Verse. 4986 (AR)

٥٦ - ٱلْوَاقِعَة

56 - Al-Waqi'a (AR)

وَّكُنْتُمْ اَزْوَاجًا ثَلٰثَۃً۝۷ۭ
Wakuntum azwajan thalathatan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكنتم» في القيامة «أزواجا» أصنافا «ثلاثة».

7

Tafseer

الرازي

تفسير : أي في ذلك اليوم أنتم أزواج ثلاثة أصناف وفسرها بعدها بقوله: {فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الفاء تدل على التفسير، وبيان ما ورد على التقسيم كأنه قال: (أزواجاً ثلاثة أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة) إلخ، ثم بين حال كل قوم، فقال: {مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ } فترك التقسيم أولاً واكتفى بما يدل عليه، فإنه ذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها، وسبق قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً } يغني عن تعديد الأقسام، ثم أعاد كل واحدة لبيان حالها. المسألة الثانية: {أصحابُ ٱلْمَيْمَنَةِ } هم أصحاب الجنة، وتسميتهم بأصحاب الميمنة إما لكونهم من جملة من كتبهم بأيمانهم، وإما لكون أيمانهم تستنير بنور من الله تعالى، كما قال تعالى: {أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم } تفسير : [الحديد: 12] وإما لكون اليمين يراد به الدليل على الخير، والعرب تتفاءل بالسانح، و(هو) الذي يقصد جانب اليمين من الطيور والوحوش عند الزجر والأصل فيه أمر حكمي، وهو أنه تعالى لما خلق الخلق كان له في كل شيء دليل على قدرته واختياره، حتى إن في نفس الإنسان له دلائل لا تعد ولا تحصى، ودلائل الاختيار إثبات مختلفين في محلين متشابهين، أو إثبات متشابهين في محلين مختلفين، إذ حال الإنسان من أشد الأشياء مشابهة فإنه مخلوق من متشابه، ثم إنه تعالى أودع في الجانب الأيمن من الإنسان قوة ليست في الجانب الأيسر لو اجتمع أهل العلم على أن يذكروا له مرجحاً غير قدرة الله وإرادته لا يقدرون عليه، فإن كان بعضهم يدعى كياسة وذكاء يقول: إن الكبد في الجانب الأيمن، وبها قوة التغذية، والطحال في الجانب الأيسر، وليس فيه قوة ظاهرة النفع فصار الجانب الأيمن قوياً لمكان الكبد على اليمين؟ فنقول: هذا دليل الاختيار لأن اليمين كالشمال، وتخصيص الله اليمين يجعله مكان الكبد دليل الاختيار إذا ثبت أن الإنسان يمينه أقوى من شماله، فضلوا اليمين على الشمال، وجعلوا الجانب الأيمن للأكابر، وقيل: لمن له مكانة هو من أصحاب اليمين، ووضعوا له لفظاً على وزن العزيز، فينبغي أن يكون الأمر على ذلك الوجه كالسميع والبصير، ومالا يتغير كالطويل والقصير، وقيل له: اليمين، وهو يدل على القوة، ووضعوا مقابلته اليسار على الوزن الذي اختص به الاسم المذموم عند النداء بذلك الوزن، وهو الفعال، فإن عند الشتم والنداء بالاسم المذموم يؤتى بهذا الوزن مع البناء على الكسر، فيقال: يا فجار يا فساق يا خباث، وقيل: اليمين اليسار، ثم بعد ذلك استعمل في اليمين، وأما الميمنة فهي مفعلة كأنه الموضع الذي فيه اليمين وكل ما وقع بيمين الإنسان في جانب من المكان، فذلك موضع اليمين فهو ميمنة كقولنا: ملعبة. المسألة الثالثة: جعل الله تعالى الخلق على ثلاثة أقسام دليل غلبة الرحمة، وذلك لأن جوانب الإنسان أربعة، يمينه وشماله، وخلفه وقدامه، واليمين في مقابلة الشمال والخلف في مقابلة القدام ثم إنه تعالى أشار بأصحاب اليمين إلى الناجين الذين يعطون كتبهم بأيمانهم وهم من أصحاب الجانب الأشرف المكرمون، وبأصحاب الشمال إلى الذين حالهم على خلاف أصحاب اليمين وهم الذين يعطون كتبهم بشمائلهم مهانون وذكر السابقين الذين لا حساب عليهم ويسبقون الخلق من غير حساب بيمين أو شمال، أن الذين يكونون في المنزلة العليا من الجانب الأيمن، وهم المقربون بين يدي الله يتكلمون في حق الغير ويشفعون للغير ويقضون أشغال الناس وهؤلاء أعلى منزلة من أصحاب اليمين، ثم إنه تعالى لم يقل: في مقابلتهم قوماً يكونون متخلفين مؤخرين عن أصحاب الشمال لا يلتفت إليهم لشدة الغضب عليهم وكانت القسمة في العادة رباعية فصارت بسبب الفضل ثلاثية وهو كقوله تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرٰتِ } تفسير : [فاطر: 32] لم يقل: منهم متخلف عن الكل. المسألة الرابعة: ما الحكمة في الابتداء بأصحاب اليمين والانتقال إلى أصحاب الشمال ثم إلى السابقين مع أنه في البيان بين حال السابقين ثم أصحاب الشمال على الترتيب والجواب: أن نقول: ذكر الواقعة وما يكون عند وقوعها من الأمور الهائلة إنما يكون لمن لا يكون عنده من محبة الله تعالى ما يكفه مانعاً عن المعصية، وأما الذين سرهم مشغول بربهم فلا يجزنون بالعذاب، فلما ذكر تعالى: {أية : إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ } تفسير : [الواقعة: 1] وكان فيه من التخويف مالا يخفى وكان التخويف بالذين يرغبون ويرهبون بالثواب والعقاب أولى ذكر ما ذكره لقطع العذر لا نفع الخبر، وأما السابقون فهم غير محتاجين إلى ترغيب أو ترهيب فقدم سبحانه أصحاب اليمين الذين يسمعون ويرغبون ثم ذكر السابقين ليجتهد أصحاب اليمين ويقربوا من درجتهم وإن كان لا ينالها أحد إلا بجذب من الله فإن السابق يناله ما يناله بجذب، وإليه الإشارة بقوله: جذبة من جذبات الرحمن خير من عبادة سبعين سنة. المسألة الخامسة: ما معنى قوله: {مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ }؟ نقول: هو ضرب من البلاغة وتقريره هو أن يشرع المتكلم في بيان أمر ثم يسكت عن الكلام ويشير إلى أن السامع لا يقدر على سماعه كما يقول القائل لغيره: أخبرك بما جرى عليَّ ثم يقول هناك هو مجيباً لنفسه لا أخاف أن يحزنك وكما يقول القائل: من يعرف فلاناً فيكون أبلغ من أن يصفه، لأن السامع إذا سمع وصفه يقول: هذا نهاية ما هو عليه، فإذا قال: من يعرف فلاناً بفرض السامع من نفسه شيئاً، ثم يقول: فلان عند هذا المخبر أعظم مما فرضته وأنبه مما علمت منه. المسألة السادسة: ما إعرابه ومنه يعرف معناه؟ نقول: {فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ } مبتدأ أراد المتكلم أن يذكر خبره فرجع عن ذكره وتركه وقوله: {مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ } جملة استفهامية على معنى التعجب كما تقول: لمدعي العلم ما معنى كذا مستفهماً ممتحناً زاعماً أنه لا يعرف الجواب حتى إنك تحب وتشتهي ألا يجيب عن سؤالك ولو أجاب لكرهته لأن كلامك مفهوم كأنك تقول: إنك لا تعرف الجواب، إذا عرفت هذا فكأن المتكلم في أول الأمر مخبراً ثم لم يخبر بشيء لأن في الأخبار تطويلاً ثم لم يسكت وقال ذلك ممتحناً زاعماً أنك لا تعرف كنهه، وذلك لأن من يشرع في كلام ويذكر المبتدأ ثم يسكت عن الخبر قد يكون ذلك السكوت لحصول علمه بأن المخاطب قد علم الخبر من غير ذكر الخبر، كما أن قائلاً: إذا أراد أن يخبر غيره بأن زيداً وصل، وقال: إن زيداً ثم قبل قوله: جاء وقع بصره على زيد ورآه جالساً عنده يسكت ولا يقول جاء لخروج الكلام عن الفائدة وقد يسكت عن ذكر الخبر من أول الأمر لعلمه بأن المبتدأ وحده يكفي لمن قال: من جاء فإنه إن قال: زيد يكون جواباً وكثيراً ما نقول: زيد ولا نقول: جاء، وقد يكون السكوت عن الخبر إشارة إلى طول القصة كقول القائل: الغضبان من زيد ويسكت ثم يقول: ماذا أقول عنه. إذا علم هذا فنقول لما قال: {فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ } كان كأنه يريد أن يأتي بالخبر فسكت عنه ثم قال في نفسه: إن السكوت قد يوهم أنه لظهور حال الخبر كما يسكت على زيد في جواب من جاء فقال: {مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ } ممتحناً زاعماً أنه لا يفهم ليكون ذلك دليلاً على أن سكوته على المبتدأ لم يكن لظهور الأمر بل لخفائه وغرابته، وهذا وجه بليغ، وفيه وجه ظاهر وهو أن يقال: معناه أنه جملة واحدة استفهامية كأنه قال: وأصحاب الميمنة ما هم؟ على سبيل الاستفهام غير أنه أقام المظهر مقام المضمر وقال: {فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ } والإتيان بالمظهر إشارة إلى تعظيم أمرهم حيث ذكرهم ظاهراً مرتين وكذلك القول في قوله تعالى: {وَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ } وكذلك في قوله: {أية : ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَاقَّةُ } تفسير : [الحاقة: 1، 2] وفي قوله: {أية : ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ } تفسير : [القارعة: 1، 2]. المسألة السابعة: ما الحكمة في اختيار لفظ {ٱلْمَشْـئَمَةِ } في مقابلة {ٱلْمَيْمَنَةِ }، مع أنه قال في بيان أحوالهم: {وَأَصْحَـٰبُ ٱلشّمَالِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلشّمَالِ }؟ نقول: اليمين وضع للجانب المعروف أولاً ثم تفاءلوا به واستعملوا منه ألفاظاً في مواضع وقالوا: هذا ميمون وقالوا: أيمن به ووضعوا للجانب المقابل له اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، فصار في مقابلة اليمين كيفما يدور فيقال: في مقابلة اليمنى اليسرى، وفي مقابلة الأيمن الأيسر، وفي مقابلة الميمنة الميسرة، ولا تستعمل الشمال كما تستعمل اليمين، فلا يقال: الأشمل ولا المشملة، وتستعمل المشأمة كما تستعمل الميمنة، فلا يقال: في مقابلة اليمين لفظ من باب الشؤم، وأما الشآم فليس في مقابلة اليمين بل في مقابلة يمان، إذا علم هذا فنقول: بعد ما قالوا باليمين لم يتركوه واقتصروا على استعمال لفظ اليمين في الجانب المعروف من الآدمي، ولفظ الشمال في مقابلته وحدث لهم لفظان آخران فيه أحدهما: الشمال وذلك لأنهم نظروا إلى الكواكب من السماء وجعلوا ممرها وجه الإنسان وجعلوا السماء جانبين وجعلوا أحدهما أقوى كما رأوا في الإنسان، فسموا الأقوى بالجنوب لقوة الجانب كما يقال: غضوب ورءوف، ثم رأوا في مقابلة الجنوب جانباً آخر شمل ذلك الجانب عمارة العالم فسموه شمالاً واللفظ الآخر: المشأمة والأشأم في مقابلة الميمنة والأيمن، وذلك لأنهم لما أخذوا من اليمين اليمن وغيره للتفاؤل وضعوا الشؤم في مقابلته لا في أعضائهم وجوانبهم تكرهاً لجعل جانب من جوانب نفسه شؤماً، ولما وضعوا ذلك واستمر الأمر عليه نقلوا اليمين من الجانب إلى غيره، فالله تعالى ذكر الكفار بلفظين مختلفين فقال: {وَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ } {أية : وَأَصْحَـٰبُ ٱلشّمَالِ } تفسير : [الواقعة: 41] وترك لفظ الميسرة واليسار الدال على هون الأمر، فقال ههنا: {وَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ } بأفظع الاسمين، ولهذا قالوا في العساكر: الميمنة والميسرة اجتناباً من لفظ الشؤم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} أي أصنافاً ثلاثة كل صنف يشاكل ما هو منه، كما يشاكل الزوج الزوجة، ثم بيّن من هم فقال: {فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} {وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} و {ٱلسَّابِقُونَ}؛ فأصحاب الميمنة هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وأصحاب المشأمة هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار؛ قاله السُّديّ. والمشأمة الميسرة وكذلك الشأمة. يقال: قعد فلان شأمة. ويقال: يا فلان شائم بأصحابك؛ أي خذ بهم شأمة أي ذات الشمال. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الشمال الأشأم. وكذلك يقال لما جاء عن اليمين اليُمْن، ولمَا جاء عن الشّمال الشؤم. وقال ٱبن عباس والسُّديّ: أصحاب الميمنة هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذّرية من صُلْبه فقال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال زيد بن أسلم: أصحاب الميمنة هم الذين أُخِذوا من شقّ آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب المشأمة الذين أُخِذوا من شق آدم الأيسر. وقال عطاء ومحمد بن كعب: أصحاب الميمنة من أوتي كتابه بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله. وقال ٱبن جريج: أصحاب الميمنة هم أهل الحسنات، وأصحاب المشأمة هم أهل السيئات. وقال الحسن والربيع: أصحاب الميمنة الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة المشائيم على أنفسهم بالأعمال السيئة القبيحة. وفي صحيح مسلم من حديث الإسراء عن أبي ذرّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فلما عَلَونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أَسْوِدة وعن يساره أَسْوِدة ـ قال ـ فإذا نظر قِبل يمينه ضحك وإذا نظر قِبل شماله بكى ـ قال ـ فقال مرحباً بالنبيّ الصالح والابن الصالح ـ قال ـ قلت يا جبريل من هذا قال هذا آدم عليه السلام وهذه الأسوِدة التي عن يمينه وعن شماله نَسَم بنيه فأهل اليمين أهل الجنة والأسوِدة التي عن شماله أهل النار» تفسير : وذكر الحديث. وقال المبرد: وأصحاب الميمنة أصحاب التقدّم، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخر. والعرب تقول: ٱجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك؛ أي ٱجعلني من المتقدّمين ولا تجعلنا من المتأخرين. والتكرير في {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ}. و {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} للتفخيم والتعجيب؛ كقوله: {أية : ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ } تفسير : [الحاقة:1] و {أية : ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ } تفسير : [القارعة:1] كما يقال: زيد ما زيد! وفي حديث أمّ زَرْع رضي الله عنها: مالِكٌ ومَا مَالِكٌ! والمقصود تكثير ما لأصحاب الميمنة من الثواب ولأصحاب المشأمة من العقاب. وقيل: «أَصْحَابُ» رفع بالابتداء والخبر {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} كأنه قال: {فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} ما هم؛ المعنى: أيُّ شيء هم. وقيل: يجوز أن تكون «ما» تأكيداً، والمعنى فالذين يعطون كتابهم بأيمانهم هم أصحاب التقدّم وعلوّ المنزلة. قوله تعالى: {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ} روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : السابقون الذين إذا أعطوا الحقّ قبلوه وإذا سئلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم» تفسير : ذكره المهدوي. وقال محمد بن كعب القُرَظيّ: إنهم الأنبياء. الحسن وقتادة: السابقون إلى الإيمان من كل أمة. ونحوه عن عكرمة. محمد بن سيرين: هم الذين صَلُّوا إلى القبلتين؛ دليله قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ} تفسير : [التوبة:100]. وقال مجاهد وغيره: هم السابقون إلى الجهاد، وأوّل الناس رواحاً إلى الصلاة. وقال عليّ رضي الله عنه: هم السابقون إلى الصلوات الخمس. الضحاك: إلى الجهاد. سعيد بن جُبير: إلى التوبة وأعمال البر؛ قال الله تعالى: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [آل عمران:133] ثم أثنى عليهم فقال: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} تفسير : [المؤمنون:61]. وقيل: إنهم أربعة؛ منهم سابق أمة موسى وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى وهو حبيب النجار صاحب أنطاكية، وسابقان في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما؛ قاله ٱبن عباس؛ حكاه الماوردي. وقال شُمَيْط بن العجلان: الناس ثلاثة؛ فرجل ٱبتكر للخير في حداثة سنه داوم عليه حتى خرج من الدنيا فهذا هو السابق المقرّب، ورجل ٱبتكر عمره بالذنوب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها فهذا من أصحاب اليمين، ورجل ٱبتكر عمره بالذنوب ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها فهذا من أصحاب الشمال. وقيل: هم كل من سبق إلى شيء من أشياء الصلاح. ثم قيل: {ٱلسَّابِقُونَ } رفع بالابتداء والثاني توكيد له والخبر {أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ}. وقال الزجاج: {ٱلسَّابِقُونَ } رفع بالابتداء والثاني خبره؛ والمعنى السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله {أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ} من صفتهم. وقيل: إذا خرج رجل من السابقين المقربين من منزله في الجنة كان له ضوء يعرفه به من دونه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكُنتُمْ } في القيامة {أَزْوٰجاً } أصنافاً {ثَلَٰثَةً }.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَزْوَاجاً} أصنافاً وفرقاً {ثَلاثةً} اثنان في الجنة وواحدة في النار قاله عمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنه ـ، قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ هم المذكورون في قوله {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ}تفسير : [فاطر: 32]، أو المذكورون في هذه الآية.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وكنتم أزواجاً ثلاثة‏}‏ قال‏:‏ أصنافاً‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وكنتم أزواجاً ثلاثة‏} ‏ قال‏:‏ هي التي في سورة الملائكة ‏{‏أية : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات‏}تفسير : [‏فاطر: 32‏]‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وكنتم أزواجاً ثلاثة‏}‏ قال‏:‏ هذا حين تزايلت بهم المنازل، هم أصحاب اليمين وأصحاب الشمال والسابقون‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏وكنتم أزواجاً ثلاثة‏} قال‏:‏ منازل الناس يوم القيامة ‏ {‏فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة‏} ‏ قال‏:‏ ماذا لهم وماذا أعد لهم ‏{‏وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة‏} ‏ قال‏:‏ ماذا لهم وماذا أعد لهم ‏ {‏والسابقون السابقون‏} ‏ قال‏:‏ السابقون من كل أمة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏وكنتم أزواجاً ثلاثة‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏وثلة من الآخرين‏} ‏ قال‏:‏ سوى بين أصحاب اليمين من الأمم الماضية وبين أصحاب اليمين من هذه الأمة، وكان السابقون من الأولين أكثر من سابقي هذه الأمة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏والسابقون السابقون‏}‏ قال‏:‏ يوشع بن نون سبق إلى موسى ومؤمن آل يس سبق إلى عيسى وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه سبق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏السابقون يوم القيامة أربعة فأنا سابق العرب، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة، وصهيب سابق الروم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : ‏{و‏السابقون السابقون أولئك المقربون‏}‏ أول من يدخل المسجد وآخر من يخرج منه‏.‏ ‏"‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عثمان بن أبي سودة مولى عبادة بن الصامت قال‏:‏ بلغنا في هذه الآية ‏ {‏والسابقون السابقون‏}‏ أنهم السابقون إلى المساجد والخروج في سبيل الله‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ‏ {‏والسابقون السابقون‏}‏ قال‏:‏ من كل أمة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{و‏السابقون السابقون‏}‏ قال‏:‏ نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار الذي ذكر في يس، وعلي بن أبي طالب، وكل رجل منهم سابق أمته، وعليّ أفضلهم سبقا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن النعمان بن بشير قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ حديث : ‏{‏وإذا النفوس زوّجت‏}‏ قال‏:‏ الضرباء كل رجل مع قوم كانوا يعملون بعمله، وذلك بأن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وكنتم أزواجاً ثلاثة‏}‏ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون‏} قال‏:‏هم الضرباء‏ .‏ تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏ثلة‏} ‏ قال‏:‏ أمة‏.‏ وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏ثلة من الأوّلين وقليل من الآخرين‏} ‏ شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ‏ {‏ثلة من الأولين وثلة من الآخرين‏}‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ثلث أهل الجنة بل أنتم نصف أهل الجنة أو شطر أهل الجنة وتقاسمونهم الشطر الثاني ‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه وابن عساكر من طريق عروة بن رويم عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ ‏حديث : لما نزلت ‏{‏إذا وقعت الواقعة‏}‏ ذكر فيها ‏ {‏ثلة من الأولين وقليل من الآخرين‏} ‏ قال عمر‏:‏ يا رسول الله‏:‏ ‏{‏ثلة من الأوّلين وثلة من الآخرين} ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏يا عمر تعالى فاستمع ما قد أنزل الله ‏{‏ثلة من الأوّلين وثلة من الآخرين‏}‏ ألا وإن من آدم إليّ ثلة، وأمتي ثلة ولن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإِبل ممن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له‏"تفسير : وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن عروة بن رويم مرسلا‏ً. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏ثلة من الأوّلين وقليل من الآخرين‏}‏ حزن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا‏:‏ إذاً لا يكون من أمة محمد إلا قليل، فنزلت نصف النهار ‏ {‏ثلة من الأوّلين وثلة من الآخرين‏} ‏ وتقابلون الناس، فنسخت الآية ‏ {‏وقليل من الآخرين‏}‏ . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ {‏ثلة من الأوّلين‏}‏ قال‏:‏ ممن سبق ‏ {‏وقليل من الآخرين‏} ‏ قال‏:‏ من هذه الأمة‏.‏ أخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏على سرر موضونة‏} ‏ قال‏:‏ مصفوفة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله‏:‏ {‏على سرر موضونة‏} ‏ قال‏:‏ مرمولة بالذهب‏. وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ‏ {‏موضونة‏}‏ قال‏:‏ مرمولة بالذهب. وأخرج هناد عن سعيد بن جبير مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال‏:‏ الموضونة المرملة وهو أوثق الأسِرّة‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل‏:‏ ‏ {‏على سرر موضونة‏}‏ قال‏:‏ الموضونة ما توضن بقضبان الفضة عليها سبعون فراشاً، قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت حسان بن ثابت وهو يقول‏: شعر : أعددت للهيجاء موضونة فضفاضة بالنهي بالباقع تفسير : وأخرج ابن جرير عن مجاهد ‏ {‏متكئين عليها متقابلين‏}‏ قال‏:‏ لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه‏. وأخرج ابن جرير عن ابن إسحق قال في قراءة عبد الله‏:‏ ‏[‏متكئين عليها ناعمين‏]‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ‏{‏يطوف عليهم ولدان مخلدون‏}‏ قال‏:‏ لم يكن لهم حسنات يجزون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا في هذه المواضع‏! وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏يطوف عليهم ولدان مخلدون‏}‏ قال‏:‏ لا يموتون، وفيه قوله‏:‏ ‏{‏بأكواب وأباريق‏} ‏ قال‏:‏ الأكواب ليس لها آذان، والأباريق التي لها آذان، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وكأس من معين‏} ‏ قال‏:‏ خمر بيضاء ‏ {‏لا يصدّعون عنها ولا ينزفون‏} ‏ قال‏:‏ لا تصدع رؤوسهم ولا يقيئونها، وفي لفظ، ولا تنزف عقولهم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي رجاء قال‏:‏ سألت الحسن عن الأكواب، فقال‏:‏ هي الأباريق التي يصب منها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال‏:‏ الأكواب الأقداح‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله‏:‏ {‏وكأس من معين‏} ‏ قال‏:‏ يعني الخمر وهي هناك جارية، المعين الجاري ‏ {‏لا يصدّعون عنها ولا ينزفون‏} ‏ ليس فيها وجع الرأس ولا يغلب أحد على عقله‏. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ‏ {‏لا يصدّعون عنها ولا ينزفون‏} ‏ قال‏:‏ لا تصدع رؤوسهم ولا تذهب عقولهم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏{‏لا يصدّعون عنها ولا ينزفون‏} ‏ قال‏:‏ لا تصدع رؤوسهم، ولا تنزف عقولهم‏. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏{‏لا يصدّعون عنها ولا ينزفون‏}‏ قال‏:‏ أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا ينزفون كما ينزف أهل الدنيا‏‏ إذا أكثروا الطعام والشراب، يقول‏:‏ لا يملوا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد بن عاصم أنه قرأ ‏{‏لا يصدّعون عنها ولا ينزفون‏} ‏ برفع الياء وكسر الزاي‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال‏:‏ إن الرجل من أهل الجنة ليؤتى بالكأس وهو جالس مع زوجته فيشربها، ثم يلتفت إلى زوجته فيقول‏:‏ قد ازددت في عيني سبعين ضعفا‏ً.‏

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً}[7] قال: يعني فرقاً ثلاثة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ}. {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ}؟ على جهته التفخيم لشأنهم والتعظيم لِقَدْرهم وهم أصحاب اليمن والبركة والثواب. {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ}: على جهة التعظيم والمبالغة في ذَمِّهم،وهم أصحاب الشؤم على أنفسهم ويقال: أصحاب الميمنة هم الذين كانوا في جانب اليمين من آدم عليه السلام يومَ الذَّرِّ، وأصحاب المشأمة هم الذين كانوا على شماله. ويقال: الذين يُعْطُوْن الكتابَ بأَيمْانهم، والذين يُعْطَوْن الكتاب بشمائلهم. ويقال: هم الذين يُؤْخَذُ بهم ذات اليمين.. إلى الجنة، والذين يُؤْخَذُ بهم ذات الشمال.. إلى النار. {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ}: وهم الصف الثالث. وهم السابقون إلى الخصال الحميدة، والأفضال الجميلة. ويقال: السابقون إلى الهجرة. ويقال: إلى الإسلام. ويقال: إلى الصلوات الخمس. ويقال: السابقون بصدْق القَدَم. ويقال: السابقون بعُلُوِّ الهِمَم. ويقال: السابقون إلى كل خير. ويقال السابقون المتسارعون إلى التوبة من الذنوب فيتسارعون إلى النَّدمَ إن لم يتسارعوا بصدق القَدَم. ويقال: الذين سبقت لهم من الله الحسنى فسبقوا إلى ما سبق إليه: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ}. ولم يقل: (المتقربون) بل قال: أولئك المُقَرَّبون - وهذا عين الجَمْع، فعَلِمَ الكافة أنهم بتقريب ربهِّم سبقوا - لا بِتقَرُّبهم. {فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ}. أي: في الجنة. ويقال: مقربون إلا من الجنة فمحال أن يكونوا في الجنة ثم يُقَرَّبون من الجنة، وإنما يُقَرَّبُون إِلى غير الجنة: يُقَرَّبون من بِساط القربة.. وأنَّى بالبساط ولا بساط؟! مقربون.. ولكن من حيث الكرامة لا من حيث المسافة؛ مُقَرَّبةٌ نفوسُهم من الجنة وقلوبهُم إلى الحقِّ. مُقَرَّبةٌ قلوبهُم من بساط المعرفة، وأرواحُهم من ساحات الشهود - فالحقُّ عزيز..لا قُرْبَ ولا بُعْدَ، ولا فَصْلَ ولا وَصْلَ. ويقال: مقربون ولكن من حظوظِهم ونصيِبهم. وأحوالُهم - وإنْ صَفَتْ - فالحقُّ وراء الوراء.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكنتم} اما خطاب للامة الحاضرة والامم السالفة تغليبا وللحاضرة فقط {ازواجا} اى اصنافا {ثلاثة} اثنان فى الجنة وواحد فى النار وكل صنف يكون مع صنف آخر فى الوجود او فى الذكر فهو زوج فردا كان او شفعا

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : أي أصنافاً ثلاثة. وذلك لأنّ الإنسان فيه مبادي إدراكات ثلاثة من جهة قوى ثلاث: قوّة العقل، وقوّة الخيال، وقوّة الحسّ. ولكلّ قوّة كمال، فكمال القوّة العاقلة بإدراك المعارف الإلهية والعلوم الربانيّة، وبه يشحر الإنسان في جوار الله وملكوته، وكمال القوّة الخياليّة في فعل الخيرات وتهذيب الصفات وتبديل السيّئات بالحسنات، وكمال القوّة الحسيّة بإدراك الملايم الحسّي من الملاذ الجسمانيّة والأعراض البدنيّة. والإنسان في أوّل تكوّنه بالقوّة في كمال كلّ من هذه المبادي الثلاثة، وهو بحسب كمال كل قوّة يقع في عالَم من العوالم بمقتضى طبيعة تلك القوّة إن لم يكن لها مانع، فله نشآت ثلاث بحسب قوى ثلاث، فهو بالقوّة في أوّل الوجود. فأوّل ما يخرج فيه من القوّة إلى الفعل هو نشأة الحسّ، وكماله بحسبه يقتضي السكون في هذه الدار، والإنسراح في مراتع الشهوات كالبهائم والحشرات، فإذا تجاوز عن هذا المنزل، يحدث فيه العقل العملي. وقوّة التخيل، وكماله بحسب هذه القوّة يقتضي له التشوّق إلى الدار الآخرة، والكون هناك من حيث يتخيّل الخيرات المظنونة، ويقصد الأفعال الحسنة، وينوي فعل الطاعات وترك القبايح والسيّئات، ومعاد الإنسان من حيث همّته، ثمّ إذا ساعده التوفيق الإلهي، وارتفع إلى كمال القوّة النظريّة يحيط بالكليّات ويتّصل بالمفارقات، ويعرَف المبادئ والغايات علماً برهانيّا وإدراكاً مقدّساً عن شوب تغيّر وتجدّد، أو ظنّ، أو تخمين فمنزلته منزلة المقدسين. فعلم انّ الإنسان صار بحسب هذه المقامات منقسماً على ثلاثة أقسام، ولكلّ قسم أحوال مخصوصة بحسب الآخرة، وله منزل خاصّ من المنازل الكليّة - وإن كان تحت كلّ قسم أنواع بلا نهاية -، وهذا لا ينافي وحدة النوع الإنساني قبل أن يصير باطنه خارجاً من القوّة النفسانيّة إلى الفعل الصوري الباطني، في صفة من الصفات المكمونة فيه، والمخزونة في طينته، فوقعت الإشارة إلى تفصيل هذه الأقسام الثلاثة في قوله عزّ اسمه: {فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ}.

الجنابذي

تفسير : {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً} اى اصنافاً {ثَلاَثَةً فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} ما استفهاميّة للتّعجّب والجملة خبر اصحاب الميمنة بتقدير القول.

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم العلوي [قال: حدثنا فرات] معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى [جل ذكره. ر]: {والسابقون السابقون أولئك المقربون} إلى آخر القصة قال: سابق هذه الأمة [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {والسابقون السابقون} قال: علي بن أبي طالب عليه السلام من السابقين فرات قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد معنعناً: حديث : عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: سمعت سلمان الفارسي رضي الله عنه وهو يقول: لما أن مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم المرضة التي قبضه الله فيها دخلت فجلست بين يديه ودخلت عليه فاطمة [الزهراء. ر] عليها السلام فلما رأت ما به خنقتها العبرة حتى فاضت دموعها على خديها فلما أن رآها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما يبكيك يا بنية؟ قالت: وكيف لا أبكي وأنا أرى ما بك من الضعف فمن لنا بعدك يا رسول الله؟ قال لها: لكم الله فتوكلي عليه واصبري كما صبر آباؤك من الأنبياء وأمهاتك من أزواجهم يا فاطمة أوما علمت أن الله تبارك وتعالى اختار أباك فجعله نبياً وبعثه رسولاً ثم علياً فزوجك إياه وجعله وصياً فهو أعظم الناس حقاً على المسلمين بعد أبيك وأقدمهم سلماً وأعزهم خطراً وأجملهم خلقاً وأشدهم في الله وفيّ غضباً وأشجعهم قلباً وأثبتهم وأربطهم جأشاً وأسخاهم كفاً. ففرحت بذلك فاطمة [ر: الزهراء] عليها السلام فرحاً شديداً فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هل سررتك يا بنية؟ قالت: نعم يا رسول الله لقد سررتني وأحزنتني. قال: كذلك أمور الدنيا يشوب سرورها بحزنها قال: أفلا أزيدك في زوجك من مزيد الخير كله؟ قالت: بلى يا رسول الله. قال: إن علياً أول من آمن بالله وهو ابن عم رسول الله وأخو الرسول ووصي رسول الله و زوج بنت رسول الله وإبناه سبطا رسول الله وعمه سيد الشهداء عم رسول الله وأخوه جعفر الطيار في الجنة ابن عم رسول الله والمهدي الذي يصلي عيسى خلفه منك ومنه فهذه خصال لم يعطها أحد قبله ولا أحد يعده يا بنية هل سررتك؟ قالت: نعم يا رسول الله. قال: أولا أزيدك [في زوجك. ب] مزيد الخير كله؟ قالت: بلى. قال: إن الله تبارك وتعالى خلق الخلق قسمين فجعلني وزوجك في أخيرهما قسماً و ذلك قوله عز وجل: {وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة} ثم جعل الأثنين ثلاثاً فجعلني وزوجك في أخيرهما ثلثاً وذلك قوله: {والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم} . تفسير : فرات قال: حدثني علي بن محمد الزهري معنعناً: عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال: يا جابر إن الله خلق الناس على ثلاثة أصناف وهو قوله: {وكنتم أزواجاً ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون السابقون أولئك المقربون} فالسابقون هم رسل الله وخاصته من خلقه جعل الله فيهم خمسة أرواح وأيدهم بروح القدس فبه عرفوا الأشياء، وأيدهم بروح الإيمان فأيدهم الله به، وأيدهم بروح القوة فبه قووا على طاعة الله، وأيدهم بروح الشهوة فبه اشتهوا طاعة الله وكرهوا معصيته، وجعل فيهم روح المدرج الذي يذهب الناس فيه ويجيئون، وجعل في المؤمنين أربعة أرواح - وهم أصحاب الميمنة -: روح الإيمان وروح القوة وروح الشهوة وروح المدرج. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد [قال: حدثنا عباد عن محمد بن فرات. ش] عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: سألته عن قول الله [تعالى. ر]: {ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} قال: ثلة من الأولين: ابن آدم المقتول ومؤمن آل فرعون و حبيب النجار صاحب يس {وقليل من الآخرين} [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام.

اطفيش

تفسير : {وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا} اصنافا يقال للاصناف التي بعضها مع بعض أو يذكر بعضها مع بعض ازواج {ثَلاَثَةً} اصحاب الميمنة واصحاب المشأمة والسابقون وقيل المؤمن والمنافق والمشرق فالمؤمن شامل لاصحاب الميمنة والسابقين والمنافق والمشرك داخلان في اصحاب المشأمة.

الالوسي

تفسير : {وَكُنتُمْ } خطاب للأمة الحاضرة والأمم السالفة تغليباً كما ذهب إليه الكثير، وقال بعضهم: خطاب للأمة الحاضرة فقط، والظاهر أن ـ كان ـ أيضاً بمعنى صار أي وصرتم {أَزْوٰجاً } أي أصنافاً {ثَلَـٰثَةً } وكل صنف يكون مع صنف آخر في الوجود أو في الذكر فهو زوج، قال الراغب: الزوج يكون لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة ولكل قرينين فيها، وفي غيرها كالخف والنعل، ولكل ما يقترن بآخر مماثلاً له أو مضاداً.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً}. أي صرتم أزواجاً ثلاثة،والعرب تطلق كان بمعنى صار، ومنه {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ}تفسير : .[البقرة: 35] أي فتصيرا من الظالمين. ومنه قول الشاعر: شعر : بتيهاء قفر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخاً بيوضها تفسير : وقوله: {أَزْوَاجاً}: أي أصنافاً ثلاثة، ثم بين هذه الأزواج الثلاثة بقوله: {فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ ٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} [الواقعة: 8-12] أما أصحاب الميمنة فهم أصحاب اليمين، كما أوضحه تعالى بقوله: {أية : وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ}تفسير : [الواقعة: 27-28] الآيات، وأصحاب المشأمة هم أصحاب الشمال كما أوضحه تعالى: بقوله {أية : وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ}تفسير : [الواقعة: 41-42] الآيات. قال بعض العلماء: قيل لهم أصحاب اليمين لأنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم. وقيل: لأنهم يذهب بهم ذات اليمين إلى الجنة. وقيل: لأنهم عن يمين أبيهم آدم، كما رأهم النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ليلة الإسراء. وقيل سموا أصحاب اليمين، وأصحاب الميمنة لأنهم ميامين، أي مباركون على أنفسهم، لأنهم أطاعوا ربهم فدخلوا الجنة، واليمن البركة. وسمي الآخرون أصحاب الشمال، وقيل: لأنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم. وقيل: لأنهم يذهب بهم ذات الشمال إلى النار، والعرب تسمي الشمال شؤماً، كما تسمي اليمين يميناً، ومن هنا قيل لهم أصحاب المشأمة أو لأنهم مشائيم على أنفسهم: فعصوا الله فأدخلهم النار، والمشائيم ضد الميامين، ومنه قول الشاعر: شعر : مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب إلا بين غرابها تفسير : وبين جل وعلا أن السابقين هم المقربون، وذلك في قوله: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ}تفسير : [الواقعة: 10-11]، وهذه الأزواج الثلاثة المذكورة هي وجزاؤها في أول هذه السورة الكريمة جاءت هي وجزاؤها أيضاً في آخرها، وذلك في قوله: {أية : فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّاتُ نَعِيمٍ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ}تفسير : [الواقعة: 88-94]. والمكذبون هم أصحاب المشأمة وهم أصحاب الشمال. وذكر تعالى بعض صفات أصحاب الميمنة والمشأمة في البلد في قوله تعالى: {أية : فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ }تفسير : [البلد: 13-15] - إلى قوله تعالى - {أية : أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةُ}تفسير : [البلد: 18-20]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} [الواقعة: 8]، وقوله: {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} [الواقعة: 9] استفهام أريد به التعجب من شأن هؤلاء في السعادة، وشأن هؤلاء في الشقاوة، والجملة فيهما مبتدأ وخبر، وهي خبر المبتدأ قبله، وهو أصحاب الميمنة في الأول وأصحاب المشأمة في الثاني. وهذا الأسلوب يكثر في القرآن نحو{أية : ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ}تفسير : [الحاقة: 1-2]، {أية : ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ}تفسير : [القارعة: 1-2]. والرابط في جملة الخبر في جميع الآيات المذكورة هو إعادة لفظ المبتدأ في جملة الخبر كما لا يخفى، وقوله: {وَٱلسَّابِقُونَ} لم يذكر فيه استفهام تعجب كما ذكره فيما قبله، ولكنه ذكر في مقابلة تكرير لفظ السابقين. والأظهر في إعرابه أنه مبتدأ وخبر على عادة العرب في تكريرهم اللفظ وقصدهم الإخبار بالثاني عن الأول، يعنون أن اللفظ المخبر عنه هو المعروف خبره الذي لا يحتاج إلى تعريف ومنه قول أبي النجم: شعر : أنا أبو النجم وشعري شعري لله درى ما أجن صدري تفسير : فقوله: وشعري شعري يعني شعري هو الذي بلغك خبره، وانتهى إليك وصفه.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَزْوَاجاً} {ثَلاَثَةً} (7) - وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُصْبحُ النَّاسُ أَصْنَافاً ثَلاَثَةً. الأَزْوَاجُ - الأَصْنَافُ - أَوِ الأَقْسَامُ.

همام الصنعاني

تفسير : 3122- حدثنا عدب الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً}: [الآية: 7]، قال: منازل النَّاس يَوْمَ القيامة.