Verse. 4947 (AR)

٥٥ - ٱلرَّحْمَٰن

55 - Ar-Rahman (AR)

وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّہٖ جَنَّتٰنِ۝۴۶ۚ
Waliman khafa maqama rabbihi jannatani

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولمن خاف» أي لكل منهم أو لمجموعهم «مقام ربه» قيامه بين يديه للحساب فترك معصيته «جنتان».

46

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه لطائف: الأولى: التعريف في عذاب جهنم قال: {أية : هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ } تفسير : [الرحمٰن: 43] والتنكير في الثواب بالجنة إشارة إلى أن كثرة المراتب التي لا تحد ونعمه التي لا تعد، وليعلم أن آخر العذاب جهنم وأول مراتب الثواب الجنة ثم بعدها مراتب وزيادات الثانية: قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: {أية : فَذَكّرْ بِٱلْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } تفسير : [قۤ: 45] أن الخوف خشية سببها ذل الخاشي، والخشية خوف سببه عظمة المخشى، قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } تفسير : [فاطر: 28] لأنهم عرفوا عظمة الله فخافوه لا لذل منهم، بل لعظمة جانب الله، وكذلك قوله: {أية : مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ } تفسير : [المؤمنون: 57] وقال تعالى: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } تفسير : [الحشر: 21] أي لو كان المنزل عليه العالم بالمنزل كالجبل العظيم في القوة والارتفاع لتصدع من خشية الله لعظمته، وكذلك قوله تعالى: {أية : وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَـٰهُ } تفسير : [الأحزاب: 37] وإنما قلنا: إن الخشية تدل على ما ذكرنا لأن الشيخ للسيد والرجل الكبير يدل على حصول معنى العظمة في خ ش ي، وقال تعالى في الخوف: {أية : وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا } تفسير : [طه: 21] لما كان الخوف يضعف في موسى، وقال: {أية : لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ } تفسير : [العنكبوت: 33] وقال: {أية : فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } تفسير : [الشعراء: 14] وقال إني: {أية : خِفْتُ ٱلْمَوَالِىَ مِن وَرَائِى } تفسير : [مريم: 5] ويدل عليه تقاليب خ و ف فإن قولك خفي قريب منه، والخافي فيه ضعف والأخيف يدل عليه أيضاً، وإذا علم هذا فالله تعالى مخوف ومخشي، والعبد من الله خائف وخاش، لأنه إذا نظر إلى نفسه رآها في غاية الضعف فهو خائف، وإذا نظر إلى حضرة الله رآها في غاية العظمة فهو خاش، لكن درجة الخاشي فوق درجة الخائف، فلهذا قال: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } جعله منحصراً فيهم لأنهم وإن فرضوا أنفسهم على غير ما هم عليه، وقدروا أن الله رفع عنهم جميع ما هم فيه من الحوائج لا يتركون خشيته، بل تزداد خشيتهم، وإما الذي يخافه من حيث إنه يفقره أو يسلب جاهه، فربما يقل خوفه إذا أمن ذلك، فلذلك قال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } وإذا كان هذا للخائف فما ظنك بالخاشي؟ الثالثة: لما ذكر الخوف ذكر المقام، وعند الخشية ذكر اسمه الكريم فقال: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ } وقال: {لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } وقال عليه السلام: «حديث : خشية الله رأس كل حكمة» تفسير : لأنه يعرف ربه بالعظمة فيخشاه. وفي مقام ربه قولان: أحدهما: مقام ربه أي المقام الذي يقوم هو فيه بين يدي ربه، وهو مقام عبادته كما يقال: هذا معبد الله وهذا معبد الباري أي المقام الذي يعبد الله العبد فيه والثاني: مقام ربه الموضع الذي فيه الله قائم على عباده من قوله تعالى: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } تفسير : [الرعد: 33] أي حافظ ومطلع أخذاً من القائم على الشيء حقيقة الحافظ له فلا يغيب عنه، وقيل: مقام مقحم يقال: فلان يخاف جانب فلان أي يخاف فلاناً وعلى هذا الوجه يظهر الفرق غاية الظهور بين الخائف والخاشي، لأن الخائف خاف مقام ربه بين يدي الله فالخاشي لو قيل له: افعل ما تريد فإنك لا تحاسب ولا تسأل عما تفعل لما كان يمكنه أن يأتي بغير التعظيم والخائف ربما كان يقدم على ملاذ نفسه لو رفع عنه القلم وكيف لا، ويقال: خاصة الله من خشية الله في شغل شاغل عن الأكل والشرب واقفون بين يدي الله سابحون في مطالعة جماله غائصون في بحار جلاله، وعلى الوجه الثاني قرب الخائف من الخاشي وبينهما فرق الرابعة: في قوله: {جَنَّتَانِ } وهذه اللطيفة نبينها بعدما نذكر ما قيل في التثنية، قال بعضهم: المراد جنة واحدة كما قيل في قوله: {أية : أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ } تفسير : [قۤ: 24] وتمسك بقول القائل:شعر : ومهمهين سرت مرتين قطعته بالسهم لا السهمين تفسير : فقال: أراد مهمهاً واحداً بدليل توحيد الضمير في قطعته وهو باطل، لأن قوله بالسهم يدل على أن المراد مهمهان، وذلك لأنه لو كان مهمهاً واحداً لما كانوا في قطعته يقصدون جدلاً، بل يقصدون التعجب وهو إرادته قطع مهمهين بأهبة واحدة وسهم واحد وهو من العزم القوي، وأما الضمير فهو عائد إلى مفهوم تقديره قطعت كليهما وهو لفظ مقصور معناه التثنية ولفظه للواحد، يقال: كلاهما معلوم ومجهول، قال تعالى: {أية : كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ اتَتْ أُكُلَهَا } تفسير : [الكهف: 33] فوحد اللفظ ولا حاجة ههنا إلى التعسف، ولا مانع من أن يعطي الله جنتين وجناناً عديدة، وكيف وقد قال بعد: {أية : ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } تفسير : [الرحمٰن: 48] وقال: فيهما. والثاني وهو الصحيح أنهما جنتان وفيه وجوه أحدها: أنهما جنة للجن وجنة للإنس لأن المراد هذان النوعان وثانيهما: جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي لأن التكليف بهذين النوعين وثالثها: جنة هي جزاء وجنة أخرى زيادة على الجزاء، ويحتمل أن يقال: جنتان جنة جسمية والأخرى روحية فالجسمية في نعيم والروحية في روح فكان كما قال تعالى: {أية : فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّة نَعِيمٍ } تفسير : [الواقعة: 89] وذلك لأن الخائف من المقربين والمقرب في روح وريحان وجنة نعيم وأما اللطيفة: فنقول: لما قال تعالى في حق المجرم إنه يطوف بين نار وبين حميم آن، وهما نوعان ذكر لغيره وهو الخائف جنتين في مقابلة ما ذكر في حق المجرم، لكنه ذكر هناك أنهم يطوفون فيفارقون عذاباً ويقعون في الآخر، ولم يقل: ههنا يطوفون بين الجنتين بل جعلهم الله تعالى ملوكاً وهم فيها يطاف عليهم ولا يطاف بهم احتراماً لهم وإكراماً في حقهم، وقد ذكرنا في قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } تفسير : [الرعد: 35] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ } تفسير : [الذاريات: 15] أنه تعالى ذكر الجنة والجنات، فهي لاتصال أشجارها ومساكنها وعدم وقوع الفاصل بينهما كمهامه وقفار صارت كجنة واحدة، ولسعتها وتنوع أشجارها وكثرة مساكنها كأنها جنات، ولاشتمالها على ما تلتذ به الروح والجسم كأنها جنتان، فالكل عائد إلى صفة مدح.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} فيه مسألتان: الأولى: لما ذكر أحوال أهل النار ذكر ما أعدّ للأبرار. والمعنى خاف مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية. فـ «ـمَقَامَ» مصدر بمعنى القيام. وقيل: خاف قيام ربه عليه أي إشرافه وٱطلاعه عليه؛ بيانه قوله تعالى: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}تفسير : .[الرعد:33] وقال مجاهد وإبراهيم النخعي: هو الرجل يَهُمّ بالمعصية فيذكر الله فيدعها من خوفه. الثانية: هذه الآية دليل على أن من قال لزوجه: إن لم أكن من أهل الجنة فأنت طالق أنه لا يحنث إن كان هَمَّ بالمعصية وتركها خوفاً من الله وحياءً منه. وقال به سفيان الثوريّ وأفتى به. وقال محمد بن عليّ الترمذيّ: جنةٌ لخوفه من ربه، وجنةٌ لتركه شهوته. وقال ٱبن عباس: من خاف مقام ربه بعد أداء الفرائض. وقيل: المقام الموضع؛ أي خاف مقامه بين يدي ربه للحساب كما تقدّم. ويجوز أن يكون المقام للعبد ثم يضاف إلى الله، وهو كالأجل في قوله: {أية : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} تفسير : [الأعراف:34] وقوله في موضع آخر: {أية : إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ}تفسير : [نوح:4]. {جَنَّتَانِ} أي لمن خاف جنتان على حدة؛ فلكل خائف جنتان. وقيل: جنتان لجميع الخائفين؛ والأوّل أظهر. وروي عن ٱبن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الجنتان بستانان في عرض الجنة كل بستان مسيرة مائة عام في وسط كل بستان دار من نور وليس منها شيء إلا يهتز نغمة وخضرة، قرارها ثابت وشجرها ثابت» تفسير : ذكره المهدوي والثعلبي أيضاً من حديث أبي هريرة. وقيل: إن الجنتين جنته التي خلقت له وجنة ورثها. وقيل: إحدى الجنتين منزله والأخرى منزل أزواجه كما يفعله رؤساء الدنيا. وقيل: إن إحدى الجنتين مسكنه والأخرى بستانه. وقيل: إن إحدى الجنتين أسافل القصور والأخرى أعاليها. وقال مقاتل: هما جنة عدن وجنة النعيم. وقال الفراء: إنما هي جنة واحدة؛ فثنى لرؤوس الآي. وأنكر القتبي هذا وقال: لا يجوز أن يقال خزنة النار عشرون وإنما قال تسعة عشر لمراعاة رؤوس الآي. وأيضاً قال: {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ}. وقال أبو جعفر النحاس: قال الفراء قد تكون جنة فَتُثَنَّى في الشعر؛ وهذا القول من أعظم الغلط على كتاب الله عز وجل، يقول الله عز وجل: «جَنَّتَانِ» ويصفهما بقوله: «فِيهِمَا» فيدع الظاهر ويقول: يجوز أن تكون جنة ويحتج بالشعر! وقيل: إنما كانتا ٱثنتين ليضاعف له السرور بالتنقل من جهة إلى جهة. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه خَاصةً حين ذكر ذات يوم الجنة حين أُزْلِفَت والنار حين بُرِّزَت؛ قاله عطاء وٱبن شَوْذَب. وقال الضحاك: بل شرب ذات يوم لبناً على ظمإ فأعجبه، فسأل عنه فأخبر أنه من غير حِلّ فاستقاءه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه؛ فقال: «حديث : رحمك الله لقد أنزلت فيك آية» تفسير : وتلا عليه هذه الآية.

ابن كثير

تفسير : قال ابن شوذب وعطاء الخراساني: نزلت هذه الآية: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} في أبي بكر الصديق، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا بقية عن أبي بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس في قوله تعالى: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} نزلت في الذي قال: أحرقوني بالنار؛ لعلّي أضل الله، قال: تاب يوماً وليلة، بعد أن تكلم بهذا، فقبل الله منه، وأدخله الجنة، والصحيح أن هذه الآية عامة؛ كما قاله ابن عباس وغيره. يقول الله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} بين يدي الله عز وجل يوم القيامة {أية : وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} تفسير : [النازعات: 40] ولم يطغ، ولا آثر الحياة الدنيا، وعلم أن الآخرة خير وأبقى، فأدى فرائض الله، واجتنب محارمه، فله يوم القيامة عند ربه جنتان. كما قال البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : جنتان من فضة؛ آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب؛ آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» تفسير : وأخرجه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث عبد العزيز به، وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال حماد: لا أعلمه إلا قد رفعه في قوله تعالى: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} وفي قوله:{وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} «حديث : جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين»تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان المقري، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر عن محمد بن أبي حرملة عن عطاء بن يسار، أخبرني أبو الدرداء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ يوماً هذه الآية: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال: «حديث : وإن رغم أنف أبي الدرداء» تفسير : ورواه النسائي من حديث محمد بن أبي حرملة به، ورواه النسائي أيضاً عن مؤمل بن هشام عن إسماعيل عن الجريري، عن موسى عن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبي الدرداء به، وقد روي موقوفاً على أبي الدرداء، وروي عنه أنه قال: إن من خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق. وهذه الآية عامة في الإنس والجن، فهي من أدل دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا، ولهذا امتن الله تعالى على الثقلين بهذا الجزاء فقال: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } ثم نعت هاتين الجنتين فقال: { ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ} أي: أغصان نضرة حسنة تحمل من كل ثمرة نضيجة فائقة {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟ هكذا قال عطاء الخراساني وجماعة: إن الأفنان أغصان الشجر يمس بعضها بعضاً، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا مسلم بن قتيبة، حدثنا عبد الله بن النعمان، سمعت عكرمة يقول: { ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ} يقول: ظل الأغصان على الحيطان، ألم تسمع قول الشاعر:شعر : ما هاجَ شوقَكَ من هديلِ حمامةٍ تدعو على فَنَنِ الغُصون حَماما تَدْعو أبا فَرْخَيْن صادفَ طاوياً ذا مِخْلَبَيْنِ من الصُّقورِ قطاما تفسير : وحكى البغوي عن مجاهد وعكرمة والضحاك والكلبي: أنه الغصن المستقيم، قال: وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد السلام بن حرب، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ذواتا أفنان: ذواتا ألوان، قال: وروي عن سعيد بن جبير والحسن والسدي وخصيف والنضر بن عربي وابن سنان مثل ذلك، ومعنى هذا القول: أن فيهما فنوناً من الملاذ، واختاره ابن جرير، وقال عطاء: كل غصن يجمع فنوناً من الفاكهة، وقال الربيع بن أنس: { ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ} واسعتا الفناء، وكل هذه الأقوال صحيحة، ولا منافاة بينها، والله أعلم، وقال قتادة: ذواتا أفنان، يعني: بسعتها وفضلها ومزيتها على ما سواها، وقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر سدرة المنتهى، فقال: «حديث : يسير في ظل الفنن منها الراكب مئة سنة - أو قال: يستظل في ظل الفنن منها مئة راكب - فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال»تفسير : . ورواه الترمذي من حديث يونس بن بكير به. وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال حماد: ولا أعلمه إلا قد رفعه في قوله: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} وفي قوله: { وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} قال: «حديث : جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين» تفسير : { فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} أي: تسرحان لسقي تلك الأشجار والأغصان، فتثمر من جميع الألوان، {فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} قال الحسن البصري: إحداهما يقال لها: تسنيم، والأخرى: السلسبيل. وقال عطية: إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذة للشاربين، ولهذا قال بعد هذا: { فِيهِمَا مِن كُلِّ فَـٰكِهَةٍ زَوْجَانِ} أي: من جميع أنواع الثمار؛ مما يعلمون وخير مما يعلمون، ومما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، { فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟ قال إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة، إلا وهي في الجنة، حتى الحنظل، وقال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، يعني: أن بين ذلك بوناً عظيماً، وفرقاً بيناً في التفاضل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلِمَنْ خَافَ } أي لكل منهم أو لمجموعهم {مَقَامَ رَبِّهِ } قيامه بين يديه للحساب فترك معصيته {جَنَّتَانِ }.

الشوكاني

تفسير : لما فرغ سبحانه من تعداد النعم الدنيوية على الثقلين ذكر نعمه الأخروية التي أنعم بها عليهم، فقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } مقامه سبحانه هو الموقف الذي يقف فيه العباد للحساب، كما في قوله: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [المطففين: 6] فالمقام مصدر بمعنى القيام، وقيل: المعنى خاف قيام ربه عليه، وهو إشرافه على أحواله، واطلاعه على أفعاله وأقواله، كما في قوله: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ }تفسير : [الرعد: 33] قال مجاهد، والنخعي: هو الرجل يهمّ بالمعصية فيذكر الله، فيدعها من خوفه. واختلف في الجنتين، فقال مقاتل: يعني: جنة عدن، وجنة النعيم، وقيل: إحداهما التي خلقت له والأخرى ورثها. وقيل: إحداهما منزله والأخرى منزل أزواجه. وقيل: إحداهما أسافل القصور والأخرى أعاليها. وقيل: جنة للخائف الإنسي وجنة للخائف الجنيّ، وقيل: جنة لفعل الطاعة وأخرى لترك المعصية، وقيل: جنة للعقيدة التي يعتقدها وأخرى للعمل الذي يعمله، وقيل: جنة بالعمل وجنة بالتفضل، وقيل: جنة روحانية وجنة جسمانية، وقيل: جنة لخوفه من ربه وجنة لتركه شهوته، وقال الفرّاء: إنما هي جنة واحدة، والتثنية لأجل موافقة الآي. قال النحاس: وهذا القول من أعظم الغلط على كتاب الله، فإن الله يقول: {جَنَّتَانِ } ويصفهما بقوله: {فيهما} إلخ. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن من جملتها من هذه النعم العظيمة، وهي إعطاء الخائف من مقام ربه جنتين متصفتين بالصفات الجليلة العظيمة {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } هذه صفة للجنتين، وما بينهما اعتراض، والأفنان: الأغصان، واحدها: فنن، وهو الغصن المستقيم طولاً، وبهذا قال مجاهد، وعكرمة، وعطية، وغيرهم. وقال الزجاج: الأفنان: الألوان واحدها فنّ، وهو الضرب من كل شيء، وبه قال عطاء، وسعيد بن جبير، وجمع عطاء بين القولين، فقال: في كلّ غصن فنون من الفاكهة، ومن إطلاق الفنن على الغصن قول النابغة:شعر : دعاء حمامةٍ تَدعْو هَدِيلا مُفَجعَّةٍ على فَنَنٍ تُغَني تفسير : وقول الآخر:شعر : ما هاجَ شُوْقُك من هَديل حَمامةٍ تَدْعو على فَنَنٍ الغُصون حَمامَا تفسير : وقيل: معنى {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ }: ذواتا فضل وسعة على ما سواهما، قاله قتادة، وقيل: الأفنان: ظلّ الأغصان على الحيطان، روي هذا عن مجاهد، وعكرمة. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن كل واحد منها ليس بمحل للتكذيب، ولا بموضع للإنكار. {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } هذا أيضاً صفة أخرى لجنتان، أي: في كل واحدة منهما عين جارية. قال الحسن: إحداهما السلسبيل والأخرى التسنيم. وقال عطية: إحداهما من ماء غير آسن والأخرى من خمر لذة للشاربين، قيل: كلّ واحدة منهما مثل الدنيا أضعافاً مضاعفة. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن من جملتها هذه النعمة الكائنة في الجنة لأهل السعادة. {فِيهِمَا مِن كُلّ فَـٰكِهَةٍ زَوْجَانِ } هذا صفة ثالثة لجنتان، والزوجان: الصنفان والنوعان، والمعنى: أن في الجنتين من كلّ نوع يتفكه به ضربين يستلذ بكلّ نوع من أنواعه، قيل: أحد الصنفين رطب، والآخر يابس لا يقصر أحدهما عن الآخر في الفضل والطيب {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن في مجرّد تعداد هذه النعم، ووصفها في هذا الكتاب العزيز من الترغيب إلى فعل الخير، والترهيب عن فعل الشرّ ما لا يخفى على من يفهم، وذلك نعمة عظمى، ومنّة كبرى، فكيف بالتنعم به عند الوصول إليه؟! {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ } انتصاب {متكئين} على الحال من فاعل قوله: {وَلِمَنْ خَافَ } وإنما جمع، حملاً على معنى من، وقيل: عاملها محذوف، والتقدير: يتنعمون متكئين، وقيل: منصوب على المدح، والفرش جمع فرش، والبطائن: هي التي تحت الظهائر، وهي جمع بطانة. قال الزجاج: هي ما يلي الأرض، والإستبرق: ما غلظ من الديباج، وإذا كانت البطائن من استبرق، فكيف تكون الظهائر؟ قيل لسعيد بن جبير: البطائن من استبرق فما الظواهر؟ قال: هذا بما قال الله فيه: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }تفسير : [السجدة: 17] قيل: إنما اقتصر على ذكر البطائن لأنه لم يكن أحد في الأرض يعرف ما في الظهائر. وقال الحسن: بطائنها من استبرق، وظهائرها من نور جامد. وقال الحسن: البطائن هي الظهائر، وبه قال الفراء: وقال: قد تكون البطانة الظهارة، والظهارة البطانة لأن كلّ واحد منهما يكون وجهاً، والعرب تقول: هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء لظاهرها الذي نراه، وأنكر ابن قتيبة هذا، وقال: لا يكون هذا إلاّ في الوجهين المتساويين {وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ } مبتدأ وخبر، والجنى: ما يجتنى من الثمار، قيل: إن الشجرة تدنو حتى يجنيها من يريد جناها، ومنه قول الشاعر:شعر : هذا جَناي وخِيَاره فيه إِذْ كلُّ جانٍ يَدُهُ إلى فيه تفسير : قرأ الجمهور {فرش} بضمتين، وقرأ أبو حيوة بضمة وسكون، وقرأ الجمهور {جنى} بفتح الجيم، وقرأ عيسى بن عمر بكسرها، وقرأ عيسى أيضاً بكسر النون على الإمالة. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإنها كلها بموضع لا يتيسر لمكذب أن يكذب بشيء منها لما تشتمل عليه من الفوائد العاجلة والآجلة. {فِيهِنَّ قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ } أي: في الجنتين المذكورتين. قال الزجاج: وإنما قال: {فيهنّ} لأنه عنى الجنتين، وما أعدّ لصاحبهما فيهما من النعيم، وقيل: فيهنّ أي: في الفرش التي بطائنها من استبرق، ومعنى {قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ }: أنهنّ يقصرن أبصارهنّ على أزواجهنّ لا ينظرن إلى غيرهم، وقد تقدّم تفسير هذا في سورة الصافات. {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ } قال الفراء: الطمث: الافتضاض وهو النكاح بالتدمية، يقال: طمث الجارية: إذا افترعها. قال الواحدي: قال المفسرون: لم يطأهن ولم يغشهنّ ولم يجامعهنّ قبلهم أحد. قال مقاتل: لأنهن خلقن في الجنة، والضمير في {قبلهم} يعود إلى الأزواج المدلول عليه بقاصرات الطرف، وقيل: يعود إلى متكئين، والجملة في محل رفع صفة لقاصرات، لأن إضافتها لفظية، وقيل: الطمث: المسّ، أي: لم يمسسهنّ، قاله أبو عمرو. وقال المبرد: أي: لم يذللهنّ، والطمث: التذليل، ومن استعمال الطمث فيما ذكره الفراء قول الفرزدق:شعر : دفعن إليَّ لم يُطْمَثْن قَبْلِي وهنّ أصَحّ مِنْ بيض النَّعام تفسير : وقرأ الجمهور: {يطمثهنّ} بكسر الميم، وقرأ الكسائي بضمها، وقرأ الجحدري، وطلحة بن مصرف بفتحها، وفي هذه الآية بل في كثير من آيات هذه السورة دليل أن الجنّ يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن في مجرّد هذا الترغيب في هذه النعم نعمة جليلة، ومنة عظيمة، لأن به يحصل الحرص على الأعمال الصالحة، والفرار من الأعمال الطالحة، فكيف بالوصول إلى هذه النعم، والتنعم بها في جنات النعيم بلا انقطاع، ولا زوال. {كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ } هذا صفة لقاصرات، أو حال منهنّ، شبههنّ سبحانه في صفاء اللون مع حمرته بالياقوت والمرجان، والياقوت: هو الحجر المعروف، والمرجان قد قدّمنا الكلام فيه في هذه السورة على الخلاف في كونه صغار الدرّ، أو الأحمر المعروف. قال الحسن: هنّ في صفاء الياقوت، وبياض المرجان، وإنما خصّ المرجان على القول بأنه صغار الدرّ؛ لأن صفاءها أشدّ من صفاء كبار الدرّ {فَبِأَىّ الاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ} فإن نعمه كلها لا يتيسر تكذيب شيء منها كائنة ما كانت، فكيف بهذه النعم الجليلة والمنن الجزيلة؟ {هَلْ جَزَاء ٱلإحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإحْسَـٰنُ } هذه الجملة مقرّرة لمضمون ما قبلها، والمعنى: ما جزاء من أحسن العمل في الدنيا إلاّ الإحسان إليه في الآخرة، كذا قال ابن زيد، وغيره. قال عكرمة: هل جزاء من قال: لا إلٰه إلاّ الله إلاّ الجنة؟ وقال الصادق: هل جزاء من أحسنت إليه في الأزل إلاّ حفظ الإحسان عليه في الأبد؟ قال الرازي: في هذه الآية وجوه كثيرة حتى قيل: إن في القرآن ثلاث آيات في كل واحدة منها مائة قول: إحداها قوله تعالى:{أية : فَٱذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ }تفسير : [البقرة: 152] وثانيها: {أية : وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } تفسير : [الإسراء: 8] وثالثها: {هَلْ جَزَاء ٱلإحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإحْسَـٰنُ }. قال محمد بن الحنفية: هي للبرّ والفاجر: البرّ في الآخرة، والفاجر في الدنيا. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن من جملتها الإحسان إليكم في الدنيا، والآخرة بالخلق والرزق والإرشاد إلى العمل الصالح، والزجر عن العمل الذي لا يرضاه. {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } أي: ومن دون تينك الجنتين الموصوفتين بالصفات المتقدّمة جنتان أخريان، لمن دون أصحاب الجنتين السابقتين من أهل الجنة، ومعنى {من دونهما} أي: من أمامهما، ومن قبلهما، أي: هما أقرب منهما، وأدنى إلى العرش، وقيل: الجنتان الأوليان جنة عدن وجنة النعيم، والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى. قال ابن جريج: هي أربع جنات: جنتان: منهما للسابقين المقرّبين {فِيهِمَا مِن كُلّ فَـٰكِهَةٍ زَوْجَانِ } و{عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ }، وجنتان لأصحاب اليمين {فِيهِمَا فَـٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } و {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ } قال ابن زيد: إن الأوليين من ذهب للمقرّبين، والأخريين من ورق لأصحاب اليمين. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإنها كلها حقّ، ونعم لا يمكن جحدها، ثم وصف سبحانه هاتين الجنتين الأخريين، فقال: {مُدْهَامَّتَانِ } وما بينهما اعتراض. قال أبو عبيدة والزجاج: من خضرتهما قد اسودّتا من الزي، وكل ما علاه السواد رياً فهو مدهم. قال مجاهد: مسودّتان، والدهمة في اللغة: السواد، يقال: فرس أدهم، وبعير أدهم: إذا اشتدّت ورقته حتى ذهب البياض الذي فيه. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن جميعها نعم ظاهرة واضحة لا تجحد ولا تنكر. {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ } النضخ: فوران الماء من العين، والمعنى: أن في الجنتين المذكورتين عينين فوّارتين. قال أهل اللغة: والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضح بالحاء المهملة. قال الحسن، ومجاهد: تنضخ على أولياء الله بالمسك، والعنبر، والكافور في دور أهل الجنة، كما ينضخ رشّ المطر. وقال سعيد بن جبير: إنها تنضخ بأنواع الفواكه، والماء. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإنها ليست بموضع للتكذيب، ولا بمكان للجحد. {فِيهِمَا فَـٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } هذا من صفات الجنتين المذكورتين قريباً، والنخل والرمان وإن كانا من الفاكهة لكنهما خصصا بالذكر لمزيد حسنهما، وكثرة نفعهما بالنسبة إلى سائر الفواكه، كما حكاه الزجاج، والأزهري، وغيرهما. وقيل: إنما خصهما لكثرتهما في أرض العرب، وقيل: خصهما لأن النخل فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء. وقد ذهب إلى أنهما من جملة الفاكهة جمهور أهل العلم، ولم يخالف في ذلك إلاّ أبو حنيفة، وقد خالفه صاحباه أبو يوسف، ومحمد. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن من جملتها هذه النعم التي في جنات النعيم، ومجرّد الحكاية لها تأثر في نفوس السامعين، وتجذبهم إلى طاعة ربّ العالمين {فِيهِنَّ خَيْرٰتٌ حِسَانٌ } قرأ الجمهور {خيرات} بالتخفيف، وقرأ قتادة، وابن السميفع، وأبو رجاء العطاردي، وبكر بن حبيب السهمي، وابن مقسم، والنهدي بالتشديد، فعلى القراءة الأولى هي جمع خيرة بزنة فعلة بسكون العين، يقال: امرأة خيرة وأخرى شرّة، أو جمع خيرة مخفف خيرة، وعلى القراءة الثانية جمع خيرة بالتشديد. قال الواحدي: قال المفسرون: الخيرات: النساء خيرات الأخلاق حسان الوجوه. قيل: وهذه الصفة عائدة إلى الجنان الأربع، ولا وجه لهذا، فإنه قد وصف نساء الجنتين الأوليين بأنهنّ قاصرات الطرف. {كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ } وبين الصفتين بون بعيد. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن شيئًا منها كائناً ما كان لا يقبل التكذيب. {حُورٌ مَّقْصُورٰتٌ فِى ٱلْخِيَامِ } أي: محبوسات، ومنه القصر لأنه يحبس من فيه، والحور: جمع حوراء وهي شديدة بياض العين شديدة سوادها، وقد تقدّم بيان معنى الحوراء، والخلاف فيه. وقيل: معنى {مقصورات}: أنهنّ قصرن على أزواجهنّ، فلا يردن غيرهم، وحكاه الواحدي عن المفسرين. والأوّل أولى، وبه قال أبو عبيدة، ومقاتل، وغيرهما. قال في الصحاح: قصرت الشيء أقصره قصراً: حبسته، والمعنى: أنهنّ خدّرن في الخيام، والخيام: جمع خيمة، وقيل: جمع خيم، والخيم جمع خيمة، وهي أعواد تنصب وتظلّل بالثياب، فتكون أبرد من الأخبية، قيل: الخيمة من خيام الجنة درّة مجوّفة، فرسخ في فرسخ، وارتفاع {حور} على البدلية من خيرات {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ } قد تقدّم تفسيره في صفة الجنتين الأوليين {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإنها كلها نعم لا تكفر، ومنن لا تجحد. {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ } انتصاب {متكئين} على الحال، أو المدح كما سبق، قال أبو عبيدة: الرّفارف: البسط، وبه قال الحسن، ومقاتل، والضحاك، وغيرهم. وقال ابن عيينة: هي الزرابي. وقال ابن كيسان: هي المرافق. وروي عن أبي عبيدة أنه قال: هي حاشية الثوب. وقال الليث: ضرب من الثياب الخضر، وقيل: الفرش المرتفعة، وقيل: كل ثوب عريض. قال في الصحاح: والرّفرف: ثياب خضر يتخذ منها المحابس، الواحدة رفرفة. وقال الزجاج: قالوا الرّفرف هنا: رياض الجنة، وقالوا: الرّفرف: الوسائد، وقالوا: الرّفرف: المحابس ا هـ. ومن القائلين بأنها رياض الجنة سعيد بن جبير، واشتقاق الرّفرف من رفّ يرفّ: إذا ارتفع، ومنه رفرفة الطائر، وهي تحريك جناحيه في الهواء. قرأ الجمهور {رفرف} على الإفراد. وقرأ عثمان بن عفان، والحسن، والجحدري: (رفارف) على الجمع {وَعَبْقَرِىّ حِسَانٍ } العبقريّ: الزرابي، والطنافس الموشية. قال أبو عبيدة: كل وشي من البسط عبقريّ، وهو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي. قال الفراء: العبقريّ. الطنافس الثمان، وقيل: الزرابي، وقيل: البسط، وقيل: الديباج. قال ابن الأنباري: الأصل فيه أن عبقر قرية تسكنها الجنّ ينسب إليها كل فائق. قال الخليل: العبقريّ عند العرب: كل جليل فاضل فاخر من الرجال والنساء، ومنه قول زهير:شعر : بَخَيْل عليها جِنَّةٌ عَبْقَرَيَّةٌ جَديرون يوماً أنْ يَنَالوُا فَيَسْتَعلُوا تفسير : قال الجوهريّ: العبقر موضع تزعم العرب أنه من أرض الجنّ. قال لبيد:شعر : كهول وشبان كجنة عبقر تفسير : ثم نسبوا إليه كل شيء تعجبوا من حذقه وجودة صنعته وقوّته، فقالوا: عبقريّ، وهو واحد وجمع. قرأ الجمهور: {عبقريّ} وقرأ عثمان بن عفان، والحسن، والجحدري (عباقريّ) وقرىء: (عباقر) وهما نسبة إلى عباقر اسم بلد. وقال قطرب: ليس بمنسوب، وهو مثل كرسيّ وكراسي، وبختي وبخاتي. قرأ الجمهور: {خضر} بضم الخاء وسكون الضاد، وقرىء بضمهما، وهي لغة قليلة. {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن كل واحد منها أجلّ من أن يتطرّق إليه التكذيب، وأعظم من أن يجحده جاحد، أو ينكره منكر، وقد قدّمنا في أوّل هذه السورة وجه تكرير هذه الآية فلا نعيده. {تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبّكَ ذِى ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلإكْرَامِ } تبارك. تفاعل من البركة. قال الرّازي: وأصل التبارك من التبرّك، وهو الدوام والثبات، ومنه برك البعير، وبركه الماء فإن الماء يكون دائماً، والمعنى: دام اسمه وثبت أو دام الخير عنده؛ لأن البركة وإن كانت من الثبات لكنها تستعمل في الخير، أو يكون معناه علا وارتفع شأنه. وقيل معناه: تنزيه الله سبحانه وتقديسه، وإذا كان هذا التبارك منسوباً إلى اسمه عزّ وجلّ، فما ظنك بذاته سبحانه؟ وقيل: الاسم بمعنى الصفة، وقيل: هو مقحم كما في قول الشاعر:شعر : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر تفسير : وقد تقدّم تفسير {ذي الجلال والإكرام} في هذه السورة. قرأ الجمهور: {ذي الجلال} على أنه صفة للربّ سبحانه. وقرأ ابن عامر (ذو الجلال) على أنه صفة لاسم. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } قال: وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه، فأدّوا فرائضه الجنة. وأخرج ابن جرير عنه في الآية يقول: خاف ثم اتقى، والخائف: من ركب طاعة الله وترك معصيته. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن عطاء أنها نزلت في أبي بكر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب مثله. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود في الآية قال: لمن خافه في الدنيا. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن منيع، والحاكم، والترمذي، والنسائي، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن أبي الدّرداء «حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } فقلت: وإن زنى، وإن سرق يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثانية: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } فقلت: وإن زنى، وإن سرق؟ فقال الثالثة: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } فقلت: وإن زنى، وإن سرق؟ قال: نعم،وإن رغم أنف أبي الدّرداء»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } فقال أبو الدّرداء: وإن زنى، وإن سرق يا رسول الله؟ قال: "حديث : وإن زنى وإن سرق، وإن رغم أنف أبي الدّرداء"تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن يسار مولى لآل معاوية عن أبي الدّرداء في قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } قال: قيل: لأبي الدّرداء: وإن زنى وإن سرق؟ قال: من خاف مقام ربه لم يزن، ولم يسرق. وأخرج ابن مردويه عن ابن شهاب قال: كنت عند هشام بن عبد الملك، فقال: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } قال أبو هريرة: وإن زنى، وإن سرق؟ فقلت: إنما كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، فلما نزلت الفرائض ذهب هذا. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : جنان الفردوس أربع جنات: جنتان من ذهب حليتهما وأبنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة حليتهما وأبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلاّ رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي موسى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } وفي قوله: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } قال:«حديث : جنتان من ذهب للمقرّبين، وجنتان من وَرِق لأصحاب اليمين»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي موسى في قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } قال: جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } قال: ذواتا ألوان. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال: فن غصونها يمسّ بعضها بعضاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه أيضاً قال: الفنّ: الغصن. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ } قال: أخبرتم بالبطائن، فكيف بالظهائر. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس أنه قيل: له بطائنها من استبرق، فما الظواهر؟ قال: ذلك مما قال الله {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }تفسير : [السجدة: 17]. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقيّ في البعث عنه في قوله: {وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ } قال: جناها ثمرها، والداني: القريب منك يناله القائم والقاعد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقيّ في البعث عنه أيضاً في قوله: {فِيهِنَّ قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ } يقول: عن غير أزواجهنّ {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ } يقول: لم يدن منهنّ، أو لم يدمهنّ. وأخرج أحمد، وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدريّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ } قال: «حديث : تنظر إلى وجهها في خدرها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، وإنه يكون عليها سبعون ثوباً، وينفذها بصره حتى يرى مخّ ساقها من وراء ذلك»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد بن السريّ، والترمذيّ، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها، وذلك أن الله يقول: {كأنهنّ الياقوت والمرجان}، فأما الياقوت، فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكاً ثم استصفيته لرأيته من ورائه»تفسير : ، وقد رواه الترمذي موقوفاً وقال: هو أصحّ. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقيّ في الشعب وضعفه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في قوله: {هَلْ جَزَاء ٱلإحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإحْسَـٰنُ } قال: «حديث : ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلاّ الجنة»تفسير : . وأخرج الحكيم الترمذيّ في نوادر الأصول، والبغويّ في تفسيره، والديلمي في مسند الفردوس، وابن النجار في تاريخه عن أنس مرفوعاً مثله. وأخرج ابن مردويه عن جابر مرفوعاً في الآية قال: «حديث : هل جزاء من أنعمنا عليه بالإسلام إلاّ أن أدخله الجنة»تفسير : . وأخرج ابن النجار في تاريخه عن عليّ بن أبي طالب مرفوعاً مثل حديث ابن عمر. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {هَلْ جَزَاء ٱلإحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإحْسَـٰنُ } قال: هل جزاء من قال لا إلٰه إلاّ الله في الدنيا إلاّ الجنة في الآخرة. وأخرج ابن عديّ، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي، والبيهقيّ في الشعب، وضعفه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنزل الله عليّ هذه الآية في سورة الرحمٰن للكافر والمسلم: {هَلْ جَزَاء ٱلإحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإحْسَـٰنُ }»تفسير : . وأخرجه ابن مردويه موقوفاً على ابن عباس. وأخرج هناد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {مُدْهَامَّتَانِ } قال: هما خضروان. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال: قد اسودّتا من الخضرة من الرّيّ من الماء. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وهناد، وعبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عبد الله بن الزبير نحوه. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قوله: «{مُدْهَامَّتَانِ } قال: "خضراوان". وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {نَضَّاخَتَانِ } قال: فائضتان. وأخرج عبد بن حميد عنه قال: ينضخان بالماء. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله: {خَيْرٰتٌ حِسَانٌ } قال: لكل مسلم خيرة، ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب يدخل عليها من الله كل يوم تحفة وكرامة وهدية لم تكن قبل ذلك، لا مراحات ولا طماحات، ولا بخرات ولا دفرات، حور عين كأنهن بيض مكنون. وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عنه مرفوعاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {حُورٌ } قال: بيض {مَّقْصُورٰتٌ } قال: محبوسات {فِى ٱلْخِيَامِ } قال: في بيوت اللؤلؤ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم قال: الحور سود الحدق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الخيام درّ مجوّف»تفسير : . وأخرج البخاريّ، ومسلم، وغيرهما عن أبي موسى الأشعري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : الخيمة درّة مجوّفة طولها في السماء ستون ميلاً، في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون يطوف عليهم المؤمن»تفسير : . وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ } قال: فضول المحابس والفرش والبسط. وأخرج عبد بن حميد عن عليّ بن أبي طالب قال: هي فضول المحابس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، والبيهقي في البعث من طرق عن ابن عباس {رَفْرَفٍ خُضْرٍ } قال: المحابس {وَعَبْقَرِىّ حِسَانٍ } قال: الزرابي. وأخرج عبد بن حميد عنه في الآية قال: الرّفرف: الرّياض، والعبقريّ: الزرابي.

الماوردي

تفسير : {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} وفي الخائف مقام ربه ثلاثة أقاويل: أحدها: من خاف مقام ربه بعد أداء الفرائض، قاله ابن عباس. الثاني: أنه يهم بذنب فيذكر مقام ربه فيدعه، قاله مجاهد. الثالث: أن ذلك نزل في أبي بكر رضي الله عنه خاصة حين ذكر ذات يوم الجنة حين أزلفت، والنار حين برزت، قاله عطاء وابن شوذب. قال الضحاك: بل شرب ذات يوم لبناً على ظمأ فأعجبه، فسأل عنه فأُخْبِر أنه من غير حل، فاستقاءه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فقال: "حديث : رَحِمَكَ اللَّهُ لَقَدْ أُنزِلَتْ فِيكَ آيَةٌ" تفسير : وتلا عليه هذه الآية. وفي مقام ربه قولان: أحدهما: هو مقام بين يدي العرض والحساب. الثاني: هو قيام الله تعالى بإحصاء ما اكتسب من خير وشر. وفي هاتين الجنتين أربعة أوجه: أحدها: جنة الإنس وجنة الجان، قاله مجاهد. الثاني: جنة عدن، وجنة النعيم، قاله مقاتل. الثالث: أنهما بستانان من بساتين الجنة، وروي ذلك مرفوعاً لأن البستان يسمى جنة. الرابع: أن إحدى الجنتين منزله، والأخرى منزل أزواجه وخدامه كما يفعله رؤساء الدنيا. ويحتمل خامساً: أن إحدى الجنتين مسكنه، والأخرى بستانه. ويحتمل سادساً: أن إحدى الجنتين أسافل القصور، والأخرى أعاليها. {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: ذواتا ألوان، قاله ابن عباس. الثاني: ذواتا أنواع من الفاكهة، قاله الضحاك. الثالث: ذواتا أتا وسَعَةٍ، قاله الربيع بن أنس. الرابع: ذواتا أغصان، قاله الأخفش وابن بحر. والأفنان جمع واحده فنن كما قال الشاعر: شعر : ما هاج سوقك من هديل حمامة تدعوا على فنن الغصون حماما تدعو أبا فرخين صادف ضارياً ذا مخلبين من الصقور قطاما

ابن عطية

تفسير : "من" في قوله تعالى: {ولمن} يحتمل أن تقع على جميع المتصفين بالخوف الزاجر عن معاصي الله تعالى، ويحتمل أن تقع لواحد منهم وبحسب هذا قال بعض الناس في هذه الآية: إن كل خائف له {جنتان}. وقال بعضهم: جميع الخائفين لهم {جنتان}. والمقام هو وقوف العبد بين يدي ربه يفسره: {أية : يوم يقوم الناس لرب العالمين} تفسير : [المطففين: 6] وأضاف المقام إلى الله من حيث هو بين يديه. قال الثعلبي وقيل: {مقام ربه} قيامه على العبد، بيانه: {أية : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} تفسير : [الرعد: 33] وحكى الزهراوي هذا المعنى عن مجاهد. وفي هذه الإضافة تنبيه على صعوبة الموقف وتحريض على الخوف الذي هو أسرع المطايا إلى الله عز وجل. وقال قوم: أراد جنة واحدة، وثنى على نحو قوله: {أية : ألقيا في جهنم} تفسير : [ق: 24] وقول الحجاج: يا غلام اضربا عنقه. وقال أبو محمد: هذا ضعيف، لأن معنى التثنية متوجه فلا وجه للفرار إلى هذه الشاذة، ويؤيد التثنية قوله {ذواتا أفنان} وهي تثنية ذات على الأصل. لأن أصل ذات: ذوات. والأفنان يحتمل أن يكون جمع فنن، وهو فنن الغصن، وهذا قول مجاهد، فكأنه مدحها بظلالها وتكاثف أغصانها ويحتمل أن يكون جمع فن، وهو قول ابن عباس، فكأنه مدحها بكثرة أنواع فواكهها ونعيمها. و: {زوجان} معناه: نوعان. و: {متكئين} حال إما من محذوف تقديره يتنعمون {متكئين}. وإما من قوله: {ولمن خاف}. والاتكاء جلسة المتنعم المتمتع. وقرأ جمهور الناس: "فرُش" بضم الراء. وقرأ أبو حيوة: "فرْش" بسكون الراء، وروي في الحديث أنهحديث : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه البطائن {من استبرق} فكيف الظواهر؟ قال: "هي من نور يتلألأ" . تفسير : والاستبرق ما خشن وحسن من الديباج. والسندس: ما رق منه. وقد تقدم القول في لفظة الاستبرق. وقرأ ابن محيصن "من استبرق" على أنه فعل والألف وصل. والضمير في قوله: {فيهن} للفرش، وقيل للجنات، إذ الجنتان جنات في المعنى. والجنى ما يجتنى من الثمار، ووصفه بالدنو، لأنه فيما روي في الحديث يتناوله المرء على أي حالة كان من قيام أو جلوس أو اضطجاع لأنه يدنو إلى مشتهيه. و: {قاصرات الطرف} هي الحور العين، قصرن ألحاظهن على أزواجهن. وقرأ أبو عمرو عن الكسائي وحده وطلحة وعيسى وأصحاب علي وابن مسعود: "يطمُثهن" بضم الميم. وقرأ جمهور القراء: "يطمِثهن" بكسر الميم. والمعنى: لم يفتضهن لأن الطمث دم الفرج، فيقال لدم الحيض طمث، ولدم الافتضاض طمث، فإذا نفي الافتضاض، فقد نفي القرب منهن بجهة الوطء. قال الفراء: لا يقال طمث إلا إذا افتض. قال غيره: طمث، معناه: جامع بكراً أو غيرها. واختلف الناس في قوله: {ولا جان} فقال مجاهد: الجن قد تجامع نساء البشر مع أزواجهن، إذا لم يذكر الزوج الله تعالى، فتنفي هذه الآية جميع المجامعات. وقال ضمرة بن حبيب: الجن لهم {قاصرات الطرف} من الجن نوعهم، فنفى في هذه الآية الافتضاض عن البشريات والجنيات. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل اللفظ أن يكون مبالغة وتأكيداً، كأنه قال: {لم يطمثهن} شيء، أراد العموم التام، لكنه صرح من ذلك بالذي يعقل منه أن يطمث. وقال أبو عبيدة والطبري: إن من العرب من يقول: ما طمث هذا البعير حبل قط، أي ما مسه. قال القاضي أبو محمد: فإن كان هذا المعنى ما أدماه حبل، فهو يقرب من الأول. وإلا فهو معنى آخر غير الذي قدمناه. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: "ولا جأن" بالهمز.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} بعد أداء الفرائض "ع"، أو الذي يذنب فيذكر مقام ربه فيدعه، أو"حديث : نزلت في أبي بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ خاصة حين ذكرت الجنة والنار يوماً، أو شرب لبناً على ظمأ فأعجبه فسأل عنه فأخبر أنه من غير حل فاستقاءه والرسول صلى الله عليه وسلم ينظر إليه فقال: "رحمك الله لقد أنزلت فيك آية" "تفسير : وتلا هذه الآية، {مَقَامَ رَبِّهِ}: وقوفه بين يديه للعرض والحساب، أو قيام الله تعالى على نفس بما كسبت، {جَنَّتَانِ} أحدهما للإنس والأخرى للجان، أو جنة عدن وجنة النعيم، أو بستانان من بساتين الجنة، أو إحداهما منزله والأخرى منزل أزواجه وخدمه كعادة رؤساء الدنيا.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} أي: موقِفَهُ بينَ يَدَيْ ربه، وقيل في هذه الآية: إنَّ كُلَّ خائف له جَنَّتَانِ. * ت *: قال الثعلبيُّ: قال محمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الترمذيُّ: جَنَّةٌ لخوفه من ربِّه، وجنَّةٌ لتركه شهوَته، و«الأَفْنَان»: يحتمل أنْ تكون جمع «فَنَنٍ»، وهو الغُصْن، وهذا قولُ مجاهد، فكأَنَّهُ مدَحَهَا بظلالِهَا وتَكَاثُفِ أغصانها، ويحتمل أنْ تكونَ جمع «فَنٍّ»، وهو قول ابن عباس، فكأَنَّه مدحها بكثرة فواكِهِهَا ونعيمِهَا، و{زَوْجَانِ} معناه: نَوْعَانِ. * ت *: ونقل الثعلبيُّ عنِ ابنِ عَبَّاس قال: ما في الدنيا شجرةٌ حُلْوَةٌ ولا مُرَّةٌ إلاَّ وهي في الجنة، حتى الحَنْظَلُ إلاَّ أَنَّهُ حُلْوٌ انتهى. و{مُتَّكِئِينَ}: حالٌ، وقرأ الجمهور: {عَلَى فُرُشٍ} ـــ بضم الراء ـــ، ورُوِيَ في الحديث «حديث : أَنَّه قيل للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: هَذِهِ الْبَطَائِنُ مِنْ إسْتَبْرَقٍ، فَكَيْفَ الظَّوَاهِرُ؟! قَالَ: هِيَ مِنْ نُورٍ يَتَلأَلأُ» تفسير : ، والإِستبرقُ: ما خَشُنَ وحَسُنَ من الدِّيبَاجِ، والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ منه، وقد تقدَّم القولُ في لفظ الإِسْتَبَرقِ، والضميرُ في قوله: {فِيهِنَّ} لِلْفُرُشِ، وقيل: للجنات، إذِ الجنتان جناتٌ في المعنى، و«الجَنَىٰ»: ما يُجْنَىٰ من الثمار، ووصفه بالدُّنُوِّ؛ لأَنَّه يدنو إلى مشتهيه، فيتناوله كيف شاء من قيام، أو جلوس، أو ٱضطجاعٍ، رُوِيَ معناه في الحديث، و{قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ}: هُنَّ الحور، قَصَرْنَ ألحاظَهُنَّ على أزواجهن: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} أي: لم يفتضَّهنَّ؛ لأَنَّ الطَّمْثَ دَمُ الفَرْجِ. وقوله: {وَلاَ جَانٌّ} قال مجاهد: الجن قد تُجَامِعُ نساءَ البَشَرِ مع أزواجهن إذا لم يذكر الزوجُ اسمَ اللَّه، فنفى سبحانَهُ في هذه الآية جميعَ المجامعاتِ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}. يجوز أن يكون "مَقَام" مصدراً، وأن يكون مكاناً. فإن كان مصدراً، فيحتمل أن يكون مضافاً لفاعله، أي: قيام ربه عليه، وحفظه لأعماله من قوله تعالى: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} تفسير : [الرعد: 33]. ويروى عن مجاهد، قال مجاهد وإبراهيم النَّخعي: هو الرجل يهمّ بالمعصية، فيذكر الله فيدعها من خوفه. وأن يكون مضافاً لمفعوله، والمعنى: القيام بحقوق الله فلا يضيعها. وإن كان مكاناً، فالإضافة بأدنى ملابسة لما كان النَّاس يقومون بين يدي الله للحساب في عرصات القيامة. قيل: فيه مقام الله، والمعنى: خاف مقامه بين يدي ربه للحساب، فنزلت المعصية، فـ "مقام": مصدر بمعنى القيام. فصل فيمن علق طلاق زوجته على دخوله الجنة قال القرطبي: هذه الآية دليل على أن من قال لزوجته: إن لم أكُن من أهل الجنة فأنت طالق، أنه لا يحنث إن كان هم بالمعصية وتركها خوفاً من الله وحياء منه. وقاله سفيان الثوري وأفتى به. فصل في المراد بالجنتين الظاهر أن الجنتين لخائف واحد. قال محمد بن علي الترمذي: جنّة لخوفه من ربه، وجنّة لتركه شهوته. قال ابن عباس: من خاف مقام ربه بعد أداء الفرائض. قال القرطبي: ويجوز أن يكون المقام للعبد، ثم يضاف إلى الله، وهو كالأجل في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} تفسير : [الأعراف: 34] وقوله في موضع آخر: {أية : إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ} تفسير : [نوح: 4]. وقوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ} أي: كل خائف له جنتان على حدة. وقيل: جنتان لجميع الخائفين. والأول أظهر. وقيل: جنة لخائف الإنس، وأخرى لخائف الجن، فيكون من باب التوزيع. وقيل: "مقام" هنا مُقحم، والتقدير: "ولمن خاف ربه"؛ وأنشد: [الوافر] شعر : 4651-............... ونَفَيْتُ عَنْهُ مَقَامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعينِ تفسير : أي: نفيت الذئب وليس بجيد، لأنَّ زيادة الاسم ليست بالسهلة. وقيل: المراد بـ "الجنتين": جنّة للجزاء، وأخرى زيادة على الجزاء. وقيل: إن الجنتين: جنته التي خلقت له، وجنة ورثها. وقيل: إحدى الجنتين منزله، والأخرى منزل أزواجه كما يفعله رؤساء الدنيا. وقيل: إحدى الجنتين مسكنه، والأخرى بستانه. وقيل: إن إحدى الجنتين أسافل القصور، والأخرى أعاليها. وقال مقاتل: هما جنة عدن وجنة النعيم. وقال الفرَّاء: إنها جنة واحدة، وإنما ثنّى مراعاة لرءوس الآي. وقيل: جنة واحدة، وإنما ثنّى تأكيداً كقوله تعالى: {أية : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} تفسير : [ق: 24]. وأنكر القتبي هذا، وقال: لا يجوز أن يقال: خزنة النار عشرون، وإنما {أية : تِسْعَةَ عَشَرَ} تفسير : [المدثر: 30] مراعاة لرءوس الآي. وأيضاً قال: {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ}. وقال عطاء وابن شوذب: نزلت هذه الآية في أبي بكر - رضي الله عنه - حين ذكر ذات يوم الجنّة حين أزلفت، والنَّار حين برزت. وقال الضحاك: بل شرب ذات يوم لبناً على ظمأ، فأعجبه فسأل عنه، فأخبر أنه من غير حلٍّ فاستقاءه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فقال: "رحمكَ اللَّهُ لقَدْ أنْزِلَتْ فِيْكَ آيَةٌ"، وتلا عليه هذه الآية. قوله تعالى: "ذَوَاتَا". صفة لـ "جَنَّتان"، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: "هما ذواتا". وفي تثنية "ذات" لغتان: الرد إلى الأصل، فإن أصلها "ذوية"، فالعين واو، واللام ياء؛ لأنها مؤنثة "ذو". الثانية: التثنية على اللفظ. فيقال: "ذواتا". و "الأفنان": فيه وجهان. أحدهما: أنه جمع "فَنَن" كـ "طلل"، وهو الغصن. قال النابغة الذبياني: [الوافر] شعر : 4652- بُكَاءُ حَمَامَةٍ تَدْعُو هَدِيلاً مُفَجَّعَةٍ على فَنَنٍ تُغَني تفسير : وقال آخر: [الرمل] شعر : 4653- رُبَّ وَرْقَاءَ هَتُوفٍ بالضُّحَى ذَاتِ شَجْوٍ صَدَحَتْ في فَنَنِ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 4654-.................. عَلَى كُلِّ أفْنَانِ العِضَاهِ تَرُوقُ تفسير : و "الفَنَن": جمعه أفنان ثم الأفانين. قال الشاعر يصف رحى: [الرجز] شعر : 4655- لَهَا زِمَامٌ مِنْ أفَانِينِ الشَّجَرْ تفسير : وشجرة فناء: أي ذات أفنان، وفنواء أيضاً على غير قياس. وفي الحديث: "حديث : أنَّ أهْلَ الجنَّةِ مُردٌ مُكَحَّلُون أولُو أفَانِيْن ". تفسير : وهو جمع أفنان، وأفنان: جمع "فَنَن" من الشعر، شبه بالغصن. ذكره الهروي. وقيل: "ذواتا أفنان" أي: ذواتا سعة وفضل على ما سواهما. قاله قتادة. وعن مجاهد أيضاً وعكرمة: أن الأفنان ظل الأغصان على الحِيْطان. وقال مجاهد: الفنن: هو الغصن المستقيم طولاً. الوجه الثاني: أنه جمع "فنّ" كـ "دنّ"، وإليه أشار ابن عبَّاس. والمعنى: ذواتا أنواع وأشكال؛ وأنشدوا: [الطويل] شعر : 4656- ومِنْ كُلِّ أفْنَانِ اللذَاذَةِ والصِّبَا لَهَوْتُ بِهِ والعَيْشُ أخضرُ نَاضِرُ تفسير : قال سعيد بن جبير والضحاك: ألوان من الفاكهة، واحدها: "فنّ"، من قولهم: "افتنّ فلان في حديثه" إذا أخذ في فنون منه وضروب، إلا أن الكثير في "فنّ" أن يجمع على "فنون"، وجمع عطاء بين القولين فقال: في كل غصن فنون من الفاكهة. قوله تعالى: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} أي: في كل واحدة منهما عينٌ جارية، كما قال تعالى: {أية : فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} تفسير : [الغاشية: 12] تجريان ماء بالزيادة، والكرامة من الله - تعالى - على أهل الجنَّة. وعن ابن عباس أيضاً والحسن: تجريان بالماء الزلال، إحدى العينين: التسنيم؛ والأخرى السلسبيل. وقال ابن عطية: إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذّة للشَّاربين. وقيل: تجريان من جبل من مسك. وقال أبو بكر الوراق: فيهما عينانِ تجريانِ، لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخافة الله عز وجل. قوله تعالى: {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ}، أي: صنفان ونوعان. قيل: معناه: أن فيهما من كل ما يتفكه به ضربين رطباً ويابساً. وقال ابن عبَّاس: ما في الدنيا ثمرة حُلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحَنْظل إلاّ أنه حلو. فإن قيل: قوله تعالى: {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ}، و {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ}، و {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ}. أوصاف للجنتين المذكورتين، فهو كالكلام الواحد، تقديره: "جنتان ذواتا أفنان، وفيهما عَيْنَان تجريان، وفيهما من كل فاكهة زوجان" فما الفائدة في فصل بعضها عن بعض بقوله: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟ مع أنه لم يفصل حين ذكر العذاب بين الصفات، بل قال: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ} تفسير : [الرحمن: 35] مع أن إرسال النُّحاس غير إرسال الشُّواظ. وقوله: "يَطُوفُون" كلام آخر؟. فالجواب: أنه جمع العذاب جملة، وفصل آيات الثواب ترجيحاً لجانب الرحمة على جانب العذاب، وتطييباً للقلب، وتهييجاً للسَّامع؛ فإن إعادة ذكر المحبوب محبوب، وتطويل الكلام في اللذات مستحسن. فإن قيل: ما وجه توسيط آية العينين بين ذكر الأفنان، وآية الفاكهة والفاكهة إنما تكون على الأغصان، فالمناسبة ألاّ يفصل بين آية الأغصان والفاكهة؟. فالجواب: أنه على عادة المتنعمين إذا خرجوا يتفرجون في البستان، فأول قصدهم الفرجة بالخضرة والماء، ثم يكون الأكل تبعاً. قوله: "متّكِئين" يجوز أن يكون حالاً من "منْ" في قوله {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} وإنما جمع حملاً على معنى "مَنْ" بعد الإفراد حملاً على لفظها. وقيل: حال عاملها محذوف، أي: يتنعمون متكئين. وقيل: منصوب على الاختصاص. والعامة على: "فُرُش" بضمتين، وأبو حيوة: بضمة وسكون، وهي تخفيف منها. قوله تعالى: {بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} هذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة والظاهر أنها صفة لـ "فُرش". وتقدم الكلام في "الاستبرق" في سورة الكهف. وقال أبو البقاء: أصل الكلمة فعل على "اسْتَفْعَلَ"، فلما سمي به قطعت همزته. وقيل: هو أعجمي، وقرىء بحذف الهمزة، وكسر النون، وهو سهو؛ لأن ذلك لا يكون في الأسماء، بل في المصادر والأفعال. انتهى. أما قوله: وهو سهو؛ لأن ذلك لا يكون إلا في الأسماء... الخ. يعني أن حذف الهمزة في الدَّرج لا يكون إلا في الأفعال والمصادر. وأما الأسماء فلا تحذف همزاتها؛ لأنها همزات قطع. قال شهاب الدين: "وهذا الكلام أحق بأن يكون سهواً؛ لأنا أولاً لا نسلم أن هذه القراءة من حذف همزة القطع إجراءً لها مجرى همزة الوصل، وإنما ذلك من باب نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وحركة الهمزة كانت كسرة، فحركة النون حركة نقل لا حركة التقاء الساكنين". ثم قوله: "إلا في الأفعال والمصادر" ليس هذا الحَصْر بصحيح اتفاقاً لوجود ذلك في أسماء عشرة ليست بمصادر تقدم ذكرها في أول الكتاب. قال ابن الخطيب: قوله: "عَلى فُرُشٍ" متعلق بما في "مُتَّكئينَ"، كأنه يقول: يتَّكئون على فرش، كما يقال: فلان اتكَّأ على عصاه، أو على فخذيه، وهذا لأن الفراش لا يتكأ عليه، وإن كان متعلقاً بغيره فما هو؟. فنقول: تقديره: يتفكّه الكائنون على فرش متكئين، من غير بيان ما يتكئون عليه. فصل في تحرير معنى الاستبرق "الإسْتَبْرَقُ": ما غلظ من الدِّيباج. قال ابن مسعود، وأبو هريرة: إذا كانت البطانة التي تلي الأرض هكذا فما ظنك بالظهارة؟. وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من إستبرق فما الظواهر؟. قال: هذا مما قال الله: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} تفسير : [السجدة: 17]. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما وصف لكم بطائنها لتهتدي إليه قلوبكم، فأما الظواهر فلا يعلمها إلا الله. قال القرطبي: وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ظَواهِرُهَا نُورٌ يتلألأُ" تفسير : وعن الحسن: البطائن هي الظَّواهر، وهو قول الفراء. روي عن قتادة: والعرب تقول للبطن: ظهراً، فيقولون: هذا بطن السماء، وظهر الأرض. وقال الفرَّاء: قد تكون البطانة: الظهارة، والظهارة: البطانة؛ لأنَّ كل واحد منهما يكون وجهاً، والعرب تقول: هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء لظاهرها الذي تراه. وأنكر ابن قتيبة وغيره هذا، وقالوا: لا يكون هذا إلاَّ في الوجهين المتساويين إذا ولي كل واحد منهما قوماً كالحائط بينك وبين قوم، وعلى ذلك أمر السماء. وقال ابن عباس: وصف البطائن وترك الظواهر؛ لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ما الظَّواهر. فصل في أن الإستبرق معرب قال ابن الخطيب: الإستبرق معرب، وهو الدِّيْبَاج الثخين، وكما أن الديباج معرب بسبب أن العرب لم يكن عندهم ذلك إلا من العجم تصرفوا فيه، وهو أن أصله بالفارسية "ستبرك" بمعنى: ثخين، فزادوا في أوله همزة، وبدلوا الكاف قافاً، أما الهمزة فلأن حركات أوائل الكلم في لسان العجم غير مبنية في كثير من المواضع، فصارت كالسكون، فأثبتوا فيه همزة كما يجلبون همزة الوصل عند سكون أول الكلمة، ثم إنَّ البعض جعلوها همزة وصل، وقالوا: "مِن اسْتَبْرَقٍ". والأكثرون جعلوها همزة قطع؛ لأن أول الكلمة في الأصل متحرك، لكن بحركة فاسدة، فأتوا بهمزة تسقط عنهم الحركة الفاسدة، وتمكنهم من تسكين الأول؛ لأن عند تساوي الحركة العود إلى السُّكون أقرب، وأواخر الكلمات عند الوقف تسكن، ولا تبدل حركة بحركة. وأما القافُ فلأنهم أرادوا إظهار كونها فارسية أو أعجمية، فأسقطوا منها الكاف التي هي حرف تشبيه، وعلى لسان العرب في أواخر الكلم للخطاب لو تركت الكاف لاشتبه "ستبرك" بـ "مسجدك"، إذا لحقت كاف الخطاب بهما، فلو تركت الكاف قافاً أولاً، ثم ألحقت الهمزة بأولها، وهذا ومثله لا يخرج القرآن عن كونه عربيًّا؛ لأن العربي ما نطقت به العرب وضعاً واستعمالاً من لغة غيرها، وذلك كله سهلٌ عليهم، وبه يحصل الإعجاز، بخلاف ما لم يستعملوه من كلام العجم لصعوبته عليهم، وذكر الاتكاء؛ لأنه حال الصَّحيح الفارغ القلب المتنعم، بخلاف المريض والمهموم. قوله تعالى: {وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} مبتدأ وخبر، وأصله: "دان" مثل "غاز" فأعل كإعلاله. وقرأ عيسى بن عمر: "وجَنِي" بكسر النون. وتوجيهها: أن يكون أمال الفتحة لأجل الألف، ثم حذف لالتقاء الساكنين، وأبقى إمالة النون نحو الكسرة وقرىء: "وجِنَى" بكسر الجيم، وهي لغة. والجنى: ما يقطف من الثِّمار، وهو "فَعْلٌ" بمعنى "مفعول" كالقَبْضِ والقنص. فصل في المراد بالجنى قال القرطبي: "الجنى": ما يُجْتنى من الشجر، تقول: أتانا الشجر بجناة طيبة لكل ما يجتنى، وثمرة جنيٌّ على "فَعِيل" حين جُني. قوله: "دانٍ" أي: قريب. قال ابن عبَّاس: تدنو الشجرة حين يجتنيها ولي الله إن شاء قائماً، وإن شاء قاعداً، وإن شاء مضطجعاً. وقال قتادة: لا يرد يده بعد، ولا شوك. قال ابن الخطيب: جنة الآخرة مخالفة لجنّة الدنيا من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الثمرة على رءوس الشجر في الدنيا بعيدة على الإنسان المتّكىء، وفي الجنة هو متكىء، والثمرة تتدلى إليه. ثانيها: أن الإنسان في الدنيا يسعى إلى الثمرة، ويتحرك إليها، وفي الآخرة هي تدنُو إليهم، وتدور عليهم. وثالثها: أنَّ الإنسان في الدنيا إذا قرب من ثمر شجرة بعد عن غيرها، وثمار الجنة كلها تدنو إليهم في وقت واحد، ومكان واحد. قوله تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ}. اختلف في هذا الضمير. فقيل: يعود على الجنات. فإن قيل: كيف تقدّم تثنيته في قوله: {فِيهِمَا عَيْنَانِ}، و{فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ} ثم أتى بضمير جمع؟. فالجواب: أن أقلّ الجمع اثنان على قول، وله شواهد تقدم أكثرها، أو يقال: عائد إلى الجنَّات المدلول عليها بالجنتين. أو يقول: كل فرد فرد له جنتان فصح أنها جنان كثيرة، وإما أن الجنة تشتمل على مجالس وقصور ومنازل، فأطلق على كل واحد منها جنة. وقيل: يعود على الفرش. قال الزمخشري: "فِيهِنَّ" أي: في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين، والفاكهة والفرش والجنى. قال أبو حيان: "وفيه بُعْد" وكأنه قد استحسن الوجه الأول وفيه نظر؛ لأن الاستعمال أن يقال: على الفراش كذا، ولا يقال: في الفراش كذا إلا بتكلّف. فلذلك جمع الزمخشري مع الفرش غيرها حتى صح له أن يقول: "فيهن" بحرف الظرفية؛ ولأن الحقيقة أن يكون الإنسان على الفرش لأنه مستعمل عليها. وأما كونها فيها فلا يقال إلا مجازاً. وقال الفراء: كل موضع في الجنة، فلذلك صح أن يقال: "فيهن". والقاصرات: الحابسات الطَّرف: أي يحبسن أعينهن عن غير أزواجهن. ومعناه: قصرن ألحاظهن على أزواجهن. قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 4657- مِنَ القَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مِحْوَلٌ مِنَ الذّرِّ فوقَ الإتبِ مِنْهَا لأثَّرَا تفسير : و "قاصرات الطّرف" من إضافة اسم الفاعل لمنصوبه تخفيفاً، إذ يقال: قصر طرفه على كذا، وحذف متعلق القصر للعلم به، أي: على أزواجهن. وقيل: معناه: قاصرات طرف غيرهن عليهن إذا رآهن أحد لم يتجاوز طرفه إلى غيرهن. ووحد الطرف مع الإضافة إلى الجمع؛ لأنه في معنى المصدر، من طرفت عيناه تطرف طرفاً، يقال: ما فيها عين تطرف، ثم سميت العين بذلك، فأدى عن الواحد والجمع، كقولهم: "قَومٌ عَدْل، وصَوْم". قاله القرطبي. واعلم أن هذا الترتيب في غاية الحسن؛ لأنه بيَّن أولاً المَسْكن وهو الجنة، ثم بين ما يتنزّه به وهو البستان، والأعين الجارية، ثم ذكر المأكول، فقال: {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ}، ثم ذكر موضع الرَّاحة بعد الأكل وهو الفرش، ثم ذكر ما يكون في الفراش معه. قال ابن الخطيب: وقوله: {قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ}. أي: نساء أو أزواج، فحذف الموصوف لنكتة وهو أنه - تعالى - لم يذكرهُنّ باسم الجنس، وهو النساء بل بالصفات، فقال: {أية : وَحُورٌ عِينٌ} تفسير : [الواقعة: 22]، {أية : وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً} تفسير : [النبأ: 33] {قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ}، {أية : حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ} تفسير : [الرحمن: 72] ولم يقل: نساء عُرباً، ولا نساء قاصرات، لوجهين: إما على عادة العظماء كبنات الملوك إنما يذكر بأوصافهنّ، وإما لأنهن لما كملن كأنهن خرجن من جنسهن. وقوله تعالى: {قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} يدل على عفّتهن، وعلى حسن المؤمنين في أعينهن، فيحببن أزواجهن حبًّا يشغلهنَّ عن النَّظر إلى غيرهم، ويدل أيضاً على الحياء؛ لأن الطرف حركة الجفن، والحييَّةُ لا تحرك جفنها، ولا ترفع رأسها. قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ}. هذه الجملة يجوز أن تكون نعتاً لـ "قاصرات"، لأن إضافتها لفظية، كقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} تفسير : [الأحقاف: 24]. وقوله: [البسيط] شعر : 4658- يَا رُبَّ غَابِطِنَا لَوْ كَانَ يَطْلُبُكُمْ ................... تفسير : وأن يكون حالاً لتخصيص النكرة بالإضافة. واختلف في هذ الحرف والذي بعده عن الكسائي، فنقل عنه أنه يجيء في ضم أيهما شاء. ونقل عنه الدوري ضم الأول فقط. ونقل عنه أبو الحارث: ضم الثاني فقط، وهما لغتان. يقال: طَمَثَها يَطْمِثها ويَطْمُثها إذا جامعها، لما روى أبو إسحاق السبيعي قال: كنت أصلي خلف أصحاب عليٍّ فأسمعهم يقولون: "لم أطْمِثْهُنّ" بالرفع، وكنت أصلي خلف أصحاب عبد الله فأسمعهم يقولون: بكسر الميم، وكان الكسائي يضم إحداهما، ويكسر الأخرى لئلاّ يخرج عن هذين الأثرين. وأصل "الطَّمْث": الجماع المؤدّي إلى خروج دم البكر، ثم أطلق على كل جماع طمث، وإن لم يكن معه دم. وقيل: "الطّمث": دم الحيض ودم الجماع، فيكون أصله من الدم. ومنه قيل للحائض: طامث، كأنه قيل: لم يدمهن بالجماع إنس قبلهم ولا جانّ. وقيل الطمث: المسّ الخالص. وقال الجحدري، وطلحة بن مصرف: "يطمثهن" بفتح الميم في الحرفين، وهو شاذ، إذ ليس عينه ولا لامه حرف حلق. والضمير في "قبلهم" عائد على الأزواج الدال عليهم قوله: {قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ}، أو الدَّال عليه "متكئين". فصل في تحرير معنى الطمث قال القرطبي: "لم يطمثهن" أي: لم يصبهن بالجماع قبل أزواجهن أحد. قال الفراء: والطَّمْث: الافتضاض والنكاح بالتدمية، طَمَثَها يَطْمِثُها طَمْثاً إذا افتضها. ومنه قيل: امرأة طامث أي: حائض. وغير الفراء يخالفه في هذا ويقول: طمثها بمعنى وطىء على أيّ الوجوه كان، إلا أن الفراء أعرف وأشهر. قال الفرزدق: [الوافر] شعر : 4659- وقَعْنَ إليَّ لَمْ يُطْمَثْنَ قَبْلِي وهُنَّ أصحُّ مِنْ بَيْضِ النَّعَامِ تفسير : وقال أبو عمرو: الطَّمث والمس، وذلك في كل شيء يمسّ، ويقال للمرتع: ما طمث ذلك المرتع قبله أحد، وما طمث هذه النَّاقة حبل أي ما مسها عقال وقال المبرد: لم يذللهن إنس ولا جان، والطمث: التذليل. وقرأ الحسن: "جأن" بالهمزة. فصل في أن الجن يجامعون ويدخلون الجنة كالإنس دلّت هذه الآية على أن الجن تغشى كالإنس، وتدخل الجنة، ويكون لهم فيها جنيّات. قال ضَمْرَة: للمؤمنين منهم أزواج من الحُور، فالإنسيَّات للإنس، والجنّيات للجن. وقيل: معناه: لم يطمث ما وهب الله للمؤمنين من الجنّ في الجنَّة من الحور العين من الإنسيّات إنس، وذلك لأن الجن لا تطأ بنات آدم في الدنيا. ذكره القشيري. قال القرطبي: قد مضى القول في سورة "النمل" وفي "سبحان" وأنه جائز أن تطأ بنات بني آدم. وقد قال مجاهد: إنه إذا جامع الرجل، ولم يسم انطوى الجانّ على إحليله فجامع معه، فذلك قوله: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} يعلمك أن نساء الدنيا لم يطمثهن الجان. والحور العين قد برئن من ذلك العيب. قال مقاتل قوله: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان}؛ لأنهن خلقن في الجنة، فعلى قوله يكونون من حور الجنة. وقال الشعبي: من نساء الدنيا لم يَمْسَسْهن منذ أنشئن خلقٌ، وهو قول الكلبي، أي لم يجامعهن في الخلق الذي فيه إنس ولا جان. قوله تعالى: {كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ}. هذه الجملة يجوز أن تكون نعتاً لـ "قَاصِرَات"، وأن تكون حالاً منها. ولم يذكر مكي غيره. و "الياقُوت": جوهر نفيس، يقال: إن النار لم تؤثر فيه. ولذلك قال الحريري: [البسيط] شعر : 4660- وطَالَمَا أصلي اليَاقوتُ جَمْر غَضَى ثُمَّ انْطفَى الجَمْرُ والياقوتُ يَاقوتُ تفسير : أي حاله لم يؤثر بها، وجه التشبيه كما قال الحسن في صفاء الياقوت، وبياض المرجان، وهذا على القول بأنه أبيض. وقيل: الوجه في الصفة بهما لنفاستهما لا للونهما، ولذلك سموا بمرجانة ودُرَّة وشبه ذلك. قوله تعالى: {هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ}. قرأ ابن أبي إسحاق: "إلا الحسان" أي: الحور الحسان. قال القرطبي: هَلْ في الكلام على أربعة أوجه: تكون بمعنى "قد"، كقوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ} تفسير : [الإنسان: 1]، {أية : وَهَلْ أَتَاكَ} تفسير : [طه: 9]، وبمعنى الاستفهام كقوله: {أية : فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً} تفسير : [الأعراف: 44]. وبمعنى الأمر كقوله تعالى: {أية : فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} تفسير : [المائدة: 91]. وبمعنى "ما" في الجَحْد كقوله تعالى: {أية : فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ} تفسير : [النحل: 35]، و {هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ}. قال ابن الخطيب: في هذه الآية وجوهٌ كثيرة حتى قيل: إنَّ في القرآن ثلاث آيات في كل واحدة منها مائة قول: أحدها: قوله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة: 152]. ثانيها: {أية : وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} تفسير : [الإسراء: 8]. ثالثها: {هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} والمشهور منها أقوال: أحدها: قال عكرمة: أي: هل جزاء من قال: لا إله إلاَّ الله، وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة. وقيل: هل جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة. قاله ابن زيد. "حديث : وروى أنس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} ثم قال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قال: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة ". حديث : وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية، فقال: "يقول الله تعالى: هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلاّ أنْ أُسكنه جنَّتي وحظيرة قدسي برحمتي" . تفسير : وقال الصادق: هل جزاء من أحسنت إليه في الأزل إلا حفظ الإحسان إليه في الأبد. قال ابن الخطيب: والأقرب أنه عام، فجزاء كل من أحسن إلى غيره أن يحسن هو أيضاً.

البقاعي

تفسير : ولما كان قد عرف ما للمجرم المجترئ على العظائم، وقدمه لما اقتضاه مقام التكبر من الترهيب وجعله سبعاً إشارة إلى أبواب النار السبعة، عطف عليه ما للخائف الذي أداه خوفه إلى الطاعة وجعله ثمانية على عدد أبواب الجنة الثمانية فقال: {ولمن} أي ولكل من، ووحد الضمير مراعاة للفظ {من} إشارة إلى قلة الخائفين {خاف} أي من الثقلين. ولما كان ذكر الخوف من الزمان المضروب للحساب والتدبير والمكان المعد لهما أبلغ من ذكر الخوف من الملك المحاسب المدبر، والخوف مع ذكر وصف الإكرام أبلغ من ذكر الخوف عند ذكر أوصاف الجلال، قال دالاًّ بذلك على أن المذكور رأس الخائفين: {مقام ربه} أي مكان قيامه الذي يقيمه وغيره فيه المحسن إليه للحكم وزمانه الذي ضربه له وقيامه عليه وعلى غيره بالتدبير، فهو رقيب عليه وعليهم، فكيف إذا ذكر مقام المنتقم الجبار المتكبر فترك لهذا ما يغضبه وفعل ما يرضيه {جنَّتان} عن يمين وشمال، واحدة للعلم والعقل وأخرى للعمل، ويمكن أن يراد بالتثنية المبالغة إفهاماً لأنها جنان متكررة ومتكثرة مثل{أية : ألقيا في جهنم كل كفَّارٍ عنيد}تفسير : [ق: 24] ونحو ذلك. ولما كانت هذه نعمة جامعة، سبب عنها قوله: {فبأيِّ آلاء ربكما} أي نعم المربي لكما والمحسن إليكم بإحسانه الكبار التي لا يقدر غيره على شيء منها {تكذبان *} أبنعمة الشم من اليسار المنبعثة من القلب أو غيرها من تربة جنان الدنيا بنفس جهنم من حر الشمس وحرورها، فجعل من ذلك جميع الفواكه والزروع إلى غير ذلك من المرافق التي طبخها بها{أية : وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون}تفسير : [يوسف: 105] وغير ذلك من نعمه التي لا تحصى. ولما كانت البساتين لا يكمل مدحها إلا بكثرة الأنواع والألوان والفروع المشتبكة والأغصان، قال واصفاً لهما: {ذواتا} أي صاحبتا برد عين الكلمة فإن أصلها "ذوو" {أفنان *} أي جميع فن يتنوع فيه الثمار، وفنن وهو الغصن المستقيم طولاً الذي تكون به الزينة بالورق والثمر وكمال الانتفاع، قال عطاء: في كل غصن فنون من الفاكهة؛ ولهذا سبب عنه قوله: {فبأيّ آلاء ربكما} أي المربي لكما والمحسن إليكما {تكذبان *} أبنعمة الشم من جهة الفوق أو غيرها مما ذكره لكم من وصف الجنة الذي جعل لكم من أمثاله ما تعتبرون به. ولما كانت الجنان لا تقوم إلا بالأنهار قال: {فيهما عينان} أي في كل واحدة عين {تجريان *} أي في كل مكان شاء صاحبهما وإن علا مكانه كما تصعد المياه في الأشجار في كل غصن منها، وإن زاد علوها جرى على عيني دموعه الجاريتين من خشية الله وذلك على مثال جنان الدنيا، والشمس صاعدة في البروج الشمالية من تكامل المياه وتفجرها عيوناً في أيام الربيع والصيف لقرب العهد بالأمطار {فبأي آلاء ربكما} أي المالك لكما والمحسن إليكما {تكذبان *} أبنعمة الشم من جهة التحت أو غيرها مما ذكره وجعل له في الدنيا أمثالاً كثيراً. ولما كان بالمياه حياة النبات وزكاؤه، قال ذاكراً أفضل النبات: {فيهما} أي هاتين الجنتين العاليتين، ودل على جميع كل ما يعلم وزيادة بقوله: {من كل فاكهة} أي تعلمونها أو لا تعلمونها {زوجان} أي صنفان يكمل أحدهما بالآخر كما لا يدرك كنه أحد الزوجين بسبب العمل بما يرضى والآخر بالانتهاء عما يسخط {فبأيِّ آلاء ربكما} أي النعم الكبار التي رباها الموجد لكما المحسن إليكما {تكذبان *} أبنعمة اللمس من الأمام أو غيرها من أنه أوجد لكما جنان الدنيا بواسطة حر النار التي هي أعدى عدوكما إشارة إلى أنه قادر على أنه يوجد برضوانه ومحبته من موضع غضبه وانتقامه إكراماً، فقد جعل ما في الدنيا مثالاً لما ذكر في الآخرة، فبأي شيء من ذلك تكذبان، لا يكمل الإيمان حتى يصدق المؤمن أنه تعالى قادر على أن يجعل من جهنم جنة بأن يجعل من موضع سخطه رحمة ويشاء ذلك ويعتبر ذلك بما أرانا من نموذجه. ولما كان التفكه لا يكمل حسنه إلا مع التنعم من طيب الفرش وغيره، قال مخبراً عن الذين يخافون مقام ربهم من قبيلي الإنس والجن مراعياً معنى {من} بعد مراعاة لفظها تحقيقاً للواقع: {متكئين} أي لهم ما ذكر في حال الاتكاء وهو التمكين بهيئة المتربع أو غيره من الكون على جنب، قال في القاموس: توكأ عليه: تحمل، واعتمد كأوكأ، والتكأة كهمزة: العصا، وما يتوكأ عليه، وضربه فأتكأه: ألقاه على هيئة المتكئ أو على جانبه الأيسر، وقال ابن القطاع: وضربته حتى أتكأته أي سقط على جانبه، وهو يدل على تمام التنعم بصحة الجسم وفراغ البال {على فرش} وعظمها بقوله مخاطباً للمكلفين بما تحتمل عقولهم وإلا فليس في الجنة ما يشبهه على الحقيقة شيء من الدنيا {بطائنها} أي فما ظنك بظواهرها ووجوهها {من إستبرق} وهو ثخين الديباج يوجد فيه من حسنه بريق كأنه من شدة لمعانه يطلب إيجاده حتى كأنه نور مجرد. ولما كان المتكىء قد يشق عليه القيام لتناول ما يريد قال: {وجنا الجنتين} أي مجنيهما اسم بمعنى المفعول - كأنه عبر به ليفهم سهولة نفس المصدر الذي هو الاجتناء {دان *} أي قريب من كل من يريده من متكىء وغيره لا يخرج إلى صعود شجرة، وموجود من كل حين يراد غير مقطوع ولا ممنوع. ولما كان ربما وجد مثل من ذلك شاهد له من أغصان تنعطف بجملتها فتقرب وأخرى تكون قريبة من ساق الشجرة فيسهل تناولها قال: {فبأيِّ آلاء ربكما} أي النعم الكبار الملوكية التي أوجدها لكما هذا المربي لكما الذي يقدر على كل ما يريد {تكذبان *} أبنعمة اللمس من جهة الوراء أم غيرها من قدرته على عطف الأغصان وتقريب الثمار. ولما كان ما ذكر لا تتم نعمته إلا بالنسوان الحسان، قال دالاًّ على الكثرة بعد سياق الامتنان بالجمع الذي هو أولى من التثنية بالدلالة على أن في كل بستان جماعة من النسوان، لما بهن من عظيم اللذة وفرط الأنس: {فيهن} أي الجنان التي علم مما مضى أن لكل فرد من الخائفين منها جنتين. ولما كان سياق الامتنان معرفاً بأن جمع القلة أريد به الكثرة مع ما ذكر من محسناته في سورة "ص" قال معبراً به: {قاصرات الطرف} أي نساء مخدرات هن في وجوب الستر بحيث يظن من ذكرهن بغير الوصف من غير تصريح، قد قصرن طرفهن وهممهن على أزواجهن ولهن من الجمال ما قصرن به أزواجهن عن الالتفات إلى غيرهن لفتور الطرف وسحره وشدة أخذه للقلوب جزاء لهم على قصر هممهم في الدنيا على ربهم. ولما كان الاختصاص بالشيء لا سيما المرأة من أعظم الملذذات قال: {لم يطمثهن} أي يجامعهن ويتسلط عليهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه نوع من أنواع السلطة سواء من إنسيات أو جنيات أو غير ذلك، يقال: طمثت المرأة كضرب وفرح: حاضت، وطمثها الرجل: افتضها وأيضاً جامعها، والبعير عقلته، فكأنه قيل: هن أبكار لم يخالط موضع الطمث منهن {إنس} ولما كان المراد تعميم الزمان أسقط الجارّ فقال: {قبلهم} أي المتكئين {ولا جان *} وقد جمع هذا كل من يمكن منه جماع من ظاهر وباطن، وفيه دليل على أن الجني يغشى الإنسي كما نقل عن الزجاج {فبأيِّ آلاء ربكما} أي النعم الجسام من المربي الكامل العلم الشامل القدرة القيوم {تكذبان *} أبنعمة اللمس من جهة اليمنى أم غيرها مما جعله الله لكم مثالاً لهذا من الأبكار الحسان، أو غير ذلك من أنواع الإحسان.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب في قوله ‏{‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عطاء أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ذكر ذات يوم وفكر في القيامة والموازين والجنة والنار وصفوف الملائكة وطيّ السموات ونسف الجبال وتكوير الشمس وانتثار الكواكب، فقال‏:‏ وددت أني كنت خضراء من هذا الخضر تأتي عليّ بهيمة فتأكلني وأني لم أخلق، فنزلت هذه الآية ‏{‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏}‏‏ . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏ {‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏} ‏ قال‏:‏ وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه فأدوا فرائضه الجنة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏ {‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏} ‏ يقول‏:‏ خاف ثم اتقى، والخائف من ركب طاعة الله وترك معصيته‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد وابن أبي الدنيا في التوبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏} ‏ قال‏:‏ هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه فينزع عنها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏}‏ قال‏:‏ من خاف مقام الله عليه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ الرجل يريد الذنب فيذكر الله فيدع الذنب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏}‏ قال‏:‏ إن المؤمنين خافوا ذلك المقام فعملوا لله ودأبوا ونصبوا له بالليل والنهار‏.‏ وأخرج ابن جرير عن إبراهيم ‏{‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏} ‏ قال‏:‏ إذا أراد أن يذنب أمسك مخافة الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود ‏ {‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏}‏ قال‏:‏ لمن خافه في الدنيا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية بن قيس في قوله ‏ {‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في الذي قال‏:‏ أحرقوني بالنار لعلي أضلّ الله، قال لنا بيوم وليلة بعد أن تكلم بهذا فقبل الله منه ذلك، وأدخله الجنة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن منيع والحكيم في نوادر الأصول والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ‏ {‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏} ‏ فقلت‏:‏ وإن زنى وإن سرق يا رسول الله‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم الثانية ‏ {‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏}‏ فقلت‏:‏ وإن زنى وإن سرق‏؟‏ فقال الثالثة ‏ {‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏} ‏ فقلت‏:‏ وإن زنى وإن سرق‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏‏حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏} ‏ فقال أبو الدرداء‏:‏ وإن زنى وإن سرق يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ "وإن زنى وإن سرق، وإن رغم أنف أبي الدرداء‏"‏ تفسير : فكان أبو الدرداء يقص ويقول‏:‏ ‏ {‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏}‏ وإن رغم أنف أبي الدرداء‏.‏ وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق الحريري عن أخيه قال‏:‏ سمعت محمداً بن سعد يقرأ هذه الآية ‏[‏ولمن خاف مقام ربه جنتان وإن زنى وإن سرق‏]‏ فقلت‏:‏ ليس فيه وإن زنى وإن سرق، قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها كذلك فأنا أقرأها كذلك حتى أموت‏. وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله دخل الجنة، ثم قرأ ‏ {‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏}‏ ‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن شهاب قال‏:‏ كنت عند هشام بن عبد الملك، فقال‏:‏ قال أبو هريرة رضي الله عنه‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏ {‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏} ‏ فقال أبو هريرة رضي الله عنه‏:‏ وإن زنى وإن سرق‏؟‏ فقلت‏:‏ إنما كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، فلما نزلت الفرائض ذهب هذا‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن يسار مولى لآل معاوية عن أبي الدرداء رضي الله عنه في قوله ‏{‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏} ‏ قال‏:‏ قيل‏:‏ يا أبا الدرداء وإن زنى وإن سرق‏؟‏ قال‏:‏ من خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق‏. وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : جنان الفردوس أربع‏:‏ جنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ "حديث : ‏{‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏}‏ وقوله ‏ {‏ومن دونهما جنتان‏} ‏ قال‏: جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في قوله ‏{‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏} ‏ قال‏:‏ جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين‏. وأخرج ابن مردويه عن عياض بن تميم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا ‏{‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏} ‏ قال‏:‏ بستانان عرض كل واحد منهما مسيرة مائة عام فيهما أشجار، وفرعهما ثابت، وشجرهما ثابت، وعرصتهما عظيمة، ونعيمهما عظيم وخيرهما دائم، ولذتهما قائمة وأنهارهما جارية وريحهما طيب، وبركتهما كثيرة، وحياتهما طويلة، وفاكتهما كثيرة‏. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن قال‏:‏ كان شاب على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ملازم المسجد والعبادة فعشقته جارية فأتته في خلوة فكلمته فحدث نفسه بذلك فشهق شهقة فغشي عليه، فجاء عم له إلى بيته، فلما أفاق قال يا عم انطلق إلى عمر فأقرئه مني السلام وقل له‏:‏ ما جزاء من خاف مقام ربه‏؟‏ فانطلق عمه فأخبر عمر، وقد شهق الفتى شهقة أخرى فمات منها، فوقف عليه عمر فقال‏:‏ لك جنتان لك جنتان‏. أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏ذواتا أفنان‏} ‏ قال‏:‏ ذواتا ألوان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير مثله‏.‏ وأخرج هناد عن الضحاك مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله ‏ {‏ذواتا أفنان‏}‏ يقول‏:‏ ألوان من الفواكه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ‏{‏ذواتا أفنان‏} ‏ قال‏:‏ ذواتا أغصان‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ‏{‏ذواتا أفنان‏} ‏ قال‏:‏ غصونهما يمس بعضها بعضا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ‏{‏ذواتا أفنان‏} ‏ قال‏:‏ الفتن الغصن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو بكر بن حبان في الفنون وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن عكرمة أنه سئل عن قول الله ‏{‏ذواتا أفنان‏}‏ قال‏:‏ ظل الأغصان على الحيطان، أما سمعت قول الشاعر‏؟ شعر : ما هاج شوقك من هدير حمامة تدعو على فتن الغصون حماما تدعو باشرخين صادف طاويا ذا مخلبين من الصقور قطاما تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {‏ذواتا أفنان‏}‏ قال‏:‏ ذواتا فضل على ما سواهما‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {‏فيهما من كل فاكهة زوجان‏}‏ قال‏:‏ فيهما من كل الثمرات، قال‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ فما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمرو قال‏:‏ العنقود أبعد من صنعاء‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله ‏ {‏متكئين على فرش بطائنها من إستبرق‏} ‏ قال‏:‏ أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهائر‏. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال‏:‏ في قراءة عبدالله ‏[‏متكئين على سرر وفرش بطائنها من رفرف من استبرق‏]‏ والاستبرق لغة فارس يسمون الديباج الغليظ الاستبرق‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه قيل له ‏{‏بطائنها من إستبرق‏}‏ فما الظواهر‏؟‏ قال‏:‏ ذاك مما قال الله ‏{أية : ‏فلا تعلم نفس ما أخفي‏ لهم من قرة أعين‏}تفسير : ‏ ‏[السجدة: 17‏].‏ وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏ {‏بطائنها من إستبرق‏}‏ قال‏:‏ ظواهرها من نور جامد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وجنى الجنتين دان‏} ‏ قال‏:‏ جناها ثمرها، والداني القريب منك يناله القائم والقاعد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏{‏وجنى الجنتين دان‏} ‏ قال‏:‏ ثمارها دانية لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك‏.‏ قال‏:‏ وذكر لنا أنا نبي الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏والذي نفس محمد بيده لا يقطف رجل ثمرة من الجنة فتصل إلى فيه حتى يبدل الله مكانها خيراً منها‏ "‏‏.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}[46] قال لبيد: هَمَّ بمعصية، ثم ذكر مقامه بين يدي الله تعالى يوم الحساب، فانتهى عنها. ولقد بلغني أن شاباً في خلافة عمر رضي الله عنه كان له جمال ومنظر، وكان عمر رضي الله عنه يعجبه الشاب ويتفرس فيه الخير، فاجتاز الفتى بامرأة فأعجب بها، فلما أراد أن يهمّ بالفاحشة نزلت عليه العصمة، فخرّ لوجهه مغشياً، فحملته المرأة إلى منزله، وكان له أب شيخ كبير، إذا أمسى جلس على الباب ينتظره، فلما رآه الشيخ غشي عليه، فلما أفاق سأله عن حاله، فقصّ عليه، ثم صاح صيحة فخرّ ميتاً، فلما دفن وقف وقرأ عمر رضي الله عنه على قبره: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}[46] فناداه من القبر: إن الله أعطانيهما وزادني معهما ثالثة.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: هو المقام الذى يقوم بين يدى ربه يوم القيامة عند كشف الستور وإظهار حقائق الأمور وسكوت الكل من الأولياء والأنبياء وظهور القدرة والجبروت. وقال البصرى: الخوف على ثلاثة أوجه خوف فى الدين وهو خوف العامة وخوف عارض عند تلاوة القرآن وخوف مزعج ينخل القلب والبدن وهو الخوف الحقيقى. وقال أيضاً: شيئان مزعجان الخوف المزعج والشوق المقلق. قال ذو النون رحمة الله عليه: علامة خوف الله أن يؤمنك خوفه من كل خوف. وقال بعضهم فى قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} قال ذلك عند الهم بالمعصية وعند مباشرة الطاعات.

القشيري

تفسير : يقال: لِمَنْ خاف قُرْبَ ربِّه منه واطلاعه عليه. ويقال: لمن خاف وقوفَه غداً بين يدي الله - جنتان، ولفظة التثنية هنا على العادة في قولهم: خليليَّ ونحوه. وقيل: بل جنتان على الحقيقة، مُعَجَّلة في الدنيا من حلاوة الطاعة وروح الوقت، ومؤجَّلة في الآخرة وهي جنة الثواب. ثم هم مختلفون في جنات الدنيا على مقادير أحوالهم كما يختلفون في الآخرة على حسب درجاتهم.

البقلي

تفسير : اى من خاف وهاب مقامه فى مقام العتاب وتغير رب الارباب له واسبال النقاب وصرفه عن المأب وحيائه بنعت الاجلال عند الخطاب فترك حظوظه واقبل عليه بنعت الخجل والتشوير والندم عن تضييع اوقاته جنتان جنة المشاهدة وجنة الواصلة جنة المحبة وجنة المكاشفة جنة المعرفة وجنة التوحيد جنة المقامات وجنة الحالات جنة القلب وجنة الروح جنة الكرامات وجنة المداناة قال بعضهم هو المقام الذى يقوم بين يديى ربه يوم القيامة عند كشف الستور وظهور حقائق الامور وسكرت الكل من الانبياء والاولياء لظهور القدرة والجبروت.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولمن خاف مقام ربه} وبراى كسى كه بترسد ازايستادن بيش خداى تعالى وهو شروع فى تعداد النعم الفائضة علهيم فى الآخرة بعد تعداد ماوصل اليهم فى الدنيا من الآلاء الدينية والدنيوية والمقام اسم مكان ومقامه تعالى موقفه الذين يقف فيه العباد للحساب كما قال {أية : يوم يقوم الناس لرب العالمين}تفسير : فالاضافة للاختصاص الملكى اذ لا ملك يومئذ الا الله تعالى قال فى عين المعانى نزلت فى أبى بكر رضى الله عنه حين شرب لبنا على ظمأ فأعجبه ثم أخبر أنه من غير حل فاستقاء فقال صلى الله عليه وسلم لما سمعه "حديث : رحمك الله لقد أنزلت فيك آية"تفسير : ودخل فيه من يهم بالمعصية فيذكر الله فيدعها من مخافة الله {جنتان} جنة للخائف الانسى وجنة للخائف الجنى على طريق التوزيع فان الخطاب للفريقين والمعنى لكل خائفين منكما او لكل واحد جنة لعقيدته واخرى لعمله او جنة لفعل الطاعات واخرى لترك المعاصى او جنة يثاب بها وأخرى يتفضل بها عليه او روحانية وجسمانية وكذا ماجاء مثنى بعد وقال فى الموضح دوباغ دهد ايشانرا دربهشت كه يكى از ايشان صد ساله راه طول وعرض داشته باشد ودرميان هرباغ سراهاى خوش وحوران دلكش، وقال الاستاذ القشيرى رحمه الله جنة معجلة هى لذة المناجاة والتلذذ بحقائق المشاهدات ومايراد على قلوبهم من صدقه الواردات وجنة مؤجلة وهى الموعودة فى الآخرة وفى بحر العلوم قيل جنة للخائف الانسى وجنة للخائف الجنى لان الخطاب للثقلين وفيه نظر لقوله عليه السلام "حديث : ان مؤمن الجن لهم ثواب وعليهم عقاب"تفسير : وليسوا من أهل الجنة مع امة محمد هم على الاعراف حائط الجنة تجرى فيه الانهار وتنبت فيه الاشجار والثمار، يقول الفقير قد سبق فى أوآخر الاحقاف ان المذهب ان الجن فى حكم بنى آدم ثوابا وعقابا لانهم مكلفون مثلهم وان لم نعلم كيفية ثوابهم فارجع الى التفصيل فى تلك السورة

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولِمَنْ خافَ مقامَ ربه} أي: قيامه بين يديه للحساب {يوم يقوم الناس لرب العالمين} أو: قيامه تعالى على أحواله، من: قام عليه، إذا راقبه، كقوله:{أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ}تفسير : [الرعد: 33]. قال مجاهد: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله تعالى، فيدعها من خوفه. قال السدي: شيئا، مفقودان: الخوف المزعج، والشوق المقلق. هـ. أي: للخائف {جنتانِ} أي: بستانان من الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، مسيرة كل بستان: مائة سنة. وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : هل تدرون ما هاتان الجنتان؟ هما بستانان في بستانين، قرارهما لابث، وفرعهما ثابت، وشجرهما نابت"تفسير : ، أَكْرَم بهما المؤمن ليتكامل سروره بالتنقُّل من جنة إلى جنة، وقيل: جنة لخوفه وجنة لتركه شهوته، أو: جنة لعقيدته وجنة لعمله، أو: جنة لفعل الطاعة وجنة لتركه المعصية، أو: جنة يُثاب بها وجنة يُتفضل عليه بها، أو: روحانية وجسمانية، أو: جنة للسابقين وجنة لأهل اليمين، أو: جنة للإنس وجنة للجن؛ لأنّ الخطاب للثقلين، كأنه قيل: لكل خائف منكما جنتان. والأول أرجح، وسيأتي في الإشارة بقيته، {فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان}. ثم وصف تلك الجنتين بقوله: {ذَوَاتا أفَنانٍ} أغصان، جمع "فَنن"، وخصّ الأفنان لأنها هي التي تُورق، ومنها تُجنى الثمار، وتعقد الظلال، أو جمع فَنّ، بمعنى النوع، أي: ذواتا أنواع من الأشجار والثمار، مما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، {فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان} وليس فيها شيء يقبل التكذيب. {فيهما} أي: في الجنتين {عينانِ تجريان} حيث شاؤوا إلى الأعالي والأسافل. وعن الحسن: تجريان بالماء الزلال، إحداهما: التسنيم، والأخرى: السلسبيل، وقيل: بالماء والخمر، {فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان}، {فيهما من كل فاكهةٍ زوجان} صنفان، صنف معروف وصنف غريب، أو رطب ويابس. {فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان}. {متكئينَ} نصب على المدح للخائفين، أو: حال منهم؛ لأنّ مَن خاف في معنى الجمع، {على فُرُش بطائنُها من إِستبرقٍ} من ديباج ثخين، وحيث كانت بطائنها كذلك فما ظنك بظاهرها؟ وقيل: ظاهرها سُندس، وقيل: من نور، وقيل: لا يعلمها إلاّ الله. والبطائن: جمع بطانة، وهو: ما يلي الأرض، والإستبرق معرَّب، {وجَنَى الجنتين دانٍ} أي: ما يجتنى من أشجارها من الثمار قريب، يناله القائم والقاعد والمضطجع. قال ابن عباس رضي الله عنه: تدنو الشجيرة حتى يجنيها وليُّ الله، إن شاء قائماً، وإن شاء قاعداً، وإن شاء مضطجعاً. قال القشيري: وفي الخبر المسند: "مَن قال سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، غرس له بها ألف شجرة في الجنة، أصلها الذهب، وفرعها الدر، وطلعها كثدي الأبكار، ألين من الزبد، وأحلى من العسل، كلما أُخذ منها شيء عاد كما كان، وذاك قوله تعالى: {وجَنَى الجنتين دانٍ} إذا أرادوه أتى إلى أفواههم، حتى يتناولون من غير مشقة، ويقال: ينالها القائم والقاعد والنائم. هـ. {فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان}، {فيهن} أي: الجنتين؛ لاشتمالها على أماكن وقصور ومجالس، أو: في هذه الآلاء المعدودة، من الجنتين والعينين والفاكهة والغرس والجَنْي، {قاصراتُ الطَّرْفِ} جَوار قَصَرْنَ أبصارَهنّ على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم، {لم يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قبلهم ولا جانٌّ} أي: لم يمس الإنسيات أحدٌ من الإنس، ولا الجنيات أحدٌ من الجن. والطمث: الجماع بالتدمية. وفي الآية دليل على أنّ الجن يطمثون كما يطمث الإنس. {فبأي آلاء رَبكما تُكذِّبان كأنهنَّ} أي: تلك الجوار {الياقوتُ} صفاءً {والمَرْجانُ} بياضاً، على أنَّ المرجان صغار الدر، أو: في الصفاء وحُمرة الوجه. قيل: إنَّ الجواري تلبس سبعين حلة، فيُرى مُخ ساقها من ورائها، كام يرى الشراب الأحمر في الزجاجة. {فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان}. {هل جزاءُ الإِحسان إِلاَّ الإِحسانُ} هو استئناف مقرر لما فصّل قبله، أي: ما جزاء الإحسانِ في العمل إلاّ الإحسانُ في الثواب، قال أنس: قرأها النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"حديث : هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قال: هل جزاءُ مَن أنعمتُ عليه بالتوحيد إلاّ الجنة"تفسير : وفي لفظ آخر: "حديث : هل جزاء مَن أنعمت عليه بتوحيدي ومعرفتي إلاّ أن أُسكنه جنتي وحظيرة قدسي برحمتي"تفسير : . أو: هل جزاء مَن قال "لا إله إلا الله" إلاَّ الجنة. قال السدي: هل جزاء الذين أطاعوا في الدنيا إلاّ الكرامة في الآخرة. وقال جعفر الصادق: هل جزاء مَن أحسنتُ إليه في الأزل إلاَّ حفظ الإحسان عليه في الأبد. قال الحسن: هي مسجلة - أي مطلقة - للبر والفاجر، للفاجر في دنياه، وللبَر في عُقباه. هـ. {فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان}. الإشارة: {ولمن خاف مَقام ربه} فرَاقَبه، ثم شاهَده، {جنتان} جنة المعارف مُعجّلة، وجنة الزخارف معها مُؤجلة، أو: جنة المعارف لأرواحهم، وجنة الزخارف لأشباحهم. قال القشيري: جنتان: جنة مُعَجَّلة من حلاوة الطاعة ورَوْح القرب، ومؤجَّلة في الآخرة، وهي جنة الثواب، وهم مختلفون في جنان الدنيا على قدر تفاوت مقادير أحوالهم، كما يختلفون في الآخرة في درجاتهم. هـ. فجنة حلاوة الطاعة لأهل اليمين، وجنة روح القرب للمقربين. قال الورتجبي: جنتان: جنة المشاهدة وجنة المكالمة، جنة المحبة وجنة المكاشفة، جنة المعرفة وجنة التوحيد، جنة المقامات وجنة الحالات، جنة القلب وجنة الروح، جنة الكرامات وجنة المداناة. هـ. أو: جنة الوصال وجنة الكمال، أو: جنة الكمال وجنة التكميل، أو جنة الفناء وجنة البقاء، أو جنة البقاء وجنة الترقِّي إلى غير انتهاء. وقوله تعالى: {ذواتا أفنان} يُشير إلى ما في هاتين الجنتين من فنون العلوم والأذواق، والأسرار والأنوار، وتفنُّن الأفكار في بحار الأسرار، فيهما لكل واحدٍ عينان تجريان، إحداهما بعلوم الشريعة والمعاملة وآداب العبودية، وأخرى بعلوم الحقيقة والطريقة والتوحيد الخاص، فيهما من كل فاكهةٍ من فواكه الأذواق صنفان: صنف حاصل، وصنف يتجدّد بتجدُّد الأنفاس، أو: صنف لعالم الحكمة، وصنف لعالم القدرة، أو: صنف للذات وصنف للصفات، أو: صنف لحلاوة المشاهدة وصنف لآداب المعاملة. متكئين على فُرش الأُنس، بطائنها من استبرق الروح والفَرح ودوام البِسط، وجنا الجنتين دانٍ لمَن تمكّن من الشهود؛ لأنّ ثمار المعارف من حلاوة الشهود والأُنس صارت طوع يده، فشُهوده دائم، وقُربه للحبيب لازم، فمهما أجال فكرته غاصت في بحار الأحدية، واستخرجت من يواقيت الحِكَم، وجواهر العلوم، ما لا يُحيط به المفهوم، بخلاف غير المتمكن، تعب الفكرة ينقص له من لذة الشهود. قال القشيري: إذ لا لذة في أوائل المشاهدة، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : اللهم ارزقني لذةَ النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك، في غير ضرّاء مضرة..."تفسير : الحديث. هـ. فِيهن قاصرات الطرف، أي: أبكار الحقائق خاصة بهم لا تنكشف لغيرهم. لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان؛ لم يمس تلك الحقائق غيرهم، لأنها خاصة بأهل الأذواق، وكل واحد يمس من الحقائق ما لا يمس غيره، وينكشف له ما لا ينكشف لغيره، لأنها على حسب الاستعداد. كأنهن - أي: تلك الحقائق - الياقوتُ في صفاء معناها، والمرجان في حسن مبناها، هذا جزاء أهل مقام الإحسان. {هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان} أي: هل جزاء أهل مقام الإحسان إلاَّ الإحسان والتقريب والتخصيص بهذه العلوم والحقائق، أو: هل جزاء الإحسان معنا إلا الإحسان بكشف ذاتنا، أو: هل جزاء الإحسان إلى عبادي إلاّ الإحسانُ بقربي وولايتي. قال ابن جزي: ويحتمل أن يكون الإحسان هنا هو الذي سأل عنه جبريل عليه السلام "حديث : أن تعبد الله كأنك تراه"تفسير : فجعل جزاء ذلك الإحسان بهاتين الجنتين، ويُقوي ذلك: انه جعل هاتين الجنتين الموصوفتين هنا لأهل المقام العَلي؛ وجعل جنتين وجعل جنتين دونهما لمَن كان دون ذلك، فالجنتان المذكورتان أولاً للسابقين، والمذكورتان بعد ذلك لأصحاب اليمين، حسبما ورد في الواقعة. انظر تمامه. وإلى جنتي أهل اليمين أشار تعالى بقوله: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ}.

الطوسي

تفسير : لما وصف الله تعالى ما أعد للكفار من أنواع العذاب، بين بعد ذلك ما أعد للمؤمنين والمتقين، فقال {ولمن خاف مقام ربه جنتان} والمعنى ولمن خاف المقام الذي يقفه فيه ربه للمسائلة عما عمل في ما يجب عليه مما أمره به أو نهاه عنه، فيكفه ذلك عما يدعوه هواه اليه يصبر صبر مؤثر للهدى على طريق الردى. والمقام الموضع الذي يصلح للقيام فيه وبضم الميم الموضع الذي يصلح للاقامة فيه. والجنتان اللتان وعد الله من وصفه بهما قيل هما جنتان: إحداهما داخل قصره والأخرى خارج قصره على ما طبع الله تعالى العباد عليه من شهوة ذلك وجلالته فشوقوا إلى ما في طباعهم شهوة مثله. ثم وصف الجنتين فقال {ذواتا أفنان} والافنان جمع (فن) وهو الغصن الفصن الورق، ومنه قولهم: له فنون، وهذا فن آخر أي نوع آخر أي ضرب آخر، وفيه فنون أي ضروب مختلفة، ويجوز أن يكون جمع فن. وقال ابن عباس: معناه ذواتا ألوان. وقال عكرمة. ظل الاغصان على الحيطان. وقال الضحاك: ذواتا ألوان يفضل بها على ما سواها {فبأي آلاء ربكما تكذبان} قد بيناه. وقوله {فيهما عينان تجريان} اخبار منه تعالى أن فى الجنتين اللتتين وعدتهما المؤمنين عينين من الماء تجريان بين أشجارها، فالجاري هو الذاهب ذهاب الماء المنحدر، فكل ذاهب على هذه الصفة فهو جار، وصفت بالعين لصفائها أو بأنها جارية لأنه أمتنع لها {فبأي آلاء ربكما تكذبان} قد فسرناه. وقوله {فيهما من كل فاكهة زوجان} معناه إن فى تلك الجنتين من كل ثمرة نوعين وضربين متشاكلين كتشاكل الذكر والانثى، فلذلك سماهما (زوجين) وذلك بالرطب واليابس من العنب والزبيب والتين والرطب واليابس، فكذلك سائر الأنواع لا يقصر يابسه عن رطبه فى الفصل والطيب إلا أنه امتنع وأعذب بأن يكون على هذا المنهاج. وقيل: فيهما من كل نوع من الفواكه ضربان ضرب معروف وضرب من شكله غريب، وكل ذلك للاطراف والامتاع {فبأي آلاء ربكما تكذبان. متكئين على فرش بطائنها من إستبرق} فالاتكاء الاستناد للتكرمة والامتناع والمتكى هو ما يطرح للانسان فى مجالس الملوك للاكرام والاجلال إتكا يتكي إتكاءاً، فهو متكي، ومنه وكاة السقاء إذا شددته، ومنه قوله صلى الله عليه وآله "حديث : العين وكاء الجسد" تفسير : والاتكاء شدة التقوية للاكرام والامتاع. وهو نصب على الحال {على فرش} وهو جمع فراش وهو الموطأ الممهد للنوم عليه بطائنها، وهو جمع بطانة وهي باطن الظهار، فالبطانة من اسفله والظاهرة من أعلاه. وقوله {وجنا الجنتين دان} فالجنى الثمرة التي قد أدركت فى الشجرة وصلح أن تحبى غضه قال الشاعر: شعر : هذا جناي وضياره فيه إذ كل جان يده إلى فيه تفسير : والاستبرق الغليظ من الديباج - فى قول عكرمة وابن اسحاق - وقيل: ان ثمارها دانية لا يرد يده عنها بعد، ولا شوك - فى قول قتادة - وقيل: الظواهر من سندس وهو الديباج الرقيق، والبطاين من أستبرق وهو الديباج الغليظ. وقيل: الاستبرق المتاع الصيني من الحرير، وهو بين الغليظ والرقيق. وقال الفراء: الاستبرق غليظ الديباج. وقوله {فبأي آلاء ربكما تكذبان} قد تكرر تفسيره.

فرات الكوفي

تفسير : {جَنّتانِ...ذَواتا أفْنانِ...فيهِما مِنْ كُلّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ...مُدهامَّتانِ... فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ} 46-66 [تقدم في ح 287 في ذيل الآية 29 الرعد في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمقداد بن الأسود الكندي ما يرتبط بالآيات].

الهواري

تفسير : قال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} يعني الذي يقوم بين يدي ربه للحساب، في تفسير الحسن: {جَنَّتَانِ}. وتفسير مجاهد: هو من أراد ذنباً فذكر الله وذكر أنه قائم عليه فتركه. تفسير الحسن أنها أربع جنات: جنتان للسابقين، وجنتان للتابعين. ويعني بالسابقين أصحاب النبي عليه السلام، وبالتابعين من بعدهم. وبعضهم يقول: السابقون الذين يدخلون الجنة بغير حساب، والذين دونهم أصحاب اليمين غير السابقين. فالمنزل الأول للسابقين، والآخر لأصحاب اليمين، وهم الذين يحاسبون حساباً يسيراً. قال عز وجل: {فَبِأَيِّ آلآءِ} أي: نعماء {رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.

اطفيش

تفسير : {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} أي قيامه بين يدي ربه للحساب فيترك المعصية والاضافة تشريف والمقام مصدرا والموضع الذي يقوم فيه للحساب فهو اسم مكان أو الزمان الذي يحاسب فيه فهو اسم زمان وذلك تفسير الحسن وقال مجاهد: مقام ربه اطلاعه عليه فيترك المعصية التي اهتم بها فهو مصدر ميمي ويصح كونه اسم مكان أو زمان أي يخاف مقامه أي حضرته وقيل المراد عظمته وهو كذلك وقيل: خوف مقامه المراقبة لله سرا وعلانية بترك المعصية ويخلص الطاعة ويحب السر وقيل: مقامه حفظه ومراقبته وقيل المقام مقحم كقولك أخاف جانب فلان. {جَنَّتَانِ} قيل جنة للخائف الانسي وجنة للخائف الجني كأنه قيل ولكل خائف منكما جنتان جنة للجني وجنة للانسي وقيل الجنتان الواحد جنة للطاعة وجنة لترك المعصية وقيل جنة الثواب وجنة المفضل وقيل جنة عدن وجنة نعيم وكان شاب في زمان عمر رضي الله عنه في غاية الجمال والحسن واعجبه وتفرس فيه الخير فاجتاز الفتى بأمرأة فاعجب بها ولما هم بها نزلت عليه الخشية وعصمه الله فوقع على وجهه مغشيا عليه فحملته المرأة الى منزله وكان له أب شيخ كبير اذا امسى جلس على الباب ينتظره فلما رآه الشيخ غشي عليه ولما افاق ساله عن حاله فقص عليه ثم صاح صيحة فخر ميتا ودفن. وقرأ عمر على قبره ولمن خاف مقام ربه جنتان فناداه من القبر ان الله اعطانيهما وزادني ثالثة وقيل جنة لعقيدته وجنة لعمله وقيل روحانية وجسمانية وكذلك ما جاء مثنى بعد وفي الحديث: "حديث : من خاف ادلج ومن ادلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة "تفسير : ، ادلج باسكان الدال سار أول الليل وبالشد السير آخره والمراد هنا الأولى أي بكر للأمر وجد وللخائف جنتان وإن زنى وإن سرق وإن زنى وإن سرق وإن زنى وإن سرق إن تاب وإن مات بلا توبة فليس يخاف.

الالوسي

تفسير : {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ } الخ شروع في تعديد الآلاء التي تفاض في الآخرة. و {مَّقَامِ } مصدر ميمي بمعنى القيام مضاف إلى الفاعل أي ولمن خاف قيام ربه وكونه مهيمناً عليه مراقباً له حافظاً لأحواله، فالقيام هنا مثله في قوله تعالى: { أية : أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } تفسير : [الرعد: 33] وهذا مروي عن مجاهد وقتادة، أو هو اسم مكان، والمراد به مكان وقوف الخلق في يوم القيامة للحساب، والإضافة إليه تعالى لامية اختصاصية لأن الملك له عز وجل وحده فيه بحسب نفس الأمر، والظاهر والخلق قائمون له كما قال سبحانه: { أية : يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [المطففين: 6] منتظرون ما يحل عليهم من قبله جل شأنه، وزعم بعضهم أن الإضافة على هذا الوجه لأدنى ملابسة وليس بشيء، وقيل: المعنى ولمن خاف مقامه عند ربه على أن المقام مصدر أو اسم مكان وهو للخائف نفسه، وإضافته / للرب لأنه عنده تعالى فهي مثلها في قولهم: شاة رقود الحلب، وهي بمعنى ـ عند ـ عند الكوفيين أي رقود عند الحلب، وبمعنى اللام عند الجمهور كما صرح به شراح «التسهيل» وليست لأدنى ملابسة كما زعم أيضاً، ثم إن المراد بالعندية هنا مما لا يخفى، وجوّز أن يكون مقحماً على سبيل الكناية، فالمراد ولمن خاف ربه لكن بطريق برهاني بليغ، ومثله قول الشماخ: شعر : ذعرت به القطا ونفيت عنه (مقام الذئب) كالرجل اللعين تفسير : وهو الأظهر على ما ذكره صاحب «الكشف»، والظاهر أن المراد ولكل فرد فرد من الخائفين: {جَنَّتَانِ } فقيل: إحداهما منزله ومحل زيارة أحبابه له، والأخرى منزل أزواجه وخدمه، وإليه ذهب الجبائي، وقيل: بستانان بستان داخل قصره وبستان خارجه، وقيل: منزلان ينتقل من أحدهما إلى الآخر لتتوفر دواعي لذته وتظهر ثمار كرامته، وأين هذا ممن يطوف بين النار وبين حميم آن؟ وجوز أن يقال: جنة لعقيدته وجنة لعمله، أو جنة لفعل الطاعات وجنة لترك المعاصي، أو جنة يثاب بها وأخرى يتفضل بها عليه، أو إحداهما روحانية والأخرى جسمانية، ولا يخفى أن الصفات الآتية ظاهرة في الجسمانية. وقال مقاتل: جنة عدن وجنة نعيم، وقيل: المراد لكل خائفين منكما جنتان جنة للخائف الإنسي وجنة للخائف الجني، فإن الخطاب للفريقين، وهذا عندي خلاف الظاهر، وفي الآثار ما يبعده، فقد أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن الحسن أنه كان شاب على عهد [عمر بن الخطاب] رضي الله تعالى عنه ملازم للمسجد والعبادة فعشقته جارية فأتته في خلوة فكلمته فحدثته نفسه بذلك فشهق شهقة فغشي عليه فجاء عم له فحمله إلى بيته فلما أفاق قال: يا عم انطلق إلى عمر فأقرئه مني السلام وقل له ما جزاء من خاف مقام ربه؟ فانطلق فأخبر عمر وقد شهق الفتى شهقة أخرى فمات [منها] فوقف عليه عمر رضي الله تعالى عنه فقال: لك جنتان لك جنتان. ((والخوف في الأصل توقع مكروه عند أمارة مظنونة أو معلومة ويضاده الأمن قال الراغب: والخوف من الله تعالى لا يراد به ما يخطر بالبال من الرعب كاستشعار الخوف من الأسد بل إنما يراد به الكف عن المعاصي وتحري الطاعات، ولذلك قيل: لا يعد خائفاً من لم يكن للذنوب تاركاً))، ويؤيد هذا تفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الخائف هنا كما أخرج ابن جرير عنه بمن ركب طاعة الله تعالى وترك معصيته. وقول مجاهد: هو الرجل يريد الذنب فيذكر الله تعالى فيدع الذنب، والذي يظهر أن ذلك تفسير باللازم، وقد يقال: إن ارتكاب الذنب قد يجامع الخوف من الله تعالى وذلك كما إذا غلبته نفسه ففعله خائفاً من عقابه تعالى عليه، وأيد ذلك بما أخرجه أحمد والنسائي والطبراني والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» وابن أبـي شيبة وجماعة عن أبـي الدرداء « حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال النبـي عليه الصلاة والسلام: الثانية {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } فقلت: وإن زني وإن سرق؟ فقال الثالثة: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: نعم وإنْ رغم أنف أبـي الدرداء » تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق الجريري عن أخيه قال: سمعت محمد بن سعد يقرأ ـ ولمن خاف مقام ربه جنتان وإن زنى وإن سرق ـ فقلت: ليس فيه وإن زنى وإن سرق / فقال: سمعت أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه يقرؤها كذلك فأنا أقرؤها كذلك حتى أموت، وصرح بعضهم أن المراد بالخوف في الآية أشده فتأمل. وجاء في شأن هاتين الجنتين من حديث عياض بن غنم مرفوعاً « حديث : إن عرض كل واحدة منهما مسيرة مائة عام » تفسير : والآية على ما روي عن ابن الزبير وابن شوذب نزلت في أبـي بكر. وأخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ في «العظمة» عن عطاء أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ذكر ذات يوم وفكر في القيامة والموازين والجنة والنار وصفوف الملائكة وطي السمٰوات ونسف الجبال وتكوير الشمس وانتثار الكواكب فقال: وددت أني كنت خضراً من هذه الخضر تأتي عليَّ بهيمة فتأكلني وأني لم أخلق فنزلت: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ}.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من وصف جزاء المجرمين إلى ثواب المتقين. والجملة عطف على جملة {أية : يُعْرف المجرمون بسيماهم}تفسير : [الرحمٰن: 41] إلى آخرها، وهو أظهر لأن قوله في آخرها {يطوفون بينها وبين حميم آنٍ} يفيد معنى أنهم فيها. واللام في {لمن خاف} لام الملك، أي يعطي من خاف ربه ويملك جنتين، ولا شبهة في أن من خاف مقام ربه جنس الخائفين لا خائف معيّن فهو من صيغ العموم البدلي بمنزلة قولك: وللخائف مقام ربه. وعليه فيجيء النظر في تأويل تثنية {جنتان} فيجوز أن يكون المراد: جنسين من الجنات. وقد ذكرت الجنات في القرآن بصيغة الجمع غير مرة وسيجيء بعد هذا قوله: {أية : ومن دونهما جنتان}تفسير : [الرحمٰن: 62] فالمراد جنسان من الجنات. ويجوز أن تكون التثنية مستعملة كناية عن التعدد، وهو استعمال موجود في الكلام الفصيح وفي القرآن قال الله تعالى: {أية : ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسِئاً وهو حسير}تفسير : [الملك: 4] ومنه قولهم: لبَّيْك وسعَديك ودواليك، كقول القوّال الطائي من شعر الحماسة:شعر : فقولا لهذا المرء ذُو جاء ساعياً هَلمّ فإن المشرفيَّ الفرائض تفسير : أي فقولوا: يا قومِ، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : سنعذبهم مرتين} تفسير : في سورة التوبة (101). وإيثار صيغة التثنية هنا لمراعاة الفواصل السابقة واللاحقة فقد بنيت قرائن السورة عليها والقرينة ظاهرة وإليه يميل كلام الفراء، وعلى هذا فجميع ما أجري بصيغة التثنية في شأن الجنتين فمراد به الجمع. وقيل: أريد جنتان لكل متقّ تحفان بقصره في الجنة كما قال تعالى في صفة جنات الدنيا {أية : جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب}تفسير : [الكهف: 32] الآية، وقال: {أية : لقد كان لسبإ في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال}تفسير : [سبأ: 15] فهما جنتان باعتبار يمنة القصر ويسرته والقصر فاصل بينهما. والمقام: أصله محل القيام ومصدر ميمي للقيام وعلى الوجهين يستعمل مجازاً في الحالة والتلبس كقولك لمن تستجيره: هذا مقام العائذ بك، ويطلق على الشأن والعظمة، فإضافة {مقام} إلى {ربه} هنا إن كانت على اعتبار المقام للخائف فهو بمعنى الحال، وإضافته إلى {ربه} تُشبِه إضافة المصدر إلى المفعول، أي مقامه من ربه، أي بين يديه. وإن كانت على اعتبار المقام لله تعالى فهو بمعنى الشأن والعظمة. وإضافتُه كالإضافة إلى الفاعل، ويحتمل الوجهين قوله تعالى: {أية : ذلك لمن خاف مقامي} تفسير : في سورة إبراهيم (14) وقولُه: {أية : وأما من خاف مقام ربه} تفسير : في سورة النازعات (40). وجملة {فبأي ألاء ربكما تكذبان} معترضة بين الموصوف والصفة وهي تكرير لنظائرها. وَذَواتا: تثنية ذات، والواو أصلية لأن أصل ذات: ذَوة، والألف التي بعد الواو إشباع للفتحة لازم للكلمة. وقيل: الألف أصلية وأن أصل (ذات): ذوات فخففت في الإِفراد وردّتها التثنية إلى أصلها وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : وبدّلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أكل خمط} تفسير : في سورة سبأ (16). وأما الألف التي بعد التاء المثناة الفوقية فهي علامة رفع نائبة عن الضمة. والأفنان: جمع فَنَن بفتحتين، وهو الغصن. والمقصود هنا: أفنان عظيمة كثيرة الإِيراق والإِثمار بقرينة أنّ الأفنان لا تخلو عنها الجنات فلا يحتاج إلى ذكر الأفنان لولا قصد ما في التنكير من التعظيم. وتثنية عينان} جار على نحو ما تقدم في تثنية {جنتان}، وكذلك تثنية ضميري {فيهما} وضمير {تجريان} تبع لتثنية مَعَادهما في اللفظ. فإن كان الجنتان اثنتين لكل من خَاف مقام ربه فلكل جنة منهما عين فهما عينان لكل من خاف مقام ربه، وإن كان الجنتان جنسين فالتثنية مستعملة في إرادة الجمع، أي عيون على عدد الجنات، وكذلك إذا كان المراد من تثنية {جنتان} الكثرة كما تثنيه {عينان} للكثرة. وفصل بين الأفنان وبين ذكر الفاكهة بذكر العينين مع أن الفاكهة بالأفنان أنسب، لأنه لما جرى ذكر الأفنان، وهي من جمال منظر الجنة أعقب بما هو من محاسن الجنات وهو عيون الماء جمعاً للنظيرين، ثم أعقب ذلك بما هو من جمال المنظر، أعني: الفواكه في أفنانها ومن ملذات الذوق. وأما تثنية زوجان فإن الزوج هنا النوع، وأنواع فواكه الجنة كثيرة وليس لكل فاكهة نوعان: فإمّا أن نجعل التثنية بمعنى الجمع ونجعل إيثار صيغة التثنية لمراعاة الفاصلة ولأجل المزاوجة مع نظائرها من قوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} إلى هنا. وإما أن نجعل تثنية {زوجان} لكون الفواكه بعضها يؤكل رطباً وبعضها يؤكل يابساً مثل الرطب والتمر والعنب والزبيب، وأخص الجوز واللوز وجافهما. و{من كل فاكهة} بيان لــــ {زوجان} مقدّم على المبيّن لرعي الفاصلة. وتخلل هذه الآيات الثلاث بآيات {فبأي ألاء ربكما تكذبان} جار على وجه الاعتراض وعلى أنه مجرد تكرير كما تقدم أولاها.

الشنقيطي

تفسير : وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أن الآية قد يكون فيها وجهان صحيحان كلاهما يشهد له قرآن، فنذكر ذلك كله مبينين أنه كله حق، وذكرنا لذلك أمثلة متعددة في هذا الكتاب المبارك، ومن ذلك هذه الآية الكريمة. وإيضاح ذلك أن هذه الآية الكريمة فيها وجهان معروفان عند العلماء، كلاهما يشهد له قرآن: أحدهما: أن المراد بقوله: {مَقَامَ رَبِّهِ}: أي قيامه بين يدي ربه، فالمقام اسم مصدر بمعنى القيام، وفاعله على هذا الوجه هو العبد الخائف، وإنما أضيف إلى الرب لوقوعه بين يديه، وهذا الوجه يشهد له قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ }تفسير : [النازعات: 40-41]، فإن قوله {وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ}: قرينة دالة على أنه خاف عاقبة الذنب حين يقوم بين يدي ربه، فنهى نفسه عن هواها. والوجه الثاني: أن فاعل المصدر الميمي الذي هو المقام، هو الله تعالى: أي خاف هذا العبد قيام العبد قيام الله عليه ومراقبته لأعماله وإحصائها عليه، ويدل لهذا الوجه الآيات الدالة على قيام الله على جميع خلقه وإحصائه عليهم أعمالهم كقوله تعالى:{أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}تفسير : [البقرة: 255]، وقوله تعالى:{أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}تفسير : [الرعد: 33]، وقوله تعالى:{أية : وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ}تفسير : [يونس: 61] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى في شأن الجن:{أية : يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ}تفسير : [الأحقاف: 31] الآية، أن قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}، وتصريحه بالامتنان بذلك على الإنس والجن في قوله {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 13 و 16]، نص قرآني على أن المؤمنين الخائفين مقام ربهم من الجن يدخلون الجنة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولمن خاف مقام ربه جنتان: أي ولمن خاف الوقوف بين يدي الله في عرصات القيامة فآمن واتقى جنتان. ذواتا أفنان: أي أغصان من شأنها أن تُورق وتُثمر وتمد الظل. فيهما من كل فاكهة زوجان: أي من كل ما يتفكه به من أنواع الفواكه صنفان. بطائنها من استبرق: أي بطائن الفرش من استبرق وهو ما غلظ من الديباج والظهائر من السندس وهو مارقَّ من الديباج الذي هو الحرير. وجنى الجنتين دان: أي وما يُجنى من ثمار الجنة دان قريب التناول يناله القائم والقاعد. فيهن قاصرات الطرف: أي قاصرات النظر بأعينهن على أزواجهن فقط. لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان: أي لم يفتضهن قبل أزواجهن إنس ولا جان. كأنهن الياقوت والمرجان: أي كأنهن في جمالهن الياقوت في صفائه والمرجان اللؤلؤ الأبيض. هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان: أي ما جزاء الإِحسان بالطاعة إِلا الإِحسان بالنعيم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تعداد النعم وذكر أنواعها فقال تعالى {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} أي الوقوف بين يديه في ساحة فصل القضاء يوم القيامة فأطاعه بأداء الفرائض واجتناب المحرمات {جَنَّتَانِ} أي بستانان فبأي آلاء ربكما تكذبان أبإثابة أحدكم الذي إذا هم بالمعصية ذكر قيامه بين يدي ربه فتركها فأثابه الله بجنتين. وقوله ذواتا أفنان هذا وصف للجنتين وصفهما بأنهما ذواتا أفنان جمع فنن لون أفنان ألوان ولأشجارها أغصان من شأنها تورق وتثمر وتمد الظلال فبأي آلاء ربكما تكذبان أبهذا النعيم والإِثابة للمتقين تكذبان. وقوله {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} أي في الجنتين ذواتي الأفنان عينان تجريان بالماء العذب الزلال الصافي خلال تلك القصور والأشجار فبأي آلاء ربكما تكذبان يا معشر الجن والإِنسان أبمثل هذا العطاء والإِفضال تكذبان؟ وقول الرحمن فيهما من كل فاكهة زوجان أي في تينك الجنتين من كل فاكهة من الفواكه صنفان فلا يكتفى بصنف واحد إتماماً للنعيم والتنعُّم فبأي آلاء ربكما تكذبان أبمثل هذا الإِنعام والإِكرام لأهل التقوى تكذبان؟ وقوله ما أوسع رحمته وهو الرحمن {مُتَّكِئِينَ} أي حال تنعمهم على فرش على الأرائك بطائن تلك الفرش من استبرق وهو الغليظ من الديباج أما الظواهر فهي السندس وهو مارق من الديباج. وقوله {وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} أي وثمارها التي تجنى من أشجارها دانية أي قريبة التناول يتناولها المتقى وهو مضطجع أو قاعد أو قائم، لا شوك فيها ولا بعد لها فبأي آلاء ربكما تكذبان أبمثل هذا الإِنعام والإِكرام تكذبان. قول الرحمن: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} أي وفي تينك الجنتين نساء من الحور العين {قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} أي العين على أزواجهن فلا ترى إلا زوجها أي فلا تنظر إلا إلى زوجها وتقول له وعزة ربي وجلاله وجماله ما أرى في الجنة شيئاً أحسن منك فالحمد لله الذي جعلك زوجي وجعلني زوجك. وقوله {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} أي لم يجامعهن فيفتضهن قبل أزواجهن {إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} أي لم يجامع الإِنسية قبل زوجها الإِنسي إنسي ولم يجامع الجنية قبل زوجها الجني جان فبأي آلاء ربكما تكذبان أبمثل هذا الإِنعام تكذبان؟ وقوله {كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ} أي في صفائهن {وَٱلْمَرْجَانُ} في بياضهن إذ الحوراء منهن يُرى مخُّ ساقها تحت ثيابها كما يرى الخيط أو السلك في داخل الياقوته لصفائها فبأي آلاء ربكما تكذبان أبمثل هذا العطاء والإِنعام تكذبان. وقوله عظم فضله وجل عطاؤه وهو الرحمن {هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ} أي في الإِيمان والطاعات من العبادات {إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} إليه بمثل هذا النعيم العظيم الذي ذكر في هذه الآيات. فبأي آلاء ربكما تكذبان يا معشر الإِنس والجان فقولا: لا بشيء من آلاء ربنا نكذب فلك الحمد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضل الخوف من الله تعالى وذلك كأنْ تعرض للعبد المعصية فيتركها خوفا من الله تعالى. 2- فضل نساء أهل الجنة في حبهن لأزواجهن بحيث لا ينظرن إلا إليهم. 3- بيان أن أفضل النساء في الدنيا تلك التي تقصر نظرها على زوجها فتحبه ولا تحب غيره من الرجال. 4- بيان أن الجن المتقين يدخلون الجنة ولهم أزواج كما للإِنس سواء بسواء. 5- الإِشادة بالإِحسان وبيان جزائه والإِحسان هو إخلاص العبادة لله والإِتيان بها على الوجه الذي شرع أداؤها عليه، مع الإِحسان إلى الخلق بكف الأذى عنهم وبذل الفضل لمن احتاجه منهم.

القطان

تفسير : ذواتا: تثنية ذات. أفنان: جمع فَنَن وهو الغصن. زوجان: صنفان من جميع الانواع. بطائنُها: بطاناتها يعني أنها مبطنة بالحرير وهو الاستبرق. وجنَى الجنتين: ثمرُ الجنتين. دانٍ: قريب في متناول اليد. قاصرات الطرف: نساء عفيفات لا ينظرن الا الى ازواجهن. لم يطمثهن: لم يمسَسْهن أحد.. كأنهن الياقوت في الصفاء والمرجان في الجمال والبهاء. مدهامتان: خضراوان، الدهمة السواد، والعرب تقول لكل أخضرٍ هو اسود. ومنه سواد العراق لكثرة نخيله. نضّاختان: فوارتان بالماء. حُور: واحدتهن حوراء: بيضاء. خيرات: بسكون الياء يعني خيّرات بتشديدها. مقصورات في الخيام: مخدَّرات، ملازمات بيوتهن. رفرف: واحدهُ رفرفة: وهي الوسادة، المخدة. عبقري حسان: معناه النادر الموشى من البسُط والفرش، والعرب تُسنِد كلَّ عملٍ عجيب الى عبقر. بعد ان بيّن مقام المجرمين، وما يشاهدونه من أهوال، وما ينالهم من عذاب، وذكَر ان مقامهم النار وبئس القرار - ذكر هنا مقام المؤمنين الذين يخافون ربهم، ويطيعونه فيما أمرهم، وفصّل تفصيلا جميلاً في ذلك النعيم الرباني، جزاءً من العليّ الكريم. ولمن خافَ مقام ربه، وأطاعه وأخلص في إيمانه وعبادته جنتان. ومعنى هذا ان في الجنة مقاماتٍ ومنازلَ للمؤمنين حسب ما قدّموه من اعمال صالحة، لأنه سيأتي ايضا قوله تعالى: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} فهناك ايضاً جنّتان أُخريان. وهاتان الجنتان ذواتا أفنان، أي ان فيهما أغصاناً نضرة حسنةً من جميع الشجر وألوان الثمار المتنوعة. وفي هاتين الجنتين داخل الجنة عَيْنان تجريان بالماء الصافي العذْب. أما الجنة الكبرى فان فيها انهاراً متعدّدة كما ورد في عدة آيات. فكيف تكذّبون بهذه النعم الجليلة التي لا تُحصَى أيها الجاحدون!؟. هذا ويجلس أهل الجنتين متكئين على انواع من فُرش الحرير، وفي متناول أيديهم ثمارُ الجنتين يقطفون منها متى شاؤا ما يلذّ لهم وما يطيب. وعندهم ما يشاؤون من الحُور العفيفات اللاتي لا ينظُرن الى أحدٍ سوى أزواجهن، كأنهن في الحسن والجمال الياقوتُ والمرجان، عذارى لم يمسَسهنّ أحد قبل ازواجهن. ذلك كله جزاء من خافَ مقام ربه، وعَبدَه وأخلص في عبادته، وسعى في إعمار الدنيا وأعطى من ماله وجاهه وبذل ما يستطيع. {هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ}. ثم هناك داخل الجنة جنتان أخريان. وهما كما يقول تعالى: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} لفريق آخر من المؤمنين العاملين المخلصين. وهما {مُدْهَآمَّتَانِ} خضراوان لونهما يميلُ الى السواد من شدّة الخضرة. وفي هاتين الجنتين عينان من الماء العذب تفوران بالماء لا تنقطعان، كما أن {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} وأنواع منوعة من افخر الفاكهة. وقد خص النخلَ والرمان لأن الله تعالى اودع فيهما كثيراً من المزايا الهامة. فثمر النخل غذاء كامل، فيه نسبة عالية من الكالسيوم والحديد والفوسفور التي يحتاج اليها الجسم. وفيه عدد من الفيتامينات المفيدة، وهو يحتوي ايضا على نسبة من البروتينات والدهنيات. كذلك في الرمان نسبة مرتفعة من حمض الليمونيك الذي يساعد عند احتراقه على تقليل أثر الحموضة في البول والدم، مما يكون سببا في تجنب النِّقرِس وتكوين بعض حصى الكلى، مع احتوائه على نسبة لا بأس بها من السكّريات السهلة الاحتراق، والمولِّدة للطاقة. وهناك فوائد هامة في قشر ثمر الرمان، وقشور سُوقِ اشجاره. وفي هاتين الجنتين زوجات طيّبات الأخلاق وفيّات جميلات، من الحور العين الملازمات لمجالسهن في الخيام، لم يقربْهن أحدٌ من الانس ولا الجان. وهؤلاء المؤمنون مع ازواجهم في غاية السعادة والسرور، متكئين على فُرشٍ عليها وسائد وأغطية خُضْر وطنافس حسان عجيبة الصنع من صنع وادي عبقر. والعربُ تنسب كل شيء عجيب الى وادي الجن، ويكنّون عنه بِعَبْقَرَ. فبأي نعمة من نعم ربكما تكذبان ايها الثقلان!؟. قراءات: قرأ الكسائي: لم يطمُثْهن: بضم الميم، والباقون: لم يطْمِثهن بكسر الميم. وقرأ ابن عامر: {تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} برفع ذو. والباقون: ذي الجلال بالجر. ثم يأتي ختام هذه السورة الجليلة بالتنزيه والتبريك والتسبيح باسم الله الجليل الكريم الذي يبقى وجهه الكريم ويفنى كل شيء في هذا الكون. {تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِي ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ}.

د. أسعد حومد

تفسير : (46) - وَمَنْ خَشِيَ ربَّهُ، وَرَاقَبَهُ في أعْمَالِهِ، وَاعْتَقَدَ أنَّهُ قَائِمٌ عَلَيهِ، مُشْرِفٌ عَلَى أعْمالِِهِ، عَارِفٌ بِمَا يُكِنُّهُ صَدْرُهُ، فَإِنَّ اللهَ سَيَجْزِيهِ بِجِنَّتَيْنِ في الآخِرَةِ.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أحوال أهل النار، ذكر ما أعدَّه للمؤمنين الأبرار من الجنان والولدان والحور الحسان، ليتميز الفارق الهائل بين منازل المجرمين ومراتب المتقين، على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب. اللغَة: {أَفْنَانٍ} جمع فنن وهو الغصن قال الشاعر يصف حمامة: شعر : ربَّ ورقاءَ هتوفٍ في الضُحى ذاتِ شدوٍ صدحَت في فنن ذكرت إِلفاً ودهراً خالياً فبكت شوقاً فهاجت حزني تفسير : {وَإِسْتَبْرَقٍ} ما غلظ من الديباج وخشُن {وَجَنَى} الجنى: ما يُجتنى من الشجر ويقطف {يَطْمِثْهُنَّ} الطمثُ: الجماع المؤدي إِلى خروج دم البكر ثم أطلق على كل جماع، ومعنى {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} أي لم يصبهن بالجماع قبل أزواجهن أحد قال الفراء: الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية {مُدْهَآمَّتَانِ} سوداوان من شدة الخضرة، والدهمةُ في اللغة السواد {نَضَّاخَتَانِ} فوارتان بالماء لا تنقطعان {عَبْقَرِيٍّ} طنافس جمع عبقرية أي طنفسة ثخينة فيها أنواع النقوش قال الفراء: العبقري الطنافس الثخان منها وقال أبو عبيد: كل ثوبٍ وشي عند العرب فهو عبقري منسوب إِلى أرضٍ يعمل فيها الوشي قال ذو الرمة: شعر : حتى كأن رياض القف ألبسها من وشي عبقر تجليل وتنجيد تفسير : التفسِير: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} أي وللعبد الذي يخاف قيامه بين يدي ربه للحساب جنتان: جنةٌ لسكنه، وجنةٌ لأزواجه وخدمه، كما هي حال ملوك الدنيا حيث يكون له قصرٌ ولأزواجه قصر قال القرطبي: وإِنما كانتا اثنتين ليضاعف له السرور بالتنقل من جهة إِلى جهة وقال الزمخشري: جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي وفي الحديث "حديث : جنتان من فضة آنيتُهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إِلى ربهم عز وجل إِلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن"تفسير : {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ثم وصف تعالى الجنتين فقال {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ} أي ذواتا أغصان متفرعة وثمار متنوعة قال في البحر: وخصَّ الأفنان - وهي الغصون - بالذكر لأنها التي تورق وتثمر، ومنها تمتد الظلال وتُجنى الثمار {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإِنس والجن {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} أي في كل واحدة من الجنتين عين جارية، تجري بالماء الزلال كقوله تعالى {أية : فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ}تفسير : [الغاشية: 12] قال ابن كثير: أي تسرحان لسقي تلك الأشجار والأغصان، فتثمر من جميع الألوان قال الحسن: تجريان بالماء الزلال إِحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تقدم تفسيره {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} أي فيهما من جميع أنواع الفواكه والثمار صنفان: معروفٌ، وغريب لم يعرفوه في الدنيا قال ابن عباس: ما في الدنيا ثمرةٌ حلوة ولا مرة إِلا وهي في الجنة حتى الحنظل، إِلا أنه حلو، وليس في الدنيا مما في الآخرة إلاَّ الأسماء {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تقدم تفسيره قال الفخر الرازي: إِن قوله تعالى {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ} و{فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} و{فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} كلها أوصافٌ للجنتين المذكورتين، وإِنما فصل بين الأغصان والفواكه بذكر العينين الجاريتين على عادة المتنعمين، فإِنهم إِذا دخلوا البستان لا يبادرون إِلى أكل الثمار، بل يقدمون التفرج على الأكل، مع أن الإِنسان في بستان الدنيا لا يأكل حتى يجوع ويشتهي شهوة شديدة فكيف في الجنة!! فذكر تعالى ما يتم به النزهة وهو خضرة الأشجار، وجريان الأنهار، ثم ذكر ما يكون بعد النزهة وهو أكل الثمار، فسبحان من يأتي بالآيات بأحسن المعاني في أبين المباني {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} أي مضطجعين في جنان الخلد على فرشٍ وثيرة بطائنها من ديباج - وهو الحرير السميك - المزين بالذهب، وهذا يدل على نهاية شرفها لأن البطانة إِذا كانت بهذا الوصف فما بالك بالظهارة؟ قال ابن مسعود: هذه البطائن فكيف لو رأيتم الظواهر؟ وقال ابن عباس: لما سئل عن الآية: ذلك مما قال الله تعالى {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}تفسير : [السجدة: 17] {وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} أي ثمرها قريب يناله القاعد والقائم والنائم، بخلاف ثمار الدنيا فإِنها لا تنال إِلا بكدٍ وتعب قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها وليُ الله إِن شاء قائماً، وإِن شاء قاعداً، وإِن شاء مضطجعاً {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تقدم تفسيره {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} أي في تلك الجنان نساء قاصرات الطرف قصرن أعينهن على أزواجهن فلا يرين غيرهم، كما هو حال المخدَّرات العفائف {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} أي لم يمسهنَّ ولم يجامعهن أحدٌ قبل أزواجهنَّ لا من الإِنس ولا من الجن، بل هنَّ أبكار عذارى قال الألوسي: وأصلُ الطمث خروج الدم ولذلك يقال للحيض طمثٌ، ثم أُطلق على جماع الأبكار لما فيه من خروج الدم، ثم على كل جماع وإِن لم يكن فيه خروج دم {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإِنس والجن {كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ} أي كأنهن يشبهن الياقوت والمرجان في صفائهن وحمرتهن قال قتادة: كأنهن في صفاء الياقوت وحمرة المرجان، لو أدخلت في الياقوت سلكاً ثم نظرت إِليه لرأيته من ورائه وفي الحديث "حديث : إن المرأة من نساء أهل الجنة ليُرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة من حرير، حتى يُرى مخُّها"تفسير : {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تقدم تفسيره {هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} أي ما جزاء من أحسن في الدنيا إِلا أن يُحسن إِليه في الآخرة قال أبو السعود: أي ما جزاء الإِحسان في العمل، إِلا الإِحسان في الثواب والغرضُ أنَّ من قدم المعروف والإِحسان استحق الإِنعام والإِكرام {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تقدم تفسيره {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} أي ومن دون تلك الجنتين في الفضيلة والقدر جنتان أخريان قال المفسرون: الجنتان الأوليان للسابقين، والأخريان لأصحاب اليمين ولا شك أن مقام السابقين أعظم وأرفع لقوله تعالى {أية : فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ * وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ}تفسير : [الواقعة: 8-11] {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإِنس والجن؟ {مُدْهَآمَّتَانِ} أي سوداوان من شدة الخضرة والريّ قال الألوسي: والمراد أنهما شديدتا الخضرة، والخضرةُ إِذا اشتدت ضربت إِلى السواد وذلك من كثرة الريّ بالماء {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تقدم تفسيره {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} أي فوارتان بالماء لا تنقطعان وقال ابن مسعود وابن عباس: تنْضَخُ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنة كزخ المطر {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تقدم تفسيره {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} أي في الجنتين من أنواع الفواكه كلها وأنواع النخل والرمان، وإِنما ذكر النخل والرمان تنبيهاً على فضلهما وشرفهما على سائر الفواكه ولأنهما غالب فاكهة العرب قال الألوسي: ثم إِن نخل الجنة ورمانها وراء ما نعرفه {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تقدم تفسيره {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} أي في تلك الجنان نساء صالحات كريمات الأخلاق، حِسان الوجوه {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تقدم تفسيره {حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ} أي هنَّ الحورُ العين المخدرات المستورات لا يخرجن لكرامتهن وشرفهن، قد قصرن في خدورهن في خيام اللؤلؤ المجوَّف، قال أبو حيان: والنساء تُمدح بذلك إِذ ملازمتهن البيوت تدل على صيانتهن قال الحسن: لسن بطوَّافات في الطرق، وخيامُ الجنة بيوت اللؤلؤ، وفي الحديث "حديث : إنَّ في الجنة خيمةً من لؤلؤةٍ مجوفة، عرضها ستون ميلاً، في كل زوايةٍ منها أهلٌ ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمنون"تفسير : {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تقدم تفسيره {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} أي لم يجامعهن ولم يغشهن أحد قبل أزواجهم لا من الإِنس ولا من الجن قال في التسهيل: الجنتان المذكورتان أولاً للسابقين، والجنتان المذكورتان ثانياً لأصحاب اليمين، وانظر كيف جعل أوصاف الجنتين الأوليين أعلى من أوصاف الجنتين اللتين بعدهما، فقال هناك {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} وقال هنا {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} والجريُ أشدُّ من النضخ، وقال هناك {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} وقال هنا {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} والأول أعم وأشمل، وقال في صفة الحور هناك {كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ} وقال هنا {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} وليس كل حُسْنٍ كحسن الياقوت والمرجان فالوصف هناك أبلغ، وقال هناك في وصف الفرش {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} وهو الديباج وقال هنا {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ} ولا شك أن الفرش المعدَّة للاتكاء أفضل من فضل الخباء {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإِنس والجن؟ {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ} أي مستندين على وسائد خضر من وسائد الجنة {وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} أي وطنافس ثخينة مزخرفة، محلاَّة بأنواع الصور والزينة قال الصاوي: وهي نسبة إِلى "عبقر" قرية بناحية اليمن، يُنسج فيها بسط منقوشة بلغت النهاية في الحسن، فقرَّب الله لنا فرش الجنتين بتلك البسط المنقوشة {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي فبأي نعمةٍ من نعم الله تعالى تكذبان يا معشر الإِنس والجن {تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ} أي تنزه وتقدَّس الله العظيم الجليل، وكثرت خيراته وفاضت بركاته {ذِي ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} أي صاحب العظمة والكبرياء، والفضل والإِنعام قال في البحر: لما ختم تعالى نعم الدنيا بقوله {أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ}تفسير : [الرحمن: 27] ختم نعم الآخرة بقوله {تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِي ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} وناسب هناك ذكر البقاء والديمومة له تعالى بعد ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر البركة وهي النماء والزيادة عقب امتنانه على المؤمنين في دار كرامته وما آتاهم من الخير والفضل في دار النعيم. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيا يلي: 1- المقابلة اللطيفة بين {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا}تفسير : [الرحمن: 7] وبين {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا}تفسير : [الرحمن: 10] وكذلك المقابلة بين {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ}تفسير : [الرحمن: 14] {أية : وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ}تفسير : [الرحمن: 15]. 2- التشبيه المرسل المجمل {أية : وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ}تفسير : [الرحمن: 24] أي كالجبال في العظم. 3- المجاز المرسل {أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ}تفسير : [الرحمن: 27] أي ذاته المقدسة وهو من باب إِطلاق الجزء وإِرادة الكل. 4- الاستعارة التمثيلية {أية : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ}تفسير : [الرحمن: 31] شبَّه انتهاء الدنيا وما فيها من تدبير شئون الخلق ومجيء الآخرة وبقاء شأن واحد وهو محاسبة الإِنس والجن بفراغ من يشغله أمور فتفرَّغ لأمرٍ واحد، والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن وإِنما هو على سبيل التمثيل. 5- الأمر التعجيزي {أية : إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ.. فَٱنفُذُواْ}تفسير : [الرحمن: 33] فالأمر هنا للتعجيز. 6- التشبيه البليغ {أية : فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً}تفسير : [الرحمن: 37] أي كالوردة في الحمرة حذف وجه الشبه وأداة التشبيه فصار بليغاً. 7- الجناس الناقص {وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ} لتغير الشكل والحروف، ويسمَّى جناس الاشتقاق. 8- الإِيجاز بحذف الموصوف وإِبقاء الصفة {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} أي نساءٌ قصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إِلى غيرهم. 9- السجع المرصَّع غير المتكلف كأنه حبات در منظومة في سلكٍ واحد إقرأ قوله تعالى {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ}تفسير : [الرحمن: 1-4] وأمثاله في السورة كثير. فَائِدَة: تسمى سورة الرحمن "عروس القرآن" لما ورد "حديث : لكل شيء عروسٌ، وعروسُ القرآنِ سورةُ الرحمن ".

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وهذه المواعظ جاءت لتتعظ بها القوتان من آلاء الرب ونعمائه؛ ولأجل هذا يقول: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] جنة عن يمين لقوة روحانيتهم فيها المعارف، وجنة عن شمال لقوى جسمانيتهم فيها فما اشتهت أنفسهم، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 47]؛ يعني: أيتها القوتان الخائفتان من مقامكما عند ربكما يوم الحساب، المشتغلتان بكسب الأعمال الصالحة المدخر لكم جزاءها في يوم المآب، أبنعمة جنة اليمين، أم بنعمة جنة الشمال تكذبان؟ {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ} [الرحمن: 48]؛ يعني: جنتكما ذواتا أغصان من المعارف الجلالية والجمالية، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 49]؛ يعني: أيتها القوتان، أبنعمة المعارف الجلالية، أم بنعمة المعارف الجمالية تكذبان؟ {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} [الرحمن: 50]؛ يعني: في جنتكما تجريان عين المكاشفة وعين المشاهدة، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 51] أيتها القوتان؟ {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} [الرحمن: 52]؛ يعني: من كل فاكهة معرفة صورتان خالدتان من صورة الأعمال الروحانية والجسمانية، التي عملها في دار الكسب صاحبها {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 53]؛ يعني: أيتها القوتان، بنعمة أي صورة من الصورتين الخالدتين تكذبان؟ {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 54-55]؛ يعني الصورة الخالدة متكئين على بساط البسط المفروش؛ الذي بطائن الفرش من إستبرق اللطف، وظواهرها من نور الفضل مما ليس له نظير في الدنيا، كما قال في وصفه النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : جزاء عن الملك العلام، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"،تفسير : {وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ} [الرحمن: 54]؛ يعني: اجتناء ما يجتني صاحب الجنتين يكون عليه سهلاً قريباً على أية حالة شاء يجتني ثمارها من غير تحول عن مقام إلى مقام آخر، ومن غير حركة بالقيام والقعود، {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} [الرحمن: 56]؛ يعني: في هذه الجنان صور حسنة خالدة من صورة الأعمال الصالحة، يقصر طرفهن على صاحبها ولا يقدر أن ينظرن إلى غير صاحبها، وكل ما ينظر إلى صاحبها يريد في عينها جمال صاحبها، لم يمسهن يد قوة علوية ولا سفلية قبل يد صاحبها وحسنهن من حسن الأعمال، وزيادة حسنهن في كل نظرة من حسن النية والصدق والإخلاص في العمل.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } إلى آخر السورة. أي: وللذي خاف ربه وقيامه عليه، فترك ما نهى عنه، وفعل ما أمره به، له جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وبنيانهما وما فيهما، إحدى الجنتين جزاء على ترك المنهيات، والأخرى على فعل الطاعات. ومن أوصاف تلك الجنتين أنهما { ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } [أي: فيهما من ألوان النعيم المتنوعة نعيم الظاهر والباطن ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر] أن فيهما الأشجار الكثيرة الزاهرة ذوات الغصون الناعمة، التي فيها الثمار اليانعة الكثيرة اللذيذة، أو ذواتا أنواع وأصناف من جميع أصناف النعيم وأنواعه جمع فن، أي: صنف. وفي تلك الجنتين { عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } يفجرونها على ما يريدون ويشتهون. { فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ } من جميع أصناف الفواكه { زَوْجَانِ } أي: صنفان، كل صنف له لذة ولون، ليس للنوع الآخر. { مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ } هذه صفة فرش أهل الجنة وجلوسهم عليها، وأنهم متكئون عليها، [أي:] جلوس تمكن واستقرار [وراحة]، كجلوس من الملوك على الأسرة، وتلك الفرش، لا يعلم وصفها وحسنها إلا الله عز وجل، حتى إن بطائنها التي تلي الأرض منها، من إستبرق، وهو أحسن الحرير وأفخره، فكيف بظواهرها التي تلي بشرتهم؟! { وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ } الجنى هو الثمر المستوي أي: وثمر هاتين الجنتين قريب التناول، يناله القائم والقاعد والمضطجع. { فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ } أي: قد قصرن طرفهن على أزواجهن، من حسنهم وجمالهم، وكمال محبتهن لهم، وقصرن أيضا طرف أزواجهن عليهن، من حسنهن وجمالهن ولذة وصالهن، { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ } أي: لم ينلهن قبلهم أحد من الإنس والجن، بل هن أبكار عرب، متحببات إلى أزواجهن، بحسن التبعل والتغنج والملاحة والدلال، ولهذا قال: { كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ } وذلك لصفائهن وجمال منظرهن وبهائهن. { هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ } أي: هل جزاء من أحسن في عبادة الخالق ونفع عبيده، إلا أن يحسن إليه بالثواب الجزيل، والفوز الكبير، والنعيم المقيم، والعيش السليم، فهاتان الجنتان العاليتان للمقربين. { وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } من فضة بنيانهما وآنيتهما وحليتهما وما فيهما لأصحاب اليمين. وتلك الجنتان { مُدْهَامَّتَانِ } أي: سوداوان من شدة الخضرة التي هي أثر الري. { فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ } . أي: فوارتان. { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ } من جميع أصناف الفواكه، وأخصها النخل والرمان، اللذان فيهما من المنافع ما فيهما. { فِيهِنَّ } أي: في الجنات كلها { خَيْرَاتٌ حِسَانٌ } أي: خيرات الأخلاق حسان الأوجه، فجمعن بين جمال الظاهر والباطن، وحسن الخلق والخلق. { حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ } أي: محبوسات في خيام اللؤلؤ، قد تهيأن وأعددن أنفسهن لأزواجهن، ولا ينفي ذلك خروجهن في البساتين ورياض الجنة، كما جرت العادة لبنات الملوك ونحوهن [المخدرات] الخفرات. { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ } أي: أصحاب هاتين الجنتين، متكأهم على الرفرف الأخضر، وهي الفرش التي فوق المجالس العالية، التي قد زادت على مجالسهم، فصار لها رفرفة من وراء مجالسهم، لزيادة البهاء وحسن المنظر، { وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ } العبقري: نسبة لكل منسوج نسجا حسنا فاخرا، ولهذا وصفها بالحسن الشامل، لحسن الصنعة وحسن المنظر، ونعومة الملمس، وهاتان الجنتان دون الجنتين الأوليين، كما نص الله على ذلك بقوله: { وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } وكما وصف الأوليين بعدة أوصاف لم يصف بها الأخريين، فقال في الأوليين: { فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } وفي الأخريين: { عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ } ومن المعلوم الفرق بين الجارية والنضاخة. وقال في الأوليين: { ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } ولم يقل ذلك في الأخريين. وقال في الأوليين: { فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ } وفي الأخريين { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } وقد علم ما بين الوصفين من التفاوت. وقال في الأوليين: { مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ } ولم يقل ذلك في الأخيرتين، بل قال: { مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ }. وقال في الأوليين، في وصف نسائهم وأزواجهم: { فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان } وقال في الأخريين: { حور مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ } وقد علم التفاوت بين ذلك. وقال في الأوليين (2) { هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ } فدل ذلك أن الأوليين جزاء المحسنين، ولم يقل ذلك في الأخريين. ومجرد تقديم الأوليين على الأخريين، يدل على فضلهما. فبهذه الأوجه يعرف فضل الأوليين على الأخريين، وأنهما معدتان للمقربين من الأنبياء، والصديقين، وخواص عباد الله الصالحين، وأن الأخريين معدتان لعموم المؤمنين، وفي كل من الجنات [المذكورات] ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفيهن ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأهلها في غاية الراحة والرضا والطمأنينة وحسن المأوى، حتى إن كلا منهم لا يرى أحدا أحسن حالا منه، ولا أعلى من نعيمه [الذي هو فيه]. ولما ذكر سعة فضله وإحسانه، قال: { تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ } أي: تعاظم وكثر خيره، الذي له الجلال الباهر، والمجد الكامل، والإكرام لأوليائه. تم تفسير سورة الرحمن، ولله الحمد والشكر والثناء الحسن.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة الرحمن [تبارك وتعالى] 580 - أخبرنا عليُّ بن حُجرٍ، حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا محمد بن أبي حرملة، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي الدرداءِ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقصُّ على المنبر يقول:حديث : {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [46] فقلتُ: وإن زنا وإن سرق يا رسول اللهِ، فقال/ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الثانية: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} فقلتُ الثانية: وإن زنا وإن سرق يا رسول [الله]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثالثة: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} فقلتُ الثالثة: وإن زنا وإن سرق يا رسول اللهِ، قال: "وإن رغم أنفُ أبي الدَّرداءِ ". تفسير : 581 - أخبرنا مُؤمَّلُ بن هشامٍ، قال: حدَّثنا إسماعيل، عن الجُريريِّ، قال: حدثني موسى، عن مُحمدِ بن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ، أن أبا الدَّرداءِ، قال: عن (رسولِ اللهِ) صلى الله عليه وسلم أنهُ قرأها: حديث : {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [46] فقلتُ: وإن زنا وإن سرق يا رسول اللهِ، قال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} قال: قلتُ: وإن زنا وإن سرق يا رسول الله، قال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} وإن زنا وإن سرق، ورغم أنفِ أبي الدَّرداءِ" فلا أزالُ أقرؤُها كذلك، حتى ألقاهُ (صلى الله عليه وسلم) .

همام الصنعاني

تفسير : 3100- عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهِدٍ، في قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}: [الآية: 46]، قال: لَهَبٌ مِنْ نَارٍ. 3101- قال الثوري وأخبرني صاحبٌ لنا عَنْ مُسْلِم بن يسارٍ، قال: سَجَدَ سجدةً فوقعت ثنيتاه فدخل عليه أبو إياس - معاوية بن قرة - فأخذ يُعَزِّيه ويُهَوِّنُ عَلَيْهِ، فَذَكر مُسْلِمٌ من تعظيم الله، فقال مُسْلِم: مَنْ رَجَا شيئاً طَلَبَهُ؛ ومن خاف شيئاً هرب منه، ما أدري ما حَسْبُ رجاء امرئ مسلم، عُرِضَ له بلاء لم يصبر عليه لِمَا يرجو، وما أدري ما حَسْبُ خَوْفِ امرىءٍ عُرِضَتْ له شَهْوَةٌ لم يدعها لما يخشى.