٥٦ - ٱلْوَاقِعَة
56 - Al-Waqi'a (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : وهذا خبر بعد خبر، وفيه مسائل. المسألة الأولى: قد ذكرت أن قوله: {أية : وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ } تفسير : [الواقعة: 10] جملة، وإنما كان الخبر عين المبتدأ لظهور حالهم أو لخفاء أمرهم على غيرهم، فكيف جاء خبر بعده؟ نقول: ذلك المقصود قد أفاد ذكر خبر آخر لمقصود آخر، كما أن واحداً يقول: زيد لا يخفى عليك حاله إشارة إلى كونه من المشهورين ثم يشرع في حال يخفى على السامع مع أنه قال: لا يخفى، لأن ذلك كالبيان كونه ليس من الغرباء كذلك ههنا قال: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ } لبيان عظمتهم ثم ذكر حال عددهم. المسألة الثانية: {ٱلأَوَّلِينَ } من هم؟ نقول: المشهور أنهم من كان قبل نبينا صلى الله عليه وسلم وإنما قال: {ثُلَّةٌ } والثلة الجماعة العظيمة، لأن من قبل نبينا من الرسل والأنبياء من كان من كبار أصحابهم إذا جمعوا يكونون أكثر بكثير من السابقين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا قيل: إن الصحابة لما نزلت هذه الآية صعب عليهم قلتهم، فنزل بعده: {أية : ثُلَّةٌ مّنَ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [الواقعة: 13]، {أية : وَثُلَّةٌ مّنَ ٱلآخِرِينَ } تفسير : [الواقعة: 40] هذا في غاية الضعف من وجوه أحدها: أن عدد أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان في ذلك الزمان بل إلى آخر الزمان، بالنسبة إلى من مضى في غاية القلة فماذا كان عليهم من إنعام الله على خلق كثير من الأولين وما هذا إلا خلف غير جائز وثانيها: أن هذا كالنسخ في الأخبار وأنه في غاية البعد ثالثها: ما ورد بعدها لا يرفع هذا لأن الثلة من الأولين هنا في السابقين من الأولين وهذا ظاهر لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم كثروا ورحمهم الله تعالى فعفا عنهم أموراً لم تعف عن غيرهم، وجعل للنبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة فكثر عدد الناجين وهم أصحاب اليمين، وأما من لم يأثم ولم يرتكب الكبيرة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهم في غاية القلة وهم السابقون ورابعها: هذا توهم وكان ينبغي أن يفرحوا بهذه الآية لأنه تعالى لما قال: {ثُلَّةٌ مّنَ ٱلأَوَّلِينَ } دخل فيهم الأول من الرسل والأنبياء، ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا جعل قليلاً من أمته مع الرسل والأنبياء والأولياء الذين كانوا في درجة واحدة، يكون ذلك إنعاماً في حقهم ولعله إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» تفسير : الوجه الثاني: المراد منه: {أية : ٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنْصَـٰرِ } تفسير : [التوبة: 100] فإن أكثرهم لهم الدرجة العليا، لقوله تعالى: {أية : لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ } تفسير : [الحديد: 10] الآية. {وَقَلِيلٌ مّنَ ٱلآخِرِينَ } الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وعلى هذا فقوله: {أية : وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً } تفسير : [الواقعة: 7] يكون خطاباً مع الموجودين وقت التنزيل، ولا يكون فيه بيان الأولين الذين كانوا قبل نبينا عليه السلام، وهذا ظاهر فإن الخطاب لا يتعلق إلا بالموجودين من حيث اللفظ، ويدخل فيه غيرهم بالدليل الوجه الثالث: {ثُلَّةٌ مّنَ ٱلأَوَّلِينَ } الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنفسهم {وَقَلِيلٌ مّنَ ٱلآخِرِينَ } الذين قال الله تعالى فيهم: {أية : وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذرياتهم} تفسير : [الطور: 21] فالمؤمنون وذرياتهم إن كانوا من أصحاب اليمين فهم في الكثرة سواء، لأن كل صبي مات وأحد أبويه مؤمن فهو من أصحاب اليمين، وأما إن كانوا من المؤمنين السابقين، فقلما يدرك ولدهم درجة السابقين وكثيراً ما يكون ولد المؤمن أحسن حالاً من الأب لتقصير في أبيه ومعصية لم توجد في الابن الصغير وعلى هذا فقوله: {ٱلآخَرِينَ } المراد منه الآخرون التابعون من الصغار.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} أي جماعة من الأمم الماضية. {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} أي ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. قال الحسن: ثُلَّة ممن قد مضى قبل هذه الأمة، وقليل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم ٱجعلنا منهم بكرمك. وسُمُّوا قليلاً بالإضافة إلى من كان قبلهم؛ لأن الأنبياء المتقدّمين كثروا فكثر السابقون إلى الإيمان منهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا. وقيل: لما نزل هذا شَقَّ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} {وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة بل ثلثَ أهل الجنة بل نصفَ أهل الجنة وتقاسمونهم في النصف الثاني» تفسير : رواه أبو هريرة، ذكره الماوردي وغيره. ومعناه ثابت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود. وكأنه أراد أنها منسوخة والأشبه أنها محكمة لأنها خبر؛ ولأن ذلك في جماعتين مختلفتين. قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا؛ فلذلك قال: {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} وقال في أصحاب اليمين وهم سوى السابقين: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} {وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} ولذلك قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لأرجو أن تكون أمتي شطر أهل الجنة» تفسير : ثم تلا قوله تعالى: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} {وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} قال مجاهد: كلٌّ من هذه الأمة. وروى سفيان عن أبان عن سعيد بن جبير عن ٱبن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : الثُّلَّتان جميعاً من أمتي» تفسير : يعني {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} {وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ}. وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال أبو بكر رضي الله عنه: كِلاَ الثُّلَّتين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فمنهم من هو في أوّل أمته، ومنهم من هو في آخرها؛ وهو مثل قوله تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ} تفسير : [فاطر:32]. وقيل: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} أي من أوّل هذه الأمة. {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} يسارع في الطاعات حتى يلحق درجة الأوّلين؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : خيركم قَرْني» تفسير : ثم سَوَّى في أصحاب اليمين بين الأوّلين والآخرين. والثُّلَّة من ثَلَلت الشيء أي قطعته، فمعنى ثلة كمعنى فرقة؛ قاله الزجاج. قوله تعالى: {أية : عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} تفسير : [الطور:20] أي السابقون في الجنة «عَلَى سُرُرٍ»؛ أي مجالسهم على سرر جمع سرير. {مَّوْضُونَةٍ } قال ٱبن عباس: منسوجة بالذهب. وقال عكرمة: مشبكة بالدُّرّ والياقوت. وعن ٱبن عباس أيضاً: «مَوْضُونَةٍ» مصفوفة؛ كما قال في موضع آخر: {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ}. وعنه أيضاً وعن مجاهد: مَرْمولة بالذهب. وفي التفاسير: «مَوْضُونَةٍ» أي منسوجة بقضبان الذّهب مشبكة بالدّر والياقوت والزّبرجد. والوضْن النسج المضاعف والنّضد؛ يقال: وَضَن فلانٌ الحجَرَ والآجُرَّ بعضه فوق بعض فهو موضون، ودرع موضونة أي محكمة في النّسج مثل مصفوفة؛ قال الأعشى:شعر : وَمِن نَسْجِ دَاوُدَ مَوضُونَة تُسَاقُ مع الحيِّ عِيراً فَعِيرَا تفسير : وقال أيضاً:شعر : وبَيْضَاء كالنَّهْيِ مَوْضُونَة لها قَوْنَسٌ فوقَ جَيْبِ البَدَنْ تفسير : والسرير الموضون: الذي سطحه بمنزلة المنسوج؛ ومنه الوَضِين: بِطانٌ من سُيور ينسج فيدخل بعضه في بعض؛ ومنه قوله:شعر : إليكَ تَعْدُو قَلِقاً وَضِينُها تفسير : {مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا} أي على السرر {مُتَقَابِلِينَ } أي لا يرى بعضهم قَفَا بعض، بل تدور بهم الأسرة، وهذا في المؤمن وزوجته وأهله؛ أي يتكئون متقابلين. قاله مجاهد وغيره. وقال الكلبيّ: طول كل سرير ثلثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ٱرتفعت.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن هؤلاء السابقين المقربين: أنهم ثلة، أي: جماعة من الأولين، وقليل من الآخرين، وقد اختلفوا في المراد بقوله: الأولين والآخرين، فقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، وبالآخرين هذه الأمة، وهذا رواية عن مجاهد والحسن البصري، رواها عنهما ابن أبي حاتم، وهو اختيار ابن جرير، واستأنس بقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» تفسير : ولم يحك غيره، ولا عزاه إلى أحد، ومما يستأنس به لهذا القول ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: لما نزلت: { ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلأَخِرِينَ } شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَخِرِينَ } فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة، أو شطر أهل الجنة، وتقاسمونهم النصف الثاني» تفسير : ورواه الإمام أحمد عن أسود بن عامر عن شريك عن محمد بياع الملاء عن أبيه عن أبي هريرة، فذكره. وقد روي من حديث جابر نحو هذا، ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق هشام بن عمارة: حدثنا عبد ربه بن صالح عن عروة بن رويم عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت: { إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} ذكر فيها: { ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلأَخِرِينَ } قال عمر: يا رسول الله ثلة من الأولين وقليل منا؟ قال: فأمسك آخر السورة سنة، ثم نزل: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَخِرِينَ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا عمر تعال فاسمع ما قد أنزل الله: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَخِرِينَ } ألا وإن من آدم إلي ثلة، وأمتي ثلة، ولن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإبل ممن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له» تفسير : هكذا أورده في ترجمة عروة بن رويم إسناداً ومتناً، ولكن في إسناده نظر، وقد وردت طرق كثيرة متعددة بقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة» تفسير : الحديث بتمامه، وهو مفرد في صفة الجنة، ولله الحمد والمنة. وهذا الذي اختاره ابن جرير ههنا فيه نظر، بل هو قول ضعيف؛ لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنص القرآن، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها، اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة، والظاهر أن المقربين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم، والله أعلم. فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح، وهو أن يكون المراد بقوله تعالى:{ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} أي: من صدر هذه الأمة { وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلأَخِرِينَ} أي: من هذه الأمة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عفان، حدثنا عبد الله بن بكر المزني، سمعت الحسن أتى على هذه الآية: { وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ } فقال: أما السابقون، فقد مضوا، ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين. ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا السري بن يحيى قال: قرأ الحسن: { وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} قال: ثلة ممن مضى من هذه الأمة، وحدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة المنقري، حدثنا أبو هلال عن محمد بن سيرين: أنه قال في هذه الآية: { ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلأَخِرِينَ } قال: كانوا يقولون أو يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة، فهذا قول الحسن وابن سيرين: أن الجميع من هذه الأمة، ولا شك أن أول كل أمة خير من آخرها، فيحتمل أن تعم الآية جميع الأمم، كل أمة بحسبها، ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» تفسير : الحديث بتمامه. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زياد أبو عمر عن الحسن عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : مثل أمتي مثل المطر، لا يدرى أوله خير أم آخره» تفسير : فهذا الحديث، بعد الحكم بصحة إسناده، محمول على أن الدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها، وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها، والفضل للمتقدم، وكذلك الزرع هو محتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني، ولكن العمدة الكبرى على الأول، واحتياج الزرع إليه آكد، فإنه لولاه ما نبت في الأرض، ولا تعلق أساسه فيها، ولهذا قال عليه السلام: «حديث : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم إلى قيام الساعة» تفسير : وفي لفظ: «حديث : حتى يأتي أمر الله تعالى، وهم كذلك» تفسير : والغرض أن هذه الأمة أشرف من سائر الأمم، والمقربون فيها أكثر من غيرها، وأعلى منزلة؛ لشرف دينها وعظم نبيها، ولهذا ثبت بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، وفي لفظ: «مع كل ألف سبعون ألفاً ــــ وفي آخر ــــ «حديث : مع كل واحد سبعون ألفاً»تفسير : وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هشام بن يزيد الطبراني، حدثنا محمد ــــ هو ابن إسماعيل بن عياش ــــ حدثني أبي، حدثني ضمضم، يعني: ابن زرعة، عن شريح هو ابن عبيد، عن أبي مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أما والذي نفسي بيده ليبعثن منكم يوم القيامة مثل الليل الأسود، زمرة جميعها يحيطون الأرض، تقول الملائكة: لمَ جاء مع محمد صلى الله عليه وسلم أكثر مما جاء مع الأنبياء عليهم السلام؟» تفسير : وحسن أن يذكر ههنا عند قوله تعالى: { ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلأَخِرِينَ } الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة حيث قال: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، أخبرنا جعفر بن محمد بن المستفاض الفريابي، حدثني أبو وهب الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله بن مسرح الحراني، حدثنا سليمان بن عطاء القرشي الحراني عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي عن ابن زمل الجهني رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح يقول، وهو ثان رجليه: «حديث : سبحان الله وبحمده، أستغفر الله، إن الله كان تواباً» تفسير : سبعين مرة، ثم يقول: «حديث : سبعين بسبعمئة، لا خير لمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمئة» تفسير : ثم يقول ذلك مرتين، ثم يستقبل الناس بوجهه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه الرؤيا ثم يقول: «حديث : هل رأى أحد منكم شيئاً؟» تفسير : قال ابن زمل: فقلت: أنا يا رسول الله فقال: «حديث : خير تلقاه، وشر توقاه، وخير لنا، وشر على أعدائنا، الحمد لله رب العالمين، اقصص رؤياك» تفسير : فقلت: رأيت جميع الناس على طريق رحب سهل لاحب، والناس على الجادة منطلقين، فبينما هم كذلك، إذ أشفى ذلك الطريق على مرج لم تر عيني مثله، يرف رفيفاً يقطر ماؤه، فيه من أنواع الكلأ، قال: وكانوا بالرعلة الأولى حين أشفوا على المرج، كبروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فلم يظلموه يميناً ولا شمالاً، قال: فكأني أنظر إليهم منطلقين، ثم جاءت الرعلة الثانية، وهم أكثر منهم أضعافاً، فلما أشفوا على المرج، كبروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث، ومضوا على ذلك، قال: ثم قدم عظم الناس، فلما أشفوا على المرج، كبروا، وقالوا: هذا خير المنزل، كأني أنظر إليهم يميلون يميناً وشمالاً، فلما رأيت ذلك، لزمت الطريق حتى آتي أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات، وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل آدم شثل أقنى، إذا هو تكلم يسمو فيفرع الرجال طولاً، وإذا عن يسارك رجل ربعة تاز كثير خيلان الوجه، كأنما حمم شعره بالماء، إذا هو تكلم، أصغيتم إكراماً له، وإذا أمام ذلك رجل شيخ أشبه الناس بك خلقاً ووجهاً، كلكم تؤمونه تريدونه، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف، وإذا أنت يا رسول الله كأنك تبعثها. قال: فامتقع لون رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم سري عنه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أما ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب، فذاك ما حملتكم عليه من الهدى، وأنتم عليه، وأما المرج الذي رأيت، فالدنيا وغدارة عيشها، مضيت أنا وأصحابي، لم نتعلق منها بشيء، ولم تتعلق منا، ولم نردها، ولم تردنا، ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدنا، وهم أكثر منا أضعافاً، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث، ونجوا على ذلك، ثم جاء عظم الناس، فمالوا في المرج يميناً وشمالاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأما أنت، فمضيت على طريقة صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقاني، وأما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة، فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها ألفاً، وأما الرجل الذي رأيت على يميني الآدم الشثل، فذلك موسى عليه السلام، إذا تكلم يعلو الرجال بفضل كلام الله إياه، والذي رأيت عن يساري الباز الربعة الكثير خيلان الوجه كأنما حمم شعره بالماء، فذلك عيسى بن مريم، نكرمه لإكرام الله إياه، وأما الشيخ الذي رأيت أشبه الناس بي خلقاً ووجهاً، فذاك أبونا إبراهيم، كلنا نؤمه ونقتدي به، وأما الناقة التي رأيت ورأيتني أبعثها، فهي الساعة، علينا تقوم، لا نبي بعدي، ولا أمة بعد أمتي» تفسير : قال: فما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رؤيا بعد هذا، إلا أن يجيء الرجل، فيحدثه بها متبرعاً. وقوله تعالى: { عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} قال ابن عباس: أي: مرمولة بالذهب، يعني: منسوجة به، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم وقتادة والضحاك وغيره، وقال السدي: مرمولة بالذهب واللؤلؤ، وقال عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت، وقال ابن جرير: ومنه يسمى وضين الناقة الذي تحت بطنها، وهو فعيل بمعنى مفعول؛ لأنه مضفور، وكذلك السرر في الجنة مضفورة بالذهب واللآلىء. وقوله تعالى: { مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَـٰبِلِينَ} أي: وجوه بعضهم إلى بعض، ليس أحد وراء أحد { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌ مُّخَلَّدُونَ} أي: مخلدون على صفة واحدة لا يتكبرون عنها، ولا يشيبون ولا يتغيرون { بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} أما الأكواب، فهي الكيزان التي لا خراطيم لها ولا آذان، والأباريق التي جمعت الوصفين، والكؤوس الهنابات، والجميع من خمر من عين جارية معين، ليس من أوعية تنقطع وتفرغ، بل من عيون سارحة. وقوله تعالى: { لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ} أي: لا تصدع رؤوسهم، ولا تنزف عقولهم، بل هي ثابتة، مع الشدة المطربة، واللذة الحاصلة، وروى الضحاك عن ابن عباس: أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول، فذكر الله تعالى خمر الجنة، ونزهها عن هذه الخصال. وقال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطية وقتادة والسدي {لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} يقول: ليس لهم فيها صداع رأس، وقالوا في قوله: {وَلاَ يُنزِفُونَ} أي: لا تذهب بعقولهم. وقوله تعالى: { وَفَـٰكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ } أي: ويطوفون عليهم بما يتخيرون من الثمار، وهذه الآية دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخير لها، ويدل على ذلك حديث عكراش بن ذؤيب الذي رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي رحمه الله في مسنده: حدثنا العباس بن الوليد النرسي، حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي سوية، حدثنا عبيد الله بن عكراش عن أبيه عكراش بن ذؤيب قال: بعثني مرة في صدقات أموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمت المدينة، فإذا هو جالس بين المهاجرين والأنصار، وقدمت عليه بإبل كأنها عروق الأرطى، قال: «حديث : من الرجل؟» تفسير : قلت: عكراش بن ذؤيب، قال: «حديث : ارفع في النسب» تفسير : فانتسبت له إلى مرة بن عبيد، وهذه صدقة مرة بن عبيد، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : هذه إبل قومي، هذه صدقات قومي»تفسير : ثم أمر بها أن توسم بميسم إبل الصدقة، وتضم إليها، ثم أخذ بيدي، فانطلقنا إلى منزل أم سلمة، فقال: «حديث : هل من طعام؟» تفسير : فأتينا بجفنة كالقصعة، كثيرة الثريد والوذر، فجعل يأكل منها، فأقبلت أخبط بيدي في جوانبها، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليسرى على يدي اليمنى، فقال: يا عكراش كل من موضع واحد؛ فإنه طعام واحد. ثم أتينا بطبق فيه تمر أو رطب ــــ شك عبيد الله رطباً كان أوتمراً ــــ فجعلت آكل من بين يدي، وجالت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطبق وقال: يا عكراش كل من حيث شئت؛ فإنه غير لون واحد. ثم أتينا بماء، فغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه ورأسه ثلاثاً، ثم قال: «حديث : يا عكراش هذا الوضوء مما غيرت النار»تفسير : وهكذا رواه الترمذي مطولاً وابن ماجه جميعاً عن محمد بن بشار عن أبي الهذيل العلاء بن الفضل به، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديثه. وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز بن أسد وعفان، وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا شيبان، قالوا: حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت قال: قال أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه الرؤيا، فربما رأى الرجل الرؤيا، فسأل عنه إذا لم يكن يعرفه، فإذا أثنى عليه معروف كان أعجب لرؤياه إليه، فأتته أمرأة فقالت: يا رسول الله رأيت كأني أتيت، فأخرجت من المدينة، فأدخلت الجنة، فسمعت وجبة انتحبت لها الجنة، فنظرت فإذا فلان بن فلان وفلان بن فلان، فسمت اثني عشر رجلاً، كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث سرية قبل ذلك، فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم، فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ أو البيذخ، قال: فغمسوا فيه، فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر، فأتوا بصفحة من ذهب فيها بسر، فأكلوا من بسره ما شاؤوا، فما يقلبونها من وجه إلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلت معهم، فأتى البشير من تلك السرية، فقال: ما كان من رؤيا كذا وكذا، فأصيب فلان وفلان، حتى عد اثني عشر رجلاً، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة، فقال: قصي رؤياك، فقصتها، وجعلت تقول: فجيء بفلان وفلان، كما قال: هذا لفظ أبي يعلى، قال الحافظ الضياء: وهذا على شرط مسلم. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد عن عباد بن منصور عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الرجل إذا نزع ثمرة في الجنة، عادت مكانها أخرى» تفسير : وقوله تعالى:{ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} قال الإمام أحمد: حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، حدثنا ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن طير الجنة كأمثال البخت يرعى في شجر الجنة» تفسير : فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه لطير ناعمة، فقال: «حديث : آكلها أنعم منها ــــ قالها ثلاثاً ــــ وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها» تفسير : انفرد به أحمد من هذا الوجه. وروى الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه صفة الجنة من حديث إسماعيل بن علي الخطبي عن أحمد بن علي الحيوطي عن عبد الجبار بن عاصم عن عبد الله بن زياد، عن زرعة عن نافع عن ابن عمر قال: ذكرت عند النبي صلى الله عليه وسلم طوبى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا أبا بكر هل بلغك ما طوبى؟» تفسير : قال: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : طوبى شجرة في الجنة، ما يعلم طولها إلا الله، يسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفاً، ورقها الحلل، يقع عليها الطير كأمثال البخت» تفسير : فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هناك لطيراً ناعماً؟ قال: «حديث : أنعم منه من يأكله، وأنت منهم إن شاء الله تعالى» تفسير : وقال قتادة في قوله تعالى: { وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} وذكر لنا أن أبا بكر قال: يا رسول الله إني أرى طيرها ناعمة كأهلها ناعمون، قال: «حديث : من يأكلها والله ياأبا بكر أنعم منها، وإنها لأمثال البخت، وإني لأحتسب على الله أن تأكل منها يا أبا بكر»تفسير : وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني مجاهد بن موسى، حدثنا معن بن عيسى، حدثني ابن أخي ابن شهاب عن أبيه عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكوثر، فقال: «حديث : نهر أعطانيه ربي عز وجل في الجنة، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها، يعني: كأعناق الجزر» تفسير : فقال عمر: إنها لناعمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : آكلها أنعم منها» تفسير : وكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن القعنبي عن محمد بن عبد الله بن مسلم بن شهاب عن أبيه عن أنس، وقال: حسن. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن في الجنة لطيراً فيه سبعون ألف ريشة، فيقع على صحفة الرجل من أهل الجنة، فينتفض، فيخرج من كل ريشة، يعني: لوناً أبيض من اللبن، وألين من الزبد، وأعذب من الشهد، ليس منها لون يشبه صاحبه، ثم يطير» تفسير : هذا حديث غريب جداً، والوصافي وشيخه ضعيفان، ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثنا خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن أبي حازم عن عطاء عن كعب قال: إن طائر الجنة أمثال البخت، يأكل من ثمرات الجنة، ويشرب من أنهار الجنة، فيصطففن له، فإذا اشتهى منها شيئاً، أتى حتى يقع بين يديه، فيأكل من خارجه وداخله ثم يطير، لم ينقص منه شيء، صحيح إلى كعب. وقال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إنك لتنظر إلى الطير في الجنة، فتشتهيه، فيخر بين يديك مشوياً»تفسير : وقوله تعالى: { وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَـٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ } قرأ بعضهم بالرفع، وتقديره: ولهم فيها حور عين! وقراءة الجر تحتمل معنيين: أحدهما أن يكون الإعراب على الإتباع بما قبله؛ كقوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ وَفَـٰكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ} كما قال تعالى: {أية : وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} تفسير : [المائدة: 6] وكما قال تعالى: {أية : عَـٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ} تفسير : [الإنسان: 21] والاحتمال الثاني أن يكون مما يطوف به الولدان المخلدون عليهم الحور العين، ولكن يكون ذلك في القصور لا بين بعضهم بعضاً، بل في الخيام يطوف عليهم الخدام بالحور العين، والله أعلم. وقوله تعالى: { كَأَمْثَـٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ} أي: كأنهن اللؤلؤ الرطب في بياضه وصفائه؛ كما تقدم في سورة الصافات: {أية : كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} تفسير : [الصافات: 49] وقد تقدم في سورة الرحمن وصفهن أيضاً، ولهذا قال: {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي: هذا الذي أتحفناهم به مجازاة لهم على ما أحسنوا من العمل. ثم قال تعالى: { لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً} أي: لا يسمعون في الجنة كلاماً لاغياً، أي: عبثاً، خالياً من المعنى، أو مشتملاً على معنى حقير أو ضعيف؛ كما قال {أية : لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً} تفسير : [الغاشية: 11] أي: كلمة لا غية {وَلاَ تَأْثِيماً} أي: ولا كلاماً فيه قبح { إِلاَّ قِيلاً سَلَـٰماً} أي: إلا التسليم منهم بعضهم على بعض؛ كما قال تعالى: {أية : تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ} تفسير : [إبراهيم: 23] وكلامهم أيضاً سالم من اللغو والإثم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ } مبتدأ: أي جماعة من الأمم الماضية.
الماوردي
تفسير : {ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم الجماعة، ومنه قول الشاعر: شعر : ولست ذليلاً في العشيرة كلها تحاول منها ثلة لا يسودها تفسير : الثاني: الشطر وهو النصف، قاله الضحاك. الثالث: أنها الفئة، قاله أبو عبيدة، ومنه قول دريد بن الصمة: شعر : ذريني أسير في البلاد لعلني ألاقي لبشر ثلة من محارب تفسير : وفي قوله تعالى: {مِّنَ الأَوََّلِينَ} قولان: أحدهما: أنهم أَصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قاله أبو بكرة. الثاني: أنهم قوم نوح، قاله الحسن. {وَقَلِيلٌ مِّنَ الأَخرِينَ} فيه قولان: أحدهما: أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن. الثاني: أنهم الذين تقدم إسلامهم قبل أن يتكاملوا، روى أبو هريرة أنه لما نزلت {ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الأخِرِينَ} شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت {ثلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مَّنَ الأخِرِينَ} فقال عليه السلام: "حديث : إِنِّي لأرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلَ الْجَنَّةِ بَلْ ثُلُتَ أَهْلِ الجَنَّةِ بَلْ أَنتُم نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَتُقَاسِمُونَهُم فِي النِّصْفِ الثَّانِي ". تفسير : {عَلَى سُرُرٍ مَّوضُونَةٍ} يعني الأسرة، واحدها سرير، سميت بذلك لأنها مجلس السرور. وفي الموضونة أربعة أوجه: أحدها: أنها الموصولة بالذهب، قاله ابن عباس. الثاني: أنها المشبكة النسج، قاله الضحاك، ومنه قول لبيد: شعر : إن يفزعوا فسرا مع موضونة والبيض تبرق كالكواكب لامها تفسير : الثالث: أنها المضفورة، قاله أبو حرزة يعقوب بن مجاهد، ومنه وضين الناقة وهو البطان العريض المضفور من السيور. الرابع: أنها المسندة بعضها إلى بعض. {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} الولدان: جمع وليد وهم الوصفاء. وفي قوله تعالى: {مُّخَلَّدُونَ} قولان: أحدهما: [مسورون] بالأسورة، [مقرطون] بالأقراط، قاله الفراء، قال الشاعر: شعر : ومخلدات باللجين كأنما أعجازهن أقاوز الكثبان تفسير : الثاني: أنهم الباقون على صغرهم لا يموتون ولا يتغيرون، قاله الحسن، ومنه قول امرىء القيس: شعر : وهل ينعمن إلا سعيد مخلد قليل الهموم ما يبيت بأوجال تفسير : ويحتمل ثالثاً: أنهم الباقون معهم لا يبصرون عليهم ولا ينصرفون عنهم بخلافهم في الدنيا. {بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ} فيهما قولان: أحدهما: أن الأكواب: التي ليس لها عُرى، قاله الضحاك. الثاني: أن الأكواب: مدورة الأفواه، والأباريق: التي يغترف بها، قاله قتادة، قال الشاعر: شعر : فعدوا عليّ بقرقف ينصب من أكوابها تفسير : {وَكَأَسٍ مِّن مَّعِينٍ} والكأس اسم للإناء إذا كان فيه شراب، والمعين الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد به في هذا الموضوع الخمر، وصف الخمر بأنه الجاري من عينه بغير عصر كالماء المعين. {لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه لا يمنعون منها، قاله أبو حرزة يعقوب بن مجاهد. الثاني: لا يفرّقون عنها، حكاه ابن قتيبة، واستشهد عليه بقول الراجز: شعر : صد عنه فانصدع. تفسير : الثالث: لا ينالهم من شربها وجع الرأس وهو الصداع، قاله ابن جبير، وقتادة، ومجاهد، والسدي. وفي قوله تعالى: {وَلاَ يُنزِفُونَ} أربعة أوجه: أحدها: لا تنزف عقولهم فيسكرون، قاله ابن زيد، وقتادة. الثاني: لا يملون، قاله عكرمة. الثالث: لا يتقيئون، قاله يحيى بن وثاب. الرابع: وهو تأويل من قرأ بكسر الزاي لا يفنى خمرهم، ومنه قول الأبيرد: شعر : لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم لبئس الندامى أنتم آل أبجرا تفسير : وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول، وقد ذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال. {وَحُورٌ عِينٌ} والحور البيض سمين لبياضهن، وفي العين وجهان: أحدهما: أنهن كبار الأعين، كما قال الشاعر: شعر : إذا كبرت عيون من النساء ومن غير النساء فهن عين تفسير : الثاني: أنهن اللاتي سواد أعينهن حالك، وبياض أعينهن نقي، كما قال الشاعر: شعر : إذا ما العين كان بها احورار علامتها البياض على السواد تفسير : {كَأَمْثَالِ اللؤْلُؤِ الْمَكْنُُونِ} فيه وجهان: أحدهما: في نضارتها وصفاء ألوانها. الثاني: أنهن كأمثال اللؤلؤ في تشاكل أجسادهن في الحسن من جميع جوانبهن، كما قال الشاعر: شعر : كأنما خلقت في قشر لؤلؤة فكل أكنافها وجه لمرصاد تفسير : {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لا يسمعون في الجنة باطلاً ولا كذباً، قاله ابن عباس. الثاني: لا يسمعون فيها خُلفاً، أي لا يتخالفون عليها كما يتخالفون في الدنيا، ولا يأثمون بشربها، كما يأثمون في الدنيا، قاله الضحاك. الثالث: لا يسمعون فيها شتماً ولا مأثماً، قاله مجاهد. يحتمل رابعاً: لا يسمعون مانعاً لهم منها، ولا مشنعاً لهم على شربها. {إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لكن يسمعون قولاً ساراً وكلاماً حسناً. الثاني: لكن يتداعون بالسلام على حسن الأدب وكريم الأخلاق. الثالث: يعني قولاً يؤدي إلى السلامة. ويحتمل رابعاً: أن يقال لهم هنيئاً.
ابن عطية
تفسير : الثلة: الجماعة والفرقة، وهو يقع للقليل والكثير، واللفظ في هذا الموضوع يعطي أن الجملة {من الأولين} أكثر من الجملة {من الآخرين}، وهي التي عبر عنها بالقليل. واختلف المتأولون في معنى ذلك، فقال قوم حكى قولهم مكي: المراد بذلك الأنبياء، لأنهم كانوا في صدر الدنيا أكثر عدداً، وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره: المراد السابقون من الأمم والسابقون من الأمة، وذلك إما أن يقترن أصحاب الأنبياء بجموعهم إلى أصحاب محمد, فأولئك أكثر لا محالة، وإما أن يقترن أصحاب الأنبياء ومن سبق في أثناء الأمم إلى السابقين من جميع هذه الأمة فأولئك أكثر. وروي أن الصحابة حزنوا لقلة سابق هذه الأمة على هذا التأويل فنزلت: {أية : ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} تفسير : [الواقعة: 39-40] فرضوا. وروي عن عائشة أنها تأولت أن الفرقتين في أمة كل نبي وهي في الصدر {ثلة} وفي آخر الأمة {قليل} ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: "حديث : الفرقتان في أمتي فسابق أول الأمة {ثلة} وسابق سائرها إلى يوم القيامة {قليل} ". تفسير : وقرأ الجمهور: "سرُر" بضم الراء. وقرأ أبو السمال: "سرَر" بفتح الراء. والموضونة: المنسوجة بتركيب بعض أجزائها على بعض كحلف الدرع، فإن الدرع موضونة، ومنه قول الأعشى: [المتقارب] شعر : ومن نسج داود موضونة تسير مع الحي عيراً فعيرا تفسير : وكذلك سفيفة الخوص ونحوه {موضونة}، ومنه وضين الناقة وهو حزامها، لأنه موضون، فهو كقتيل وجريح، ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : إليك تعدو قلقاً وضينها معترضاً في بطنها جنينها مخالفاً دين النصارى دينها تفسير : قال ابن عباس: هذه السرر الموضونة هي المرمولة بالذهب، وقال عكرمة: هي مشبكة بالدر والياقوت. و: {متكئين} و: {متقابلين} حالان فيهما ضمير مرفوع، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: "متكئين عليها ناعمين". والولدان: صغار الخدم، عبارة عن أنهم صغار الأسنان، ووصفهم بالخلد وإن كان جميع ما في الجنة كذلك إشارة إلى أنهم في حال الولدان {مخلدون} لا تكبر بهم سن. وقال مجاهد: لا يموتون. قال الفراء: {مخلدون} معناه مقرطون بالخلدات، وهي ضرب من الأقراط، والأول أصوب، لأن العرب تقول للذي كبر ولم يشب: إنه لمخلد. والأكواب: ما كان من أواني الشرب لا أذن له ولا خرطوم، قال ابن عباس: هي جرار من فضة. وقال أبو صالح: مستديرة أفواهها. وقال قتادة والضحاك. ليست لها عرى، والإبريق ما له خرطوم، وقال مجاهد وأذن، وهو من أواني الخمر عند العرب، ومنه قول عدي بن زيد: [الخفيف] شعر : وتداعوا إلى الصبوح فقامت قينة في يمينها إبريق تفسير : والكأس: الآنية المعدة للشرب بها بشريطة أن يكون فيها خمر أو نبيذ أو ما هو سبيل ذلك، ومتى كان فارغاً فينسب إلى جنسه زجاجاً كان أو غيره، ولا يقال الآنية فيها ماء ولبن كأس. وقوله: {من معين} قال ابن عباس معناه: من خمر سائلة جارية معينة. ولفظة {معين} يحتمل أن يكون من معن الماء إذا غزر، فوزنها فعيل ويحتمل أن تكون من العين الجارية أو من الباصرة، فوزنها مفعول أصلها معيون، وهذا تأويل قتادة. وقوله: {لا يصدعون عنها} ذهب أكثر المفسرين إلى أن المعنى: لا يلحق رؤوسهم الصداع الذي يلحق من خمر الدنيا، وقال قوم معناه: لا يفرقون عنها، بمعنى لا تقطع عنهم لذتهم بسبب من الأسباب كما يفرق أهل خمر الدنيا بأنواع من التفريق، وهذا كما قال: "حديث : فتصدع السحاب عن المدينة"تفسير : الحديث. وقوله: {ولا ينزفون} قال مجاهد وقتادة وابن جبير والضحاك معناه: لا تذهب عقولهم سكراً، والنزيف: السكران، ومنه قول الشاعر: [الكامل] شعر : شرب النزيف ببرد ماء الحشرج تفسير : وقرأ ابن أبي إسحاق: "ولا يَنزِفون" بكسر الزاي وفتح الياء، من نزف البئر إذا استقى ماءها، فهي بمعنى تم خمرهم ونفدت، هكذا قال أبو الفتح. وحكى أبو حاتم عن ابن أبي إسحاق والجحدري والأعمش وطلحة وابن مسعود وأبي عبد الرحمن وعيسى: بضم الياء وكسر الزاي. قال معناه: لا يفني شرابهم، والعرب تقول: أنزف الرجل عبرته، وتقول أيضاً، أنزف: إذا سكر، ومنه قول الأبيرد: [الطويل] شعر : لعمري لئن أنزفتمُ أو صحوتمُ لبيس الندامى أنتمُ آل أبجرا تفسير : وعطف الفاكهة على الكأس والأباريق. وقوله: {مما يشتهون} روي فيه أن العبد يرى الطائر يطير فيشتهيه فينزل له كما اشتهاه، وربما أكل منه ألواناً بحسب تصرف شهوته، إلى كثير مما روي في هذا المعنى. وقرأ حمزة والكسائي والمفضل عن عاصم: "وحورٍ عينٍ" بالخفض، وهي قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن والأعمش وأبي القعقاع وعمرو بن عبيد. وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود: "وحوراً عيناً" بالنصب. وقرأ الباقون من السبعة: "وحورٌ عينٌ" بالرفع، وكل هذه القراءات محمولة الإعراب على المعنى لا على اللفظ. كأن المعنى قبل ينعمون بهذا كله وبـ "حورٍ عينٍ"، وهذا المعنى في قراءة النصب ويعطون هذا كله "وحوراً عيناً"، وكان المعنى في الرفع: لهم هذا كله "وحورٌ عينٌ"، ويجوز أن يعطف: {وحور} على الضمير في: {متكئين}. قال أبو علي: ولم يؤكد لكون الكلام بدلاً من التأكيد، ويجوز أن يعطف على الولدان وإن كان طواف الحور يقلق، ويجوز أن يعطف على الضمير المقدر في قوله: {على سرر} وفي هذا كله نظر، وقد تقدم معنى: {حور عين}. وقرأ إبراهيم النخعي: "وحير عين". وخص {المكنون} من {اللؤلؤ} لأنه أصفى لوناً وأبعد عن الغير، وسألت أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا التشبيه فقال: "حديث : صفاؤهن كصفاء الدر في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي". تفسير : و: {جزاء بما كانوا يعملون} أي هذه الرتب والنعم هي لهم بحسب أعمالهم، لأنه روي أن المنازل والقسم في الجنة، هي مقتسمة على قدر الأعمال، ونفس دخول الجنة هو برحمة الله وفضله لا بعمل عامل، فأما هذا الفضل الأخير أن دخولها ليس بعمل عامل، ففيه حديث صحيح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يدخل أحد الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة ". تفسير : واللغو: سقط القول من فحش وغيره. والتأثيم: مصدر، بمعنى: لا يؤثم أحد هناك غيره ولا نفسه بقول. فكان يسمع ويتألم بسماعه. و: {قليلاً} مستثنى، والاستثناء متصل، وقال قوم: هو منقطع. و: {سلاماً} نعت للقيل، كأنه قال: إلا {قيلاً} سالماً من هذه العيوب وغيرها. وقال أبو إسحاق الزجاج أيضاً {سلاماً} مصدر، وناصبه {قيلاً} كأنه يذكر أنهم يقول بعضهم لبعض {سلاماً سلاماً}. وقال بعض النحاة {سلاماً} منتصب بفعل مضمر تقديره: أسلموا سلاماً.
ابن عبد السلام
تفسير : {ثُلَّةٌ} جماعة، أو شطر، أو بقية، {الأَوَّلِينَ} أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أو قوم نوح "ح".
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلأَخِرِينَ} الثُّلَّةُ: الجماعة، قال الحسن بن أبي الحسن وغيره: المراد: السابقون من الأمم والسابقون من هذه الأُمَّةِ، ورُوِيَ أَنَّ الصحابة حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابقي هذه الأُمَّةِ على هذا التأويل، فنزلت الآية: {أية : ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَخِرِينَ }تفسير : [الواقعة:39-40] فَرَضُوا، ورُوِيَ عن عائشة أَنَّها تأوَّلَتْ: أَنَّ الفرقتين في أُمَّةِ كُلِّ نبيٍّ هي في الصدر ثلة وفي آخر الأمة قليل، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: «حديث : الفِرْقَتَانِ في أُمَّتِي، فَسَابِقُ أَوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وَسَابِقُ سَائِرِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قليلٌ»تفسير : قال السهيليُّ: وَأَمَّا آخِرُ مَنْ يدخل الجنة، وهو آخِرُ أهل النار خروجاً منها، فرجل اسمه جُهَيْنَةُ، فيقول أهل الجنة: تعالوا نسأَله فعند جهينةَ الخبر اليقين، فيسألونه: هل بَقِيَ في النار أَحَدٌ بعدك مِمَّنْ يقول: لا إلٰه إلا اللَّه؟ وهذا حديث ذكره الدَّارَقُطْنِيُّ من طريق مالك بن أنس، يرفعه بإسناد إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ذكره في كتاب رواة مالك بن أنس ـــ رحمه اللَّه ـــ، انتهى. وقوله تعالى: {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} أي: منسوجة بتركيب بعض أجزائها على بعض، كحلق الدِّرْعِ، ومنه وَضِينُ الناقة وهو حِزَامُهَا؛ قال ابن عباس: {مَّوْضُونَةٍ}: مرمولة بالذهب، وقالَ عِكْرَمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بالدُّرِّ والياقوت {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ}: للخدمة {وِلْدٰنٌ}: وهم صغار الخَدَمَةِ، ووصفهم سبحانه بالخلد، وإنْ كان جميعُ ما في الجنة كذلك، إشارةً إلى أَنَّهُم في حال الولدان مُخَلَّدُونَ، لا تكبر لهم سِنٌّ، أي: لا يحولون من حالة إلى حالة؛ وقاله ابن كيسان، وقال الفَرَّاء: {مُّخَلَّدُونَ} معناه: مقرطون بالخلدات وهي ضرب من الأقراط والأَوَّلُ أصوب، لأَنَّ العربَ تقول للذي كَبُرَ ولم يَشِبْ: إِنَّهُ لَمُخَلَّدٌ، والأكواب: ما كان من أواني الشرب لا أَذُنَ له ولا خُرْطُومَ، قال قتادة: ليست لها عُرًى، والإبريق: ماله خرطوم، والكأس: الآنية المُعَدَّةُ للشرب بشريطةِ أَنْ يكونَ فيها خمر، ولا يقال لآنية فيها ماء أو لبن كأس. وقوله: {مِّن مَّعِينٍ} قال ابن عباس: معناه من خمر سائلة جارية معينة. وقوله: {لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} ذهب أكثر المفسرينَ إلى أَنَّ المعنى: لا يلحق رءوسَهم الصداعُ الذي يَلْحَقُ من خمر الدنيا، وقال قوم: معناه: لا يفرقون عنها بمعنى لا تقطعُ عنهم لَذَّتُهُمْ بسببٍ من الأسباب، كما يفرق أهل خمر الدنيا بأنواعٍ من التفريق، {وَلاَ يُنزِفُونَ} معناه: لا تذهب عقولُهم سكراً؛ قاله مجاهد وغيره، والنزيف: السكران، وباقي الآية بَيِّنٌ، وَخصَّ المكنون باللؤلؤ؛ لأَنه أصفى لوناً وأبعدُ عن الغير، وسألتْ أُمُّ سَلَمَةَ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ هَذَا التَّشْبِيهِ، فَقَالَ: «حديث : صَفَاؤُهُنَّ كَصَفَاءِ الدُّرِّ في الأَصْدَافِ الَّذِي لاَ تَمَسُّهُ الأَيْدِي»تفسير : و{جَزَاءَ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي: إنَّ هذه الرتبَ والنعيمَ هي لهم بحسب أعمالهم؛ لأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ المنازل والقسم في الجنة هي مقتسمة على قَدْرِ الأعمال، ونَفْسُ دخول الجنة هو برحمة اللَّه وفضله، لا بعمل عامل؛ كما جاء في الصحيح.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ}[13] قال: يعني فرقة من الأولين وهم أهل المعرفة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ}. الثُّلّة: الجماعة. ويقال: ثلة من الأولين الذين شاهدوا أنبياءَهم وقليل من الآخرين الذين شاهدوا نبيَّنَا صلى الله عليه وسلم. ويقال: ثُلّةٌ من الأولين: من السلف وقليل من المتأخرين: من الأمة. {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ}. أي منسوخة نسيج الدرع من الذهب. جاء في التفسير: طولُ كل سريرٍ ثلاثمائة ذراع، إنْ أراد الجلوسَ عليه تواضع، وإن استوى عليه ارتفع. {مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ}. أي لا يرى بعضُهم قفا بعضٍ. وَصَفهم بصفاء المودة وتَهَذُّب الأخلاق. {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ}. يطوف عليهم وهم مقيمون لا يبرحون ولدانٌ في سِنٍّ واحدة.. لا يهرمون. وقيل: مُقَرَّطون (الخَلدة. القُرْط). {بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ}. {بِأَكْوَابٍِ} جمع كوب وهي آنية بلا عروة ولا خرطوم، {وَأَبَارِيِقَ}: جمع إبريق وهو عكس الكوب (أي له خرطوم وعروة). ولا صداع لهم في شربهم إياها، كما لا تذهب عقولهم بسببها. ولهم كذلك فاكهة مما يتخيرون، ولحم طيرٍ مما يشتهون، وحُورٌ عين، كأمثال اللؤلؤ المكنون، أي: المصون، جزاءً بما كانوا يعملون.
اسماعيل حقي
تفسير : {ثلة من الاولين} اى هم امم كثيرة من الاولين غير محصورة العدد وهم الامم السالفة من لدن آدم الى نبينا عليهما السلام وعلى من بينهما من الانبياء العظام وهذا التفسير مبنى على أن يراد بالسابقين غير الانبياء واشتقاق الثلة من الثل وهو الكسر وجماعة السابقين مع كثرتهم مقطوعة مكسورة من جملة بنى آدم وقال الراغب الثلة قطعة مجتمعة من الصوف ولذلك قيل للغنم ثلة ولاعتبار الاجتماع قيل ثلة من الاولين اى جماعة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ثُلّةٌ} أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة {من الأولين} والثُلة: الأمة الكثيرة من الناس، {وقليل من الآخِرين} ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أنَّ صدر هذه الأمة كَثُر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويُؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"تفسير : ، وصرّح في حديث آخر أنهم جميعاً من أمته، فقال:"حديث : الفرقتان من أمتي"تفسير : ، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. هـ. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسدٌ، واقتصر في نوادر الأصول على أنَّ الثلة الأنبياء، وخُتموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومِنْ بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. هـ. وفي المَحلِّي هنا تخليط. انظر الحاشية. {على سُرُرٍ} جمع سرير، {موضونةٍ} قال ابن عباس: "مرمولة"، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طولُ السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، {متكئين عليها} حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سُرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأَسِرة، {متقابلين} ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وُصفوا بحسن العِشْرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضاً حال. {يطوف عليهم} يَخدمهم {وِلدانٌ} غلمان، جمع وليدٍ، {مُخلَّدون} مُبْقَّوْنَ أبداً على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكِبَر، وقيل: مقرَّطون، والخِلَدَةُ: القُرْط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يُثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث:"حديث : أولاد الكفار خُدّام أهل الجنة"تفسير : . وهذا هو الصحيح. {بأكوابٍ} جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، {وأباريقَ} جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، {وكأسٍ} أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يُسمى كأساً، {من مَعينٍ} من خمر، يجري من العيون، {لا يُصَدَّعون عنها} أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صُداع، وهو وجع الرأس، {ولا يُنزَفُونَ} ولا يسكرون، يقال: نزَف الرجل: ذهب عقله بالسُكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أُنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: "حديث : زَمزمُ لا تُنْزَفُ ولا تُذَمّ"تفسير : أي: لا ينفذ ماؤها. {وفاكهةٍ مما يتَخيَّرون} أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيماً وسروراً من أخذه مجنياً، {ولحم طيرٍ مما يشتهون} مما يتمنون مشوياً أو مطبوخاً، {وحُورٌ عِينٌ} أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على "ولدان" أي: وتخدمهم حُور عين، زيادة في التعظيم، ومَن قرأ بالخفض عطفه على "جنات النعيم" كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور {كأمثالِ اللؤلؤ المكنونِ} في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صَدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدُرِّ حين يخرج من صدفه، لم يُغيرّه الزمان واختلاف الأيدي عليه، {جزاء بما كانوا يعملون} مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يُجزَون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغُرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض. {لا يَسْمَعون فيها} في الجنة {لَغواً} باطلاً {ولا تأثيماً} هذياناً، أو: ما يُؤهم صاحبه لو كف، {إِلاَّ قِيلا} أي: قولاً {سلاماً سلاماً} أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و"سلاماً" بدل من "قيلاً" أو: مفعول به لـ"قيلاً"، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاماً سلاماً، والمعنى: أنهم يُفشون السلام فيُسَلِّمون سلاماً بعد سلام، أو: لا يسمع كلٌّ من المسلِّم والمسلِّم عليه إلا سلام الآخر بدءاً ورداً. والله تعالى أعلم. الإشارة: أخبر تعالى أنّ المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبةً، وأوسع علماً وتحقيقاً؛ لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدُّوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجدّ إلا قليلاً، ولا من أهل الحق إلا نذراً يسيراً، فحيث نهضوا وحدهم عوّضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام: "حديث : اشتقت إلى إخواني" قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، مِن نعتهم كذا وكذا" ثم قال: "يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم" قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: "منكم" قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: "إنكم وجدتم على الخير أعواناً، وهم لم يجدوا عليه أعواناً"تفسير : . وفي حديث آخر، رواته ثقات: حديث : قالوا: يا رسول الله؛ هل أحد خير منا؟ قال: "قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتاباً بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويُصَدِّقون بما جئتُ به، ويعملون به، فهم خير منكم"تفسير : ، ولا يلزم من تفضيلهم مِن جهةٍ تفضيلهم مطلقاً. ثم وصف المقرّبين بكونهم على سُرر الهداية، منسوجة بالعِز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضاً بقلوبهم وأسرارهم، لا تَباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، "أنت مع الأكوان ما لم تشهد المُكوّن، فإذا شهدت المُكوِّن كانت الأكوان معك": يُسقون بأكوابٍ وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدّعون من أجلها؛ إذ ليست كخمر الدوالي، ولا يُنزفون: لا يسكرون سُكْر اصطلام، وإنما يسكرون سُكراً مشوباً بصَحْوٍ، إذا كان الساقي عارفاً ماهراً. وفاكهة؛ حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذِكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحُورق عِين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغواً ولا تأثيماً؛ لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: شعر : تُهذّبُ أخلاقَ النّدامى، فيَهْتدي بها لطريقه العزم مَن لا له عَزْم ويكرُمُ مَن لا يَعْرف الجودَ كَفّثه ويحلُمُ عند الغيظ مَن لا له حِلم تفسير : فلا تسمع من الصوفية إِلا قيلاً سلاماً سلاماً، كما قيل في حقيقة التصوُّف: أخلاقٌ كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم.هـ. ثم ذكر أصحاب اليمين، فقال: {وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ}.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : "الثُلّة": الجماعة الكثيرة من الناس، وأصلها من "الثُل" وهو الكسر، كما أنّ "الأمّة" من "الأمّ" وهو الشَجّ، كأنّها جماعة قُطعت من الناس، وكونها في مقابلة القليل دال على الكثرة. وثلّةُ: خبر مبتدأ محذوف، اي: هم ثلّة، والمراد أنّ السابقين المقرّبين كثير من الأمم الماضية التي كانت قبل بعثة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وقليل من هذه الأمّة. وقيل: جماعة من أوايل هذه الأمّة وقليل من أواخرها. وعن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : الثُلّتان جميعا من أمّتي ". تفسير : والمراد أنّ هذه في السابقين، وتلك في أصحاب اليمين، فعدد المقرّبين يتكاثر من مقدّمي هذه الأمّة دون متأخُريها. لأنّ أكثر الأولياء والشهداء والأئمّة الكبراء كانوا في الأوّل حيث قَرُبَت أزمنتهم من زمان الوحي والتنزيل، وعدد السعداء وأصحاب اليمين يتكاثر من الأولين والآخرين جميعاً.
الجنابذي
تفسير : {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} اى جمع كثير منهم من الاوّلين فى الزّمان وهم من لدن آدم (ع) الى زمان الخاتم (ص)، او من الاوّلين فى البيعة وقبول الولاية، او من الاوّلين فى الرّتبة وهذا هو المقصود، فانّ المقصود انّ كثيراً من السّابقين كانوا من الاوّلين فى الرّتبة وقليل منهم كانوا من الآخرين فى الرّتبة عرجوا بعد الموت بتصادم البرازخ الى مقام الاوّلين ولذلك لم يقل فى اصحاب الشّمال، ثلّة من الاوّلين مع انّ اصحاب الشّمال جمع كثير منهم من الاوّلين، وقيل: ثلّة من الاوّلين من امّة محمّدٍ (ص).
اطفيش
تفسير : {ثُلَّةٌ} جماعة كثرة لا تحصى. {مِّنَ الأَوَّلِينَ} الامم السابقة من آدم الى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عليهما.
اطفيش
تفسير : {ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ} خبر لأُولئك أو لمحذوف، أى هم ثلة أو مبتدأ لمحذوف أى ومنهم ثلة، قيل أو مبتدأ خبره على سرر، وهى الجماعة الكثيرة ويدل على اعتبار الكثرة مقابلته بقوله جل وعلا {وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ} وقيل ثلة موضوع لمطلق الجماعة، وأُريد به هنا الكثيرة بدليل المقابلة، فإِن المراد الجماعة الكثيرة من لدن آدم إِلى نبينا - صلى الله عليه وسلم - والقليل من الآخرين مؤمنو هذه الأُمة السابقون، والكلام فى السابقين فلا تنافى الآية قوله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إِن أُمتي يكثرون سائر الأُمم"تفسير : ، أى يغلبونهم فى الكثرة لأَن المراد سابق مؤمنيها قليل بالنسبة إِلى سبأَ ومؤمنى الأُمم من عامة مؤمنيها الأَتباع، ومؤمنوها الأَتباع أكثر من عامة الأُمم الأَتباع، وقد يقال كثرة سباق الأُمم باعتبار أنبيائهم على أنهم داخلون فى أُممهم فلا خير، ولما نزل ثلة من الأَولين وثلة من الآخرين ونسخت قوله {وقليلٌ من الآخرين}، قلت: لا يصح هذا لأَن قوله تعالى {وقليلٌ من الآخرين} إِخبار، والإِخبار لا تنسخ لأَن نسختها تكذيب لها والله صادق، ثم تذكرت أيضا أن قوله: وقليل من الآخرين فى أصحاب اليمين وثلة من الأَولين فى السابقين، وقيل المراد الصحابة الأَولون والصحابة الآخرون، وقيل من لقوا الأَنبياء ومن لقى النبى - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله - ولا شك أن من لقيهم أكثر ممن لقيه - صلى الله عليه وسلم - لكثرة الأَنبياء قبل، وقيل عنه - صلى الله عليه وسلم - "حديث : الثلثان من أُمتي" تفسير : بمثلثتين وضم اللام مخففة أو بمثلثة وشد اللام بعدها مثناة، وروى أن أهل الجنة مائة وعشرون صفا، أنتم منها ثمانون صفا كما فى الترمذى، وهذا حدث بعد قوله - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود ومن معه، وهم أربعون فى قبة أو نحو أربعين، "حديث : "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة"؟ قالوا: نعم. "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة"؟ قالوا: نعم. قال: "والذي نفس محمد بيده إِني لأَرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة""تفسير : . وعن عائشة: ثلة من الأَولين وقليل من الآخرين من أُمة كل نبى فى صدر الدنيا قليلين. ويبحث بأَن أنبياء بنى إِسرائيل أكثر وليسوا فى صدر الدنيا، إِلا إِن أُريد بصدرها أنبياء بنى إِسرائيل، لأَنهم صدروا ومضوا وكانوا أولا بالنسبة لما بعد وأُريد بآخرها النبى - صلى الله عليه وسلم - ومن بينه وبين عيسى عليه السلام من الأَنبياء المختلف فيهم، وعن أبى بكرة وابن عباس عنه - صلى الله عليه وسلم - "حديث : ثلة من الأَولين وثلة من الآخرين هما جميعاً في هذه الأُمة" تفسير : فيكون الخطاب فى قوله تعالى: {وكنتم أزواجا}، لهذه الأُمة فقط فسابق أول هذه الأُمة ثلة وسابق سائرها إِلى آخرها قليل، وجاء فى فرقتى أصحاب اليمين نحو ذلك {عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} حال من المقربين أو من الضمير فى جنات النعيم إِذا علقنا فى بمحذوف حال أو خبر آخر لهو المحذوف المخبر عنه بثلة، والوضن النسج، نسج الدرع ونسج حزام الناقة وغير ذلك، وقيل أصله فى نسج الدرع واستعير لكل نسج، وقيل استعير لكل نسج محكم، والمراد فى الآية منسوجة بالذهب أو بقضبان الفضة، روايتان عن ابن عباس وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {ثُلَّةٌ مّنَ ٱلأَوَّلِينَ } خبر مبتدأ مقدر أي هم ثلة الخ، وجوز كونه مبتدأ خبره محذوف أي منهم، أو خبراً أولاً أو ثانياً ـ لأولئك ـ وجوز أبو البقاء كونه مبتدأ والخبر { أية : عَلَىٰ سُرُرٍ } تفسير : [الواقعة: 15]. والثلة في المشهور الجماعة كثرت أو قلّت، وقال الزمخشري: الأمة من الناس الكثيرة وأنشد قوله: شعر : وجاءت إليهم (ثلة) خندفية بجيش كتيار من السيل مزبد تفسير : وقوله تعالى بعد: { أية : وَقَلِيلٌ } تفسير : [الواقعة: 14] الخ كفى به دليلاً على الكثرة انتهى. والظاهر أنه أنشد البيت شاهداً لمعنى الكثرة في الثلة فإن كانت الباء تجريدية وهو الظاهر فنص وإلا فالاستدلال عليها من أن المقام مقام مبالغة ومدح، وأما استدلاله بما بعد فذلك لأن التقابل مطلوب لأن الثلة لم توضع للقليل بالإجماع حتى يحمل ما بعد على التفنن بل هي إما للكثرة والاشتقاق عليها أدل لأن الثل بمعنى الصب وبمعنى الهدم بالكلية، والثلة بالكسر الضأن الكثيرة وإما لمطلق الجماعة كالفرقة والقطعة من الثل بمعنى الكسر كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم إلا أن الاستعمال غلب على الكثير فيها فالمعنى جماعة كثيرة من الأولين وهم الناس المتقدمون من لدن آدم إلى نبينا عليهما الصلاة والسلام وعلى من بينهما من الأنبياء العظام.
ابن عاشور
تفسير : اعتراض بين جملة {أية : في جنات النعيم}تفسير : [الواقعة: 12] وجملة على {أية : سرر موضونة}تفسير : [الواقعة: 15]. و{ثلة} خبر عن مبتدأ محذوف، تقديره: هم ثلة، ومعاد الضمير المقدر «السابقون»، أي السابقون ثلة من الأولين وقليل من الآخرين. وهذا الاعتراض يقصد منه التنويه بصنف السابقين وتفضيلهم بطريق الكناية عن ذلك بلفظي {ثلة} و{قليل} المشعرَيْن بأنهم قُلٌّ من كثر، فيستلزم ذلك أنهم صنف عزيز نفيس لما عهد في العرف من قلة الأشياء النفيسة وكقول السموأل ـــ وقيل غيرِه ـــ:شعر : تعيرنا أنّا قليل عديدنا فقلت لها: إن الكرام قليل تفسير : مع بشارة المسلمين بأن حظهم في هذا الصنف كحظ المؤمنين السالفين أصحاب الرسل لأن المسلمين كانوا قد سمعوا في القرآن وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تنويهاً بثبات المؤمنين السالفين مع الرسل ومجاهدتهم فربما خامر نفوسهم أن تلك صفة لا تُنال بعدهم فبشرهم الله بأن لهم حظاً منها مثل قوله تعالى: {أية : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتهم على أعقابكم} تفسير : إلى قوله: {أية : وكأين من نبي قاتل معه ربّيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضَعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين}تفسير : [آل عمران: 144 ـــ 146] وغيرها، تلهيباً للمسلمين وإذكاء لهممهم في الأخذ بما يُلحقهم بأمثال السابقين من الأولين فيستكثروا من تلك الأعمال. وفي الحديث: «حديث : لقَد كان من قبلكم يوضع المِنْشار على أحدهم فينشر إلى عظمه لا يصده ذلك عن دينه»تفسير : . والثُلَّة: بضم الثاء لا غير: اسم للجماعة من الناس مطلقاً قليلاً كانوا أو كثيراً، وهذا هو قول الفراء وأهل اللغة والراغب وصاحب «لسان العرب» وصاحب «القاموس» والزمخشري في «الأساس»، وقال الزمخشري في «الكشاف» إن الثلة: الأمة الكثيرة من الناس ومحمله على أنه أراد به تفسير معناها في هذه الآية لا تفسير الكلمة في اللغة. ولما في هذا الاعتراض من الإِشعار بالعزة قدم على ذكر ما لهم من النعيم للإِشارة إلى عظيم كيفيته المناسبةِ لوصفهم بـــــ (السابقين) بخلاف ما يأتي في أصحاب اليمين. ومعنى: {الأولين} قوم متقدمون على غيرهم في الزمان لأن الأول هو الذي تقدم في صفة مَّا كالوجود أو الأحوال على غير الذي هو الآخِر أو الثاني، فالأوّلية أمر نسبي يبيّنه سياق الكلام حيثما وقع. فالظاهر أن {الأولين} هنا مراد بهم الأمم السابقة قبل الإسلام بناء على ما تقدم من أن الخطاب في قوله: {أية : وكنتم أزواجاً ثلاثة}تفسير : [الواقعة: 7] خطاب لجميع الناس بعنوان أنهم ناس لأن المنقرضين الذين يتقدمون من أمة أو قبيلة أو أهل نحلة يُدعون بالأوليين كما قال الفرزدق:شعر : ومهلهل الشعراء ذاك الأوّل تفسير : وقال تعالى: {أية : أو آباؤنا الأوّلون}تفسير : [الواقعة: 48] الذين هم يخلفونهم ويكونون موجودين، أو في تقدير الموجودين يُدعون الآخرين. وقد وُصف أهل الإسلام بالآخرين في حديث فضل الجمعة «حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بَيد أنهم أُوتوا الكتاب مِن قبلنا» تفسير : الحديث. وإذ قد وُصف السابقون بما دل على أنهم أهل السبق إلى الخير ووصفت حالهم في القيامة عَقِبَ ذلك فقد عُلم أنهم أفضل الصالحين من أصحاب الأديان الإِلهية ابتداء من عصر آدم إلى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وهم الذين جاء فيهم قوله تعالى: {أية : مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين}تفسير : [النساء: 69]. فلا جرم أن المراد بـــــ {الأولين} الأممُ الأولى كلها، وكان معظم تلك الأمم أهل عناد وكفر ولم يكن المؤمنون فيهم إلا قليلاً كما تنبىء به آيات كثيرة من القرآن. ووصف المؤمنون من بعض الأمم عند أقوامهم بالمستضعفين، وبالأرذلين، وبالأقلين. ولا جرم أن المراد بالآخرين الأمة الأخيرة وهم المسلمون. فالسابقون طائفتان طائفة من الأمم الماضين ومجموع عددها في ماضي القرون كثير مثل أصحاب موسى عليه السلام الذين رافقوه في التيه، ومثل أصحاب أنبياء بني إسرائيل، ومثل الحواريين، وطائفة قليلة من الأمة الإسلامية وهم الذين أسرعوا للدخول في الإسلام وصحبوا النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {أية : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار}تفسير : [التوبة: 100]، وإذ قد كانت هذه الآية نزلت قبل الهجرة فهي لا يتحقق مفادها إلا في المسلمين الذين بمكة. و{مِن} تبعيضية كما هو بيّن، فاقتضى أن السابقين في الأزمنة الماضية وزمان الإسلام حاضِره ومستقبله بعض من كلًّ، والبعضية تقتضي القلة النسبية ولفظ {ثلة} مشعر بذلك ولفظ {قليل} صريح فيه. وإنما قوبل لفظ {ثلة} بلفظ {قليل} للإِشارة إلى أن الثلة أكثر منه. وعن الحسن أنه قال: سابقو من مضى أكثر من سابقينا. وروي عن أبي هريرة «حديث : أنه لما نزلت: {ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} شقّ ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وحزنوا وقالوا: إذن لا يكون من أمة محمد إلا قليل، فنزلت نصف النهار {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} [الواقعة: 39، 40] فنسخت: {وقليل من الآخرين}»تفسير : . وهذا الحديث مشكل ومجمل فإن هنا قسمين مشتبهين، والآية التي فيها {أية : وثلّة من الآخرين}تفسير : [الواقعة: 40] ليست واردة في شأن السابقين فليس في الحديث دليل على أن عدد أهل مرتبة السابقين في الأمم الماضية مساوٍ لعدد أهل تلك المرتبة في المسلمين، وأن قول أبي هريرة: «فنَسخت {وقليل من الآخرين}» يريد نسخت هذه الكلمة. فمراده أنها أبطلت أن يكون التفوق مطرداً في عدد الصالحين فبقي التفوق في العدد خاصاً بالسابقين من الفريقين دون الصالحين الذين هم أصحاب اليمين، والمتقدمون يطلقون النسخ على ما يشمل البيان فإنه مورد آية: {أية : ثلة من الأولين وثلة من الآخرين}تفسير : [الواقعة: 39، 40] في شأن صنف أصحاب اليمين ومورد الآية التي فيها: {وقليل من الآخرين} هو صنف السابقين فلا يتصور معنى النسخ بالمعنى الاصطلاحي مع تغاير مورد الناسخ والمنسوخ ولكنه أريد به البيان وهو بيان بالمعنى الأعم.
الشنقيطي
تفسير : وقوله: ثلة: خبر مبتدأ محذوف، والتقدير، هم ثلة، والثلة الجماعة من الناس، وأصلها القطعة من الشيء وهي الثل، وهو الكسر. وقال الزمخشري: والثلة من الثل، وهو الكسر، كما أن الأمة من الأم وهو الشبح، كأنها جماعة كسرت من الناس، وقطعت منهم. اهـ. منه. واعلم أن الثلة تشمل الجماعة الكثيرة، ومنه قول الشاعر: شعر : فجاءت إليهم ثلة خندفية بجيش كتيار من السيل مزيد تفسير : لأن قوله: تيار من السيل: يدل على كثرة هذا الجيش المعبر عنه بالثلة. وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الثلة من الأولين، وهذا القليل من الآخرين المذكورين هنا، كما اختلفوا في الثلتين المذكورتين في قوله:{أية : ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ}تفسير : [الواقعة: 39-40]. فقال بعض أهل العلم: كل هؤلاء المذكورين من هذه الأمة، وأن المراد بالأولين منهم الصحابة. وبعض العلماء يذكر معهم القرون المشهود لهم بالخير في قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : خير القرون قرني ثم الذين يلونهم" تفسير : الحديث. والذين قالوا: هم كلهم من هذه الأمة، قالوا: إنما المراد بالقليل، وثلة من الآخرين، وهم من بعد ذلك إلى قيام الساعة. وقال بعض العلماء: المراد بالأولين في الموضعين الأمم الماضية قبل هذه الأمة، والمراد بالآخرين فيهما هو هذه الأمة. قال مقيده عفا الله عنه، وغفر له: ظاهر القرآن في هذا المقام: أن الأولين في الموضعين من الأمم الماضية، والآخرين فيهما من هذه الأمة، وأن قوله تعالى: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} في السابقين خاصة، وأن قوله:{أية : ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ}تفسير : [الواقعة: 39-40] في أصحاب اليمين خاصة. وإنما قلنا: إن هذا هو ظاهر القرآن في الأمور الثلاثة، التي هي شمول الآيات لجميع الأمم، وكون قليل من الآخرين في خصوص السابقين، وكون ثلة من الآخرين في خصوص أصحاب اليمين لأنه واضح من سياق الآيات. أما شمول الآيات لجميع الأمم فقد دل عليه أول السورة، لأن قوله: {أية : إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ}تفسير : [الواقعة: 1] - إلى قوله - {أية : فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً }تفسير : [الواقعة: 6] لا شك أنه لا يخص أمة دون أمة، وأن الجميع مستوون في الأهوال والحساب والجزاء. فدل ذلك على أن قوله: {أية : وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً}تفسير : [الواقعة: 7] عام في جميع أهل المحشر، فظهر أن السابقين وأصحاب اليمين منهم من هو من الأمم السابقة، ومنهم من هو من هذه الأمة. وعلى هذا، فظاهر القرآن، أن السابقين من الأمم الماضية أكثر من السابقين من هذه الأمة، وأن أصحاب اليمين من الأمم السابقة ليست أكثر من أصحاب اليمين من هذه الأمة، لأنه عبر في السابقين من هذه الأمة بقوله: {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} وعبر عن أصحاب اليمين من هذه الأمة {وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِين}. ولا غرابة في هذا، لأن الأمم الماضية أمم كثيرة. وفيها أنبياء كثيرة ورسل، فلا مانع من أن يجتمع من سابقيها من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من سابقي هذه الأمة وحدها. أما أصحاب اليمين من هذه الأمة فيحتمل أن يكونوا أكثر من أصحاب اليمين من جميع الأمم، لأن الثلة تتناول العدد الكثير، وقد يكون أحد العددين الكثيرين أكثر من الآخر، مع أنهما كلاهما كثير. ولهذا تعلم أن ما دل عليه ظاهر القرآن واختاره ابن جرير، لا ينافي ما جاء من أن نصف أهل الجنة من هذه الأمة. فأما كون قوله {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} دل ظاهر القرآن على أنه في خصوص السابقين، فلأن الله قال {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ}تفسير : [الواقعة: 10-12] ثم قال تعالى مخبراً عن هؤلاء السابقين المقربين { ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ}. وأما كون قوله: {أية : وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ}تفسير : [الواقعة: 40] في خصوص أصحاب اليمين، فلأن الله تعالى قال {أية : فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً لاًّصْحَابِ ٱلْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ}تفسير : [الواقعة: 36-40]، والمعنى هم أي أصحاب اليمين: ثلة من الأولين وثلة من الآخرين، وهذا واضح كما ترى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ثلة من الأولين: أي جماعة من الأمم الماضية. وقليل من الآخرين: أي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم هؤلاء هم السابقون. على سرر موضونة: أي منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر. ولدان مخلدون: أي على شكل الأولاد لا يهرمون فيخدمونهم أبداً. بأكواب وأباريق: يطوف عليهم الولدان الخدم بأكواب وهي أقداح لا عرا لها، وأباريق لها عرا وخراطيم. وكأس من معين: أي وإناء لشرب الخمر ومعين بمعنى جارية من نهر لا ينقطع أبداً. لا يصدعون: أي لا يحصل لهم من شربها صداع. ولا ينزفون: أي ولا تذهب عقولهم يقال نزف الشارب وأنزف إذا ذهب عقله بالسكر. وفاكهة مما يتخيرون: أي يختارون منها ما يروق لهم ويعجبهم وإن كانت كلها معجبة. وحور عين: أي ولهم نساء بيض عين أي واسعة الأعين وشديدات سواد العيون وبياضها. كأمثال اللؤلؤ المكنون: أي أولئك الحور العين هن في جمالهن وصفائهن كأمثال اللؤلؤ المصون. لغواً ولا تأثيما: أي لا يسمعون في الجنة لغواً أي فاحش الكلام وما لا خير فيه ولا ما يوقع في الإِثم. إلا قيلا سلاما سلاما: إلا قولا سلاما سلاما أي لا يسمعون إلا السلام من الملائكة ومن بعضهم بعضاً. معنى الآيات: ما زال السياق في بيان أحوال الناس إذا قامت القيامة فذكر أنهم يصيرون أصنافاً ثلاثة أصحاب يمين وأصحاب شمال وسابقين. وهنا يقول في السابقين إنهم ثلة أي جماعة من الأولين أي من الأمم الماضية الذين أسلموا وسبقوا إلى الإِسلام مع أنبيائهم، وقليل من الآخرين أي من هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم الذين سبقوا إلى الإِيمان والهجرة والجهاد يذكر نعيمهم فيقول وقوله الحق: {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} أي إنهم على سرر موضونة أي منسوجة ومشبكة بالذهب والجواهر، حال كونهم متكئين عليها متقابلين لا ينظر أحدهم إلى قفا الآخر بل إلى وجهه، {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ} أي للخدمة {وِلْدَانٌ} غلمان {مُّخَلَّدُونَ} لا يكبرون فيهرمون ولا يتغيرون بل يبقون كذلك أبداً يطوفون عليهم بأكواب جمع كوب وهو قدح لا عروة له، وأباريق جمع إبريق وهو إناء له عروة وخرطوم، {وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} والكأس هنا إناء شرب الخمر والمعين ما كان جاريا لا ينضب والمراد بكأس من نهر الخمر. وقوله تعالى {لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} أي لا يصيبهم صداع من شربها، ولا ينزفون أي لا تذهب عقولهم بشربها بخلاف خمر الدنيا فإنها تصيب شاربها بالصداع وذهاب العقل غالباً وقوله تعالى {وَفَاكِهَةٍ} ويطوف عليهم الغلمان بفاكهة وهو ما يتفكه به وليس بغذاء رئيسي ومن سائر الفواكه، ما يتخيرون أي يختارون. ولحم طير مما يشتهون أي مما تشتهيه أنفسهم. وقوله {وَحُورٌ عِينٌ} أي ولهم في الجنة حور عين يستمتعون بهن، واحدة الحور حوراء. وهي البيضاء وواحدة العين العيناء وهو واسعة العينين والْحَوَر في العين أن يكون بياضها أكثر من سوادها وهو ضرب من الجمال، وقوله {كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ} أي المصون في كِنّة أو صدفه. يريد أنهن جميلات مصونات غير مبتذلات وقدم تقدم في الرحمن أنهن مقصورات في الخيام. وقوله تعالى {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي جزاهم ربهم جزاء بما كانوا يعملونه من الصالحات بعد الإِيمان والتوحيد وترك المعاصي. وقوله تعالى وهو من إتمام النعيم أنهم لا يسمعون في جنات النعيم ما يكدر صفو نعيمهم أو ينغص لذة حياتهم من قول بذيء سيّىء فلا يسمعون فيها أي في الجنة لغواً أي كلاماً فاحشاً ولا تأثيما وهو ما يؤثم قائله وسامعه. إلا قيلا أي قولا سلاماً سلاماً أي إلا ما كان من سلام الرب تعالى عليهم وهو أكبر نعيمهم وسلام الملائكة عليهم وسلام بعضهم على بعض اللهم اجعلنا منهم قل آمين أيها القارىء واطمع فإن ربنا غفور رحيم سميع الدعاء قريب مجيب. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير البعث الجزاء بذكر أحوال الدار الآخرة. 2- بيان شيء من نعيم أهل الجنة وخاصة السابقين منهم. 3- بيان أن السابقين يكونون من سائر الأمم المسلمة. 4- بيان فضل خمر الجنة على خمر الدنيا المحرمة. 5- تقرير قاعدة أن الجزاء من جنس العمل.
د. أسعد حومد
تفسير : (13) - وَهَؤُلاَءِ السَّابِقُونَ هُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ. الثُّلَّةُ - الجَمَاعَةُ - قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ.
الثعلبي
تفسير : {ثُلَّةٌ} جماعة {مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} أي الأمم الماضية {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} أُمّة محمد صلى الله عليه وسلم {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد إتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [.......] بعضها في بعض مضاعفة. ومنه قول الأعشى: شعر : ومن نسج داود موضونة تساق مع الحيّ عيراً فعيرا تفسير : وقال أيضاً: شعر : وبيضاء كالنهي موضونة لها قونس فوق جيب البدن تفسير : ومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع. قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها إرتفعت. وقال الضحاك: موضونة مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال: آجر موضون إذا صفَّ بعضها على بعض. {مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ} في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ} للخدمة {وِلْدَانٌ} غلمان {مُّخَلَّدُونَ} أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال. ابن كيسان: يعني [ولداناً مخلدين] لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون. سعيد بن جبير: مقرّطون. قال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد. قال الشاعر: شعر : ومخلدات باللجين كأنما أعجازهن أفاوز الكثبان تفسير : وقال علي والحسن: "هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها ". وفي الحديث: "حديث : أطفال الكفار خدم أهل الجنة ". تفسير : {بِأَكْوَابٍ} جمع كوب {وَأَبَارِيقَ} جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه {وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} خمر جارية {لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} لا تصدّع رؤوسهم عن شربها {وَلاَ يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ} يختارون ويشتهون. أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن في الجنة لطيراً فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب ". تفسير : {وَحُورٌ عِينٌ} قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الإعراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنَّ، كقول الشاعر: شعر : إذا ما الغانيات برزن يوماً وزججن الحواجب والعيونا تفسير : والعين لا تزجج وإنما تكحل. وقال الآخر: متقلداً سيفاً ورمحاً،ومثله كثير. وقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحوراً عيناً) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أُبيّ، على معنى: ويزوّجون حوراً عيناً. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين. وقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده. أخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أُم سلمة قالت: قلت: حديث : يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزّوجل {وَحُورٌ عِينٌ}؟ قال: "حور بيض عين ضخام العيون" . تفسير : أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : خلق الحور العين من الزعفران ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبدالرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من عبد يدخل الجنة إلاّ وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلاّ ولها قُبل شهيّ وله ذكر لا ينثني ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها ". تفسير : وروي أن الحوراء إن مشت سُمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح. وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة (لا تسلبها) منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجله لا تحرقها نيران الرزايا. وقال مجاهد: سميت حوراً لأنه يحار فيهن الطرف. {كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ} المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً} في نصبهما وجهان: أحدهما: إتباع للقيل. والثاني: على (يسمعون سلاماً)، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال {وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع. ومنه الحديث في المدينة: "لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها" وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير. وقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد. وقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا. قال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه. قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه. قال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجَّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها. وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله عزّوجل {وَطَلْحٍ} وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين. وقال الحسن: ليس هو موزاً ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب. وقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك. قال بعض الحداة: شعر : بشرها دليلها وقالا غداً ترين الطلح والجبالا تفسير : وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أُبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن علياً قرأ: وطلعٌ منضود. وأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أُبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} فقال علي: "وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود" ثم قرأ "طلع منضود". فقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: "إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل". والمنضود: المتراكم الذي قد نُضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} أي جماعةٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):