٥٦ - ٱلْوَاقِعَة
56 - Al-Waqi'a (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : أما تعلق هذه السورة بما قبلها، فذلك من وجوه أحدها: أن تلك السورة مشتملة على تعديد النعم على الإنسان ومطالبته بالشكر ومنعه عن التكذيب كما مر، وهذه السورة مشتملة على ذكر الجزاء بالخير لمن شكر وبالشر لمن كذب وكفر ثانيها: أن تلك السورة متضمنة للتنبيهات بذكر الآلاء في حق العباد، وهذه السورة كذلك لذكر الجزاء في حقهم يوم التناد ثالثها: أن تلك السورة سورة إظهار الرحمة وهذه السورة سورة إظهار الهيبة على عكس تلك السورة مع ما قبلها، وأما تعلق الأول بالآخر ففي آخر تلك السورة إشارة إلى الصفات من باب النفي والإثبات، وفي أول هذه السورة إلى القيامة وإلى ما فيها من المثوبات والعقوبات، وكل واحد منهما يدل على علو اسمه وعظمة شأنه، وكمال قدرته وعز سلطانه. ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: ففي تفسيرها جملة وجوه أحدها: المراد إذا وقعت القيامة الواقعة أو الزلزلة الواقعة يعترف بها كل أحد، ولا يتمكن أحد من إنكارها، ويبطل عناد المعاندين فتخفض الكافرين في دركات النار، وترفع المؤمنين في درجات الجنة، هؤلاء في الجحيم وهؤلاء في النعيم الثاني: {إذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ } تزلزل الناس، فتخفض المرتفع، وترفع المنخفض، وعلى هذا فهي كقوله تعالى: {أية : فَجَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا } تفسير : [الحجر: 74] في الإشارة إلى شدة الواقعة، لأن العذاب الذي جعل العالي سافلاً بالهدم، والسافل عالياً حتى صارت الأرض المنخفضة كالجبال الراسية، والجبال الراسية كالأرض المنخفضة أشد وأبلغ، فصارت البروج العالية مع الأرض متساوية، والواقعة التي تقع ترفع المنخفضة فتجعل من الأرض أجزاء عالية ومن السماء أجزاء سافلة، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً * وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً } تفسير : [الواقعة: 4، 5] فإنه إشارة إلى أن الأرض تتحرك بحركة مزعجة، والجبال تتفتت، فتصير الأرض المنخفضة كالجبال الراسية، والجبال الشامخة كالأرض السافلة، كما يفعل هبوب الريح في الأرض المرملة الثالث: {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ } يظهر وقوعها لكل أحد، وكيفية وقوعها، فلا يوجد لها كاذبة ولا متأول يظهر فقوله: {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } معطوف على {كَاذِبَةٌ } نسقاً، فيكون كما يقول القائل: ليس لي في الأمر شك ولا خطأ، أي لا قدرة لأحد على رفع المنخفض ولا خفض المرتفع. المسألة الثانية: {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ } يحتمل أن تكون الواقعة صفة لمحذوف وهي القيامة أو الزلزلة على ما بينا، ويحتمل أن يكون المحذوف شيئاً غير معين، وتكون تاء التأنيث مشيرة إلى شدة الأمر الواقع وهوله، كما يقال: كانت الكائنة والمراد كان الأمر كائناً ما كان، وقولنا: الأمر كائن لا يفيد إلا حدوث أمر ولو كان يسيراً بالنسبة إلى قوله: كانت الكائنة، إذ في الكائنة وصف زائد على نفس كونه شيئاً، ولنبين هذا ببيان كون الهاء للمبالغة في قولهم: فلان راوية ونسابة، وهو أنهم إذا أرادوا أن يأتوا بالمبالغة في كونه راوياً كان لهم أن يأتوا بوصف بعد الخبر ويقولون: فلان راو جيد أو حسن أو فاضل، فعدلوا عن التطويل إلى الإيجاز مع زيادة فائدة، فقالوا: نأتي بحرف نيابة عن كلمة كما أتينا بهاء التأنيث حيث قلنا: ظالمة بدل قول القائل: ظالم أنثى، ولهذا لزمهم بيان الأنثى عند مالا يمكن بيانها بالهاء في قولهم شاة أنثى وكالكتابة في الجمع حيث قلنا: قالوا بدلاً عن قول القائل: قال وقال وقال، وقالا بدلاً عن قوله: قال وقال فكذلك في المبالغة أرادوا أن يأتوا بحرف يغني عن كلمة والحرف الدال على الزيادة ينبغي أن يكون في الآخر، لأن الزيادة بعد أصل الشيء، فوضعوا الهاء عند عدم كونها للتأنيث والتوحيد في اللفظ المفرد لا في الجمع للمبالغة إذا ثبت هذا فنقول: في كانت الكائنة ووقعت الواقعة حصل هذا معنى لا لفظاً، أما معنى فلأنهم قصدوا بقولهم: كانت الكائنة أن الكائن زائد على أصل ما يكون، وأما لفظاً فلأن الهاء لو كانت للمبالغة لما جاز إثبات ضمير المؤنث في الفعل، بل كان ينبغي أن يقولوا: كان الكائنة ووقع الواقعة، ولا يمكن ذلك لأنا نقول: المراد به المبالغة. المسألة الثالثة: العامل في {إِذَا } ماذا؟ نقول: فيه ثلاث أوجه أحدها: فعل متقدم يجعل إذا مفعولاً به لا ظرفاً وهو اذكر، كأنه قال: اذكر القيامة ثانيها: العامل فيها ليس لوقعتها كاذبة كما تقول: يوم الجمعة ليس لي شغل ثالثها: يخفض قوم ويرفع قوم، وقد دل عليه {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ }، وقيل: العامل فيها قوله: {أية : فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ } تفسير : [الواقعة: 8] أي في يوم وقوع الواقعة. المسألة الرابعة: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا } إشارة إلى أنها تقع دفعة واحدة فالوقعة للمرة الواحدة، وقوله: {كَاذِبَةٌ } يحتمل وجوهاً أحدها: كاذبة صفة لمحذوف أقيمت مقامه تقديره ليس لها نفس تكذب ثانيها: الهاء للمبالغة كما تقول في الواقعة وقد تقدم بيانه ثالثها: هي مصدر كالعاقبة فإن قلنا بالوجه الأول فاللام تحتمل وجهين أحدهما: أن تكون للتعليل أي لا تكذب نفس في ذلك اليوم لشدة وقعتها كما يقال: لا كاذب عند الملك لضبطه الأمور فيكون نفياً عاماً بمعنى أن كل أحد يصدقه فيما يقول وقال: وقبله نفوس كواذب في أمور كثيرة ولا كاذب فيقول: لا قيامة لشدة وقعتها وظهور الأمر وكما يقال: لا يحتمل الأمر الإنكار لظهوره لكل أحد فيكون نفياً خاصاً بمعنى لا يكذب أحد فيقول: لا قيامة وقبله نفوس قائلة به كاذبة فيه ثانيهما: أن تكون للتعدية وذلك كما يقال: ليس لزيد ضارب، وحينئذ تقديره إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها امرؤ يوجد لها كاذب إن أخبر عنها فهي خافضة رافعة تخفض قوماً وترفع قوماً وعلى هذا لا تكون عاملاً في {إِذَا } وهو بمعنى ليس لها كاذب يقول: هي أمر سهل يطاق يقال لمن يقدم على أمر عظيم ظاناً أنه يطيقه سل نفسك أي سهلت الأمر عليك وليس بسهل، وإن قلنا بالوجه الثاني وهو المبالغة ففيه وجهان أحدهما: ليس لها كاذب عظيم بمعنى أن من يكذب ويقدم على الكذب العظيم لا يمكنه أن يكذب لهول ذلك اليوم وثانيهما: أن أحداً لو كذب وقال في ذلك اليوم لا قيامة ولا واقعة لكان كاذباً عظيماً ولا كاذب لهذه العظمة في ذلك اليوم والأول أدل على هول اليوم، وعلى الوجه الثالث يعود ما ذكرنا إلى أنه لا كاذب في ذلك اليوم بل كل أحد يصدقه. المسألة الخامسة: {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } تقديره هي خافضة رافعة وقد سبق ذكره في التفسير الجملي وفيه وجوه أخرى أحدها: خافضة رافعة صفتان للنفس الكاذبة أي ليس لوقعتها من يكذب ولا من يغير الكلام فتخفض أمراً وترفع آخر فهي خافضة أو يكون هو زيادة لبيان صدق الخلق في ذلك اليوم وعدم إمكان كذبهم والكاذب يغير الكلام، ثم إذا أراد نفي الكذب عن نفسه يقول ما عرفت مما كان كلمة واحدة وربما يقول ما عرفت حرفاً واحداً، وهذا لأن الكاذب قد يكذب في حقيقة الأمر وربما يكذب في صفة من صفاته والصفة قد يكون ملتفتاً إليها وقد لا يكون ملتفتاً إليها التفاتاً معتبراً وقد لا يكون ملتفتاً إليها أصلاً مثال الأول: قول القائل: ما جاء زيد ويكون قد جاء ومثال الثاني: ما جاء يوم الجمعة ومثال الثالث: ما جاء بكرة يوم الجمعة ويكون قد جاء بكرة يوم الجمعة وما جاء أول بكرة يوم الجمعة والثاني دون الأول والرابع دون الكل، فإذا قال القائل: ما أعرف كلمة كاذبة نفى عنه الكذب في الإخبار وفي صفته والذي يقول: ما عرفت حرفاً واحداً نفى أمراً وراءه، والذي يقول: ما عرفت أعرافة واحدة يكون فوق ذلك فقوله: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } أي من يغير تغييراً ولو كان يسيراً.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} أي قامت القيامة، والمراد النفخة الأخيرة. وسميت واقعة لأنها تقع عن قرب. وقيل: لكثرة ما يقع فيها من الشدائد. وفيه إضمار، أي ٱذكروا إذا وقعت الواقعة. وقال الجرجاني: «إِذا» صلة؛ أي وقعت الواقعة؛ كقوله: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ} تفسير : [القمر:1] و {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل:1] وهو كما يقال: قد جاء الصوم أي دنا وٱقترب. وعلى الأوّل «إِذَا» للوقت، والجواب قوله: {فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ}. {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} الكاذبة مصدر بمعنى الكذب، والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر؛ كقوله تعالى: {أية : لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً} تفسير : [الغاشية:11] أي لغو، والمعنى لا يسمع لها كذب؛ قاله الكسائي. ومنه قول العامة: عائذاً بالله أي معاذ الله، وقم قائماً أي قم قياماً. ولبعض نساء العرب ترقِّصُ ٱبنها:شعر : قُمْ قائماً قُمْ قَائمَا أصبت عبداً نائمَا تفسير : وقيل: الكاذبة صفة والموصوف محذوف، أي ليس لوقعتها حال كاذبة؛ أو نفس كاذبة؛ أي كل من يخبر عن وقعتها صادق. وقال الزجاج: «لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ» أي لا يردها شيء. ونحوه قول الحسن وقتادة. وقال الثوريّ: ليس لوقعتها أحد يكذّب بها. وقال الكسائيّ أيضاً: ليس لها تكذيب؛ أي ينبغي ألا يكذّب بها أحد. وقيل: إن قيامها جِدٌّ لا هزْلَ فيه. قوله تعالى: {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} قال عِكرمة ومقاتل والسُّدِّي: خفضت الصوت فأسمعتْ من دنا ورفعتْ من نأى؛ يعني أسمعت القريب والبعيد. وقال السُّدِّي: خفضت المتكبرّين ورفعت المستضعفين. وقال قتادة: خفضت أقواماً في عذاب الله، ورفعت أقواماً إلى طاعة الله. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خفضت أعداء الله في النار، ورفعت أولياء الله في الجنة. وقال محمد بن كعب: خفضت أقواماً كانوا في الدنيا مرفوعين، ورفعت أقواماً كانوا في الدنيا مخفوضين. وقال ٱبن عطاء: خفضت أقواماً بالعدل، ورفعت آخرين بالفضل. والخفض والرفع يستعملان عند العرب في المكان والمكانة، والعز والمهانة. ونسب سبحانه الخفض والرفع للقيامة توسُّعاً ومجازاً على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى المحل والزمان وغيرهما مما لم يكن منه الفعل؛ يقولون: ليلٌ نائمٌ ونهار صائم. وفي التنزيل: {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} تفسير : [سبأ:33] والخافض والرافع على الحقيقة إنما هو الله وحده؛ فرفع أولياءه في أعلى الدرجات، وخفض أعداءه في أسفل الدركات. وقرأ الحسن وعيسى الثقفي {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} بالنصب. الباقون بالرفع على إضمار مبتدإ، ومن نصب فعلى الحال. وهو عند الفراء على إضمار فعل؛ والمعنى: {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} ـ وقعت: {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ}. والقيامة لا شك في وقوعها، وأنها ترفع أقواماً وتضع آخرين على ما بيّناه. قوله تعالى: {إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً} أي زُلزلت وحُركت عن مجاهد وغيره؛ يقال: رَجّه يَرُجّه رجًّا أي حركه وزلزله. وناقة رجّاءُ أي عظيمة السَّنَام. وفي الحديث: «حديث : مَنْ ركب البحرَ حين يَرْتَجُّ فلا ذِمَّةَ له» تفسير : يعني إذا ٱضطربت أمواجه. قال الكلبيّ: وذلك أن الله تعالى إذا أوحى إليها ٱضطربت فَرَقاً من الله تعالى. قال المفسرون: تَرْتجُّ كما يَرتج الصبيّ في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها. وعن ٱبن عباس الرَّجَّة الحركة الشديدة يسمع لها صوت. وموضع «إِذَا» نصب على البدل من {إِذَا وَقَعَتِ}. ويجوز أن ينتصب بـ {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} أي تخفض وترفع وقت رجِّ الأرض وبسِّ الجبال؛ لأن عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض. وقيل: أي وقعت الواقعة إذا رجّت الأرض؛ قاله الزجاج والجرجاني. وقيل: أي ٱذكر {إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً} مصدر وهو دليل على تكرار الزلزلة. قوله تعالى: {وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً} أي فتتت؛ عن ٱبن عباس. مجاهد: كما يُبَسُّ الدقيق أي يُلَتّ. والبسيسة السَّوِيق أو الدقيق يُلَتُّ بالسَّمن أو بالزيت ثم يؤكل ولا يطبخ وقد يتخذ زاداً. قال الراجز:شعر : لا تَخْبِزَا خُبْزاً وبُسَّا بَسًّا ولا تُطِيلاَ بُمُنَاخٍ حَبْسَا تفسير : وذكر أبو عبيدة: أنه لصٌّ من غَطَفان أراد أن يخبز فخاف أن يُعجَل عن ذلك فأكله عجيناً. والمعنى أنها خُلِطت فصارت كالدقيق الملتوت بشيء من الماء. أي تصير الجبال تراباً فيختلط البعض بالبعض. وقال الحسن: وبُسَّت قلعت من أصلها فذهبت؛ نظيره: {أية : يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} تفسير : .وقال عطية: بُسطت كالرمل والتراب. وقيل: البسُّ السّوق أي سيقت الجبال. قال أبو زيد: البسّ السّوق؛ وقد بسستُ الإبل أبُسُّها بالضم بسًّا. وقال أبو عبيد: بسست الإبل وأبسست لغتان إذا زجرتها وقلت لها بَسْ بَسْ. وفي الحديث: «حديث : يخرج قوم من المدينة إلى اليمن والشام والعراق يَبُسُّون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» تفسير : ومنه الحديث الآخر: «حديث : جاءكم أهل اليمن يَبُسُّون عِيالهم» تفسير : والعرب تقول: جِيءْ به من حَسِّك وبَسِّك. ورواهما أبو زيد بالكسر؛ فمعنى من حَسّك من حيث أحسسته، وبَسّك من حيث بلغه مسيرك. وقال مجاهد: سالت سيلاً. عكرمة: هُدَّت هدّاً. محمد بن كعب: سُيِّرت سيراً؛ ومنه قول الأغلب العجْليّ: وقال الحسن: قطعت قطعاً. والمعنى متقارب. قوله تعالى: {فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} قال عليّ رضي الله عنه: الهباء المنبث الرّهج الذي يسطع من حوافر الدواب ثم يذهب، فجعل الله أعمالهم كذلك. وقال مجاهد: الهباء هو الشعاع الذي يكون في الكوّة كهيئة الغبار. وروي نحوه عن ٱبن عباس. وعنه أيضاً: هو ما تطاير من النار إذا ٱضطربت يطير منها شرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقاله عطية. وقد مضى في «الفرقان» عند قوله تعالى: {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} وقراءة العامة «مُنْبَثًّا» بالثاء المثلثة أي متفرقاً من قوله تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} أي فرّق ونشر. وقرأ مسروق والنَّخَعيّ وأبو حَيْوة «مُنْبَتًّا» بالتاء المثناة أي منقطعاً من قولهم: بتّه الله أي قطعه؛ ومنه البتات.
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها ست وتسعون آية بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ } إذا حدثت القيامة، سماها واقعة لتحقق وقوعها وانتصاب {إِذَا } بمحذوف مثل اذكر أو كان كيت وكيت. {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ } أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله تعالى، أو تكذب في نفيها كما تكذب الآن، واللام مثلها في قوله تعالى: {أية : قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى }تفسير : [الفجر: 24] أو ليس لأحد في وقعتها كاذبة فإنه من أخبر عنها صدق، أو ليس لها حينئذ نفس تحدث صاحبها بإطاقة شدتها واحتمالها وتغريه عليها من قولهم: كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم، إذا شجعته عليه وسولت له أنه يطيقه. {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } تخفض قوماً وترفع آخرين، وهو تقرير لعظمتها فإن الوقائع العظام كذلك، أو بيان لما يكون حينئذ من خفض أعداء الله ورفع أوليائه، أو إزالة الأجرام عن مقارها بنثر الكواكب وتسيير الجبال في الجو، وقرئتا بالنصب على الحال. {إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً } حركت تحريكاً شديداً بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبل، والظرف متعلق بـ {خَافِضَةٌ } أو بدل من {إِذَا وَقَعَتِ }. {وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً } أي فتتت حتى صارت كالسويق الملتوت من بس السويق إذا لته، أو سيقت وسيرت من بس الغنم إذا ساقها. {فَكَانَتْ هَبَاء } غباراً. {مُّنبَثّاً } منتشراً. {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً } أصنافاً. {ثَلَـٰثَةً } وكل صنف يكون أو يذكر مع صنف آخر زوج. {فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ } فأصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنيئة من تيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، أو {أصحاب ٱلْمَيْمَنَةِ } و {وَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ } الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم والذين يأتونها بشمائلهم، أو أصحاب اليمن والشؤم فإن السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم والأشقياء مشائيم عليها بمعصيتهم. والجملتان الاستفهاميتان خبران لما قبلهما بإقامة الظاهر مقام الضمير ومعناهما التعجب من حال الفريقين.
ابن كثير
تفسير : الواقعة من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها؛ كما قال تعالى: {أية : فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} تفسير : [الحاقة: 15] قوله تعالى: { لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} أي: ليس لوقوعها إذا أراد الله كونها صارف يصرفها، ولا دافع يدفعها؛ كما قال: {أية : ٱسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ} تفسير : [الشورى: 47] وقال: {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَـٰفِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ } تفسير : [المعارج:1-2] وقال تعالى {أية : وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الأنعام: 73]. ومعنى {كَاذِبَةٌ} كما قال محمد بن كعب: لابد أن تكون، وقال قتادة: ليس فيها مثنوية ولا ارتداد ولا رجعة. قال ابن جرير: والكاذبة مصدر كالعاقبة والعافية. وقوله تعالى: { خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} أي: تخفض أقواماً إلى أسفل سافلين إلى الجحيم، وإن كانوا في الدنيا أعزاء، وترفع آخرين إلى أعلى عليين إلى النعيم المقيم، وإن كانوا في الدنيا وضعاء، هكذا قال الحسن وقتادة وغيرهما. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن عبد الرحمن بن مصعب المعني، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي عن أبيه عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس: { خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} تخفض أقواماً، وترفع آخرين، وقال عبيد الله العتكي عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخطاب: { خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} قال: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة. وقال محمد بن كعب: تخفض رجالاً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالاً كانوا في الدنيا مخفوضين، وقال السدي: خفضت المتكبرين، ورفعت المتواضعين، وقال العوفي عن ابن عباس: { خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} أسمعت القريب والبعيد، وقال عكرمة: خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى، وكذا قال الضحاك وقتادة. وقوله تعالى: { إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً} أي: حركت تحريكاً، فاهتزت واضطربت بطولها وعرضها، ولهذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد في قوله تعالى: { إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً} أي: زلزلت زلزالاً، وقال الربيع بن أنس: ترج بما فيها كرج الغربال بما فيه، وهذا كقوله تعالى: {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} تفسير : [الزلزلة: 1] وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ} تفسير : [الحج: 1]. وقوله تعالى: { وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً} أي: فتتت فتاً، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم، وقال ابن زيد: صارت الجبال كما قال الله تعالى: {أية : كَثِيباً مَّهِيلاً} تفسير : [المزمل: 14]. وقوله تعالى: { فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} قال أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه: هباء منبثاً كرهج الغبار يسطع ثم يذهب، فلا يبقى منه شيء، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: { فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منه الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئاً، وقال عكرمة: المنبث: الذي قد ذرته الريح وبثته. وقال قتادة: {هَبَآءً مُّنبَثّاً} كيبيس الشجر الذي تذروه الرياح. وهذه الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة، وذهابها وتسييرها ونسفها وصيرورتها كالعهن المنفوش. وقوله تعالى: { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً} أي: ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيمن، ويؤتون كتبهم بأيمانهم، ويؤخذ بهم ذات اليمين، وقال السدي: وهم جمهور أهل الجنة، وآخرون عن يسار العرش، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيسر، ويؤتون كتبهم بشمالهم، ويؤخذ بهم ذات الشمال، وهم عامة أهل النار ــــ عياذاً بالله من صنيعهم ــــ وطائفة سابقون بين يديه عز وجل، وهم أخص وأحظى وأقرب من أصحاب اليمين الذين هم سادتهم، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء، وهم أقل عدداً من أصحاب اليمين، ولهذا قال تعالى: {فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ } وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ} تفسير : الآية [فاطر: 32]. وذلك على أحد القولين في الظالم لنفسه كما تقدم بيانه، قال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً} قال: هي التي في سورة الملائكة: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَٰتِ} تفسير : [فاطر: 32]. وقال ابن جريج عن ابن عباس: هذه الأزواج الثلاثة هم المذكورون في آخر السورة، وفي سورة الملائكة، وقال يزيد الرقاشي: سألت ابن عباس عن قوله: { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً} قال: أصنافاً ثلاثة. وقال مجاهد: { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً} يعني: فرقاً ثلاثة. وقال ميمون بن مهران: أفواجاً ثلاثة، وقال عبيد الله العتكي عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخطاب: { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً} اثنان في الجنة، وواحد في النار. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أية : وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} تفسير : [التكوير: 7] قال: الضرباء، كل رجل من كل قوم كانوا يعملون عمله، وذلك بأن الله تعالى يقول: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ } قال: هم الضرباء. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى، حدثنا البراء الغنوي، حدثنا الحسن عن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ}..: فقبض بيده قبضتين فقال:«حديث : هذه للجنة ولا أبالي وهذه للنار ولا أبالي» تفسير : وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا حسن: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا خالد بن أبي عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم» تفسير : وقال محمد بن كعب وأبو حَزْرة ويعقوب بن مجاهد: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ} هم الأنبياء عليهم السلام. وقال السدي: هم أهل عليين، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس: { وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ} قال: يوشع بن نون، سبق إلى موسى، ومؤمن آل يس، سبق إلى عيسى، وعلي بن أبي طالب سبق إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابن أبي حاتم عن محمد بن هارون الفلاس عن عبد الله بن إسماعيل المدائني البزاز، عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح به. وقال ابن أبي حاتم: وذكر عن محمد بن أبي حماد: حدثنا مهران عن خارجة عن قرة عن ابن سيرين وقال: { وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ} الذين صلوا إلى القبلتين. ورواه ابن جرير من حديث خارجة به. وقال الحسن وقتادة: { وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ} أي: من كل أمة، وقال الأوزاعي عن عثمان بن أبي سودة أنه قرأ هذه الآية: { وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ } ثم قال: أولهم رواحاً إلى المسجد، وأولهم خروجاً في سبيل الله، وهذه الأقوال كلها صحيحة؛ فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، كما قال تعالى: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ} تفسير : [آل عمران: 133]وقال تعالى: {أية : سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الحديد: 21] وقال: فمن سابق في هذه الدنيا، وسبق إلى الخير، كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، ولهذا قال تعالى: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ }. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا يحيى بن زكريا الفزاري الرازي، حدثنا خارجة بن مصعب عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: قالت الملائكة: يا رب جعلت لبني آدم الدنيا، فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون، فاجعل لنا الآخرة، فقال: لا أفعل، فراجعوا ثلاثاً، فقال: لا أجعل من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فيكون. ثم قرأ عبد الله: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } وقد روى هذا الأثر الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه الرد على الجهمية، ولفظه: فقال الله عز وجل: لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ } قامت القيامة.
الشوكاني
تفسير : قوله: {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ } الواقعة اسم للقيامة كالآزفة وغيرها، وسميت واقعة لأنها كائنة لا محالة، أو لقرب وقوعها، أو لكثرة ما يقع فيها من الشدائد، وانتصاب إذا بمضمر، أي: اذكر وقت وقوع الواقعة، أو بالنفي المفهوم من قوله: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ } أي: لا يكون عند وقوعها تكذيب، والكاذبة مصدر كالعاقبة أي: ليس لمجيئها وظهورها كذب أصلاً، وقيل: إذا شرطية، وجوابها مقدّر، أي: إذا وقعت كان كيت وكيت، والجواب هذا هو العامل فيها، وقيل: إنها شرطية، والعامل فيها الفعل الذي بعدها، واختار هذا أبو حيان، وقد سبقه إلى هذا مكيّ فقال: والعامل وقعت. قال المفسرون: والواقعة هنا: هي النفخة الآخرة، ومعنى الآية: أنها إذا وقعت النفخة الآخرة عند البعث لم يكن هناك تكذيب بها أصلاً، أو لا يكون هناك نفس تكذب على الله، وتكذب بما أخبر عنه من أمور الآخرة. قال الزجاج: ليس لوقعتها كاذبة، أي: لا يردّها شيء، وبه قال الحسن، وقتادة. وقال الثوري: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقال الكسائي: ليس لها تكذيب، أي: لا ينبغي أن يكذب بها أحد. {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } قرأ الجمهور برفعهما على إضمار مبتدأ، أي: هي خافضة رافعة. وقرأ الحسن وعيسى الثقفي بنصبهما على الحال. قال عكرمة، والسديّ، ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا، ورفعت الصوت فأسمعت من نأى، أي: أسمعت القريب والبعيد. وقال قتادة: خفضت أقواماً في عذاب الله، ورفعت أقواماً إلى طاعة الله. وقال: محمد بن كعب: خفضت أقواماً كانوا في الدنيا مرفوعين، ورفعت أقواماً كانوا في الدنيا مخفوضين، والعرب تستعمل الخفض والرفع في المكان والمكانة، والعزّ والإهانة، ونسبة الخفض والرفع إليها على طريق المجاز، والخافض والرّافع في الحقيقة، هو الله سبحانه. {إِذَا رُجَّتِ ٱلاْرْضُ رَجّاً } أي: إذا حرّكت حركة شديدة، يقال رجّه يرجّه رجًّا إذا حرّكه، والرّجة: الاضطراب، وارتجّ البحر اضطرب. قال المفسرون: ترتجّ، كما يرتجّ الصبيّ في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء من الجبال وغيرها. قال قتادة، ومقاتل، ومجاهد: معنى رجت: زلزلت، والظرف متعلق بقوله: {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } أي: تخفض وترفع وقت رجّ الأرض وبس الجبال؛ لأنه عند ذلك يرتفع ما هو منخفض، وينخفض ما هو مرتفع. وقيل: إنه بدل من الظرف الأوّل ذكره الزجاج، فيكون معنى وقوع الواقعة هو رجّ الأرض، وبس الجبال {وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً } البس: الفت، يقال: بس الشيء إذا فته حتى يصير فتاتاً، ويقال بس السويق: إذا لته بالسمن، أو بالزيت. قال مجاهد، ومقاتل: المعنى أن الجبال فتت فتاً. وقال السديّ: كسرت كسراً. وقال الحسن: قلعت من أصلها. وقال مجاهد أيضاً: بست كما يبس الدقيق بالسمن، أو بالزيت، والمعنى: أنها خلطت فصارت كالدقيق الملتوت. وقال أبو زيد: البسّ: السوق، والمعنى على هذا: سيقت الجبال سوقاً، قال أبو عبيد: بسّ الإبل، وأبسها لغتان: إذا زجرها. وقال عكرمة: المعنى هدّت هدًّا {فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً } أي: غباراً متفرّقاً منتشراً. قال مجاهد: الهباء: الشعاع الذي يكون في الكوّة كهيئة الغبار، وقيل: هو الرّهج الذي يسطع من حوافر الدّواب، ثم يذهب، وقيل: ما تطاير من النار إذا اضطرمت على سورة الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئًا، وقد تقدّم بيانه في الفرقان عند تفسير قوله: {أية : فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً }تفسير : [الفرقان: 23] قرأ الجمهور {منبثًّا} بالمثلثة. وقرأ مسروق، والنخعي، وأبو حيوة بالتاء المثناة من فوق أي: منقطعاً، من قولهم بتّه الله، أي: قطعه. ثم ذكر سبحانه أحوال الناس واختلافهم فقال: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً } والخطاب لجميع الناس، أو للأمة الحاضرة، والأزواج: الأصناف، والمعنى: وكنتم في ذلك اليوم أصنافاً ثلاثة. ثم فسّر سبحانه هذه الأصناف فقال: {فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ } أي: أصحاب اليمين، وهم الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم، أو الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، {أصحاب الميمنة} مبتدأ، وخبره: {ما أصحاب الميمنة} أي: أي شيء هم في حالهم، وصفتهم، والاستفهام للتعظيم والتفخيم، وتكرير المبتدأ هنا بلفظه مغن عن الضمير الرّابط، كما في قوله: {أية : ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَاقَّةُ }تفسير : [الحاقة: 1، 2] و {أية : ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ }تفسير : [القارعة: 1، 2] ولا يجوز مثل هذا إلاّ في مواضع التفخيم، والتعظيم والكلام في {َأَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ } كالكلام في أصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، والمراد: الذي يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، أو يأخذون صحائف أعمالهم بشمالهم، والمراد: تعجيب السامع من حال الفريقين في الفخامة والفظاعة؛ كأنه قيل: فأصحاب الميمنة في نهاية السعادة وحسن الحال، وأصحاب المشأمة في نهاية الشقاوة وسوء الحال. وقال السديّ: أصحاب الميمنة: هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه، وأصحاب المشأمة: هم الذين كانوا عن شماله. وقال زيد بن أسلم: أصحاب الميمنة: هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن، وأصحاب المشأمة هم الذين أخذوا من شقه الأيسر. وقال ابن جريج: أصحاب الميمنة: هم أهل الحسنات، وأصحاب المشأمة: هم أهل السيئات. وقال الحسن، والربيع: أصحاب الميمنة هم الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة هم المشائيم على أنفسهم بالأعمال القبيحة. وقال المبرد: أصحاب الميمنة: أصحاب التقدّم، وأصحاب المشأمة: أصحاب التأخر، والعرب تقول: اجعلني في يمينك، ولا تجعلني في شمالك، أي: اجعلني من المتقدّمين، ولا تجعلني من المتأخرين، ومنه قول ابن الدمينة:شعر : أبنيتي أفي يمنى يديك جعلتني فأفرح أم صيرتني في شمالك تفسير : ثم ذكر سبحانه الصنف الثالث، فقال: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ } والتكرير فيه للتفخيم والتعظيم، كما مرّ في القسمين الأوّلين، كما تقول أنت أنت، وزيد زيد، والسابقون مبتدأ، وخبره السابقون. وفيه تأويلان أحدهما: أنه بمعنى السابقون هم الذين اشتهرت حالهم بذلك. والثاني: أن متعلق السابقين مختلف، والتقدير: والسابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة. والأوّل أولى لما فيه من الدلالة على التفخيم والتعظيم قال الحسن، وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كلامه. وقال محمد بن كعب: إنهم الأنبياء. وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا إلى القبلتين. وقال مجاهد: هم الذين سبقوا إلى الجهاد، وبه قال الضحاك. وقال سعيد بن جبير: هم السابقون إلى التوبة وأعمال البرّ. وقال الزجاج: المعنى: والسابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله. قيل: ووجه تأخير هذا الصنف الثالث مع كونه أشرف من الصنفين الأوّلين هو أن يقترن به ما بعده، وهو قوله: {أُوْلَـئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } فالإشارة هي إليهم، أي: المقرّبون إلى جزيل ثواب الله، وعظيم كرامته، أو الذين قربت درجاتهم، وأعليت مراتبهم عند الله. وقوله: {فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } متعلق بالمقربون، أي: مقرّبون عند الله في جنات النعيم. ويجوز أن يكون خبراً ثانياً لأولئك، وأن يكون حالاً من الضمير في {المقربون} أي كائنين فيها. قرأ الجمهور: {في جنات} بالجمع، وقرأ طلحة بن مصرف: (في جنة) بالإفراد، وإضافة الجنات إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه، كما يقال: دار الضيافة، ودار الدعوة، ودار العدل وارتفاع {ثُلَّةٌ مّنَ ٱلأوَّلِينَ } على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم ثلة، والثلة: الجماعة التي لا يحصر عددها. قال الزجاج: معنى ثلة معنى فرقة، ومن ثللت الشيء: إذا قطعته، والمراد بالأوّلين: هم الأمم السابقة من لدن آدم إلى نبينا صلى الله عليه وسلم {وَقَلِيلٌ مّنَ ٱلآخِرِينَ } أي: من هذه الأمة، وسموا قليلاً بالنسبة إلى من كان قبلهم، وهم كثيرون لكثرة الأنبياء فيهم، وكثرة من أجابهم. قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا. قال الزجاج: الذين عاينوا جميع الأنبياء وصدّقوا بهم أكثر ممن عاين النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا يخالف هذا ما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثم قال: ثلث أهل الجنة، ثم قال: نصف أهل الجنة»تفسير : ، لأن قوله: {ثُلَّةٌ مّنَ ٱلأوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مّنَ ٱلاخِرِينَ } إنما هو تفصيل للسابقين فقط، كما سيأتي في ذكر أصحاب اليمين أنهم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، فلا يمتنع أن يكون في أصحاب اليمين من هذه الأمة من هو أكثر من أصحاب اليمين من غيرهم، فيجتمع من قليل سابقي هذه الأمة، ومن ثلة أصحاب اليمين منها من يكون نصف أهل الجنة، والمقابلة بين الثلتين في أصحاب اليمين لا تستلزم استواءهما لجواز أن يقال: هذه الثلة أكثر من هذه الثلة، كما يقال: هذه الجماعة أكثر من هذه الجماعة، وهذه الفرقة أكثر من هذه الفرقة، وهذه القطعة أكثر من هذه القطعة. وبهذا تعرف أنه لم يصب من قال: إن هذه الآية منسوخة بالحديث المذكور. ثم ذكر سبحانه حالة أخرى للسابقين المقربين، فقال: {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ } قرأ الجمهور {سرر} بضم السين والراء الأولى، وقرأ أبو السماك، وزيد بن عليّ بفتح الراء، وهي لغة كما تقدّم، والموضونة: المنسوجة، والوضن: النسج المضاعف. قال الواحدي: قال المفسرون: منسوجة بقضبان الذهب، وقيل: مشبكة بالدرّ، والياقوت، والزبرجد، وقيل: إن الموضونة المصفوفة. وقال مجاهد: الموضونة: المرمولة بالذهب، وانتصاب {مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا } على الحال، وكذا انتصاب {مُّتَقَـٰبِلِينَ } والمعنى: مستقرّين على سرر متكئين عليها متقابلين لا ينظر بعضهم قفا بعض {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدٰنٌ مُّخَلَّدُونَ } الجملة في محل نصب على الحال من المقربين، أو مستأنفة لبيان بعض ما أعدّ الله لهم من النعيم، والمعنى: يدور حولهم للخدمة غلمان لا يهرمون، ولا يتغيرون، بل شكلهم شكل الولدان دائماً. قال مجاهد: المعنى لا يموتون. وقال الحسن، والكلبي: لا يهرمون، ولا يتغيرون. قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط: إنه لمخلد. وقال سعيد بن جبير: مخلدون: مقرطون. قال الفراء: ويقال: مخلدون: مقرطون، يقال: خلد جاريته: إذا حلاها بالخلدة، وهي القرطة. وقال عكرمة: مخلدون: منعمون، ومنه قول امرىء القيس:شعر : وهل ينعمن إلاّ سعيد مخلد قليل الهموم ما يبيت بأوجال تفسير : وقيل: مستورون بالحلية، وروي نحوه عن الفراء، ومنه قول الشاعر:شعر : ومخلدات باللجين كأنما أعجازهنّ أقاوز الكثبـان تفسير : وقيل: مخلدون: ممنطقون، قيل: وهم ولدان المسلمين الذين يموتون صغاراً ولا حسنة لهم ولا سيئة، وقيل: هم أطفال المشركين، ولا يبعد أن يكونوا مخلوقين في الجنة للقيام بهذه الخدمة، والأكواب: هي الأقداح المستديرة الأفواه التي لا آذان لها ولا عرى، وقد مضى بيان معناها في سورة الزخرف، والأباريق: هي ذات العرى والخراطيم، واحدها إبريق، وهو الذي يبرق لونه من صفائه، {وَكَأْسٍ مّن مَّعِينٍ } أي: من خمر جارية، أو من ماء جار، والمراد به ها هنا: الخمر الجارية من العيون، وقد تقدّم بيان معنى الكأس في سورة الصافات {لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا } أي: لا تتصدّع رؤوسهم من شربها، كما تتصدّع من شرب خمر الدنيا. والصداع: هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه، وقيل: معنى لا يصدعون لا يتفرقون كما يتفرق الشرّاب، ويقوّي هذا المعنى قراءة مجاهد: (يصدعون) بفتح الياء وتشديد الصاد، والأصل يتصدعون، أي: يتفرقون، والجملة مستأنفة لبيان ما أعد الله لهم من النعيم، أو في محل نصب على الحال، وجملة: {وَلاَ يُنزِفُونَ } معطوفة على الجملة التي قبلها، وقد تقدم اختلاف القراء في هذا الحرف في سورة الصافات، وكذلك تقدّم تفسيره، أي: لا يسكرون فتذهب عقولهم، من أنزف الشارب: إذا نفد عقله، أو شرابه، ومنه قول الشاعر:شعر : لَعْمري لئن أنزفتم أو صَحَوتُمُ لبئس الندامى كنتم آل أبْجَرَا تفسير : {وَفَـٰكِهَةٍ مّمَّا يَتَخَيَّرُونَ } أي: يختارونه، يقال: تخيرت الشيء: إذا أخذت خيره. قرأ الجمهور: {وفاكهة} بالجر كذا {لَحْم} عطفاً على {أكواب} أي: يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به. وقرأ زيد بن عليّ، وأبو عبد الرحمٰن برفعهما على الابتداء، والخبر مقدّر، أي: ولهم فاكهة ولحم، ومعنى: {مّمَّا يَشْتَهُونَ }: مما يتمنونه وتشتهيه أنفسهم. {وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَـٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ } قرأ الجمهور {حور عين} برفعهما عطفاً على ولدان أو على تقدير مبتدأ، أي: نساؤهم حور عين، أو على تقدير خبر، أي: ولهم حور عين، وقرأ حمزة، والكسائي بجرّهما عطفاً على أكواب. قال الزجاج: وجائز أن يكون معطوفاً على جنات، أي: هم في جنات وفي حور، على تقدير مضاف محذوف، أي: وفي معاشرة حور. قال الفراء: في توجيه العطف على أكواب إنه يجوز الجرّ على الاتباع في اللفظ، وإن اختلفا في المعنى؛ لأن الحور لا يطاف بهنّ، كما في قول الشاعر:شعر : إذا مَا الغانياتُ بَرزنَ يَوْمْاً وَزَججَّن الحَواجبَ والعُيُونا تفسير : والعين لا تزجج، وإنما تكحل، ومن هذا قول الشاعر:شعر : علفتها تبناً وماء بارداً تفسير : وقول الآخر:شعر : متقلداً سيفاً ورمحاً تفسير : قال قطرب: هو معطوف على الأكواب والأباريق من غير حمل على المعنى. قال: ولا ينكر أن يطاف عليهم بالحور: ويكون لهم في ذلك لذة. وقرأ الأشهب العقيلي، والنخعي، وعيسى بن عمر بنصبهما على تقدير إضمار فعل، كأنه قيل: ويزوّجون حوراً عيناً، أو ويعطون، ورجح أبو عبيد، وأبو حاتم قراءة الجمهور. ثم شبههنّ سبحانه باللؤلؤ المكنون، وهو الذي لم تمسه الأيدي، ولا وقع عليه الغبار، فهو أشد ما يكون صفاء، وانتصاب {جزاءً} في قوله: {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } على أنه مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك كله للجزاء بأعمالهم. ويجوز أن يكون مصدراً مؤكداً لفعل محذوف أي: يجزون جزاءً، وقد تقدّم تفسير الحور العين في سورة الطور وغيره: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً } اللغو: الباطل من الكلام، والتأثيم: النسبة إلى الإثم. قال محمد بن كعب: لا يؤثم بعضهم بعضاً، وقال مجاهد: لا يسمعون شتماً، ولا مأثماً، والمعنى: أنه لا يقول بعضهم لبعضهم أثمت؛ لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم. {إِلاَّ قِيلاً سَلَـٰماً سَلَـٰماً } القيل القول، والاستثناء منقطع، أي: لكن يقولون قيلاً، أو يسمعون قيلاً، وانتصاب {سلاماً سلاماً} على أنه بدل من {قيلاً}، أو صفة له، أو هو مفعول به {قيلاً} أي: إلاّ أن يقولوا: سلاماً سلاماً، واختار هذا الزجاج، أو على أنه منصوب بفعل هو محكي بـ {قيلاً} أي: إلاّ قيلاً سلموا سلاماً سلاماً، والمعنى في الآية: أنهم لا يسمعون إلاّ تحية بعضهم لبعض. قال عطاء: يحيـي بعضهم بعضاً بالسلام، وقيل: إن الاستثناء متصل وهو بعيد؛ لأن التحتية ليست مما يندرج تحت اللغو والتأثيم، قرىء (سلام سلام) بالرفع. قال مكي: ويجوز الرفع على معنى سلام عليكم، مبتدأ وخبر. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ } قال: يوم القيامة {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ } قال: ليس لها مردّ يردّ {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } قال: تخفض ناساً وترفع آخرين. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } قال: أسمعت القريب والبعيد. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } قال: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {إِذَا رُجَّتِ ٱلأرْضُ رَجّاً } قال: زلزلت {وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً } قال: فتتت {فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً } قال: شعاع الشمس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه {فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً } قال: الهباء الذي يطير من النار إذا أضرمت يطير منها الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئًا. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً قال: الهباء ما يثور مع شعاع الشمس، وانبثاثه: تفرقه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب قال: الهباء المنبث: رهج الدواب، والهباء المنثور: غبار الشمس الذي تراه في شعاع الكوّة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً } قال: أصنافاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً } قال: هي التي في سورة الملائكة: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرٰتِ }تفسير : [فاطر: 32]. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضاً في قوله: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ } قال: يوشع بن نون سبق إلى موسى، ومؤمن آل ياسين سبق إلى عيسى، وعليّ بن أبي طالب سبق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال: نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون؛ وحبيب النجار الذي ذكر في يسۤ، وعليّ بن أبي طالب، وكل رجل منهم سابق أمته، وعليّ أفضلهم سبقاً. وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلشّمَالِ } فقبض بيديه قبضتين، فقال: «حديث : هذه في الجنة ولا أبالي، وهذه في النار ولا أبالي»تفسير : . وأخرج أحمد أيضاً عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أتدرون من السابقون إلى ظلّ الله يوم القيامة»تفسير : ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «حديث : الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوا، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم»تفسير : . وأخرج أحمد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: لما نزلت: {ثُلَّةٌ مّنَ ٱلأوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مّنَ ٱلآخِرِينَ } شقّ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {ثُلَّةٌ مّنَ ٱلأوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مّنَ ٱلآخِرِينَ } فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة، أو شطر أهل الجنة، وتقاسموهم النصف الثاني»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في البعث عن ابن عباس {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ } قال: مصفوفة. وأخرج سعيد بن منصور، وهناد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عنه. قال: مرمولة بالذهب. وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة، والبزار، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنك لتنظر إلى الطير في الجنة، فتشتهيه فيخرّ بين يديك مشوياً»تفسير : . وأخرج أحمد، والترمذي، والضياء عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة»تفسير : فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه الطير لناعمة، قال:«حديث : آكلها أنعم منها، وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها»تفسير : وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {كَأَمْثَـٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ } قال: الذي في الصدف. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً } قال: باطلاً {وَلاَ تَأْثِيماً } قال: كذباً.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: الصيحة، قاله الضحاك. الثاني: الساعة وقعت بحق فلم تكذب، قاله السدي. الثالث: أنها القيامة، قاله ابن عباس، والحسن. وسميت الواقعة لكثرة ما يقع فيها من الشدائد. {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذَِبَةٌ} فيها أربعة أوجه: أحدها: ليس لها مردود، قاله ابن عباس. الثاني: لا رجعة فيها ولا مشورة، قاله قتادة. الثالث: ليس لها مكذب من مؤمن ولا من كافر، قاله ابن كامل. الرابع: ليس الخبر عن وقوعها كذباً. {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: تخفض رجالاً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالاً كانوا في الدنيا مخفوضين، قاله محمد بن كعب. الثاني: خفضت أعداء الله في النار، ورفعت أولياء الله في الجنة، قاله عمر بن الخطاب. الثالث: خفضت الصوت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى،قاله عكرمة. ويحتمل رابعاً: أنها خفضت بالنفخة الأولى من أماتت، ورفعت بالنفخة الثانية من أحيت. {إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجّاً} فيه قولان: أحدهما: رجفت وزلزلت، قاله ابن عباس، قاله رؤبة بن العجاج: شعر : أليس يوم سمي الخروجا أعظم يوم رجه رجوجاً يوماً يرى مرضعة خلوجاً تفسير : الثاني: أنها ترج بما فيها كما يرج الغربال بما فيه، قاله الربيع بن أنس فيكون تأويلها على القول الأول أنها ترج بإماتة ما على ظهرها من الأحياء، وتأويلها على القول الثاني أنها ترج لإخراج من في بطنها من الموتى. {وَبُسَّتِ الْجِبَالَ بَسّاً} فيه خمسة أقاويل: أحدها: سالت سيلاً، قاله مجاهد. الثاني: هدت هداً، قاله عكرمة، الثالث: سيرت سيراً، قاله محمد بن كعب، ومنه قول الأغلب العجلي: شعر : نحن بسسنا بأثر أطاراً أضاء خمساً ثمت سارا تفسير : الرابع: قطعت قطعاً، قاله الحسن.. الخامس: إنها بست كما يبس السويق أي بلت، البسيسة هي الدقيق يلت ويتخذ زاداً، قال لص من غطفان: شعر : لا تخبزا خبزاً وبسا بسا ولا تطيلا بمناخ حبسا تفسير : {فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه رهج الغبار يسطع ثم يذهب، فجعل الله أعمالهم كذلك، قاله علي. الثاني: أنها شعاع الشمس الذي من الكوة، قاله مجاهد. الثالث: أنه الهباء الذي يطير من النار إذا اضطربت، فإذا وقع لم يكن شيئاً، قاله ابن عباس. الرابع: أنه ما يبس من ورق الشجر تذروه الريح، قاله قتادة. وفي المنبث ثلاثة أوجه: أحدها: المتفرق، قاله السدي. الثاني: المنتشر. الثالث: المنثور. {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} يعني أصنافاً ثلاثة، قال عمر بن الخطاب: اثنان في الجنة وواحد في النار. وفيهما وجهان: أحدهما: ما قاله ابن عباس أنها التي في سورة الملائكة: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}. الثاني: ما رواه النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : وكنتم أزوجاً ثلاثة" تفسير : الآية. ويحتمل جعلهم أزواجاً وجهين: أحدهما: أن ذلك الصنف منهم مستكثر ومقصر، فصار زوجاً. الثاني: أن في كل صنف منهم رجالاً ونساء، فكان زوجاً. {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} فيهم خمسة تأويلات: أحدها: أن أصحاب الميمنة الذين أخذوا من شق آدم الأيمن، وأصحاب المشأمة الذين أخذوا من شق آدم الأيسر، قاله زيد بن أسلم. الثاني: أن أصحاب الميمنة من أوتي كتابه بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بيساره، قاله محمد بن كعب. الثالث: أن أصحاب الميمنة هم أهل الحسنات، وأصحاب المشأمة هم أهل السيئات، قاله ابن جريج. الرابع: أن أصحاب الميمنة الميامين على أنفسهم، وأصحاب المشأمة المشائيم على أنفسهم، قاله الحسن. الخامس: أن أصحاب الميمنة أهل الجنة، وأصحاب المشأمة أهل النار، قاله السدي. وقوله: {وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} لتكثير ما لهم من العقاب. {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلِئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} فيهم خمسة أقاويل: أحدها: أنهم الأنبياء، قاله محمد بن كعب. الثاني: أنهم الاسبقون إلى الإيمان من كل أمة، قاله الحسن، وقتادة. الثالث: أنهم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. الرابع: هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفاً في سبيل الله، قاله عثمان بن أبي سوادة. الخامس: أنهم أربعة: منهم سابق أمة موسى وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى وهو حبيب النجار صاحب أنطاكية، وسابقان من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهما: أبو بكر وعمر، قاله ابن عباس. ويحتمل سادساً: أنهم الذي أسلموا بمكة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وبالمدينة قبل هجرته إليهم لأنهم سبقوا بالإسلام قبل زمان الرغبة والرهبة. وفي تكرار قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} قولان: أحدهما: السابقون في الدنيا إلى الإيمان، السابقون في الآخرة إلى الجنة هم المقربون، قاله الكلبي. الثاني: يحتمل أنهم المؤمنون بالأنبياء في زمانهم، وسابقوهم بالايمان هم المقربون المقدمون منهم.
ابن عطية
تفسير : {الواقعة}: اسم من أسماء القيامة كـ {أية : الصاعقة} تفسير : [البقرة: 55، النساء: 153] و {أية : الأزفة} تفسير : [غافر: 18، النجم: 57] و {أية : الطامة} تفسير : [النازعات: 34] قاله ابن عباس، وهذه كلها أسماء تقتضي تعظيمها وتشنيع أمرها. وقال الضحاك: {الواقعة}: الصيحة وهي النفخة في الصور. وقال بعض المفسرين: {الواقعة}: صخرة بيت المقدس، تقع عند القيامة، فهذه كلها معان لأجل القيامة. و: {كاذبة} يحتمل أن يكون مصدراً كالعاقبة والعافية وخائنة الأعين. فالمعنى ليس لها تكذيب ولا رد مثنوية، وهذا قول قتادة والحسن ويحتمل أن يكون صفة لمقدر، كأنه قال: {ليس لوقعتها} حال {كاذبة}، ويحتمل الكلام على هذا معنيين: أحدهما {كاذبة}، أي مكذوب فيما أخبر به عنها فسماها {كاذبة} بهذا، كما تقول هذه قصة كاذبة أي مكذوب فيها، والثاني حالة كاذبة أي لا يمضي وقوعها، كما تقول: فلان إذا حمل لم يكذب. وقوله: {خافضة رافعة} رفع على خبر ابتداء، أي هي {خافضة رافعة}. وقرأ الحسن وعيسى الثقفي وأبو حيوة: "خافضةً رافعةً" بالنصب على الحال بعد الحال التي هي {لوقعتها كاذبة} ولك أن تتابع الأحوال. كما لك أن تتابع أخبار المبتدأ، والقراءة الأولى أشهر وأبرع معنى، وذلك أن موقع الحال من الكلام موقع ما لم يذكر لاستغني عنه وموقع الجمل التي يجزم الخبر بها موقع ما يتهمم به. واختلف الناس في معنى هذا الخفض والرفع في هذه الآية، فقال قتادة وعثمان بن عبد الله بن سراقة: القيامة تخفض أقواماً إلى النار، وترفع أقواماً إلى النار، وترفع أقواماً إلى الجنة. وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الصيحة تخفض قوتها لتسمع الأدنى وترفعها لتسمع الأقصى. وقال جمهور من المتأولين: القيامة بتفطر السماء والأرض والجبال انهدام هذه البنية، ترفع طائفة من الأجرام وتخفض أخرى، فكأنها عبارة عن شدة الهول والاضطراب، والعامل في قوله: {إذا رجت}، {وقعت}، لأن {إذا} هذه بدل من {إذا} الأولى، وقد قالوا: إن {وقعت} هو العامل في الأولى، وذلك لأن معنى الشرط فيها قوي، فهي كـ "من" و "ما" في الشرط، يعمل فيها ما بعدها من الأفعال، وقد قيل إن {إذا} مضافة إلى {وقعت} فلا يصح أن يعمل فيها، وإنما العامل فيها فعل مقدر. ومعنى: {رجت} زلزلت وحركت بعنف، قاله ابن عباس، ومنه ارتج السهم في الغرض إذا اضطرب بعد وقوعه، والرجة في الناس الأمر المحرك. واختلف اللغويون في معنى: {بست} فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة معناه: فتتت، كما تبس البسيسة وهي السويق، ويقال بسست الدقيق إذا ثريته بالماء وبقي مفتتاً، وأنشد الطبري في هذا: [الرجز] شعر : لا تخبزا خبزاً وبسّا بسّا تفسير : وقال هذا قول لص أعجله الخوف عن العجين، فقال لصاحبه هذا. وقال بعض اللغويين: {بست} معناه سيرت قالوا والخبز سير الشديد وضرب الأرض بالأيدي، والبس: السير الرفيق، وأنشد البيت: [الرجز] شعر : لا تخبزا خبزاً وبسّا بسّا وجنباها نهشلاً وعبسا ولا تطيلا بمناخ حبسا تفسير : ذكر هذا أبو عثمان اللغوي في كتابه في الأفعال. و "الهباء": ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت من كوة، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال قتادة: الهباء: ما تطاير من يبس النبات. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الهباء: ما تطاير من حوافر الخيل والدواب. وقال ابن عباس أيضاً، الهباء: ما تطاير من شرر النار، فإذا طفي لم يوجد شيئاً. والمنبث: بالتاء المثلثة، الشائع في جميع الهواء. وقرأ النخعي: "منبتاً" بالتاء بنقطتين، أي متقطعاً، ذكر ذلك الثعلبي. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول في هباء أحسن الأقوال. والخطاب في قوله: {وكنتم} لجميع العالم، لأن الموصوفين من {أصحاب المشأمة} ليسوا في أمة محمد، والأزواج: الأنواع والضروب. قال قتادة: هذه منازل الناس يوم القيامة. وقوله تعالى: {فأصحاب الميمنة} ابتداء، و: {ما} ابتداء ثان. و: {أصحاب الميمنة} خبرها، والجملة خبر الابتداء الأول، وفي الكلام معنى التعظيم، كما تقول زيد ما زيد، ونظير هذا في القرآن كثير، و {الميمنة}: أظهر ما في اشتقاقها أنها من ناحية اليمين، وقيل من اليمن، وكذلك {المشأمة} إما أن تكون من اليد الشؤمى، وإما أن تكون من الشؤم، وقد فسرت هذه الآية بهذين المعنيين، إذ {أصحاب الميمنة} الميامين على أنفسهم، قاله الحسن والربيع، ويشبه أن اليمن والشؤم إنما اشتقا من اليمنى والشؤمى وذلك على طريقهم في السانح والبارح، وكذلك اليمن والشؤم اشتقا من اليمنى والشؤمى. وقوله: {والسابقون} ابتداء و: {السابقون} الثاني. قال بعض النحويين: هو نعت للأول، ومذهب سيبويه أنه خبر الابتداء، وهذا كما تقول العرب: الناس الناس، وأنت أنت، وهذا على معنى تفخيم أمر وتعظيمه، ومعنى الصفة هو أن تقول: {والسابقون} إلى الإيمان {السابقون} إلى الجنة والرحمة {أولئك}، ويتجه هذا المعنى على الابتداء والخبر. وقوله: {أولئك المقربون} ابتداء وخبر، وهو في موضع الخبر على قول من قال: {السابقون} الثاني صفة، و: {المقربون} معناه من الله في جنة عدن. قال جماعة من أهل العلم: وهذه الآية متضمنة أن العالم يوم القيامة على ثلاثة أصناف: مؤمنون، هم على يمين العرش، وهنالك هي الجنة، وكافرون، هم على شؤمى العرش، وهنالك هي النار. والقول في يمين العرش وشماله نحو من الذي هو في سورة الكهف في اليمين والشمال. وقد قيل في {أصحاب الميمنة} واليمين: إنهم من أخذ كتابه بيمينه، وفي {أصحاب المشأمة} والشمال: إنهم من أخذه بشماله، فعلى هذا ليست نسبة اليمين والشمال إلى العرش. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أصحاب اليمين أطفال المؤمنين، وقيل المراد ميمنة آدم ومشأمته المذكورتان في حديث الإسراء في الأسودة. و: {السابقون} معناه: قد سبقت لهم السعادة، وكانت أعمالهم في الدنيا سبقاً إلى أعمال البر وإلى ترك المعاصي، فهذا عموم في جميع الناس. وخصص المفسرون في هذا أشياء، فقال عثمان بن أبي سودة: هم {السابقون} إلى المساجد. وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين. وقال كعب: هم أهل القرآن، وقيل غير هذا مما هو جزء من الأعمال الصالحة، ورويحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم وسئل عن السابقين، فقال:"هم الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه، وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم" . تفسير : وقرأ طلحة بن مصرف: "في جنة النعيم" على الإفراد. و: {المقربون} عبارة عن أعلى منازل البشر في الآخرة، وقيل لعامر بن عبد قيس في يوم حلبة من سبق فقال {المقربون}.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْوَاقِعَةُ} الصيحة أو الساعة وقعت بحق فلم تكذب، أو القيامة "ع"، سميت به لكثرة ما وقع فيها من الشدائد.
النسفي
تفسير : {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ } قامت القيامة. وقيل: وصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة فكأنه قيل: إذا وقعت الواقعة التي لا بد من وقوعها. ووقوع الأمر نزوله يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله. وانتصاب {إِذَا }بإضمار «اذكر» {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ } نفس كاذبة أي لا تكون حين تقع نفس تكذب على الله وتكذب في تكذيب الغيب لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات. واللام مثلها في قوله تعالى: {أية : يٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى }تفسير : [الفجر: 24] {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } أي هي خافضة رافعة ترفع أقواماً وتضع آخرين {إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً } حركت تحريكاً شديداً حتى ينهدم كل شيء فوقها من جبل وبناء، وهو بدل من {إِذَا وَقَعَتِ }، ويجوز أن ينتصب بـ {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } أي تخفض وترفع وقت رجّ الأرض وبسّ الجبال {وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً } وفتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها كقوله: {أية : وَسُيّرَتِ ٱلْجِبَالُ } تفسير : [النبأ: 20] {فَكَانَتْ هَبَاء } غباراً {مُّنبَثّاً } متفرقاً {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً } أصنافاً يقال للأصناف التي بعضها من بعض أو يذكر بعضها من بعض أزواج {ثَلَـٰثَةً } صنفان في الجنة وصنف في النار. ثم فسر الأزواج فقال {فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ } مبتدأ وهم الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم {مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ } مبتدأ وخبر وهما خبر المبتدأ الأول، وهو تعجيب من حالهم في السعادة وتعظيم لشأنهم كأنه قال: ما هم وأي شيء هم؟ {وَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ } أي الذين يؤتون صحائفهم بشمائلهم أو أصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة من قولك: فلان مني باليمين وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما بالرفعة عندك والضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل. وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين وبأهل النار ذات الشمال {مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ } أي أيُّ شيء هم؟ وهو تعجيب من حالهم بالشقاء {وَٱلسَّـٰبِقُونَ } مبتدأ {ٱلسَّـٰبِقُونَ } خبره تقديره السابقون إلى الخيرات السابقون إلى الجنات. وقيل: الثاني تأكيد للأول والخبر {أُوْلَـئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ } والأول أوجه {فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } أي هم في جنات النعيم {ثُلَّةٌ مّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مّنَ ٱلآخِرِينَ } أي هم ثلة، والثلة الأمة من الناس الكثيرة، والمعنى أن المسابقين كثير من الأولين وهم الأمم من لدن آدم إلى نبينا محمد عليهما السلام، وقليل من الآخرين وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: من الأولين من متقدمي هذه الأمة، ومن الآخرين من متأخريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:« حديث : الثلتان جميعاً من أمتي». تفسير : {عَلَىٰ سُرُرٍ } جمع سرير ككثيب وكثب {مَّوْضُونَةٍ } مرمولة ومنسوجة بالذهب مشبكة بالدر والياقوت {مُتَّكِئِينَ } حال من الضمير في {عَلَىٰ } وهو العامل فيها أي استقروا عليها متكئين {عَلَيْهَا مُتَقَـٰبِلِينَ } ينظر بعضهم في وجوه بعض ولا ينظر بعضهم في أقفاء بعض، وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق وصفاء المودة و{مُّتَقَـٰبِلِينَ } حال أيضاً {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ } يخدمهم {وِلْدٰنٌ } غلمان جمع وليد {مُّخَلَّدُونَ } مبقّون أبداً على شكل الولدان لا يتحولون عنه. وقيل: مقرّطون والخلدة القرط. قيل: هم أولاد أهل الدنيا لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، وفي الحديث: «حديث : أولاد الكفار خدام أهل الجنة»تفسير : {بِأَكْوَابٍ } جمع كوب وهي آنية لا عروة لها ولا خرطوم {وَأَبَارِيقَ } جمع إبريق وهو ماله خرطوم وعروة {وَكَأْسٍ } وقدح فيه شراب وإن لم يكن فيه شراب فليس بكأس {مّن مَّعِينٍ } من خمر تجري من العيون {لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا } أي بسببها وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها أو لا يفرقون عنها {وَلاَ يُنزِفُونَ } ولا يسكرون. نزف الرجل ذهب عقله بالسكر. {وَلاَ يُنزِفُونَ } بكسر الزاي: كوفي أي لا ينفد شرابهم. يقال: أنزف القوم إذا فني شرابهم {وَفَـٰكِهَةٍ مّمَّا يَتَخَيَّرُونَ } يأخذون خيره وأفضله. {وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ } يتمنون {وَحُورٌ } جمع حوراء {عِينٌ } جمع عيناء أي وفيها حور عين أو ولهم حور عين، ويجوز أن يكون عطفاً على {وِلْدٰنٌ } {وَحُورٌ }: يزيد وحمزة وعلي عطفاً على {جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } كأنه قال: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم وحورٍ {كَأَمْثَـٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ } في الصفاء والنقاء {ٱلْمَكْنُونِ } المصون. وقال الزجاج: كأمثال الدر حين يخرج من صدفه لم يغيره الزمان واختلاف أحوال الاستعمال {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } جزاء مفعول له أي يفعل بهم ذلك كله لجزاء أعمالهم أو مصدر أي يجزون جزاء. {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا } في الجنة {لَغْواً } باطلاً {وَلاَ تَأْثِيماً } هذياناً {إِلاَّ قِيلاً سَلَـٰماً سَلَـٰماً } إلا قولاً ذا سلامة. والاستثناء منقطع و{سَلاَماً } بدل من {قِيلاً } أو مفعول به لـ {قِيلاً } أي لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاماً سلاماً. والمعنى أنهم يفشون السلام بينهم فيسلمون سلاماً بعد سلام {وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ * فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ } السدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنما خضد شوكه {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ } الطلح شجر الموز والمنضود الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه فليست له ساق بارزة {وَظِلّ مَّمْدُودٍ } ممتد منبسط كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس {وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ } جار بلا حد ولا خد أي يجري على الأرض في غير أخدود {وَفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ } أي كثيرة الأجناس {لاَّ مَقْطُوعَةٍ } لا تنقطع في بعض الأوقات كفواكه الدنيا بل هي دائمة {وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } لا تمنع عن متناولها بوجه. وقيل: لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ } رفيعة القدر أو نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش مرفوعة على الأرائك قال الله تعالى: {أية : هُمْ وَأَزْوٰجُهُمْ فِى ظِلَـٰلٍ عَلَى ٱلأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ }تفسير : [يس: 56]. ويدل عليه قوله.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إذا وقعت الواقعة} يعني إذا قامت القيامة وقيل إذا نزلت صيحة القيامة وهي النفخة الأخيرة وقيل الواقعة اسم للقيامة كالآزفة، {ليس لوقعتها} يعني لمجيئها {كاذبة} يعني ليس لها كذب والمعنى أنها تقع حقاً وصدقاً وقيل معناه ليس لوقعتها قصة كاذبة أي كل ما أخبر الله عنها وقص من خبرها قصة صادقة غير كاذبة وقيل معناه ليس لوقعتها نفس كاذبة أي إن كل من يخبر عن وقوعها صادق غير كاذب لم تكذب نفس أخبرت عن وقوعها، {خافضة رافعة} أي تخفض أقواماً إلى النار وترفع أقواماً إلى الجنة وقال ابن عباس تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرتفعين وترفع أقواماً كانوا في الدنيا مستضعفين وقيل تخفض أقواماً بالمعصية وترفع أقواماً بالطاعة، {إذا رجت الأرض رجاً} أي إذا حركت وزلزلت زلزالاً وذلك أن الله عز وجل إذا أوحى إليها اضطربت فرقاً وخوفاً قال المفسرون ترج كما يرج الصبي في المهد حتى ينهدم كل بناء عليها وينكسر كل ما فيها من جبال وغيرها وهو قوله تعالى: {وبست الجبال بسا} أي فتتت حتى صارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول وقيل صارت كثيباً مهبلاً بعد أن كانت شامخة وقيل معناه قلعت من أصلها وسيرت على وجه الأرض حتى ذهب بها {فكانت هباء منبثاً} أي غباراً متفرقاً كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل الكوة وهو الهباء، {وكنتم أزواجاً} أي أصنافاً {ثلاثة} ثم فسر الأزواج فقال تعالى: {فأصحاب الميمنة} يعني أصحاب اليمين. والميمنة ناحية اليمين وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وقال ابن عباس هم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه وقال الله تعالى: "حديث : هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي" تفسير : وقيل هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم وقيل هم الذين كانوا ميامين أي مباركين على أنفسهم وكانت أعمالهم صالحة في طاعة الله وهم التابعون بإحسان {ما أصحاب الميمنة} تعجيب من حالهم في السعادة. والمعنى أي شيء هم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ينزفون} من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف. الباقون: بفتح الزاء {حور عين} بجرهما: يزيد وعلي وحمزة {عرباً} بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل {أئذا أئنا} كما في "الرعد" إلا ابن عامر فإنه تابع عاصماً، وإلا يزيد فإنه تابع قالون {شرب} بضم الشين: أبو جعفر نافع وعاصم وحمزة وسهل. الباقون: بالفتح وكلاهما مصدر {قدرنا} بالتخفيف: ابن كثير {أئنا لمغرمون} بهمزتين: أبو بكر وحماد. الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر. {بموقع} على الوحدة: حمزة وعلي وخلف. {تكذبون} بالتخفيف: المفضل {فروح} بضم الراء: قتيبة ويعقوب. الوقوف: {الواقعة} ه لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوباً بإضمار "أذكر" أو كان الجواب محذوفاً أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف {كاذبة} ه م لئلا يصير ما بعدها صفة {رافعة} ه لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه بدلاً من الأول {رجاً} ه لا {بساً} ه {منبثاً} ه {ثلاثة} ه ط {ما أصحاب الميمنة} ه ط لتناهي استفهام التعجب {ما أصحاب المشأمة} ه ط {السابقون} ه لا بناء على أن {السابقون} تأكيد والجملة بعده خبر {المقربون} ه ج لاحتمال أن ما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم {جنات النعيم} ه {الأولين} ه لا {الآخرين} ه لا {موضونة} ه لا {متقابلين} ه {مخلدون} ه لا {معين} ه لا {ولا ينزفون} ه لا {يتخيرون} ه لا {يشتهون} ه ط لمن قرأ {وحور عين} بالرفع {المكنون} ه ج {يعملون} ه {تأثيماً} ه لا {سلاماً} ه ط {وما أصحاب اليمين} ه ط {مخضود} ه لا {منضود} ه لا {ممدود} ه لا {مسكوب} ه لا {كثيرة} ه لا {ممنوعة} ه لا {مرفوعة} ه ط {إنشاء} ه لا {أبكاراً} ه لا {أتراباً} ه لا {اليمين} ه ط {الأولين} ه {الآخرين} ه ط {ما أصحاب الشمال} ه ط {وحميم} ه لا {يحموم} ه لا {ولا كريم} ه {مترفين} ه ج {العظيم} ه ج {لمبعوثون} ه لا {الأولون} ه {والآخرين} ه لا {معلوم} ه {المكذبون} ه لا {زقوم} ه لا {البطون} ه ج والوقف أجوز {الحميم} ه ج {الهيم} ه ط {الدين} ه {تصدقون} ه {تمنون} ه ط {الخالقون} ه {بمسبوقين} ه لا {تعلمون} ه {تذكرون} ه {تحرثون} ه ط {الزارعون} ه {تفكهون} ه {لمغرمون} ه لا {محرومون} ه {تشربون} ه {المنزلون} ه {تشكرون} ه {تورون} ه ط {المنشؤن} ه {للمقوين} ه ج {العظيم} ه {النجوم} ه لا {عظيم} ه لا {كريم} ه لا {مكنون} ه {المطهرون} ه ط {العالمين} ه {مدهنون} ه {تكذبون} ه {الحلقوم} ه لا {تنظرون} ه لا {تبصرون} ه {مدينين} ه لا {صادقين} ه {المقربين} ه لا {نعيم} ه {اليمين} ه لا {اليمين} ه لا {الظالين} ه لا {حميم} ه لا {جحيم} ه {اليقين} ه {ألعظيم}ه. التفسير: {إذا وقعت الواقعة} نظير قولك حدثت الحادثة "وكانت الكائنة" وهي القيامة التي تقع لا محالة. يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله. واللام في {لوقعتها} للوقت أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله لأن الإيمان حينئذ بما هو غائب الآن ضروري إلا أنه غير نافع لأنه إيمان اليأس. ويجوز أن يراد ليس لها وقتئذ نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني لأن إنكار المحسوس غير معقول. وجوز جار الله أن يكون من قولهم "كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم" إذا شجعته على مباشرته. وقالت له: إنك تطيقه. فيكون المراد أن القيامة واقعة لا تطاق شدة وفظاعة وأن الأنفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور. وقيل: هي مصدر كالعافية فيؤل المعنى إلى الأول. وقال في الكشاف: هو بمعنى التكذيب من قولهم "حمل على قرنه فما كذب" أي فما جبن وما تثبط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من طاقته له. والحال من هذا التوجيه أنها إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد {خافضة رافعة} أي هي تخفض أقواماً وترفع آخرين إما لأن الواقعات العظام تكون كذلك كما قال:شعر : وما إن طبنا جبن ولكن منايات ودولة آخرينا تفسير : وإما لإن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله {إذا رجت الأرض} أي حركت تحريكاً عنيفاً حتى ينهدم كل بناء عليها {وبست الجبال بساً} أي فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها {فكانت} أي صارت غباراً متفرقاً. ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلاً {وكنتم} لفظ الماضي لتحقق الوقوع {أزواجاً} أي أصنافاً {ثلاثة} ثم فصلها فقال {فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة} وهو تعجب من شأنهم كقولك "زيد ما زيد" سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم، أو لأنهم أهل المنزلة السنية من قولهم "فلان مني باليمين" إذا وصفته بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون البارح، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم، والسعداء ميامين على أنفسهم والأشقياء مشائيهم عليها. روي أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهم في الشمال {والسابقون} عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من التوحيد والإخلاص والطاعة {هم السابقون} عرف الخبر للمبالغة كقوله "وشعري شعري" يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم، وعلى هذا يحسن الوقف {السابقون} {أولئك المقربون} إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله، وفي لفظ السبق إشار إلى ذلك {في جنات النعيم} إخفاء حالهم وبيان محل إجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية {ثلة من الأولين} أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا صلى الله عليه وسلم. قال أهل الاشتقاق: أصل الثلة من الثل وهو الكسر كما أن الأمة من الأم وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، ثم اشتق الإمام منه إذ به يحصل الأمة المقتدية به. {وقليل من الآخرين} أي من هذه الأمة. قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي صلى الله عليه وسلم وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ههنا {وقليل من الآخرين} وفيما بعده قال {وثلة من الآخرين} والجواب أن الثلتين في آية أصحاب اليمين هما جميعاً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. جواب آخر وهو أن يقال: الخطاب في قوله {وكنتم أزواجاً} لأمة محمد صلى الله عليه وسلم والأولون منهم هم الصحابة والتابعون كقوله { أية : والسابقون الأولون}تفسير : [التوبة: 1] والآخرون منهم هم الذين يلونهم إلى يوم الدين، ولا ريب أن السابقين يكونون في الأولين أكثر منهم في الآخرين. وأما أصحاب اليمين فيوجدون في كلا القبيلين كثيراً وعلى هذا يكون الترتيب المذكور ساقطاً ولا نسخ لإمكان اجتماع مضموني الخبرين في الواقع. قال الزجاج وهو قول مجاهد والضحاك يعني جماعة ممن تبع النبي صلى الله عليه وسلم وعاينه وجماعة ممن آمن به وكان بعده. وروى الواحدي في تفسيره بإسناده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : جميع الثلتين من أمتي " تفسير : وأجاب بعضهم بأنه لما نزلت الآية الأولى شق على المسلمين فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجع ربه حتى نزلت {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} وزيفت هذه الرواية بظهور ورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين، وبأن النسخ لا يتضح بل لا يصح في الأخبار، وبأن الآية الأولى لا توجب الحزن ولكنها تقتضي الفرح من حيث إنه إذا كان السابقون في هذه الأمة موجودين وإن كانوا قليلين وقد صح أنه لا نبي بعد محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لزم أن يكون بعض الأمة مع محمد صلى الله عليه وسلم سابقين فيكونون في درجة الأنبياء والرسل الماضين، ولعل في قوله "حديث : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" تفسير : إشارة إلى هذا. وأقول: عندي أن الجواب الصحيح هو أن السابقين في الأمم الماضية يجب أن يكونوا أكثر لأن فيض الله سبحانه المقدر للنوع الإنساني إذا وزع على أشخاص أقل يكون نصيب كل منهم أوفر مما لو قسم على أشخاص أكثر، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة وعسى أن يكون هذا سبباً لخاتمة نبينا صلى الله عليه وسلم أما أصحاب اليمين وهم أهل الجنة كما قلنا فإنهم كثيرون من هذه الأمة لأنهم كل من آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً هذا ما سنح في الوقت والله تعالى أعلم بمراده. ثم وصف حال المقربين بقوله {على سرر موضونة} قال المفسرون: أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت وقد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع أي استقروا على السرر {متكئين} وقوله {ولدان مخلدون} أي غلمان لا يهرمون ولا يغيرون قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد. قال: ويقال مخلدون مقرطون من الخلدة وهو القرط. وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها. قال جار الله: روي هذا عن علي رضي الله عنه. والحسن قال الحديث "حديث : أولاد الكفار خدام أهل الجنة " تفسير : والأكواب الأقداح المستديرة الأفواه ولا آذان لها ولا عري، والأباريق ذوات الخراطيم الواحد إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه. والباقي مفسر في "الصافات" إلى قوله {مما يتخيرون} أي يختارون تخيرت الشيء أخذت خيره، قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلاً بين يديه على ما اشتهى. ومن قرأ {وحور عين} بالرفع فمعناه ولهم أو عندهم حور. ومن خفضهما فعلى العطف المعنوي أي يكرمون أو يتنعمون بأكواب وبكذا وكذا. والكاف في قوله {كأمثال} للمبالغة في التشبيه. قوله {جزاء} مفعول له أي يفعل بهم ذلك لأجل الجزاء. قوله {ولا تأثيماً} أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم. وانتصب {سلاماً} على البدل من {قليلاً} أو على أنه مفعول به أي لا يسمعون يها إلا أن يقولوا سلاماً عقيبه سلام. ثم عجب من شأن أصحاب اليمين. والسدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه. وقال مجاهد: هو من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب كأنه من كثرة ثمره ثنى أغصانه والطلح شجر الموز أو أم غيلان كثير النور طيب الرائحة وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل. وفي الكشاف أن علياً عليه السلام أنكره وقال: ما شأن الطلح إنما هو طلع وقرأ قوله {لها طلع نضيد} فقيل: أو نحولها؟ قال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول قال: وعن ابن عباس نحوه. قلت: وفي هذه الرواية نظر لا يخفى. والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست له ساق بارزة {وظل ممدود} أي ممتد منبسط كظلي الطلوع والغروب لا يتقلص. ويحتمل أن يراد أنه دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع إنه ممدود. والمسكوب المصبوب يسكب لهم أين شاؤا وكيف شاؤا، أو يسكبه الله في مجاريه من غير انقطاع، أو أراد أنه يجري على الأرض في خير أخدود {لا مقطوعة} في بعض الأوقات {ولا ممنوعة} عن طالبيها بنحو حظيرة أو لبذل ثمن كما هو شأن البساتين والفواكه في الدنيا {مرفوعة} أي نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة قاله علي رضي الله عنه. وقيل: هي النساء المرفوعة على الأرائك. والمرأة يكنى عنها بالفراش يدل على هذا قوله {إنا أنشأناهن} وعلى التفسير الأول جعل ذكر الفرش وهي المضاجع دليلاً عليهن. ومعنى الإنشاء أنه ابتدأ خلقهن من غير ولادة أو أعاد خلقهن إنشاء. روى الضحاك عن ابن عباس أنهن نساؤنا العجز الشمط يخلقهن الله بعد الكبر والهرم {أبكاراً عرباً} جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل {أتراباً} مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين كأزواجهن كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً من غير وجع. وقوله {لأصحاب اليمين} متعلق بأنشأنا وجعلنا. ثم عجب من أصحاب الشمال. ومعنى {في سموم} في حر نار ينفذ في المسام. والحميم الماء الكثير الحرارة. واليحموم الدخان الأسود "يفعول" من الأحم وهو الأسود. ثم نعت الظل بأنه حار ضار لا منفعة فيه ولا روح لمن يأوي إليه. قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر. قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعاً لكل شيء ينوي به المدح في الإثبات أو الذم في النفي تقول: هو سمين كريم وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة. ثم ذكر أعمالهم الموجبة لهذا العقاب فقال {إنهم كانوا قبل ذلك} أي في الدنيا {مترفين} متنعمين متكبرين عن التوحيد والطاعة والإخلاص {وكانوا يصرون على الحنث} وهو الذنب الكبير ووصفه بالعظم مبالغة على مبالغة تقول: بلغ الغلام الخنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم وحنث في يمينه خلاف بر فيها. وخص جمع من المفسرين فقالوا.أعني به الشرك. وعن الشعبي: هو اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون يدل عليه ما بعده وقد مر مثله في "الصافات". واعلم أنه سبحانه ذكر في تفصيل الأزواج الثلاثة نسقاً عجيباً وأسلوباً غريباً. وذلك أنه لم يورد في التفصيل إلا ذكر صنفين. أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة. ثم بعدما عجب منهما بين حال الثلاثة السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأقول وبالله التوفيق: هذا كلام موجز معجز فيه لطائف خلت التفاسير عنها منها: أنه طوى ذكر السابقين في أصحاب الميمنة لأن كلاً من السابقين ومن أصحاب اليمين أصحاب اليمن والبركة كما أن أصحاب الشمال أهل الشؤم والنكد، وكأن في هذا الطي إشارة إلى الحديث القدسي "حديث : أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" تفسير : ومنها أن ذكر السابقين وقع في الوسط باعتبار وخير الأمور أوسطها، وفي الأول باعتبار والأشراف بالتقديم أولى، وفي الآخر باعتبار ليكون إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم " حديث : نحن الآخرون السابقون " تفسير : ومنها أن مفهوم السابق متعلق بمسبوق، فما لم يعرف ذات المسبوق لم يحسن ذكر السابق من حيث هو سابق. فهذا ما سنح للخاطر وسمح به والله تعالى أعلم بمراده. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقرر لهم ما شكوا فيه فقال {قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات} أي ينتهي أمر جميعهم إلى وقت {يوم معلوم} عند الله وفيه رجوع إلى أول السورة. ولما كرر ذكر المعاد بعبارات شتى ذكر طرفاً من حال المكذبين المعاصرين ومن ضاهاهم فقال {ثم إنكم أيها الضالون} عن الهدى {المكذبون} بالبعث {لآكلون} أي في السموم المذكور {من شجر} هو للابتداء {من زقوم} هو للبيان {فمالئون منها البطون} آنت الضمير بتأويل الشجرة قال جار الله: عطف الشاربين على الشاربين لاختلافهما اعتباراً وذلك أن شرب الماء المتناهي الحرارة عجيب وشربه كشرب الهيم أعجب. والهيم الإبل التي بها الهيام وإذا شربت فلا تروى واحدها أهيم والمؤنث هيماء وزنه "فعل" كبيض. وجوز أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك كسحاب وسحب. ثم خفف وفعل به ما فعل بنحو جمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم الجوع حتى يضطروا إلى أكل الزقوم. ثم يسلط عليهم العطش إلى أن يضطروا إلى شرب الحمم كالإبل الهيم {نحن خلقناكم فلولا تصدقون} بالبعث بعد الخلق فإن من قدر على البدء كان على الإعادة أقدر. ثم برهن أنه لا خالق إلا هو فقال {أفرأيتم ما تمنون} أي تقذفونه في الأرحام. يقال: أمنى النطفة ومناها وقد مر في قوله {أية : من نطفة إذا تمنى}تفسير : [النحم: 46] {أءنتم تخلقونه} تقدّرونه وتصورونه. ووجه الاستدلال أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في جميع الأعضاء ولهذا تشترك كل الأعضاء في لذة الوقاع ويجب اغتسال كلها لحصول الانحلال عنها جميعاً. فالذي قدر على جمع تلك الأغذية في بدن الإنسان ثم على جمع تلك الأجزاء الطلية في أوعيتها ثم على تمكينها في الرحم إلى أن تتكون إنساناً كاملاً يقدر على جمعها بعد تفريقها بالموت المقدر بينهم بحيث لا يفوته شيء منها وإلى هذا أشار بقوله {وما نحن بمسبوقين على أن نبدل} أي نحن قادرون على ذلك لا يغلبنا عليه أحد. يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه. والأمثال جمع المثل أي على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق و {فيما لا تعلمون} أي في خلق ما لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يريد بيان قدرته على إنشائنا في جملة خلق تماثلنا أو خلق لا تماثلنا. وجوز جار الله أن يكون جمع مثل بفتحتين والمعنى إنا قادرون على تغيير صفاتكم التي أنتم عليها وإنشاء صفات لا تعلمونها. ثم ذكرهم النشأة الأولى ليكون تذكيراً بعد تذكير فقال {ولقد علمتم} الآية. ثم دل على كمال عنايته ورحمته ببريته مع دليل آخر على قدرته قائلاً {أفرأيتم ما تحرثون} من الطعام أي تبذرون حبه {أءنتم تزرعونه} أي تجعلونه بحيث يكون نباتاً كاملاً يستحق اسم الزرع. وفي الكشاف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يقولن أحد زرعت وليقل حرثت " تفسير : والحطام ما تحطم وتكسر من الحشيش اليابس. وقوله {فظلتم} أصله فظللتم حذفت إحدى اللامين للتخفيف وهو مما جاء مستعملاً غير مقس عليه. ومعنى {تفكهون} تعجبون كأنه تكلف الفكاهة. وعن الحسن: تندمون على الإنفاق عليه التعب فيه أو على المعاصي التي تكون سبباً لذلك. من قرأ {أنا} بالخبر فواضح ويحسن تقدير القول أو لا بد منه، ومن قرأ بالاستفهام فللتعجب ولا بد من تقدير القول أيضاً. ومعنى {لمغرمون} لمهلكون من الغرام الهلاك لهلاك الرزق، أو من الغرامة أي لملزمون غرامة ما أنفقنا {بل نحن} قوم {محرومون} لا حظ لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا ما جرى ورفضوا العجب من حالهم، ثم أسندوا ذلك إلى ما كتب عليهم في الأزل من الإدبار وسوء القضاء نعوذ الله منهما. ثم ذكر دليلاً آخر مع كونه نعمة أخرى وهو إنزال الماء من المزن وهو السحاب الأبيض خاصة. والأجاج الماء الملح اكتفى باللام الأولى في جواب "لو" عن إشاعة الثانية وهي ثابتة في المعنى لأن "لو" شرطية غير واضحة ليس إلا أن الثاني امتنع لامتناع الأول وهذا أمر وهمي فاحتيج في الربط إلى اللام التوكيدي. ويمكن أن يقال: إن المطعوم مقدم على أمر المشروب والوعيد بفقده أشد وأصعب فلهذا خصت آية المطعوم باللام المفيدة للتأكيد. وإنما ختم الآية بقوله {فلولا تشكرون} لأنه وصف الماء بقوله {الذي تشربون} ولم يصف المطعوم بالأكل أو لأنه قال {أءنتم أنزلتموه من المزن} وهذا لا عمل للآدمي فيه أصلاً بخلاف الحرث أو لأن الشرب من تمام الأكل فيعود الشكر إلى النعمتين جميعاً ثم عد نعمة أخرى من قبيل ما مر. ومعنى {تورون} تقدحونها وتستخرجونها من الشجر وقد سبق ذكرها في آخر "يس". وأعلم أنه سبحانه بدأ في هذه الدلائل بذكر خلق الإنسان لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم. ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معايشهم وهو الحب، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين، ثم ختم بالنار التي بها يحصل الخبز، وذكر عقيب كل واحد ما يأتي عليه ويفسده فقال في الأولى {نحن قدرنا بينكم الموت} وفي الثانية {لو نشاء لجعلناه حطاماً} وفي الثالثة {لو نشاء جعلناه أجاجاً} ولم يقل في الرابعة ما يفسدها بل قال {نحن جعلناها تذكرة} تتعظون بها ولا تنسون نار جهنم كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من جهنم " تفسير : {ومتاعاً} وسبب تمتع ومنفعة {للمقوين} للذين ينزلون القواء وهي القفر أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام في السفر من أقوى الرجل إذا لم يأكل شيئاً من أيام. وفي نسق هذه الآيات بشارة للمؤمنين وذلك أنه سبحانه بدأ بالوعيد الشديد وهو تغيير ذات الإنسان بالكلية في قوله {وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم} ثم ترك ذلك المقام إلى أسهل منه وهو تغير قوته ذاتاً فقال {لو نشاء لجعلناه حطاماً} ثم عقبه بأسهل وهو تغيير مشروبه نعتاً لا ذاتاً ولهذا حذف اللام في قوله {لو نشاء جعلناه أجاجاً} ويحتمل عندي أن يكون سبب حذف اللام هو كون "لو" بمعنى "أن" وذلك أن الماء باقٍ ههنا فيكون التعليق حقيقة بخلاف الزرع فإنه بعد أن حصد صار التعليق المذكور وهمياً فافهم. ثم ختم بتذكير النار وفيه وعد من وجه ووعيد من وجه. أما الأول فلأنه لم يبين ما يفسدها كما قلنا يدل على أن الختم وقع على الرأفة والرحمة. وأما الثاني فلأن عدم ذكر مفسدها يدل على بقائها في الآخرة. وفي قوله {تذكرة} إشارة إلى ما قلنا. ثم أمر بإحداث التسبيح بذكره أو بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عما يقول الكافرون به وبنعمته وبقدرته على البعث، ثم عظم شأن القرآن بقوله {فلا أقسم} أي فأقسم والعرب تزيد لا قبل فعل أقسم كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه فيفيد التأكيد. ومواقع النجوم مساقطعها ومغاربها ولا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة ولهذا قال سبحانه {أية : والمستغفرين بالأسحار}تفسير : [آل عمران: 17] وعن سفيان الثوري: إن لله تعالى ريحاً تهب وقت الأسحار وتحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار. وقوله {وأنه لقسم لو تعلمون عظيم} اعتراض فيه اعتراض. ومواقعها منازلها ومسايرها في أبراجها أو هي أوقات نزول نجوم القرآن الكريم الحسن المرضي من بين جنس الكتب. أو كرمه نفعه للمكلفين. أو هو كرامته على الله عز وجل {في كتاب مكنون} مستوراً على من أراد الله تعالى اطلاعه على أسراره من ملائكته المقربين وهو اللوح {لا يمسه} إن كان الضمير للكتاب فالمعنى أنه لا يصل إلى ما فيه {إلا} عبيده {المطهرون} من الأدناس الجسمية وهم الكروبيون، وإن كان للقرآن فالمراد أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة الباطنة والظاهرة، فلا يمسه كافر ولا جنب ولا محدث. ومن الناس من حرم قراءة القرآن عند الحدث الأصغر أيضاً. وعن ابن عباس في رواية وهو مذهب الإمامية إباحة قراءته في الجناية إلا في أربع سور فيها سجدة التلاوة لأن سجدتها واجبة عندهم. ثم وبخ المتهاونين بشأن القرآن فقال {أفبهذا الحديث} أي بالقرآن أو بهذا الكلام الدال على حقيقة القرآن {أنتم مدهنون} متهاونون من أدهن في الأمر إذا لان جانبه ولا يتصلب فيه {وتجعلون رزقكم} أي شكر رزقكم {أنكم تكذبون} بالبعث وبما دل عليه القرآن، ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر كأنه عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو ذكر تعداد النعم من قوله {أفرأيتم ما تحرثون} إلى قوله {للمقوين} وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم الأمطار إليها يعني وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله عز وجل وتنسبونه إلى النجوم. ثم زاد في توبيخ الإنسان على جحد أفعال الله وآياته. وترتيب الآية بالنظر إلى أصل المعنى هو أن يقال: فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فزاد في الكلام توكيدات منها تكرير {فلولا} التحضيضية لطول الفصل كما كرر قوله {فلا تحسبنهم} بعد قوله {أية : لا تحسبن الذين يفرحون}تفسير : [آل عمران: 188] ومنها تقديم الظرف وهو قوله {إذا بلغت الحلقوم} أي النفس. وإنما أضمرت للعلم بها كقوله {أية : ما ترك على ظهرها}تفسير : [فاطر: 45] وإنما قدم الظرف للعناية فإنه لا وقت لكون الإنسان أحوج إلى التصرف والتدبير منه، ولأنه أراد أن يرتب الاعتراضات عليه. ومنها زيادة الجمل المعترضة وهي قوله {وأنتم} يا أهل الميت {حينئذ تنظرون} إليه {ونحن أقرب إليه منكم} بالقدرة والعلم أو بملائكة الموت {ولكن لا تبصرون} لا بالبصر ولا بالبصيرة. ومعنى مدينين مربوبين مملوكين مقهورين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم. ومنها قوله {إن كنتم صادقين} فإنه شرط زائد على شرط أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم متمنعين عن الموت، والحلقوم الحلق وهو مجرى النفس، والواو والميم زائدان، ووزنه "فعلوم" ويمكن أن يقال: إن فعل {فلولا} الأول محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم. فلولا تكذبون وقت الموت وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأحوال وتشاهدونها؟ ويحتمل أن يكون معنى مدينين مقيمين من مدن إذا أقام، والمعنى إن كنتم على ما تزعمون من أنكم لا تبقون في العذاب إلا أياماً معدودة فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة. ويجوز أن يكون من الدين بمعنى الجزاء والمعنى يؤول إلى الأول لأن الجزاء نوع من القهر والتسخير. ويحتمل عندي أن يكون الضمير في {ترجعونها} عائداً إلى ملائكة الموت بدليل قوله {ونحن أقرب} والمعنى فلولا تردون عن ميتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا. وحين بين أن لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلاً {فأما إن كان} المتوفى {من المقربين} أي من السابقين من الأزواج الثلاثة {فروح} أي فله استراحة وهذا أمر يعم الروح والبدن {وريحان} أي رزق وهذا للبدن {وجنة نعيم} وهذا للروح يتنعم بلقاء المليك المقتدر. ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه {وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك} أيها النبي {من أصحاب اليمين} أي أنت سالم من شفاعتهم. هذا قول كثير من المفسرين. وقال جار الله: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله {أية : وتحيتهم فيها سلام}تفسير : [يونس: 10] {إن هذا} القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة {لهو حق اليقين} أي الحق الثابت من اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين. وقد يسمى العلم الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى "من" كقولك "خاتم فضة" وهذا في الحقيقة لا يفيد سوى التأكيد كقولك "حق الحق". "وصواب الصواب" أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه. أو المراد هذا هو اليقين حقاً لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر. هذا ما قاله أكثر المفسرين. وقيل: الإضافة كما في قولنا "جانب الغربي" و "مسجد الجامع" أي حق الأمر اليقين. ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا "حق النبي أن يصلي عليه" و "حق المال أن تؤدى زكاته" ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " تفسير : أي إلا بحق هذه الكلمة. ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين الاعتراف بما قال الله سبحانه في شأن الأزواج الثلاثة. وعلى هذا يحتمل أن يكون اليقين بمعنى الموت كقوله {أية : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}تفسير : [الحجر: 92] وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها علم اليقين وهو مرتبة البرهان، وثانيها عين اليقين وهو أن يرى المعلوم عياناً فليس الخبر كالمعاينة، وثالثها حق اليقين وهو أن يصير العالم والمعلوم والعلم واحداً. ولعله لا يعرف حق هذه المرتبة إلا من وصل إليها كما أن طعم العسل لا يعرفه إلأ من ذاقه بشرط أن لا يكون مزاجه ومذاقه فاسدين. روى جمع من المفسرين أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه فقال له: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: ما تشتهي؟ قال:رحمة ربي. قال: أفلا ندعو الطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: افلا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي فيه. قال: تدفعه إلى بناتك. قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبداً".
الثعالبي
تفسير : قوله سبحانه: {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} الآية، الواقعةُ: اسْمٌ من أسماء القيامة؛ قاله ابن عباس، وقال الضَّحَّاكُ: الواقعة: الصيحة، وهي النفخة في الصور، و{كَاذِبَةٌ}: يحتمل أَنْ يكون مصدراً، فالمعنى: ليس لها تكذيب ولا رَدٌّ ولا مَثْنَوِيَّةٌ؛ وهذا قول مجاهد والحسن، ويحتمل أَنْ يكونَ صفة لِمُقَدَّر، كأَنَّهُ قال: ليس لوقعتها حال كاذبة. وقوله سبحانه: {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} قال قتادة وغيره: يعني القيامة تَخْفضُ أقواماً إلى النار، وترفع أقواماً إلى الجنة، وقيل: إنَّ بانفطار السمٰوات والأرض والجبال وانهدام هذه البنية، ترتفعُ طائفةٌ من الأجرام، وتَنْخَفِضُ أُخْرَى، فكأَنَّها عبارة عن شِدَّةِ هول القيامة. * ت *: والأَوَّلُ أبين، وهو تفسير البخاريِّ، ومعنى {رُجَّتِ}: زُلْزِلَتْ وَحُرِّكَتْ بعنف؛ قاله ابن عباس، ومعنى {وَبُسَّتِ}: فُتَّتْ كما تُبَسُّ البَسِيسَةُ وهي السَّوِيقُ؛ قاله ابن عباس وغيره، وقال بعض اللغويين: «بست» معناه: سيِّرَتْ، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكادُ يُرَى إلاَّ في الشمس إذا دخلتْ من كُوَّةٍ؛ قاله ابن عباس وغيره، والمُنْبَثُّ ـــ بالثاء المثلثة ـــ: الشائع في جميع الهواء، والخطاب في قوله: {وَكُنتُمْ} لجميع العالم، والأزواج: الأنواع، قال قتادة: هذه منازل الناس يومَ القيامة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ}. في "إذا" أوجه: أحدها: أنها ظرف محض ليس فيها معنى الشَّرط، والعامل فيها "ليس". الثاني: أن العامل فيها "اذْكر" مقدراً. قال الزمخشري: فإن قلت: بم انتصب "إذا"؟. قلت: بـ "ليس"، كقولك: يوم الجمعة ليس لي شغل. ثم قال: أو بإضمار "اذكر". قال أبو حيان: "ولا يقول هذا نحوي". قال: لأن "ليس" مثل "ما" النافية فلا حدث فيها، فكيف تعمل في الظرف من غير حدث، وتسميتها فعلاً مجازاً، فإن حدَّ الفعل غير منطبق عليها. ثم قال: وأمَّا المثال الذي نظر به، فالظرف ليس معمولاً لـ "ليس" بل للخبر، وتقدم معمول خبرها عليها، وهي مسألة خلاف. انتهى. قال شهاب الدين: الظروف تعمل فيها روائح الأفعال، ومعنى كلام الزمخشري أن النفي المفهوم من "ليس" هو العامل في "إذا" كأنه قيل: ينتفي كذب وقوعها إذا وقعت، ويدل على هذا قول أبي البقاء رحمه الله. والثاني: ظرف لما دل عليه {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ}، أي: إذا وقعت لم تكذب، فإن قيل: فليجر ذلك في "ما" النافية؟. فالجواب: أن الفعل أقرب إلى الدلالة على الحدث من الحرف. الثالث: أنها شرطية، وجوابها مقدر، أي: "إذا وقعت كان كيت وكيت"، وهو العامل فيها. الرابع: أنها شرطية، والعامل فيها الفعل الذي بعدها ويليها، وهو اختيار أبي حيان، وتبع في ذلك مكيًّا. قال مكي: "والعامل فيه "وقعت"؛ لأنها قد يجازى بها، فعمل فيها الفعل الذي بعدها كما يعمل في "مَا"، و "مَنْ" اللتين للشرط في قولك: ما تَفْعَلْ أفْعَلْ، ومن تُكْرِمْ أكْرِمْ"، ثم ذكر كلاماً كثيراً. الخامس: أنها مبتدأ، و "إذَا رُجَّتْ" خبرها، وهذا على قولنا: "إنها تتصرف" وقد مضى تحريره إلا أن هذا الوجه إنما جوزه ابن مالك، وابن جني، وأبو الفضل الرازي على قراءة من نصب "خافِضَةً رافِعَةً" على الحال، وحكاه بعضهم عن الأخفش. قال شهاب الدين: "ولا أدري اختصاص ذلك بوجه النَّصب". السادس: أنه ظرف لـ "خافضة"، أو "رافعة". قاله أبو البقاء. أي إذا وقعت خفضت ورفعت. السابع: أن تكون ظرفاً لـ "رُجَّتْ"، و "إذَا" الثانية على هذا إما بدل من الأولى، أو تكرير لها. الثامن: أن العامل فيه ما دلّ عليه قوله: {أية : فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} تفسير : [الواقعة: 8] أي: إذا وقعت بانت أحوال الناس فيها. التاسع: أن جواب الشرط، قوله: {أية : فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} تفسير : [الواقعة: 8] إلى آخره، و "لِوقعَتِهَا" خبر مقدم، و "كاذبة" اسم مؤخر. و "كاذبة" يجوز أن تكون اسم فاعل، وهو الظَّاهر، وهو صفة لمحذوف، فقدر الزمخشري: "نفس كاذبة". أي: أن ذلك اليوم لا يكذب على الله أحد، ولا يكذِّب بيوم القيامة أحد. ثم قال: "و "اللام" مثلها في قوله: {أية : قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} تفسير : [الفجر: 24]، أو ليس نفس تكذبها، وتقول لها: لم تكوني كما لها اليوم نفوس كثيرة يكذبنها اليوم، يقلن لها: لن تكوني، أو هي من قولهم: كَذَبَتْ فُلاناً نفسُه في الخَطْبِ العظيم إذا شجعته على مباشرته، وقالت له: إنك تطيقه وما فوقه، فتعرض له ولا تبال به، على معنى أنها وقعة لا تُطاق شدة وفظاعة، وأن لا نفس حينئذ تحت صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور وتزين له احتمالها وإطاقتها؛ لأنهم يومئذ أضعف من ذلك وأذلّ، ألا ترى إلى قوله {أية : كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} تفسير : [القارعة: 4]، والفراش مثل في الضعف". وقدره ابن عطية: "حال كاذبة". قال: ويحتمل الكلام على هذا معنيين: أحدهما: كاذبة أي: مكذوبة فيما أخبر به عنها، فسماها كاذبة لهذا، كما تقول: هذه قصّة كاذبة، أي: مكذوب فيها. والثاني: حال كاذبة أي: لا يمضي وقوعها، كقولك: فلان إذا حمل لم يكذب. والثالث: "كاذبة" مصدر بمعنى التَّكذيب. نحو {أية : خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} تفسير : [غافر: 19]. قال الزمخشري: وقيل: "كاذبة" مصدر كـ "العاقبة" بمعنى التكذيب من قولك: حمل فلان على قرنه فما كذب، أي فما جبن ولا تثبَّط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من إطاقته له وإقدامه عليه وأنشد لـ "زهير": [البسيط] شعر : 4669-................... إذَا مَا اللَّيْثُ كَذَّبَ عَنْ أقْرانِهِ صَدَقَا تفسير : أي: إذا وقعت لم يكن لها رجعة ولا ارتداد انتهى. وهو كلام حسن جدًّا. ثم لك في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها لا محلّ لها من الإعراب، إما لأنها ابتدائية، ولا سيما على رأي الزمخشري، حيث جعل الظرف متعلقاً بها. وإما لأنها اعتراضية بين الشرط وجوابه المحذوف. الثاني: أن محلّها النصب على الحال. قاله ابن عطية. ولم يبين صاحب الحال، ماذا؟. وهو واضح إذ لم يكن هنا إلاَّ الواقعة، وقد صرَّح أبو الفضل بذلك. وقرأ العامة: برفع "خَافِضَةٌ ورافِعَةٌ" على أنها خبر ابتداء مضمر، أي: هي خافضة قوماً إلى النَّار، ورافعة آخرين إلى الجنة، فالمفعول محذوف لفهم المعنى. أو يكون المعنى أنها ذات خفض ورفع، كقوله: {أية : يُحْيِـي وَيُمِيتُ} تفسير : [البقرة: 258]، {أية : وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} تفسير : [البقرة: 187]. وقرأ زيد بن علي وعيسى والحسن، وأبو حيوة، وابن مقسم واليزيدي: بنصبهما على الحال. ويروى عن الكسائي أنه قال: "لولا أن اليزيدي سبقني إليه لقرأت به" انتهى. قال شهاب الدين: "ولا أظن مثل هذا يصح عن مثل هذا". واختلف في ذي الحال: فقال أبو البقاء: من الضمير في "كاذبة"، أو في "وقعت". وإصلاحه أن نقول: أو فاعل "وقعت"؛ إذ لا ضمير في "وقعتْ". وقال ابن عطية وأبو الفضل: من "الواقعة". ثم قرّرا مجيء الحال متعددة من ذي حال واحدة، كما تجيء الأخبار متعددة. وقد تقدم بيانه. وقال أبو الفضل: "وإذا جعلت هذه كلها أحوالاً، كان العامل في "إذا وقعت" محذوفاً يدل عليه الفحوى، أي: إذا وقعت يحاسبون". فصل في معنى الآية قال المفسرون: {إذا وقعت الواقعة} أي: إذا قامت القيامة، والمراد: النَّفخة الأخيرة، وسميت الواقعة لأنها تقعُ عن قرب. وقيل: لكثرة ما يقع فيها من الشَّدائد. قال الجرجاني: "إذا" صلة، أي: وقعت الواقعة، كقوله: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ} تفسير : [القمر: 1] {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 1] وهو كما يقال: جاء الصوم، أي: دنا واقترب. وقال القرطبي: فيه إضمار، أي: اذكر إذا وقعت، وعلى هذا "إذا" للتَّوقيت، والجواب قوله: {أية : فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} تفسير : [الواقعة: 8]. وقال ابن الخطيب: أو يكون التقدير: إذا وقعت الزلزلة الواقعة يعترف بها كل أحد، ولا يتمكّن أحد من إنكارها. و {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ}. "الكاذبة": مصدر بمعنى الكذب، والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر كقوله تعالى: {أية : لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً} تفسير : [الغاشية: 11] أي: لغو، والمعنى: ليس لها كذب. قاله الكسائي. ومنه قول العامة: عائذاً بالله، أي: معاذ الله، وقُمْ قائماً، أي: قم قياماً. وقيل: الكاذبة: صفة، والموصوف محذوف، أي: ليس لوقعتها حال كاذبة أو نفس كاذبة، أي كل من يخبر عن وقعتها صادق. وقال الزجاج: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} أي: لا يردها شيء. ونحوه قول الحسن وقتادة. وقال الثوري: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل: إن قيامها جدّ لا هزل فيه. وقوله: {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ}. قال عكرمة ومقاتل والسدي: خفضت الصوت فأسمعت من دنا، ورفعت من نأى، يعنى أسمعت القريب والبعيد. وعن السّدي: خفضت المتكبرين ورفعت المستضعفين. وقال قتادة: خفضت أقواماً في عذاب الله، ورفعت أقواماً إلى طاعة الله. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خفضت أعداء الله في النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة. وقال ابن عطاء: خفضت أقواماً بالعدل، ورفعت أقواماً بالفضل. والرفع والخفض يستعملان عند العرب في المكان والمكانة والعزّ والمهانة، ونسب سبحانه وتعالى الرفع والخفض إلى القيامة توسعاً ومجازاً على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى المحل والزمان وغيرهما مما لم يمكن منه الفعل، يقولون: ليلٌ قائم، ونهار صائم. وفي التنزيل: {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} تفسير : [سبأ: 33]. والرافع والخافض في الحقيقة هو الله تعالى. و "اللام" في قوله "لوقعتها" إما للتعليل، أي لا تكذب نفس في ذلك اليوم لشدة وقعتها. وإما للتعدية، كقولك: "ليْسَ لزيد ضارب" فيكون التقدير: إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها امرؤ يوجد لها كاذب يكذب إذا أخبر عنه. قال ابن الخطيب: وعلى هذا لا يكون "ليس" عاملاً في "إذا" وهو بمعنى "ليس" لها كاذب.
البقاعي
تفسير : لما صنف سبحانه الناس في تلك إلى ثلاث أصناف: مجرمين وسابقين ولاحقين، وختم بعلة ذلك وهو أنه ذو الانتقام والإكرام، شرح أحوالهم في هذه السورة وبين الوقت الذي يظهر فيه إكرامه وانتقامه بما ذكر في الرحمن غاية الظهور فقال بانياً على ما أرشده السياق إلى أن تقديره: يكون ذلك كله كوناً يشترك في علمه الخاص والعام: {إذا وقعت الواقعة *} أي التي لا بد من وقوعها ولا واقع يستحق أن يسمى الواقعة بلام الكمال وتاء المبالغة غيرها، وهي النفخة الثانية التي يكون عنها البعث الأكبر الذي هو القيامة الجامعة لجميع الخلق للحكم بينهم على الانفراد الظاهر الذي لا مدعى للمشاركة فيه بوجه من الوجوه، ويجوز أن يكون {إذا} منصوباً بالمحذوف لتذهب النفس فيه كل مذهب، فيكون أهول أي إذا وقعت كانت أموراً يضيق عنها نطاق الحصر. ولما كان هذا معناه الساعة التي أبرم القضاء بأنه لا بد من كونها، عبر عنه بانياً على مبتدأ محذوف فقال: {ليس لوقعتها} أي تحقق وجودها {كاذبة *} أي كذب فهي مصدر عبر عنه باسم الفاعل للمبالغة بأنه ليس في أحوالها شيء يمكن أن ينسب إليه كذب ولا يمشي فيها كذب أصلاً ولا يقر عليه، بل كل ما أخبر بمجيئه جاء من غير أن يرده شيء، وكل ما أخبر بنفيه انتفى فلا يأتي به شيء، وقرر عظمتها وحقق بعث الأمور فيها بقوله مخبراً عن مبتدأ محذوف: {خافضة} أي هي لمن يشاء الله خفضه من عظماء أهل النار وغيرهم مما يشاؤه من الجبال وغيرها إلى أسفل سافلين {رافعة *} أي لضعفاء أهل الجنة وغيرهم من منازلهم وغيرها مما يشاؤه إلى عليين، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه. ولما كان في هذا من الهول ما يقطع القلوب الواعية أكده بقوله وزاد ما يشاء منه أيضاً بقوله مبدلاً من الظرف الأول بعض ما يدخل في الرفع والخفض: {إذا رجت الأرض} أي كلها على سعتها وثقلها بأيسر أمر {رجاً *} أي زلزلت زلزالاً شديداً بعنف فانخفضت وارتفعت ثم انتفضت بأهلها انتفاضاً شديداً، قال البغوي: والرج في اللغة التحريك. ولما ذكر حركتها المزعجة، أتبعها غايتها فقال: {وبست الجبال} أي فتتت على صلابتها وعظمها بأدنى إشارة وخلط حجرها بترابها حتى صار شيئاً واحداً، وصارت كالعهن المنفوش، وسيرت وكانت تمر مرّ السحاب {بساً * فكانت} أي بسبب ذلك {هباء} غباراً هو في غاية الانمحاق، وإلى شدة لطافته أشار بصيغة الانفعال فقال: {منبثاً *} أي منتشراً متفرقاً بنفسه من غير حاجة إلى هواء يفرقه فهو كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل في كوة. ولما ذكر غاية مبادئها المرجفة المرهبة، ذكر مبادئ غاياتها فقال: {وكنتم} أي قسمتم بما كان في جبلاتكم وطباعكم في الدنيا {أزواجاً ثلاثة *} أي أصنافاً لا تكمل حكمة صنف منها إلا بكونها قسمين: أعلى ودونه، ليكون ذلك أدل على تمام القدرة وهم أصحاب الميمنة المنقسمين إلى سابقين وهم المقربون، وإلى لاحقين وهم الأبرار أو أصحاب اليمين، وكأنهم من أولي القلب الذي هو العدل السواء من أصحاب المشأمة إلى آخر أصحاب الميمنة فأصحاب السواء هم المقربون، وبقية أصحاب الميمنة أصحاب اليمين، وأصحاب المشأمة هم أصحاب القسم الثالث، وكل من الثلاثة ينقسم إلى أعلى ودونه، وقد تبينت الأقسام الثلاثة آخر السورة، قال البيضاوي: وكل صنف يكون أو يذكر مع صنف آخر زوج. ولما قسمهم إلى ثلاثة أقسام وفرع تقسيمهم، ذكر أحوالهم وابتدأ ذلك بالإعلام بأنه ليس الخبر كالخبر كما أنه ليس العين كالأثر فقال: {فأصحاب الميمنة *} أي جهة اليمين وموضعها وأعمالها، ثم فخم أمرهم بالتعجيب من حالهم بقوله منبهاً على أنهم أهل لأن يسأل عنهم فيما يفهمه اليمين من الخير والبركة فكيف إذا عبر عنها بصيغة مبالغة فقال: {ما} وهو مبتدأ ثان {أصحاب الميمنة *} أي جهة اليمين وموضعها وأعمالها، والجملة خبر عن الأولى، والرابط تكرار المبتدأ بلفظه، قال أبو حيان رحمه الله تعالى: وأكثر ما يكون ذلك في موضع التهويل والتعظيم. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم الإعذار في السورتين المتقدمتين والتقرير على عظيم البراهين، وأعلم في آخر سورة القمر أن كل واقع في العالم فبقضائه سبحانه وقدره{أية : إنا كل شيء خلقناه بقدر}تفسير : [القمر: 49]{أية : وكل شيء فعلوه في الزبر} تفسير : {القمر: 52] وأعلمهم سبحانه في الواقعة بانقسامهم الأخروي فافتتح ذكر الساعة {إذا وقعت الواقعة} إلى قوله {وكنتم أزواجاً ثلاثة} فتجردت هذه السورة للتعريف بأحوالهم الأخروية، وصدرت بذلك كما جرد في هذه السورة قبل التعريف بحالهم في هذه الدار، وما انجر في السور الثلاث جارياً على غير هذا الأسلوب فبحكم استدعاء الترغيب والترهيب لطفاً بالعباد ورحمة ومطالعها مبنية على ما ذكرته تصريحاً لا تلويحاً، وعلى الاستيفاء لا بالإشارة والإيماء، ولهذا قال تعالى في آخر القصص الأخراوية في هذه السورة: {هذا نزلهم يوم الدين} فأخبر أن هذا حالهم يوم الجزاء وقد قدم حالهم الدنياوي في السورتين قبل وتأكيد التعريف المتقدم فيما بعد، وذلك قوله {فأما إن كان من المقربين} إلى خاتمتها - انتهى. ولما ذكر الناجين بقسميهم، أتبعهم أضدادهم فقال: {وأصحاب المشأمة} أي جهة الشؤم وموضعها وأعمالها، ثم عظم ذنبهم فقال: {ما أصحاب المشأمة} أي لأنهم أهل لأن يسأل عما أصابهم من الشؤم والشر والسوء بعظيم قدرته التي ساقتهم إلى ما وصلوا إليه من الجزاء الذي لا يفعله بنفسه عاقل بل ولا بهيمة مع ما ركب فيهم من العقول الصحيحة والأفكار العظيمة وصان الأولين عن خذلان هؤلاء فأوصلهم إلى النعيم المقيم. ولما ذكر القسمين، وكان كل منهما قسمين، ذكر أعلى أهل القسم الأول ترغيباً في أحسن حالهم ولم يقسم أهل المشأمة ترهيباً من سوء مآلهم فقال: {والسابقون} أي إلى أعمال الطاعة أصحاب الجنتين الأوليين في الرحمان وهم أصحاب القلب {السابقون *} أي هم الذين يستحقون الوصف بالسبق لا غيرهم لأنه منزلة أعلى من منزلتهم فلذلك سبقوا إلى منزلتهم وهي جنتهم وهم قسمان كما يأتي عن الرازي، وعن المهدوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سألوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم ". تفسير : ولما بين علو شأنهم ونسب السبق إليهم، ترجمه نازعاً للفعل منهم بقوله: {أولئك} أي العالو الرتبة جداً من الذين هم أصحاب الميمنة {المقربون *} أي الذين اصطفاهم الله تعالى للسبق فأرادهم لقربه أو أنعم عليهم بقربه ولولا فعله في تقريبهم لم يكونوا سابقين، قال الرازي في اللوامع: المقربون تخلصوا من نفوسهم فأعمالهم كلها لله ديناً ودنيا من حق الله وحق الناس، وكلاهما عندهم حق الله، والدنيا عندهم آخرتهم لأنهم يراقبون ما يبدو لهم من ملكوته فيتلقونه بالرضا والانقياد، وهم صنفان فصنف قلوبهم في جلاله وعظمته هائمة قد ملكتهم هيبتهم فالحق يستعملهم، وصنف آخر قد أرخى من عنانه، فالأمر عليه أسهل لأنه قد جاور بقلبه هذه الحطة ومحله أعلى فهو أمين الله في أرضه، فيكون الأمر عليه أسهل لأنه قد جاوز - انتهى. ثم بين تقريبه لهم بقوله: {في جنات النعيم *} أي الذي لا نعيم غيره لأنه لا كدر فيه بوجه ولا منغص، والصنف الآخر منهم المتقربون والمتشاققون من أصحاب المشأمة، أولئك المغضوب عليهم المبعودون، ومن دونهم الضالون البعيدون وهم أصحاب الشمال. ولما ذكر السابقين فصلهم فقال: {ثلة} أي جماعة كثيرة حسنة، وقال البغوي: والثلة جماعة غير محصورة العدد، {من الأولين *} وهم الأنبياء الماضون عليهم الصلاة والسلام، ومن آمن بهم من غير واسطة رضي الله عنهم {وقليل من الآخرين *} وهم من آمن بمحمد - عليه الصلاة والسلام - كذلك بغير واسطة رضي الله عنهم، فقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مائة ألف ونيفاً وعشرين ألفاً، وكان من خرج مع موسى عليه السلام من مصر وهم من آمن به من الرجال المقاتلين ممن هو فوق العشرين ودون الثمانين وهم ستمائة ألف فما ظنك بمن عداهم من الشيوخ ومن دون العشرين من التابعين والصبيان ومن النساء، فكيف بمن عداه من سائر النبيين عليهم الصلاة والسلام. المجددين من بني إسرائيل وغيرهم، وقيل "الثلة والقليل كلاهما من هذه الأمة"، رواه الطبراني وابن عدي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه أبان بن أبي عياش وهو متروك ورواه إسحاق بن راهويه مسدد بن مسرهد وأبو داود الطيالسي وإبراهيم الحربي والطبراني من رواية علي بن زيد وهو ضعيف عن عقبة بن صهبان عن أبي بكرة رضي الله عنه مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف أولى بالصواب، وتطبيقه على هذه الأمة سواء كان مرفوعاً أو موقوفاً صحيح لا غبار عليه، فتكون الصحابة رضي الله عنهم كلهم من هذه الثلة وكذا من تبعهم بإحسان إلى رأس القرن الثالث وهم لا يحصيهم إلا الله تعالى، ومن المعلوم أنه تناقص الأمر بعد ذلك إلى أن صار السابق في الناس أقل من القليل لرجوع الإسلام إلى الحال الذي بدأ عليها من الغربة"حديث : بدأ الإسلام غريباً وسيكون غريباً فطوبى للغرباء"تفسير : ويجوز أن يقدر أيضاً: وثلة - أي جماعة كثيرة هلكى - من الأولين، وهم المعاندون من الأمم الماضين، وقليل من الآخرين - وهم المعاندون من هذه الأمة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت سورة الواقعة بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس والحرث بن أبي أسامة وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:حديث : سورة الواقعة سورة الغنى فاقرأوها وعلموها أولادكم ". تفسير : وأخرج الديلمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : علموا نساءكم سورة الواقعة فإنها سورة الغنى ". تفسير : وأخرج أبو عبيد عن سليمان التيمي قال: قالت عائشة للنساء: لا تعجز إحداكن أن تقرأ سورة الواقعة. وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والطبراني في الأوسط عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من السور. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: "حديث : ألظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الواقعة والحاقة وعم يتساءلون والنازعات وإذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت فاستطار فيه الفقر فقال له أبو بكر: قد أسرع فيك الفقر، قال: شيبتني هود وصواحباتها هذه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إذا وقعت الواقعة} قال: يوم القيامة {ليس لوقعتها كاذبة} قال: ليس لها مرد يرد {خافضة رافعة} قال: تخفض ناساً وترفع آخرين. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {خافضة رافعة} قال: أسمعت القريب والبعيد. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عثمان بن سراقة عن خاله عمر بن الخطاب في قوله: {خافضة رافعة} قال: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن محمد بن كعب في قوله: {خافضة رافعة} قال: تخفض رجالاً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالاً كانوا في الدنيا منخفضين. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: {خافضة رافعة} قال: خفضت المتكبرين، ورفعت المتواضعين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: {إذا وقعت الواقعة} قال: نزلت {ليس لوقعتها كاذبة} قال: مثنوية {خافضة رافعة} قال: خفضت قوماً في عذاب الله ورفعت قوماً في كرامة الله {إذا رجت الأرض رجّاً} قال: زلزلت زلزلة {وبست الجبال بسّاً} قال: حتت حتّاً {فكانت هباء منبثاً} كيابس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالاً. وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم في قوله: {خافضة رافعة} قال: من انخفض يومئذ لم يرتفع ابداً، ومن ارتفع يومئذ لم ينخفض ابداً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {إذا رجت الأرض رجّاً} قال: زلزلت {وبست الجبال بسّاً} قال: فتت {فكانت هباء منبثاً} قال: كشعاع الشمس. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إذا رجت الأرض رجّاً} يقول: ترجف الأرض تزلزل {وبست الجبال بسّاً} يقول: فتت فتاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: {إذا رجت الأرض رجّاً} قال: زلزلت {وبست الجبال بسّاً} قال: فتتت. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فكانت هباء منبثاً} قال: الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منها الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {فكانت هباء منبثاً} قال: الهباء يثور مع شعاع الشمس، وانبثاثه تفرقه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: الهباء المنبث رهج الذوات، والهباء المنثور غبار الشمس الذي تراه في شعاع الكوّة. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك في قوله: {هباء منبثاً} قال: الغبار الذي يخرج من الكوة مع شعاع الشمس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: {هباء منبثاً} قال: الشعاع الذي يكون في الكوّة. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: {هباء منبثاً} قال: هو الذي تراه في الشمس إذا دخلت من الكوة إلى البيت.
ابو السعود
تفسير : مكية وهي ست وتسعون آية {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} أيْ إذَا قامتِ القيامةُ، وذلكَ عندَ النفخةِ الثانيةِ. والتعبـيرُ عنها بالواقعةِ للإيذانِ بتحققِ وقوعِها لا محالةَ كأنَّها واقعةٌ في نفسِها معَ قطعِ النظرِ عن الوقوعِ الواقعِ في حيزِ الشرطِ كأنَّه قيلَ كانتِ الكائنةُ وحدثتِ الحادثةُ. وانتصابُ إذَا بمضمرٍ ينبىءُ عن الهولِ والفظاعةِ، كأنَّه قيلَ إذَا وقعتِ الواقعةُ يكونُ من الأهوالِ ما لا يفي به المقالُ، وقيلَ بالنَّفي المفهومِ من قولِه تعالى: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} أيْ لا يكونُ عندَ وقوعِها نفسٌ تكذبُ على الله تعالَى أو تكذبُ في نفيها كما تكذبُ اليومَ واللامُ كهيَ في قولِه تعالى: { أية : يٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى} تفسير : [سورة الفجر، الآية 24] وهذهِ الجملةُ على الوجهِ الأولِ اعتراضٌ مقررٌ لمضمونِ الشرطِ على أنَّ الكاذبةَ مصدرٌ كالعافيةِ أي ليسَ لأجلِ وقعتِها وفي حقِّها كذبٌ أصْلاً بلْ كلُّ ما رودَ في شأنِها من الأخبارِ حقٌّ صادقٌ لا ريبَ فيهِ. وقوله تعالى: {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أيْ هيَ خافضةٌ لأقوامٍ رافعةٌ لآخرينَ وهو تقريرٌ لعظمتِها وتهويلٌ لأمرِها، فإنَّ الوقائعَ العظامِ شأنُها كذلكَ، أو بـيانٌ لمَا يكونُ يومئذٍ من حطِّ الأشقياءِ إلى الدركاتِ، ورفعِ السعداءِ إلى الدرجاتِ، ومن زلزلةِ الأشياءِ وإزالةِ الأجرامِ عن مقارِّها بنثرِ الكواكبِ وإسقاطِ السماءِ كسفاً وتسيـيرِ الجبالِ في الجوِّ كالسحابِ. وتقديمُ الخفضِ على الرفعِ للتشديدِ في التهويل. وقُرِىءَ خافضةً رافعةً بالنصبِ على الحالِ من الواقعةِ. وقولُه تعالَى: {إِذَا رُجَّتِ ٱلأًرْضُ رَجّاً} أيْ زلزلتْ زلزالاً شديداً بحيثُ ينهدمُ ما فوقَها من بناءٍ وجبلٍ، متعلقٌ بخافضةٌ رافعةٌ أي تخفضُ وترفعُ وقتَ رجِّ الأرضِ إذْ عندَ ذلكَ ينخفضُ ما هُو مرتفعٌ ويرتفعُ ما هو منخفضٌ، أو بدلٌ منْ إذَا وقعتِ. {وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً} أيْ فُتِّتتْ حتَّى صارتْ مثلَ السويقِ الملتوتِ من بسَّ السويقَ إذا لتَّه أو سِيقتْ وسيرتْ من أماكنِها من بسَّ الغنَم إذَا ساقَها كقولِه تعالَى {أية : وسُيرتِ الجبالُ} تفسير : [سورة النبأ، ، الآية 20]. وقُرِىءَ رُجتْ وبُستْ أيْ ارتجتْ وذهبتْ.
السلمي
تفسير : قال سهل: إذا ظهر لكل سالك بيان سلوكه فمن كان سلوكه على منهاج النبوة والاقتداء قاده ذلك إلى منهاج الحق ومن كان سلوكه على الظن والحسبان قاده ذلك إلى منهاج الباطل. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: إذا تبين مراد المريد من مراده.
القشيري
تفسير : إذا قامت القيامة لا يردُّها شيءٌ. {كَاذِبَةٌ} ها هنا مصدر: كالعافية، والعاقبة: أي: هي حقَّةٌ لا يردها شيءٌ، وليس في وقوعها كذب. ويقال: إذا وقعت الواقعة فَمَنْ سَلَكَ منهاج الصحة والاستقامة وَصَلَ إلى السلامة ولقي الكرامة، ومَنْ حادَ عن نهج الاستقامة وَقَعَ في الندامة والغرامة، وعند وقوعها يتبين الصادق من المماذق: شعر : إذا اشتبكت دموعٌ في خدودٍ تَبَيَّنَ مَنْ بكى مِمَّن تباكى
البقلي
تفسير : واقعة كل صاحب قلب حين وقعت عليه انوار المعارف والكواشف من مكامن الغيب حين اراد الحق جذب قلبه بمباشرة وارد مشاهدته فتلك ساعة المعارف واقعة القيامة يستشرف بنوره قبل مجيئها على امورها الغيبية فاذا وقعت عليهم والواقعة سلبتهم من حظوظ الدنيا وطلبها ولذة هواها وزينتها وذهبت بهم الى مراد الحقيقة هناك تبين مسالك كل صادق ومهالك كل مدع قال سهل اذا ظهر لكل سالك بيان سلوكه فمن كان سلوكه على منهاج السنة والاقتداء قاده ذلك ان مناهج الباطل وقال ابن عطا اذا تبين مراد المريد من مراده.
اسماعيل حقي
تفسير : {اذا وقعت الوقعة} انتصاب اذا بمضمر اى اذا قامت القيامة وحدثت وذلك عند النفخة الثاينة يكون من الاهوال مالا يفى به المقال سماها واقعة مع ان دلالة اسم الفاعل على الحال والقيامة مما سيقع فى الاستقبال لتحقق وقوعها ولذا اختير اذا وصيغة الماضى فالواقعة من اسماء الله القيامة كالصاخة والطامة والآزفة
ابن عجيبة
تفسير : قال ابن عطية: رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : مَن داوم على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبداً"تفسير : ، ودعا عثمانُ عبدَ الله بنَ مسعود إلى عطائه، فأبى أن يأخذ، فقيل له: خُذ للعيال، فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، وسمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : مَن قرأها لم يفتقر أبداً"تفسير : . قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفَهْمُ ذلك غِنىً لا فقر معه، ومَن فهِمه شُغل بالاستعداد. هـ. وقال مسروق: مَن أراد أن يعلم نبأ الأولين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا والآخرة؛ فليقرأ سورة الواقعة. هـ. يقول الحق جلّ جلاله: {إِذا وَقَعت الواقعةُ} إذا قامت القيامة، وذلك عند النفخة الثانية، ووُصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنها واقعة في نفسها، كأنه قيل: أذا وقعت التي لا بُدّ من وقوعها. ووقوع الأمر: نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه، وانتصاب {إذا} بمضمر يُنبئ عن الهول والفظاعة، كأنه قيل: إذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال ما لا يَفي به المقال، أو: بالنفي المفهوم من قوله: {ليس لِوقعتها كاذبةٌ} أي: لا كذب وقت وقوعها، أو: باذكر، أو: بمضمون السورة قبلها، أي: يكون ما ذكر من نعِيم الفريقين إذا وقعت الواقعة، ثم استأنف بقوله: {ليس لوقعتها كاذبةٌ} أي: لا يكون عند وقوعها نَفْسٌ تَكذب على الله، أو: تكذب في نفسها كما تكذب اليوم، لأنَّ كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدّقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذّبات، واللام مثلها في قوله:{أية : قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى}تفسير : [الفجر: 24]، أي: ظرفية، أي: ليس عند وقوعها كذب، أو: تعليلية، قال الفراء: {كاذبة}: مصدر، كالعاقبة والعالية، وقيل: صفة لمحذوف، كما تقدّم. {خافضةٌ رافعةٌ} أي: هي خافضة لأقوام، رافعة لآخرين، وهو تقرير لِعظمها وتهويل لأمرها، فإنَّ الوقائع العِظام شأنها كذلك، أو: بيان لِما يكون يومئذ من حَطّ الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها، بنثر الكواكب وتسيير الجبال، كما أبان ذلك بقوله: {إِذا رُجَّتِ الأرضُ رجّاً}: حُرِّكت تحريكاً شديداً حتى تهدِم كلَّ شيء فوقها، من جبل وبناء، وهو متعلق بخافضه، أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، أي: عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض، أو: بدل من: {إذا وقعت}، وجواب الشرط: {فأصحاب الميمنة}، والمعنى: إذا كان كذا فأصحاب الميمنة ما أسعدهم، وما أعظم ما يُجازون به، وما أعظم رتبتهم عند الله في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وتقديم الخفض على الرفع للتشديد في التهويل. {وبُسَّتِ الجبالُ بسًّا} أي: فُتنت حتى صارت كالسويق الملتّت، من: بسَّ السويق: إذا لتّه، أو: سِيقت وسُيّرت عن أماكنها، من: بسّ الغنم: إذا ساقها، كقوله تعالى: {أية : وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ}تفسير : [النبأ: 20]. {فكانت} أي: فصارت بسبب ذلك؛ {هباءً} غباراً {مُنبثاً} منتشراً متفرقاً في الهواء، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يُرى إلاّ في الشمس إذا دخلت في كُوة، {وكنتم} معاشر الخلق، أو: أيتها الأُمة {أزواجاً} أصنافاً {ثلاثة} صنفان في الجنة، وصنف النار، قال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة. ثم فسّر تلك الأزواج، فقال: {فأصحابُ الميمنة} وهم الذي يؤتون صحائفهم بأيمانهم {ما أصحابُ الميمنة}، تعظيم لشأنهم، و"ما": استفهام تعجب مبتدأ، و"أصحاب": خبر، والجملة: خبر المتبدأ الأول، والأصل: فأصحاب الميمنة ما هم؟ أي: أيّ شيء هم في حالهم وصفتهم؟ فوضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم، ومثله:{أية : الْحَآقَّةُ مَا الْحَآقَّةُ}تفسير : [الحاقة: 1، 2] ونظائرها. {وأصحابُ المشئمةِ} أي: الذين يُؤتون صحائفهم بشمالهم {ما أصحابُ المشئمة} أي: أيّ شيء هم؟! تعجيب من حالهم الفظيع، أو: فأصحاب المنزلة السنية؛ وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، من قولك: فلان مِني باليمين، وفلان مِني بالشمال؛ إذا وصفتهما عندك بالرفعة والوضعة، وذلك لتيمُّنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، وقيل: يُؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأل النار ذات الشمال. وقال القشيري: أصحاب الميمنة: هم الذين في جانب اليمين من آدم وقت ذرَّ الذرية من صُلبه، وأصحاب المشئمة الذين كانوا في جانب شماله. هـ. قلت: وكذلك رآهم النبي - عليه الصلاة والسلام - ليلة المعراج. {والسابقون السابقون} مبتدأ وخبر، على معنى تعظيم الأمر وتفخيمه؛ لأنّ المبتدأ إذا أُعيد بنفسه خبراً دلَّ على التفخيم، كقوله الشاعر: شعر : أنا أبو النَّجْمِ وشِعْري شِعْري تفسير : والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالُهم، وعُرفت محاسنهم، أو: والسابقون إلى الخيرات هم السابقون إلى الجنات، وقال أبو السعود: الذي تقتضيه جزالة النظم أنَّ "أصحاب الميمنة": خبر مبتدأ محذوف، وكذا قوله تعالى: {والسابقون} فإنَّ المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام، وأمّا أوصافها وأحوالها فحقها أن تُبين بعد ذلك بإسنادها إليه، والتقدير: فأحدها أصحاب الميمنة، والآخر أصحاب المشئمة، والثالث السابقون. ثم أطال الكلام في ذلك، فانظره. واختُلف في تعيينهم، فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان، وإيضاحه، عند ظهور الحق من غير تلعثم ولا توان، وقيل: الذين سبقوا في حيازات الفضائل والكمالات، وقيل: هم الذي صلُّوا إلى القبلتين، كما قال تعالى: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ}تفسير : [التوبة: 100] وقيل: السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات. والتحقيق: أنهم السابقون إلى الله بالمجاهدة والمكابدة، حتى أفضوا إلى مقام المشاهدة، وهو مقام الإحسان. {أولئك المقرَّبون} أشار إليهم بإشارة البُعد مع قُرب العهد؛ للإيذان ببُعد منزلتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك السابقون إلى الله هم المقربون إلى الله في الكرامة والتعظيم، الذي تلي درجاتهم درجات الأنبياء، وهم {في جنات النعيم} أي: ذات التنعُّم، فتَصْدق بالفردوس، التي هي مسكن المقربين، وإنما أخَّر ذكر السابقين مع كونهم أحق بالتقدُّم في الذكر؛ ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، ويتخلّص إلى ذكر نعيمهم الآتي، على أنّ إيرادهم بعنوان المسبق مطلقاً مُعْرِبٌ عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الأمور. الإشارة: إذا وقعت الحقيقة المتوقعة للمتوجهين؛ كان من العلوم والأسرار ما لا تُحيط به عامة الأفكار، ووقوع الحقيقة: برزوها معهم، وإشراق أنوارها على قلوبهم، فتفنى الكائنات وتضمحل الرسوم والإشارات، ويبقى الحيّ القيوم وحده، كما كان وحده، ليس لوقعتها كاذبة؛ لا كذب في وقوعها، ولا شك في إظهارها على مَن توجه إليها، وصَحِبَ أهلها، وحطّ رأسه لأربابها، وامتثل كل ما يأمرونه به، خافضة لمن توجه إليها، وَوَصَلَ لأنوارها، وتحقق بأسرارها. يعني: هكذا شأنها في الجملة، تخفض قوماً وترفع آخرين، وإنما تقع لمَن توجه إليها إذا رُجت أرض النفوس منه رجّاً، أي: تحركت واضطربت، بمنازلة الأحوال، وارتكاب الشدائد والأهوال، وتوالي الأذكار، والاضطراب في الأسفار، فإنَّ كُمون سرها في الإنسان كَكمُون الزبد في اللبن، فلا بد من مخضه لاستخراج زُبده. وبُست جبال العقل منه بسّاً، فكانت هباءً مُنبثاً؛ لأنّ نور العقل يتغطّى بنور شمس العرفان، ويضمحل كما يضمحل نور القمر إذا طلعت الشمس، وكنتم أيها الطالبون المتوجهون أصنافاً ثلاثة: قومٌ توجهوا إليها، ثم قنعوا بما برز لهم من شعاع أنوارها، وهم عامة المتوجهين. وقوم استشرفوا عليها فلم يطيقوا أنوارها، فرجعوا القهقرى، وهم أهل الحرمان، من أهل المشأمه. وقوم أدركوها، وتحققوا بها ذوقاً وكشفاً، ففنوا وبقوا، سَكروا وصحوا، وهم السابقون المقربون في جنات المعارف، ونعيم الشهود، أبداً سرمداً، جعلنا من خواصهم آمين، وسيأتي إن شاء الله في آخر السورة تحقيق الفرق بين المقربين وأصحاب اليمين. ثم بيَّن تعالى كثرة السابقين وقتلهم باعتبار الزمان، فقال: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ}.
الطوسي
تفسير : ست عشرة آية كوفي، وسبع عشرة آية بصري وشامي، وثمان عشرة آية حجازى، عد الكل {وأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة} ولم يعده الكوفيون. وعد الحجازيون والكوفيون {موضونة} ولم يعده الباقون. {إذا} متعلقة بمحذوف، وتقديره إذكروا {إذا وقعت الواقعة} قال المبرد: إذا وقعت معناه إذا تقع، وإنما وقع الماضي - هٰهنا - لأن (إذا) للاستقبال ومعناه إذا ظهرت القيامة وحدثت. والوقوع ظهور الشيء بالحدوث، وقع يقع وقوعاً فهو واقع، والانثى واقعة (وإذا) تقع للجزاء {ليس لوقعتها كاذبة} معناه قال الفراء ليس لها مردودة ولا رد. وقيل: ليس لوقعتها قضية كاذبة فيها، لاخبار الله تعالى بها ودلالة العقل عليها، وقال قوم: معناه ليس لها نفس كاذبة في الخبر بها. وقيل: الكاذبة - هٰهنا - مصدر مثل العاقبة والعافية. وقال الضحاك: القيامة تقع بصيحة عند النفخة الثانية. وقوله {خافضة رافعة} قيل: تخفيض قوماً بالمعصية وترفع قوماً بالطاعة، لانها إنما وقعت للمجازاة، فالله تعالى يرفع أهل الثواب ويخفض أهل العقاب، فهو مضاف إلى الواقعة على هذا المعنى. وقال الحسن: تخفض أقواماً إلى النار، وترفع أقواماً إلى الجنة. والقراء: كلهم على رفع خافضة بتقدير هي خافضة رافعة. وقرأه الترمذى في اختياره بالنصب على الحال، وتقديره إذا وقعت الواقعة تقع خافضة رافعة على الحال. وقوله {إذا رجت الأرض رجاً} معناه زلزلت الارض زلزالا - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - والزلزلة الحركة باضطراب وإهتزاز، ومنه قولهم: ارتج السهم عند خروجه عن القوس. وقيل: ترتج الأرض بمعنى أنه ينهدم كل بناء على الارض. وقوله {وبست الجبال بساً} معناه فتت فتاً - في قول ابن عباس ومجاهد وابي صالح والسدى - وهو كما يبس السويق أى يلت. والبسيس السويق او الدقيق يلت ويتخذ زاداً. وقال لص من غطفان: شعر : لا تخبزاً خبزاً وبسا بسا ولا تطيلا مناخ حبسا تفسير : وقال الزجاج: يجوز أن يكون معنى بست سيفت وأنشد: شعر : وانبس حيات الكيثب الأهيل تفسير : وقوله {فكانت هباء منبثاً} فالهباء غبار كالشعاع فى الرقة، وكثيراً ما يخرج مع شعاع الشمس من الكوة النافذة، فسبحان الله القادر على أن يجعل الجبال بهذه الصفة. والانبثات افتراق الاجزاء الكثيرة فى الجهات المختلفة، فكل أجزاء أنفرشت بالتفرق فى الجهات فهي منبثة، وفى تفرق الجبال على هذه الصفة عبرة ومعجزة لا يقدر عليها إلا الله تعالى. وقوله {وكنتم أزواجاً ثلاثة} معناه كنتم أصنافاً ثلاثة، كل صنف يشاكل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة، ولذلك قيل على هذه المزاوجة: قد زاوج بين الكلامين أي شاكل بينهما. وقوله {فأصحاب الميمنة} يعني أصحاب اليمن والبركة والثواب من الله تعالى. وقوله {ما أصحاب الميمنة} بصورة الاستفهام، والمراد تعظيم شأنهم فى الخبر عن حالهم {وأصحاب المشأمة} معناه الشؤم والنكد وعقاب الابد. وقوله {ما أصحاب المشأمة} على تعظيم شأنهم فى الشر وسوء الحال. وقيل: أصحاب الميمنة هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وأصحاب المشأمة الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، وخبر (أصحاب الميمنة) ما أصحاب الميمنة، كأنه قيل: أي شيء هم؟ وفيه تعجيب عن حالهم. وقيل: أصحاب اليمين هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، وأصحاب الشمال الذين يأخذون كتبهم بشمالهم. وقوله {والسابقون السابقون} معناه الذين سبقوا إلى اتباع الانبياء فصاروا أئمة الهدى. وقيل: السابقون إلى طاعة الله السابقون إلى رحمته، والسابقون إلى الخير إنما كانوا أفضل لأنهم يقتدى بهم فى الخير ويسبقوا إلى أعلى المراتب قبل من يجيء بعدهم فلهذا تميزوا من التابعين بما لا يلحقونهم به ولو اجتهدوا كل الاجتهاد والسابقون الثاني يصلح أن يكون خبراً عن الاول، كأنه قال: والسابقون الأولون فى الخير، ويصلح أن يكون {أولئك المقربون} وقوله {أولئك المقربون} معناه الذين قربوا من جزيل ثواب الله وعظيم كرامته بالأمر الأكثر الذي لا يبلغه من دونهم فى الفضل. والسابقون إلى الطاعات يقربون إلى رحمة الله فى أعلا المراتب وأقربها إلى مجالس كرامته بما يظهر لأهل المعرفة منزلة صاحبه فى جلالته ويصل بذلك السرور إلى قلبه، وإنما قال {في جنات النعيم} مع أنه معلوم من صفة المقربين، لئلا يتوهم أن التقريب يخرجهم إلى دار أخرى، وإنما هم مقربون من كرامة الله فى الجنة لأنها درجات ومنازل بعضها أرفع من بعض. والفرق بين النعيم والنعمة أن النعمة تقتضي شكر المنعم من أنعم عليه نعمة وانعاماً، والنعيم من نعم نعيماً كقولك أنتفع انتفاعاً. وقوله {ثلة من الأولين} فالثلة الجماعة. وأصله القطعة من قولهم: ثل عرشه إذا قطع ملكه بهدم سريره. والثلة القطعة من الناس، وقال الزجاج: الثل القطع، والثلة كالفرقة والقطعة. وهو خبر ابتداء محذوف، وتقديره: هم ثلة من الأولين، وهم قليل من الاخرين. وقوله {وقليل من الآخرين} إنما قال ذلك لأن الذين سبقوا إلى إجابة النبي صلى الله عليه وآله قليل من كثير ممن سبق إلى النبيين. وقوله {على سرر موضونة} فالموضونة المنسوجة المداخلة كصفة الدرع المضاعفة قال الاعشى: شعر : ومن نسج داود موضونة تساق إلى الحي عيراً فعيرا تفسير : ومنه (وضين الناقة) وهي البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً وقيل: موضونة مشبكة بالذهب والجوهر، وقال ابن عباس ومجاهد: موضونة بالذهب وقال عكرمة: مشبكة بالدر، وقال ابن عباس - فى رواية أخرى - موضونة معناه مظفورة، والوضين حبل منسوج من سيور. وقوله {متكئين عليها متقابلين} معناه مستندين متحاذيين كل واحد بازاء الآخر، وذلك أعظم فى باب السرور. والتقابل والتحاذي والتواجه واحد. والمعنى إن بعضهم ينظر إلى بعض وينظر إلى وجه بعض لا ينظر فى قفاه، من حسن عشرته وتهذيب أخلاقه.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : هذا من قبيل قولك: كانت الكاينة وحدثت الحادثة، والمراد القيامة وساعتها. والناظرون في علم الكتاب بعين الاحتجاب، يظنّون أنّ زمان الآخرة وساعتها من جنس أزمنة الدنيا وساعتها، حتّى أنّهم يتوهّمون أنّ يوم القيامة يوم مخصوص متّصل أوّله بآخر أيّام الدنيا، فيشكل عليهم وقوع الإخبار عن وقوعه ووقوع حالاته بالفعل كما في هذه الآية. وقد تكرّرت الأخبار عن وقوع القيامة وحالاتها في القرآن بألفاظ دالّة على ثبوتها وتحقّقها بالفعل، مثل قوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الزمر:68]. وقوله: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}تفسير : [الأعراف:43] - الآية - {أية : وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ...} تفسير : [الأعراف:44]، {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ...} تفسير : [الأعراف:50]، {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ...} تفسير : [الأعراف:48] - الآيات - وأشباهها كثيرة، فوقعوا في تكلّف أرباب المجاز والمبالغة كما قيل في الكشّاف وغيره: "إنّها وُصفت بالوقوع لأنّها تقع لا محالة" ولم يتفكّروا بمعنى قوله تعالى: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}تفسير : [لقمان:28] فنسبة البعث إليه كنسبة الخلق. فكما أنّ ايجاد الخلائق في أزمنتها وأوقاتها المتكثّرة المتجدّدة إنّما هو من قِبَل الله تعالى، وبالقياس إلى مجاوريه ومقرّبيه من ذوات الملائكة المقرّبين، وعقول أوليائه الصِدّيقين في دفعة واحدة - وإليه أشير بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "حديث : جُفَّ القلمُ بما هو كائن"تفسير : ، مع أنّه تعالى كل يوم هو في شأن، إذ له تعالى شأن واحد في شؤون كثيرة، حيث لا يشغله شأن عن شأن وزمان عن زمان، ولا مكان عن مكان، لتعاليه عن هذه الأشياء مع انبساط نور وجوده عليها، وارتفاعه عن الانحصار في عالم الأرض والسماء، مع شمول علمه ونزول رحمته إلى ما تحت الثرى -، فكذلك بعث الخلائق كلّهم من أجداثهم في لحظة واحدة من جهته لقوله: {أية : وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} تفسير : [النحل:77]. ومن خواصّ يوم القيامة، أنّ مقداره بالقياس إلى طائفة خمسون ألف سنة لقوله تعالى: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} تفسير : [المعارج:4]. وبالقياس إلى طائفة أخرى: {أية : كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} تفسير : [النحل:77]. {أية : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً} تفسير : [المعارج:6 - 7]. وكذلك من خواصّ الساعة أنّها منتظرَةُ الوقوع بالقياس إلى طائفة: {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [الملك:25]. {أية : وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً} تفسير : [الحج:55] وهي بالقياس إلى طائفة أخرى: {أية : وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا} تفسير : [الحج:7]. فقوله: "ليس" مع ما في حيّزه صفة "الواقعة". ويحتمل أن يكون عاملاً في الظرف كما تقول: "اليوم ليس لي عمل"، ولا يحتاج إلى تأويل "ليس" بـ "لا يكون" - كما في بعض التفاسير- بناء على أنّه لنفي الحال، فلا يكون عاملاً في ظرف لم يقع بعد لِما وقعت الإشارة إليه. وعلى الأوّل: إذا منصوبة بفعل مضمر - مثل أذكر ونحوه -، أو بمحذوف يعني إذا وَقَعَتْ كان كذا وكذا. وفي الكشّاف: فسّرت كاذبة "بنفس كاذبة"، وذكر في المعنى: أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله في تكذيب الغيب، لأنّ كلّ نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدّقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذّبات، كقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ} تفسير : [غافر:84]. {أية : لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} تفسير : [الشعراء:201]. {أية : وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ} تفسير : [الحج:55]. ولا يخفى انّ القول بنفي وقوع الكذب على الله، والتكذيب للغيب مطلقا من نفس أصلاً، ممّا يناقضه قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} تفسير : [الروم:55]. وقوله: {أية : وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء:72]. وأيضاً: الحكم بأنّ كلّ نفس عند قياس الساعة مؤمنة صادقة مصدّقة، كلام ناشىء ممّن لا بصيرة له في إدراك المعارف الإيمانيّة، بل بناء معرفته على ظواهر المنقولات وما اشتهر في المتداولات، وذلك لأنّ الإيمان بالله واليوم الآخر هو غاية كمال النفس الإنسانيّة، لأنّه عبارة عن نور من أنوار الله يقذفه في قلب من يشاء من عباده، وهذا النور يطفي نار جهنّم، فكيف تتنوّر به نفوس الكفّار والمنافقين؟ وما ورد من الآيات في باب إيمانهم عند نزول العذاب، فبعضها محمول على ظهور الشقاوة عليهم يومئذ، ومشاهدتهم آثار السيّئات ونتائج الكفر والعناد، وتبعات المعاصي والفسوق، وأضداد ما كانوا يحتسبون، كما في قوله تعالى: {أية : وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} تفسير : [الزمر:47]. وبعضها ممّا لا يُفهم منه أزيد من اعترافهم باللسان، ودعواهم الإيمان، كما في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ} تفسير : [غافر:84]. وربّما كانوا كاذبين في هذه الدعوى يومئذ، كما كذّبوا في قولهم للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) كما قال الله تعالى حكاية عنهم حيث قال: {أية : قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [المنافقون:1] لا أنهم يصيرون بعد الموت عرفاء بالله وآياته، موحّدين، وإلاّ فكيف يعذّبهم الله عذاباً أبديّا؟ إذ البراهين العقليّة والسمعيّة ناهضة على خروج أهل التوحيد عن النار، فالقول بأنّ كلّ نفس يوم القيامة غير كاذبة في محلّ المنع. نعم، منشأ الكذب والغلط ومبدأ الشر والوبال لا يكون إلاّ في هذا العالَم الذي هو منبع الشرور والعاهات، ومعدن النقايص والآفات، - كما بُيّن في مقامه -، والنفس الشقيّة الكذوبة، لا تكتسب مادّة الكذب والبهتان، والكفر والعصيان، ومنشأ التعذيب بالنيران، إلاّ بواسطة كونها مدّة في هذا العالم، ولأجل تعلّقها بالأبدان، فهي حمّالة حطب نيرانها من ها هنا، والآخرة دار العدل والحساب والقضاء بمؤدّى الشهود والكتاب: - {أية : لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ}تفسير : [غافر:17]. والأوْلى أن تحمل الكاذبة على المصدر، كالعاقبة، أي: ليس لمجيئها وظهورها كذب، ومعناه - كما في مجمع البيان - إنّها واقعة حقّا وصدقاً، وليس فيها ولا في الإخبار عن وقوعها كذب، واللام على الأوّل مثل ما في قوله تعالى: {أية : يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} تفسير : [الفجر:24] وعلى ما ذكرناه مثل.
الجنابذي
تفسير : {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} اى القيامة سمّيت واقعة لتحقّق وقوعها، او المراد بالواقعة الموت فانّه ايضاً متحقّق الوقوع.
الأعقم
تفسير : {إذا وقعت الواقعة} القيامة، قيل: سميت بها لأنها كائنة لا محالة {ليس لوقعتها كاذبة} أي ليس في كونها تكذيب {خافضة رافعة} تخفض قوماً إلى النار وترفع قوماً إلى الجنة، وقيل: رفعت أقواماً إلى عليين كانوا أذلة في الدنيا وخفضت أقواماً إلى أسفل السافلين كانوا مرتفعين {إذا رجت الأرض رجّا} زلزلت زلزالاً شديداً {وبسّت الجبال بسَّاً} قيل: بثت بثاً أي قربت، وقيل: بسطت بسطاً كالرمل والتراب {فكانت هباء منبثاً} قيل: هي الغبار يدخل الكوة مع الشعاع، وقيل: رهج الدواب عن علي (عليه السلام) {وكنتم أزواجاً ثلاثة} أي أصنافاً، ثم بيَّن الأصناف فقال سبحانه: {فأصحاب الميمنة} قيل: الذي يؤخذ بهن ذات اليمين، وقيل: هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم {ما أصحاب الميمنة} تفخيماً لشأنهم كما يقال: زيد ما زيد {وأصحاب المشأمة} قيل: يؤخذون ذات الشمال، وقيل: يعطون كتبهم بشمالهم {والسابقون السابقون} قيل: هم الذين حذاء القبلتين، وقيل: أنواع الأنبياء، وقيل: السابقون إلى طاعة الله، وقيل: إلى الصلوات الخمس عن علي (عليه السلام)، وقيل: إلى الجهاد، وقيل: الناس ثلاثة: رجل ابتكر في حدث سنه طاعة الله وداوم عليها حتى خرج من الدنيا فهذا من السابقين، ورجل ابتكر ذنوبه بالذنوب ثم تاب فهو صاحب اليمين، ورجل ابتكر الشر وداوم عليه حتى مات فهو صاحب الشمال {أولئك المقربون} من رحمة الله وكرامته {في جنات النعيم} {ثلةٌ من الأولين} {وقليل من الآخرين} من أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وروي عنه أنه قال: "حديث : الثلثان جميعاً من أمتي"تفسير : ، وقيل: جماعة من هذه الأمَّة وهم الصحابة وقليل من الآخرين ممن قرن حالهم بحال أولئك.
الهواري
تفسير : تفسير سورة الواقعة، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} أي: إذا قامت القيامة. {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} أي: هي كائنة لا شك فيها، ليس في مجيئها تكذيب. {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} أي: خفضت أقواماً إلى النار فلا يرتفعون أبداً، ورفعت أقواماً إلى الجنة فلا ينزلون أبداً. قال تعالى: {إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجّاً} كقوله: (أية : إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا)تفسير : [الزلزلة: 1] أي: يوم القيامة. وقال مجاهد: {رُجَّتِ الأَرْضُ رَجّاً} زلزلت الأرض زلزالاً وحركت تحريكاً. قال تعالى: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً} أي كما يُبَس السويق. وقال مجاهد: فتتت فتاً. قال تعالى: {فَكَانَتْ هَبَآءً مٌّنبَثًّا} الهباء الغبار الذي يدخل من الكوّة من شعاع الشمس {مُنبَثّاً} أي: منثوراً متفرقاً. وتفسير الحسن: فكانت غباراً ذاهباً. قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} أي أصنافاً ثلاثة: أي: مؤمناً ومنافقاً ومشركاُ. وهي كقوله: (أية : لِّيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ، وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ) تفسير : [الأحزاب:73]. وكقوله في الآية: التي في سورة فاطر: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} سقط هذا، وهو المنافق، {وَمِنْهُم مَّقْتَصِدٌ} وهم أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة، أهل المنزلة الآخرة في سورة الرحمن، وفي هذه، (أية : وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) تفسير : [فاطر:32] وهم المقرّبون السابقون، وهم أهل المنزلة الاولى في سورة الرحمن وفي هذه السورة.
اطفيش
تفسير : {إِذَا وَقَعَتِ الوَاقِعَةُ} قامت القيامة وحدثت وسماها الواقعة لانها تقع لا محالة فكأنه قيل إذا نزلت التي لابد من نزولها ويقال حدثت الحادثة وجواب اذا محذوف أي كان كذا وكذا أو اجاز بعض كونها مفعولا به لمحذوف أي اذكر اخراجا لها عن الصدر والشرط واجاز بعض كون الجواب ليس ويرده عدم اقترانه بالفاء لكن قد ورد غير مقرون. وقيل الواقعة النفخة الاخيرة وعن ابن عباس الواقعة اسم من اسماء القيامة وقال الضحاك الواقعة الصيحة وهي النفخة في الصور.
اطفيش
تفسير : أى حدثت والواقعة علم بالغلبة للقيامة أو منقول وذكر ابن عباس أنه من أسمائها، وذلك كالآزفة سميت بذلك لتحقق وقوعها كأَنها قد وقعت، وجاز إِسناد الوقوع إِليها، اعتباراً لمعنى قولك القيامة وليس كقولك جاء الجائى فى عدم الفائدة، وأيضاً قيد بإِذا فأَفاد ولو قيل إِذا جاء الجائى لجاز ويجوز إِبقاؤه على الوصفية، أى إذا جاءت التى ستجئ، وأيضاً المراد إِذا جاءت الساعة المهولة، وقيل الواقعة الصحيحة وهى النفخة الأَخيرة فى الصور، وهو راجع إِلى القول بأنها القيامة، وقيل الواقعة صخرة بيت المقدس، ولا مستند له، والجواب محذوف للتهويل أى إِذا وقعت الواقعة، كان كيت وكيت، أو هو قوله تعالى أصحاب الميمنة الخ وفيه كثير فصل، وقيل مفعول به لأذكر كإِذ المسكنة، أو الجواب خافضة مع محذوف، أى فهى خافضة، وقيل إِذا مبتدأ والخبر إِذا رجت، أى وقت الوقوع وقت الرج على خروج إِذا عن الشرط، والصحيح ما مر، وإِذا رجت الأَرض رجاً بدل من إِذا وقعت الواقعة بدل كل، لأَنه إِذا اتحد الماصدق لم يخرج بالوصف عن كونه بدل كل، نحو جاء زيد أخوك الكريم، وغير الوصف من القيود مثله.
الالوسي
تفسير : أي إذا حدثت القيامة على أن {وَقَعَتِ } بمعنى حدثت. و {ٱلْوَاقِعَةُ } علم - بالغلبة أو منقول - للقيامة، وصرح ابن عباس بأنها من أسمائها. وسميت بذلك للإيذان بتحقق وقوعها لا محالة كأنها واقعة في نفسها مع قطع النظر عن الوقوع الواقع في حيز الشرط، فليس الإسناد كما في ـ جاءني جاء ـ فإنه لغو لدلالة كل فعل على فاعل له غير معين، وقال الضحاك: {ٱلْوَاقِعَةُ } الصيحة وهي النفخة في الصور، وقيل: {ٱلْوَاقِعَةُ } صخرة بيت المقدس تقع يوم القيامة وليس بشيء. و {إِذَا } ظرف متضمن معنى الشرط على ما هو الظاهر، والعامل فيها عند أبـي حيان الفعل بعدها فهي عنده في موضع نصب ـ بوقعت ـ كسائر أسماء الشرط وليست مضافة إلى الجملة، والجمهور على إضافتها فقيل: هي هنا قد سلبت الظرفية ووقعت مفعولاً به لاذكر محذوفاً، وقيل: لم تسلب ذلك وهي منصوبة بليس، وصنيع الزمخشري يشعر باختياره. وقيل: بمحذوف وهو الجواب أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت، قال في «الكشف» هذا الوجه العربـي الجزل فالنصب بإضمار اذكر إنما كثر في إذ، وبليس إنما يصح إذا جعلت لمجرد الظرفية وإلا لوجب الفاء في ليس، وأبو حيان تعقب النصب بليس بأنه ((لا يذهب إليه نحوي لأن ليس في النفي كـ (ما) وهي لا تعمل، فكذا ليس فإنها مسلوبة الدلالة على الحدث والزمان، والقول: بأنها فعل على سبيل المجاز، والعامل في الظرف إنما هو ما يقع فيه من الحدث فحيث لا حدث فيها لا عمل لها فيه))، ثم ذكر نحو ما ذكر صاحب «الكشف» من وجوب الفاء في ليس إذا لم تجرد عن الشرطية؛ واعترض دعواه أن (ما) لا تعمل بأنهم صرحوا بجواز تعلق الظرف بها لتأويلها بانتفى وأنه يكفي له رائحة الفعل، ويقال عليها في ذلك ليس، وكذا دعوى وجوب الفاء في ليس إذا لم تجرد {إِذَا } عن الشرطية بأن لزوم الفاء مع الأفعال الجامدة إنما هو في جواب إن الشرطية لعملها كما صرحوا به. وأما {إِذَا } فدخول الفاء في جوابها على خلاف الأصل. وسيأتي إن شاء الله تعالى فيها قولان آخران. وبعد القيل والقال الأولى كون العامل محذوفاً وهو الجواب كما سمعت. وفي إبهامه تهويل وتفخيم لأمر الواقعة.
سيد قطب
تفسير : الواقعة.. اسم للسورة وبيان لموضوعها معاً. فالقضية الأولى التي تعالجها هذه السورة المكية هي قضية النشأة الآخرة، رداً على قولة الشاكين فيها، المشركين بالله، المكذبين بالقرآن: {أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون؟ أو آباؤنا الأولون؟}.. ومن ثم تبدأ السورة بوصف القيامة. وصفها بصفتها التي تنهي كل قول، وتقطع كل شك، وتشعر بالجزم في هذا الأمر.. الواقعة.. {إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة}.. وتذكر من أحداث هذا اليوم ما يميزه عن كل يوم، حيث تتبدل أقدار الناس، وأوضاع الأرض، في ظل الهول الذي يبدل الأرض غير الأرض، كما يبدل القيم غير القيم سواء: {خافضة رافعة.. إذا رجت الأرض رجاً، وبست الجبال بساً، فكانت هباء منبثاً. وكنتم أزواجاً ثلاثة..الخ}. ثم تفصل السورة مصائر هذه الأزواج الثلاثة: السابقين وأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة. وتصف ما يلقون من نعيم وعذاب وصفاً مفصلاً أوفى تفصيل، يوقع في الحس أن هذا أمر كائن واقع، لا مجال للشك فيه، وهذه أدق تفصيلاته معروضة للعيان. حتى يرى المكذبون رأي العين مصيرهم ومصير المؤمنين. وحتى يقال عنهم هنالك بعد وصف العذاب الأليم الذي هم فيه: {إنهم كانوا قبل ذلك مترفين. وكانوا يصرون على الحنث العظيم. وكانوا يقولون: أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون؟ أو آبآؤنا الأولون}.. وكأن العذاب هو الحاضر والدنيا هي الماضي الذي يذكر للترذيل والتقبيح. ترذيل حالهم في الدنيا وتقبيح ما كانوا عليه من تكذيب! وبهذا ينتهي الشوط الأول من السورة. ويبدأ شوط جديد يعالج قضية العقيدة كلها، متوخياً توكيد قضية البعث التي هي موضوع السورة الأول؛ بلمسات مؤثرة، يأخذ مادتها وموضوعها مما يقع تحت حس البشر، في حدود المشاهدات التي لا تخلو منها تجربة إنسان، أياً كانت بيئته، ودرجة معرفته وتجربته. يعرض نشأتهم الأولى من منيٍّ يُمنى. ويعرض موتهم ونشأة آخرين مثلهم من بعدهم في مجال التدليل على النشأة الأخرى، التي لا تخرج في طبيعتها ويسرها عن النشأة الأولى، التي يعرفونها جميعاً. ويعرض صورة الحرث والزرع، وهو إنشاء للحياة في صورة من صورها. إنشاؤها بيد الله وقدرته. ولو شاء الله لم تنشأ، ولو شاء لم تؤت ثمارها. ويعرض صورة الماء العذب الذي تنشأ به الحياة كلها. وهو معلق بقدرة الله ينزله من السحائب. ولو شاء جعله ملحاً أجاجاً، لا ينبت حياة، ولا يصلح لحياة. وصورة النار التي يوقدون، وأصلها الذي تنشأ منه.. الشجر.. وعند ذكر النار يلمس وجدانهم منذراً. ويذكرهم بنار الآخرة التي يشكون فيها. وكلها صور من مألوفات حياتهم الواقعة، يلمس بها قلوبهم، ولا يكلفهم بها إلا اليقظة ليد الله وهي تنشئها وتعمل فيها. كذلك يتناول هذا الشوط قضية القرآن الذي يحدثهم عن {الواقعة} فيشكون في وعيده. فيلوح بالقسم بمواقع النجوم، ويعظم من أمر هذا القسم لتوكيد أن هذا الكتاب هو قرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون، وأنه تنزيل من رب العالمين. ثم يواجههم في النهاية بمشهد الاحتضار. في لمسة عميقة مؤثرة. حين تبلغ الروح الحلقوم، ويقف صاحبها على حافة العالم الآخر؛ ويقف الجميع مكتوفي الأيدي عاجزين، لا يملكون له شيئاً، ولا يدرون ما يجري حوله، ولا ما يجري في كيانه. ويخلص أمره كله لله، قبل أن يفارق هذه الحياة. ويرى هو طريقه المقبل، حين لا يملك أن يقول شيئاً عما يرى ولا أن يشير! ثم تختم السورة بتوكيد الخبر الصادق، وتسبيح الله الخالق: {إن هذا لهو حق اليقين. فسبح باسم ربك العظيم}.. فيلتئم المطلع والختام أكمل التئام.. {إذا وقعت الواقعة. ليس لوقعتها كاذبة. خافضة رافعة. إذا رجت الأرض رجاً. وبست الجبال بَسَّا. فكانت هبآء منبثاً...} هذا المطلع واضح فيه التهويل في عرض هذا الحدث الهائل. وهو يتبع أسلوباً خاصاً يلحظ فيه هذا المعنى، ويتناسق مع مدلولات العبارة. فمرتين يبدأ بإذا الشرطية يذكر شرطها ولا يذكر جوابها {إذا وقعت الواقعة. ليس لوقعتها كاذبة. خافضة رافعة}.. ولا يقول: ماذا يكون إذا وقعت الواقعة وقعة صادقة ليس لها كاذبة وهي خافضة رافعة. ولكن يبدأ حديثاً جديداً: {إذا رجت الأرض رجا. وبست الجبال بسا. فكانت هباء منبثا.}.. ومرة أخرى لا يقول: ماذا يكون إذا كان هذا الهول العظيم.. فكأنما هذا الهول كله مقدمة، لا يذكر نتائجها، لأن نتائجها أهول من أن يحيط بها اللفظ، أو تعبر عنها العبارة! هذا الأسلوب الخاص يتناسب مع الصورة المروّعة المفزِّعة التي يرسمها هذا المطلع بذاته. فالواقعة بمعناها وبجرس اللفظ ذاته - بما فيه من مدّ ثم سكون - تلقى في الحس كأنما هي ثقل ضخم ينقض من علٍ ثم يستقر، لغير ما زحزحة بعد ذلك ولا زوال! {ليس لوقعتها كاذبة}.. ثم إن سقوط هذا الثقل ووقوعة، كأنما يتوقع له الحس أرجحة ورجرجة يحدثها حين يقع. ويلبي السياق هذا التوقع فإذا هي: {خافضة رافعة} وإنها لتخفض أقداراً كانت رفيعة في الأرض، وترفع أقداراً كانت خفيضة في دار الفناء، حيث تختل الاعتبارات والقيم؛ ثم تستقيم في ميزان الله. ثم يتبدى الهول في كيان هذه الأرض. الأرض الثابتة المستقرة فيما يحس الناس. فإذا هي ترج رجاً - وهي حقيقة تذكر في التعبير الذي يتسق في الحس مع وقع الواقعة - ثم إذا الجبال الصلبة الراسية تتحول - تحت وقع الواقعة - إلى فتات يتطاير كالهباء.. {وبست الجبال بسا. فكانت هباء منبثاً} فما أهول هذا الهول الذي يرج الأرض رجاً، ويبس الجبال بساً، ويتركها هباء منبثاً. وما أجهل الذين يتعرضون له وهم مكذبون بالأخرة، مشركون بالله، وهذا أثره في الأرض والجبال! وهكذا تبدأ السورة بما يزلزل الكيان البشري، ويهول الحس الإنساني، تجاه القضية التي ينكرها المنكرون، ويكذب بها المشركون. وينتهي هذا المشهد الأول للواقعة لنشهد آثارها في الخفض والرفع، وفي أقدار البشر ومصائرهم الأخيرة: {وكنتم أزواجاً ثلاثة. فأصحاب الميمنة. ما أصحاب الميمنة؟ وأصحاب المشأمة. ما أصحاب المشأمة؟ والسابقون السابقون...} ونجد الناس هنا أصنافاً ثلاثة - لا صنفين اثنين كما هو السائد في مشاهد الاستعراض القرآنية - ويبدأ بالحديث عن أصحاب الميمنة - أو أصحاب اليمين - ولكنه لا يفصل عنهم الحديث إنما يصفهم باستفهام عنهم للتهويل والتضخيم: {فأصحاب الميمنة. ما أصحاب الميمنة؟}. وكذلك يذكر أصحاب المشأمة بنفس الأسلوب. ثم يذكر الفريق الثالث، فريق السابقين، يذكرهم فيصفهم بوصفهم: {والسابقون السابقون}.. كأنما ليقول إنهم هم هم. وكفى. فهو مقام لا يزيده الوصف شيئاً! ومن ثم يأخذ في بيان قدرهم عند ربهم، وتفصيل ما أعده من النعيم لهم، وتعديد أنواعه التي يمكن أن يدركها حس المخاطبين، وتتناوله معارفهم وتجاربهم: {أولـئك المقربون. في جنات النعيم. ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين. على سرر موضونة. متكئين عليها متقابلين. يطوف عليهم ولدان مخلدون. بأكواب وأباريق وكأس من معين. لا يُصدَّعون عنها ولا يُنزفون. وفاكهة مما يتخيرون. ولحم طير مما يشتهون. وحور عين. كأمثال اللؤلؤ المكنون. جزآء بما كانوا يعملون. لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً. إلا قيلاً سلاماً سلاماً} إنه يبدأ في بيان هذا النعيم، بالنعيم الأكبر. النعيم الأسنى. نعيم القرب من ربهم: {أولئك المقربون في جنات النعيم}.. وجنات النعيم كلها لا تساوي ذلك التقريب، ولا تعدل ذلك النصيب. ومن ثم يقف عند هذه الدرجة ليقول من هم أصحابها.. إنهم {ثلة من الأولين وقليل من الآخرين}.. فهم عدد محدود. وفريق منتقى. كثرتهم في الأولين وقلتهم في الآخرين. واختلفت الروايات في من هم الأولون ومن هم الآخرون. فالقول الأول: إن الأولين هم السابقون إلى الإيمان ذوو الدرجة العالية فيه من الأمم السابقة قبل الإسلام. وإن الآخرين هم السابقون إلى الإسلام ذوو البلاء فيه.. والقول الثاني: إن الأولين والآخرين هم من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فالأولون من صدرها، والآخرون من متأخريها. وهذا القول الثاني رجحه ابن كثير. وروى في ترجيحه للحسن وابن سيرين: قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد ابن الصباح، حدثنا عفان، حدثنا عبد الله بن أبي بكر المزني، سمعت الحسن أتى على هذه الآية: {والسابقون السابقون أولئك المقربون} فقال: "أما السابقون فقد مضوا ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين" ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا السري بن يحيى. قال: قرأ الحسن: {والسابقون السابقون. أولئك المقربون في جنات النعيم. ثلة من الأولين}.. قال: ثلة ممن مضى من هذه الأمة.. وحدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة المنقري، حدثنا أبو هلال، عن محمد بن سيرين، أنه قال في هذه الآية: {ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين}.. قال: كانوا يقولون، أو يرجون، أن يكونوا كلهم من هذه الأمة. وبعد بيان من هم يأخذ في تفصيل مناعم الجنة التي أعدت لهم. وهي بطبيعة الحال المناعم التي في طوقهم أن يتصوروها ويدركوها؛ ووراءها مناعم أخرى يعرفونها هنالك يوم يتهيأون لإدراكها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر! {على سرر موضونة}.. مشبكة بالمعادن الثمينة. {متكين عليها متقابلين}. في راحة وخلو بال من الهموم والمشاغل، وفي طمأنينة على ما هم فيه من نعيم، ولا خوف من فوته ولا نفاده وفي إقبال بعضهم على بعض يتسامرون.. {يطوف عليهم ولدان مخلدون}.. لا يفعل فيهم الزمن، ولا تؤثر في شبابهم وصباحتهم السن كأشباههم في الأرض. يطوفون عليهم {بأكواب وأباريق وكأس من معين}.. من خمر صافية سائغة {لا يُصَدَّعون عنها ولا ينزفون}.. فلا هم يفرقون عنها ولا هي تنفد من بين أيديهم. فكل شيء هنا للدوام والأمان. {وفاكهة مما يتخيرون. ولحم طير مما يشتهون}.. فهنا لا شيء ممنوع، ولا شيء على غير ما يشتهي السعداء الخالدون. {وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون}.. واللؤلؤ المكنون هو اللؤلؤ المصون، الذي لم يتعرض للمس والنظر، فلم تثقبه يد ولم تخدشه عين! وفي هذا كناية عن معان حسية ونفسية لطيفة في هؤلاء الحور الواسعات العيون. وذلك كله: {جزاء بما كانوا يعملون}.. فهو مكافأة على عمل كان في دار العمل. مكافأة يتحقق فيها الكمال الذي كان ينقص كل المناعم في دار الفناء. ثم هم بعد ذلك كله يحيون في هدوء وسكون، وفي ترفع وتنزيه عن كل لغو في الحديث، وكل جدل وكل مؤاخذة: {لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً. إلا قيلاً سلاماً سلاماً}.. حياتهم كلها سلام. يرف عليها السلام ويشيع فيها السلام. تسلم عليهم الملائكة في ذلك الجو الناعم الآمن؛ ويسلم بعضهم على بعض. ويبلغهم السلام من الرحمن. فالجو كله سلام سلام.. فإذا انتهى الحديث عن ذلك الفريق السابق المختار، بدأ الحديث عن الفريق الذي يليه: فريق أصحاب اليمين: {وأصحاب اليمين. مآ أصحاب اليمين؟ في سدر مخضود، وطلح منضود. وظل ممدود. ومآء مسكوب. وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة. وفرش مرفوعة. إنآ أنشأناهن إنشآءً. فجعلناهن أبكاراً. عرباً أتراباً. لأصحاب اليمين. ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين} وأصحاب اليمين هم أصحاب الميمنة الذين أشار إليهم تلك الإشارة المجملة في أول السورة. ثم أخر تفصيل نعيمهم، إلى موعده هنا بعد السابقين المقربين. وهو يعيد السؤال عنهم بتلك الصيغة التي تفيد التفخيم والتهويل: {ما أصحاب اليمين؟}.. ولأصحابنا هؤلاء نعيم مادي محسوس، يبدو في أوصافه شيء من خشونة البداوة، ويلبي هواتف أهل البداوة حسبما تبلغ مداركهم وتجاربهم من تصور ألوان النعيم! إنهم {في سدر مخضود}.. والسدر شجر النبق الشائك. ولكنه هنا مخضود شوكه ومنزوع. {وطلح منضود}.. والطلح شجر من شجر الحجاز من نوع العضاة فيه شوك. ولكنه هنا منضود معد للتناول بلا كدٍ ولا مشقة. {وظل ممدود، وماء مسكوب}.. وتلك جميعاً من مراتع البدوي ومناعمه، كما يطمح إليها خياله وتهتف بها أشواقه! {وفاكهة كثيرة. لا مقطوعة ولا ممنوعة}.. تركها مجملة شاملة بغير تفصيل بعد ما ذكر الأنواع المعروفة لسكان البادية بالتعيين. {وفرش مرفوعة}.. وهي هنا لا موضونة ولا ناعمة. وبحسبها أنها مرفوعة. وللرفع في الحس معنيان. مادي ومعنوي يستدعي أحدهما الآخر، ويلتقيان عند الارتفاع في المكان والطهارة من الدنس. فالمرفوع عن الأرض أبعد عن نجسها. والمرفوع في المعنى أبعد عن دنسها. ولهذا ينتقل السياق من الفرش المرفوعة إلى ذكر من فيها من الأزواج: {إنا أنشأناهن إنشاءً} إما ابتداء وهن الحور. وإما استئنافاً وهن الزوجات المبعوثات شواب: {فجعلناهن أبكاراً} لم يمسسن {عرباً}.. متحببات إلى أزواجهن {أتراباً} متوافيات السن والشباب. {لأصحاب اليمين}.. مخصصات لهم. ليتسق ذلك مع {الفرش المرفوعة}.. فأما أصحاب اليمين هؤلاء فهم {ثلثة من الأولين وثلة من الآخرين}.. فهم أكثر عدداً من السابقين المقربين. على الاعتبارين اللذين ذكرناهما في معنى الأولين والآخرين. وهنا يصل بنا السياق إلى أصحاب الشمال - وهم أصحاب المشأمة الذين سبقت الإشارة إليهم في مطلع السورة: {وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال؟ في سموم وحميم. وظل من يحموم. لا بارد ولا كريم. إنهم كانوا قبل ذلك مترفين. وكانوا يصرون على الحنث العظيم. وكانوا يقولون: أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون؟ أو آبآؤنا الأولون؟ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم. ثم إنكم أيها الضآلون المكذبون. لآكلون من شجر من زقوم. فمالئون منها البطون. فشاربون عليه من الحميم. فشاربون شرب الهيم. هـذا نزلهم يوم الدين}.. فلئن كان أصحاب اليمين في ظل ممدود وماء مسكوب.. فأصحاب الشمال {في سموم وحميم. وظل من يحموم، لا بارد ولا كريم}.. فالهواء شواظ ساخن ينفذ إلى المسام ويشوي الأجسام. والماء متناه في الحرارة لا يُبرد ولا يُروي. وهناك ظل! ولكنه {ظل من يحموم}.. ظل الدخان اللافح الخانق.. إنه ظل للسخرية والتهكم. ظل {لا بارد ولا كريم}.. فهو ظل ساخن لا روْح فيه ولا برد؛ وهو كذلك كز لا يمنح وراده راحة ولا إنعاشاً!.. هذا الشظف كله جزاء وفاق: {إنهم كانوا قبل ذلك مترفين}.. وما آلم الشظف للمترفين! {وكانوا يصرون على الحِنث العظيم}.. والحنث الذنب. وهو هنا الشرك بالله. وفيه إلماع إلى الحنث بالعهد الذي أخذه الله على فطرة العباد أن يؤمنوا به ويوحدوه. {وكانوا يقولون: أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون؟ أو آباؤنا الأولون؟} كانوا... هكذا يعبر القرآن، كأنما الدنيا التي فيها المخاطبون قد طويت وانتهت فإذا هي ماض. والحاضر هو هذا المشهد وهذا العذاب! ذلك أن الدنيا كلها ومضة. وهذا الحاضر هو العقبى والمآب. وهنا يلتفت السياق إلى الدنيا في أنسب الأوقات لهذه اللفتة ليرد على سؤالهم ذاك: {قل: إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم}.. هو هذا اليوم الحاضر المعروض المشهود! ثم يعود إلى ما ينتظر المكذبين. فيتم صورة العذاب الذي يلقاه المترفون: {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون. لآكلون من شجر زقوم}.. ولا يدري أحد ما شجرة الزقوم إلا ما وصفها الله به في سورة أخرى من أن طلعها كرؤوس الشياطين. ورؤوس الشياطين لم يرها أحد ولكنها تلقي في الحس ما تلقيه! على أن لفظ {الزقوم} نفسه يصور بجرسه ملمساً خشناً شائكاً مدبباً يشوك الأكف - بله الحلوق - وذلك في مقابل السدر المخضود والطلح المنضود - ومع أن الزقوم كرؤوس الشياطين! فإنهم لآكلون منها {فمالئون منها البطون}.. فالجوع طاغ والمحنة غالبة.. وإن الشوك الخشن ليدفع إلى الماء لتسليك الحلوق وري البطون! وإنهم لشاربون {فشاربون عليه من الحميم}.. الساخن الذي لا يبرد غلة ولا يروي ظمأ. {فشاربون شرب الهيم}.. وهي الإبل المصابة بداء الاستسقاء لا تكاد ترتوي من الماء! {هذا نزلهم يوم الدين}.. والنزل للراحة والاستقرار. ولكن أصحاب الشمال هذا نزلهم الذي لا راحة فيه ولا قرار! هذا نزلهم في اليوم الذي كانوا يشكون فيه، ويتساءلون عنه، ولا يصدقون خبر القرآن به. كما كانوا يشركون بالله ولا يخافون وعيده بذلك اليوم المشهود.. بهذا ينتهي استعراض المصائر والأقدار، يوم تقع الواقعة. الخافضة الرافعة. وينتهي كذلك الشوط الأول من السورة. فأما الشوط الثاني في السورة فيستهدف بناء العقيدة بكليتها، وإن كان التوكيد البارز فيه على قضية البعث والنشأة الأخرى. وفيه تتجلى طريقة القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية، وفي تناول الدلائل الإيمانية، وفي التلطف إلى النفوس في بساطة ويسر، وهو يتناول أكبر الحقائق في صورها القريبة الميسورة.. إن هذا القرآن يجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة، قضايا كونية كبرى؛ يكشف فيها عن النواميس الإلهية في الوجود؛ وينشئ بها عقيدة ضخمة شاملة وتصوراً كاملاً لهذا الوجود. كما يجعل منها منهجاً للنظر والتفكير، وحياة للأرواح والقلوب، ويقظة في المشاعر والحواس. يقظة لظواهر هذا الوجود التي تطالع الناس صباح مساء وهم غافلون عنها؛ ويقظة لأنفسهم وما يجري من العجائب والخوارق فيها! إنه لا يكل الناس إلى الحوادث الفذة الخارقة والمعجزات الخاصة المعدودة. كذلك لا يكلفهم أن يبحثوا عن الخوارق والمعجزات والآيات والدلائل بعيداً عن أنفسهم، ولا عن مألوف حياتهم، ولا عن الظواهر الكونية القريبة منهم المعروفة لهم.. إنه لا يُبعد لهم في فلسفات معقدة، أو مشكلات عقلية عويصة، أو تجارب علمية لا يملكها كل أحد.. لكي ينشئ في نفوسهم عقيدة، وتصوراً للكون والحياة قائماً على هذه العقيدة. إن أنفسهم من صنع الله؛ وظواهر الكون حولهم من إبداع قدرته. والمعجزة كامنة في كل ما تبدعه يده. وهذا القرآن قرآنه. ومن يأخذهم إلى هذه المعجزات الكامنة فيهم والمبثوثة في الكون من حولهم. يأخذهم إلى هذه الخوارق المألوفة لهم، التي يرونها ولا يحسون حقيقة الإعجاز فيها. لأنهم لطول ألفتهم لها غفلوا عن مواضع الإعجاز فيها. يأخذهم إليها ليفتح عيونهم عليها؛ فتطلع على السر الهائل المكنون فيها. سر القدرة المبدعة، وسر الوحدانية المفردة، وسر الناموس الأزلي الذي يعمل في كيانهم هم أنفسهم كما يعمل في الكون من حولهم؛ والذي يحمل دلائل الإيمان، وبراهين العقيدة، فيبثها في كيانهم، أو يوقظها في فطرتهم بتعبير أدق. وعلى هذا المنهج يسير في هذا الشوط من السورة؛ وهو يعرض عليهم آيات القدرة المبدعة في خلقهم هم أنفسهم. وفي زرعهم الذي تزاوله أيديهم. وفي الماء الذي يشربون. وفي النار التي يوقدون - وهي أبسط ما يقع تحت أبصارهم من مألوفات حياتهم - كذلك يصور لهم لحظة النهاية. نهاية الحياة على هذه الأرض وبدء الحياة في العالم الآخر. اللحظة التي يواجهها كل أحد، والتي تنتهي عندها كل حيلة، والتي تقف الأحياء وجهاً لوجه أمام القدرة المطلقة المتصرفة وقفة فاصلة، لا محاولة فيها ولا مجال! حيث تسقط جميع الأقنعة، وتبطل جميع التعلات. إن طريقة القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره.. إنه المصدر الذي صدر منه الكون. فطريقة بنائه هي طريقة بناء الكون. فمن أبسط المواد الكونية تنشأ أعقد الأشكال، وأضخم الخلائق.. الذرة يظن أنها مادة بناء الكون، والخلية يظن أنها مادة بناء الحياة.. والذرة على صغرها معجزة في ذاتها. والخلية على ضآلتها آية في ذاتها.. وهنا في القرآن يتخذ من أبسط المشاهدات المألوفة للبشر مادة لبناء أضخم عقيدة دينية وأوسع تصور كوني.. المشاهدات التي تدخل في تجارب كل إنسان: النسل. والزرع. والماء. والنار. والموت.. أي إنسان على ظهر هذه الأرض لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟ أي ساكن كهف لم يشهد نشأة حياة جنينية، ونشأة نبتة. ومسقط ماء. وموقد نار. ولحظة وفاة؟.. من هذه المشاهدات التي رآها كل إنسان ينشئ القرآن العقيدة، لأنه يخاطب كل إنسان في كل بيئة.. وهذه المشاهدات البسيطة الساذجة هي بذاتها أضخم الحقائق الكونية، وأعظم الأسرار الربانية - بالإضافة إلى الإشارة إلى مواقع النجوم - فهي في بساطتها تخاطب فطرة كل إنسان. وهي في حقيقتها موضوع دراسة أعلم العلماء إلى آخر الزمان: مواقع النجوم تعني هندسة الكون. نشأة الحياة الإنسانية.. وهي سر الأسرار. نشأة الحياة النباتية.. وهي كالحياة الحيوانية معجزة المعجزات. والماء.. أصل الحياة. والنار.. المعجزة التي صنعت الحضارة الإنسانية. هذه الطريقة في تناول الأشياء، وبناء العقيدة والتفكير، ليست طريقة البشر. فالبشر حين يخوضون في هذه المجلات لا يلتفتون إلى هذه المواد الأولية التي هي بذاتها المواد الكونية. وإذا التفتوا إليها لم يتناولوها بهذا اليسر وبهذه البساطة. بل يحاولون وضع المسألة في قالب فلسفي تجريدي معقد لا يصلح إلا لخطاب طبقة خاصة من الناس! أما الله فطريقته هي هذه.. تناول المواد الأولية التي هي بذاتها المواد الكونية. وبناء العقيدة بها في يسر وسهولة. تماماً كما يصنع - سبحانه - في تناول المواد الأولية التي هي مواد كونية ويصنع منها الكون.. هذا من ذاك. وعلامة الصنعة واحدة، واضحة هنا وهناك! {نحن خلقناكم فلولا تصدقون! أفرأيتم ما تمنون؟ أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، وما نحن بمسبوقين. على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون. ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون!} إن هذا الأمر أمر النشأة الأولى ونهايتها. أمر الخلق وأمر الموت. إنه أمر منظور ومألوف وواقع في حياة الناس. فكيف لا يصدقون أن الله خلقهم؟ إن ضغط هذه الحقيقة على الفطرة أضخم وأثقل من أن يقف له الكيان البشري أو يجادل فيه: {نحن خلقناكم فلولا تصدقون؟}.. {أفرأيتم ما تمنون؟ أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون؟}.. إن دور البشر في أمر هذا الخلق لا يزيد على أن يودع الرجل ما يُمنى رحمَ امرأة. ثم ينقطع عمله وعملها. وتأخذ يد القدرة في العمل وحدها في هذا الماء المهين. تعمل وحدها في خلقه وتنميته، وبناء هيكله، ونفخ الروح فيه. ومنذ اللحظة الأولى وفي كل لحظة تالية تتم المعجزة، وتقع الخارقة التي لا يصنعها إلا الله. والتي لا يدري البشر كنهها وطبيعتها؛ كما لا يعرفون كيف تقع. بله أن يشاركوا فيها! وهذا القدر من التأمل يدركه كل إنسان. وهذا يكفي لتقدير هذه المعجزة والتأثر بها. ولكن قصة هذه الخلية الواحدة منذ أن تمنى، إلى أن تصير خلقاً، قصة أغرب من الخيال. قصة لا يصدقها العقل لولا أنها تقع فعلاً، ويشهد وقوعها كل إنسان! هذه الخلية الواحدة تبدأ في الانقسام والتكاثر، فإذا هي بعد فترة ملايين الملايين من الخلايا. كل مجموعة من هذه الخلايا الجديدة ذات خصائص تختلف عن خصائص المجموعات الأخرى؛ لأنها مكلفة أن تنشئ جانباً خاصاً من المخلوق البشري! فهذه خلايا عظام. وهذه خلايا عضلات. وهذه خلايا جلد. وهذه خلايا أعصاب.. ثم.. هذه خلايا لعمل عين. وهذه خلايا لعمل لسان. وهذه خلايا لعمل أذن. وهذه خلايا لعمل غدد.. وهي أكثر تخصصاً من المجموعات السابقة.. وكل منها تعرف مكان عملها، فلا تخطئ خلايا العين مثلاً، فتطلع في البطن أو في القدم. مع أنها لو أخذت أخذاً صناعياً فزرعت في البطن مثلاً صنعت هنالك عيناً! ولكنها هي بإلهامها لا تخطئ فتذهب إلى البطن لصنع عين هناك! ولا تذهب خلايا الأذن إلى القدم لتصنع أذناً هناك.. إنها كلها تعمل وتنشئ هذا الكيان البشري في أحسن تقويم تحت عين الخالق، حيث لا عمل للإنسان في هذا المجال هذه هي البداية. أما النهاية فلا تقل عنها إعجازاً ولا غرابة. وإن كانت مثلها من مشاهدات البشر المألوفة: {نحن قدرنا بينكم الموت، وما نحن بمسبوقين}.. هذا الموت الذي ينتهي إليه كل حي.. ما هو؟ وكيف يقع؟ وأي سلطان له لا يقاوم؟ إنه قدر الله.. ومن ثم لا يفلت منه أحد، ولا يسبقه فيفوته أحد.. وهو حلقة في سلسلة النشأة التي لا بد أن تتكامل.. {على أن نبدل أمثالكم}.. لعمارة الأرض والخلافة فيها بعدكم. والله الذي قدر الموت هو الذي قدر الحياة. قدر الموت على أن ينشئ أمثال من يموتون، حتى يأتي الأجل المضروب لهذه الحياة الدنيا.. فإذا انتهت عند الأجل الذي سماه كانت النشأة الأخرى: {وننشئكم فيما لا تعلمون}.. في ذلك العالم المغيب المجهول، الذي لا يدري عنه البشر إلا ما يخبرهم به الله. وعندئذ تبلغ النشأة تمامها، وتصل القافلة إلى مقرها. هذه هي النشأة الآخرة.. {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون!}.. فهي قريب من قريب. وليس فيها من غريب. بهذه البساطة وبهذه السهولة يعرض القرآن قصة النشأة الأولى والنشأة الآخرة. وبهذه البساطة وهذه السهولة يقف الفطرة أمام المنطق الذي تعرفه، ولا تملك أن تجادل فيه. لأنه مأخوذ من بديهياتها هي، ومن مشاهدات البشر في حياتهم القريبة. بلا تعقيد. ولا تجريد. ولا فلسفة تكد الأذهان، ولا تبلغ إلى الوجدان.. إنها طريقة الله. مبدع الكون، وخالق الإنسان، ومنزل القرآن.. ومرة أخرى في بساطة ويسر يأخذ بقلوبهم إلى أمر مألوف لهم، مكرر في مشاهداتهم، ليريهم يد الله فيه؛ ويطلعهم على المعجزة التي تقع بين أيديهم، وعلى مرأى من عيونهم، وهم عنها غافلون: {أفرأيتم ما تحرثون؟ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لجعلناه حطاماً، فظلتم تفكهون: إنا لمغرمون. بل نحن محرومون}.. هذا الزرع الذي ينبت بين أيديهم وينمو ويؤتي ثماره. ما دورهم فيه؟ إنهم يحرثون ويلقون الحب والبذور التي صنعها الله. ثم ينتهي دورهم وتأخذ يد القدرة في عملها المعجز الخارق العجيب. تأخذ الحبة أو البذرة طريقها لإعادة نوعها. تبدؤه وتسير في سيرة العاقل العارف الخبير بمراحل الطريق! الذي لا يخطئ مرة كما يخطئ الإنسان في عمله، ولا ينحرف عن طريقه، ولا يضل الهدف المرسوم! إن يد القدرة هي التي تتولى خطاها على طول الطريق.. في الرحلة العجيبة. الرحلة التي ما كان العقل ليصدقها، وما كان الخيال ليتصورها، لولا أنها حدثت وتحدث ويراها كل إنسان في صورة من الصور، ونوع من الأنواع.. وإلا فأي عقل كان يصدق، وأي خيال كان يتصور أن حبة القمح مثلاً يكمن فيها هذا العود وهذا الورق، وهذه السنبلة، وهذا الحب الكثير؟! أو أن النواة تكمن فيها نخلة كاملة سامقة بكل ما تحتويه؟! أي عقل كان يمكن أن يتطاول به الخيال إلى تصور هذه العجيبة. لولا أنه يراها تقع بين يديه صباح مساء؟ ولولا أن هذه القصة تتكرر على مرأى ومسمع من جميع الناس؟ وأي إنسان يمكنه أن يدعي أنه صنع شيئاً في هذه العجيبة سوى الحرث وإلقاء البذور التي صنعها الله؟ ثم يقول الناس: زرعنا!! وهم لم يتجاوزوا الحرث وإلقاء البذور. أما القصة العجيبة التي تمثلها كل حبة وكل بذرة. وأما الخارقة التي تنبت من قلبها وتنمو وترتفع فكلها من صنع الخالق الزارع. ولو شاء لم تبدأ رحلتها. ولو شاء لم تتم قصتها. ولو شاء لجعلها حطاماً قبل أن تؤتى ثمارها. وهي بمشيئته تقطع رحلتها، من البدء إلى الختام! ولو وقع هذا لظل الناس يلونون الحديث وينوعونه يقولون: {إنا لمغرمون}: غارمون {بل نحن محرومون}..ولكن فضل الله يمنحهم الثمر، ويسمح للنبتة أن تتم دورتها، وتكمل رحلتها، وهي ذاتها الرحلة التي تقوم بها الخلية التي تمنى.. وهي صورة من صور الحياة التي تنشئها القدرة وترعاها. فماذا في النشأة الأخرى من غرابة. وهذه هي النشأة الأولى؟.. {أفرأيتم الماء الذي تشربون؟ أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجاً. فلولا تشكرون}! وهذا الماء أصل الحياة، وعنصرها الذي لا تنشأ إلا به كما قدر الله. ما دور الإنسان فيه؟ دوره أنه يشربه. أما الذي أنشأه من عناصره، وأما الذي أنزله من سحائبه، فهو الله سبحانه. وهو الذي قدر أن يكون عذباً فكان {لو نشاء جعلناه أجاجاً}. مالحاً لا يستساغ، ولا ينشئ حياة. فهلا يشكرون فضل الله الذي أجرى مشيئته بما كان؟ والمخاطبون ابتداء بهذا القرآن كان الماء النازل من السحائب، في صورته المباشرة، مادة حياتهم، وموضع احتفالهم، والحديث الذي يهز نفوسهم، وقد خلدته قصائدهم وأشعارهم.. ولم تنقص قيمة الماء بتقدم الإنسان الحضاري، بل لعلها تضاعفت. والذين يشتغلون بالعلم ويحاولون تفسير نشأة الماء الأولى أشد شعوراً بقيمة هذا الحدث من سواهم. فهو مادة اهتمام للبدائي في الصحراء، وللعالم المشتغل بالأبحاث سواء. {أفرأيتم النار التي تورون؟ أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين}.. ولقد كان كشف الإنسان للنار حادثاً عظيماً في حياته. ربما كان أعظم حادث بدأت منه حضارته. ولكنها أصبحت أمراً مألوفاً لا يثير الاهتمام.. والإنسان يوري النار: أي: يوقدها. ولكن من الذي أنشأ وقودها؟ من الذي أنشأ الشجر الذي توقد به النار؟ لقد مر حديث الزرع. والشجر من هذا الزرع.. على أن هناك لفتة أخرى في ذكر {شجرتها}. فمن احتكاك فرع من شجرة بفرع آخر من شجرة أخرى كان العرب يوقدون نارهم. على الطريقة البدائية التي لا تزال مستعملة في البيئات البدائية حتى الآن. فالأمر أظهر وأقرب إلى تجاربهم المعروفة. أما معجزة النار وسرها عند العلماء الباحثين فهو مجال للبحث والنظر والاهتمام. وبمناسبة ذكر النار يلمع السياق إلى نار الآخرة: {نحن جعلناها تذكرة} تذكر بالنار الأخرى.. كما جعلناها {متاعاً للمقوين}.. أي للمسافرين. وكان لهذه الإشارة وقعها العميق في نفوس المخاطبين، لما تمثله في واقع حياتهم من مدلول حي حاضر في تجاربهم وواقعهم. وحين يبلغ السياق إلى هذا الحد من عرض هذه الحقائق والأسرار، الناطقة بدلائل الإيمان. الميسرة للقلوب والأذهان. يلتفت إلى الحقيقة التي تنتهي إليها هذه الحقائق. حقيقة وجود الله وعظمته وربوبيته. وهي حقيقة تواجه الفطرة مواجهة ذات قوة وسلطان. فيهيب بالرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يحيي هذه الحقيقة ويؤدي حقها؛ ويلمس القلوب بها في حينها: {فسبح باسم ربك العظيم}.. ثم يلتفت التفاتة أخرى إلى المكذبين بهذا القرآن؛ فيربط بينه وبين هذا الكون في قسم عظيم من رب العالمين: {فلا أقسم بمواقع النجوم - وإنه لقسم لو تعلمون عظيم - إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون. تنزيل من رب العالمين}.. ولم يكن المخاطبون يومذاك يعرفون عن مواقع النجوم إلا القليل، الذي يدركونه بعيونهم المجردة. ومن ثم قال لهم: {وإنه لقسم - لو تعلمون - عظيم}.. فأما نحن اليوم فندرك من عظمة هذا القسم المتعلقة بالمقسم به، نصيباً أكبر بكثير مما كانوا يعلمون. وإن كنا نحن أيضاً لا نعلم إلا القليل عن عظمة مواقع النجوم.. وهذا القليل الذي وصلنا إليه بمراصدنا الصغيرة، المحدودة المناظير، يقول لنا: إن مجموعة واحدة من مجموعات النجوم التي لا تحصى في الفضاء الهائل الذي لا نعرف له حدوداً. مجموعة واحدة - هي المجرة التي تنتسب إليها أسرتنا الشمسية - تبلغ الف مليون نجم! "ويقول الفلكيون إن من هذه النجوم والكواكب التي تزيد على عدة بلايين نجم، ما يمكن رؤيته بالعين المجردة، وما لا يرى إلا بالمجاهر والأجهزة، وما يمكن أن تحس به الأجهزة دون أن تراه. هذه كلها تسبح في الفلك الغامض؛ ولا يوجد أي احتمال أن يقترب مجال مغناطيسي لنجم من مجال نجم آخر، أو يصطدم بكوكب آخر، إلا كما يحتمل تصادم مركب في البحر الأبيض المتوسط بآخر في المحيط الهادي، يسيران في اتجاه واحد وبسرعة واحدة. وهو احتمال بعيد، وبعيد جداً. إن لم يكن مستحيلاً" وكل نجم في موقعه المتباعد عن موقع إخوته، قد وضع هناك بحكمة وتقدير. وهو منسق في آثاره وتأثراته مع سائر النجوم والكواكب، لتتوازن هذه الخلائق كلها في هذا الفضاء الهائل. فهذا طرف من عظمة مواقع النجوم، وهو أكبر كثيراً جداً مما كان يعلمه المخاطبون بالقرآن أول مرة. وهو في الوقت ذاته أصغر بما لا يقاس من الحقيقة الكلية لعظمة مواقع النجوم! {فلا أقسم بمواقع النجوم}.. فالأمر أوضح وأجلى من أن يحتاج إلى قسم.. {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم}.. وهذا التلويح بالقسم والعدول عنه أسلوب ذو تأثير في تقرير الحقيقة التي لا تحتاج إلى القسم لأنها ثابتة واضحة.. {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون. تنزيل من رب العالمين}.. إنه لقرآن كريم. وليس كما تدعون قول كاهن، ولا قول مجنون، ولا مفترى على الله. من أساطير الأولين. ولا تنزلت به الشياطين!... إلى آخر هذه الأقاويل. إنما هو قرآن كريم. كريم بمصدره، وكريم بذاته، وكريم باتجاهاته. {في كتاب مكنون}.. مصون.. وتفسير ذلك في قوله تعالى بعدها: {لا يمسه إلا المطهرون}.. فقد زعم المشركون أن الشياطين تنزلت به. فهذا نفي لهذا الزعم. فالشيطان لا يمس هذا الكتاب المكنون في علم الله وحفظه. إنما تنزل به الملائكة المطهرون.. وهذا الوجه هو أظهر الوجوه في معنى {لا يمسه إلا المطهرون}. فـ {لا} هنا نافية لوقوع الفعل. وليست ناهية. وفي الأرض يمس هذا القرآن الطاهر والنجس. والمؤمن والكافر، فلا يتحقق النفي على هذا الوجه. إنما يتحقق بصرف المعنى إلى تلك الملابسة. ملابسة قولهم: تنزلت به الشياطين. ونفي هذا الزعم إذ لا يمسه في كتابه السماوي المكنون إلا المطهرون.. ومما يؤيد هذا الاتجاه قوله تعالى بعد هذا: {تنزيل من رب العالمين}.. لا تنزيل من الشياطين! وقد روي حديثان يقرران معنى آخر. وهو أن لا يمس القرآن إلا طاهر.. ولكن ابن كثير قال عنهما: "وهذه وجادة جيدة قد قرأها الزهري وغيره. ومثل هذا لا ينبغي الأخذ به. وقد أسنده الدارقطني عن عمرو ابن حزم وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص. وفي إسناد كل منهما نظر والله أعلم". ثم يأتي الإيقاع الأخير في السورة.. لحظة الموت.. اللمسة التي ترجف لها الأوصال. واللحظة التي تنهي كل جدال. واللحظة التي يقف فيها الحي بين نهاية طريق وبداية طريق. حيث لا يملك الرجوع ولا يملك النكوص: {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون؟ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون. فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون. ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون. فلولا إن كنتم غير مدينين. ترجعونها إن كنتم صادقين}.. أفأنتم شاكون في هذا الحديث الذي يقال لكم عن النشأة الآخرة؛ مكذبون بالقرآن وما يقصه عليكم من شأن الآخرة، وما يقرره لكم من أمور العقيدة؟ {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون}.. فإذا التكذيب هو رزقكم الذي تحصلون عليه في حياتكم وتدخرونه لآخرتكم؟ وما أسوأه من رزق! فماذا أنتم فاعلون إذ تبلغ الحلقوم، وتقفون في مفرق الطريق المجهول؟ ثم يصور الموقف التصوير القرآني الموحي، الذي يرسم ظلال الموقف كلها في لمسات سريعة ناطقة بكل ما فيه، وبكل ما وراءه، وبكل ما يوحيه. { فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون. ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون}.. لنكاد نسمع صوت الحشرجة، ونبصر تقبض الملامح، ونحس الكرب والضيق من خلال قوله: { فلولا إذا بلغت الحلقوم}.. كما نكاد نبصر نظرة العجز وذهول اليأس في ملامح الحاضرين من خلال قوله: {وأنتم حينئذ تنظرون}.. هنا. في هذه اللحظة. وقد فرغت الروح من أمر الدنيا. وخلفت وراءها الأرض وما فيها. وهي تستقبل عالماً لا عهد لها به، ولا تملك من أمره شيئاً إلا ما أدخرت من عمل، وما كسبت من خير أو شر. هنا. وهي ترى ولا تملك الحديث عما ترى. وقد انفصلت عمن حولها وما حولها. الجسد هو الذي يراه الناظرون. ولكنهم ينظرون ولا يرون ما يجري ولا يملكون من الأمر شيئاً. هنا تقف قدرة البشر، ويقف علم البشر، وينتهي مجال البشر. هنا يعرفون - ولا يجادلون - أنهم عجزة عجزة. قاصرون قاصرون. هنا يسدل الستار دون الرؤية. ودون المعرفة. ودون الحركة. هنا تتفرد القدرة الإلهية، والعلم الإلهي. ويخلص الأمر كله لله بلا شائبة ولا شبهة ولا جدال ولا محال: {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون}! وهنا يجلل الموقف جلال الله، ورهبة حضوره - سبحانه وتعالى - وهو حاضر في كل وقت. ولكن التعبير يوقظ الشعور بهذه الحقيقة التي يغفل عنها البشر. فإذا مجلس الموت تجلله رهبة الحضور وجلاله. فوق ما فيه من عجز ورهبة وانقطاع ووداع. وفي ظل هذه المشاعر الراجفة الواجفة الآسية الآسفة يجيء التحدي الذي يقطع كل قول وينهي كل جدال: {فلولا إن كنتم غير مدينين: ترجعونها إن كنتم صادقين!} فلو كان الأمر كما تقولون: إنه لا حساب ولا جزاء. فأنتم إذن طلقاء غير مدينين ولا محاسبين. فدونكم إذن فلترجعوها - وقد بلغت الحلقوم - لتردوها عما هي ذاهبة إليه من حساب وجزاء. وأنتم حولها تنظرون. وهي ماضية إلى الدينونة الكبرى وأنتم ساكنون عاجزون! هنا تسقط كل تعلة. وتنقطع كل حجة. ويبطل كل محال. وينتهي كل جدال. ويثقل ضغط هذه الحقيقة على الكيان البشري، فلا يصمد له، إلا وهو يكابر بلا حجة ولا دليل! ثم يمضي السياق في بيان مصير هذه الروح الذي يتراءى لها من بعيد حين تبلغ الحلقوم، وتستدبر الحياة الفانية، وتستقبل الحياة الباقية. وتمضي إلى الدينونة التي يكذب بها المكذبون: {فأما إن كان من المقربين، فروح وريحان وجنة نعيم. وأما إن كان من أصحاب اليمين، فسلام لك من أصحاب اليمين. وأما إن كان من المكذبين الضالين. فنزل من حميم. وتصلية جحيم}. وقد مرت بنا في أول سورة صور من نعيم المقربين. فالروح هنا ترى علائم هذا النعيم الذي ينتظرها: روح وريحان وجنة نعيم. والألفاظ ذاتها تقطر رقة ونداوة. وتلقي ظلال الراحة الحلوة، والنعيم اللين والأنس الكريم. {وأما إن كان من أصحاب اليمين}.. فيلتفت بالخطاب إليه.. يبلغه سلام إخوانه من أصحاب اليمين. وما أندى السلام ساعتئذ وما أحبه. حين يتلقاه وقد بلغت الحلقوم! فيطمئن باله ويشعر بالأنس في الصحبة المقبلة مع أصحاب اليمين. {وأما إن كان من المكذبين الضالين. فنزل من حميم. وتصلية جحيم}.. وما أسوأه نزلاً ومثوى ذلك الحميم الساخن. وما أشده عذاباً ذلك الجحيم، يتراءى له ويعلم أنه ملاقيه عن يقين! والآن وقد بلغ الموقف ذروته تجيء الخاتمة في إيقاع عميق رزين: {إن هذا لهو حق اليقين. فسبح باسم ربك العظيم}.. فتلتقي رجاحة اليقين وثقله في ميزان الحق، بالواقعة التي بدأت بها السورة. وتختم بما يوحيه هذا اليقين الثابت الجازم من اتجاه إلى الله بالتسبيح والتعظيم..
ابن عاشور
تفسير : افتتاح السورة بالظرف المتضمنِ الشرط، افتتاح بديع لأنه يسترعي الألباب لترقب ما بعد هذا الشرط الزماني مع ما في الاسم المسند إليه من التهويل بتوقع حدث عظيم يحدث. و{إذا} ظرف زمان وهو متعلق بالكون المقدر في قوله: {أية : في جنات النعيم}تفسير : [الواقعة: 12] الخ وقوله: {أية : في سدر مخضود}تفسير : [الواقعة: 28] الخ وقوله: {أية : في سموم وحميم}تفسير : [الواقعة: 42] الخ. وضمّن {إذا} معنى الشرط. وجملة {ليس لوقعتها كاذبة} استئناف بياني ناشىء عن قوله: {إذا وقعت الواقعة} إلخ وهو اعتراض بين جملة {إذا وقعت الواقعة} وبين جملة {أية : فأصحاب الميمنة}تفسير : [الواقعة: 8] الخ. والجواب قوله: {أية : فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة}تفسير : [الواقعة: 8، 9]، فيفيد جواباً للشرط ويفيد تفصيل جملة {أية : وكنتم أزواجاً ثلاثة}تفسير : [الواقعة: 7]، وتكون الفاء مستعملة في معنيين: ربطِ الجواب، والتفريع، وتكون جملة {ليس لوقعتها كاذبة} وما بعده اعتراضاً. والواقعة أصلها: الحادثة التي وقعت، أي حصلت، يقال: وقع أمر، أي حصل كما يقال: صِدْق الخبرِ مطابقتُه للواقع، أي كون المعنى المفهوم منه موافقاً لمسمى ذلك المعنى في الوجود الحاصل أو المتوقع على حسب ذلك المعنى، ومن ذلك حادثة الحرب يقال: واقعة ذي قار، وواقعة القادسية. فراعوا في تأنيثها معنى الحادثة أو الكائنة أو الساعة، وهو تأنيث كثير في اللغة جار على ألسنة العرب لا يكونون راعوا فيه إلا معنى الحادثة أو الساعة أو نحو ذلك، وقريب منه قولهم: دارت عليه الدائرة، قال تعالى: {أية : يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة}تفسير : [المائدة: 52] وقال: {أية : عليهم دائرةُ السَّوْء}تفسير : [التوبة: 98]. والمراد بالواقعة هنا القيامة فجعل هذا الوصف علماً لها بالغلبة في اصطلاح القرآن قال تعالى: {أية : فيومئذٍ وقعت الواقعة}تفسير : [الحاقة: 15] كما سميت الصاخّة والطامّة والآزفة، أي الساعة الواقعة. وبهذا الاعتبار صار في قوله: {إذا وقعت الواقعة} محسن التجنيس. و{الواقعة}: الموصوفةُ بالوقوع، وهو الحدوث. و{كاذبة} يجوز أن يكون اسم فاعل من كذب المجرد، جرى على التأنيث للدلالة على أنه وصف لمحذوف مؤنث اللفظ. وتقديره هنا نفس، أي تنتفي كل نفس كاذبة، فيجوز أن يكون من كَذَب اللازم إذا قال خلاف ما في نفس الأمر وذلك أن منكري القيامة يقولون: لا تقع القيامة فيكذبون في ذلك فإذا وقعت آمنت النفوس كلها بوقوعها فلم تبق نفس تكذب، أي في شأنها أو في الإِخبار عنها. وذلك التقدير كله مما يدل عليه المقام. ويجوز أن يكون من كذَب المتعدي مثل الذي في قولهم كذبتْ فلاناً نفسه، أي حدثتْه نفسه، أيْ رَأيه بحديث كذب وذلك أن اعتقاد المنكر للبعث اعتقاد سوَّله له عقله القاصر فكأنَّ نفسه حدثته حديثاً كذَبته به، ويقولون: كذبتْ فلاناً نفسه في الخطب العظيم، إذا أقْدم عليه فأخفق كأنَّ نفسه لما شجعته على اقتحامه قد قالت له: إنك تطيقه فتعرَّضْ له ولا تبال به فإنك مُذَلِّلُه فإذا تبين له عجزه فكأنَّ نفسه أخبرته بما لا يكون فقد كذبته، كما يقال: كذبته عينه إذا تخيّل مرئياً ولم يكن. والمعنى: إذا وقعت القيامة تحقق منكروها ذلك فأقلعوا عن اعتقادهم أنها لا تقع وعلموا أنهم ضلّوا في استدلالهم وهذا وعيد بتحذير المنكرين للقيامة من خزي الخيبة وسفاهة الرأي بين أهل الحشر. وإطلاق وصف الكذب في جميع هذا استعارة بتشبيه السبب للفعل غير المثمر بالمخبر بحديث كذب أو تشبيه التسبب بالقول قال أبو علي الفارسي: الكذب ضرب من القول فكما جاز أن يتسع في القول في غير نطق نحو قول أبي النجم:شعر : قد قالت الأنساع للبطن الحق تفسير : جاز في الكذب أن يجعل في غير نطق نحو:شعر : بأَنْ كذَبَ القراطف والقروف تفسير : واللام في {لوقعتها} لام التوقيت نحو {أية : أقم الصلاة لدلوك الشمس}تفسير : [الإسراء: 78] وقوله تعالى: {أية : فطلقوهن لعدتهن}تفسير : [الطلاق: 1]. وقولهم: كتبتُه لكذا من شهر كذا، وهي بمعنى (عند) وأصلها لام الاختصاص شاع استعمالها في اختصاص الموقَّت بوقته كقوله تعالى: {أية : ولما جاء موسى لميقاتنا}تفسير : [الأعراف: 143]. وهو توسع في معنى الاختصاص بحيث تنوسي أصل المعنى. وفي الحديث حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم «أي الأعمال أفضل فقال: الصلاة لوقتها»تفسير : . وهذا الاستعمال غير الاستعمال الذي في قوله تعالى: {أية : ليس لهم طعام إلا من ضريع}تفسير : [الغاشية: 6].
الشنقيطي
تفسير : الذي يظهر لي صوابه أن إذا هنا هي الظرفية المضمنة معنى الشرط، وأن قوله الآتي: {أية : إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً}تفسير : [الواقعة: 4] بدل من قوله: {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} وأن جواب إذا هو قوله:{أية : فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ}تفسير : [الواقعة: 8] وهذا هو اختيار أبي حيان خلافاً لمن زعم أنها مسلوبة معنى الشرط هنا، وأنها منصوبة بأذكر مقدرة أو أنها مبتدأ، وخلافاً لمن زعم أنها منصوبة بليس المذكورة بعدها. والمعروف عند جمهور النحويين أن إذا ظرف مضمن معنى الشرط منصوب بجزائه، وعليه فالمعنى: إذا قامت القيامة وحصلت هذه الأحوال العظيمة ظهرت منزلة أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة. وقوله في هذه الآية الكريمة:{إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} أي قامت القيامة، فالواقعة من أسماء القيامة كالطامة والصاخة والآزفة والقارعة. وقد بين جل وعلا أن الواقعة هي القيامة في قوله:{أية : فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ}تفسير : [الحاقة: 13-16]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} فيه أوجه من التفسير معروفة عند العلماء كلها حق، وبعضها يشهد له قرآن. الوجه الأول: أن قوله كاذبة مصدر جاء بصفة اسم الفاعل، فالكاذبة بمعنى الكذب كالعافية بمعنى المعافاة، والعاقبة بمعنى العقبى، ومنه قوله تعالى عند جماعات من العلماء {أية : لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً}تفسير : [الغاشية: 11] قالوا معناه لا تسمع فيها لغواً، وعلى هذا القول، فالمعنى ليس لقيام القيامة كذب ولا تخلف بل هو أمر واقع يقيناً لا محالة. ومن هذا المعنى، قولهم: حمل الفارس على قرنه فما كذب، أي ما تأخر ولا تخلف ولا جبن. ومنه قول زهير: شعر : ليث يعثر يصطاد الرجال إذا ما كذب الليث عن أقرانه صدقا تفسير : وهذا المعنى قد دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ}تفسير : [النساء: 87] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا}تفسير : [الحج: 7]، وقوله تعالى: {أية : رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ}تفسير : [آل عمران: 9]، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ}تفسير : [الشورى: 7]. الوجه الثاني: أن اللام في قوله: {لِوَقْعَتِهَا} ظرفية، و{كَاذِبَةٌ} اسم فاعل صفة لمحذوف أي ليس في وقعة الواقعة نفس كاذبة بل جميع الناس يوم القيامة صادقون بالاعتراف بالقيامة مصدقون بها ليس فيهم نفس كاذبة بإنكارها ولا مكذبة بها. وهذا المعنى تشهد له في الجملة آيات من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}تفسير : [الشعراء: 201]، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ}تفسير : [الحج: 55]. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: {أية : بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ}تفسير : [النمل: 66]، وباقي الأوجه قد يدل على معناه قرآن ولكنه لا يخلو من بعد عندي، ولذا لم أذكره، وأقربها عندي الأول.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1، 2، 3- إذا وقعت القيامة، لا تكون نفس مكذبة بوقوعها، هى خافضة للأشقياء رافعة للسعداء. 4، 5، 6- إذا زُلزلت الأرض واهتزت اهتزازاً شديداً، وفتتت الجبال تفتيتاً دقيقاً، فصارت غباراً متطايراً. 7- وصرتم جميعاً فى هذا اليوم بأعمالكم أصنافاً ثلاثة. 8، 9- فأصحاب اليمين أهل المنزلة السنية ما أعظم مكانتهم، وأصحاب الشمال أهل المنزلة الدنية ما أسوأ حالهم. 10، 11، 12- والسابقون إلى الخيرات فى الدنيا هم السابقون إلى الدرجات فى الآخرة، أولئك هم المقربون عند الله، يدخلهم ربهم فى جنات النعيم. 13، 14- هؤلاء المقربون جماعة كثيرة من الأمم السابقة وأنبيائهم، وقليل من أمة محمد بالنسبة إليهم. 15، 16- على سرر منسوجة بالجواهر النفيسة. مضطجعين عليها فى راحة واستقرار. متقابلة وجوههم زيادة فى المحبة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إذا وقعت الواقعة: أي قامت القيامة وقيل فيها الواقعة لأنها واقعة لا محالة. ليس لوقعتها كاذبة: أي نفس تكذب بها بأن تنفيها كما نفتها في الدنيا. خافضة رافعة: أي مظهرة لخفض أقوام بدخولهم النار، ولرفع آخرين بدخولهم الجنة. إذا رجت الأرض رجا: أي حركت حركة شديدة. وبُسَّت الجبال بسا: أي فِتتت تفتيتاً. فكانت هباء منبثا: أي غباراً منتشراً. وكنتم أزواجاً ثلاثة: أي في القيامة أصنافاً ثلاثة. فأصحاب الميمنة: أي الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم. ما أصحاب الميمنة: أي تعظيم لشأنهم بدخولهم الجنة. وأصحاب المشأمة: أي الشمال الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم. ما أصحاب المشأمة: أي تحقير لشأنهم بدخولهم النار. والسابقون: أي إلى الخير وهم الذين سبقوا إلى الإِيمان والطاعة في أول الدعوة. السابقون: تعظيم لشأنهم. أولئك المقربون: أي هم المقربون الذين يقربهم الله منه يوم القيامة إذا أدخلهم الجنة. في جنات النعيم: في بساتين النعيم الدائم. معنى الآيات: قوله تعالى في تقرير البعث والجزاء الذي كذب به المشركون وأنكروه في إصرار وعناد {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} أي إذا قامت القيامة {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} أي نفس تكذب بها إذ يؤمن بها الجميع، خافضة لأقوام أي مظهرة لحالهم بأنهم أهل النار، رافعة لآخرين مظهرة لحالهم بأنهم من أهل الجنة. وقوله: {إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً} أي حرّكت حركة شديدة، {وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً} أي إذا بست الجبال أي فتتت تفتيتاً {فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} أي غباراً منتشراً. وقوله تعالى {وَكُنتُمْ} أي أيها الناس {أَزْوَاجاً} أي أنواعاً ثلاثة: أصحاب اليمين وأصحاب الشمال والمقربون فأصحاب الميمنة أو الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم ما أصحاب الميمنة أي أن شأنهم عظيم وذلك بدخولهم الجنة دار النعيم. وأصحاب المشأمة وهم أصحاب الشمال أي اليساريون الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم أي بمياسرهم ما أصحاب المشأمة أي شأنهم حقير وذلك بدخولهم النار. والسابقون إلى الإِيمان والطاعة في أول ظهور الدعوة السابقون هذا تعظيم لشأنهم وإعلان عن فوزهم وكرامتهم في جنات النعيم وهي بساتين ذات نعيم دائم جعلنا الله منهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير البعث والجزاء في الآخرة. 2- الإِيمان والتقوى يرفعان والشرك والمعاصي يضعان ويخفضان. 3- السابقون إلى الطاعات لهم فضل الأسبقية في كل زمان ومكان. 4- اليساريون هم أشقياء الدنيا والآخرة. لأنهم عندما أخذ غيرهم ذات اليمين طالبين الإِيمان والاستقامة أخذوا هم ذات الشمال طالبين الكفر والفسوق.
القطان
تفسير : إذا وقعت: اذا حدثت. الواقعة: القيامة. لوقْعتها: لوقوعها وحدوثها. كاذبة: كذب. رُجّت: زلزلت وحركت تحريكاً شديدا. بُسَّت: فتتت. هباء: غبارا متفرقا. أزواجا: أصنافا. أصحاب الميمنة: هم الناجون الذين كتابهم بيمينهم. أصحاب المشْأمة: الكافرون الذين يأخذون كتابهم بشمالهم. السابقون: هم الذين سبقوا الى عمل الخير في الدنيا. والمقرَّبون: هم ارباب الحظوة والكرامة عند ربهم. ثلّة: جماعة قد يكون عددها كثيرا، وقد يكون قليلا من غير تحديد. موضونة: وضنَ الشيءَ جعل بعضه على بعض، ويقال وضَنَ السريرَ بالجوهر نسجه فهو موضون. وِلدان مخلّدون: أولاد صغار للخدمة يبقون على هذه الصفة دائماً. أكواب: واحدها كوب.. معدّة للشراب. أباريق: واحدها إبريق، معروف. وكأس من مَعين: إناء من شراب الجنة. لا يصدّعون عنها: لا يصيبهم صداع بشرابهم يصرفهم عنها. ولا ينزفون: لا تذهب عقولهم. حور عين: نساء بيض. عيونهن جميلة واسعة. المكنون: المصون الذي لم تمسه الأيدي. لغواً: سقط القولِ. تأثيماً: ما يستوجب الإثم. إذا قامت القيامة فلا يستطيع أحدٌ أن يكذِّب بها، لأن قيامها حقٌّ لا شُبهة فيه. وهي خافضةٌ للاشقياء، رافعة للمؤمنين السّعداء. ويومئذ تُزلزل الأرضُ، ويضطرب الكون، وتحِلّ بالعالم أهوالٌ وكوارث، وتتفت الجبال، وتصير كالهَباء المتطاير في غير أماكنها. والناس في ذلك اليوم ثلاثة اصناف، اصحاب الميمنة الذين يأخذون كتبَهم بأيمانهم ويكونون في أسعدِ حال؛ وأصحابُ المشأمة وهم الذين كفروا ويأخذون كتبهم بشِمالهم. والطبقة الثالثة، وهم السابقون الى الخيرات في الدنيا، يرتقون إلى الدرجات العليا في الآخرة. وأولئك هم المقرّبون عند الله، وهم في جنّات النعيم يتمتعون فيها عند أكرم الأكرمين في أحسن مقام. وهؤلاء المقرّبون جماعة كثيرة من الأمم السابقة وأنبيائهم، وقليلٌ من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالنسبة اليهم، يجلسون على سُرر منسوجة بالجواهر النفيسة، متكئين عليها متقابلين، يتحدّثون بذكرياتهم وبكل ما يسرّهم. ويدور عليهم للخدمة وِلدانٌ مخلَّدون بأكوابٍ وأباريقَ مملوءة مما لذّ وطاب من شراب الجنة، وبكأس مملوءة خمراً من عيونٍ جارية، لا يصيبهم من شُربها صداعٌ يصرفهم عنها، ولا تذهب بعقولهم. ثم لهم طعامٌ فاخر يشتمل على ما يشتهون من لحم طيرٍ وفاكهة منوعة، يختارون منها ما يحبون، وعندهم نساءٌ حورٌ عين في منتهى الجمال كأمثال اللؤلؤ المصون في صَدفِهِ.. كل هذا يعطَوْنه جزاء بما كانوا يعملون في الدنيا من أعمال الخيرات. وهم يعيشون في الجنّة في أحسن حالٍ لا يسمعون فيها كلاماً لا ينفع، ولا حديثا يأثم سامعه، إلا سلاماً، لأنهم في دار السلام. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: وحورٍ عين بالجر. والباقون: بالرفع.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - إِذَا قَامَتِ القِيَامَةُ. وَسُمِّيَتِ القِيَامَةُ الوَاقِعَةَ لَتَحَقُّقِ حُدُوثِهَا.
الثعلبي
تفسير : {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} أي إذا نزلت صبيحة القيامة وتلك النفخة الأخيرة {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} تكذيب ذكره سيبوبه، وهو إسم كالعافية والنازلة والعاقبة، عن الفراء. قال الكسائي: هي بمعنى الكذب كقوله {أية : لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً} تفسير : [الغاشية: 11] أي لغواً، ومنه قول العامة: عائذ بالله أي معاذ الله، وقم قائماً أي قياماً. ولبعض نساء العرب ترقص إبنها: شعر : قم قائماً قم قائماً أصبت عبداً نائماً تفسير : {خَافِضَةٌ} أي هي خافضة {رَّافِعَةٌ} تخفض قوماً إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة. وقال عكرمة والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني أنها أسمعت القريب والبعيد، ورفعت قوماً كانوا مذللين فرفعتهم إلى أعلى عليين ووضعت قوماً كانوا في الدنيا مرتفعين فوضعتهم إلى أسفل سافلين. بن عطاء: خفضت قوماً بالعدل ورفعت قوماً بالفضل. {إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً} أي رجفت وزلزلت وحُركت تحريكاً من قولهم: السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى يهتز ويضطرب. قال الكلبي: وذلك أن الله عزّوجل إذا أوحى إليها إضطربت فرقاً. وقال المفسرون: ترجّ كما يُرّج الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها. وأصل الرجّ في اللغة التحريك يقال: رججته فإرتجّ [فارتضى عنقه] ورجرجته فترجرج. {وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً} أي حثّت حثّاً وفتت فتاً فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول والبسبسة عند العرب الدقيق أو السويق يُلتّ ويتخذ زاداً. وذكر عن لصَ من غطفان أنه أراد أن يخبز فخاف أن يعجّل عن الخبز فقال لا تخبزا خبزاً وبسّا بسّاً ولا تطيلا بمناخ حبساً. وقال عطاء: أُذهبت إذهاباً قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسراً. الكلبي: سيّرت عن وجه الأرض تسييراً. مجاهد: لتّت لتّاً. الحسن: قلعت من أصلها فذهبت بعدما كانت صخراً صماء: نظيرها {أية : فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} تفسير : [طه: 105]. عطية: بسطت بسطاً كالرمل والتراب. ابن كيسان: جُعلت كثيباً مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة. {فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} قال ابن عباس: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة. علي رضي الله عنه: رهج الدوابّ. عطية: ما تطاير من شرر النار، قتادة: حطام الشجر. وقراءة العامة: {مُّنبَثّاً} بالثاء أي متفرقاً، وقرأ النخعي بالتاء أي منقطعاً. {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً} أصنافاً {ثَلاَثَةً} ثم بيّن من هُم فقال عز من قائل: { فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة. وقال ابن عباس: وهم الذين كانوا على يمين آدم حين أُخرجت الذرية من صلبه. وقال الله (إن) هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال الضحّاك: هم الذين يعطون كتبهم بإيمانهم. وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله عزّوجل، وهم التابعون بإحسان. ثم عجّب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} وهذا كما يقال: زيد ما زيدٌ، يراد زيد شديد. {وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} أي الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى شؤمى. قال الشاعر: شعر : السهم والشرى في شوءمى يديك لهم وفي يمينك ماء المزن والضرب تفسير : ومنه الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها إذا [دخل الحجر] تحت الميزاب. وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية، وقال الله لهم هؤلاء في النار ولا أُبالي. وقيل: هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم. وقال الحسن: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي. {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ * وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ} قال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين دليله قوله {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ} تفسير : [التوبة: 100]. أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حمران، حدّثنا أُبي، حدّثنا محمد بن داود الدينوري، حدّثنا [.....] عن ابن بن الجارود عن عبد الغفور ابن أبي الصباح عن ابن علي، عن كعب في قول الله عزّوجل: {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} قال: هم أهل القرآن وهم المتوجون يوم القيامة. وأخبرني الحسين، حدّثنا موسى بن محمد بن علي، حدّثنا أبو شعيب، حدّثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدّثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدّثنا الأوزاعي قال: سمعت عثمان بن أبي سودة يقول: السابقون أولهم رواحاً إلى المسجد وأولهم خروجاً في سبيل الله عزّوجل. وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سياد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن شميط قال: سمعت أُبي يقول: الناس ثلاثة: فرجل إبتكر الخير في حداثة سنهِ ثم داوم عليه حتى خرج عن الدنيا فهذا السابق المقري، ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول الغفلة ثم تراجع بتوبة فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثته ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال. وقال ابن عباس: السابقون إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة. وقال علي بن أبي طالب: إلى الصلوات الخمس. عكرمة: إلى الإسلام. الضحاك: إلى الجهاد. القرظي: إلى كل خير. سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر. نظيره {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [آل عمران: 133] {أية : سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [الحديد: 21]. ثم أثنى عليهم فقال عزّ من قائل {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} تفسير : [المؤمنون: 61] الربيع عن أنس: السابقون إلى إجابة الرسول في الدنيا، وهم السابقون إلى الجنة في العقبى. ابن كيسان: السابقون إلى كل ما دعا الله سبحانه وتعالى إليه. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ} إلى الله {فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ}. أخبرني الحسين، حدّثنا علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي، حدّثنا محمد بن مخلد العطار، محمد بن إسماعيل، حدّثنا وكيع، حدّثنا شعبة ومسعر عن سعد بن أبراهيم عن عروة بن الزبير قال: كان يقال: تقدموا تقدموا. وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا إبن أيوب، حدّثنا القطواني، حدّثنا سيار، حدّثنا جعفر حدّثني عوف حدّثني رجل من أهل الكوفة قال: بلغني أنه إذا خرج رجل من السابقين المقربين من مسكنه في الجنة كان له ضوء يعرفه مَن دونه فيقول: هذا ضوء رجل من السابقين المقربين.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {رُجَّتِ} زلزلت وحرّكت تحريكاً شديداً {بُسَّتِ} فُتِّت حتى صارت كالدقيق المبسوس {هَبَآءً} الهباء ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة {ثُلَّةٌ} جماعة من ثللت الشيء أي قطعته قاله الزجاج فمعنى ثُلة كمعنى فرقة وزناً ومعنى {مَّوْضُونَةٍ} منسوجة محكمة النسج كأن بعضها أُدخل في بعض قال الأعشى: شعر : ومن نسج داود موضونة تُساق مع الحيّ عسيراً فعيراً تفسير : {يُصَدَّعُونَ} صُدع القوم الخمر لحقهم الصُداع في رءوسهم منها {يُنزِفُونَ} يسكرون فتذهب عقولهم {مَّخْضُودٍ} خُضد شوكه أي قُطع قال أمية بن أبي الصلت: شعر : إن الحدائقَ في الجنان ظليلةٌ فيها الكواعبُ سِدْرها مخْضود تفسير : {طَلْحٍ} الطلح: شجر الموز {مَّنضُودٍ} متراكب بعضه فوق بعض {عُرُباً} جمع عروب وهي المتحببة إِلى زوجها {سَمُومٍ} ريح حارة تدخل في مسام البدن {يَحْمُومٍ} اليحموم الشديد السواد {ٱلْحَمِيمِ} الماء المغلي {ٱلْهِيمِ} الإِبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها. التفسِير: {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} أي إِذا قامت القيامة التي لا بد من وقوعها، وحدثت الداهية الطامة التي ينخلع لها قلب الإِنسان، كان من الأهوال ما لا يصفه الخيال قال البيضاوي: سميت واقعة لتحقق وقوعها وقال ابن عباس: الواقعة اسم من أسماء القيامة كالصاخة والآزفة والطامة، وهذه الأشياء تقتضي عظم شأنها {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} أي لا يكون عند وقوعها نفس كاذبة تكذِّب بوقوعها كحال المكذبين اليوم، لأن كل نفسٍ تؤمن حينئذٍ لأنها ترى العذاب عياناً كقوله تعالى {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ}تفسير : [غافر: 84] {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} أي هي خافضة لأقوام رافعةٌ لآخرين، تخفض أعداء الله في النار، وترفع أولياء الله في الجنة قال الحسن: تخفض أقواماً إِلى الجحيم وإِن كانوا في الدنيا أعزة، وترفع آخرين إِلى أعلى عليين وإِن كانوا في الدنيا وضعاء .. ثم بيَّن تعالى متى يكون ذلك فقال {إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً} أي زلزلت زلزالاً عنيفاً، واضطربت اضطراباً شديداً، بحيث ينهدم كل ما فوقها من بناء شامخ، وطودٍ راسخ قال المفسرون: تُرجُّ كما يرجُّ الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها من بناء، وينكسر كل ما فيها من جبال وحصون {وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً} أي فتِّتت تفتيتاً حتى صارت كالدقيق المبسوس - وهو المبلول - بعد أن كانت شامخة {فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} أي فصارت غباراً متفرقاً متطايراً في الهواء، كالذي يُرى في شعاع الشمس إِذا دخل النافذة فهذا هو الهباء، والمنبثُّ المتفرق، وهذه الآية كقوله تعالى {أية : وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ}تفسير : [القارعة: 5] وقوله {أية : وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً}تفسير : [النبأ: 20] {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} أي وكنتم - أيها الناس - أصنافاً وفرقاً ثلاث "أهل اليمين، وأهل الشمال، وأهل السبق" فأما السابقون فهم أهل الدرجات العُلى في الجنة، وأما أصحاب اليمين فهم سائر أهل الجنة، وأما أصحاب الشمال فهم أهل النار، وهذه مراتب الناس في الآخرة قال ميمون بن مهران: اثنان في الجنة وواحد في النار، ثم فصَّلهم تعالى بقوله {فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ}؟ استفهام للتفخيم والتعظيم أي هل تدري أيُّ شيء أصحاب الميمنة؟ من هم وما هي حالهم وصفتهم؟ إنهم الذين يؤتون صحائفهم في أيمانهم، فهو تعجيبٌ لحالهم، وتعظيم لشأنهم في دخولهم الجنة وتنعمهم بها {وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ}؟ أي هل تدري من هم؟ وما هي حالهم وصفتهم، إنهم الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم، ففيه تعجيب لحالهم في دخولهم النار وشقائهم قال القرطبي: والتكرير في {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} و{مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} للتفخيم والتعجيب كقوله {أية : ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ}تفسير : [الحاقة: 1-2] وقوله {أية : ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ}تفسير : [القارعة: 1-2] وقال الألوسي: والمقصود التفخيم في الأول، والتفظيع في الثاني، وتعجيب السامع من شأن الفريقين في الفخامة والفظاعة كأنه قيل: فأصحاب الميمنة في غاية حسن الحال، وأصحاب المشأمة في غاية سوء الحال {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ} هذا هو الصنف الثالث من الأزواج الثلاثة أي والسابقون إِلى الخيرات والحسنات، هم السابقون إِلى النعيم والجنات، ثم أثنى عليهم بقوله {أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ} أي أولئك هم المقربون من الله، في جواره، وفي ظل عرشه، ودار كرامته {فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} أي هم في جنات الخلد يتنعمون فيها قال الخازن: فإِن قلت: لم أخَّر ذكر السابقين وكانوا أولى بالتقديم على أصحاب اليمين؟ قلت: فيه لطيفة وذلك أنَّ الله ذكر في أول السورة الأمور الهائلة عند قيام الساعة تخويفاً لعباده، فإِما محسنٌ فيزداد رغبةً في الثواب، وإِمّا مسيء فيرجع عن إِساءته خوفاً من العقاب، فلذلك قدَّم أصحاب اليمين ليسمعوا ويرغبوا، ثم ذكر أصحاب الشمال ليرهبوا، ثم ذكر السابقين وهم الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر ليجدوا ويجتهدوا {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} أي السابقون المقربون جماعة كثيرة من الأمم السالفة {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} أي وهم قليلٌ من هذه الأمة قال القرطبي: وسمُّوا قليلاً بالإِضافة إِلى من كان قبلهم، لأن الأنبياء المتقدمين كانوا كثرة، فكثر السابقون إِلى الإِيمان منهم، فزادوا على عدد من سبق إِلى التصديق من أمتنا، قال الحسن: سابقوا من مضى أكثر من سابقينا ثم تلا الآية وقيل: إِن المراد بقوله {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ} أول هذه الأمة، والآخرون المتأخرون من هذه الأمة، فيكون كلا الفريقين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} أي جالسين على أسرَّة منسوجة بقضبان الذهب، مرصَّعة بالدر والياقوت قال ابن عباس: {مَّوْضُونَةٍ} أي مرمولة بالذهب يعني منسوجة به {مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا} أي حال كونهم مضطجعين على تلك الأسرَّة شأن المنعَّمين المترفين {مُتَقَابِلِينَ} أي وجوه بعضهم إلى بعض، ليس أحد وراء أحد، وهذا أدخل في السرور، وأكمل في أدب الجلوس {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} أي يدور عليهم للخدمة أطفال في نضارة الصبا، لا يموتون ولا يهرمون قال أبو حيان: وُصفوا بالخلد - وإِن كان كل من في الجنة مخلداً - ليدل على أنهم يبقون دائماً في سنِّ الولدان، لا يتحولون ولا يكبرون كما وصفهم جل وعلا {بِأَكْوَابٍ} أي بأقداح كبيرة مستديرة لا عُرى لها {وَأَبَارِيقَ} جمع إِبريق أي وبأباريق لها عُرى تبرق من صفاء لونها {وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} أي وكأسٍ من خمرٍ لذة جارية من العيون قال ابن عباس: لم تعصر كخمر الدنيا بل هي من عيون سارحة قال القرطبي: والمعين الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد في هذا الموضع الخمر الجارية من العيون، ليست كخمر الدنيا التي تستخرج بعصرٍ وتكلف ومعالجة {لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} أي لا تنصدع رءوسهم من شربها {وَلاَ يُنزِفُونَ} أي ولا يسكرون فتذهب بعقولهم فتذهب بعقولهم كخمر الدنيا قال ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السُّكرُ، والصُّداع، والقيءُ، والبول، وقد ذكر تعالى خمر الجنة ونزَّهها عن هذه الخصال الذميمة {وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ} أي ولهم فيها فاكهة كثيرة يختارون ما تشتهيه نفوسهم لكثرتها وتنوعها {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} أي ولحم طيرٍ مما يحبون ويشتهون قال ابن عباس: يخطر على قلب أحدهم لحم الطير فيطير حتى يقع بين يديه على ما اشتهى مقلياً أو مشوياً وفي الحديث "حديث : إنك لتنظر إِلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشوياً"تفسير : قال الرازي: وقدَّم الفاكهة على اللحم لأن أهل الجنة يأكلون لا عن جوع بل للتفكه، فميلهم إِلى الفاكهة أكثر كحال الشبعان في الدنيا فلذلك قدمها {وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ} أي ولهم مع ذلك النعيم نساء من الحور العين، الواسعات العيون، في غاية الجمال والبهاء، كأنهن اللؤلؤ في الصفاء والنقاء، الذي لم تمسه الأيدي قال في التسهيل: شبههن باللؤلؤ في البياض، ووصفه بالمكنون لأنه أبعد عن تغيير حسنه، وحين حديث : سألت "أم سلمة" رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا التشبيه قال "صفاؤهن كصفاء الدر في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي"تفسير : {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي جعلنا لهم ذلك كله جزاءً لعملهم الصالح في الدنيا.. ثم أخبر تعالى عن كمال نعيمهم في الجنة فقال {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً} أي لا يطرق آذانهم فاحشُ الكلام، ولا يلحقهم إِثمٌ مما يسمعون قال ابن عباس: لا يسمعون باطلاً ولا كذباً {إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً} أي إلا قول بعضهم لبعضٍ سلاماً سلاماً، يُحيي به بعضهم بعضاً ويفشون السلام فيما بينهم قال في البحر: والظاهر أنه استثناء منقطع لأنه لم يندرج في اللغو ولا التأثيم وقال أبو السعود: والمعنى أنهم يفشون السلام فيسلّمون سلاماً بعد سلام، أو لا يسمع كلٌ منهم إِلا سلام الآخر بدءاً أو ردّاً.. ثم شرع في تفصيل أحوال الصنف الثاني وهم أصحاب اليمين فقال {وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ}؟ استفهام للتعظيم والتعجيب من حالهم أي ما أدراك من هم، وما هي حالهم؟ {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} أي هم تحت أشجار النبق الذي قطع شوكه قال المفسرون: والسِّدرُ: شجر النبق، والمخضود الذي خُضد أي قُطع شوكه، وفي الحديث "حديث : أن أعرابياً جاء إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إن الله تعالى ذكر في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال: وما هي؟ قال: السدر فإِن له شوكاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس اللهُ يقول {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ}؟ خضَدَ اللهُ شوكه فجعل مكان كل شوكةٍ ثمرة، وإِن الثمرة من ثمره تفتَّق عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيها لونٌ يشبه الآخر"تفسير : {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} هو شجر الموز ومعنى {مَّنضُودٍ} أي متراكم قد نُضد بالحمل من أسفله إِلى أعلاه {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} أي وظل دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، لأن الجنة ظل كلها لا شمس فيها {أية : لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً}تفسير : [الإِنسان: 13] وفي الحديث "إن في الجنة شجرةً يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرءوا إن شئتم {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} وقال الرازي: ومعنى {مَّمْدُودٍ} أي لا زوال له فهو دائم {أية : أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا}تفسير : [الرعد: 35] أي دائم، والظلُّ ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى {وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ} أي وماءٍ جارٍ دائماً لا ينقطع، يجري في غير أخدود قال القرطبي: كانت العرب أصحاب بادية، والأنهار في بلادهم عزيزة، لا يصلون إِلىالماء إِلا بالدلو والرشاء، فوعدوا بالجنة بأسباب النزهة وهي الأشجار وظلالها، والمياه والأنهار وجريانها {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ} أي وفاكهةٍ كثيرة متنوعة، ليست بالقليلة العزيزة كما كانت في بلادهم، لا تنقطع كما تنقطع ثمار الدنيا في الشتاء، وليست ممنوعة عن أحد، قال ابن عباس: لا تنقطع إِذا جُنيت، ولا تمتنع من أحدٍ إِذا أراد أخذها وفي الحديث "حديث : ما قُطعت ثمرةٌ من ثمار الجنة إِلا عاد مكانها أخرى"تفسير : {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} أي عالية وطيئة ناعمة وفي الحديث "حديث : ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمس مائة عام"تفسير : قال الألوسي: ولا تستبعد هذا من حيث العروجُ والنزولُ، فالعالم عالم آخر فوق طور عقلك تنخفض للمؤمن إِذا أراد الجلوس عليها ثم ترتفع به ، والله على كل شيء قدير {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً} أي خلقنا نساء الجنة خلقاً جديداً، وأبدعناهن إِبداعاً عجيباً، قال في التسهيل: ومعنى إنشاء النساء أن الله تعالى يخلقهن في الجنة خلقاً آخر في غاية الحسن بخلاف الدنيا، فالعجوز ترجع شابة، والقبيحة ترجع جميلة قال ابن عباس: يعني الآدميات العجائز الشمط خلقهن الله بعد الكبر والهرم خلقاً آخر {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً} أي فجعلناهن عذارى، كلما أتاهنَّ أزواجهن وجدوهنَّ أبكاراً {عُرُباً} جمع عروب وهي المتحببة لزوجها العاشقة له قال مجاهد: هنَّ العاشقات لأزواجهن المتحببات لهن اللواتي يشتهين أزواجهن {أَتْرَاباً} أي مستويات في السنِّ مع أزواجهن، في سنّ أبناء ثلاث وثلاثين، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: "حديث : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً} فقال يا أم سلمة: هنَّ اللواتي قُبضن في الدنيا عجائز، شُمطاً عُمشاً، رُمصاً، جعلهن الله بعد الكِبر أتراباً على ميلادٍ واحد في الاستواء"تفسير : وفي الحديث "حديث : أن امرأة عجوزاً جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: أُدع الله أن يُدخلني الجنة، فقال: يا أم فلان إِن الجنة لا تدخلها عجوز، فولَّت تبكي، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، فإِن الله تعالى يقول {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً}"تفسير : {لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} أي أنشأنا هؤلاء النساء الأبكار لأصحاب اليمين ليستمتعوا بهنَّ في الجنة، ثم قال تعالى {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} أي هم جماعة من الأولين من الأمم الماضية، وجماعة من المتأخرين من أُمة محمد صلى الله عليه وسلم، قال في البحر: ولا تنافي بين هذه الآية {وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} وبين الآية التي سبقتها وهي قوله {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} لأن الثانية في السابقين فلذلك قال {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} وهذه في أصحاب اليمين ولذلك قال {وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} .. ثم شرع تعالى في بيان الصنف الثالث وهم أهل النار فقال {وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ} استفهام بمعنى التهويل والتفظيع والتعجيب من حالهم أي وأصحابُ الشمال - وهم الذين يعطون كتبهم بشمائلهم - ما أصحاب الشمال؟ أي ما حالهم وكيف مآلهم؟ ثم فصَّل تعالى حالهم فقال {فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} أي في ريح حارة من النار تنفذ في المسام، وماءٍ شديد الحرارة {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} أي وفي ظلٍ من دخان أسود شديد السواد {لاَّ بَارِدٍ} أي ليس هذا الظل بارداً يستروح به الإِنسان من شدة الحر {وَلاَ كَرِيمٍ} أي وليس حسن المنظر يُسرُّ به من يستفيء بظله قال الخازن: إِن فائدة الظل ترجع إِلى أمرين: أحدهما: دفع الحر، والثاني: حسن المنظر وكون الإِنسان فيه مكرماً، وظلُّ أهل النار بخلاف هذا لأنهم في ظل من دخان أسود حار.. ثم بيَّن تعالى سبب استحقاقهم ذلك فقال {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} أي لأنهم كانوا في الدنيا منعَّمين، مقبلين على الشهوات والملذات {وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ} أي وكانوا يداومون على الذنب العظيم وهو الشرك بالله قال المفسرون: لفظ الإِصرار يدل على المداومة على المعصية، والحنثُ هو الذنب الكبير والمراد به هنا الكفر بالله كما قاله ابن عباس {وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} أي هل سنبعث بعد أن تصبح أجسادنا تراباً وعظاماً نخرة؟ وهذا استبعادٌ منهم لأمر البعث وتكذيب له {أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ}؟ تأكيدٌ للإِنكار ومبالغة فيه أي وهل سيبعث آباؤنا الأوائل بعد أن بليت أجسامهم وتفتَّتت عظامهم؟ {قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} أي قل لهم يا محمد: إِن الخلائق جميعاً السابقين منهم واللاحقين، سيجمعون ويحشرون ليوم الحساب الذي حدَّده الله بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ}تفسير : [هود: 103-104] {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ} أي ثم إنكم يا معشر كفار مكة، الضالون عن الهدى، المكذبون بالبعث والنشور، لآكلون من شجر الزقوم الذي ينبت في أصل الجحيم {فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ} أي فمالئون بطونكم من تلك الشجرة الخبيثة لغلبة الجوع عليكم {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ} أي فشاربون عليه الماء الحار الذي اشتد غليانه {فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ} أي فشاربون شرب الإِبل العطاش قال ابن عباس: الهيمُ الإِبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها وقال أبو السعود: إنه يسلط على أهل النار من الجوع ما يضطرهم إِلى أكل الزقوم الذي هو كالمُهل، فإِذا ملأوا منه بطونهم - وهو في غاية الحرارة والمرارة - سُلِّط عليهم من العطش ما يضطرهم إِلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم وهي الإِبل التي بها الهيام وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى {هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ} أي هذه ضيافتهم وكرامتهم يوم القيامة، وفيه تهكم بهم قال الصاوي: والنُزُل في الأصل ما يهيأ للضيف أول قدومه من التحف والكرامة، فتسمية الزقوم نُزلاً تهكم بهم.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} فالوَاقِعةُ القِيامةُ. وكذلكَ الآزِفةُ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} الآية هذه السورة مكية ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر ما آل إليه الثقلان من عذاب ونعيم ذكر ذلك هنا مفصلاً للسابقين المقربين وأصحاب اليمين والمكذبين الضالين والواقعة والأزقة والطامة من أسماء الساعة فقوله وقعت الواقعة أي وقعت التي لا بد من وقوعها كما تقول حدثت الحادثة وكانت الكائنة ووقوع الأمر نزوله يقال وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله والعامل في إذا الفعل بعدها على ما قررناه في كتب النحو فهي في موضع نصب بوقعت كسائر أسماء الشرط. قال الزمخشري: فإِن قلت بم انتصب إذا قلت بليس كقولك يوم الجمعة ليس لي شغل أو بمحذوف يعني إذا وقعت كان كيت وكيت أو بإِضمار أذكر "انتهى". أما نصبها بليس فلا يذهب نحوي ولا من شد أشيأ من صناعة الاعراب إلى مثل هذا لأن ليس في النفي كما وما لا تعمل فكذلك ليس وذلك أن ليس مسلوبة الدلالة على الحدث والزمن والقول بأنها فعل هو على سبيل المجاز لأن حد الفعل لا ينطبق عليها والعامل في الظرف إنما هو ما يقع فيه من الحدث فإِذا قلت يوم الجمعة أقوم فالقيام في يوم الجمعة واقع ليس لأحدث لها فكيف يكون لها عمل في الظرف والمثال الذي شبه به وهو يوم الجمعة ليس لي شغل لا يدل على أن يوم الجمعة منصوب بالعامل في خبر ليس والجار والمجرور فهو من تقديم معمول الخبر على ليس وتقديم ذلك مبني على جواز تقدّم الخبر الذي لليس عليها وهو مختلف فيه ولم يسمع من العرب قائماً ليس زيد وليس إنما تدل على نفي الحكم الخبري عن المحكوم عليه فقط فهي كما لكنه لما اتصلت بها ضمائر الرفع جعلها ناس فعلاً وهي في الحقيقة حرف نفي كما النافية ويظهر من تمثيل الزمخشري إذاً بقوله يوم الجمعة أنه سلبها الدلالة على الشرط الذي هو غالب فيها ولو كانت شرطاً وكان الجواب الجملة المصدرة بليس لزمت الفاء لأن أن حذفت في شعر أن ورد ذلك فتقول إذاً أحسن إليك زيد فلست تترك مكافأته ولا يجوز لست بغير فاء إلى أن اضطر إلى ذلك وأما تقديره إذا وقعت كان كيت كيت فيدل على أن عنده شرطية ولذلك قدر لها جواباً عاملاً فيها وأما قوله أو بإِضمار أذكر فإِنه سلبها الظرفية وجعلها مفعولاً بها منصوبة باذكر. و{كَاذِبَةٌ} ظاهره أنها إسم فاعل من كذب وهو صفة لمحذوف فقدره الزمخشري نفس كاذبة والذي يظهر أنها جملة اعتراض بين الشرط وجوابه وقرىء. {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} برفعهما على تقدير هي ونصبهما على الحال. {إِذَا رُجَّتِ} قال ابن عباس زلزلت وحركت بعنف. {وَبُسَّتِ} فتتت وإذا رجت بدل من إذا وقعت وجواب الشرط عندي ملفوظ به وهو قوله: فأصحاب الميمنة والمعنى إذا كان كذا فأصحاب الميمنة ما أسعدهم وما أعظم ما يجازون به أي إن سعادتهم وعظم رتبتهم عند الله تعالى تظهر في ذلك الوقت الشديد الصعب وعلى العالم. وقال الزمخشري: ويجوز أن ينتصب بخافضة رافعة أن تخفض وترفع وقت رج الأرض وبس الجبال لأنه عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع ويرتفع ما هو منخفض "انتهى". ولا يجوز أن ينصب بها معاً بل بأحدهما لأنه لا يجمع مؤثران على أثر واحد وقال ابن جني وأبو الفضل الرازي إذا رجت في موضع رفع على أنه خبر للمبتدأ الذي هو إذا وقعت وليست واحدة منهما شرطية بل جعلت بمعنى وقت وما بعد إذا أحوال ثلاثة والمعنى وقت وقوع الواقعة صادقة الوقوع خافضة قوم رافعة آخرين وقت رج الأرض وهكذا ادعى ابن مالك أن إذا تكون مبتدأ واستدل بهذا وقواه وقد ذكرتا في شرح التسهيل ما تبقى به إذا على مدلولها من الشرط. {وَكُنتُمْ} خطاب للعالم. {أَزْوَاجاً} أصنافاً. {ثَلاَثَةً} وهذه رتب الناس يوم القيامة. {فَأَصْحَابُ} مبتدأ وما مبتدأ ثان استفهام في معنى التعظيم وأصحاب الميمنة خبر عن ما وما بعدها خبر عن أصحاب وربط الجملة هنا بالمبتدأ تكرار المبتدأ بلفظه وأكثر ما يكون ذلك في موضع التهويل والتعظيم واعراب أصحاب المشأمة كذلك. {وَٱلسَّابِقُونَ} في أعمال الخيرات. {ٱلسَّابِقُونَ} إلى الجنة والجملة مبتدأ وخبر ويجوز أن يكون السابقون توكيداً للأول ويكون خبر المبتدأ الجملة التي هي إسم إشارة وما بعدها وهو قوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ} والثلة الجماعات قلت أو كثرت والمراد بها في الآية الجماعة الكثيرة لمقابلها في قوله. {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} وارتفع ثلة على اخمارهم وفي الحديث حديث : الفرقتان في أمتي فسابق في أول الأمة ثلة وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل . تفسير : {مَّوْضُونَةٍ} والموضونة المنسوجة بتركيب بعض أجزائها على بعض كحلق الدرع وقال عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. {مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا} أي على السرر ومتكئين حال من الضمير المستكن في على سرر. {مُتَقَابِلِينَ} ينظر بعضهم إلى بعض وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق وصفاء بواطنهم. {وِلْدَانٌ} صغار الخدم. {مُّخَلَّدُونَ} وصفوا بالخلد وهو البقاء على حالهم من الصغر لا يكبرون وقيل مقرطون بالخلدات وهي ضروب من الاقراط. {مَّعِينٍ} قال ابن عباس من خمر سائلة جارية معينة. {لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} لا يلحق رؤوسهم الصداع الذي يلحق من خمر الدنيا. {وَلاَ يُنزِفُونَ} أي لا يفزع خمرهم من نزف البئر استفرغ ماءها وقرىء. {وَحُورٌ} بالرفع على تقدير ولهم حور وبالجر عطفاً على المجرورات قبله والمعنى أن الولدان يطوفون عليهم بالحور العين ووصف اللؤلؤ بالمكنون لأنه أصفى وأبعد من التغير وفي الحديث حديث : صفاؤهن كصفاء الدر الذي لا تمسه الأيدي . تفسير : {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} روي أن المنازل تقسم في الجنة على قدر الأعمال ونفس دخول الجنة هو بفضل الله ورحمته لا بعمل عامل وفي النص الصحيح الصريح حديث : لا يدخل أحد الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني منه بفضل ورحمة" . تفسير : واللغو سقط القول وفحشه والتأثيم ما يؤثم به أن لا يؤثم فيها أحد والظاهر أن الا قيلا سلاماً استثناء منقطع لأنه لم يندرج في اللغو ولا التأثيم. {فِي سِدْرٍ} في الجنة شجرة على خلقة السدر له ثمر كقلال هجر طيب، الطعم والريح. {مَّخْضُودٍ} عار من الشوك. {وَطَلْحٍ} قال مجاهد هو الموز والمنضود الذي نضد من أسفله إلى أعلاه فليست له ساق تظهر. {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} أي منبسط لا يتقلص ولا ينسخه شىء. {وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ} جار في غير أخاديد. {لاَّ مَقْطُوعَةٍ} أي هي دائمة لا تنقطع في بعض الأوقات كفاكهة الدنيا. {وَلاَ مَمْنُوعَةٍ} أي لا تمنع من تناولها بوجه ولا يحظر عليها كالتي في الدنيا. {وَفُرُشٍ} جمع فرش. {مَّرْفُوعَةٍ} نضرت حتى ارتفعت أو رفعت على الأسرة والظاهر أن الفراش هو ما يفرش للجلوس عليه والنوم والضمير في أنشأنا عائد على الفرش في قول أبي عبيدة إذ هن النساء عنده وعلى ما دل عليه الفرش إذا كان المراد بالفرش ظاهر ما يدل عليه من الملابس التي نفترش ويضطجع عليها أي ابتدأنا خلقهن ابتداءاً جديداً من غير ولادة والظاهر أن الإِنشاء هو الاختراع الذي لم يسبق بخلق مثله ويكون ذلك مخصوصاً بالحور اللاتي لسن من نسل آدم عليه السلام. {أَبْكَاراً} قيل دائمات البكارة كلما وطئن وجدن أبكاراً والعروب قال ابن عباس: المتحببة إلى زوجها. {أَتْرَاباً} في الشكل والقد والسن. {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} أي من الأمم الماضية. {وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} أي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا تنافي بين قوله وثلة من الآخرين وقوله قبل وقليل من الآخرين لأن قوله وقليل من الآخرين هو في السابقين وقوله وثلة من الآخرين هو في أصحاب اليمين. {وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ} في هذا الاستفهام تعظيم مصابهم. {فِي سَمُومٍ} في أشد حر. {وَحَمِيمٍ} ماء شديد السخونة. {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} اليحموم الأسود البهيم. {لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ} صفتان للظل نفيتا سمي ظلاً وإن كان ليس كالظلال ونفى عنه برد الظل ونفعه لمن يأوى إليه. {وَلاَ كَرِيمٍ} تتميم لنفي صفة المدح عنه وتمحيق لما يتوهم في الظل من الاسترواح إليه عنده شدّة الحر أو نفياً لكرامة من يستروح إليه. {ثُمَّ إِنَّكُمْ} خطاب لكفار قريش. {أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ} عن الهدى. {ٱلْمُكَذِّبُونَ} للبعث. {لأَكِلُونَ} من الأولى لابتداء الغاية أو للتبغيص والثانية ان كان من زقوم بدلاً فمن تحتمل الوجهين وإن لم يكن بدلاً فهي لبيان الجنس أي من شجر الذي هو زقوم. {فَمَالِئُونَ} الضمير في. {مِنْهَا} عائد على شجر إذ هو إسم جنس يؤنث ويذكر. {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ} ذكر على لفظ الشجر كما أنث على المعنى في منها. {ٱلْهِيمِ} جمع أهيم وهيماء والهيام داء معطش يصيب الإِبل تشرب حتى تموت أو تسقم سقماً شديداً؟ {يَوْمَ ٱلدِّينِ} أي يوم الجزاء.
الجيلاني
تفسير : اذكر يا أكمل الرسل للمعتبرين من المكلفين وقت: {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} [الواقعة: 1] العظمى الموعودة، وحديث الطامة الكبرى المعهودة من لدنه سبحانه، مع أنه {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا} حين وقوعها نفس {كَاذِبَةٌ} [الواقعة: 2] تكذبها، كما تكذب بها الآن. وليس أيضاً لوقوعها حين وقوعها نفس {خَافِضَةٌ} تخفضها بالتردد فيها ولا نفس {رَّافِعَةٌ} [الواقعة: 3] ترفعهم بالجزم بها، بل وقعت حين وقعت حتماً بلا ريب وتردد، وبلا خفض أحد ورفع آخر. اذكر يا أكمل الرسل لمن أنكر وقوعها، وتردد فيها نبذا من أماراتها وأشراطها وقت: {إِذَا رُجَّتِ} وحركت {ٱلأَرْضُ رَجّاً} [الواقعة: 4] تحريكاً شديداً عنيفاً بحث انهدمت ما عليها من الأبنية المحكمة والبقاع المشيدة. {وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ} أي: تشتت وتفتت أجزاؤها {بَسّاً} [الواقعة: 5] تفتتاً تاماً وتشتتاً كاملاً بحيث اضمحلت أجزاؤها، وتلاشت وصارت كالسويق الملتوت. وبالجملة: {فَكَانَتْ} الجبال التي عليها {هَبَآءً} هشيماً غباراً {مُّنبَثّاً} [الواقعة: 6] منتثراً منتشراً متفرقاً، بحث تلاشت هويات ما عليها مطلقاً. {وَكُنتُمْ} حينئذ أيها المكلفون المعتبرون {أَزْوَاجاً} وأصنافاً {ثَلاَثَةً} [الواقعة: 7] حسب معاشكم في النشأة الأولى. {فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} أي: اليُمن والكرامة من الأخيار الأبرار المحسنين بصوالح الأعمال والأحوال ومحامد الأخلاق والأطوار {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} [الواقعة: 8] أي: ما أعظم شأنهم وإكرامهم، وأحسن حالهم بيمنهم وسعادتهم الشاملة لهم حسب اتصافهم بصالحات الأعمال، وبالاعتقادات الصحيحة والأخلاق المرضية. {وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} والشمال؛ أي: ملازمو الشآمة والملامة، وأنواع الندامة والخذلان، من المفسدين المسرفين، المصرين على أنواع الكفر والفسوق وأصناف العصيان والآثام من مفاسد العقائد، ومقابح الشيم والأخلاق {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} [الواقعة: 9] أي: ما أقبح حالهم أشد عذابهم، ونكالهم وشآمتهم وشقاوتهم المستمرة عليهم بشؤم مكاسبهم ومفاسدهم. {وَٱلسَّابِقُونَ} المبادرون نحو الحق من طريق الفناء، الباذلون مهجهم في سبيله إلى الدرجات الإرادية شوقاً إلى لقائه هم {ٱلسَّابِقُونَ} [الواقعة: 10] المقصورون على السبق والحضور مع الله بلا توجه منهم إلى لوازم هوياتهم الباطلة وهياكلهم العاطلة. {أُوْلَـٰئِكَ} المقبولون هم {ٱلْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 11] عند الله المتنعمون {فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} [الواقعة: 12] أي: منتزهات الوحدة الذاتية التي هي اليقين العلمي والعيني والحقي. وهؤلاء المقربون الواصلون إلى مقر الوحدة متفاوتون في القلة والكثرة، والدرجات العلية والمقدمات السنية بالنسبة إلى مسالكهم ومعارجهم لذلك {ثُلَّةٌ} أي: جماعة عظيمة {مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} [الواقعة: 13] أي: من الأمم السالفة، وهم الأبرار الذين تقربوا نحو الحق بتوحيد الصفات والأفعال. {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} [الواقعة: 14] أي: حمع قليل بالنسبة إلى الأولين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم الذين وصلوا بل اتصلوا إلى الله سبحانه من طريق توحيد الذات، المسقط لعموم الإضافات والكثرات، وهؤلاء أعزك، وأقل وجوداً بالنسبة؛ أي: الأمم السالفة، لذلك وصفوا بالقلة، وبالجملة: كلهم على تفاوت طبقاتهم في منتزهات الوحدة متنعمون متمكنون: {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} [الواقعة: 15] مسوجة مشبكة حسب درجاتهم العلية ومقاماتهم السنية. {مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا} أعلى تلك السرر {مُتَقَابِلِينَ} [الواقعة: 16] مع عموم كمالاتهم ومقاماتهم وحالاتهمه بلا ترقب منهم وانتظار لهم، ومع ذلك {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ} للمؤانسة {وِلْدَانٌ} صباح ملاح مصورون من حسنات أعمالهم وأخلاقهم {مُّخَلَّدُونَ} [الواقعة: 17] دائمون مستمرون على تلك الصور الصبيحة المليحة، لا يتغيرون، ولا يتحولون منها أصلاً كتغير ملاح الدنيا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : يا طالب معرفة الواقعة الرافعة، اعلم أن الواقعة اسم لقيامة الروح، كما أن الآزفة اسم لقيامة الخفي، والحاقة لقيامة السر، والساعة لقيامة القلب، والواقعة إذا وقعت ترفع صاحبها طوراً وتخفض طوراً، وتسير من هواها {أية : ٱلْجِبَالُ سَيْراً}تفسير : [الطور: 10]، وتمور الأرض موراً، وتفور نيران الشوق والعشق من هبوب رياح اللطف من شمال الجمال فوراً، وتشتعل نيران الشدة والغيرة من نفخ ريح سموم الجلال اشتعالاً، وتفجر حيناً أنهار المعرفة تفجيراً، وتجعل ماء الحكمة غوراً. واقرأ سورة الواقعة من كتاب الحق حيث يقول: {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} [الواقعة: 1-2] متدبراً؛ لتفهم أن الواقعة أمر جزم لاشك في وقوعها، والسالك إذا اشتغل بالسلوك والتصفية ووصل ذكره إلى الروح يشاهد الواقعة وهي في البداية، مثل ستر أسود يجيء من فوق الرأس عند غلبة الذكر، وكلما تدبر في النزول يقع على الذكر هيبة وسكينة، وربما في البداية يغمى عليه، فأما في الوسط فإذا نزل برأسه حتى يقع على عينيه يشاهد عوالم الغيب وما فيه كما شاء الله أن يريه في تلك الواقعة، ويكشف عليه العلوم الروحانية في تلك الوقاعة، ويرى السالك عجائب وغرائب ما لا يعد ولا يحصى، فإذا أفاق من واقعته يكون كالحيوان يحكها السلكة، ويرشده مسلكه إلى ما فيه مصلحة وقته، ويصير ما هو مناسب لحوصلته، ويقوى قلبه ويأمره بالذكر والتوجه الكلي حتى يصفو سر الواقعة فيكون سراً منوراً، فكلما ينزل يجد السالك منها طمأنينة وذوقاً، وربما يصل إلى حد حتى أن السالك بعد نزولها يفتح عينه في عالم الشهادة ويشاهد مآله في الواقعة؛ وهي حالة سنية معتبرة عند أرباب السلوك. {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} [الواقعة: 2]، بل هي صادقة؛ لأن الشيطان يفر من ظل الواقعة، ولا تقدر النفس أن تشكل صاحب الواقعة أصلاً؛ لأنها أظهر من أن يمكن للنفس والشيطان أن يلبسا حالها على السالك، وعندي أنها حالة حقيقة؛ وهي النقطة الحقيقة، والذي تشاهده في عالم الشهادة بالنسبة إليها حالة النوم، وفي الحقيقة كل ما يشاهده في العالم الخيالي لا حقيقة له؛ ولأجل هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا"،تفسير : فكن أيها النائم في نومك على حذر من حقائق الحيات والعقارب المنبثة بصور أفلاكك لكن تنتبه فتشكر الله على أنك خلصت من النوم، ولا تتنعم بصورها المزينة المزخرفة الدنيوية، لكن تنتبه بحزنك الانتباه لما رأيت الصورة المزينة الملتبسة في النوم، ولا بد من الانتباه من مشاهدة حقائق الصور المكتسبة بالأخلاق والصفات، فاجتهد في أن تجد بصرك وتكشف غطاءك في اليوم لتشاهد حقائق الصور؛ لئلا تلتفت إلى الصور المزخرفة، وتشاهد وراء الصور حقائق المعاني العقربية والنارية، والحطمة في صورة مزينة بالشهوات؛ ليتيقن بها أطفال الطيبعة وجهال قوى القالبية والنفسية، ويعاين في الصور الهائلة المزخرفة الدنيوية حقائق الحورية والخلدية والنعم الباقية، لكن يتنبه بشكر الله على خلاصك من الصور الهائلة، ووصولك إلى حقائقها وتنعمك بها أبد الآباد؛ ولأجل هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات"،تفسير : والذي يقول الله تعالى في صفة الواقعة: {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} [الواقعة: 3] تدل على هذه المعاني؛ لأنها تخفض أهل الشهوات وترفع درجات الذين تركوا الشهوات، ونظروا بعين التحقيق إلى معاني الصمد المزخرفة لا إلى صورتها، وأعرضوا عن الباطل وأقبلوا على الحق. {إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً} [الواقعة: 4]؛ يعني: زلزلت أرض البشرية من غلبة ريح الذِّكر الروحي، {وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً} [الواقعة: 5]؛ يعني: فتت القوى المعدنية فتاً من صدمات سلطان الذِّكر الروحي، {فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} [الواقعة: 6]؛ يعني: غباراً متفرقاً بقوة النفي بالذِّكر الروحي، {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} [الواقعة: 7]، أيتها القوى القالبية والنفسية، والقلبية والسرية، والروحية، والخفية: إنكم في تلك الحالة تتفرقون على ثلاثة فرق: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون كما يصفهم الله تعالى: {فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} [الواقعة: 8]، هم أصحاب اليمن والبركة من المتيقظين في نومة الدنيا، المشاهدين حقائق الصورة بعين الإيمان، {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} [الواقعة: 8] ما أحسن حال أصحاب الميمنة بعد الخلاص من النوم، {وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} [الواقعة: 9]، وهم أصحاب الشؤم والمنقصة من الجاهلين النائمين بنومة الغفلة في الدنيا، القاصرين نظرهم على الصور المزخرفة المزينة العاجلة، الغافلين عن حقائقها ومعاينها، {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} [الواقعة: 9]؛ يعني: ما أقبح حال أصحاب المشأمة بعد الانتباه من نومة الدنيا، {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ} [الواقعة: 10]؛ يعني: السابقون الذين سبقت لهم منا الحسنى، ما زاغ بصرهم وما طغى، قدمهم عن الصراط يمينً وشمالاً؛ هم السابقون بتوجههم الصادق إلى الله تعالى، {أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 11] من الله، {فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} [الواقعة: 12]؛ أي: في حقائق ما يشاهودنها في صور الكراهة في الدنيا من المجاهدة والرياضة وترك الشهوات وما شكلها. {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} [الواقعة: 13]؛ يعني: يكون السابق قليلاً من القوى القالبية والنفسية، والقلبية والسرية، والروحية والخفية، {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} [الواقعة: 14]؛ يعني: أيضاً هم قليلون من القوى الخفية، كما يقول الله تعالى في موضع آخر: {أية : وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ}تفسير : [ص: 24] {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ} [الواقعة: 15-16]؛ يعني: سرر السر متواصلة من الصفات منسوجة بجوهر الوفاء وذهب الرضاء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى بحال الواقعة التي لا بد من وقوعها، وهي القيامة التي { لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ } أي: لا شك فيها، لأنها قد تظاهرت عليها الأدلة العقلية والسمعية، ودلت عليها حكمته تعالى. { خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ } أي: خافضة لأناس في أسفل سافلين، رافعة لأناس في أعلى عليين، أو خفضت بصوتها فأسمعت القريب، ورفعت فأسمعت البعيد. { إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا } أي: حركت واضطربت. { وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا } أي: فتتت. { فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا } فأصبحت الأرض ليس عليها جبل ولا معلم، قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. { وَكُنْتُمْ } أيها الخلق { أَزْوَاجًا ثَلاثَةً } أي: انقسمتم ثلاث فرق بحسب أعمالكم الحسنة والسيئة. ثم فصل أحوال الأزواج الثلاثة، فقال: { فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ } تعظيم لشأنهم، وتفخيم لأحوالهم. { وَأَصْحَابُ الْمَشئَمَةِ } أي: الشمال، { مَا أَصْحَابُ الْمَشئَمَة } تهويل لحالهم. { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ } أي: السابقون في الدنيا إلى الخيرات، هم السابقون في الآخرة لدخول الجنات. أولئك الذين هذا وصفهم، المقربون عند الله، في جنات النعيم، في أعلى عليين، في المنازل العاليات، التي لا منزلة فوقها. وهؤلاء المذكورون { ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ } أي: جماعة كثيرون من المتقدمين من هذه الأمة وغيرهم.
همام الصنعاني
تفسير : 3116- سلمة بن شبيب قال. حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ}: [الآية: 1]، قال: نَزَلَتْ {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ}: [الآية: 2]، قال: مثنوية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):