالد، ثم ذكر الأقربين، فيكون المعنى أنه ذكر النوع، ثم ذكر الجنس فلم يلزم التكرار. المسألة الرابعة: قوله: {نَصِيباً } في نصبه وجوه: أحدها: أنه نصب على الاختصاص بمعنى أعني نصيبا مفروضا مقطوعا واجبا، والثاني: يجوز أن ينتصب انتصاب المصدر، لأن النصيب اسم في معنى المصدر كأنه قيل: قسما واجبا، كقوله: {أية : فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 60، النساء: 11] أي قسمة مفروضة. المسألة الخامسة: أصل الفرض الحز، ولذلك سمي الحز الذي في سية القوس فرضاً، والحز الذي في القداح يسمى أيضا فرضاً، وهو علامة لها تميز بينها وبين غيرها، والفرضة العلامة في مقسم الماء، يعرف بها كل ذي حق حقه من الشرب، فهذا هو أصل الفرض في اللغة، ثم ان أصحاب أبي حنيفة خصصوا لفظ الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع، واسم الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون، قالوا: لأن الفرض عبارة عن الحز والقطع، وأما الوجوب فانه عبارة عن السقوط، يقال: وجبت الشمس إذا سقطت، ووجب الحائط إذا سقط، وسمعت وجبة يعني سقطة قال الله تعالى: {أية : فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } تفسير : [الحج: 36] يعني سقطت، فثبت أن الفرض عبارة عن الحز والقطع، وأن الوجوب عبارة عن السقوط، ولا شك أن تأثير الحز والقطع أقوى وأكمل من تأثير السقوط. فلهذا السبب خصص أصحاب أبي حنيفة لفظة الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع، ولفظ الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون. إذا عرفت هذا فنقول: هذا الذي قرروه يقضي عليهم بأن الآية ما تناولت ذوي الأرحام لأن توريث ذوي الأرحام ليس من باب ما عرف بدليل قاطع باجماع الأمة، فلم يكن توريثهم فرضاً، والآية إنما تناولت التوريث المفروض، فلزم القطع بأن هذه الآية ما تناولت ذوي الأرحام، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى ـ لما ذكر الله تعالى أمر اليتامى وصله بذكر المواريث. ونزلت الآية في أوس بن ثابت الأنصاري، توفي وترك امرأة يقال لها: أمّ كُجَّة وثلاث بنات له منها؛ فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصِياه يقال لهما: سُويْد وعرْفَجَة؛ فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته وبناته شيئاً، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكراً، ويقولون: لا يُعطَى إلا من قاتل على ظهور الخيل، وطاعن بالرمح، وضارب بالسيف، وحاز الغنيمة. فذكرت أمّ كُجّة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما، فقالا: يا رسول الله، ولدها لا يركب فرساً، ولا يحمل كَلاًّ ولا يَنْكَأُ عدوّا. فقال عليه السلام: « حديث : انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن » تفسير : . فأنزل الله هذه الآية ردّا عليهم، وإبطالاً لقولهم وتصرفهم بجهلهم؛ فإن الورثة الصغار كان ينبغي أن يكونوا أحق بالمال من الكبار، لعدم تصرفهم والنظر في مصالحهم، فعكسوا الحكم، وأبطلوا الحِكمة فضلوا بأهوائهم، وأخطئوا في آرائهم وتصرفاتهم. الثانية ـ قال علماؤنا: في هذه الآية فوائد ثلاث: إحداهاـ بيان علة الميراث وهي القرابة. الثانية ـ عموم القرابة كيفما تصرّفت من قريب أو بعيد. الثالثة ـ إجمال النصيب المفروض. وذلك مبين في آية المواريث؛ فكان في هذه الآية توطئة للحكم، وإبطال لذلك الرأي الفاسد حتى وقع البيان الشافي. الثالثة ـ ثبت أن أبا طلحة لما تصدق بماله ـ بَئرَحَاء ـ وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال له: « حديث : اجعلها في فقراء أقاربك » تفسير : فجعلها لحسّان وأبي. قال أنس: وكانا أقرب إليه منِّي. قال أبو داود: بلغني عن محمد بن عبدالله الأنصاري أنه قال: أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي ابن عمرو بن مالك بن النجار. وحسّان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان في الأب الثالث وهو حرام. وأبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار. قال الأنصاري؛ بين أبي طلحة وأبي ستة آباء. قال: وعمرو بن مالك يجمع حسان وأبيّ بن كعب وأبا طلحة. قال أبو عمر في هذا ما يقضي على القرابة أنها ما كانت في هذا القُعْدُدِ ونحوه، وما كان دونه فهو أحرى أن يلحقه اسم القرابة. الرابعة ـ قوله تعالى: {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} أثبت الله تعالى للبنات نصيباً في الميراث ولم يبين كم هو؛ فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سُوَيد وعَرْفَجة ألاّ يفرّقا من مال أَوسٍ شيئاً؛ فإن الله جعل لبناته نصيباً ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل ربنا. فنزلت { أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ } تفسير : [النساء: 11] إلى قوله تعالى { أية : ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } تفسير : [النساء: 13] فأرسل إليهما « حديث : أن أعطيا أم كُجَّة الثُّمن مما ترك أَوسٌ ولبناته الثلثين، ولكما بقية المال ». تفسير : الخامسة ـ استدل علماؤنا بهذه الآية في قسمة المتروك على الفرائض إذا كان فيه تغيير عن حاله، كالحمام والبيت وبَيْدر الزيتون والدار التي تبطل منافعها بإقرار أهل السهام فيها. فقال مالك: يقسم ذلك وإن لم يكن في نصيب أحدهم ما ينتفع به؛ لقوله تعالى: {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً}. وهو قول ابن كنانة، وبه قال الشافعي، ونحوه قول أبي حنيفة. قال أبو حنيفة: في الدار الصغيرة. بين اثنين فطلب أحدهما القسمة وأبي صاحبه قُسمتْ له. وقال ابن أبي ليلى: إن كان فيهم من لا ينتفع بما يقسم له فلا يقسم. وكل قسم يدخل فيه الضرر على أحدهما دون الآخر فإنه لا يقسم، وهو قول أبي ثَوْر. قال ابن المنذر: وهو أصح القولين. ورواه ابن القاسم عن مالك فيما ذكر ابن العربي. قال ابن القاسم؛ وأنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والحمّامات، وفي قسمته الضرر ولا ينتفع به إذا قسم، أن يباع ولا شفعة فيه؛ لقوله عليه السلام: « حديث : الشفعة في كل ما لا يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة » تفسير : . فجعل عليه السلام الشفعة في كل ما يتأتى فيه إيقاعُ الحدود، وعلقّ الشفعة فيما لم يُقسم مما يمكن إيقاع الحدود فيه. هذا دليل الحديث. قلت: ومن الحجة لهذا القول ما خرّجه الدارقطني من حديث ابن جريج أخبرني صديق بن موسى عن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : لا تَعْضِيَة على أهل الميراث إلا ما حمل القَسْم » تفسير : . قال أبو عبيد: هو أن يموت الرجل ويدع شيئاً إن قسم بين ورثته كان في ذلك ضرر على جميعهم أو على بعضهم. يقول: فلا يقسم: وذلك مثل الجَوْهَرة والحمّام والطّيْلسَان وما أشبه ذلك. والتعِضيَةُ التفريق؛ يقال: عضيت الشيء إذا فرقته. ومنه قوله تعالى؛ { أية : ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } تفسير : [الحجر: 91] وقال تعالى: { أية : غَيْرَ مُضَآرٍّ } تفسير : [النساء: 12] فنفى المضارة. وكذلك قال عليه السلام: « حديث : لا ضرر ولا ضرار » تفسير : . وأيضاً فإن الآية ليس فيها تعرّض للقسمة، وإنما اقتضت الآية وجوب الحَظِّ والنصيب للصغير والكبير قليلاً كان أو كثيراً، رداً على الجاهلية فقال: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ} {وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ} وهذا ظاهر جداً. فأما إبراز ذلك النصيب فإنما يؤخذ من دليل آخر؛ وذلك بأن يقول الوارث: قد وجب لي نصيب بقول الله عز وجل فمكِّنوني منه؛ فيقول له شريكه: أما تمكينك على الاختصاص فلا يمكن؛ لأنه يؤدي إلى ضرر بيني وبينك من إفساد المال، وتغيير الهيئة، وتنقيص القيمة؛ فيقع الترجيح. والأظهر سقوط القسمة فيما يبطل المنفعة وينقص المال مع ما ذكرناه من الدّليل. والله الموفق. قال الفرّاء؛ {نَصِيباً مَّفْرُوضاً} هو كقولك؛ قسماً واجباً، وحقا لازما؛ فهو اسم في معنى المصدر فلهذا انتصب. الزجاج: انتصب على الحال. أي لهؤلاء أنصِباء في حال الفرض. الأخفش: أي جعل الله ذلك لهم نصيباً. والمفروض؛ المقدّر الواحب.
ابن كثير
تفسير : قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئاً، فأنزل الله: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ} الآية، أي: الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم بما يدلي به إلى الميت من قرابة، أو زوجية، أو ولاء، فإنه لحمة كلحمة النسب. وقد روى ابن مردويه من طريق ابن هراسة عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: جاءت أم كُجَّة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن لي ابنتين، قد مات أبوهما، وليس لهما شيء، فأنزل الله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ} الآية، وسيأتي هذا الحديث عند آيتي الميراث بسياق آخر، والله أعلم. وقوله: {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ} الآية، قيل: المراد: وإذا حضر قسمة الميراث ذوو القربى ممن ليس بوارث {وَالْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ}، فليرضخ لهم من التركة نصيب، وأن ذلك كان واجباً في ابتداء الاسلام، وقيل: يستحب. واختلفوا هل هو منسوخ أم لا؟ على قولين، فقال البخاري: حدثنا أحمد بن حميد، أخبرنا عُبيد الله الأشجعي، عن سفيان، عن الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس: {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينُ}. قال: هي محكمة، وليست بمنسوخة. تابعه سعيد عن ابن عباس. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: هي قائمة يعمل بها. وقال الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية، قال: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم. وهكذا روي عن ابن مسعود وأبي موسى وعبد الرحمن بن أبي بكر وأبي العالية والشعبي والحسن. وقال ابن سيرين وسعيد بن جبير ومكحول وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح والزهري ويحيى بن يعمر: إنها واجبة. وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن ابن سيرين قال: ولي عبيدة وصية، فأمر بشاة فذبحت، فأطعم أصحاب هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية، لكان هذا من مالي. وقال مالك فيما يروى عنه من التفسير في جزء مجموع: عن الزهري: أن عروة أعطى من مال مصعب حين قسم ماله، وقال الزهري: هي محكمة. وقال مالك: عن عبد الكريم، عن مجاهد قال: هي حق واجب ما طابت به الأنفس. ذكر من ذهب إلى أن ذلك أمر بالوصية لهم قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة: أن أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، والقاسم بن محمد، أخبراه: أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قسم ميراث أبيه عبد الرحمن، وعائشة حية، قالا: فلم يدع في الدار مسكيناً، ولا ذا قرابة، إلا أعطاه من ميراث أبيه، قالا: وتلا: {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ}، قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: ما أصاب، ليس ذلك له، إنما ذلك إلى الوصية، وإنما هذه الآية في الوصية، يريد: الميت يوصي لهم، رواه ابن أبي حاتم. ذكر من قال: أن هذه الآية منسوخة بالكلية قال سفيان الثوري: عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما: {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ} قال: منسوخة، وقال إسماعيل بن مسلم المكي: عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، قال في هذه الآية: {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ} نسختها الآية التي بعدها: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىۤ أَوْلَـٰدِكُمْ} تفسير : [آل عمران: 10]. وقال العوفي: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه الآية: {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ} كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، فأنزل الله بعد ذلك الفرائض، فأعطى كل ذي حق حقه، فجعلت الصدقة فيما سمى المتوفى، رواهن ابن مردويه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينُ} نسختها آية الميراث، فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر. وحدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا سعيد بن عامر عن همام، حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: إنها منسوخة، كانت قبل الفرائض، كان ما ترك الرجل من مال، أعطى منه اليتيم والفقير والمسكين وذوي القربى إذا حضروا القسمة، ثم نسخ بعد ذلك، نسختها المواريث، فألحق الله بكل ذي حق حقه، وصارت الوصية من ماله، يوصي بها لذوي قرابته حيث شاء. وقال مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: هي منسوخة، نسختها المواريث والوصية. وهكذا روي عن عكرمة وأبي الشعثاء والقاسم بن محمد وأبي صالح وأبي مالك وزيد بن أسلم والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وربيعة بن أبي عبد الرحمن أنهم قالوا: إنها منسوخة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم، وقد اختار ابن جرير ههنا قولاً غريباً جداً، وحاصله أن معنى الآية عنده {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ} أي: وإذا حضر قسمة مال الوصية أولو قرابة الميت {فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ وَقُولُواْ} لليتامى والمساكين إذا حضروا {قَوْلاً مَّعْرُوفًا} هذا مضمون ما حاوله بعد طول العبارة والتكرار، وفيه نظر، والله أعلم. وقال العوفي عن ابن عباس: {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ} هي قسمة الميراث، وهكذا قال غير واحد، والمعنى على هذا لا على ما سلكه ابن جرير رحمه الله، بل المعنى: أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون، واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتوق إلى شيء منه إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ، وهم يائسون، لا شيء يعطونه، فأمر الله تعالى، وهو الرؤوف الرحيم، أن يرضخ لهم شيء من الوسط، يكون براً بهم، وصدقة عليهم، وإحساناً إليهم، وجبراً لكسرهم؛ كما قال الله تعالى: {أية : كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} تفسير : [الأنعام: 141] وذم الذين ينقلون المال خفية خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة؛ كما أخبر عن أصحاب الجنة: {إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} أي: بليل. وقال: {أية : فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَـٰفَتُونَ أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ } تفسير : [القلم: 23 ــــ 24] فـ {أية : دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَـٰفِرِينَ أَمْثَالُهَا} تفسير : [محمد: 10] فمن جحد حق الله عليه، عاقبه في أعز ما يملكه، ولهذا جاء في الحديث: «حديث : ما خالطت الصدقة مالاً إلا أفسدته» تفسير : أي: منعها يكون سبب محق ذلك المال بالكلية، وقوله تعالى: {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} الآية. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه رجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوقفه ويسدده للصواب، فينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة، وهكذا قال مجاهد وغير واحد، وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده، قال: يا رسول الله، إني ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال «حديث : لا»تفسير : . قال: فالشطر؟ قال «حديث : لا»تفسير : . قال: فالثلث؟ قال: «حديث : الثلث، والثلث كثير»تفسير : . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» تفسير : وفي الصحيح عن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الثلث، والثلث كثير» تفسير : قال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء، استحب للميت أن يستوفي في وصيته الثلث، وإن كانوا فقراء، استحب أن ينقص الثلث، وقيل: المراد بالآية فليتقوا الله في مباشرة أموال اليتامى، {أية : وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً} تفسير : [النساء: 6]، حكاه ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس، وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلماً، أي: كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك، فعامل الناس في ذراريهم إذا وليتهم، ثم أعلمهم أن من أكل أموال اليتامى ظلماً، فإنما يأكل في بطنه ناراً؛ ولهذا قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب، فإنما يأكلون ناراً تتأجج في بطونهم يوم القيامة. وفي الصحيحين من حديث سليمان بن بلال عن ثور بن زيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اجتنبوا السبع الموبقات» تفسير : قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «حديث : الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة، أخبرنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العَمي، حدثنا أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا: يا رسول الله، ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال: «حديث : انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير. رجال كل رجل منهم له مشفران كمشفري البعير، وهو موكل بهم رجال يفكون لحاء أحدهم، ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف في فيِّ أحدهم حتى يخرج من أسفله، ولهم جؤار وصراخ، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً، إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً» تفسير : . وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة، ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه، يعرفه كل من رآه بأكل مال اليتيم. وقال ابن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا زياد بن المنذر عن نافع بن الحارث، عن أبي برزة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً» تفسير : قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: «حديث : ألم تر أن الله قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً} الآية»تفسير : ، رواه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة، عن عقبة بن مكرم، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أحمد بن علي بن المثنى عن عقبة بن مكرم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عامر العبدي، حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري، عن عثمان بن محمد، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أحرج مال الضعيفين: المرأة واليتيم» تفسير : أي: أوصيكم باجتناب مالهما، وتقدم في سورة البقرة من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما نزلت: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً} الآية، انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {أية : وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} تفسير : [البقرة: 220] الآية، قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل ردًّا لِما كان عليه الجاهلية من عدم توريث النساء والصغار {لّلرّجَالِ } الأولاد والأقرباء {نَّصِيبٌ } حظٌّ {مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ } المتوفون {وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ } أي المال {أَوْ كَثُرَ } جعله الله {نَصِيباً مَّفْرُوضاً } مقطوعاً بتسليمه إليهم.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه حكم أموال اليتامى، وصله بأحكام المواريث، وكيفية قسمتها بين الورثة. وأفرد سبحانه ذكر النساء بعد ذكر الرجال، ولم يقل للرجال والنساء نصيب، للإيذان بأصالتهنّ في هذا الحكم، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء، وفي ذكر القرابة بيان لعلة الميراث مع التعميم لما يصدق عليه مسمى القرابة من دون تخصيص. وقوله: {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ } بدل من قوله: {مّمَّا تَرَكَ } بإعادة الجار، والضمير في قوله: {مِنْهُ } راجع إلى المبدل منه. وقوله: {نَصِيباً } منتصب على الحال، أو على المصدرية، أو على الاختصاص، وسيأتي ذكر السبب في نزول هذه الآية إن شاء الله، وقد أجمل الله سبحانه في هذه المواضع قدر النصيب المفروض، ثم أنزل قوله: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ } تفسير : [النساء: 11] فبين ميراث كل فرد. قوله: {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ } المراد بالقرابة هنا: غير الوارثين، وكذا اليتامى، والمساكين، شرع الله سبحانه أنهم إذا حضروا قسمة التركة كان لهم منها رزق، فيرضخ لهم المتقاسمون شيئاً منها. وقد ذهب قوم إلى أن الآية محكمة، وأن الأمر للندب. وذهب آخرون إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ } تفسير : [النساء: 11] والأوّل أرجح، لأن المذكور في الآية للقرابة غير الوارثين ليس هو من جملة الميراث حتى يقال إنها منسوخة بآية المواريث، إلا أن يقولوا إن أولى القربى المذكورين هنا هم الوارثون كان للنسخ وجه. وقالت طائفة: إن هذا الرضخ لغير الوارث من القرابة واجب بمقدار ما تطيب به أنفس الورثة، وهو معنى الأمر الحقيقي، فلا يصار إلى الندب إلا لقرينة، والضمير في قوله: {مِنْهُ } راجع إلى المال المقسوم المدلول عليه بالقسمة، وقيل: راجع إلى ما ترك. والقول المعروف: هو القول الجميل الذي ليس فيه منّ بما صار إليهم من الرضخ ولا أذى. قوله: {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ } هم الأوصياء، كما ذهب إليه طائفة من المفسرين، وفيه وعظ لهم بأن يفعلوا باليتامى الذين في حجورهم ما يحبون أن يفعل بأولادهم من بعدهم. وقالت طائفة: المراد جميع الناس أمروا باتقاء الله في الأيتام، وأولاد الناس، وإن لم يكونوا في حجورهم؛ وقال آخرون: إن المراد بهم: من يحضر الميت عند موته، أمروا بتقوى الله، بأن يقولوا للمحتضر قولاً سديداً من إرشادهم إلى التخلص عن حقوق الله، وحقوق بني آدم، وإلى الوصية بالقرب المقرّبة إلى الله سبحانه، وإلى ترك التبذير بماله، وإحرام ورثته، كما يخشون على ورثتهم من بعدهم لو تركوهم، فقراء عالة يتكففون الناس وقال ابن عطية: الناس صنفان يصلح لأحدهما أن يقال له عند موته ما لا يصلح للآخر، وذلك أن الرجل إذا ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية، ويحمل على أن يقدّم لنفسه، وإذا ترك ورثة ضعفاء مفلسين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط، فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين. قال القرطبي: وهذا التفصيل صحيح. قوله: {لَوْ تَرَكُواْ } صلة الموصول، والفاء في قوله: {فَلْيَتَّقُواّ } لترتيب ما بعدها على ما قبلها. والمعنى: وليخش الذين صفتهم، وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافاً، وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم، وكاسبهم، ثم أمرهم بتقوى الله، والقول السديد للمحتضرين، أو لأولادهم من بعدهم على ما سبق. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ } استئناف يتضمن النهي عن ظلم الأيتام من الأولياء، والأوصياء، وانتصاب قوله: {ظُلْماً } على المصدرية، أي: أكل ظلم، أو على الحالية، أي: ظالمين لهم. وقوله: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } أي: ما يكون سبباً للنار، تعبيراً بالمسبب عن السبب، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية. وقوله: {وَسَيَصْلَوْنَ } قراءة عاصم، وابن عامر بضم الياء على ما لم يسم فاعله. وقرأ أبو حيوة بضم الياء، وفتح الصاد، وتشديد اللام من التصلية بكثرة الفعل مرة بعد أخرى. وقرأ الباقون بفتح الياء من صلى النار يصلاها، والصلى هو: التسخن بقرب النار، أو مباشرتها، ومنه قول الحارث بن عباد:شعر : لم أكن من جناتها علم اللـ ـه وإني لحرّها اليوم صالي تفسير : والسعير: الجمر المشتعل. وقد أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات، ولا الصغار حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار يقال له: أوس بن ثابت، وترك ابنتين، وابناً صغيراً، فجاء ابنا عمه، وهما عصبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذا ميراثه كله، فجاءت امرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية، فأرسل إليهما رسول الله فقال: "حديث : لا تحركا من الميراث شيئاً، فإنه قد أنزل عليّ شيء احترت فيه أن للذكر، والأنثى نصيباً"تفسير : ، ثم نزل بعد ذلك: {أية : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاء }تفسير : [النساء: 127]، ثم نزل: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ } تفسير : [النساء: 11] فدعا بالميراث، فأعطى المرأة الثمن، وقسم ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة في الآية قال: نزلت في أم كلثوم ابنة أم كحلة، أو أم كجَّة، وثعلبة بن أوس، وسويد، وهم من الأنصار، كان أحدهم زوجها، والآخر عم ولدها، فقالت: يا رسول الله توفي زوجي، وتركني وابنته، فلم نورث من ماله، فقال عمّ ولدها: يا رسول الله لا يركب فرساً، ولا ينكى عدواً ويكسب عليها، ولا يكتسب، فنزلت. وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ } قال: هي محكمة، وليست بمنسوخة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن خطاب بن عبد الله في هذه الآية قال: قضى بها أبو موسى. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في الآية قال: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، عن الحسن، والزهري قالا: هي محكمة ما طابت به أنفسهم. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، والحاكم وصححه، عن ابن عباس قال: يرضخ لهم فإن كان في ماله تقصير اعتذر إليهم، فهو قولاً معروفاً. وأخرج ابن المنذر، عن عائشة أنها لم تنسخ. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم: أن هذه الآية منسوخة بآية الميراث. وأخرج أبو داود في ناسخه، وعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب قال: هي منسوخة. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير قال: إن كانوا كباراً يرضخوا، وإن كانوا صغاراً اعتذروا إليهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه في قوله: {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ } قال: هذا في الرجل يحضر الرجل عند موته، فيسمعه يوصي وصية تضرّ بورثته، فأمر الله الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوفقه، ويسدده للصواب، ولينظر لورثته، كما يحب أن يصنع لورثته إذا خشي عليهم الضيعة. وقد روي نحو هذا من طرق. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو يعلى، والطبراني، وابن حبان في صحيحه، وابن أبي حاتم، عن أبي برزة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً، تفسير : فقيل: يا رسول الله من هم؟ قال: حديث : ألم تر أن الله يقول: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً }"تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الخدري، قال: حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسرى به قال: «حديث : نظرت فإذا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار، فيقذف في فيّ أحدهم حتى يخرج من أسافلهم، ولهم جؤار، وصراخ، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء: {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً }»تفسير : . وأخرج ابن جرير، عن زيد بن أسلم قال: هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم، ويأكلون أموالهم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَاِلدَانِ والأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ} وسبب نزول هذه الآية، في الجاهلية كانواْ يُوَرِّثُونَ الذكور دون الإناث، فروى ابن جريج عن عكرمة قال: نزلت في لأم كُجَّة وبناتها وثعلبة وأوس بن سويد وهم من الأنصار، وكان أحدهما زوجها والآخر عم ولدها، فقالت: يا رسول الله توفي زوجي وتركني وبنيه ولم نُورَّث، فقال عم ولدها: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلاُّ، ولا ينكأ عدواً يكسب عليها ولا تكسب، فنزلت هذه الآية. {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمُ مِّنْهُ} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها ثابتة الحكم. قال سعيد بن جبير: هما وليان، أحدهما يرث وهو الذي أمر أن يرزقهم أي يعطيهم، والآخر لا يرث وهو الذي أُمر أن يقول لهم قولاً معروفاً، وبإثبات حكمها قال ابن عباس، ومجاهد، والشعبي، والحسن، والزهري. ورُوْي عن عبيدة أنه وَليَ وصية فأمر بشاة فذبحت، وصنع طعاماً لأجل هذه الآية وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي. والقول الثاني: أنها منسوخة بآية المواريث، وهذا قول قتادة، وسعيد بن المسيب، وأبي مالك، والفقهاء. والثالث: أن المراد بها وصية الميت التي وصَّى بها أن تفرق فِيْمَنْ ذُكِرَ وفِيمَنْ حَضَرَ، وهو قول عائشة. فيكون ثبوت حكمها على غير الوجه الأول. واختلف مَنْ قال: بثبوت حكمها على الوجه الأول في الوارث إذا كان صغيراً هل يجب على وليَّه إخراجها من سهمه على قولين: أحدهما: يجب، وهو قول ابن عباس، وسعيد، ويقول الولي لهم قولاً معروفاً. والثاني: أنه حق واجب في أموال الصغار على الأولياء، وهو قول عبيدة، والحسن. {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} فيه قولان: أحدهما: أنه خطاب للورثة وأوليائهم أن يقولوا لمن حضر من أولي القربى، واليتامى، والمساكين قولاً معروفاً عند إعطائهم المال، وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير. والثاني: خطاب للآخرين أن يقولوا للدافعين من الورثة قولاً معروفاً، وهو الدعاء لهم بالرزق والغنى. {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ اللهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن معناه وليحذر الذين يحضرون مَّيتاً يوصي في ماله أن يأمروه بتفريق ماله وصية فيمن لا يرثه ولكن ليأمروه أن يبقى ماله لولده، كما لو كان هو الموصي لآثر أن يبقة ماله لولده، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والسدي. والثاني: أن معناه وليحذر الذين يحضرون الميت وهو يوصي أن ينهوه عن الوصية لأقربائه، وأن يأمره بإمساك ماله والتحفظ به لولده، وهم لو كانوا من أقرباء الموصى لآثروا أن يوصي لهم، وهو قول مقسم، وسليمان بن المعتمر. والثالث: أن ذلك أمر من الله تعالى لِوُلاَةِ الأيتام، أن يلوهم بالإحسان إليهم في أنفسهم وأموالهم، كما يحبون أن يكون ولاة أولادهم الصغار من بعدهم في الإحسان إليهم لو ماتوا وترمواْ أولادهم يتامى صغاراً، وهو مروي عن ابن عباس. والرابع: أن من خشي على ذريته من بعده، وأحب أن يكف الله عنهم الأذى بعد موته، فليتقوا الله وليقولا قولاً سديداً، وهو قول أبي بشر بن الديلمي. {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} عبر عن الأخذ بالأكل لأنه مقصود الأخذ. {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِم نَاراً} فيه قولان: أحدهما: يعني انهم يصيرون به إلى النار. والثاني: أنه تمتلىء بها بطونهم عقاباً يوجب النار. {وَسَيَصْلَونَ سَعِيراً} الصلاء لزوم النار، والسعير إسعار النار، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} تفسير : [التكوير:12].
ابن عطية
تفسير : سمى الله عز وجل الأب والداً لأن الولد منه ومن الوالدة، كما قال الشاعر: [الرجز] شعر : بِحَيْثُ يَعْتشُّ الغُرَابُ البَائِضُ تفسير : لأن البيض من الأنثى والذكر، قال قتادة وعكرمة وابن زيد: وسبب هذه الآية، أن العرب كان منها من لا يورث النساء ويقول: لا يرث إلا من طاعن بالرمح وقاتل بالسيف فنزلت هذه الاية، قال عكرمة: سببها خبر أم كحلة، مات زوجها وهو أوس بن سويد وترك لها بنتاً فذهب عم بنيها إلى أن لا ترث فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال العم: هي يا رسول الله لا تقاتل ولا تحمل كلاً ويكسب عليها ولا تكسب، واسم العم ثعلبة فيما ذكره. و {نصيباً مفروضاً} ، نصب على الحال، كذا قال مكي، وإنما هو اسم نصب كما ينصب المصدر في موضع الحال، تقديره: فرضاً لذلك جاز نصبه، كما تقول: لك عليَّ كذا وكذا حقاً واجباً، ولولا معنى المصدر الذي فيه ما جاز في الاسم الذي ليس بمصدر هذا النصب، ولكان حقه الرفع. وقوله: {وإذا حضر القسمة} الآية، اختلف المتأولون فيمن خوطب بهذه الآية على قولين: أحدهما أنها مخاطبة للوارثين، والمعنى: إذا حضر قسمتكم لمال موروثكم هذه الأصناف الثلاثة، {فارزقوهم منه} ثم اختلف قائلو هذا القول، فقال سعيد بن المسيب وأبو مالك والضحاك وابن عباس فيما حكى عنه المهدوي: نسخ ذلك بآية المواريث. وكانت هذه قسمة قبل المواريث، فأعطى الله بعد ذلك كل ذي حق حقه، وجعلت الوصية للذين يحزنون ولا يرثون، وقال ابن عباس والشعبي ومجاهد وابن جبير: ذلك محكم لم ينسخ، وقال ابن جبير: وقد ضيع الناس هذه الآية، قال الحسن: ولكن الناس شحوا، وامتثل ذلك جماعة من التابعين، عروة بن الزبير وغيره، وأمر به أبو موسى الأشعري، واختلف القائلون بأحكامها، فقالت فرق: ذلك على جهة الفرض والوجوب أن يعطى الورثة لهذه الأصناف ما تفه وطابت به نفوسهم، كالماعون والثوب الخلق، وما خف كالتابوت، وما تعذر قسمه، وقال ابن جبير والحسن: ذلك على جهة الندب، فمن تركه فلا حرج عليه، واختلف في هذا القول إذا كان الوراث صغيراً لا يتصرف في ماله، فقال سعيد بن جبير وغيره، هذا على وجه المعروف فقط يقوله ولي الوارث دون عطاء ينفذ، وقالت فرقة: بل يعطي ولي الوراث الصغير من مال محجوره بقدر ما يرى، والقول الثاني فيمن خوطب بها: إن الخطاب للمحتضرين الذين يقسمون أموالهم بالوصية، فالمعنى: إذا حضركم الموت أيها المؤمنون، وقسمتم أموالكم بالوصية, وحضركم من لا يرث من ذي القرابة واليتامى فارزقوهم منه, قال ابن عباس وسعيد بن المسيب وابن زيد قال: كانوا يقولون للوصي: فلان يقسم ماله، ومعنى "حضر": شهد، إلا أن الصفة بالضعف واليتم والمسكنة تقضي أن ذلك هو علة الرزق، فحيث وجدت رزقوا وإن لم يحضروا القسمة، و {أولو} : اسم جمع لا واحد له من لفظه، ولا يكون إلا مضافاً للإبهام الذي فيه، وربما كان واحده من غير لفظه: ذو، واليتم: الانفراد واليتيم: الفرد، وكذلك سمي من فقد أباه يتيماً لانفراده، ورأى عبيدة ومحمد بن سيرين أن الرزق في هذه الآية، أن يصنع لهم طعام يأكلونه، وفعلا ذلك، ذبحا شاة من التركة، والضمير في قوله: {فارزقوهم} وفي قوله: {لهم} عائد على الأصناف الثلاثة، وغير ذلك من تفريق عود الضميرين كما ذهب إليه الطبري حكم - والقول المعروف: كل ما يؤنس به من دعاء أو عدة أو غير ذلك. وقوله {وليخش} جزم بلام الأمر، ولا يجوز إضمار هذه اللام عند سيبويه، قياساً على حروف الجر، إلا في ضرورة شعر، ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ إذا مَا خِفْتَ مِنْ أمْرٍ تَبَالاً تفسير : وقرأ أبو حيوة وعيسى بن عمر والحسن والزهري: بكسر لامات الأمر في هذه الآية، وقد تقدم الكلام على لفظ {ذرية} في سورة آل عمران، ومفعول يخشى محذوف لدلالة الكلام عليه، وحسن حذفه من حيث يتقدر فيه التخويف بالله تعالى. والتخويف بالعاقبة في الدنيا، فينظر كل متأول بحسب الأهم في نفسه، وقرأ أبو عبد الرحمن وأبو حيوة والزهري وابن محيصن وعائشة: " ضُعفاء" بالمد وضم الضاد، وروي عن ابن محيصن " ضُعُفاً" بضم الضاد والعين وتنوين الفاء، وأمال حمزة {ضعافاً} وأمال - {خافوا} ، والداعي إلى إمالة {خافوا} الكسرة التي في الماضي في قولك: خفت, ليدل عليها, و {خافوا} جواب {لو}, تقديره: لو تركوا لخافوا, ويجوز حذف اللام في جواب - لو - تقول - لو قام زيد لقام عمرو، ولو قام زيد قام عمرو، واختلف مَن المراد بهذه الآية؟ فقال ابن عباس وقتادة والسدي وابن جبير والضحاك ومجاهد: المراد من حضر ميتاً حين يوصي فيقول له: قدم لنفسك وأعط فلان وفلانة ويؤذي الورثة بذلك، فكأن الآية تقول لهم: كما كنتم تخشون على ورثتكم وذريتكم بعدكم، فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم وذريته، ولا تحملوه على تبذير ماله وتركهم عالة. وقال مقسم وحضرمي: نزلت في عكس ذلك، وهو أن يقول للمحتضر: أمسك على ورثتك وأبق لولدك، وينهاه عن الوصية فيضر بذلك ذوي القربى، وكل من يستحق أن يوصي له، فقيل لهم: كما كنتم تخشون على ذريتكم وتسرون بأن يحسن إليهم، فكذلك فسددوا القول في جهة المساكين واليتامى، واتقوا الله في ضرهم. قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان لا يطرد واحد منهما في كل الناس، بل الناس صنفان يصلح لأحدهما القول الواحد، وللآخر القول الثاني، وذلك أن الرجل إذا ترك ورثة مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية، ويحمل على أن يقدم لنفسه، وإذا ترك ورثة ضعفاء مقلين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين، فالمراعى إنما هو الضعف، فيجب أن يمال معه، وقال ابن عباس أيضاً: المراد بالآية ولاة الأيتام، فالمعنى: أحسنوا إليهم وسددوا القول لهم، واتقوا الله في أكل أموالهم كما تخافون على ذريتكم أن يفعل بهم خلاف ذلك، وقالت فرقة: بل المراد جميع الناس، فالمعنى: أمرهم باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس وإن لم يكونوا في حجورهم، وأن يسددوا لهم القول كما يريد كل أحد أن يفعل بولده بعده، ومن هذا ما حكاه الشيباني قال: كنا على قسطنطينة في عسكر مسلمة بن عبد الملك، فجلسنا يوماً في جماعة من أهل العلم فيهم الديلمي فتذاكروا ما يكون من أهوال آخر الزمان، فقلت له: يا أبا بسر ودي أن لا يكون لي ولد، فقال لي: ما عليك، ما من نسمة قضى الله بخروجها من رجل إلا خرجت أحب أم كره، ولكن إن أردت أن تأمن عليهم فاتق الله في غيرهم، ثم تلا هذه الآية، " والسديد" معناه: المصيب للحق، ومنه قول الشاعر: شعر : أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني تفسير : معناه لما وافق الأغراض التي يرمي إليها.
ابن عبد السلام
تفسير : {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ} نزلت بسبب أن الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الإناث.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} نزلت هذه الآية في أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك امرأته ويقال لها أم كحة وثلاث بنات منها فقام رجلان هما ابن عم الميت ووصياه يقال لهما سويد وعرفجة فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً من ماله. وذلك أنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير من الذكور وإنما يورثون الرجال يقولون لا يعطى الإرث إلاّ من قاتل وحاز الغنيمة وحمى الحوزة فجاءت أم كحة امرأة أوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله مات أوس بن ثابت وترك ثلاثة بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناته منه شيئاً وهن في حجري ولا يطعمن ولا يسقين فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله إن ولدها لا يركبن فرساً ولا يحملن كلأ ولا ينكبن عدواً فأنزل الله هذه الآية وبين أن الإرث ليس مختصاً بالرجال بل هو أمر يشترك فيه الرجال والنساء. فقال تعالى للرجال يعني الذكور من أولاد الميت وعصبته نصيب أي حظ مما ترك الوالدن والأقربون يعني من لميراث {وللنساء نصيب} يعني وللإناث من أولاد الميت حظ {مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر} يعني من المال المخلف عن الميت {نصيباً مفروضاً} يعني معلوماً والفرض ما فرضه الله تعالى وهو آكد من الواجب فلما نزلت هذه الآية مجملة ولم يبين كم هو النصيب أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة لا تفرقا من المال شيئاً فإن الله تعالى قد جعل لبناته نصيباً مما ترك ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل فيهن فأنزل الله تعالى: {أية : يوصيكم الله في أولادكم}تفسير : [النساء: 11] الآية فلما نزلت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة أن ادفعا إلى أم كحة الثمن مما ترك وإلى بناته الثلثين ولكما باقي المال.
ابن عادل
تفسير : لما ذَكَرَ تعالى أمر اليتامى، وصله بذكر المواريثِ، وهذا هو النَّوْع الرَّابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة، ويكون ما يتعلق بالمواريث. قال ابن عباس: سبب نزول هذه الآية حديث : أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة، فجاء رجلان من بَنِي عمّه وهما وصيّان له يقال لهما: سُوَيدٌ وعَرْفجَة فأخذا ماله، ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً وكانوا في الجاهليَّةِ لا يورثون النِّساء ولا الصغار، وإنْ كان الصغير ذكراً إنما كانوا يورثون الرِّجال، ويقولون لا يعطى إلا من قاتل، وطاعن بالرُّمح، وحاز القسمة وذبَّ عن الحَوْزَةِ، فجأت أمُّ كُحّة فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات، وترك عليَّ بنات، وأنا امرأته ليس عندي ما أنفق عليهن وقد ترك أبوهنّ مالاً حسناً، وهو عند سويد وعرْفجة، ولكم يعطياني ولا بناتي شيئاً وهن في حجري لا يطعمْنَ ولا يسقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ارجعي إلى بيتك حتى أنظر فيما يحدثُ اللَّه في أمرك". فدعاهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً، ولا يحمل كلاًّ، ولا يَنْكَأُ عَدُوّاً فأنزل الله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} يعني للذُّكور مما ترك أولاد الميِّت وأقربائه {نَصيِبٌ} حظّ {مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} من الميراث، {وَلِلنِّسَآءِ} نصيب، ولكنه تعالى لم يُبَيِّن المقدار في هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تُفَرِّقَا مِنْ مَالِ أوْسِ بْنِ ثَابِتْ شيئاً فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِبَنَاتِهِ نَصِيباً مِمَّا تَرَكَ، ولَمْ يبيِّن كَمْ هُوَ حَتَّى أنْظُر مَا يَنْزِلُ فِيهِنَّ" فأنزل اللَّهُ - عزّ وجلّ -: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سُوَيْدٍ وَعُرْفُجة أن ادفعا إلى أمّ كُحة الثمن وإلى بناته الثلثين، ولكما باقي المال، تفسير : فهذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية. بين الله تعالى أن للنِّسَاء حقاً في الميراث خلافاً لعادَةِ العرب في الجاهليَّةِ وذكره مُجْملاً أولاً ثم بَيَّنَهُ بعد ذلك على سبيل التدريج؛ لأنَّ النَّقل عن العادة يشق، فقال لهما: "ادفعا إليها نصيب بناتها الثُّلثين ولَكُمَا باقي المال". قوله: {مِّمَّا تَرَكَ} هذا الجارُّ في محل رفع؛ لأنه صفة للمرفوع قبله أيْ: نَصِيبٌ كائن أو مستقر، ويجوز أن يكون في محلّ نصبٍ متعلقاً بلفظ "نصيب" لأنه من تمامه. وقوله {مِمَّا قَلَّ} [و] في هذا الجارّ أيضاً وجهان: أحدهما: أنه بدل من "ما" الأخيرة في "مما ترك" بإعادة حرف الجرِّ في البدل، والضمير في "منه" عائد على "ما" الأخيرة، وهذا البدل مرادٌ أيضاً في الجملة الأولى حُذِفَ للدلالة عليه، ولأن المقصود بذلك التأكيد؛ لأنه تفصيلٌ للعموم المفهوم من قوله {مِّمَّا تَرَكَ} فجاء هذا البدل مفصّلا لحالتيه من الكثرة والقِلَّةِ. والثاني: أنه حال من الضَّمِيرِ المحذوف من "ترك" أي: مما تركه قليلاً، أو كثيراً، أو مستقراً مما قلّ. فصل قال القُرْطُبِيُّ: استدلّ علماؤنا بهذه الآية على قسم المتروك على الفرائض، فإن كانت القِسْمَةُ لغير المتروك عن حاله كالحمام الصّغير، والدّار التي تبطل منافعها بإقرار أهل السهام فيها فقال مالك: يقسم ذلك، وإن لم ينتفع أحدهم بنصيبه لقوله تعالى {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} [النساء: 7] وبه قال الشَّافعيُّ وأبو حنيفة. قال أبو حنيفة: في الدَّار الصَّغيرة يكون بين اثنين فطلب أحدهما القسمة، وأبى صَاحِبُه قُسمتْ له. وقال ابن أبي ليلى: إن كان فيهم من لا يَنْتَفِعُ بقسمه، فلا يقسم، وكل قسم يدخل فيه الضّرر على أحدهما، دون الآخر فإنَّه لا يقسم، وهو قول أبي ثَوْرٍ. وقال ابْنُ المُنْذِرِ: وهو أصحُّ القولين. قوله: {نَصِيباً مَّفْرُوضاً} فيه أوجه: أحدها: أن "نصيباً" ينتصب على أنَّهُ واقع موقع المصدر، والعامل فيه معنى ما تقدَّم إذ التَّقدير عطاءً أو استحقاقاً، وهذا معنى قول مَنْ يقول منصوب على المصدر المؤكد. قال الزَّمخشريُّ: كقوله: {أية : فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 11] كأنه قيل: قسمة مفروضة، وقد سَبَقه الفرَّاءُ إلى هذا، قال: نُصِبَ؛ لأنه أخرج مُخْرَجَ المَصْدَر؛ ولذلك وحّده كقولك: له عَليَّ كذا حقّاً لازماً، ونحوه {أية : فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 11]، ولو كان اسْماً صحيحاً لم ينصب، لا تقول: لك عليَّ حق درهماً. الثاني: أنَّه منصوبٌ على الحالِ ويُحتمل أن يكون صاحبُ الحال الفاعل في "قَلَّ" أو "كَثر"، ويُحتمل أن يكون "نَصِيب"، وإن كان نكرة لتخصّصه إمَّا بالوَصْفِ، وإمَّا بالعمل والعامل في الحال الاستقرار الَّذِي في قوله: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ}، وإلى نصبه حالاً ذهب الزَّجَّاج ومكيٌّ قالا: المعنى لهؤلاء أنْصِباء على ما ذكرناها في حالِ الفرض. الثالث: أنَّهُ منصوبٌ على الاختصاص بمعنى: أعني نَصِيباً، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قال أبو حيَّان: إن عنى الاخْتِصَاص المصطلَح عليه فهو مردود بكونه نكرةً، وقد نَصُّوا على اشتراط تعريفه. الرابع: النصب بإضمار فعل أي: أوجبت أو جُعِلَت لهم نصيباً. الخامس: أنه مصدر صريح أي نَصَبْتُهُ نَصِيباً. فصل دلالة الآية على توريث ذوي الأرحام قال أبُو بكرٍ الرازي: هذه الآية تَدُلُّ على توريث ذوي الأرْحَام: لأنَّ العمَّاتِ والأخوالَ، والخالاتِ، وأولادَ البنات من القربين، فوجب دُخُولُهُم تَحْتَ قوله {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} أقصى ما في الباب أنَّ قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية إلاَّ أنَّا نثبت كونهم مستحقين لأصل النَّصيب بهذه الآية، وَأَمَّا المقدار فنستفيده من سائر الدلائل. فصل معنى" مفروضاً" أي: مَقْطُوعاً واجباً وأصلُ الفرضِ: الحز والتأثير، ولذلك سُمِّيَ الحزّ الَّذي في سية القوس، فرضاً، والحزُّ الَّذي في القداح يسمَّى أيضاً فرضاً، وهو علامة لتميّز بينها وبين غيرها، والفرضة علامة في مقسم الماء يعرفُ بها كل ذي حقٍّ حقَّه من الشُّرْبِ، فهذا أصلُ الفرض في اللُّغَةِ، ولهذا سَمَّى أصحابُ أبي حنيفة الفرض [به] ما ثبت بدليل قَطْعِيٍّ، والواجب ما ثبت بدليل ظنيِّ، قالوا إنَّ الفرضَ عبارةٌ عن الحزّ والقطع، والواجب عبارة عن السقوط يقال: وَجَبَتِ الشَّمْسُ: إذا سَقَطَت وسمعتُ وجبةٌ يعني: سَقْطَة، قال تعالى: {أية : فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} تفسير : [الحج: 36] أي: سَقَطَتْ، وتأثير القَطْعِ أقوى من تأثير السُّقوط. قال ابن الخطيب: وهذا التقرير يقضي عليهم بأن الآية ما تناولت ذوي الأرحام [لأن توريث ذوي الأرحام ليس من باب ما عرف بدليل] قاطع بإجْمَاعِ الأمَّةِ، فلم يكن توريثهم فَرْضاً، والآية إنَّمَا تناولت التَّوريث المفروض فَلَزِمَ القَطْعُ بأنَّ هذه الآية ما تَنَاولت ذوي الأرْحَامِ.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر أموال اليتامى على حسب ما دعت إليه الحاجة واقتضاه التناسب إلى أن ختم بهذه الآية، كان كأن سائلاً سأل: من أين تكون أموالهم؛ فبين ذلك بطريق الإجمال بقوله تعالى: {للرجال} أي الذكور من أولاد الميت وأقربائه، ولعله عبر بذلك دون الذكور لأنهم كانوا لا يورثون الصغار، ويخصون الإرث بما عمر الديار، فنبه سبحانه على أن العلة النطفة {نصيب} أي منهم معلوم {مما ترك الوالدان والأقربون}. ولما كانوا لا يورثون النساء قال: {وللنساء نصيب} ولقصد التصريح للتأكيد قال موضع "مما تركوا": {مما ترك الوالدان والأقربون} مشيراً إلى أنه لا فرق بينهن وبين الرجال في القرب الذي هو سبب الإرث، ثم زاد الأمر تأكيداً وتصريحاً بقوله إبدالاً مما قبله بتكرير العامل: {مما قل منه أو كثر} ثم عرف بأن ذلك على وجه الحتم الذي لا بد منه، فقال مبيناً للاعتناء به بقطعه عن الأول بالنصب على الاختصاص بتقدير أعني: {نصيباً مفروضاً *} أي مقدراً واجباً مبيناً، وهذه الآية مجملة بينتها آية المواريث، وبالآية علم أنها خاصة بالعصبات من التعبير بالفرض لأن الإجماع - كما نقله الأصبهاني عن الرازي - على أنه ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر. ولما بين المفروض أتبعه المندوب فقال تعالى: {وإذا حضر القسمة أولوا القربى} أي ممن لا يرث صغاراً أو كباراً {واليتامى والمساكين} أي قرباء أو غرباء {فارزقوهم منه} أي المتروك، وهو أمر ندب لتطييب قلوبهم، وقرينة صرفه عن الوجوب ترك التحديد {وقولوا لهم} أي مع الإعطاء {قولاً معروفاً *} أي حسناً سائغاً في الشرع مقبولاً تطيب به نفوسهم.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات، ولا الصغار الذكور حتى يدركوا. فـ حديث : مات رجل من الأنصار يقال له أوس بن ثابت وترك ابنتين وابناً صغيراً، فجاء ابنا عمه وهما عصبته فأخذا ميراثه كله، فقالت امرأته لهما: تزوجا بهما وكان بهما دمامة فأبيا. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله توفي أوس وترك ابناً صغيراً وابنتين، فجاء ابنا عمه خالد وعرفطة فأخذا ميراثه، فقلت لهما: تزوّجا ابنتيه فأبيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أدري ما أقول؟ فنزلت {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون...} الآية. فأرسل إلى خالد وعرفطة فقال: لا تحركا من الميراث شيئاً، فإنه قد أنزل عليَّ فيه شيء أخبرت فيه أن للذكر والأنثى نصيباً، ثم نزل بعد ذلك {ويستفتونك في النساء} [النساء: 127] إلى قوله {عليماً} ثم نزل{يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] إلى قوله {والله عليم حليم} فدعا بالميراث فأعطى المرأة الثمن، وقسم ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين" . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: نزلت في أم كلثوم، وابنة أم كحلة، أو أم كحة، وثعلبة بن أوس، وسويد، وهم من الأنصار. كان أحدهم زوجها والآخر عم ولدها فقالت: يا رسول الله توفي زوجي وتركني وابنته فلم نورث من ماله فقال عم ولدها: يا رسول الله لا تركب فرساً، ولا تنكأ عدواً ويكسب عليها ولا تكتسب. فنزلت {للرجال نصيب..} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ولا الولدان الصغار شيئاً، يجعلون الميراث لذي الأسنان من الرجال. فنزلت {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} إلى قوله {مما قلَّ منه أو كثر} يعني من الميراث {نصيباً} يعني حظاً {مفروضاً} يعني معلوماً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك {نصيباً مفروضاً} قال: وقفاً معلوماً.
ابو السعود
تفسير : {لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ} شروعٌ في بـيان أحكامِ المواريثِ بعد بـيانِ أحكامِ أموالِ اليتامى المنتقلةِ إليهم بالإرث، والمرادُ بالأقربـين المتوارثون منهم، ومِنْ في مما متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لنصيبٌ أي لهم نصيبٌ كائنٌ مما ترَك، وقد جُوِّز تعلُّقها بنصيب {وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ} إيرادُ حكمِهن على الاستقلال دون الدرْجِ في تضاعيف أحكامِهم بأن يقالَ للرجال والنساءِ الخ، للاعتناء بأمرهن والإيذانِ بأصالتهن في استحقاق الإرثِ والإشارةِ من أول الأمرِ إلى تفاوت ما بـين نصيبَـي الفريقين والمبالغةِ في إبطال حكمِ الجاهليةِ فإنهم لم يكونوا يُورِّثون النساءَ والأطفالَ ويقولون: إنما يرث مَنْ يحارِبُ ويذُبُّ عن الحَوْزة. روي«حديث : أن أوسَ بنَ ثابت الأنصاريَّ خلّف زوجتَه أمَّ كجة وثلاثَ بناتٍ فزوى أبناءُ عمِّه سويدٌ وعرفطةُ أو قتادةُ وعَرْفجةُ ميراثَه عنهن على سنة الجاهلية فجاءت أمُّ كجةَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه فقال: "ارجِعي حتى أنظُر ما يُحدِثه الله تعالى" فنزلت، فأرسل إليهما إن الله قد جعل لهن نصيباً ولم يبـيِّنْ فلا تُفرِّقا من مال أوسٍ شيئاً حتى يبـين فنزل يوصيكم الله الخ، فأعطىٰ أمَّ كجةَ الثمنَ والبناتِ الثلثين والباقي لابني العمِّ» تفسير : وهو دليلٌ على جواز تأخيرِ البـيانِ عن الخطاب، وقولُه تعالى: {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} بدلٌ من {مَا} الأخيرةِ بإعادة الجارِّ وإليها يعود الضميرُ المجرورُ، وهذا البدلُ مرادٌ في الجملة الأولى أيضاً محذوفٌ للتعويل على المذكور، وفائدتُه دفعُ توهُّمِ تخصيصِ بعضِ الأموالِ ببعض الورثةِ كالخيل وآلاتِ الحربِ للرجال، وتحقيقُ أن لكلَ من الفريقين حقاً من كل ما جلّ ودقّ {نَصِيباً مَّفْرُوضاً} نُصب على أنه مصدرٌ مؤكّدٌ كقوله تعالى: {أية : فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء، الآية 11. والتوبة، الآية 60] كأنه قيل: قسمةً مفروضةً أو على الحالية إذ المعنى ثبَت لهم نصيبٌ كائنٌ مما ترك الوالدان والأقربون حالَ كونِه مفروضاً، أو على الاختصاص أي أعني نصيباً مقطوعاً مفروضاً واجباً لهم، وفيه دليلٌ على أن الوارثَ لو أعرض عن نصيبه لم يسقُطْ حقُّه.
القشيري
تفسير : حكم الميراث لا يختلف بالفضل والمنقبة، ولا يتفاوت بالعيب والنقص والذنب؛ فلو مات رجلٌ وخلف ابنين تساويا في الاستحقاق وإنْ كان أحدهما براً تقياً والآخر فاجراً عَصِياً، فلا للتقي زيادة لتقواه، ولا للفاجر بخس لفجوره، والمعنى فيه أن الميراث ابتداء عطيّةٍ من قِبَل الله، فيتساوى فيه البر والفاجر. كذلك حكم الإيمان ابتداء عطيةً للمسلمين: قال الله تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}تفسير : [فاطر: 32]، ثم قال: {أية : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ...}تفسير : [فاطر: 32] الآية.
اسماعيل حقي
تفسير : {للرجال نصيب} ـ روى ـ "حديث : ان اوس بن صامت الانصارى رضى الله عنه خلف زوجته ام كحة وثلاث بنات فزوى ابنا عمه سويد وعرفطة ميراثه عنهن على سنة الجاهلية فانهم ما كانوا يورثون النساء والاطفال ويقولون انما يرث من يحارب ويذب عن الحوزة فجاءت ام كحة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مسجد الفضيخ فشكت اليه فقال "ارجعى حتى انظر ما يحدث الله" فنزلت هذه الآية فبعث اليهما لا تفرقا من مال اوس شيأ فان الله قد جعل لهن نصيبا ولم يبين حتى يبين فنزل يوصيكم الله الخ فأعطى ام كحة الثمن والبنات الثلثين والباقى لابنى العم" تفسير : والمعنى لذكور اولاد الميت حظ كائن {مما ترك الوالدان والاقربون} من ذوى القرابة للميت والمراد المتوارثون منهم دون المحجوبين عن الارث وهم الابوان والزوجان والابن والبنت {وللنساء} اى لجماعة الاناث {نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه او كثر} مما الاخيرة باعادة الجار بدل واليها يعود الضمير المجرور وهذا البدل مراد فى الجملة الاولى ايضا محذوف للتعويل على المذكور وفائدته دفع توهم اختصاص بعض الاموال ببعض الورثة كالخيل وآلات الحرب للرجال وتحقيق ان لكل من الفريقين حقا من كل ما جل ودق {نصيبا مفروضا} نصب على الاختصاص اى اعنى نصيبا مقطوعا مفروضا واجبا لهم وفيه دليل على ان الوارث لو اعرض عن نصيبه لم يسقط حقه.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: جملة {مما قل..} الخ، بدل {مما ترك}، و {نصيبًا}: مصدر مؤكد كقوله: {أية : فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ} تفسير : [النساء:11] أي: نصب لهم نصيبًا مقطوعًا، أو حال، أو على الاختصاص، أعني: نصيبًا مقطوعًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: وإذا مات ميت وترك مالاً فللرجال نصيب مما ترك آباءهم وأقاربهم، وللنساء نصيب مما ترك والدهن وأقاربهن كالإخوة والأخوات، مما ترك ذلك الميت قل أو كثر، {نصيبًا مفروضًا} واجبًا محتمًا. رُوِيَ أنَّ أَوْسَ بنَ ثَابتِ الأنْصَارِيَّ تُوفِيَّ، وتَركَ امرأة يقال لها: (أم كَحَّة) وثلاثّ بناتٍ، فأخذ ابْنَا عَمّ الميتِ المَالَ، ولم يُعْطيا المرأَة ولا بَنَاتِه شيئًا، وكان أَهلُ الجَاهلِيَّة لا يُورِّثُون النِّسَاءَ ولا الصغيرَ ولو كان ذكرًا، ويقولون: إنما يَرث مَنْ يُحارب ويَذب عن الموروث، فجاءت أمُ كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد الفضيخ، فقالت: يا رسول الله؛ إن أوس بن ثابت مات، وترك بنات ثلاثًا، وأنا اِمْرأته، ولَيْس عِنْدِي مال أُنْفقُه عَليهنّ، وقد تَرَك أبُوهُن مالاً حسنًا، وهو عند سُويْدٍ وعَرْفَجَة، فَدَعاهُما النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسُولَ الله ولَدُها لا يَركُب فَرسًا، ولا يَحْمِل سِلاَحًا، لا ينُكأ عَدُوًّا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : انْصَرِفُوا حتى أرى ما يُحدِثُ الله تعالى "تفسير : ، فانْصرَفُوا. فنزلت الآية. فأثبت الله لهن في الآية حقًا، ولم يُبِّين كم هو ــ فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سُويد وعَرفجَة: "حديث : لا تُفرقا مِنْ مَال أوْسٍ شَيئًا، فَإنّ الله تعالى جَعَل لِبنَاتِه نَصِيبًا، ولم يبَّين كم هو حتى أنظُرَ ما يُنزل الله تعالى" تفسير : ، فأنزل الله تعالى بعدُ: {أية : يُوصِيكُمُ اللهُ ِفي أوْلادِكُمْ} تفسير : [النساء: 11]... إلى قوله... {أية : الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} تفسير : [النساء: 13]. فأرسل إليهما: " حديث : أن ادفعا إلى أم كحة الثُّمْن، وإلى بناته الثُّلثين، ولكما باقي المال ". تفسير : الإشارة: كما جعل الله للنساء نصيبًا من الميراث الحسي جعل لهن نصيبًا من الميراث المعنوي، وهو السر، إن صحبتْ أهل السر، وكان لها أبو الروحانية، وهو الشيخ، فللرجال نصيب مما ترك لهم أشياخهم من سر الولاية، وللنساء كذلك على قدر ما سبق في القسمة الأزلية، قليلة كانت أو كثيرة، نصيبًا مفروضًا معينًا في علم الله وقدره، وقد سواهن الله تعالى مع الرجال في آية السير، فقال: {أية : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤمِنينَ وَالْمُؤمِنَاتِ} تفسير : [الأحزَاب:35] إلى آخر الآية، فمَنْ صار منهن مع الرجال أدرك ما أدركوا. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : النزول: اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال قتادة، وابن جريج، وابن زيد: إن أهل الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الاناث، فنزلت هذه الآية رداً لقولهم. وقال الزجاج: كانت العرب لا تورث إلا من طاعن بالرماح، وذاد عن الحريم والمال، فنزلت هذه الآية رداً عليهم، وبين أن للرجال نصيباً مما ترك الوالدان والأقربون {وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً} يعني حظاً مفروضاً، قال الزجاج: مفروضاً. نصب على الحال، وقال غيره: هو إسم في موضع المصدر، كقولك قسماً واجباً، وفرضاً لازماً، ولو كان إسماً ليس فيه معنى المصدر، لم يجز قولك: عندي حق درهماً، ويجوز: لك عندي درهم هبة مفترضة وأصل الفرض الثبوت، والفرض: الحز في سية القوس حيث يثبت الوتر، والفرض: ما أثبته على نفسك من هبة أو صلة، والفرض: إيجاب الله عز وجل على العبد ما يلزمه فعله لاثباته عليه، والفرض: جند يفترضون، والفرض: ما أعطيت من غير قرض، لثبوت تمليكه، والفرض: ضرب من التمر. والفارض المسنة، والفرضة: حيث ترمي السفن من النهر وكل ضخم فارض، والفرق بين الفرض والوجوب أن الفرض هو الايجاب، غير أن الفرض يقتضي فارضاً فرضه، وليس كذلك الواجب لأنه قد يجب الشيء في نفسه من غير إيجاب موجب، ولذلك صح وجوب الثواب والعوض على الله تعالى، ولم يجز فرضه عليه. وأصل الوجوب الوقوع، يقال: وجب الحائط وجوباً فهو واجب، إذا وقع، وسمعت وجبة أي وقعة كالهدة، ومنه {أية : وجبت جنوبها} تفسير : أي وقعت لجنوبها، ووجب الحق وجوبا، إذا وقع سببه، كوجوب رد الوديعة، وقضاء الدين، ووجوب شكر المنعم، ووجوب الأجر، وإنجاز الوعد، ووجب القلب وجيباً إذا خفق من فزع وقعة كالهدة. وفي الآية دليل على بطلان القول بالعصبة، لأن الله تعالى فرض الميراث للرجال والنساء، فلو جاز أن يقال: النساء لا يرثن في موضع، لجاز لآخرين أن يقولوا: والرجال لا يرثون، والخبر المدعى في العصبة خبر واحد، لا يترك له عموم القرآن، لأنه معلوم، والخبر مظنون، وقد بينا ضعف الخبر في كتاب تهذيب الأحكام، فمن أراده وقف عليه من هناك. وفي الآية أيضاً دلالة على أن الانبياء يورثون، لأنه تعالى عم الميراث للرجال والنساء، ولم يخص، نبياً من غيره، وكما لا يجوز أن يقال: النبي لا يرث، لأنه خلاف الآية، فكذلك لا يجوز أن يقال: لا يورّث، لأنه خلافها، والخبر الذي يروون أنه قال: نحن معاشر الانبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، خبر واحد، وقد بينا ما فيه، في غير موضع، وتأولناه، بعد تسليمه.
الجنابذي
تفسير : {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} بيان لآداب التّوارث ونهى عن رسوم الجاهلية من منع النّساء عن الارث.
الأعقم
تفسير : {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} الآية نزلت في الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الإناث والصغار، وقيل: "حديث : إنها نزلت في قصة أوس بن الثابت الأنصاري فإنه توفي وترك امرأةً يقال لها: أم كحة وثلاث بنات وعمَّهنَّ فأخذ المال وجاءت امرأة أوس إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورفعت إليه القصة فقال لها: "ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله" فنزلت الآية، فبعث اليهما أن لا يفرق من مال أوس شيئاً فإن الله قد جعل لهنَّ نصيباً ولم يتبين حتى نزل قوله تعالى: {يوصيكم الله} الآية فأعطى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المرأة الثمن والبنات الثلثين والباقي للعم"تفسير : ، قوله تعالى: {وإذا حضر القسمة} أي قسمة التركة {أولو القربى} ممن لا يرث {فارزقوهم منه} الضمير لما ترك الوالدان والأقربون وهو أمرٌ للندب، قال الحسن: كان المؤمنون يفعلون ذلك إذا اجتمعت الورثة وحضرهم هؤلاء رضخوا لهم بالشيء من تركة الميت من رفه المتاع فحضهم الله على ذلك تأديباً من غير أن يكون فريضة قالوا: ولو كان فريضة ضرب له حداً، وروي أن عبد الله بن عبد الرحمن قسم ميراثاً فلم يدع في الدار أحداً إلا أعطاه، وقيل: هو منسوخ بآية المواريث، وعن سعيد بن جبير: والله ما نسخت ولكنها مما تهاون به الناس، قوله تعالى: {وقولوا لهم قولاً معروفاً} أي لطّفوا لهم القول، وتقولوا: خذوا بارك الله عليكم، وتعتذروا إليهم، وتستقلوا ما أعطوهم لا تستكثروه ولا تمنّوا عليهم {وليخشى الذين لو تركوا من خلفهم ذريَّةً ضعافاً} قال أبو علي: نزلت في قوم إذا حضروا الموصي وله ذرية ضعاف قالوا: ارضخ لفلان بكذا أو لفلان بكذا حتى يستغرق المال فنهوا عن ذلك، قال جار الله: ومن المستحب الجالسين إلى المريض أن يقولوا له إذا أراد الوصيَّة لا تسرف في وصيتك فتجحف بأولادك، وفي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أن تترك أولادك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" تفسير : وكان الصحابة يستحبون أن تبلغ الوصيَّة الثلث، وأن الخمس أفضل من الربع والربع أفضل من الثلث، قوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً} نزلت في المشركين الذين كانوا لا يورثون النساء ويأكلونها بغير حق، وقيل: نزلت في الأوصياء والحكام والقائمين بأموال اليتامى، وقيل: نزلت في مرثد أكل مال ابن أخيه وهو صغير.
الهواري
تفسير : قوله: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوِلدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً}. هذا حين بيّن الله فرائض المواريث؛ نزلت آية المواريث قبل هذه الآية، وهي بعدها في التأليف؛ فكان أهل الجاهلية لا يعطون النساء من الميراث شيئاً، ولا الصغير شيئاً، وإنما كانوا يعطون من يحترف وينفع ويدفع، فجعل الله لهم من ذلك مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً. قوله: {وَإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُوْلُوا القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}. وهذه الآية مع الآية الأولى بعد آية المواريث، والآية الأولى قبلها في التأليف. ذكروا عن الحسن قال: إن كانوا يقتسمون مالاً أو متاعاً أعطُوا منه، وإن كانوا يقتسمون دوابّاً أو رقيقاً قيل لهم: ارجعوا رحمكم الله، فهو قوله: {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} وقال بعضهم عن الحسن: قولوا لهم قولاً معروفاً قال: أي بارك الله عليك. قال سعيد بن المسيب: القسمة قسمة المواريث. وقال سعيد بن جبير: قسمة الثلث. وقال سعيد بن جبير: هي منسوخة نسختها آية المواريث. وكان الحسن يقول: ليست بمنسوخة. وكذلك قول أبي موسى الأشعري فيها أيضاً. ذكروا عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: ليست بمنسوخة. قال [يحيى] والعامة على أنها منسوخة.
اطفيش
تفسير : {لِّلرِّجَالِ نَصِيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ}: رد على من لا يورث النساء، والنصيب نصيب الميراث، والأقربون: الذين يورثون. توفى أوس بن ثابت الأنصارى أخو حسان بأحد - لا أوس بن الصامت فإنه مات فى خلافة عثمان - وترك أوس بن ثابت زوجة أم كحة - بالحاء المهملة وضم الكاف - وثلاث بنات منها، فقام سويد وعرفجة وهما أبناء عمه، وهما أيضاً أوصياءه، فأخذا ماله كله، وذلك أن أهل الجاهلية لا يورثون النساء والذكور الصغار، ويقولون لا نعطى الإرث إلا من قاتل وحاز الغنيمة، وحمى الحوزة، حديث : فجاءت أم كحة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالت وهو فى مسجد الفصيح: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، مات أوس بن ثابت وترك ثلاث بنات، وأنا امرأته وليس عندى ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالا حسناً، وهو عند سويدو عرفجة ولم يعطيانى ولا لبناته منه شيئاً وهن فى حجرى ولا يطعمن ولا يسقين؟ فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله إن ولدها لا يركبن فرساً ولا يحملن كلا، ولا ينكين عدواتفسير : . فنزلت الآية. وروى أنه قال حديث : "ارجعن حتى أنظر ما يحدث" فنزلت الآية فدعاهما، فقال "لا تفرقا من مال أوس شيئاً قد جعل الله لهن نصيباً" فمضيا ولما نزل {يوصيكم الله..} إلخ أعطى أم كحة الثمن، والبنات الثلثين، وسويداً وعرفجة الباقىتفسير : وذلك أصح. وقيل: أبناء عمه قتادة وعرفجة. بل شك الراوى فالرجال الذكور من الأولاد، والنساء الإناث من الأولاد وغير الأولاد، والدليل على الأولاد هو قوله {الوالدان} فى الموضعين، والدليل على غيرهم قوله {الأقربون}، وأم كحة تدخل فى القصة تبعاً وكذا سائر الزوجات، وربما استدل بالآية من قال: الذكر رجل من حين يولد، والأنثى امرأة من حين تولد، وقد يجاب بأن المراد من هو رجل ومن سيكون رجلا، ومن هى امرأة ومن ستكون امرأة، جمعا بين الحقيقة ومجاز الأول بناء على جواز الجمع بينهما، وفيه خلاف، وعلى جواز مجاز الأول، ولو لم يتحقق الأول، ولأرجح وقوعه، وعلى المنع يقال ذلك من عموم المجاز. {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ}: أى مما قل: مما ترك الوالدان، فقوله {مما} بدل مطابق من قوله {مما} الثانى، ويقدر لقوله {مما} الأول بدل آخر مثله، أى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه، أو كثر، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، فإن الصحيح جواز حذف البدل لدليل ومنه حال من المستتر فى قل، ومن فيه للبيان، وفى مما للتبعيض. {نَصِيباً مَّفْرُوضاً}: نصيباً مفعول مطلق من نيابة اسم العين عن اسم الحدث كنيابة نباتاً عن إنباتاً فنصيب اسم لجزء من المال، استعمل بمعنى العطاء أو الإعطاء، والعطاء او الإعطاء اسم للحدث، والعامل محذوف دل عليه قوله {لِّلرِّجَالِ نَصيِب..} إلخ، وقوله {ولَّلنِسَاءِ نَصيِب..} إلخ أى: اعطوهم نصيباً مفروضاً، أى عطاءً مفروضاً، أو إعطاءً مفروضاً، وهو مؤكد لغيره لا لنفسه، ويجوز إبقاؤه على أنه اسم عين، فيكون مفعولا ثانياً لأعطهم محذوفاً، كما علمت، أو حال من ضمير الاستقرار فى النساء، ويقدر مثله لقوله {للرجال} أو مفعول لمحذوف على الاختصاص، أى: أعنى نصيباً، أى مقدر فهو مؤول بالوصف والآية دليل على أن الميراث يدخل ملك الوارث، بلا قبول ولا قبض، وإنه لو أعرض عنه لم يسقط حتى يهبه للورثة، أو بعضهم، أو لغيرهم، ودليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، إذ خاطبهم بأن للرجال نصيباً وللنساء نصيباً، ولم يبين حتى نزل {أية : يوصيكم الله فى أولادكم} تفسير : وليس تأخيراً عن وقت إيجاب العمل، وفائدة التأخير هنا أن الجاهلية قد اعتادوا أن لا يرث الصغار والنساء فلو قطع ما اعتادوا، وبين لهم بمرة كم يأخذ هذا وكم تأخذ هذه، لصعب ذلك فدرج بذكر أن لهم نصيباً مفروضاً، فيستأنسون لعل النصيب أقل قليلا أو شىء قليل فتزول بعض الصعوبة قبل نزول البيان، والمراد بالنصيب فى المواضع الثلاث أنصباء، كل رجل نصيب، وكل امرأة لها نصيب.
اطفيش
تفسير : {لِلّرِّجَالِ} للذكور، بلغا أو أطفالا أولاد أو غير أولاد {نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} من المال {وَلِلِنّسَآءُ} الإناث، بلغا أو غير بلغ أولادا أو غير أولاد {نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} لم يقل الرجال والنساء نصيب، بل خصهن بكلام مستقل لتأكيد أمرهن، وأصالتهن فى الإرث وتأكيد إبطال أمر الجاهلية فى حرمانهن، ولا ذكر للأزواج هنا، بل أدخلهم الله فى خلال إرث القرابة {مِمَّا} بدل من مما، ولا يضر اتفاقهما، للتخالف بما بعدهما، واللفظ متفق ولو بدون من، ويجوز كونه حالا من هاء ترك المحذوفة {قَلَّ مِنْهُ} أى مما ترك {أَوْ كَثُرَ} منه لا يختص وارث ببعض، كرمح، وآلة فرس لرجل، وكخمار لامرأة وقبح الله الإمامية، إذ خصوا الابن الكبير بالفرس وآلته، والسيف، والمصحق، والخاتم، والثوب البدنى من تركة الميت بلا عوض عند أكثرهم، وهو مخالف لكلام الله تعالى، كعدم توريث النساء من العقار {نَصِيباً مَّفْرُوضاً} نصبه الله، نصيباً مفروضاً، وهو تأكيد لما قبله على أنه مصدر، أو حل كونه نصيباً مفروضاً، وصاحب الحال نصيب الأول، أو حال من ضميره فى مما، أو من الضمير فى قل أو كثر، أو من المستتر فىالرجال، أو أعنى نصيباً أو بمعنى عطاء، أو استحقاقاً، أى أعطوهم عطاء أو استحقاقاً، أو أوجب نصيباً، ودلت الآية أن التركة داخلة فى ملك الوارث بلا قبول ولو انتفى منها، فإن أراد أخرجها من ملكه لمن يقبلها منه، أو لوجه آخر، إلا ما أوصى به الميت فلمن أوصى له به، ولكن له أيضاً أن يعطيه قيمته إن قال، أعطوه كذا قضاء لكذا درهما، أو أنفذوا منه كذا، وإن كانت حراماً أو شبهة انتفى منها، وهذه الآية مبدأ للإرث إجمالا للتدريج عما ألفوه فى الجاهلية من ميراث على وجه مخالف للحق، ومن المنع لمن يستحق ولو غير عليهم دفعة لاشتد عليهم الأمر، وكانوا لا يورثون النساء والأطفال الضعفاء بمرض أو غيره، وكل من لا يقاتل عن الحوزة ويجلب الغنيمة، فنزلهم عن ذلك تدريجاً بإجمال كما رأيت، للرجال نصيب وللنساء نصيب، ثم تفصيلا كما تتلوه، وكما روى أن أوس بن ثابت أخا حسان أو أوس ابن الصامت بن عبادة، والأول أصح، وكلاهما من الأنصار، استشهد بأحد، وخلف زوجه، أم كحة بضم الكاف وشد الحاء المهملة، وثلاث بنات، وأما ابن الصامت فمات فى خلافة عثمان فأخذ ابنا عم أوس بن ثابت سويد وعرفطة أو هما قتادة وعرفجة ماله كله، فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الفضيخ، فشكت إليه، أنهما ما دفعا إلىَّ شيئاً ولا إلى بناته، وهن فى حجرى، وما عندى ما أنفق عليهن، حديث : فقال ارجعى حتى أنظر ما يحدث الله، وقالا: يا رسول الله أولادهما لا يركبن فرساً، ولا يحملن كلا، ولا ينكين عدوا، فنزلت، فبعث إليهما لا تفرقا من مال أوس شيئاً، فإن الله قد جعل للبنات نصيباًتفسير : ، ولم يبين حتى يبين، ثم نزل، يوصيكم الله فى أولادكم الآية، فأعطى أم كحة الثمن البنات الثلثين، والباقى إبني العم، وفى الآية تأخير البيان عن وقت الخطاب، لكن لم يمض ما يفوت به الأمر فليس تأخيراً عن وقت الحاجة، والفرض والواجب مترادفان فى المطلوب طلباً جازما، سواء بقطعى مثل قوله تعالى: {أية : فاقرأوا ما تيسر} تفسير : [المزمل: 20]، أو بظنى كخبر الآحاد كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"تفسير : ، ومفهوم الوجوب الثبوت ومفهوم الفرض التوقيت والحز والقطع.
الالوسي
تفسير : {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} شروع في بيان أحكام المواريث بعد بيان [أحكام] أموال اليتامى المنتقلة إليهم بالإرث، والمراد من الرجال الأولاد الذكور، أو الذكور أعم من أن يكون كباراً أو صغاراً، ومن الأقربين الموروثون، ومن الوالدين ما لم يكن بواسطة، والجد والجدة داخلان تحت الأقربين، وذكر الولدان مع دخولهما أيضاً اعتناءاً بشأنهما، وجوز أن يراد من الوالدين ما هو أعم من أن يكون بواسطة أو بغيرها فيشمل الجد والجدة، واعترض بأنه يلزم توريث أولاد الأولاد مع وجود الأولاد. وأجيب بأن عدم التوريث في هذه الصورة معلوم من أمر آخر لا يخفى، والنصيب الحظ كالنصب بالكسر ويجمع على أنصباء وأنصبة، و ـ من ـ في مما متعلقة بمحذوف وقع صفة للنكرة قبله أي نصيب كائن مما ترك وجوز تعلقه بنصيب. {وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} المراد من النساء البنات مطلقاً أو الإناث كذلك، وإيراد حكمهن على الاستقلال دون الدرج في تضاعيف أحكام السالفين بأن يقال للرجال والنساء نصيب الخ للاعتناء ـ كما قال شيخ الإسلام ـ بأمرهن والإيذان بأصالتهن في استحقاق الإرث، والإشارة من أول الأمر إلى تفاوت ما بين نصيبـي الفريقين والمبالغة في إبطال حكم الجاهلية فإنهم ما كانوا يورثون النساء والأطفال ويقولون: إنما يرث من يحارب ويذب عن الحوزة، وللرد عليهم نزلت هذه الآية ـ كما قال ابن جبير وغيره ـ وروي أن أوس بن ثابت وقيل: أوس بن مالك، وقيل: ثابت بن قيس، وقيل: أوس بن الصامت ـ وهو خطأ ـ لأنه توفي في زمن خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه مات وترك ابنتين وابناً صغيراً وزوجته أم كحة، وقيل: بنت كحة، وقيل: أم كحلة، وقيل: أم كلثوم حديث : فجاء أبناء عمه خالد أو سويد وعرفطة أو قتادة، وعرفجة فأخذا ميراثه كله فقالت امرأته لهما: تزوجا بالابنتين وكانت بهما دمامة فأبيا فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أدري ما أقول؟ فنزلت: {لّلرّجَالِ نَصِيبٌ} الآية فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى ابني العم فقال: لا تحركا من الميراث شيئاً فإنه قد أنزل علي فيه شيء أخبرت فيه أن للذكر والأنثى نصيباً تفسير : ثم نزل بعد ذلك: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاء} إلى قوله: {أية : عَلِيماً} تفسير : [النساء: 127] ثم نزل: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ} تفسير : [النساء: 11] إلى قوله: {أية : وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} تفسير : [النساء: 12] فدعى صلى الله عليه وسلم بالميراث فأعطى المرأة الثمن وقسم ما بقي بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين ولم يعط ابني العم شيئاً»، وفي بعض طرقه ـ أن الميت خلف زوجة وبنتين وابني عم فأعطى صلى الله عليه وسلم الزوجة الثمن والبنتين الثلثين وابني العم الباقي ـ. وفي الخبر دليل على جواز تأخير البيان عن الخطاب، ومن عمم الرجال والنساء وقال: إن الأقربين عام لذوي القرابة النسبية والسببية جعل الآية متضمنة لحكم الزوج والزوجة واستحقاق كل منهما الإرث من صاحبه، / ومن لم يذهب إلى ذلك وقال: إن الأقربين خاص بذوي القربة النسبية جعل فهم الاستحقاق كفهم المقدار المستحق مما سيأتي من الآيات، وعلل الاقتصار على ذكر الأولاد والبنات هنا بمزيد الاهتمام بشأن اليتامى واحتج الحنفية والإمامية بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام قالوا: لأن العمات والخالات وأولاد البنات من الأقربين فوجب دخولهم تحت قوله سبحانه: {لّلرّجَالِ} الخ غاية ما في الباب أنَّ قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بها، وأما المقدار فمستفاد من سائر الدلائل، والإمامية فقط على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يورثون كغيرهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً رده على أتم وجه. {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} بدل من ما الأخيرة بإعادة العامل قبل؛ ولعلهم إنما لم يعتبروا كون الجار والمجرور بدلاً من الجار المجرور لاستلزامه إبدال من ـ من مّن ـ واتحاد اللفظ في البدل غير معهود. وجوز أبو البقاء كون الجار والمجرور حالاً من الضمير المحذوف في ترك أي مما تركه قليلاً أو كثيراً أو مستقراً مما قلّ، ومثل هذا القيد معتبر في الجملة الأولى إلا أنه لم يصرح به هناك تعويلاً على ذكره هنا، وفائدته دفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة كالخيل وآلات الحرب للرجال، وبهذا يرد على الإمامية لأنهم يخصون أكبر أبناء الميت من تركته بالسيف والمصحف والخاتم واللباس البدني بدون عوض عند أكثرهم، وهذا من الغريب كعدم توريث الزوجة من العقار مع أن الآية مفيدة أن لكل من الفريقين حقاً من كل ما جل ودق، وتقديم القليل على الكثير من باب {أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا }تفسير : [الكهف: 49]. {نَصِيباً مَّفْرُوضاً} نصب إما على أنه مصدر مؤكد بتأويله بعطاء ونحوه من المعاني المصدرية وإلا فهو اسم جامد، ونقل عن بعضهم أنه مصدر، وإما على الحالية من الضمير المستتر في قل وكثر أو في الجار والمجرور الواقع صفة، أو من نصيب لكون وصفه بالظرف سوغ مجيء الحال منه أو من الضمير المستتر في الجار والمجرور الواقع خبراً إذ المعنى ثبت لهم مفروضاً نصيب، وهو حينئذ حال موطئة والحال في الحقيقة وصفه، وقيل: هو منصوب على أنه مفعول بفعل محذوف والتقدير أوجب لهم نصيباً، وقيل: منصوب على إضمار أعني ونصبه على الاختصاص بالمعنى المشهور مما أنكره أبو حيان لنصهم على اشتراط عدم التنكير في الاسم المنصوب عليه، والفرض ـ كالضرب ـ التوقيت ومنه: {أية : فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} تفسير : [البقرة: 197] والحز في الشيء كالتفريض وما أوجبه الله تعالى كالمفروض سمي بذلك لأن له معالم وحدوداً، ويستعمل بمعنى القطع، ومنه قوله تعالى: {أية : لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} تفسير : [النساء: 118] أي مقتطعاً محدوداً كما في «الصحاح»، فمفروضاً هنا إما بمعنى مقتطعاً محدوداً كما في تلك الآية، وإما بمعنى ما أوجبه الله تعالى أي نصيباً أوجبه الله تعالى لهم. وفرق الحنفية بين الفرض والواجب بأن الفعل غير الكف المتعلق به خطاب بطلب فعل بحيث ينتهض تركه في جميع وقته سبباً للعقاب إن ثبت بقطعي، ففرض كقراءة القرآن في الصلاة الثابتة بقول تعالى: {أية : فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءانِ} تفسير : [المزمل: 20] وإن ثبت بظني فهو الواجب نحو تعيين الفاتحة الثابت بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»تفسير : وهو آحاد، ونفي الفضيلة محتمل ظاهر، وذهب الشافعية إلى ترادفهما، واحتج كل لمدعاه بما احتج به، والنزاع على ما حقق في الأصول لفظي قاله غير واحد، وقال بعض المحققين: لا نزاع للشافعي في تفاوت مفهومي الفرض والواجب في اللغة ولا في تفاوت ما ثبت بدليل قطعي ـ كحكم الكتاب ـ وما ثبت بدليل ظني ـ كحكم خبر / الواحد في الشرع ـ فإن جاحد الأول كافر دون الثاني، وتارك العمل بالأول مؤلاً فاسق دون الثاني، وإنما يزعم أن الفرض والواجب لفظان مترادفان منقولان عن معناهما اللغوي إلى معنى واحد هو ما يمدح فاعله ويذمّ تاركه شرعاً سواء ثبت بدليل قطعي أو ظني، وهذا مجرد اصطلاح، فلا معنى للاحتجاج بأن التفاوت بين الكتاب وخبر الواحد موجب للتفاوت بين مدلوليهما، أو بأن الفرض في اللغة التقدير والوجوب هو السقوط، فالفرض علم قطعاً أنه مقدر علينا، والواجب ما سقط علينا بطريق الظن ولا يكون المظنون مقدراً ولا المعلوم القطعي ساقطاً علينا على أن للخصم أن يقول: لو سلم ملاحظة المفهوم اللغوي فلا نسلم امتناع أن يثبت كون الشيء مقدراً علينا بدليل ظني، وكونه ساقطاً علينا بدليل قطعي، ألا ترى أن قولهم: الفرض أي المفروض المقدر في المسح هو الربع، وأيضاً الحق أن الوجوب في اللغة هو الثبوت، وأما مصدر الواجب بمعنى الساقط والمضطرب إنما هو الوجبة والوجيب، ثم استعمال الفرض ـ فيما ثبت بظني والواجب فيما ثبت بقطعي ـ شائع مستفيض كقولهم: الوتر فرض، وتعديل الأركان فرض ونحو ذلك، ويسمى فرضاً عملياً، وكقولهم: الصلاة واجبة والزكاة واجبة، ونحو ذلك، ومن هنا يعلم سقوط كلام بعض الشافعية في ردّ استدلال الحنفية بما تقدم على توريث ذوي الأرحام بأن الواجب عند الحنفية ما علم ثبوته بدليل مظنون، والمفروض ما علم بدليل قاطع، وتوريث ذوي الأرحام ليس من هذا القبيل بالاتفاق، فعرفنا أنه غير مراد من الآية ووجه السقوط ظاهر غني عن البيان. واحتج بعضهم بالآية على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه وهو مذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي، وهو جار مجرى النتيجة لحكم إيتاء أموال اليتامى، ومجرى المقدّمة لأحكام المواريث التي في قوله تعالى: {أية : يوصيكم الله في أولادكم}تفسير : [النساء: 11]. ومناسبة تعقيب الآي السابقة بها: أنّهم كانوا قد اعتادوا إيثار الأقوياء والأشدّاء بالأموال، وحرمان الضعفاء، وإبقاءهم عالة على أشدّائهم حتّى يكونوا في مقادتهم، فكان الأولياء يمنعون عن محاجيرهم أموالهم، وكان أكبر العائلة يَحرم إخوته من الميراث معه فكان أولئك لضعفهم يصبرون على الحرمان، ويقنعون بالعيش في ظلال أقاربهم، لأنّهم إن نازعوهم أطردوهم وحرموهم، فصاروا عالة على الناس. وأخصّ الناس بذلك النساءُ فإنّهن يجدن ضعفاً من أنفسهنّ، ويخشين عار الضيعة، ويتّقين انحراف الأزواج، فيتّخذن رضى أوليائهُنّ عدّة لهنّ من حوادث الدهر، فلمّا أمرهم الله أن يؤتوا اليتامى أموالهم، أمر عقبه بأمرهم بأن يجعلوا للرجال والنساء نصيباً ممّا ترك الوالدان والأقربون. فإيتاء مال اليتيم تحقيق لإيصال نصيبه ممّا ترك له الوالدان والأقربون، وتوريث القرابة إثبات لنصيبهم ممّا ترك الوالدان والأقربون، وذُكر النساءُ هناك تمهيداً لشرع الميراث، وقد تأيّد ذلك بقوله: {أية : وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى}تفسير : [النساء: 8] فإنّ ذلك يناسب الميراث، ولا يناسب إيتاءَ أموال اليتامى. ولا جرم أنّ من أهمّ شرائع الإسلام شرع الميراث، فقد كان العرب في الجاهلية يجعلون أموالهم بالوصيّة لعظماء القبائل ومن تلحقهم بالانتساب إليهم حسن الأحدوثة، وتجمعهم بهم صلات الحلف أو الاعتزاز والودّ، وكانوا إذا لم يوصوا أو تركوا بعض مالهم بلا وصية يُصرف لأبْناء الميّت الذكور، فإن لم يكن له ذكور فقد حكي أنّهم يصرفونه إلى عصبته من إخوة وأبناء عمّ، ولا تعطى بناته شيئاً، أمّا الزوجات فكنّ موروثات لا وارثات. وكانوا في الجاهلية لا يورثون بالبنوّة إلاّ إذا كان الأبناء ذكوراً، فلا ميراث للنساء لأنّهم كانوا يقولون إنّما يرث أموالنا من طاعن بالرمح، وضرب بالسيف. فإن لم تكن الأبناءُ الذكورُ وَرِث أقربُ العصبة: الأبُ ثمّ الأخُ ثمّ العمّ وهكذا، وكانوا يورثون بالتبنيّ وهو أن يتّخذ الرجل ابن غيره ابنا له فتنعقد بين المتبنِّي والمتبنَّى جميع أحكام الأبوّة. ويورثون أيضاً بالحلف وهو أن يرغب رجلان في الخلّة بينهما فيتعاقدا على أنّ دمهما واحد ويتوارثا، فلمّا جاء الإسلام لم يقع في مكّة تغيير لأحكام الميراث بين المسلمين لتعذّر تنفيذ ما يُخالف أحكام سكّانها، ثمّ لمّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي معظم أقارب المهاجرين المشركون بمكّة صار التوريث: بالهجرة، فالمهاجر يرث المهاجر، وبالحلف، وبالمعاقدة، وبالأخوّة التي آخاها الرسول عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار، ونزل في ذلك قوله تعالى: {أية : ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون}تفسير : [النساء: 33] الآية من هاته السورة. وشرع الله وجوب الوصية للوالدين والأقربين بآية سورة البقرة، ثم توالد المسلمون ولحق بهم آباؤهم وأبناؤهم مؤمنين، فشرع الله الميراث بالقرابة، وجعل للنساء حظوظاً في ذلك فأتمّ الكلمة، وأسبغ النعمة، وأومأ إلى أنّ حكمة الميراث صرف المال إلى القرابة بالولادة وما دونها. وقد كان قوله تعالى: {وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} أوّل إعطاء لحقّ الإرث للنساء في العرب. ولكون هذه الآية كالمقدّمة جاءت بإجمال الحقّ والنصيب في الميراث وتلاه تفصيله، لقصد تهيئة النفوس، وحكمة هذا الإجمال حكمةُ ورود الأحكام المراد نسخها إلى أثقلَ لتسكن النفوس إليها بالتدريج. روى الواحدي، في أسباب النزول، والطبري، عن عكرمة، وأحَدُهما يزيد على الآخر ما حاصله: «حديث : إنّ أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كُحَّة فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: «إنّ زوجي قُتِل معك يوم أُحد وهاتان بنتاه وقد استوفى عمّهما مالَهما فما ترى يا رسول الله؟ فواللَّهِ ما تَنْكحان أبداً إلاّ ولهما مال» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي الله في ذلك». حديث : فنزلت سورة النساء وفيها: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11]. قال جابر بن عبد الله: فقال رسول الله «ادع لي المرأة وصاحبَها» فقال لعمتهما «أعطهما الثلثين وأعط أمّهما الثمن وما بقي فلَك»» تفسير : . ويروى: أنّ ابني عمّه سويد وعرفطة، وروى أنّهما قتادة وعرفجة، «حديث : وروي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لمّا دعا العَمّ أو ابني العمّ قال، أو قالا له «يا رسول الله لا نعطي من لا يركب فرساً ولا يحمل كَلا ولا يَنكي عدوّا» فقال انصرف أوْ انصرفا، حتّى أنظرَ ما يحدث الله فيهنّ» حديث : فنزلت آية {للرجال نصيب} الآية. وروي أنّه لمّا نزلت هاته الآية أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى وليّ البنتين فقال: لا تفرّق من مال أبيهما شيئاً فإنّ الله قد جعل لهنّ نصيباً»تفسير : والنصيب تقدّم عند قوله: {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} تفسير : في سورة آل عمران (23). وقوله: {مما قل منه أو كثر} بيان {لما ترك} لقصد تعميم ما ترك الوالدان والأقربون وتنصيص على أنّ الحقّ متعلّق بكلّ جزء من المال، حتّى لا يستأثر بعضهم بشيء، وقد كان الرجل في الجاهلية يعطي أبناءه من ماله على قدر ميله كما أوصى نزار بن مَعِّد بن عدنان لأبنائه: مضر، وربيعة، وإياد، وأنْمارِ، فجعل لمضر الحمراء كلّها، وجعل لربيعة الفرسَ، وجعل لإياد الخادم، وجعل لأنمار الحمار، ووكَلهم في إلحاق بقية ماله بهاته الأصناف الأربعة إلى الأفعى الجُرْهُمي في نَجْران، فانصرفوا إليه، فقسم بينهم، وهو الذي أرسل المثَل: إنّ العَصَا من العُصَيَّة. وقوله: {نصيباً مفروضاً} حال من (نصيب) في قوله: {للرجال نصيب} {وللنساء نصيب} وحيث أريد بنصيب الجنس جاء الحال منه مفرداً ولم يراع تعدّده، فلم يُقَل: نصيبين مفروضين، على اعتبار كون المذكور نصيبين، ولا قيل: أنصباء مفروضة، على اعتبار كون المذكور موزّعا للرجال وللنساء، بل روعي الجنس فجيء بالحال مفرداً و{مفروضا} وصف، ومعنى كونه مفروضاً أنّه معيّن المقدار لكلّ صنف من الرجال والنساء، كما قال تعالى في الآية الآتية {أية : فريضة من الله}تفسير : [النساء: 11]. وهذا أوضح دليل على أنّ المقصود بهذه الآية تشريع المواريث.
الشنقيطي
تفسير : لم يبين هنا قدر هذا النصيب الذي هو للرجال والنساء مما ترك الوالدان والأقربون، ولكنه بينه في آيات المواريث كقوله: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُم}تفسير : [النساء: 11] الآيتين، وقوله في خاتمة هذه السورة الكريمة: {أية : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَة} تفسير : [النساء: 176].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: نصيب: الحظ المقدر في كتاب الله. الوالدان: الأب والأم. الأقربون: جمع قريب وهو هنا الوارث بسب أو مصاهرة أو ولاء. نصيبا مفروضا: قدراً واجباً لازماً. أولوا القربى: أصحاب القرابات الذين لا يرثون لبعدهم عن عمودي النسب. فارزقوهم منه: أعطوهم شيئا يرزقونه. قولا معروفا: لا إهانة فيه ولا عتاب، ولا تأفيف. الخشية: الخوف في موضع الأمن. قولا سديداً: عدلا صائبا. ظلما: بغير حق يخول له أكل مال اليتيم. وسيصلون سعيرا: سيدخلون سعيراً ناراً مستعرة يشوون فيها ويحرقون بها. معنى الآيات: لقد كان أهل الجاهلية لا يُورَثون النساء ولا الأطفال بحجة أن الطفل كالمرأة لا تركب فرساً ولا تحمل كلاَّ ولا تنكى عدواً، يُكْسِب ولا تكسب، وحدث أن امرأة يقال لها أم كُحَّة مات زوجها وترك لها بنتين فمنعهما أخو الهالك من الإِرث فشكت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية الكريمة: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} ومن ثم أصبحت المرأة كالطفل الصغير يرثان كالرجال، وقوله تعالى: ما قل منه أي من المال المتروك أو كثر حال كون ذلك نصيباً مفروضاً لا بد من إعطائه الوارث ذكراً كان أو أنثى صغيراً أو كبيراً. والمراد من الوالدين الأب والأم، والأقربون كالأبناء والإِخوان والبنات والأخوات، والزوج والزوجات هذا ما تضمنته الآية الأولى [7] وأما الآية الثانية [8] فقد تضمنت فضيلة جميلة غفل عنها المؤمنون وهي أن من البر والصلة والمعروف إذا هلك هالك، وقدمت تركته للقسمة بين الورثة، وحضر قريب غير وارث لحجبه أو بعده أو حضر يتيم أو مسكين من المعروف أن يعطوا شيئاً من تلك التركة قبل قسمتها وإن تعذر العطاء لأن الورثة يتامى أو غير عقلاء يصرف أولئك الراغبون من قريب ويتيم ومسكين بكلمةٍ طيبة كإعتذار جميل تطيب به نفوسهم هذا ما تضمنته الآية الثانية وهي قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينُ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ} - أي من المال - المتروك وقولوا لهم قولا معروفا إن تعذر إعطاؤهم لمانع يتم أو عقل. أما الآية الثالثة وهي قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} فقد تضمنت إرشاد الله تعالى للمؤمن الذي يحضر مريضا على فراش الموت بأن لا يسمح له أن يحيف في الوصية بأن يوصي لوارث أو يوصي بأكثر من الثلث أو يذكر دينا ليس عليه وإنما يريد حرمان الورثة. فقال تعالى آمراً عباده المؤمنين وليخش الذين لو تركوا من خلفهم أَيْ من بعد موتهم، ذرية ضعافاً خافوا عليهم. أي فليخشوا هذه الحال على أولاد غيرهم ممن حضروا وفاته. كما يخشونها على أولادهم. إذاً فعليهم أن يتقوا الله في أولاد غيرهم. وليقولوا لمن حضروا وفاته ووصيته قولا سديداً: صائباً لا حيف فيه ولا جور معه. هذا ما تضمنته الآية الثالثة [9] أما الآية الرابعة [10] فقد تضمنت وعيدا شديداً لمن يأكل مال اليتيم ظلما إذ قال تعالى فيها: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} والمراد من الظلم أنهم أكلوها بغير حق أباح لهم ذلك كأجرة عمل ونحوه، ومعنى يأكلون في بطونهم ناراً أنهم يأكلون النار يوم القيامة فقوله إنما يأكلون في بطونهم ناراً هو باعتبار ما يؤول إليه أمر أكلهم اليوم، والعياذ بالله من نار السعير. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير مبدأ التوارث في الإِسلام. 2- استحباب إعطاء من حضر قسمة التركة من قريب أو يتيم ومسكين وإن تعذر إعطاؤهم صرُفوا بالكلمة الطيبة، وفي الحديث الكلمة الطيبة صدقة. 3- وجوب النصح والإِرشاد للمحتضر حتى لا يجور في وصيته عند موته. 4-على من يخاف على أطفاله بعد موته أن يحسن إلى أطفال غيره فإن الله تعالى يكفيه فيهم. 5- حرمة أكل مال اليتامى ظلمّاً، والوعيد الشديد فيه.
القطان
تفسير : في هذه الآية الكريمة بدء لذكر الميراث، فقد كان العرب في الجاهلية لا يوّرثون النساء والأولاد الصغار، ويقولون: لا يرث الا من طاعَن بالرماح وحاز الغنيمة. وقد روي في سبب نزول هذه الآية ان أوس بن الصامت الأنصاري توفي وترك زوجة تدعى أم كحة، فحاز ابنا عمه، سويد وعرفطة، ميراثه ولم يعطيا الزوجة والبنات شيئا. فجاءت أم كحة الى الرسول فشكت اليه أمرها. فدعاهما رسول الله، فقالا: ان الميراث لمن يقاتل العدو ويكسب. فنزلت هذه الآية، ثم نزل تفصيل الميراث في الآيات التي بعدها. والمعنى انه: اذا ترك الوالدان أو الأقربون مالاً فانه ينقسم، للرجال نصيب منه، وللنساء نصيب، سواء أكان الوارث صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو انثى، ومهما كان المال الموروث قليلا أو كثيرا. وهذه الآية عامة فصّلتها الآيتان 11 و12 بعد قليل.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْوَالِدَانِ} (7) - كَانَ المُشْرِكُونَ يَجْعَلُونَ المَالَ لِلرِجَالِ الكِبَارِ، وَلاَ يُوَرِثُونَ النِّسَاءَ وَلاَ الأطْفَالَ، بِحُجَّةِ أنَّهُمْ لاَ يَتَحَمَّلُونَ أعْبَاءَ الحُرُوبِ. فَأبْطَلَ اللهُ تَعَالَى هَذا التَّعَامُلَ الجَائِرَ، وَجَعَلَ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالأطْفَالَ سَوَاءً فِي المِيرَاثِ. وَجَعَلَ اللهُ المِيْرَاثَ حَقّاً مُعَيَّناً مَقْطُوعاً لَيْسَ لأحدٍ أنْ يُنْقِصَ مِنْهُ شَيْئاً، وَلاَ أنْ يُحَابِيَ. (هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ حِينَمَا جَاءَتِ امْرَأةٌ إلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ لِي ابْنَتَانِ قَدْ مَاتَ أبُوهُما، وَلَيْسَ لَهُما شَيءٌ، وَحَازَ عَمُّهُما المَالَ كُلَّهُ). نَصِيبٌ - حِصَّةٌ. المَفْرُوضُ - المُقَدَّرُ وَالمُعَيَّنُ.
الثعلبي
تفسير : {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} الآية، وذلك حديث : أن أوس بن ثابت الأنصاري توفى وترك امرأة يقال لها: أم كحة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصيّاه واختلف في اسميهما فقال الكلبي وقتادة: عرفطة، وقال غيره: سويد وعرفجة فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكراً، وإنما كانوا يورثون الرجال الكبار، فكانوا يقولون: لا نعطي إلاّ من قاتل على ظهر الخيل وجاز القسمة قال: فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد الفضيح فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات وترك عليَّ بنات له ثلاثاً وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالا حسناً وهو عند سويد وعرفجة، فلم يعطياني ولا بناته من المال شيئاً وهنّ في حجري، ولا يطعمن ولا يسقين ولا يرفع لهن رأس. فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلأ ولا ينكأ عدواً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "انصرفوا حتى أنظر ماذا يحدث الله لي فيهن" فانصرفوا فأنزل الله تعالى هذه الآية. {لِّلرِّجَالِ} يعني الذكور من أولاد الميت وأقربائه نصيب وحظ وسهم ممّا ترك الوالدان والأقربون من الميراث، والأناث لهن حصّة من الميراث. {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ} المال {أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} حظاً معلوماً واجباً، نظيرها فيما قال: {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} [النساء: 118] وهو نصب لخروجه مخرج المصدر كقول القائل: لك عليَّ حق حقاً واجباً، وعندي درهم هبة مقبوضة، قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: هو نصب على الخروج، الكسائي: على القطع، الأخفش: جعل ذلك نصيباً فأثبت لهم في الميراث حقاً، ولم يبيّن كم هو. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة: "لا تفرّقا من مال أوس بن ثابت شيئاً، فإن الله تعالى جعل لبناته نصيباً ممّا ترك ولم يبين كم هو، حتى ننظر ما ينزل الله عزّ وجلّ فيهن"، فأنزل الله عزّ وجلّ {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} إلى قوله {وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} فلما نزلت أرسل رسول الله إلى سويد وعرفجة: "أن ادفعا إلى أم كحة الثمن ممّا ترك وإلى بناته الثلثين، ولكما باقي المال" . تفسير : {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ} يعني قسمة المواريث {أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ} الذين لا يرثون {وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينُ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ } أي فارضوهم من المال قبل القسمة، واختلف العلماء في حكم هذه الآية: فقال قوم: هي منسوخة. وقال سعيد بن المسيب والضحاك وأبو مالك: كانت هذه قبل آية المواريث، فلما نزلت آية الميراث جعلت الميراث لأهلها الوصية ونسخت هذه الآية،وجعلت لذوي القربى الذين يحزنون ولا يرثون واليتامى والمساكين، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس. وقال آخرون: هي محكمة، وهو قول الأشعري والنخعي والشعبي والزهري ورواية عكرمة ومقسم عن ابن عباس. وقال مجاهد: واجبة على أهل الميراث ما طابت بها أنفسهم. قتادة عن الحسن: ليست بمنسوخة ولكن الناس شحوا وبخلوا. وروى عبد الرزاق عن معمّر عن هشام بن عروة: أن أباه أعطاه من ميراث مصعب حين قسم ماله، قاله الحسن. وقال التابعون: كانوا يعطون التابوت والأواني وباقي المتاع والثياب، والشيء الذي يستحي من قسمته، فإن كان بعض الورثة طفلا، فاختلفوا: فقال ابن عباس والسدي وغيرهما: إذا حضر القسمة هؤلاء، فإن كان الميّت أوصى لهم بشيء أنفدت لهم وصيته، وإن كانت الورثة كباراً رضخوا لهم، وإن كانت صغاراً اعتذروا إليهم، فيقول الولي والوصي: إني لا أملك هذا إنما هو لهؤلاء الضعفاء الصغار الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق، ولو كان لي من الميراث شيء لأعطيتكم، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم، وإن ماتوا فورثناهم أعطيناكم حقكم، وهذا هو القول المعروف. وقال سعيد بن جبير: هذه الآية ممّا يتهاون به الناس، هما وليان: وليّ يرث وهو الذي يعطي ويكسي، ووليّ لا يرث وهو الذي يقال له قول المعروف. وقال بعضهم: ذلك حق واجب في أموال الصغار والكبار، فإن كانوا كباراً تولوا إعطاهم، وإن كانوا صغاراً تولى إعطاء ذلك وليّهم. روى محمد بن سيرين: أن عبيدة السلماني قسّم أموال أيتام فأمر بشاة فذبحت فصنع طعاماً لأهل هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي. روى قتادة عن يحيى بن يعمر قال: تلك آيات محكمات مدنيات تركهن الناس، هذه الآية وآية الاستئذان {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} تفسير : [النور: 58] وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ} تفسير : [الحجرات: 13] . وقال بعضهم: هذا على الندب والاستحباب لا على الحَتم والايجاب، وهو أولى الأقاويل بالصواب. وقال ابن زيد وغيره: هذا في الوصية لا في الميراث، كان الرجل إذا أوصى قال: فلان ماله أمر أن يوصي بثلث ماله لمن سمّى الله في هذه الآية. وروى ابن أبي مليكة عن أسماء بنت عبد الرحمن وأبي بكر والقاسم بن محمد بن أبي بكر: أخبرا أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسّم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حيّةٌ، قالا: فلم يترك في الدار مسكيناً ولا ذا قرابة إلاّ أعطاهم من مال أبيه، وتلا هذه الآية {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ}. قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس فقال: ما أصاب، ليس ذلك له إنما ذلك في الوصية. {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ} الآية. قال أكثر المفسرين: هذا في الرجل يحضره الموت فيقول من بحضرته عند وصيته: أُنظر لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئاً، فقدّم لنفسك اعتق وتصدق وأعط فلاناً كذا وفلاناً كذا حتى يأتي على عامّة ماله ويستغرقه ولا يبقي لورثته شيئاً، فنهاهم الله عزّ وجلّ عن ذلك وأمرهم أن يأمروه أن يُبقي لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث ولا يجحف بورثته، كما لو كان هذا الميت هو الموصي، لسرّه أن يحثه من يحضره على حفظ ماله لولده ولا يدعهم عالة مع ضعفهم، ويجرهم إلى التصرّف والحيلة. وقال مقسم الحضرمي: الرجل يحضره الموت فيقول له من بحضرته: اتق الله وأمسك عليك مالك فليس أحد أحق بمالك من أولادك، وينهاه عن الوصية لأقربائه ولليتامى والفقراء، ولو كان هذا هو الموصي لسرّه أن يوصي لهم. وقال الكلبي: هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول: من كان في حجره يتيم فليحسن إليه، فليقل وليفعل خيراً وليأت إليه ما يحب أن يفعل بذريته من بعده. وهي رواية عطية عن ابن عباس. وقال الشعري: كنّا بالقسطنطينيّة أيام مسلمة بن عبد الملك وفينا ابن محبرين وابن الديلمي وهاني بن مكتوم، وجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان، فضقت ذرعاً لما سمعت فقلت لابن الديلمي: يا أبا بشير عليّ ودّي أنه لا يولد لي ولد أبداً قال: فضرب بيده على منكبي وقال: يابن أخي لا تفعل فإنه ليست من قسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل إلاّ وهي خارجة شئنا أو أبينا، ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجّاك الله منه، وإن تركت ولداً من بعدك حفظهم الله فيك؟ قلت: بلى فتلا هذه الآية، {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} والسديد العدل والصواب من القول {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً} الآية. قال مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من غطفان يقال له مرثد بن زيد، ولّي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله فأنزل الله عزّ وجلّ فيه {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً} حراماً بغير حق {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} أخبر عن ماله وأخبر عن حاله،والعرب تقول للشيء الذي يؤدى إلى الشيء: هذا كذا لما يؤدى إليه. مثل قولهم: هذا الموت، أي يؤدي إليه. حديث : وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الشارب من أواني الذهب والفضة "إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" . تفسير : وقال (عليه السلام): "حديث : البحر نار في نار" تفسير : أي عاقبتها كذلك، وذكر البطون تأكيداً كما يقال: نظرت بعيني وقلت بلساني وأخذت بيدي ومشيت برجلي {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} وقوداً. قرأه العامة بفتح الياء، أي يدخلون، تصديقها إلاّ من هو صال الجحيم، وقوله: {أية : لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى} تفسير : [الليل: 15]. وقرأ أبو رجاء والحسن وابن عامر وعاصم وأبو جعفر: بضم الياء، أي يدخلون النار ويحرقون نظيره، قوله: {أية : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} تفسير : [المدثر: 26] وقوله: {أية : فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً} تفسير : [النساء: 30]. وقرأ حميد بن قيس: (وسيُصلّون) بضم الياء وتشديد اللام، من التصلية، لكثرة الفعل، أي مرّة بعد مرّة، دليله قوله: {أية : ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ} تفسير : [الحاقة: 31] وكل صواب، يقال: صَلَيت الشيء إذا شويته. وفي الحديث: أتى بشاة مصلية، فاصليته ألقيته في النار، وصليته مرّة بعد مرّة، وصُلِيت بكسر اللام دخلت النار وتصلّيت استدفأت بالنار. قال الشاعر: شعر : وقد تصليت حرَّ حربهم كما تصلّى المقرور من قرس تفسير : وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظلماً يوم القيامة، ولهب النار ودخانه يخرج من فيه وأذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه كل من رآه يأكل مال اليتيم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت ليلة أُسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل أحديهما عالية على منخريه وأخرى على بطنه، وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها، ثم يخرج من أسافلهم، فقلت: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ". تفسير : {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ}. فصل في بسط الآية اعلم أن الوراثة كانت في الجاهلية بالرجولية والقوة، وكانوا يورثون الرجال دون النساء والأطفال، فأبطل الله عزّ وجلّ ذلك بقوله: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ} وكانت الوراثة أيضاً في الجاهلية، وبدأ الإسلام بالمحالفة قال الله: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعني الحلفاء {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} وأعطوهم حظهم من الميراث، ثم صارت بعد الهجرة، قال الله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} تفسير : [الأنفال: 72] فنسخ هذا كله وصارت الوراثة على وجهين: بالسبب والنسب، فأما السبب فهو النكاح والولاء، وهذا علم عريض لذلك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عليكم بالفرائض فإنها نصف العلم وهو أول علم ينزع من أمتي ". تفسير : ولا يمكن معرفة ذلك إلاّ بمعرفة الورثة والسهام، وقد أفردت فيه قولا وجيزاً جامعاً كما يليق بشرط الكتاب والله الموفق للصواب. اعلم أن الميت إذا مات يبدأ أولا بالتجهيز ثم بقضاء ديونه ثم بإنفاذ وصاياه، فما فضل يقسّم بين الورثة، والورثة على ثلاثة أقسام: منهم من يرث بالفرض، ومنهم من يرث بالتعصيب، ومنهم من يرث بهما جميعاً، فصاحب الفرض: من له سهم معلوم ونصيب مقدّر، مثل البنات والأخوات والأمهات والجدّات والأزواج والزوجات، وصاحب التعصيب: من يأخذ جميع المال عند عدم أصحاب الفروض، أو يأخذ الفاضل منهم ويكون محروماً إذا لم يفضل من أصحاب السهام شيء، مثل الأخ والعم ونحوهما، والذي يرث بالوجهين: هو الأب مع البنت وبنت الابن، يأخذ نصيبه المقدر وهو السدس، ثم يأخذ ما فضل منهما وجملة الورثة سبعة عشر، عشرة من الرجال: الابن وابن الابن وإن سفل والأب وأب الأب وإن علا والأخ وابن الأخ والعم وابن العم والزوج ومولى العتاق، ومن النساء سبع: البنت وبنت الابن والأم والجدّة والأخت والزوجة ومولاة العتاق، والذين لا يسقطهم من الميراث أحد الستة، الأبوان والولدان والزوجان. والعلة في ذلك: أنه ليست بينهم وبين الميت واسطة، والذين لا يرثون بحال ستة: العبد والمدبّر والمكاتب وأم الولد وقاتل العمد وأهل الملتين، والسهام المحدودة في كتاب الله عزّ وجلّ ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. والنصف فرض خمسة: بنت الصلب، وبنت الابن إذا لم يكن بنت الصلب، والأخت للأب والأم، والأخت للأب إذا لم يكن الأخت للأب والأم، والزوج إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن. والربع فرض اثنين: الزوج إذا كان للميت ولد أو ولد ابن، والزوجة والزوجات إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن. والثمن فرض واحد: الزوجة والزوجات إذا كان للميت ولد أو ولد ابن. والثلثان فرض كل اثنين فصاعداً ممّن فرضه النصف. والثلث فرض ثلاثة: الأم إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن ولا اثنان من الأخوة والأخوات إلاّ في مسألتين: أحدهما زوج وأبوان، والأُخرى امرأة وأبوان، فإن للأم فيهما ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج، وهو في الحقيقة سدس جميع المال، والزوجة وهو ربع جميع المال، وفرض الاثنين من ولد الأم ذكورهم واناثهم سواء، وفرض الجدّ مع الأخوة والأخوات إذا كانت المقاسمة خيراً له من الثلث. والسدس فرض سبعة: بنت الابن مع بنت الصلب، والأخت للأب مع الأخت للأب والأم، والواحد من ولد الأم، والأم إذا كان للبنت ولداً، وولد ابن أو اثنان من الأخوة والأخوات، وفرض الجدة والجدات وفرض الأب مع الولد وولد الابن [....] مع الابن وابن الابن، وأما العصبات فأقربهم البنون ثم بنوهم ثم بنو بنيهم وإن سفلوا [...] أخواتهم للذكر مثل حضّ الأُنثيين، ثم الأب وله ثلاثة أحوال: حال ينفرد بالتعصيب، وهو مع عدم الولد وولد الابن، وحال ينفرد بالفرض، وهو مع الابن أو ابن الابن، وحال يجمع له الفرض والتعصيب، وهو مع البنت وابنة الابن، ثم الجد إن لم يكن له أخوة، وإن كان له أخوة قاسمهم، ثم الأخوة والأخوات للأب والأم، ثم الأخوة والأخوات للأب يقسمون المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، والواحدة منهن عصبة مع البنات، وسائر العصبات ينفرد ذكورهم بالتعصيب، دون الأناث، ثم بنو الأخوة للأب والأم، ثم بنو الأخوة للأب، ثم الأعمام للأب والأم، ثم الأعمام للاب، ثم بنو الأعمام للأب والأم، ثم بنو الأعمام للأب، ثم بنو الأعمام للأب والأم، ثم بنو الأعمام للأب، ثم أعمام الأب كذلك، ثم أعمام الجد، على هذا الترتيب لا يرث بنو أب أعلى وبنو أب أقرب منهم موجود، ثم مولى العتق، ثم عصبته على هذا الترتيب، فهذه جملة من هذا العلم. رجعنا إلى تفسير الآية، اختلف المفسرون في سبب نزولها: فأخبر محمد بن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: حديث : مرضت فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر(رضي الله عنه) وهما يتمشيان، فأُغشي عليَّ فدعا بماء فتوضأ ثم صبّه عليَّ فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أمضي في مالي؟ كيف أصنع في مالي؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فيَّ آية المواريث . تفسير : وقال عطاء: حديث : استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أُحد وترك امرأة وابنتين وأخاً، فأخذ الأخ المال فأتت امرأة سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد، وإن سعداً قُتل يوم أحد معك شهيداً، وإن عمّهما أخذ مالهما ولا ينكحان إلاّ ولهما مال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك" فأقامت حيناً ثم عادت وشكت وبكت، فنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلاَدِكُمْ} إلى آخرها. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمّهما وقال: "أعطِ بنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك"تفسير : ، فهذا أول ميراث قُسّم في الإسلام. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أم كحة وقد مضت القصة. وقال السدي: نزلت في عبد الرحمن أخي حسان الشاعر، وذلك أنه مات وترك امرأة وخمس أخوات، فجاء الورثة فأخذوا ماله ولم يعطوا امرأته شيئاً، فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله آية المواريث. وقال ابن عباس: كانت المواريث للأولاد وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله ذلك، وأنزل آية المواريث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله لم يرض بملك مقرب ولا نبي مرسل حتى تولى قسم التركات وأعطى كل ذي حق حقه ألا فلا وصية للوارث" تفسير : وقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ} أي يعهد إليكم ويفرض عليكم {فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} أي في أمر أولادكم إذا متم {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَآءً} يعني المتروكات {فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ} فصاعداً يعني البنات {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} و(فوق) صلة، كقوله عزّ وجلّ: {أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ} تفسير : [الأنفال: 12]. {وَإِن كَانَتْ} يعني البنت {وَاحِدَةً}. قرأه العامة: نصب على خبر كان، ورفعهما أهل المدينة على معنى: إن وقعت واحدة، وحينئذ لا خبر له. {فَلَهَا ٱلنِّصْفُ} ثم قال: {وَلأَبَوَيْهِ} يعني لأبوي الميت، كناية عن غير المذكور {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} أو ولدان، والأب هاهنا صاحب فرض {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ} قرأ أهل الكوفة: (فلأمه) بكسر الهمزة، وقرأ الباقون: بالضم على الأصل. {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} اثنين كانا أو أكثر ذكراناً أو أناثاً {فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ} هذا قول عامة الفقهاء، وكان ابن عباس لا يحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة أخوة، وكان يقول في أبوين وأخوين: للأم الثلث وما بقي فللأب، اتبع ظاهر اللفظ. وروى: أن ابن عباس دخل على عثمان فقال: لِمَ صار الأخوان يردان الأم إلى السدس، وإنما قال الله عزّ وجلّ: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} والأخوان في لسان قومك ليسا بأخوة؟ فقال عثمان: هل أستطيع نقض أمرٌ قد كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأمصار. وقول ابن عباس في هذا غير مأخوذ به، وأما الآية فإن العرب توقع اسم الجمع على التثنية، لأن الجمع ضمُّ شيء إلى شيء، فأقل الجموع اثنان وأقصاها لا غاية له، قال الله تعالى: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} تفسير : [التحريم: 4]. وتقول العرب: ضربت من زيد وعمرو رؤوسهما فأوجعت من إخوتك ظهورهما. وأنشد الأخفش: شعر : لما أتتنا المرأتان بالخبر أن الأمر فينا قد شهر تفسير : قال الثعلبي: وأنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبو سعيد أحمد بن محمد بن رمح الزيدي: شعر : ويُحيى بالسلام غني قوم ويبخل بالسلام على الفقير أليس الموت بينهما سواء إذا ماتوا وصاروا في القبور تفسير : {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم: (يوصَى) بفتح الصاد، الباقون: بالكسر وكذلك الآخر. واختلفت الرواية فيهما عن عاصم، والكسر اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأنّه جرى ذكر الميت قبل هذا، قال الأخفش: وتصديق الكسر يوصين ويواصون. {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً}. قال مجاهد: في الدنيا، وقرأ بعضهم: (أيهما أقرب لكم نفعاً) أي رفع بالابتداء، ولم يعمل فيه ال (ما) قبله، لأنه استفهام و(أقرب) خبره و(نفعاً) نصب على التمييز، كأنه يقول: لا يدرون أي الوارثين والموروثين أسرع موتاً فيرثه صاحبه، فلا تتمنوا موت الموروث ولا تستعجلوه. وقال ابن عباس: أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله عزّ وجلّ يشفّع المؤمنين بعضهم في بعض، فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده في درجته ليقرّ بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله والديه إلى درجته ليقرّ بذلك عينيهما. قال الحسن: لا تدرون بأيّهم أنتم أسعد في الدين والدنيا. {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ} يعني وللزوجات {ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ} نظم الآية: وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة، وهو نصب على المصدر، وقيل: على الحال، وقيل: على خبر ما لم يسمّ فاعله، تقديرها: وإن كان رجل يورث ماله كلالة. وقرأ الحسن وعيسى: (يورِث) بكسر الراء (جعلا) فعلا له. واختلفوا في الكلالة: فقال الضحاك والسدي: هو الموروث. سعيد بن جبير: هم الورثة. النضر بن شميل: هو المال. واختلفوا أيضاً في معناه وحكمه: فروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حديث : سئل عن الكلالة، فقرأ آخر سورة النساء، فردَّ عليه السائل فقال صلى الله عليه وسلم "لست بزائدك حتى أُزاد" . تفسير : وروى شعبة عن عاصم الأحول قال: سمعت الشعبي يقول: إن أبا بكر (رضي الله عنه) قال في الكلالة: أقضي فيها قضاءاً وأن كان صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمن الشيطان ومني، والله بريء منه: هو ما دون الوالد والولد، يقول: كل وارث دونهما كلالة قال: فلما كان عمر (رضي الله عنه) بعده قال: إني لأستحي من الله أن أُخالف أبا بكر: هو ما خلا الوالد والولد. وقال طاوس: هو ما دون الولد. والحكم: هو ما دون الأب. عطية: هم الأُخوة للأُم. عبيد بن عمير: هم الأخوة للأب. وقيل: هم الأخوة والأخوات. قال جابر بن عبد الله: قلت يا رسول الله إنما يرثان أُختان لي فكيف بالميراث؟ فنزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ}. وقال الأخفش: كل من لم يرثه أب أو أم فهو كلالة. وقال أهل اللغة: هو من نكللهُ النسب إذا أحاط به كالإكليل. قال أمرؤ القيس: شعر : أصاح ترى برقاً أريك وميضه كلمع اليدين في حبّي مكلل تفسير : فسمّوا كلالة، لأنهم أحاطوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم، وأحاطتهم به أنهم ينسبون معه. قال الفرزدق: شعر : ورثتم قناة الملك غير كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشم تفسير : وقال بعضهم: شعر : وإن أبا المرؤ أحمى وله ومولى الكلالة لا يغضب تفسير : {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} ولم يقل: (ولهما) وقد مضى ذكر الرجل والمرأة على عادت العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما كانا في الحكم سواء، ربّما أضافت إلى أحدهما وربما أضافت إليهما جميعاً، يقول: من كان عنده غلام وجارية فليحسن إليه وإليها وإليهما كلها جائز، قال الله عزّ وجلّ: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} تفسير : [البقرة: 45] ونظائرها، وأراد بهذا الأخ والأُخت من الأمر، يدل عليه قراءة سعد بن أبي وقاص: وله أخ أو أخت من الأم {مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ} بينهم بالسوية ذكورهم وإناثهم سواء {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ}. قال علي (عليه السلام): إنكم تقرؤون الوصيّة قبل الدين وبدأ رسول الله بالدين قبل الوصية. وهذا قول عامة الفقهاء، ومعنى الآية الجمع لا الترتيب {غَيْرَ مُضَآرٍّ} مدخل الضرر على الورثة. قال الحسن: هو أن توصي بدين ليس عليه {وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ}. وقرأ الأعمش: (غير مضار وصية من الله) على الإضافة. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ}. قال قتادة: إن الله عزّ وجلّ كره الضرار في الحياة وعند الموت ونهى عنه وقدر فيه، ولا يصلح مضارة في حياة ولا موت. وفي الخبر من قطع ميراثه في الجنة {تِلْكَ حُدُودُ} إلى قوله:
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومَنْ الذي يفرض هذا النصيب؟ إنه الله الذي ملك وهو الذي فرض. هنا نلاحظ أن المرحوم الشهيد صاحب الظلال الوارفة الشيخ سيد قطب لحظ ملحظاً جميلاً هو: كيف يكون للمتوفي أولاد أو نساء محسوبون عليه ولا يأخذون؟ إن الصغار كانوا أولى أن يأخذوا لأن الكبار قد اشتدت أعوادهم وسواعدهم، فالصغار أولى بالرعاية، وأيضاً إذا كانت قوانين "مندل" في الوراثة توضح أن الأولاد يرثون من أمهاتهم وآبائهم وأجدادهم الخصال الحسنة أو السيئة، أو المرض أو العفة أو الخلقة، فلماذا لا تورثونهم أيضاً في الأموال؟ وحين نسمع قول الحق: {نَصِيباً مَّفْرُوضاً} [النساء: 7] فلابد من أن يوجد فارض، ويوجد مفروض عليه، والفارض هنا هو الله الذي ملك، وفيه فرق دقيق بين "فرض" و "أوجب" فالفرض يكون قادماً من أعلى، لكن الواجب قد يكون من الإنسان نفسه، فالإنسان قد يوجب على نفسه شيئاً. وحين يتكلم الحق عن النصيب المفروض، فقد بين أن له قدراً معلوماً، وما دام للنصيب قدر معلوم، فلا بد أن يتم إيضاحه، ولم يبين الحق ذلك إلا بعد أن يُدخل في العملية أناساً قد لا يورثهم، وهم ممَّنْ حول الميت ممَّنْ ليسوا بوارثين، ويوضح سبحانه الدعوة إلى إعطاء مَنْ لا نصيب له، إياكم أن يلهيكم هذا النصيب المفروض عمَّنْ لا نصيب له في التركة. لذلك يقول سبحانه وتعالى: {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ...}.
الأندلسي
تفسير : {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ} الآية. قيل: كان اليونان يعطون جميع المال للبنات لأن الرجل لا يعجز عن الكسب والمرأة تعجز. وكانت العرب لا يعطيون البنات فرد الله تعالى على الفريقين والمعنى بالرجال الذكور وبالنساء الإِناث لقوله: {أية : وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} تفسير : [النساء: 1]. وأبهم في قوله: نصيب، وكذا أبهم في الأقربين لم يعين من هم. قال الزمخشري: ونصيباً ففروضاً نصب على الاختصاص بمعنى أعنى نصيباً مفروضاً مقطوعاً واجباً. "انتهى". إن عنى بالاختصاص ما أصطلح عليه النحويون فهو مردود بكونه نكرة والمنصوب على الاختصاص نصوا على أنه لا يكون نكرة. {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ} أي قسمة الميراث. {أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ} ممن لا يرث. {فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ} أي من مال المقسوم. {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ} ظاهره هذه الجملة أنه أمر بخشية الله تعالى واتقائه والقول السديد من ينظر في حال ذرية ضعاف لتنبيهه على ذلك بكونه هو يترك ذرية ضعافاً فيدخل في ذلك ولاة الأيتام، قاله ابن عباس. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً} قيل: نزلت في الأوصياء الذين يأكلون من أموال اليتامى ما لم يبح لهم وهي تتناول كل أكل بظلم وان لم يكن وصياً. وانتصاب ظلماً على أنه مصدر في موضع الحال أو مفعول من أجله، وخبر إن هي الجملة من قوله: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ} وفي ذلك دليل على جواز وقوع الجملة المصدّرة بأن خبراً لأن وفي ذلك خلاف. وحسن ذلك هنا تباعدهما بكون اسم ان موصولاً فطال الكلام بذكر صلته. و{فِي بُطُونِهِمْ} معناه ملء بطونهم وهو متعلق بيأكلون وقال أبو البقاء: هو في موضع الحال من قوله نار. "انتهى". والأولى تعلقه بيأكلون كما قلنا ونبه بقوله: في بطونهم، على نقصهم ووصفهم بالشره في الأكل والتهافت في نيل الحرام بسبب البطن، وظاهر قوله: ناراً، انهم يأكلون ناراً حقيقة. وفي حديث أبي سعيد عن ليلة الإِسراء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت قوماً لهم مشافر كمشافر الابل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار يخرج من أسافلهم فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً . تفسير : وقرىء، {وَسَيَصْلَوْنَ} بفتح الياء وبضمها.
الجيلاني
تفسير : ثم لمَّا أمر أولاً سبحانه عباده بالتقوى على وجه المبالغة والتأكيد، وقَرَنَ عليه حفظ الأرحام ومراعاة الأيتام، ومواساة السفهاء المنحطين عن درجة العقلاء، أراد أن يبين أحوال المواريث والمتوارثين مطلقاً، حتى لا يقع التغالب والتظالم فيها كما في الجاهلية الأولى؛ إذ روي أنهم لا يرثون النساء معللين بأنهن لا يحضرن الوغى ولا يدفعون العدو. رد الله عليهم وعيَّن لكل واحد من الفريقين نصيباً مفروزاً مفروظاً، فقال: {لِّلرِّجَالِ} سواء كانوا بالغين أم لا، عقلاء أم سفهاء {نَصيِبٌ} بينهم مفروض مقدر {مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ} أيضاً بالغات، عاقلات أم لا {نَصِيبٌ} مقدر {مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ} المتروك {أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} [النساء: 7] مقدراً في كتاب الله، كما يجيء بيانه وتعيينه من قريب. {وَ} من جملة الأمور المترتبة على التقوى: تصدق الوارثين من المتروك {إِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ} أي: وقتها {أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ} المقلين، المحجوبين عن الإرث {وَٱلْيَتَامَىٰ} الذين لا مال لهم ولا متعهد لهم {وَٱلْمَسَاكِينُ} الفاقدين وجه المعاش {فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ} أي: فاعطوهم أيها الوارثون من المقسم المتروك مقدار ما لا يؤدي إلى تحريم الورثة {وَقُولُواْ لَهُمْ} حين الإعطاء {قَوْلاً مَّعْرُوفاً} [النساء: 8] خالياً عن وصمة المنِّ والأذى. {وَلْيَخْشَ} من سخط الله وغضبه الأوصياء أو الحضَّار {ٱلَّذِينَ} حضروا عند من أشرف على الموت أن يلقنوا له التصدق من ماله على وجه يؤدي إلى تحريم الورثة، وعلى الحضَّار أن يفرضوا {لَوْ} ماتوا أو {تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً} أخلافاً {ضِعَافاً} بلا مال ولا متعهد {خَافُواْ عَلَيْهِمْ} البتة ألاَّ يضيعوا، فيكف لا يخافون على أولئك الضعاف الضياع؟! بل المؤمن لا بد أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه بل أولى منه {فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ} أولئك الحضَّار أو الأوصياء عن التلقين المخلّ لنصيب الورثة {وَلْيَقُولُواْ} له ويلقنوا عليه {قَوْلاً سَدِيداً} [النساء: 9] معتدلاً بين طرفي الإفراط والتفريط؛ رعاية للجانبين، وحفظاً للغبطتين. ثم قال سبحانه توبيخاً وتقريعاً على الظالمين المولعين في أكل أموال اليتامى من الحكام والأوصياء والمتغلبة من الورثة: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً} بلا رخصة شرعية {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ} ويدخرون {فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} معنوياً في النشأة الأولى، مستتبعاً النار الصوري في النشأة الأخرى، وهي نار البعد والخذلان {وَ} هم فيها {سَيَصْلَوْنَ} أي: سيدخلون {سَعِيراً} [النساء: 10] لا ينجو منها أحد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : كان العرب في الجاهلية - من جبروتهم (1) وقسوتهم لا يورثون الضعفاء كالنساء والصبيان، ويجعلون الميراث للرجال الأقوياء لأنهم -بزعمهم- أهل الحرب والقتال والنهب والسلب، فأراد الرب الرحيم الحكيم أن يشرع لعباده شرعًا، يستوي فيه رجالهم ونساؤهم، وأقوياؤهم وضعفاؤهم. وقدم بين يدي ذلك أمرا مجملا لتتوطَّن على ذلك النفوس. فيأتي التفصيل بعد الإجمال، قد تشوفت له النفوس، وزالت الوحشة التي منشؤها العادات القبيحة، فقال: { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ } : أي: قسط وحصة { مِمَّا تَرَكَ } أي: خلف { الْوَالِدَان } أي: الأب والأم { وَالأقْرَبُونَ } عموم بعد خصوص { وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ }. فكأنه قيل: هل ذلك النصيب راجع إلى العرف والعادة، وأن يرضخوا لهم ما يشاءون؟ أو شيئا مقدرا؟ فقال تعالى: { نَصِيبًا مَفْرُوضًا } : أي: قد قدره العليم الحكيم. وسيأتي -إن شاء الله- تقدير ذلك. وأيضا فهاهنا توهم آخر، لعل أحدا يتوهم أن النساء والولدان ليس لهم نصيب إلا من المال الكثير، فأزال ذلك بقوله: { مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ } فتبارك الله أحسن الحاكمين.
همام الصنعاني
تفسير : 522- حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن قتادة قال: أنبأنا معمر عن قتادة قال: كانوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساء، فنزلت: {وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ}: [الآية: 7].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):