Verse. 4942 (AR)

٥٥ - ٱلرَّحْمَٰن

55 - Ar-Rahman (AR)

يُعْرَفُ الْمُجْرِمُوْنَ بِسِيْمٰہُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِيْ وَ الْاَقْدَامِ۝۴۱ۚ
YuAArafu almujrimoona biseemahum fayukhathu bialnnawasee waalaqdami

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يعرف المجرمون بسيماهم» سواد الوجوه وزرقة العيون «فيؤخذ بالنواصي الأقدام».

41

Tafseer

الرازي

تفسير : اتصال الآيات بما قبلها على الوجه المشهور، ظاهر لا خفاء فيه، إذ قوله: {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ } كالتفسير وعلى الوجه الثاني من أن المعنى لا يسأل عن ذنبه غيره كيف قال: يعرف ويؤخذ وعلى قولنا: لا يسأل سؤال حط وعفو أيضاً كذلك، وفيه مسائل: المسألة الأولى: السيما كالضيزى وأصله سومى من السومة وهو يحتمل وجوهاً أحدها: كي على جباههم، قال تعالى: {أية : يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ } تفسير : [التوبة: 35] ثانيها: سواد كما قال تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ } تفسير : [آل عمران: 106] وقال تعالى: {أية : وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } تفسير : [الزمر: 60] ثالثها: غبرة وقترة. المسألة الثانية: ما وجه إفراد (يؤخذ) مع أن (المجرمين) جمع، وهم المأخوذون؟ نقول فيه وجهان أحدهما: أن يؤخذ متعلق بقوله تعالى: {بِٱلنَّوَاصِي } كما يقول القائل ذهب بزيد وثانيهما: أن يتعلق بما يدل عليه يؤخذ، فكأنه تعالى قال، فيؤخذون بالنواصي، فإن قيل كيف عدى الأخذ بالباء وهو يتعدى بنفسه قال تعالى: {أية : لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ } تفسير : [الحديد: 15] وقال: {أية : خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ } تفسير : [طه: 21] نقول: الأخذ يتعدى بنفسه كما بينت، وبالباء أيضاً كقوله تعالى: {أية : لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي } تفسير : [طه: 94] لكن في الاستعمال تدقيق، وهو أن المأخوذ إن كان مقصوداً بالأخذ توجه الفعل نحوه فيتعدى إليه من غير حرف، وإن كان المقصود بالأخذ غير الشيء المأخوذ حساً تعدى إليه بحرف، لأنه لما لم يكن مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، وكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فذكر الحرف، ويدل على ما ذكرنا استعمال القرآن، فإن الله تعالى قال: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ } في العصا وقال تعالى: {أية : وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ } تفسير : [النساء: 102] {أية : أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ } تفسير : [الأعراف: 154] إلى غير ذلك، فلما كان ما ذكر هو المقصود بالأخذ عدى الفعل إليه من غير حرف، وقال تعالى: {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي } وقال تعالى: {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ } ويقال: خذ بيدي وأخذ الله بيدك إلى غير ذلك مما يكون المقصود بالأخذ غير ما ذكرنا، فإن قيل: ما الفائدة في توجيه الفعل إلى غير ما توجه إليه الفعل الأول، ولم قال: {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي }؟ نقول فيه بيان نكالهم وسوء حالهم ونبين هذا بتقديم مثال وهو أن القائل إذا قال ضرب زيد فقتل عمرو فإن المفعول في باب ما لم يسم فاعله قائم مقام الفاعل ومشبه به ولهذا أعرب إعرابه فلو لم يوجه يؤخذ إلى غير ما وجه إليه يعرف لكان الأخذ فعل من عرف فيكون كأنه قال: يعرف المجرمين عارف فيأخذهم ذلك العارف، لكن المجرم يعرفه بسيماه كل أحد، ولا يأخذه كل من عرفه بسيماه، بل يمكن أن يقال قوله: {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ } المراد يعرفهم الناس والملائكة الذين يحتاجون في معرفتهم إلى علامة، أما كتبة الأعمال والملائكة الغلاظ الشداد فيعرفونهم كما يعرفون أنفسهم من غير احتياج إلى علامة، وبالجملة فقوله: يعرف معناه يكونون معروفين عند كل أحد فلو قال: يؤخذون يكون كأنه قال: فيكونون مأخوذين لكل أحد، كذلك إذا تأملت في قول القائل: شغلت فضرب زيد علمت عند توجه التعليق إلى مفعولين دليل تغاير الشاغل والضارب لأنه يفهم منه أني شغلني شاغل فضرب زيداً ضارب، فالضارب غير ذلك الشاغل، وإذا قلت: شغل زيد فضرب لا يدل على ذلك حيث توجه إلى مفعول واحد، وإن كان يدل فلا يظهر مثل ما يظهر عند توجهه إلى مفعولين، أما بيان النكال فلأنه لما قال: {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصي } بين كيفية الأخذ وجعلها مقصود الكلام، ولو قال: فيؤخذون لكان الكلام يتم عنده ويكون قوله: {بِٱلنَّوَاصِي } فائدة جاءت بعد تمام الكلام فلا يكون هو المقصود، وأما إذا قال: فيؤخذ، فلا بد له من أمر يتعلق به فينتظر السامع وجود ذلك، فإذا قال: {بِٱلنَّوَاصِي } يكون هذا هو المقصود، وفي كيفية الأخذ ظهور نكالهم لأن في نفس الأخذ بالناصية إذلالاً وإهانة، وكذلك الأخذ بالقدم، لا يقال قد ذكرت أن التعدية بالباء إنما تكون حيث لا يكون المأخوذ مقصوداً والآن ذكرت أن الأخذ بالنواصي هو المقصود لأنا نقول: لا تنافي بينهما فإن الأخذ بالنواصي مقصود الكلام والناصية ما أخذت لنفس كونها ناصية وإنما أخذت ليصير صاحبها مأخوذاً، وفرق بين مقصود الكلام وبين الأخذ، وقوله تعالى: {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ } فيه وجهان أحدهما: يجمع بين ناصيتهم وقدمهم، وعلى هذا ففيه قولان: أحدهما: أن ذلك قد يكون من جانب ظهورهم فيربط بنواصيهم أقدامهم من جانب الظهر فتخرج صدورهم نتأ والثاني: أن ذلك من جانب وجوههم فتكون رءوسهم على ركبهم ونواصيهم في أصابع أرجلهم مربوطة الوجه الثاني: أنهم يسحبون سحباً فبعضهم يؤخذ بناصيته وبعضهم يجر برجله، والأول أصح وأوضح.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} قال الحسن: سواد الوجه وزرقة الأعين، قال الله تعالى: {أية : وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً} تفسير : [طه:102] وقال تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}تفسير : . [آل عمران:106] {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ} أي تأخذ الملائكة بنواصيهم؛ أي بشعور مقدم رؤوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار. والنواصي جمع ناصية. وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره. وعنه: يؤخذ برجلي الرجل فيجمع بينهما وبين ناصيته حتى يندق ظهره ثم يلقى في النار. وقيل: يفعل ذلك به ليكون أشدّ لعذابه وأكثر لتشويهه. وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النار؛ تارةً تأخذ بناصيته وتجره على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على رأسه. قوله تعالى: {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} أي يقال لهم هذه النار التي أخبرتم بها فكذبتم. {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} قال قتادة: يطوفون مرةً بين الحميم ومرةً بين الجحيم، والجحيم النار، والحميم الشراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه، أحدها أنه الذي ٱنتهى حَرُّه وحميمه. قاله ٱبن عباس وسعيد بن جُبير والسّدي؛ ومنه قول النابغة الذُّبْياني:شعر : وتُخْضَبْ لْحِيَةٌ غَدَرتْ وخَانت بأحمَر من نجيعِ الجوفِ آنِ تفسير : قال قتادة: {آنٍ } طبخ منذ خلق الله السموات والأرض؛ يقول: إذا ٱستغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك. وقال كعب: «آن» واد من أودية جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار فيغمسون بأغلالهم فيه حتى تنخلع أوصالهم، ثم يخرجون منها وقد أحدث الله لهم خلقاً جديداً فيلقون في النار، فذلك قوله تعالى: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}. وعن كعب أيضاً: أنه الحاضر. وقال مجاهد: إنه الذي قد آن شربه وبلغ غايته. والنعمة فيما وصف من هول القيامة وعقاب المجرمين ما في ذلك من الزجر عن المعاصي والترغيب في الطاعات. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : أنه أتى على شاب في الليل يقرأ {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ} فوقف الشاب وخنقته العَبْرة وجعل يقول: وَيْحِي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«وَيْحَك يا فتى مثلها فوالذي نفسي بيده لقد بكت ملائكة السماء من بكائك».

المحلي و السيوطي

تفسير : {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَٰهُمْ } أي سواد الوجوه وزرقة العيون {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِى وَٱلأَقْدَامِ }.

ابو السعود

تفسير : وقولُه تعالَى: {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ} استئنافٌ يَجْرِي مَجْرى التعليلِ لعدمِ السؤالِ، قيلَ: يُعرفونَ بسوادِ الوجوهِ وزرقةِ العُيونِ، وقيلَ: بما يعلُوهم منِ الكآبةِ والحُزنِ {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِى وَٱلأَقْدَامِ} الجارُّ والمجرورُ هُو القائمُ مقامَ الفاعلِ، يُقَالُ أخذَهُ إِذَا كانَ المأخوذُ مقصوداً بالأخذِ، ومنه قولُه تعالى: {أية : خُذُواْ حِذْرَكُمْ } تفسير : [سورة النساء، الآية 71] ونحُوه. وأخذَ بهِ إذَا كانَ المأخوذُ شيئاً من ملابساتِ المقصودِ بالأخذِ منه قولُه تعالى: {أية : لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى } تفسير : [سورة طه، الآية 94] وقولُ المستغيثِ خُذْ بـيدِي أخذَ الله بـيدِك. أيْ يُجمعُ بـين نواصِيهم وأقدامِهم في سلسلةٍ من وراءِ ظُهورِهم، وقيلَ: تسحبُهم الملائكةُ، تارةً تأخذُ بالنَّواصِي وتارةً تأخذُ بالأقدامِ. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ}. وقولُه تعالَى: {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} على إرادةِ القولِ، أيْ يقالُ لهُم ذلكَ بطريقِ التوبـيخِ على أنَّ الجملةَ إمَّااستئنافٌ وقعَ جواباً عن سؤالٍ ناشىءٍ من حكايةِ الأخذِ بالنَّواصِي والأقدامِ، كأنَّه قيلَ: فماذا يفعلُ بهِم عندَ ذلكَ فقيلَ يقالُ إلخ. أو حالٌ من أصحابِ النواصِي والأقدامِ، لأنَّ الألفَ واللامَ عوضٌ عن المضافِ إليهِ وما بـينَهما اعتراضٌ. {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا} أي بـينَ النَّارِ يُحرقُون بَها {وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ} ماءٍ بالغٍ من الحرارةِ أقصَاها يُصبُّ عليهم أو يُسقون منْهُ، وقيلَ: إذَا استغاثُوا من النارِ أغيثُوا بالحميمِ. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ} وقد أُشيرَ إلى سرِّ كونِ بـيانِ أمثالِ هذه الأمورِ من قبـيلِ الآلاءِ مِرَاراً. {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ} شروعٌ في تعدادِ الآلاءِ الفائضةِ عليهم في الآخرةِ بعدَ تعدادِ ما وصلَ إليهم في الدُّنيا من الآلاءِ الدينيةِ والدنيويةِ واعلمْ أنَّ ما عُدِّدَ فيمَا بـينَ هذه الآيةِ وبـين خاتمةِ السورةِ والكريمةِ من فنونِ الكراماتِ كَما أنَّ أنفسَها آلاءٌ جليلةٌ واصلةٌ إليهمْ في الآخرةِ، كذلكَ حكاياتُها الواصلةُ إليهم في الدُّنيا آلاءٌ عظيمةٌ لكونِها داعيةً لهم إلى السَّعِي في تحصيلِ ما يُؤدِّي إلى نيلِها منَ الإيمانِ والطَّاعةِ وأنَّ ما فُصِّلَ من فاتحةِ السُّورةِ الكريمةِ إلى قولِه تعالى: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } تفسير : [سورة الرحمن، الآية 29] من النعمِ الدينيةِ والدنيويةِ والأنفسيةِ والآفاقيةِ آلاءٌ جليلةٌ واصلةٌ إليهم في الدُّنيا وكذلكَ حكاياتُها منْ حيثُ إيجابُها للشكرِ والمثابرةِ على ما يُؤدِّي إلى استدامتِها، وأمَّا مَا عُدِّدَ فيمَا بـينَ قولِه تعالى سنفرغُ لكُم وبـين هذهِ الآيةِ من الأحوالِ الهائلةِ التي ستقعُ في الآخرةِ فليستْ هيَ من قبـيلِ الآلاءِ وإنَّما الآلاءُ حكاياتُها الموجبةُ للانزجارِ عمَّا يُؤدِّي إلى الإبتلاءِ بَها من الكفرِ والمعاصِي كَما أُشيرَ إليهِ في تضاعيفِ تعدادِها. ومقامُه تعالَى موقفُه الذي يقفُ فيه العبادُ للحسابِ يومَ يقومُ النَّاسُ لربِّ العالمينَ، أو قيامُه تعالَى على أحوالِه من قامَ عليهِ إذا راقبَهُ، أو مقامُ الخائفِ عندَ ربِّه للحسابِ بأحدِ المعنيـينَ. وإضافتُه إلى الربِّ للتفخيمِ والتهويلِ أو هو مقحمٌ للتعظيمِ. {جَنَّتَانِ} جنةٌ للخائفِ الإنسيِّ وجنةُ للخائفِ الجنيِّ فإنَّ الخطابَ للفريقينِ فالمَعْنى لكلِّ خائفينِ منكُما أو لكُلِّ واحدٍ جنةٌ لعقيدتِه وأُخرى لعملهِ، أو جنةٌ لفعلِ الطاعاتِ وأُخرى لتركِ المعاصِي، أو جنةٌ يثابُ بَها وأُخرى يتفضلُ بها عليهِ أو روحانيةٌ وجسمانيةٌ وكذا ما جَاء مَثْنى بعدُ

القشيري

تفسير : المؤمنون غُرٌّ مُحَجَّلُون، والكفَّارُ سود الوجوهِ زُرْقُ العيون، فيعرف الملائكة هؤلاء فيأخذون بنواصيهم ويَجُرُّونهم مرة بها ومرةً بأقدامهم ثم يلقونُهم في النار، ويطرحونهم في جهنم:

اسماعيل حقي

تفسير : {يعرف المجرمون بسيماهم} السيما والسيماء بالكسر والقصر والمد العلامة والجملة استئناف يجرى مجرى التعليل لعدم السؤال قيل يعرفون بسواد الوجوه وزرقة العيون وقيل بما يعلوهم من الكآبة والحزن كما يعرف الصالحون باضداد ذلك {فيؤخذ بالنواصى والاقدام} النواصى جمع ناصية وهى مقدم الرأس والمراد هنا شعرها والجار والمجرور هو القائم مقام الفاعل يقال أخذه اذا كان المأخوذ مقصودا بالأخذ ومنه قوله تعالى {أية : خذوا حذركم}تفسير : ونحوه وأخذ به اذا كان المأخوذ شيأ من ملابسات المقصود بالاخذ ومنه قوله تعالى {أية : لاتأخذ بلحيتى ولا برأسى}تفسير : وقول المستغيث خذ بيدى أخذ الله بيدك المعنى تأخذ الملائكة بنواصيهم اى بشعور مقدم رؤسهم واقدامهم فيفذفونهم فى النار او تسحبهم الملائكة الى النار تارة وتأخذ بالنواصى وتجرهم على وجوههم او يجمع بين نواصيهم واقدامهم فى سلسلة من ورآء ظهورهم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يُعْرَفُ المجرمون} أي: الكفرة {بسيماهم} بسواد وجوههم، وزُرقة عيونهم، أو: بما يعلوهم من الكآبة والحزن. قيل: هو تعليل لقوله: {فيومئذ لا يُسأل عن ذنبه إنس ولا جان} أي: لا يُسألون لأنهم معروفون، {فيُؤخذُ بالنواصي والأقدام} أي: يُجمع بين نواصيهم وأقدامهم في سلسلة من وراء ظهورهم، وقيل: تسحبهم الملائكةُ، تارة يُأخذ بالنواصي، وتارة بالأقدام، فالجار نائب الفاعل، {فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان} فإنَّ التخويف من هذه الأهوال قبل وقوعها من أجلّ النعم؛ ليقع الزجر عما يُؤدي إليها. {هذه جهنمُ التي يُكذِّب بها المجرمون} أي: يُقال لهم: هذه جهنم التي كذبتم بها، توبيخاً وعقاباً، {يطوف بينهما وبين حميمٍ آنٍ} أي: بالغ من الحرارة أقصاها، فالحميم: المار الحار، "والآنِ": البالغ في الحرارة، فهم يُعذّبون بين الحرق بالنار وشرب الحميم الحار. قال كَعْب: إن وادياً من أودية جهنم، يجتمع فيه صديد أهل النار، ينغمسون بأغلالهم فيه، حتى يخلع أوصالهم، ثم يُخرجون منها، وقد أحدث اللّهُ لهم خلقاً جديداً، فيُلقون في النار، فذلك قوله تعالى: {يطوفون بينها وبين حميمٍ آنٍ}، {فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان}، وقد تقدّم تفسير كون هذا نِعماً مراراً. الإشارة: فسَّر القشيري "المجرمون" هنا بطائفتين، الأولى: المتشدقون من علماء الكلام، الذي يتكلمون في ذاته وصفاته وأفعاله بما ليس لهم به علم، ويُجادلون أربابَ الكشف والشهود بسبب علومهم الجدلية، ويفوهون بقوة الجبهة وصلابة الناصية، فلا شك أنهم يُجرون على ناصيتهم في نار البُعد والطرد عن مراتب أهل العرفان. الطائقة الثانية: المتصوفة الجاهلة، المنقطعون عن الطريق المستقيم، والمنهج القويم، بسبب دخولهم في هذه الطريق بالتقليد، من غير إذن شيخ كامل، واصِلٍ مُوصِل، فلا شك أنهم يخرجون بأقدامهم المُعْوَجة عن سلوك طريق الحق إلى نار البُعد والقطيعة. هـ. بالمعنى. والسيما التي يُعرفون بها، إما علو النفس، وغِلظة الطبع، وطلب الجاه، وإما قلقة اللسان، وإظهار العلوم، فالعارف الكامل بعكس هذا كله، متواضع، سهل، لَيِّن، الخفاء أحب إليه من الظهور، لسان حاله أفصح من مقاله. ثم قال تعالى: {هذه جهنم التي يُكذِّب بها المجرمون} المتقدمون، لأنهم ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا. وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنعاً، {يطوفون بينها} أي: بين نار القطيعة وحميم التدبير والاختيار، مِن هَمّ الرزق، وخوف الخلق، وغم الحجاب: نسأل الله العصمة بمنِّه وكرمه. ثم شفع بأضدادهم، فقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}.

اطفيش

تفسير : {يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} بعلامتهم في الكآبة والحزن وسواد الوجوه وزرقة العيون {فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِى} نائب يؤخذ جمع ناصية وهو شعر مقدم الرأس {وَالأَقْدَامِ} يجمع بين ناصيته وقدمه بسلسلة من خلفه ولا يضطرب ويلقى في النار وقيل يطوي كالحطب فيلقى وقيل: يجعل رؤوسهم على ركبهم ونواصيهم في بنانهم وفي تارة يسحب بالناصية وتارة بالقدم فيلقى فيها وقيل: يؤخذ بعض بالناصية وبعض بالقدم.

الالوسي

تفسير : {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} استئناف يجري مجرى التعليل لانتفاء السؤال. و {ٱلْمُجْرِمُونَ } قيل: من وضع الظاهر موضع الضمير للإشارة إلى أن المراد بعض من الإنس وبعض من الجن وهو المجرمون فيكون ذلك كقوله تعالى: { أية : وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ } تفسير : [القصص: 78]. و ـ سيماهم ـ على ما روي عن الحسن سواد الوجوه وزرقة العيون، وقيل: ما يعلوهم من الكآبة والحزن، وجوز أن تكون أموراً أخر كالعمى والبكم والصمم. وقرأ حماد بن سليمان (بسيمائهم). {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِى } جمع ناصية وهي مقدم الرأس {وَٱلأَقْدَامِ } جمع قدم وهي قدم الرجل المعروفة والباء للآلة مثلها في أخذت بخطام الدابة، والجار والمجرور نائب الفاعل، / وقال أبو حيان: إن الباء للتعدية والفعل مضمن معنى ما يعدى بها أي فيسحب بالنواصي الخ، وفيه بحث. وظاهر كلام غير واحد أن ـ أل ـ عوض عن المضاف إليه الضمير أي بنواصيهم وأقدامهم، ونص عليه أبو حيان فقال: ـ أل ـ فيهما عوض عن الضمير على مذهب الكوفيين، والضمير محذوف على مذهب البصريين أي بالنواصي والأقدام منهم، وأنت تعلم أن الخلاف بين أهل البلدين فيما إذا احتيج إلى الضمير للربط ولا احتياج إليه هنا، نعم المعنى على الضمير وكيفية هذا الأخذ على ما روي عن الضحاك أن يجمع الملك بين ناصية أحدهم وقدميه في سلسلة من وراء ظهره ثم يكسر ظهره ويلقيه في النار، وقيل: تأخذ الملائكة عليهم السلام بعضهم سحباً بالناصية وبعضهم سحباً بالقدم، وقيل: تسحبهم الملائكة عليهم السلام تارة بأخذ النواصي وتارة بأخذ الأقدام، فالواو بمعنى أو التي للتقسيم وهو خلاف الظاهر، وإبهام الفاعل لأنه كالمتعين، وقيل: للرمز إلى عظمته فقد أخرج ابن مردويه والضياء المقدسي في «صفة النار» عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا على من قبضوا بالنواصي والأقدام ).

ابن عاشور

تفسير : هذا استئناف بياني ناشىء عن قوله: {أية : فيومئذ لا يُسئل عن ذنبه إنس ولا جان}تفسير : [الرحمٰن: 39]، أي يستغنى عن سؤالهم بظهور علاماتهم للملائكة ويعرفونهم بسيماهم فيؤخذون أخذ عقاب ويساقون إلى الجزاء. والسيما: العلامة. وتقدمت في قوله تعالى: {أية : تعرفهم بسيماهم} تفسير : في آخر سورة البقرة (273). و(آل) في {بالنواصي والأقدام} عوض عن المضاف إليه، أي بنواصيهم وأقدامهم وهو استعمال كثير في القرآن. والنواصي: جمع ناصية وهي الشعَر الذي في مقدّم الرأس، وتقدم في قوله تعالى: {أية : ما من دابّة إلا هو آخذ بناصيتها} تفسير : في سورة هود (56). والأخذ بالناصية أخذ تمكّن لا يفلت منه، كما قال تعالى: {أية : لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية}تفسير : [العلق: 15]. والأقدام: جَمع قَدَم، وهو ظاهر السَّاق من حيث تمسك اليد رجل الهارب فلا يستطيع انفلاتاً وفيه أيضاً يوضع القيد، قال النابغة:شعر : أوْ حرة كمهاة الرمل قد كُبِلت فوقَ المعاصم منها والعراقيب

الشنقيطي

تفسير : قوله: {بِسِيمَاهُمْ}: أي بعلامتهم المميزة لها، وقد دل القرآن على أنها هي سواد وجوههم وزرقة عيونهم، كما قال تعالى {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ}تفسير : [آل عمران: 106] الآية، وقال تعالى: {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ}تفسير : [الزمر: 60]، وقال تعالى:{أية : وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}تفسير : [يونس: 27]، وقال تعالى: {أية : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ}تفسير : [عبس: 40-42] لأن معنى قوله {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} أي يعلوها ويغشاها سواد كالدخان الأسود، وقال تعالى في زرقة عيونهم: {أية : وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً}تفسير : [طه: 102] ولا شيء أقبح وأشوه من سواد الوجوه وزرقة العيون، ولذا لما أراد الشاعر أن يقبح علل البخيل بأسوإ الأوصاف وأقبحها، فوصفها بسواد الوجوه وزرقة العيون حيث قال: شعر : وللبخيل على أمواله علل زرق العيون عليها أوجه سود تفسير : ولا سيما إذا اجتمع مع سواد الوجه اغبراره، كما في قوله: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} فإن ذلك يزيده قبحاً على قبح. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ}، وقد قدمنا تفسيره والآيات الموضحة له في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّاً}تفسير : [الطور: 13].

د. أسعد حومد

تفسير : {بِسِيمَاهُمْ} {بِٱلنَّوَاصِي} (41) - وَتَعْرِفُ المَلائِكَةُ الأبْرَارُ المُجْرِمينَ بِمَلامِحِهَمْ، وَبِعَلاَمَاتٍ تَظْهَرُ عَلَيهِمْ (قيل هيَ القَتَرَةُ واسْوِدَادُ الوَجْهِ)، فَيُؤْخَذُ بِنَواصِيهِمْ وَأقْدامِهِمْ ويُقذَفُ بِهمْ في النَّارِ قَذْفاً، دُونَ حَاجَةٍ إلى سُؤالِهم عَمَّا أذْنَبُوا، أيْ إِنَّهُمْ تُجْمَعُ رُؤُوسُهُمْ إلى أرْجُلِهِمْ ويُقذَفُ بِهِمْ في جَهَنَّمَ قَذْفاً. النَّاصِيَةُ - شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأسِ. بِسيمَاهُمْ - بِمَلامِحِهِمْ - أيْ بِسَوَادِ الوُجُوهِ وَالقَتَرَةِ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} معناه بعلاماتِهِم.

الجيلاني

تفسير : إذ {يُعْرَفُ} ويعلم يومئذ {ٱلْمُجْرِمُونَ} المهملون لأمر الزاد، المتصفون بالجرائم المستلزمة للانتقام {بِسِيمَاهُمْ} إذ يظهر حينئذ آثار الكآبة والحزن على وجوههم {فَيُؤْخَذُ} بعد الخطاب والحساب {بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ} [الرحمن: 41] أي: يشد أعناقم مع أرجلهم بالسلاسل، ثم يطرحون في النار بأنواع الهوان والصغار، فيخبركم ربكم بالخلاص عنها قبل حلول أوانها، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 42]. فيقال لهم حين إلقاءهم إليها مشدودين مهانين، زجراً لهم وتوبيخاً {هَـٰذِهِ} النار التي تصلون فيها {جَهَنَّمُ} الموعودة المعدة {ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} الرحمن: 43] وقت إخبار الله إياهم على ألسنة رسله وكتبه. فالآن {يَطُوفُونَ} ويترددون {بَيْنَهَا} أي: بين النار {وَبَيْنَ حَمِيمٍ} ماء حار {آنٍ} [الرحمن: 44] متناهٍ في الحرارة إلى حيث يغلب إحراقه وحرارته على النار المسعرة، فأراد سبحانه أنقاذكم منها بإرسال الرسل وإنزال الكتب. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 45] أيها المجبولان على الكفران والنسيان. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة في كتابه من تعقيب الوعيد بالوعد: {وَلِمَنْ خَافَ} من كلا الفريقين؛ أي: مكلفي الجن والإنس وفي النشأة الأولى {مَقَامَ رَبِّهِ} أي: خاف عن قيامه بين يدي ربه في النشأة الأخرى للعرض والجزاء، واشتغل في هذه النشأة إعداد ذلك اليوم، وتهيئة أسبابه من اكتساب الحسنات و ترك السيئات من الأخلاق والاعتقادات، وصوالح العبادات والطاعات المقبولة يومئذ عند الله على مقتضى ما أمرهم الحق، ونهاهم عنه بإرسال الرسل وإنزال الكتب {جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] معدتان لكل خائف عند ربه جنة جسمانية، يتلذذ فيها بدل ما ترك من اللذات الدنيوية وشهواتها الفانية اتقاء عن الله، وجنة روحانية عناية من الله وفضلاً من "حديث : ما لا عين رأت ولا أذن سمعت... الحديث ". تفسير : وبالجملة: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 47] أيها المكلفان! والجنتان المذكورتان {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ} [الرحمن: 48] أنواع وأصناف من الأشجار المثمرة بالأثمار البهية والفواكه الشهية، وأنواع من المعارف والحقائق المثمرة للحالات العلية والمقامات السنية، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 49]. {فِيهِمَا} أي: في تلك الجنتين {عَيْنَانِ} متشائتان من بحر الحياة الإلهي، المتفرعتان على أسمائه وأوصافه الجمالية والجلالية {تَجْرِيَانِ} [الرحمن: 50] بين يدي الخائف الملتجئ إلى الله على مقتضى التجليات الحبية، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 51]. {فِيهِمَا} أي: في تلك الجنتين {مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} [الرحمن: 52] صنفان من المعارف والحقائق على مقتضى تربية العينان والمذكرتان، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 53] أيها المسخران تحت لطفه وقهره وجلاله وجماله. ثم إنهم يتنعمون بما ذكر من النعم العظام حال كونهم {مُتَّكِئِينَ} متمكنين راسخين {عَلَى فُرُشٍ} من الاعتقادات الراسخة {بَطَآئِنُهَا} أي: وجوهها التي تلي قلوبهم وأرواحهم {مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} وهو الغيظ الصلب من الديباج، بحيث لا تخلل فيه ولا فرج، ألا وهو المثال لليقين الحقي الذي لا يطرأ عليه التردد والتذبذب مطلقاً. {وَ} بالجملة: {جَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ} أي: التلذذ والتنعم بثمارهما {دَانٍ} [الرحمن: 54] قريب؛ إذ لا ترقب ولا انتظار في اليقين الحقي، بل أقرب إلى العارف منه بعدما وصل إليه {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 55]. {فِيهِنَّ} أي: في الجنان المعدة لأرباب العناية والامتنان، مخدرات المعارف الحقائق الواردة على قلوبهم حسب استعداداتهم المتفاوتة {قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} أي: كل منهم منحصرة الطرف، مقصورة النظرة على كل من هي ترد عليه؛ بحيث لا تتعدى إلى غيره؛ لا ختلاف قابلياتهم حسب الفطرة الأصلية بمقتضى اختلاف تجليات الحق وشئونه بحيث {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} ولم يتلذذ معهن {إِنسٌ قَبْلَهُمْ} ولا بعدهم {وَلاَ جَآنٌّ} [الرحمن: 56] كذلك؛ إذ مراتب الشهود على مقتضى تجليا الوجود وتطوراته، فكما لا تكرر ولا اتحاد بين اثنين في التجليات الإلهية، كذلك في مراتب أرباب الشهود القابلة لها، المستعدة إياها، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 57]. {كَأَنَّهُنَّ} من كمال الصفاء الشفاء والجلاء {ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ} [الرحمن: 58] المسرتان لأرباب النظر والعيان، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 59]. وبالجملة {هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ} في الأعمال والأخلاق، وعموم الشيم والأحوال {إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} [الرحمن: 60] من الله، والرضوان منه سبحانه على سبيل التفضيل والامتنان، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 61]. وهاتان الجنتان المذكوران مع ما فيهما من المقامات العلية والدرجات السنية للخائفين من الله، ومن سطوة قهره وجلاله في عموم أحوالهم وأطوارهم، المفوضين المتوكلين عليه سبحانه عموم أمورهم في مطلق شئونهم وتقليداتهم، الراجين منه رضاه عنهم بمتقضى لطفه وجماله {وَمِن دُونِهِمَا} أي: من دون الجنتين المذكورتين، وأدون منهما وأنزل رتبة {جَنَّتَانِ} [الرحمن: 62] أخريان أيضاً للأبرار المسحنين بالأخلاق وال عمال المشتبثين بأذيال الأماني والآمال حيث الحوائج والأغراض، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 63]. فهاتان الجنتان، وإن لم تكونا كتلك الجنتين المذكورتين في الأثمار والأشجار والمعارف والأسرار، إلا أنهما {مُدْهَآمَّتَانِ} [الرحمن: 64] خضراوان نضارتان بمياه الأعمال الصالحة، والأخلاق الحميدة الصادرة من الأبرار الأخيار، المتمسكين بشعائر الشرع ومعالم الدين المستبين، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 65].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وقال هنا: { يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ } أي: فيؤخذ بنواصي المجرمين وأقدامهم، فيلقون في النار ويسحبون فيها، وإنما يسألهم تعالى سؤال توبيخ وتقرير بما وقع منهم، وهو أعلم به منهم، ولكنه تعالى يريد أن تظهر للخلق حجته البالغة، وحكمته الجليلة.

همام الصنعاني

تفسير : 3095- عبد الرزاق، عن معمر، عن (الحسن)، في قوله تعالى: {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ}: [الآية: 41]، قَال: يُعْرَفُونَ بِاسْوِدَادِ الْوُجُوهِ وَزَرَقِ الأعين.