٥٦ - ٱلْوَاقِعَة
56 - Al-Waqi'a (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : والموضونة هي المنسوجة القوية اللحمة والسدى، ومنه يقال للدرع المنسوجة: موضونة والوضين هو الحبل العريض الذي يكون منه الحزم لقوة سداه ولحمته، والسرر التي تكون للملوك يكون لها قوائم من شيء صلب ويكون مجلسهم عليها معمولاً بحرير وغير ذلك لأنه أنعم من الخشب وما يشبهه في الصلابة وهذه السرر قوائمها من الجواهر النفيسة، وأرضها من الذهب الممدود، وقوله تعالى: {مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا } للتأكيد، والمعنى أنهم كائنون على سرر متكئين عليها متقابلين، ففائدة التأكيد هو أن لا يظن أنهم كائنون على سرر متكئين على غيرها كما يكون حال من يكون على كرسي صغير لا يسعه للاتكاء فيوضع تحته شيء آخر للاتكاء عليه، فلما قال: على سرر متكئين عليها دل هذا على أن استقرارهم واتكاءهم جميعاً على سرر، وقوله تعالى: {مُّتَقَـٰبِلِينَ } فيه وجهان أحدهما: أن أحداً لا يستدبر أحداً وثانيهما: أن أحداً من السابقين لا يرى غيره فوقه، وهذا أقرب لأن قوله: {مُّتَقَـٰبِلِينَ } على الوجه الأول يحتاج إلى أن يقال: متقابلين معناه أن كل أحد يقابل أحداً في زمان واحد، ولا يفهم هذا إلا فيما لا يكون فيه اختلاف جهات، وعلى هذا فيكون معنى الكلام أنهم أرواح ليس لهم أدبار وظهور، فيكون المراد من السابقين هم الذين أجسامهم أرواح نورانية جميع جهاتهم وجه كالنور الذي يقابل كل شيء ولا يستدبر أحداً، والوجه الأول أقرب إلى أوصاف المكانيات.
المحلي و السيوطي
تفسير : {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ } منسوجة بقضبان الذهب والجواهر.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَّوْضُونَةٍ} موصولة بالذهب "ع"، أو مشبكة بالدر منسوجة بالذهب التوضين: التشبيك والنسج، أو مسند بعضها إلى بعض، أو مضفورة وضين الناقة بطانها العريض المضفور من السيور.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر السابقين في الخير بصنفيهم مشيراً إلى السابقين في الشر بصنفيهم، ذكر جزاء أهل الخير ليعلم منه جزاء أولئك، فقال مبيناً أنهم ملوك لكن ملكهم لا ينافس فيه ولا يحاسد، بل هو كله يقابل بالوداد والصفاء {على سرر} وهو ما يسر الإنسان من المقاعد العالية المصنوعة للراحة والكرامة التي هي آية الملك وهو العرش {موضونة *} أي منسوجة نسجاً مضاعفاً منضودة داخلاً بعضها في بعض مقارب النسج معجباً كالدرع لكن نسجها بالذهب مفصلاً بالجوهر من الدر والياقوت. ولما ذكر السرر وبين عظمتها، ذكر غايتها فقال: {متكئين} أي متكئين هيئة المتربع أو غيرها من الجنب أو غيرها {عليها} ولما كان الجمع إذا كثر كان ظهور بعض أهله إلى بعض، أعلم أن جموع أهل الجنة على غير ذلك فقال: {متقابلين *} فلا بعد ولا مدابرة لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض ولا يكره بعضهم بعضاً. ولما كان المتكىء قد يصعب عليه القيام لحاجته قال: {يطوف عليهم} أي لكفاية كل ما يحتاجون إليه {ولدان} على أحسن صورة وزي وهيئة {مخلدون *} قد حكم ببقائهم على ما هم عليه من الهيئة، قال البغوي: تقول العرب لمن كبر ولمن شمط: إنه مخلد، قال: قال الحسن: هم أولاد أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها ولا سيئات يعاقبون عليها لأن الجنة لا ولادة فيها، فهم خدام أهل الجنة. ولما كان مدحهم هذا في غاية الإبلاغ مع الإيجاز، وكان فيه - إلى تبليغ ما لهم - تحريك إلى مثل أعمالهم، وكان الأكل الذي هو من أعظم المآرب مشاراً إليه بالمدح العظيم الذي من جملته الاستراحة على الأسرة التي علم أن من عادة الملوك أنهم لا يتسنمونها إلا بعد قضاء الوطر منه فلم يبق بعده إلا ما تدعو الحاجة إليه من المشارب وما يتبعها قال تعالى: {بأكواب} أي كيزان مستديرة الأفواه بلا عرى ولا خراطيم لا يعوق الشارب منها عائق عن الشرب من أي موضع أراد منها فلا يحتاج أن يحول الإناء إلى الحالة التي تناوله عنها ليشرب، ويمكن أن تكون البدأة بالشراب لما نالوا من المتاعب من العطش كما لمن يشرب من الحوض فيكون حينئذ قبل الأكل والله أعلم {وأباريق *} أي أواني لها عرى وخراطيم فيها من أنواع المشارب ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين {وكأس} أي إناء معد للشرب فيه والشراب نفسه. ولما كان الشراب عاماً بينه بقوله: {من معين *} أي خمر جارية صافية صفاء الماء ليس يتكلف عصرها بل ينبع كما ينبع الماء. ولما أثبت نفعها وما يشوق إليها، نفى ما ينفر عنها فقال: {لا يصدعون} أي تصدعاً يوجب المجاوزة {عنها} أي بوجع في الرأس ولا تفرق لملالة {ولا ينزفون *} أي يذهب بعقولهم بوجه من الوجوه أي يصرع شرابهم، من نزفت البئر - إذا نزح ماؤها كله، ونزف فلان: ذهب عقله أو سكر، وبنى الفعلان لملجهول لأنه لم تدع حاجة إلى معرفة الفاعل، وقال الرازي في اللوامع: قال الصادق: لا تذهل عقولهم عن موارد الحقائق عليهم ولا يغيبون عن مجالس المشاهدة بحال. ولما بدأ بالألذ الهاضم للأكل، تلاه بما يليه مما يدعو إليه الهضم تصريحاً به بعد التلويح فقال: {وفاكهة مما يتخيرون *} أي هو فيها بحيث لو كان فيها جيد وغيره واختاروا وبالغوا في التنقية لكان مما يقع التخير عليه، ولما ذكر ما جرت العادة بتناوله لمجرد اللذة، أتبعه ما العادة أنه لإقامة البينة وإن كان هناك لمجرد اللذة أيضاً فقال: {ولحم طير} ولما كان في لحم الطير مما يرغب عنه، احترز عنه بقوله: {مما يشتهون *} أي غاية الشهوة بحيث يجدون لآخره من اللذة ما لأوله. ولما كان لم يكن بعد الأكل والشرب أشهى من الجماع، قال عاطفاً على {ولدان}: {وحور العين *} أي يطفن عليهم، وجره حمزة والكسائي عطفاً على {سرر} فإن النساء في معنى الاتكاء لأنهن يسمين فراشاً. ولما كان المثل في الأصل الشيء نفسه كما مضى في الشورى قال: {كأمثال} أي مثل أشخاص {اللؤلؤ المكنون *} أي المصون في الصدف عما قد يدنسه.
ابو السعود
تفسير : {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} حالٌ أُخرى من المقربـينَ أو من ضميرِهم في الحالِ الأُولى وقيلَ: خبرٌ آخرُ للضميرِ والموضونةُ المنسوجةُ بالذهبِ مشبكةٌ بالدرِّ والياقوتِ أو المتواصلةُ من الوضنِ وهو النسجُ {مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُّتَقَـٰبِلِينَ} حالانِ من الضميرِ المستكنِّ فيما تعلقَ بهِ على سررٍ أي مستقرينَ على سررٍ متكئينَ عليها متقابلينَ لا ينظرُ بعضُهم من أقفاءِ بعضٍ وهو وصفٌ لهم بحسنِ العشرةِ وتهذيبِ الأخلاقِ والآدابِ. {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ} حالٌ أُخرى أو استئنافٌ أي يدورُ حولَهُم للخدمةِ {وِلْدٰنٌ مُّخَلَّدُونَ} أي مبقونَ أبداً على شكلِ الولدانِ وطراوتِهم لا يتحولونَ عنها وقيلَ مقرطونَ والخُلد القِرطُ قيلَ: هم أولادُ أهلِ الدُّنيا لم يكُن لهم حسناتٌ فيثابُوا عليها ولا سيئاتٌ فيعاقبُوا عليها، رُويَ ذلكَ عن عليَ رضيَ الله عنه وعنِ الحسنِ رحمَهُ الله، وفي الحديثِ أولادُ الكفارِ خدامُ أهلِ الجنةِ {بِأَكْوَابٍ} بآنيةٍ لا عُرَى لها ولا خَراطيمُ. {وَأَبَارِيقَ} أي آنيةٌ ذاتُ عُرى وخَراطيمَ {وَكَأْسٍ مّن مَّعِينٍ} أي خمرٍ جاريةٍ من العُيونِ قيلَ: إنما أفردَ الكأسَ لأنها لا تسمَّى كأساً إلا إذا كانتْ مملوءةً {لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} أيْ بسببها. وحقيقتُه لا يصدرُ صداعُهم عنْهَا. وقُرِىءَ لا يصَّدَّعُون أي لا يتصدَّعُون ولا يتفرقونَ، كقولِه تعالى: { أية : يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} تفسير : [سورة الروم، الآية 43] وقرىءَ لا يُصدعونَ أي لا يفرقُ بعضُهم بعضاً {وَلاَ يُنزِفُونَ} أي لا يسكرُون من أُنزِفَ الشاربُ إذا نفدَ عقلُه أو شرابُه {وَفَـٰكِهَةٍ مّمَّا يَتَخَيَّرُونَ} أي يختارونه ويأخذون خيره وأفضله. {وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ} أي يتمنونَ وقُرىءَ ولحومِ طيرٍ.
اسماعيل حقي
تفسير : {على سرر موضونة} حال اخرى من المقربين والسر جمع سرير بالفارسية تحت، والموضونة المنسوجة بالذهب مشبكة بالدر والياقوت او المتواصلة من الوضن وهو نسج الدرع ثم استعير لكل نسج محكم
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قال المفسّرون: مرمولة بالذهب، مشبّكة بالدرّ والياقوت، متداخلة بعضها في بعض كما يوضَنُ حَلق الدرع. وقيل: متواصلة أدنى بعضها من بعض. وقد ورد في الخبر: إن يوم القيامة يؤتى بمنابر وأسرّة وكراسيّ كلّها من النور. فالمنابر للأنبياء (عليهم السلام)، والأسرّة للأولياء، والكراسّي للعلماء. ويحتمل أن يكون كناية عن مظاهر قلوبهم، أو مصادر أفعالهم.
الجنابذي
تفسير : {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} وضن الشّيء ثنّى بعضه على بعضٍ وضاعفه، او نضده، او نسجه.
الأعقم
تفسير : {على سررٍ موضونة} مشبوكة بالذهب والجواهر، وقيل: بالدر مشتبكة والياقوت، وقيل: مصفوفة، وقيل: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع فإذا أراد العبد أن يجلس عليهم تواضعت فإذا جلست ارتفعت {متكئين عليها} جالسين جلوس الملوك من النعمة {متقابلين} يقابل بعضهم بعضاً للزيارة ولا يرى بعضهم بعضاً قفا صاحبه، وقيل: تقابل المرأة زوجها {يطوف عليهم ولدان مخلّدون} لا يموتون، وقيل: مقرطون، قيل: هم أطفال المشركين خدم أهل الجنة، وقيل: هم ولدان خلقهم الله لخدمة أهل الجنة {بأكواب} جمع كوب وهي الأباريق واسعة الرؤوس لا خراطيم لها {وأباريق} جمع إبريق وهي التي لها عرى وخراطيم {وكأس من معين} أي كأس خمر معين طاهرة للعيون جارية {لا يصدّعون عنها} أي لا تصدع رؤوسهم من شربها {ولا ينزفون} ولا يتردّدون بسكر {وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون} {وحور} قيل: بيض واسعات العيون كأمثال {اللؤلؤ المكنون} في الصدف لا تمسه الأيدي {جزاء بما كانوا يعملون لا يسمعون فيها لغواً} أي لا يتكلم بشيء لا فائدة فيه {ولا تأثيماً} كلما يأثم به قائله {إلا قيلاً سلاماً سلاماً} أي لكن يسلم بعضهم على بعض، وقيل: الملائكة تسلم عليهم {وأصحاب اليمين} الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم، وقيل: يأخذون ذات اليمين إلى الجنة {ما أصحاب اليمين} تعظيماً لشأنهم {في سدر} السدر شجرة خضراء وبها رائحة طيبة، وقيل: هي شجرة النبق {مخضود} أي لا شوك فيه، وقيل: الموقر حملا {وطلح} قيل شجر الموز، وقيل شجرة تشبه الطلح {منضود} ثمرها متراكم نضد بعضه على بعض، وقيل: أشجار الجنة من عروقها إلى فنائها ثمر {وظل ممدود} لا تنسخه الشمس {وماء مسكوب} دائم {وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة} بل تظل في كل وقت {وفرش مرفوعة} قيل: التبسط والمرفوعة العالية، وقيل: رفيعة القدر {إنَّا أنشأناهن} أي خلقناهن واخترعناهن اختراعاً {فجعلناهن أبكاراً} عذارى {عرباً} قيل: العواشق لأزواجهن، وقيل: حسان الكلام {أتراباً} مستويات على نسق واحد، قيل: هنّ نساء الدنيا، وقيل: هن الحور العين، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم طوله ستون ذراع في سبعة أذرع" تفسير : {لأصحاب اليمين} أي أنشأنا هزلهم {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} قيل: جماعة من الأمم الماضية وجماعة من أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال} قيل: يأخذ كتابه بشماله، وقيل: الذين يؤخذ بهم طريق الشمال إلى النار {في سموم} ريح حارة وهي سموم جهنم، وقيل: حر النار وما يصيبهم من لهبها {وحميم} ماء حار {وظل من يحموم} قيل: دخان شديد السواد، وقيل: الحميم جبل فيء يستغيث أهل النار إلى ظله، وقيل: اسم جهنم، وقيل: النار سوداء وأهلها سود {لا بارد} لأنه دخان جهنم {ولا كريم} ولا حسن {إنهم كانوا قبل ذلك مترفين} في الدنيا منعمين.
اطفيش
تفسير : {عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} منسوجة بقضبان الذهب والجوهر والياقوت الرطبة وعن عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت وقيل موضونة موصول بعضها ببعض أي ادنى بعضها لبعض والجار والمجرور خبر للضمير المقدر في قوله {ثلة} وان لم يقدر فخبر لمحذوف أي هم على سرر {مُّتَّكِئِينَ} حال من ضمير الاستقرار في على سرر. {عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ} لا نظر بعض في قفا بعض وصفهم بحسن العشرة وزعم بعضهم انهم صاروا ارواحا روحانية ليس لهم أدبار وظهور وعن بعض ان ذلك في الزيادة اذا تزاوروا.
الالوسي
تفسير : حال من المقربين أو من ضميرهم في قوله تعالى: { أية : فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } تفسير : [الواقعة: 12] بناءاً على أنه في موضع الحال كما تقدم، وقيل: هو خبر آخر للضمير المحذوف المخبر عنه أولاً ـ بثلة ـ وفيه وجه آخر أشرنا إليه فيما مر. و{مَّوْضُونَةٍ } من الوضن وهو نسج الدرع قال الأعشى: شعر : ومن نسج داود موضونة تسير مع الحي عيراً فعيرا تفسير : واستعير لمطلق النسخ أو لنسج محكم مخصوص، ومن ذلك وضين الناقة وهو حزامها لأنه موضون أي مفتول؛ والمراد هنا على ما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس مرمولة أي منسوجة بالذهب، وفي رواية عنه بقضبان الفضة، وقال عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت، وقيل: {مَّوْضُونَةٍ } متصل بعضها ببعض كحلق الدرع، والمراد متقاربة. وقرأ زيد بن علي وأبو السمال {سُرَرٍ } بفتح الراء وهي لغة لبعض تميم، وكلب يفتحون / عين فعل جمع فعيل المضعف نحو سرير.
ابن عاشور
تفسير : الجار والمجرور خبر ثالث عن {أية : أولئك المقربون}تفسير : [الواقعة: 11] أو حال ثانية من اسم الإِشارة. وهذا تبشير ببعض ما لهم من النعيم مما تشتاق إليه النفوس في هذه الحياة الدنيا لتشويقهم إلى هذا المصير فيسعوا لنواله بصالح الأعمال، وليس الاقتصار على المذكور هنا بمقتض حصر النعيم فيما ذكر فقد قال الله تعالى: {أية : وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين}تفسير : [الزخرف: 71]. والسُرر: جمع سرير، وهو كرسي طويل متسع يجلس عليه المتكىء والمضطجع، له سُوق أربع مرتفع على الأرض بنحو ذراع يُتخذ من مختلف الأعواد ويتخذه الملوك من ذهب ومن فضة ومن عاج ومن نفيس العود كالأبنوس ويتخذه العظماء المترفهون من الحديد الصرف ومن الحديد الملون أو المزين بالذهب. والسرير مجلس العظماء والملوك. وتقدم في قوله تعالى:{أية : على سرر متقابلين} تفسير : في سورة الصافات (44). والموضونة: المسبوك بعضها ببعض كما تسبك حلق الدروع وإنما توضن سطوحها وهي ما بين سوقها الأربع حيث تلقى عليها الطنافس أو الزرابي للجلوس والاضطجاعِ ليكون ذلك المَفْرَش وثيراً فلا يؤلم المضطجع ولا الجالس. وفسر بعضهم {موضونة} بمرمولة، أي منسوجة بقضبان الذهب. والاتكاء: اضطجاع مع تباعد أعلى الجنب، والاعتمادِ على المرفق، وتقدم في سورة الرحمٰن. والتقابل: من تمام النعيم لما فيه من الأنس بمشاهدة الأصحاب والحديث معهم. وقوله: {يطوف عليهم ولدان مخلدون} بيان لجملة {أية : في جنات النعيم}تفسير : [الواقعة: 12] وتقدم قريب منه في سورة الصافات. والطواف: المشي المكرر حول شيء وهو يقتضي الملازمة للشيء. ووصف الولدان بالمخلدين، أي دائمين على الطواف عليهم ومناولتهم لا ينقطعون عن ذلك. وإذ قد ألفوا رؤيتهم فمن النعمة دوامهم معهم. وقد فسر {مخلدون} بأنهم مخلدون في صفة الولدان، أي بالشباب والغضاضة، أي ليسوا كولدان الدنيا يصيرون قريباً فتياناً فكهولاً فشُيوخاً. وفسره أبو عبيدة بأنهم مقرطون بالأقراط. والقرط يسمى خُلْداً وخَلَدا وجمعه خِلَدَة كقِردة وهي لغة حميرية استعملها العرب كلهم وكانوا يحسِّنون غلمانهم بالأقراط في الآذان. والأكواب: جمع كوب، وهو إناء الخمر لا عروة له وله خرطوم وفيه استدارة متسعٌ موضعُ الشرب منه فهو كالقَدَح. والأباريق: جمع إبريق وهو إناء تحمل فيه الخمر للشاربين فتُصب في الأكواب، والإِبريق له خرطوم وعروة. والكأس: إناء للخمر كالكوب إلا أنه مستطيل ضيق المَشرب وتقدم في سورة الصافات. والكأس جنس يصدق بالواحد والمتعدد فليس إفراده هنا للوحدة فإن المراد كؤوس كثيرة كما اقتضاه جمع أكواب وأباريق، فإذا كانت آنية حمل الخمر كثيرة كانت كؤوس الشاربين أكثر، وإنما أوثرت صيغة المفرد لأن في لفظ كؤوس ثقلاً بوجود همزة مضمومة في وسطه مع ثقل صيغة الجمع. والمعين: الجاري، والمراد به الخمر التي لكثرتها تجري في المجاري كما يجري الماء وليست قليلة عزيزة كما هي في الدنيا، قال تعالى: {أية : وأنهارٌ من خمر لذة للشاربين}تفسير : [محمد: 15]. وليس المراد بالمَعين الماء لأن الكأس ليست من آنية الماء وإنما آنيتهما الأقداح، وقد تقدم في سورة الصافات (45، 47) {يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غَول ولا هم عنها ينزفون} وتلك صفات الخمر. والتصديع: الإِصابة بالصُداع، وهو وجع الرأس من الخُمار الناشىء عن السكر، أي لا تصيبهم الخمر بصُداع. ومعنى (عنها) مجاوزين لها، أي لا يقع لهم صداع ناشىء عنها، أي فهي منزهة عن ذلك بخلاف خمور الدنيا فاستعملت (عن) في معنى السببية. وعُطف {ولا يُنزفون} على {لا يصدعون عنها} فيقدر له متعلق دل عليه متعلق {لا يصدعون} فقد قال في سورة الصافات (47)، {أية : ولا هم عنها ينزفون} تفسير : أي لا يعتريهم نَزْف بسببها كما يحصل للشاربين في الدنيا. والنزْف: اختلاط العقل، وفعله مبني للمجهول يقال: نُزف عقله مثل: عُني فهو منزوف. وقرأ الجمهور {يُنزَفون} بفتح الزاي من أنزف الذي همزته للتعدية. وقرأه حفص وحمزة والكسائي وخلف بكسر الزاي من أنزف المهموز القاصر إذا سَكر وذهر عقله. والفاكهة: الثمار والنقول كاللوز والفستق، وتقدم في سورة الرحمٰن. وعطف {فاكهة} على {أكواب}، أي ويطوفون عليهم بفاكهة وذلك أَدْخل في الدعة وألذّ من التناول بأيديهم، على أنهم إن اشتهوا اقتطافها بالأيدي دنت لهم الأغصان فإن المرء قد يشتهي تناول الثمرة من أغصانها. و{ما يتخيرون}: الجنس الذي يختارونه ويشتهونه، أي يطوفون عليهم بفاكهة من الأنواع التي يختارونها، ففعل {يتخيرون} يفيد قوة الاختيار. و«لحم الطير»: هو أرفع اللحوم وأشْهاها وأعزها. وعطف {ولحم طير} على {فاكهة} كعطف {فاكهة} على (أكواب). والاشتهاء: مصدر اشتهى، وهو افتعال من الشهوة التي هي محبة نيل شيء مرغوب فيه من محسوسات ومعنويات، يقال: شَهِي كَرضِي، وشَهَا كدعا. والأكثر أن يقال: اشتهى، والافتعال فيه للمبالغة. وتقديم ذكر الفاكهة على ذكر اللحم قد يكون لأن الفواكه أعزّ. وبهذا يظهر وجه المخالفة بين الفاكهة ولحم طير فجُعل التخيُّر للأول. والاشتهاءُ للثاني ولأن الاشتهاء أعلق بالطعام منه بالفواكه، فلذة كَسْر الشاهية بالطعام لذة زائدة على لذة حسن طَعمه، وكثرة التخيّر للفاكهة هي لذة تلوين الأصناف. و{حور عين} عطف على {ولدان مخلدون}، أي ويطوف عليهم حور عين. والحور العين: النساء ذوات الحَوَر، وتقدم في سورة الرحمٰن. وذوات العَين وهو سعة العين وتقدم في سورة الصافات. وقرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر {وحورٍ عينٍ} بالكسر فيهما على أن {حور} عطف على {أكواب} عطفَ معنى من باب قوله:شعر : وزجَّجن الحَواجب والعيونا تفسير : بتقدير: وكَحَّلْن العيون، أو يعطف على {جنات}، أي وفي حور عين، أي هم في حور عين أو محاطون بهن ومحدقون بهن. والمراد: أزواج السابقين في الجنة وهن المقصورات في الخيام. والأمثال: الأشباه. ودخول كاف التشبيه على (أمثال) للتأكيد مثل قوله تعالى: {أية : ليس كمثله شيء}تفسير : [الشورى: 11]. والمعنى: هن أمثالُ اللؤلؤ المكنون. و{اللؤلؤ}: الدرّ، وتقدم تبيينه عند قوله تعالى: {أية : يُحَلَّون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً} تفسير : في سورة الحج (23). و{المكنون}: المخزون المخبأ لنفاسته، وتقدم في سورة الصافات. وانتصب {جزاء} على المفعول لأجله لفعل مقدر دل عليه قوله: {أية : المقربون}تفسير : [الواقعة: 11]، أي أعطيناهم ذلك جزاء، ويجوز أن يكون {جزاء} مصدراً جاء بدلاً عن فعله، والتقدير: جازيناهم جزاءً. والجملة على التقديرين اعتراض تفيد إظهار كرامتهم بحيث جعلت أصناف النعيم الذين حُظُوا به جزاء على عمل قدّموه وذلك إتمام لكونهم مقربين. ثم أكمل وصف النعيم بقوله: {لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً}، وهي نعمة روحية فإن سلامة النفس من سماع ما لا يُحَب سماعه ومن سماع ما يكره سماعه من الأذى نعمة براحة البال وشغله بسماع المحبوب. واللغو: الكلام الذي لا يعتدّ به كالهذيان، والكلام الذي لا محصل له. والتأثيم: اللَّوم والإِنكار، وهو مصدر أَثَّم، إذا نسب غيره إلى الإثم. وضمير {فيها} عائد إلى {أية : جنات النعيم}تفسير : [الواقعة: 12]. وأتبع ذكر هذه النعمة بذكر نعمة أخرى من الأنعام بالمسموع الذي يفيد الكرامة لأن الإِكرام لذة رُوحية يُكسب النفس عزة وإدلالاً بقوله: {إلا قيلاً سلاماً سلاماً}. وهو استثناء من {لغواً - و - تأثيماً} بطريقة تأكيد الشيء بما يشبه ضده المشتهر في البديع باسم تأكيد المدح لما يشبه الذم، وله موقع عظيم من البلاغة كقول النابغة:شعر : ولا عيب فيهم غيرَ أنّ سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : فالاستثناء متصل إدعاءً وهو المعبر عنه بالاستثناء المنقطع بحسب حاصل المعنى، وعليه فإن انتصاب {قيلاً} على الاستثناء لا على البدلية من {لغواً}. و{سلاماً} الأول مقولُ {قيلاً} أي هذا اللفظ الذي تقديره: سَلمنا سَلاماً، فهو جملة محكية بالقول. و{سلاماً} الثاني تكرير لــــ {سلاماً} الأول تكريراً ليس للتأكيد بل لإِفادة التعاقب، أي سلاماً إثر سلام، كقوله تعالى: {أية : كلا إذا دكت الأرض دَكَّاً دَكاً}تفسير : [الفجر: 21] وقولهم: قرأت النحو باباً باباً، أو مشاراً به إلى كثرة المسلِّمين فهو مؤذن مع الكرامة بأنهم معظمون مبجلون، والفرق بين الوجهين أن الأول يفيد التكرير بتكرير الأزمنة، والثاني يفيد التكرار بتكرار المسلِّمين. وهذا القيل يتلقونه من الملائكة الموكلين بالجنة، قال تعالى: {أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم}تفسير : [الرعد: 23، 24] ويتلقاه بعضهم من بعض كما قال تعالى:{أية : وتحيتهم فيها سلام}تفسير : [يونس: 10]. وإنما جيء بلفظ: {سلاماً} منصوباً دون الرفع مع كون الرفع أدل على المبالغة كما ذكروه في قوله: {أية : قالوا سَلاماً قال سلامٌ} تفسير : في سورة هود (69) وسورة الذاريات (25) لأنه أريد جعله بدلاً من {قيلاً}.
الشنقيطي
تفسير : السرر جمع سرير، وقد بين تعالى: أن سررهم مرفوعة في قوله: في الغاشية {أية : فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ}تفسير : [الغاشية: 13] وقوله تعالى {مَّوْضُونَةٍ} منسوجة بالذهب، وبعضهم يقول بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت، وكل نسج أحكم ودخل بعضه في بعض، تسميه العرب وضنا، وتسمى المنسوج به موضونا ووضينا، ومنه الدرع الموضونة إذا أحكم نسجها ودوخل بعض حلقاتها في بعض. ومنه قول الأعشى: شعر : ومن نسج داود موضونة تساق مع الحي عيرا فعيرا تفسير : وقوله أيضاً: شعر : وبيضاء كالنهى موضونة لها قونس فوق جيب البدن تفسير : ومن هذا القبيل تسمية البطان الذي ينسج من السيور، مع إدخال بعضها في بعض وضينا. ومنه قول الراجز: شعر : ليتك تعدو قلقا وضينها معترضا في بطنها جنينها مخالفاً دين النصارى دينها تفسير : وهذه السرر المزينة، هي المعبر عنها بالأرائك في قوله {أية : مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ}تفسير : [الكهف: 31] وقوله: {أية : هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ}تفسير : [يس: 56] وقوله في هذه الآية الكريمة {مُّتَّكِئِينَ} حال من الضمير في قوله {عَلَىٰ سُرُرٍ} والتقدير: استقروا على سرر في حال كونهم متكئين عليها. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من كونهم على سرر متقابلين، أي ينظر بعضهم إلى وجه بعض، كلهم يقابل الآخر بوجهه، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى في الحجر {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}تفسير : [الحجر: 47] وقوله في الصافات {أية : أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}تفسير : [الصافات: 41-44].
د. أسعد حومد
تفسير : (15) - وَيَجْلِسُ هَؤُلاَءِ المُقَرَّبُونَ الأَبْرَارُ فِي الجَنَّاتِ عَلَى أَسِرَّةٍ مَنْسُوجَةٍ وَمُطَعَّمَةٍ بِالذَّهَبِ. مَوْضُونَةٍ - مَنْسُوجَةٍ أَوْ مُطَعَّمَةٍ بِالذَّهَبِ بِإِحْكَامٍ.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} [الآية: 15]. يعني مرمولة بالذهب. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شيبان عن جابر عن عكرمة قال: هي المرافق بين الفرش. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} [الآية: 17]. يقول: لا يموتون ولا يكبرون. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا المبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} [الآية: 17]. قال: لم يكن لهم حسنات فيجزون بها، ولا سيئات فيعاقبون عليها، فوضعوا بهذا الموضع. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن بن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} [الآية: 25]. قال: لا يستبون.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} معناه مزمولةٌ بالذَّهبِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):