٥٦ - ٱلْوَاقِعَة
56 - Al-Waqi'a (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين حال السابقين شرع في شأن أصحاب الميمنة من الأزواج الثلاثة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما الفائدة في ذكرهم بلفظ: {أية : أصحاب الميمنة} تفسير : [الواقعة: 8] عند ذكر الأقسام، وبلفظ: {أصحاب اليمين } عند ذكر الإنعام؟ نقول: الميمنة مفعلة إما بمعنى موضع اليمين كالمحكمة لموضع الحكم، أي الأرض التي فيها اليمين وإما بمعنى موضع اليمن كالمنارة موضع النار، والمجمرة موضع الجمر، فكيفما كان الميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميز بعضهم عن بعض، ويتفرقون لقوله تعالى: {أية : يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } تفسير : [الروم: 14] وقال: {أية : يَصَّدَّعُونَ } تفسير : [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان فأشار في الأول إليهم بلفظ يدل على المكان، ثم عند الثواب وقع تفرقهم بأمر مبهم لا يتشاركون فيه كالمكان، فقال: {وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ } وفيه وجوه أحدها: أصحاب اليمين الذين يأخذون بأيمانهم كتبهم ثانيها: أصحاب القوة ثالثها: أصحاب النور، وقد تقدم بيانه. المسألة الثانية: ما الحكمة في قوله تعالى: {فِى سِدْرٍ } وأية نعمة تكون في كونهم في سدر، والسدر من أشجار البوادي، لا بمر ولا بحلو ولا بطيب؟ نقول: فيه حكمة بالغة غفلت عنها الأوائل والأواخر، واقتصروا في الجواب والتقريب أن الجنة تمثل بما كان عند العرب عزيزاً محموداً، وهو صواب ولكنه غير فائق، والفائق الرائق الذي هو بتفسير كلام الله لائق، هو أن نقول: إنا قد بينا مراراً أن البليغ يذكر طرفي أمرين، يتضمن ذكرهما الإشارة إلى جميع ما بينهما، كما يقال: فلان ملك الشرق والغرب، ويفهم منه أنه ملكهما وملك ما بينهما، ويقال: فلان أرضى الصغير والكبير، ويفهم منه أنه أرضى كل أحد إلى غير ذلك، فنقول: لا خفاء في أن تزين المواضع التي يتفرج فيها بالأشجار، وتلك الأشجار تارة يطلب منها نفس الورق والنظر إليه والاستظلال به، وتارة يقصد إلى ثمارها، وتارة يجمع بينهما، لكن الأشجار أوراقها على أقسام كثيرة، ويجمعها نوعان: أوراث صغار، وأوراق كبار، والسدر في غاية الصغر، والطلح وهو شجر الموز في غاية الكبر، فقوله تعالى: {فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ } إشارة إلى ما يكون ورقه في غاية الصغر من الأشجار، وإلى ما يكون ورقه في غاية الكبر منها، فوقعت الإشارة إلى الطرفين جامعة لجميع الأشجار نظراً إلى أوراقها، والورق أحد مقاصد الشجر ونظيره في الذكر ذكر النخل والرمان عند القصد إلى ذكر الثمار، لأن بينهما غاية الخلاف كما بيناه في موضعه، فوقعت الإشارة إليهما جامعة لجميع الأشجار نظراً إلى ثمارها، وكذلك قلنا في النخيل والأعناب، فإن النخل من أعظم الأشجار المثمرة، والكرم من أصغر الأشجار المثمرة، وبينهما أشجار فوقعت الإشارة إليهما جامعة لسائر الأشجار، وهذا جواب فائق وفقنا الله تعالى له. المسألة الثالثة: ما معنى المخضود؟ نقول فيه وجهان أحدهما: مأخوذ الشوك، فإن شوك السدر يستقصف ورقها، ولولاه لكان منتزه العرب، ذلك لأنها تظل لكثرة أوراقها ودخول بعضها في بعض وثانيهما: مخضود أي متعطف إلى أسفل، فإن رؤوس أغصان السدر في الدنيا تميل إلى فوق بخلاف أشجار الثمار، فإن رؤوسها تتدلى، وحينئذ معناه أنه يخالف سدر الدنيا، فإن لها ثمراً كثيراً. المسألة الرابعة: ما الطلح؟ نقول: الظاهر أنه شجر الموز، وبه يتم ما ذكرنا من الفائدة روي أن علياً عليه السلام سمع من يقرأ: {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ } فقال: ما شأن الطلح؟ إنما هو (وطلع)، واستدل بقوله تعالى: {أية : لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ } تفسير : [ق: 10] فقالوا: في المصاحف كذلك، فقال: لا تحول المصاحف، فنقول: هذا دليل معجزة القرآن، وغزارة علم علي رضي الله عنه. أما المعجزة فلأن علياً كان من فصحاء العرب ولما سمع هذا حمله على الطلع واستمر عليه، وما كان قد اتفق حرفه لمبادرة ذهنه إلى معنى، ثم قال في نفسه: إن هذا الكلام في غاية الحسن، لأنه تعالى ذكر الشجر المقصود منه الورق للاستظلال به، والشجر المقصود منه الثمر للاستغلال به، فذكر النوعين، ثم إنه لما اطلع على حقيقة اللفظ علم أن الطلح في هذا الموضع أولى، وهو أفصح من الكلام الذي ظنه في غاية الفصاحة فقال: المصحف بين لي أنه خير مما كان في ظني فالمصحف لا يحول. والذي يؤيد هذا أنه لو كان طلع لكان قوله تعالى: {أية : وَفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ } تفسير : [الواقعة: 32] تكرار أحرف من غير فائدة، وأما على الطلح فتظهر فائدة قوله تعالى: {وَفَـٰكِهَةٍ } وسنبينها إن شاء الله تعالى. المسألة الخامسة: ما المنضود؟ فنقول: إما الورق وإما الثمر، والظاهر أن المراد الورق، لأن شجر الموز من أوله إلى أعلاه يكون ورقاً بعد ورق، وهو ينبت كشجر الحنطة ورقاً بعد ورق وساقه يغلظ وترتفع أوراقه، ويبقى بعضها دون بعض، كما في القصب، فموز الدنيا إذا ثبت كان بين القصب وبين بعضها فرجة، وليس عليها ورق، وموز الآخرة يكون ورقه متصلاً بعضه ببعض فهو أكثر أوراقاً، وقيل: المنضود المثمر، فإن قيل: إذا كان الطلح شجراً فهو لا يكون منضوداً وإنما يكون له ثمر منضود، فكيف وصف به الطلح؟ نقول: هو من باب حسن الوجه وصف بسبب اتصاف ما يتصل به، يقال: زيد حسن الوجه، وقد يترك الوجه ويقال: زيد حسن والمراد حسن الوجه ولا يترك إن أوهم فيصح أن يقال: زيد مضروب الغلام، ولا يجوز ترك الغلام لأنه يوهم الخطأ، وأما حسن الوجه فيجوز ترك الوجه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ} رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة وهم السابقون على ما تقدّم، والتكرير لتعظيم شأن النعيم الذي هم فيه. {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} أي في نبق قد خُضد شوكه أي قطع؛ قاله ٱبن عباس وغيره. وذكر ٱبن المبارك: حدثنا صفوان عن سليم بن عامر قال: حديث : كان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: أقبل أعرابي يوماً؛ فقال: يا رسول اللهٰ لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذيةً، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«وما هي» قال: السِّدر فإن له شوكاً مؤذياً؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «أو ليس يقول {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} خَضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة فإنها تنبت ثمراً يفتق الثمر منها عن ٱثنين وسبعين لوناً من الطعام ما فيه لون يشبه الآخر»تفسير : . وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى وَجٍّ (وهو وادٍ بالطائف مخصب) فأعجبهم سِدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذا؛ فنزلت. قال أمية بن أبي الصَّلْت يصف الجنة:شعر : إنّ الحدائقَ في الجِنانِ ظليلةٌ فيها الْكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضودُ تفسير : وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} وهو الموقر حملاً. وهو قريب مما ذكرنا في الخبر. سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القِلال. وقد مضى هذا في سورة «النجم» عند قوله تعالى: {أية : عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ } تفسير : [النجم:14] وأن ثمرها مثل قلال هَجَر من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} الطَّلْح شجر الموز واحده طلحة. قاله أكثر المفسرين عليّ وٱبن عباس وغيرهم. وقال الحسن: ليس هو موز ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفراء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك؛ قال بعض الحداة وهو الجعدي:شعر : بَشَّرَهَا دَليلُها وقَالاَ غداً تَرْينَ الطَّلْحَ والأَحْبَالاَ تفسير : فالطَّلْح كلّ شجر عظيم كثير الشوك. الزجاج: يجوز أن يكون في الجنة وقد أزيل شوكه. وقال الزجاج أيضاً: كشجر أم غيلان (له) نَوْر طيّب جداً فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله، إلا أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقال السدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا لكن له ثمر أحلى من العسل. وقرأ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: «وَطلْعٍ مَنْضُودٍ» بالعين وتلا هذه الآية {أية : وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} تفسير : وهو خلاف المصحف. في رواية أنه قرىء بين يديه {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} فقال: ما شأن الطلح؟ إنما هو «وَطَلْعٍ مَنْضُودٍ» ثم قال: «لَهَا طَلْعٌ نَضَيدٌ» فقيل له: أفلا نحوّلها؟ فقال: لا ينبغي أن يهاج القرآن ولا يحوَّل. فقد ٱختار هذه القراءة ولم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رَسْمه مجمَع عليه. قاله القشيري. وأسنده أبو بكر الأنباري قال: حدثني أبي قال حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا عيسى بن يونس عن مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن عُبَاد قال: قرأت عند عليّ أو قُرِئت عند عليّ ـ شَك مجالد ـ {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} فقال عليّ رضي الله عنه: ما بال الطلح؟ أما تقرأ «وَطَلْع» ثم قال: «أية : لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ» تفسير : [ق:10] فقال له: يا أمير المؤمنين أنحكّها من المصحف؟ فقال: لا لايهاج القرآن اليوم. قال أبو بكر: ومعنى هذا أنه رجع إلى ما في المصحف وعلم أنه هو الصواب، وأبطل الذي كان فرط من قوله. والمنضود المتراكب الذي قد نُضدَ أوّله وآخره بالحمل، ليست له سُوقٌ بارزة بل هو مرصوص، والنَّضْد هو الرصّ والمنضَّد المرصوص، قال النابغة:شعر : خَلَّتْ سَبِيل أَتِيٍّ كان يَحْبِسُهُ ورَفَّعَتْهُ إِلى السِّجْفَيْنِ فالنضَدِ تفسير : وقال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة ثمر كلّه، كلّما أكل ثمرة عاد مكانها أحسنُ منها. قوله تعالى: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} أي دائم باق لا يزول ولا تنسخه الشمس؛ كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً} تفسير : [الفرقان:45] وذلك بالغداة وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس حسب ما تقدّم بيانه هناك. والجنة كلها ظلّ لا شمس معه. قال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل والعمر الطويل والشيء الذي لا ينقطع ممدود؛ وقال لبيد:شعر : غَلَبَ الْعَزَاء وكنتُ غيرَ مُغَلِّبٍ دَهرٌ طويلٌ دائِمٌ مَمْدودُ تفسير : وفي صحيح الترمذيّ وغيره من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها وٱقرؤوا إن شئتم {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}»تفسير : . {وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ} أي جارٍ لا ينقطع وأصل السّكب الصبّ؛ يقال: سكبه سَكْباً، والسُّكُوب ٱنصبابه؛ يقال: سَكَب سُكُوباً، وٱنْسَكَب ٱنسكاباً؛ أي وماء مصبوب يجري الليلَ والنهار في غير أُخدود لا ينقطع عنهم. وكانت العرب أصحاب بادية وبلادٍ حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء فوعدوا في الجنة خلاف ذلك، ووصف لهم أسباب النزهة المعروفة في الدنيا، وهي الأشجار وظلالها، والمياه والأنهار وٱطّرادها. قوله تعالى: {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ} أي ليست بالقليلة العزيزة كما كانت في بلادهم {لاَّ مَقْطُوعَةٍ} أي في وقت من الأوقات كٱنقطاع فواكه الصيف في الشتاء {وَلاَ مَمْنُوعَةٍ} أي لا يُحظَر عليها كثمار الدنيا. وقيل: «وَلاَ مَمْنُوعَةٍ» أي لا يُمنع من أرادها بشوك ولا بُعد (ولا) حائط، بل إذا ٱشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها؛ قال الله تعالى: {أية : وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً} تفسير : [الإنسان:14]. وقيل: ليست مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. والله أعلم. قوله تعالى: {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} روى الترمذيّ عن أبي سعيد حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} قال:«ارتفاعها لَكَمَا بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة» تفسير : قال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رِشْدِين بن سعد. وقال بعض أهل العلم في تفسير هذا الحديث: الفُرُش في الدرجات، وما بين الدرجات كما بين السماء والأرض. وقيل: إن الفُرُش هنا كناية عن النّساء اللواتي في الجنة ولم يتقدّم لهنّ ذكر، ولكن قوله عز وجل: {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} دالٌّ؛ لأنها محل النّساء؛ فالمعنى ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهنّ وكمالهنّ؛ دليله قوله تعالى: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً} أي خلقناهنّ خلقاً وأبدعناهنّ إبداعاً. والعرب تسمي المرأة فِراشاً ولبِاساً وإِزاراً؛ وقد قال تعالى: {أية : هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة:187]. ثم قيل: على هذا هنّ الحور العين؛ أي خلقناهنّ من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم؛ أي خلقناهنّ خلقاً جديداً وهو الإعادة؛ أي أعدناهنّ إلى حال الشباب وكمال الجمال. والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبِية إنشاءً واحداً، وأضمرن ولم يتقدّم ذكرهنّ؛ لأنهنّ قد دخلن في أصحاب اليمين؛ ولأن الفُرُش كناية عن النساء كما تقدّم. وروي حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً} قال: «منهنّ البِكْر والثَّيِّب». وقالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً} فقال: «يا أمّ سلمة هنّ اللواتي قُبِضن في الدنيا عجائز شُمْطاً عُمْشاً رُمْصاً جعلهنّ الله بعد الكبر أتراباً على ميلاد واحد في الاستواء» تفسير : أسنده النحاس عن أنس قال: حدّثنا أحمد بن عمرو قال: حدّثنا عمرو بن عليّ قال: حدّثنا أبو عاصم عن موسى بن عبيدة، عن يزيد الرقاشي، حديث : عن أنس بن مالك رفعه: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً} قال: «هنّ العجائز العُمْش الرُّمْص كُنّ في الدنيا عُمْشاً رُمْصاً»تفسير : . وقال المسيِّب بن شريك: حديث : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً} الآية قال:«هنّ عجائز الدنيا أنشأهنّ الله خلقاً جديداً كلما أتاهنّ أزواجهنّ وجدوهنّ أبكاراً» فلما سمعت عائشة ذلك قالت: واوجعاهٰ فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ليس هناك وجع»تفسير : . {عُرُباً} جمع عَروُب. قال ٱبن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب العواشق لأزواجهنّ. وعن ٱبن عباس أيضاً: إنها العروب الملقة. عكرمة: الغَنجة. ٱبن زيد: بلغة أهل المدينة. ومنه قول لبيد:شعر : وفي الخِبَاءِ عَرُوبٌ غيرُ فاحِشةٍ رَيَّا الروادِفِ يَعْشَى دُونَها البصرُ تفسير : وهي الشَّكِلة بلغة أهل مكة. وعن زيد بن أسلم أيضاً: الحسنة الكلام. وعن عكرمة أيضاً وقتادة: العُرُب المتحببات إلى أزواجهنّ، وٱشتقاقه من أعرب إذا بيّن، فالعروب تبينّ محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. وقيل: إنها الحسنة التَّبَعُّل لتكون ألذ ٱستمتاعاً. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : {عُرُباً} قال:«كلامهنّ عربيّ»تفسير : . وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم «عُرْباً» بإسكان الراء. وضم الباقون وهما جائزان في جمع فَعُول. «أَتْرَاباً» على ميلاد واحد في الاستواء وسنّ واحدة ثلاثٍ وثلاثين سنة. يقال في النساء أتراب وفي الرجال أقران. وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حد الصِّبَا من النساء وٱنحطت عن الكبر. وقيل: {أَتْرَاباً } أمثالاً وأشكالاً؛ قاله مجاهد. السُّدّي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهنّ ولا تحاسد. {لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} قيل: الحور العين للسابقين، والأتراب العرب لأصحاب اليمين. قوله تعالى: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} رجع الكلام إلى قوله تعالى: {وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ} أي هم {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} {وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحاك: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} يعني من سابقي هذه الأمة {وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} من هذه الأمة من آخرها؛ يدل عليه ما روي عن ٱبن عباس في هذه الآية {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} {وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : هم جميعاً من أمتي»تفسير : . وقال الواحديّ: أصحاب الجنة نصفان نصف من الأمم الماضية ونصف من هذه الأمة. وهذا يردّه ما رواه ٱبن ماجه في سننه والترمذيّ في جامعه عن بُريدة بن خَصيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أهل الجنة عشرون ومائة صفٍّ ثمانون منها من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم»تفسير : . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثُلَّتَان: ثلة من هؤلاء وثلة من هؤلاء. والأوّلون الأمم الماضية، والآخرون هذه الأمة على القول الثاني.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى مآل السابقين، وهم المقربون، عطف عليهم بذكر أصحاب اليمين، وهم الأبرار؛ كما قال ميمون بن مهران: أصحاب اليمين منزلتهم دون المقربين، فقال: { وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ} أي: أي شيء أصحاب اليمين؟ وما حالهم وكيف مآلهم؟ ثم فسر ذلك فقال تعالى: { فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وابن الأحوص وقسامة بن زهير والسفر بن نسير، والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وأبو حزرة وغيرهم: هو الذي لا شوك فيه، وعن ابن عباس: هو الموقر بالثمر، وهو رواية عن عكرمة ومجاهد، وكذا قال قتادة أيضاً: كنا نحدث أنه الموقر الذي لا شوك به. والظاهر أن المراد هذا وهذا، فإن سدر الدنيا كثير الشوك قليل الثمر، وفي الآخرة على العكس من هذا، لا شوك فيه، وفيه الثمر الكثير الذي قد أثقل أصله، كما قال الحافظ أبو بكر أحمد بن سلمان النجّاد: حدثنا محمد بن محمد، هو البغوي، حدثني حمزة بن العباس، حدثنا عبد الله بن عثمان، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم، قال: أقبل أعرابي يوماً فقال: يا رسول الله ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال رسول الله: «حديث : وما هي؟» تفسير : قال: السدر؛ فإن له شوكاً مؤذياً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أليس الله تعالى يقول: { فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ}؟ خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها لتنبت ثمراً تفتق الثمرة منها عن اثنين وسبعين لوناً من طعام، ما فيها من لون يشبه الآخر»تفسير : (طريق آخر) قال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثني يحيى بن حمزة، حدثني ثور بن يزيد، حدثني حبيب بن عبيد عن عتبة بن عبد السلمي قال: كنت جالساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجراً أكثر شوكاً منها، يعني: الطلح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود، فيها سبعون لوناً من الطعام، لا يشبه لون الآخر» تفسير : وقوله { وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} الطلح شجر عظام يكون بأرض الحجاز من شجر العضاء، واحدته طلحة، وهو شجر كثير الشوك، وأنشد ابن جرير لبعض الحداة:شعر : بَشَّرَها دَليلُها وقالا غَداً تَرَيْنَ الطَّلْحَ والجِبالا تفسير : وقال مجاهد: {مَّنْضُودٍ} أي: متراكم الثمر، يذكر بذلك قريشاً؛ لأنهم كانوا يعجبون من وجّ ظلاله من طلح وسدر. وقال السدي: منضود: مصفود. قال ابن عباس: يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل، قال الجوهري: والطلح لغة في الطلع. قلت: وقد روى ابن أبي حاتم من حديث الحسن بن سعد عن شيخ من همدان قال: سمعت علياً يقول هذا الحرف في طلح منضود، قال: طلع منضود، فعلى هذا يكون من صفة السدر، فكأنه وصفه بأنه مخضود، وهو الذي لا شوك له، وأن طلعه منضود، وهو كثرة ثمره، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو معاوية عن إدريس عن جعفر بن إياس عن أبي نضرة عن أبي سعيد { وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} قال: الموز، قال: وروي عن ابن عباس وأبي هريرة والحسن وعكرمة وقسامة بن زهير وقتادة وأبي حزرة مثل ذلك، وبه قال مجاهد وابن زيد، وزاد: فقال: أهل اليمن يسمون الموز الطلح، ولم يحك ابن جرير غير هذا القول. وقوله تعالى: { وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها اقرؤوا إن شئتم: { وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}» تفسير : ورواه مسلم من حديث الأعرج به. وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا فليح عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام اقرؤوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}» تفسير : . وكذا رواه مسلم من حديث الأعرج به. وكذا رواه البخاري عن محمد بن سنان عن فليح به، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة، وكذا رواه حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة، والليث بن سعد عن سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة، وعوف عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، به. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا: حدثنا شعبة، سمعت أبا الضحاك يحدث أبا هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين ــــ أو مئة ــــ سنة، هي شجرة الخلد»تفسير : . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو بن أبي سلمة عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام ما يقطعها واقرؤوا إن شئتم: { وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}» تفسير : . إسناد جيد ولم يخرجوه، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن عبدة وعبد الرحيم والبخاري، كلهم عن محمد بن عمرو به، وقد رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن سليمان به. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن زياد مولى بني مخزوم عن أبي هريرة قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام، اقرؤوا إن شئتم: { وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}، فبلغ ذلك كعباً فقال: صدق، والذي أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جذعة، ثم دار بأعلى تلك الشجرة، ما بلغها حتى يسقط هرماً، إن الله غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة، وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن منهال الضرير: حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: { وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} قال: «حديث : في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها» تفسير : وكذا رواه البخاري عن روح بن عبد المؤمن عن يزيد بن زريع، وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن عمران بن داود القطان عن قتادة به، وكذا رواه معمر وأبو هلال عن قتادة به، وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد وسهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مئة عام ما يقطعها» تفسير : فهذا حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث النقاد؛ لتعدد طرقه، وقوة أسانيده، وثقة رجاله. وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو حصين قال: كنا على باب في موضع، ومعنا أبو صالح وشقيق، يعني: الضبي، فحدث أبو صالح قال: حدثني أبو هريرة قال: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً، قال أبو صالح: أتكذب أبا هريرة؟ قال: ما أكذب أبا هريرة، ولكني أكذبك أنت، فشق ذلك على القراء يومئذ. قلت: فقد أبطل من يكذب بهذا الحديث، مع ثبوته وصحته ورفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الترمذي: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا زياد بن الحسن بن الفرات القزاز عن أبيه عن جده عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما في الجنة شجرة إلا ساقها من ذهب» تفسير : ثم قال: حسن غريب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أبي الربيع، حدثنا أبو عامر العقدي عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال: الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في كل نواحيه مئة عام، قال: فيخرج إليها أهل الجنة؛ أهل الغرف وغيرهم، فيتحدثون في ظلها، قال: فيشتهي بعضهم، ويذكر لهو الدنيا، فيرسل الله ريحاً من الجنة، فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا. هذا أثر غريب، إسناده جيد قوي حسن. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن يمان، حدثنا سفيان، حدثنا أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون في قوله تعالى: { وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} قال: سبعون ألف سنة، وكذا رواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن سفيان مثله، ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون: { وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} قال: خمسمئة ألف سنة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا حصين بن نافع عن الحسن في قول الله تعالى: { وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} قال: في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة سنة لا يقطعها، وقال عوف عن الحسن: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها» تفسير : رواه ابن جرير. وقال شبيب عن عكرمة عن ابن عباس: في الجنة شجر لا يحمل يستظل به، رواه ابن أبي حاتم. وقال الضحاك والسدي وأبو حزرة في قوله تعالى: { وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}: لا ينقطع، ليس فيها شمس ولا حر، مثل قبل طلوع الفجر، وقال ابن مسعود: الجنة سجسج كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقد تقدمت الآيات كقوله تعالى: {أية : وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً} تفسير : [النساء: 57] وقوله: {أية : أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} تفسير : [الرعد: 35] وقوله: {أية : فِى ظِلَـٰلٍ وَعُيُونٍ} تفسير : [المرسلات: 41] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى: { وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ} قال الثوري: يجري في غير أخدود، وقد تقدم الكلام عند تفسير قوله تعالى: {أية : فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ} تفسير : [محمد: 15] الآية بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله تعالى: { وَفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } أي: وعندهم من الفواكه الكثيرة المتنوعة في الألوان مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما قال تعالى: {أية : كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً} تفسير : [البقرة: 25] أي: يشبه الشكل الشكل، ولكن الطعم غير الطعم، وفي الصحيحين في ذكر سدرة المنتهى: «حديث : فإذا ورقها كآذان الفيلة، ونبقها مثل قلال هجر»تفسير : . وفيهما أيضاً من حديث مالك عن زيد عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: خسفت الشمس، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه، فذكر الصلاة، وفيه قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت، قال: «حديث : إني رأيت الجنة، فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته، لأكلتم منه ما بقيت الدنيا»تفسير : ، وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبيد الله، حدثنا ابن عقيل عن جابر قال: بينا نحن في صلاة الظهر، إذ تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدمنا معه، ثم تناول شيئاً ليأخذه ثم تأخر، فلما قضى الصلاة، قال أبي بن كعب: يا رسول الله صنعت اليوم في الصلاة شيئاً ما كنت تصنعه، قال: «حديث : إنه عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفاً من عنب لآتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به، لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقص منه» تفسير : وروى مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر نحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن بحر، حدثنا هشام بن يوسف، أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عامر بن زيد البكالي: أنه سمع عتبة بن عبد السلمي يقول: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن الحوض، وذكر الجنة، ثم قال الأعرابي: فيها فاكهة؟ قال: «حديث : نعم، وفيها شجرة تدعى طوبى»تفسير : . قال: فذكر شيئاً لا أدري ما هو، قال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: «حديث : ليست تشبه شيئاً من شجر أرضك» تفسير : فقال النبي صلى الله عليه وسلم أتيت الشام؟ قال: لا. قال: «حديث : تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة، تنبت على ساق واحدة، وينفرش أعلاها»تفسير : . قال: ما عظم العنقود؟ قال: «حديث : مسيرة شهر للغراب الأبقع لا يفتر»تفسير : . قال: ما عظم أصلها؟ قال: «حديث : لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك، ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرماً» تفسير : قال: فيها عنب؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : قال: فما عظم الحبة؟ قال: «حديث : هل ذبح أبوك تيساً من غنمه قط عظيماً؟» تفسير : قال: نعم، قال: «حديث : فسلخ إهابه فأعطاه أمك، فقال: اتخذي لنا منه دلواً؟» تفسير : قال: نعم. قال الأعرابي: فإن تلك الحبة لتشبعني وأهل بيتي؟ قال: «حديث : نعم وعامة عشيرتك»تفسير : وقوله تعالى: { لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ} أي: لا تنقطع شتاء ولا صيفاً، بل أكلها دائم مستمر أبداً، مهما طلبوا وجدوا، لا يمتنع عليهم بقدرة الله شيء، وقال قتادة: لا يمنعهم من تناولها عود ولا شوك ولا بعد، وقد تقدم في الحديث: «حديث : إذا تناول الرجل الثمرة عادت مكانها أخرى» تفسير : وقوله تعالى: { وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} أي: عالية وطيئة ناعمة. قال النسائي وأبو عيسى الترمذي: حدثنا أبو كريب، حدثنا رشدين بن سعد عن عمر بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} قال: «حديث : ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمسمئة عام» تفسير : ثم قال الترمذي: هذا الحديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، قال: وقال بعض أهل العلم: معنى هذا الحديث ارتفاع الفرش في الدرجات، وبعدما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، هكذا قال: إنه لا يعرف هذا إلا من رواية رشدين بن سعد، وهو المصري، وهو ضعيف، هكذا رواه أبو جعفر بن جرير عن أبي كريب عن رشدين به. ثم رواه هو وابن أبي حاتم كلاهما عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث، فذكره، وكذا رواه ابن أبي حاتم أيضاً عن نعيم بن حماد عن ابن وهب، وأخرجه الضياء في صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وهب به مثله، ورواه الإمام أحمد عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة، حدثنا دراج، فذكره. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو معاوية جويبر عن أبي سهل، يعني: كثير بن زياد، عن الحسن: { وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} قال: ارتفاع فراش الرجل من أهل الجنة مسيرة ثمانين سنة. وقوله تعالى: {إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَـٰراً عُرُباً أَتْرَاباً لأَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ} جرى الضمير على غير مذكور، ولكن لما دل السياق، وهو ذكر الفرش، على النساء اللاتي يضاجعن فيها، اكتفى بذلك عن ذكرهن، وعاد الضمير عليهن؛ كما في قوله تعالى: {أية : إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ فَقَالَ إِنِّىۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ } تفسير : [ص: 32] يعني: الشمس، على المشهور من قول المفسرين، وقال الأخفش في قوله تعالى: {إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ} أضمرهن، ولم يذكرن قبل ذلك، وقال أبو عبيدة: ذكرن في قوله تعالى: { وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَـٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ } فقوله تعالى: {إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ} أي: أعدناهن في النشأة الأخرى بعدما كن عجائز رمصاً، صرنَ أبكاراً عرباً، أي: بعد الثيوبة عدن أبكاراً عرباً متحببات إلى أزواجهن بالحلاوة والظرافة والملاحة. وقال بعضهم؛ عرباً، أي: غنجات، قال موسى بن عبيدة الربذي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إنا أنشأناهن، قال: نساء عجائز كن في الدنيا عمشاً رمصاً» تفسير : رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم. ثم قال الترمذي: غريب، وموسى ويزيد ضعيفان، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا آدم، يعني: ابن أبي إياس، حدثنا شيبان بن جابر عن يزيد بن مرة عن سلمة بن يزيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: { إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءً} يعني: الثيب والأبكار اللاتي كن في الدنيا. وقال عبد بن حميد: حدثنا مصعب بن مقدام، حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: أتت عجوز، فقالت: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يدخلني الجنة، فقال: «حديث : يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز» تفسير : قال: فولت تبكي. قال: «حديث : أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: { إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَـٰراً }»تفسير : وهكذا رواه الترمذي في الشمائل عن عبد بن حميد. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدثنا عمرو بن هاشم البيروتي، أخبرنا سليمان بن أبي كريمة عن هشام بن حسان عن الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله تعالى: {وَحُورٌ عِينٌ} قال: «حديث : حور: بيض، عين: ضخام العيون، شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر» تفسير : قلت: أخبرني عن قوله تعالى: { كَأَمْثَـٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ} قال: «حديث : صفاؤهن صفاء الدر الذي في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي» تفسير : قلت: أخبرني عن قوله: {أية : فِيهِنَّ خَيْرَٰتٌ حِسَانٌ} تفسير : [الرحمن: 70] قال: «حديث : خيرات الأخلاق، حسان الوجوه» تفسير : قلت: أخبرني عن قوله: {أية : كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} تفسير : [الصافات: 49] قال: «حديث : رقتهن كرقة الجلد الذي رأيت في داخل البيضة مما يلي القشر، وهو الغرقىء» تفسير : قلت: يا رسول الله أخبرني عن قوله: { عُرُباً أَتْرَاباً} قال: «حديث : هن اللواتي قبضن في الدار الدنيا عجائز رمصاً شمصاً، خلقهن الله بعد الكبر، فجعلهن عذارى عرباً؛ متعشقات محببات، أتراباً على ميلاد واحد» تفسير : قلت: يا رسول الله نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: «حديث : بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة» تفسير : قلت: يا رسول الله وبم ذاك؟ قال: «حديث : بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله عز وجل. ألبس الله وجوههن النور، وأجسادهن الحرير. بيض الألوان، خضر الثياب، صفر الحلي، مجامرهن الدر، وأمشاطهن الذهب، يقلن: نحن الخالدات فلا نموت أبداً، ونحن الناعمات فلا نبأس أبداً، ونحن المقيمات فلا نظعن أبداً، ألا ونحن الراضيات فلا نسخط أبداً، طوبى لمن كنا له، وكان لنا» تفسير : قلت: يا رسول الله المرأة منا تتزوج زوجين والثلاثة والأربعة، ثم تموت فتدخل الجنة، ويدخلون معها، من يكون زوجها؟ قال: «حديث : يا أم سلمة إنها تخير فتختار أحسنهم خلقاً، فتقول: يا رب إن هذا كان أحسن خلقاً معي، فزوجنيه، يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة»تفسير : وفي حديث الصور الطويل المشهور: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشفع للمؤمنين كلهم في دخول الجنة، فيقول الله تعالى: قد شفعتك، وأذنت لهم بدخولها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فيدخل الرجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشىء الله، وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله؛ بعبادتهما في الدنيا، يدخل على الأولى منهما في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليه سبعون زوجاً من سندس وإستبرق، وإنه ليضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها من وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت، كبده لها مرآة، يعني: وكبدها له مرآة، فبينما هو عندها، لا يملها ولا تمله، ولا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره، ولا يشتكي قبلها، إلا أنه لا مني ولا منية، فبينما هو كذلك، إذ نودي: إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل، إلا أن لك أزواجاً غيرها، فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة، كلما جاء واحدة قالت: والله ما في الجنة شيء أحسن منك، وما في الجنة شيء أحب إلي منك» تفسير : وقال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن ابن حجيرة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال له: أنطأ في الجنة؟ قال:«حديث : نعم، والذي نفسي بيده دحماً دحماً، فإذا قام عنها، رجعت مطهرة بكراً».تفسير : وقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن جابر الفقيه البغدادي، حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي الواسطي، حدثنا معلى بن عبد الرحمن الواسطي، حدثنا شريك عن عاصم الأحول عن أبي المتوكل عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم، عدن أبكاراً» تفسير : وقال أبو داود الطيالسي: أخبرنا عمران عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في النساء، قلت: يا رسول الله ويطيق ذلك؟ قال: يعطى قوة مئة» تفسير : ورواه الترمذي من حديث أبي داود، وقال: صحيح غريب. وروى أبو القاسم الطبراني من حديث حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟ قال: «حديث : إن الرجل ليصل في اليوم إلى مئة عذراء» تفسير : قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: هذا الحديث عندي على شرط الصحيح، والله أعلم. وقوله: {عُرُباً} قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: يعني: متحببات إلى أزواجهن، ألم تر إلى الناقة الضبعة؟ هي كذلك، وقال الضحاك عن ابن عباس: العرب: العواشق لأزواجهن، وأزواجهن لهن عاشقون، وكذا قال عبد الله بن سرجس ومجاهد وعكرمة وأبو العالية ويحيى بن أبي كثير وعطية والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم، وقال ثور بن يزيد عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن قوله: {عُرُباً} قال: هي الملقة لزوجها. وقال شعبة عن سماك عن عكرمة: هي الغنجة. وقال الأجلح بن عبد الله عن عكرمة: هي الشكلة، وقال صالح بن حيّان عن عبد الله بن بريدة في قوله: {عُرُباً} قال: الشكلة بلغة أهل مكة، والغنجة بلغة أهل المدينة، وقال تميم بن حذلم: هي حسن التبعل. وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن: العرب: حسنات الكلام. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن سهل بن عثمان العسكري، حدثنا أبو علي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : عرباً ــــ قال ــــ كلامهن عربي.»تفسير : وقوله: {أَتْرَاباً} قال الضحاك عن ابن عباس: يعني: في سن واحدة: ثلاث وثلاثين سنة، وقال مجاهد: الأتراب: المستويات، وفي رواية عنه: الأمثال، وقال عطية: الأقران. وقال السدي: {أَتْرَاباً} أي: في الأخلاق، المتواخيات بينهن، ليس بينهن تباغض ولا تحاسد، يعني: لا كما كن ضرائر متعاديات. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن عبد الله بن الكهف عن الحسن ومحمد: { عُرُباً أَتْرَاباً} قالا: المستويات الأسنان، يأتلفن جميعاً، ويلعبن جميعاً، وقد روى أبو عيسى الترمذي عن أحمد بن منيع عن أبي معاوية عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن في الجنة لمجتمعاً للحور العين، يرفعن أصواتاً لم تسمع الخلائق بمثلها ــــ قال ــــ يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له» تفسير : ثم قال: هذا حديث غريب. وقال الحافظ أبو يعلى: أخبرنا أبو خيثمة، حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا ابن أبي ذئب عن فلان عبد الله بن رافع عن بعض ولد أنس بن مالك عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الحور العين ليغنين في الجنة، يقلن: نحن خيرات حسان، خبئنا لأزواج كرام» تفسير : قلت: إسماعيل بن عمر هذا هو أبو المنذر الواسطي أحد الثقات الأثبات. وقد روى هذا الحديث الإمام عبد الرحيم بن إبراهيم الملقب بدحيم عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب عن عون بن الخطاب بن عبد الله بن رافع عن ابن لأنس عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الحور العين يغنين في الجنة: نحن الحور الحسان، خلقنا لأزواج كرام» تفسير : وقوله تعالى: { لأَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ} أي: خلقن لأصحاب اليمين، أو ادخرن لأصحاب اليمين، أو زوجن لأصحاب اليمين، والأظهر أنه متعلق بقوله: { إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَـٰراً عُرُباً أَتْرَاباً لأَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ } فتقديره: أنشأناهن لأصحاب اليمين، وهذا توجيه ابن جرير. وروي عن أبي سليمان الداراني رحمه الله تعالى قال: صليت ليلة، ثم جلست أدعو، وكان البرد شديداً، فجعلت أدعو بيد واحدة، فأخذتني عيني فنمت، فرأيت حوراء لم ير مثلها، وهي تقول: يا أبا سليمان أتدعو بيد واحدة، وأنا أغذى لك في النعيم منذ خمسمئة سنة؟ قلت: ويحتمل أن يكون قوله: { لأَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ} متعلقاً بما قبله وهو قوله: { أَتْرَاباً لأَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ } أي: في أسنانهم؛ كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يتمخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد؛ على صورة أبيهم آدم: ستون ذراعاً في السماء»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون وعفان قالا: حدثنا حماد بن سلمة. وروى الطبراني واللفظ له من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً، بيضاً جعاداً، مكحلين، أبناء ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم: ستون ذراعاً، في عرض سبعة أذرع»تفسير : . وروى الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي عن عمران القطان عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً مكحلين، بني ثلاث وثلاثين سنة» تفسير : ثم قال: حسن غريب. وقال ابن وهب: أخبرنا عمرو بن الحارث: أن دراجاً أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير، يردون بني ثلاث وثلاثين في الجنة، لا يزيدون عليها أبداً، وكذلك أهل النار» تفسير : ورواه الترمذي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث به. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا القاسم بن هاشم، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا رواد بن الجراح العسقلاني، حدثنا الأوزاعي عن هارون بن رئاب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم: ستين ذراعاً بذراع الملك! على حسن يوسف، وعلى ميلاد عيسى: ثلاث وثلاثين سنة، وعلى لسان محمد، جرد مرد مكحلون» تفسير : وقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا محمود بن خالد وعباس بن الوليد قالا: حدثنا عمر عن الأوزاعي عن هارون بن رئاب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يبعث أهل الجنة على صورة آدم، في ميلاد عيسى: ثلاث وثلاثين، جرداً مرداً مكحلين. ثم يذهب بهم إلى شجرة في الجنة، فيكسون منها، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم»تفسير : . وقوله تعالى: { ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَخِرِينَ } أي: جماعة من الأولين، وجماعة من الآخرين. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين عن عبد الله بن مسعود، قال، وكان بعضهم يأخذ عن بعض، قال: أكرينا ذات ليلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم غدونا عليه، فقال: «حديث : عرضت علي الأنبياء وأتباعها بأممها، فيمر علي النبي والنبي في العصابة، والنبي في الثلاثة، والنبي وليس معه أحد ــــ وتلا قتادة هذه الآية {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} قال: ــــ حتى مر علي موسى بن عمران في كبكبة من بني إسرائيل قال: قلت: ربي من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران ومن تبعه من بني إسرائيل قال: قلت: رب فأين أمتي؟ قال: انظر عن يمينك في الظِّراب ــــ قال ــــ: فإذا وجوه الرجال، ــــ قال: ــــ قال: أرضيت؟ ــــ قال: ــــ قلت: قد رضيت رب. قال: انظر إلى الأفق عن يسارك، فإذا وجوه الرجال قال: أرضيت؟ قلت: قد رضيت رب. قال: فإن مع هؤلاء سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب»تفسير : . قال: وأنشأ عكاشة بن محصن من بني أسد ــــ قال سعيد وكان بدرياً ــــ قال: يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: فقال: «حديث : اللهم اجعله منهم» تفسير : قال: أنشأ رجل آخر قال: يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «حديث : سبقك بها عكاشة» تفسير : قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فإن استطعتم فداكم أبي وأمي أن تكونوا من أصحاب السبعين فافعلوا، وإلا فكونوا من أصحاب الظِّراب، وإلا فكونوا من أصحاب الأفق، فإني قد رأيت أناساً كثيراً قد تأشّبوا حوله ــــ ثم قال ــــ إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة» تفسير : فكبرنا ثم قال: «حديث : إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» تفسير : قال: فكبرنا قال: «حديث : إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» تفسير : قال: فكبرنا، قال: ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَخِرِينَ } قال: فقلنا بيننا: من هؤلاء السبعون ألفاً؟ فقلنا: هم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا. قال: فبلغه ذلك فقال: «حديث : بل هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» تفسير : وكذا رواه ابن جرير من طريقين آخرين عن قتادة به نحوه، وهذا الحديث له طرق كثيرة من غير هذا الوجه في الصحاح وغيرها، وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: { ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَخِرِينَ } قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : هما جميعاً من أمتي».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَصْحَٰبُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَٰبُ ٱلْيَمِينِ }.
الشوكاني
تفسير : لما فرغ سبحانه من ذكر أحوال السابقين، وما أعدّه لهم من النعيم المقيم، ذكر أحوال أصحاب اليمين، فقال: {وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ } قد قدّمنا وجه إعراب هذا الكلام، وما في هذه الجملة الاستفهامية من التفخيم والتعظيم، وهي خبر المبتدأ، وهو أصحاب اليمن، وقوله: {فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ } خبر ثان، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هم في سدر مخضود، والسدر: نوع من الشجر، والمخضود: الذي خضد شوكه، أي: قطع فلا شوك فيه. قال أمية بن أبي الصلت يصف الجنة:شعر : إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب سدرها مخضود تفسير : وقال الضحاك، ومجاهد، ومقاتل بن حيان: إن السدر المخضود: الموقر حملاً {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ } قال أكثر المفسرين: إن الطلح في الآية هو شجر الموز. وقال جماعة: ليس هو شجر الموز، ولكنه الطلح المعروف وهو أعظم أشجار العرب. قال الفراء، وأبو عبيدة: هو شجر عظام لها شوك. قال الزجاج: الطلح هو أمّ غيلان، ولها نور طيب، فخوطبوا ووعدوا ما يحبون، إلاّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. قال: ويجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. قال السدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا لكن له ثمر أحلى من العسل، والمنضود: المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل ليس له سوق بارزة. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيد ثمر كله، كلما أخذت ثمرة عاد مكانها أحسن منها {وَظِلّ مَّمْدُودٍ } أي: دائم باق لا يزول، ولا تنسخه الشمس. قال أبو عبيدة: والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع: ممدود، ومنه قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظّلَّ }تفسير : [الفرقان؛ 45] والجنة كلها ضلّ لا شمس معه. قال الربيع بن أنس: يعني ظلّ العرش، ومن استعمال العرب للممدود في الدائم الذي لا ينقطع قول لبيد:شعر : غلب العزاء وكان غير مغلب دهر طويل دائم ممدود تفسير : {وَمَاء مَّسْكُوبٍ } أي: منصبّ يجري بالليل والنهار أينما شاءوا لا ينقطع عنهم، فهو مسكوب يسكبه الله في مجاريه، وأصل السكب. الصبّ، يقال: سكبه سكباً، أي: صبه {وَفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ } أي: ألوان متنوعة متكثرة {لاَّ مَقْطُوعَةٍ } في وقت من الأوقات، كما تنقطع فواكه الدنيا في بعض الأوقات {وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } أي: لا تمتنع على من أرادها في أي وقت على أيّ صفة، بل هي معدّة لمن أرادها لا يحول بينه وبينها حائل. قال ابن قتيبة: يعني: أنها غير محظورة عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ } أي: مرفوع بعضها فوق بعض،أو مرفوعة على الأسرّة. وقيل: إن الفرش هنا كناية عن النساء اللواتي في الجنة، وارتفاعها كونها على الأرائك، أو كونها مرتفعات الأقدار في الحسن والكمال. {إِنَّا أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَاء } أي: خلقناهنّ خلقاً جديداً من غير توالد، وقيل: المراد نساء بني آدم. والمعنى: أن الله سبحانه أعادهنّ بعد الموت إلى حال الشباب، والنساء وإن لم يتقدّم لهنّ ذكر لكنهن قد دخلن في أصحاب اليمين، وأما على قول من قال: إن الفرش المرفوعة عين النساء، فمرجع الضمير ظاهر. {فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَـٰراً } {أية : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ }تفسير : [الرحمٰن: 56] {عُرُباً أَتْرَاباً } العرب جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها. قال المبرد: هي العاشقة لزوجها، ومنه قول لبيد:شعر : وفي الخباء عروب غير فاحشة ريا الروادف يعشي ضوؤها البصرا تفسير : وقال زيد بن أسلم: هي الحسنة الكلام. قرأ الجمهور بضم العين والراء. وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم بإسكان الراء، وهما لغتان في جمع فعول، والأتراب: هنّ اللواتي على ميلاد واحد، وسنّ واحد. وقال مجاهد: أتراباً أمثالاً وأشكالاً. وقال السديّ: أتراباً في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسد. قوله: {لأصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ } متعلق بـ {أنشأناهنّ}، أو بجعلنا، أو بـ {أتراباً}، والمعنى: أن الله أنشأهنّ لأجلهم، أو خلقهنّ لأجلهم، أو هنّ مساويات لأصحاب اليمين في السنّ، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، أي: هنّ لأصحاب اليمين {ثُلَّةٌ مّنَ ٱلأوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مّنَ ٱلآخِرِينَ } هذا راجع إلى قوله: {وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ } أي: هم ثلة من الأوّلين، وثلة من الآخرين، وقد تقدم تفسير الثلة عند ذكر السابقين، والمعنى: أنهم جماعة، أو أمة، أو فرقة، أو قطعة من الأوّلين، وهم من لدن آدم إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وجماعة، أو أمة، أو فرقة، أو قطعة من الآخرين، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك: {ثلة من الأوّلين} يعني: من سابقي هذه الأمة، {وثلة من الآخرين} من هذه الأمة من آخرها. ثم لما فرغ سبحانه مما أعدّه لأصحاب اليمين شرع في ذكر أصحاب الشمال، وما أعدّه لهم، فقال: {وَأَصْحَـٰبُ ٱلشّمَالِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلشّمَالِ } الكلام في إعراب هذا وما فيه من التفخيم، كما سبق في أصحاب اليمين، وقوله: {فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ } إما خبر ثان لأصحاب الشمال، أو خبر مبتدأ محذوف، والسموم: حرّ النار، والحميم: الماء الحارّ الشديد الحرارة، وقد سبق بيان معناه. وقيل: السموم: الريح الحارة التي تدخل في مسامّ البدن. {وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ } اليحموم يفعول من الأحم: وهو الأسود؛ والعرب تقول: أسود يحموم: إذا كان شديد السواد، والمعنى: أنهم يفزعون إلى الظلّ، فيجدونه ظلاً من دخان جهنم شديد السواد. وقيل: وهو مأخوذ من الحم، وهو الشحم المسودّ باحتراق النار. وقيل: مأخوذ من الحمم، وهو: الفحم. قال الضحاك: النار سوداء، وأهلها سود، وكل ما فيها أسود. ثم وصف هذا الظلّ بقوله: {لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ } ليس كغيره من الظلال التي تكون باردة، بل هو حار لأنه من دخان نار جهنم. قال سعيد بن المسيب: {ولا كريم} أي: ليس فيه حسن منظر، وكلّ ما لا خير فيه، فليس بكريم، وقال الضحاك: {ولا كريم}، ولا عذب. قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعاً لكلّ شيء نفت عنه وصفاً تنوي به الذم، تقول: ما هو بسمين ولا بكريم، وما هذه الدار بواسعة ولا كريمة. ثم ذكر سبحانه أعمالهم التي استحقوا بها هذا العذاب فقال: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ } وهذه الجملة تعليل لما قبلها، أي: إنهم كانوا قبل هذا العذاب النازل بهم مترفين في الدنيا، أي: منعمين بما لا يحل لهم، والمترف: المتنعم. وقال السدي: مشركين، وقيل: متكبرين، والأوّل أولى. {وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ } الحنث: الذنب، أي: يصرون على الذنب العظيم. قال الواحدي: قال أهل التفسير: عني به الشرك أي: كانوا لا يتوبون عن الشرك. وبه قال الحسن، والضحاك، وابن زيد. وقال قتادة، ومجاهد: هو الذنب العظيم الذي لا يتوبون عنه. وقال الشعبي: هو اليمين الغموس، {وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ } الهمزة في الموضعين للإنكار والاستبعاد، وقد تقدّم الكلام على هذا في الصافات، وفي سورة الرعد. والمعنى: أنهم أنكروا واستبعدوا أن يبعثوا بعد الموت، وقد صاروا عظاماً وتراباً، والمراد: أنه صار لحمهم وجلودهم تراباً، وصارت عظامهم نخرة بالية، والعامل في الظرف ما يدلّ عليه مبعوثون؛ لأن ما بعد الاستفهام لا يعمل فيما قبله، أي: أنبعث إذا متنا؟ إلخ {أَوَ ءابَاؤُنَا ٱلأوَّلُونَ } معطوف على الضمير في {لمبعوثون}؛ لوقوع الفصل بينهما بالهمزة. والمعنى: أن بعث آبائهم الأوّلين أبعد؛ لتقدّم موتهم، وقرىء، (وآباؤنا). ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب عليهم ويردّ استبعادهم فقال: {قُلْ إِنَّ ٱلأوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ } أي: قل لهم يا محمد: إن الأوّلين من الأمم، والآخرين منهم الذين أنتم من جملتهم لمجموعون بعد البعث {إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يوم مَّعْلُوم} وهو يوم القيامة. {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّالُّونَ ٱلْمُكَذّبُونَ } هذا وما بعده من جملة ما هو داخل تحت القول، وهو معطوف على {إِنَّ ٱلاْوَّلِينَ }، ووصفهم سبحانه بوصفين قبيحين، وهما الضلال عن الحقّ والتكذيب له {لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مّن زَقُّومٍ } أي: لآكلون في الآخرة من شجر كريه المنظر كريه الطعم. وقد تقدّم تفسيره في سورة الصافات، و"من" الأولى لابتداء الغاية والثانية بيانية، ويجوز أن تكون الأولى مزيدة والثانية بيانية، وأن تكون الثانية مزيدة والأولى للابتداء. {فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ } أي: مالئون من شجر الزقوم بطونكم؛ لما يلحقكم من شدّة الجوع. {فَشَـٰرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ } الضمير في {عليه} عائد إلى الزقوم، والحميم: الماء الذي قد بلغ حرّه إلى الغاية، والمعنى: فشاربون على الزقوم عقب أكله من الماء الحارّ، ويجوز أن يعود الضمير إلى شجر؛ لأنه يذكر ويؤنث. ويجوز أن يعود إلى الأكل المدلول عليه بقوله: {لآكِلُونَ}. وقرىء: (من شجرة) بالإفراد. {فَشَـٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ } قرأ الجمهور: (شرب الهيم) بفتح الشين، وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة بضمها. وقرأ مجاهد، وأبو عثمان النهدي بكسرها، وهي لغات. قال أبو زيد: سمعت العرب تقول بضم الشين وفتحها وكسرها. قال المبرد: الفتح على أصل المصدر، والضم اسم المصدر، والهيم: الإبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها. وهذه الجملة بيان لما قبلها، أي: لا يكون شربكم شرباً معتاداً بل يكون مثل شرب الهيم التي تعطش ولا تروى بشرب الماء، ومفرد الهيم أهيم، والأنثى هيماء. قال قيس بن الملوّح:شعر : يقال به داء الهُيَامِ أصابه وقد علمت نفسي مكان شفائيا تفسير : وقال الضحاك، وابن عيينة، والأخفش، وابن كيسان: الهيم: الأرض السهلة ذات الرمل، والمعنى: أنهم يشربون، كما تشرب هذه الأرض الماء، ولا يظهر له فيها أثره. قال في الصحاح: الهيام بالضم: أشد العطش، والهيام كالجنون من العشق، والهيام: داء يأخذ الإبل تهيم في الأرض لا ترعى، يقال: ناقة هيماء، والهيماء أيضاً: المفازة لا ماء بها، والهيام بالفتح: الرمل الذي لا يتماسك في اليد للينه، والجمع هيم مثل قذال وقذل، والهيام بالكسر الإبل العطاش. {هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدّينِ } قرأ الجمهور: {نزلهم} بضمتين، وروي عن أبي عمرو، وابن محيصن بضمة وسكون، وقد تقدم أن النزل ما يعدّ للضيف، ويكون أوّل ما يأكله، ويوم الدين: يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، والمعنى: أن ما ذكر من شجر الزقوم، وشراب الحميم هو الذي يعدّ لهم ويأكلونه يوم القيامة، وفي هذا تهكم بهم؛ لأن النزل هو ما يعدّ للأضياف تكرمة لهم، ومثل هذا قوله: {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }تفسير : [الأنشقاق:24]. وقد أخرج الحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي أمامة قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إن الله ينفعنا بالأعراب ومسائلهم، أقبل أعرابيّ يوماً فقال: يا رسول الله ذكر في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها قال: «حديث : وما هي»تفسير : ؟ قال: السدر، فإن لها شوكاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : أليس الله يقول: {فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ }؟ يخضد الله شوكه، فيجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً يتفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام ما منها لون يشبه الآخر»تفسير : . وأخرج ابن أبي داود، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، وابن مردويه عن عيينة بن عبد السلمي قال: كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكاً منها: يعني الطلح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصية التيس الملبود - يعني: الخصيّ منها - فيها سبعون لوناً من الطعام لا يشبه لون آخر»تفسير : . وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {سِدْرٍ مَّخْضُودٍ } قال: خضده وقره من الحمل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر من طرق عنه قال: المخضود الذي لا شوك فيه. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضاً قال: المخضود الموقر الذي لا شوك فيه. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وهناد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ } قال: هو الموز. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وهناد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر من طرق عن ابن عباس مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن أبي هريرة مثله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طالب أنه قرأ (وطلع منضود). وأخرج ابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف عن قيس بن عباد قال: قرأت على عليّ بن أبي طالب {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ } فقال عليّ: ما بال الطلح، أما تقرأ وطلع؟ ثم قال: {أية : وطَلْعٌ نَّضِيدٌ }تفسير : [قۤ: 10]، فقيل له: يا أمير المؤمنين أنحكها في المصحف؟ قال: لا يهاج القرآن اليوم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {مَّنْضُودٍ } قال: بعضه على بعض. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم {وَظِلّ مَّمْدُودٍ }»تفسير : . وأخرج البخاري، وغيره نحوه من حديث أنس. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما نحوه من حديث أبي سعيد. وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، والنسائي، وغيرهم عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ في قوله: {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ } قال: «حديث : ارتفاعها، كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام»تفسير : . قال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث غريب لا نعرفة إلاّ من حديث رشدين بن سعد انتهى، ورشدين ضعيف. وأخرج الفريابي، وهناد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {إِنَّا أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَاء } قال:«حديث : إن المنشئات التي كنّ في الدنيا عجائز عمشاً رمصاً»تفسير : . قال الترمذي بعد إخراجه: غريب، وموسى ويزيد ضعيفان. وأخرج الطيالسي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، وابن قانع، والبيهقي في البعث عن سلمة بن يزيد الجعفي سمعت النبيّ يقول في قوله: {إِنَّا أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَاء } قال:« حديث : الثيب والأبكار اللاتي كنّ في الدنيا»تفسير : . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: خلقهنّ غير خلقهنّ الأوّل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه: {أَبْكَـٰراً } قال: عذارى. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في البعث من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {عُرُباً } قال: عواشق {أَتْرَاباً } يقول: مستويات. وأخرج ابن أبي حاتم عنه: {عُرُباً } قال: عواشق لأزواجهنّ وأزواجهنّ لهنّ عاشقون {أَتْرَاباً } قال: في سنّ واحد، ثلاثاً وثلاثين سنة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: العروب: المَلِقَة لزوجها. وأخرج مسدد في مسنده، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه بسند حسن عن أبي بكرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {ثُلَّةٌ مّنَ ٱلأوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مّنَ ٱلآخِرِينَ } قال: «حديث : جميعهما من هذه الأمة»تفسير : . وأخرج أبو داود الطيالسي، ومسدّد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه عن أبي بكرة في قوله: {ثُلَّةٌ مّنَ ٱلأوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مّنَ ٱلآخِرِينَ } قال: هما جميعاً من هذه الأمة. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن عدي، وابن مردويه. قال السيوطي: بسند ضعيف عن ابن عباس في قوله: {ثُلَّةٌ مّنَ ٱلأوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مّنَ ٱلآخِرِينَ } قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هما جميعاً من أمتي»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس قال: الثلتان جميعاً من هذه الأمة. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ } قال: من دخان أسود، وفي لفظ: من دخان جهنم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {شُرْبَ ٱلْهِيمِ } قال: الإبل العطاش.
الماوردي
تفسير : {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ الْيَمِينِ} فيه ستة أقاويل: أحدها: أنهم أصحاب الحق، قاله السدي. الثاني: أنهم دون منزلة المقربين، قاله ميمون بن مهران. الثالث: أنهم من أعطي كتابه بيمينه، قاله يعقوب بن مجاهد. الرابع: أنهم التابعون بإحسان ممن لم يدرك الأنبياء من الأمم، قاله الحسن. الخامس: ما رواه أسباط عن السدي: أن الله تعالى مسح ظهر آدم فمسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج ذرية كهيئة الذر بيضاء فقال لهم ادخلوا الجنة ولا أبالي، ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج ذرية كهيئة الذر سوداء، فقال لهم ادخلوا النار ولا أبالي، فذلك هو قوله تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ}، وقوله: {وَأصْحَابُ الْشِّمَالِ}. السادس: ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أصحاب اليمين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ثم تابوا بعد ذلك وأصلحوا. تفسير : {فِي سِدْرٍ مَّخضُودٍ} والسدر النبق، وفي مخضود ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه اللين الذي لا شوك فيه، قاله عكرمة، وقال غيره لا عجم لنبقه، يقال خضدت الشجرة إذا حذقت شوكها. الثاني: أنه الموقر حملاً، قاله مجاهد. الثالث: المدلاة الأغصان، وخص السدر بالذكر لأن ثمره أشهى الثمر إلى النفوس طمعاً وألذه ريحاً. {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الطلح الموز، قاله ابن عباس، وابو سعيد الخدري، وأبو هريرة، والحسن، وعكرمة. الثاني: أنها شجرة تكون باليمن وبالحجاز كثيراً تسمى طلحة، قاله عبد الله بن حميد، وقيل إنها من أحسن الشجر منظراً، ليكون بعض شجرهم مأكولاً وبعضه منظوراً، قال الحادي: شعر : بشرها دليلها وقالا غداً ترين الطلح والأحبالا تفسير : الثالث: أنه الطلع، قاله علي، وحكى أنه كان يقرأ: {وَطَلْعٍ مَّنضُودٍ}، وفي المنضود قولان: أحدهما: المصفوف، قاله السدي. الثاني: المتراكم، قاله مجاهد. {وَظِلٍ مَّمْدُودٍ} أي دائم. ويحتمل ثانياً: أنه التام. {وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ} أي منصب في غير أخدود. ويحتمل آخر: أنه الذي ينسكب عليهم من الصعود والهبوط بخلاف الدنيا، قال الضحاك: من جنة عدن إلى أهل الخيام. {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ} يحتمل وجهين: أحدهما: لا مقطوعة بالفناء ولا ممنوعة من اليد بشوك أو بعد. وفيه وجه ثالث: لا مقطوعة بالزمان ولا ممنوعة بالأشجار. {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} فيها قولان: أحدهما: أنها الحشايا المفروشة للجلوس والنوم، مرفوعة بكثرة حشوها زيادة في الاستمتاع بها. الثاني: أنهم الزوجات لأن الزوجة تسمى فراشاً، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الوَلَدُ لِلْفرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ" تفسير : قاله ابن بحر. فعلى هذا يحتمل وجهين: أحدهما: مرفوعات في القلوب لشدة الميل إليهن. الثاني: مرفوعات عن الفواحش والأدناس. {إِنَّآ أَنشَأناهُنَّ إِنشَآءً} يعني نساء أهل الدنيا، وفي إنشائهن في الجنة قولان: أحدهما: يعني إنشاءهن في القبور، قاله ابن عباس. الثاني: إعادتهن بعد الشمط والكبر صغاراً أبكاراً، قاله الضحاك، وروته أم سلمة مرفوعاً: {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً} فيه قولان: أحدهما: عذارى بعد أن كن غير عذارى، قاله يعقوب بن مجاهد. الثاني: لا يأتيها إلا وجدها بكراً، قاله ابن عباس. ويحتمل ثالثاً: أبكاراً من الزوجات، وهن الأوائل لأنهن في النفوس أحلى والميل إليهن أقوى، كما قال الشاعر: شعر : أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً فارغاً فتمكنا تفسير : قوله تعالى {عُرُباً أَتْرَاباً} فيه سبعة تأويلات: أحدها: أن العرب المنحبسات على أزواجهن المتحببات إليهم، قاله سعيد بن جبير، والكلبي. الثاني: أنهن المتحببات من الضرائر ليقفن على طاعته ويتساعدن على إشاعته، قاله عكرمة. الثالث: الشكلة بلغة أهل مكة، والغنجة بلغة أهل المدينة، قاله ابن زيد، ومنه قول لبيد: شعر : وفي الخباء عروب غير فاحشة ريا الروادف يعشى دونها البصر تفسير : الرابع: هن الحسنات الكلام، قاله ابن زيد. [أيضاً]. الخامس: أنها العاشقة لزوجها لأن عشقها له يزيده ميلاً إليها وشغفاً بها. السادس: أنها الحسنة التبعُّل، لتكون ألذ استمتاعاً. السابع: ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عُرُباً كَلاَمُهُنَّ عَرَبِّي " تفسير : {أَتْراباً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني أقران، قاله عطية. وقال الكلبي: على سن واحدة ثلاث وثلاثين سنة، يقال في النساء أتراب، وفي الرجال أقران، وأمثال، وأشكال، قاله مجاهد. الثالث: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسد، قاله السدي.
ابن عطية
تفسير : السدر: شجر معروف، وهو الذي يقال له شجر أم غيلان، وهو من العضاه، له شوك، وفي الجنة شجر على خلقته، له ثمر كقلال هجر، طيب الطعم والريح، وصفه تعالى بأنه {مخضود}، أي مقطوع الشوك، لا أذى فيه، وقال أمية بن أبي الصلت: شعر : إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب سدرها مخضود تفسير : وعبر بعض المفسرين عن {مخضود} بأنه الموقر حملاً، وقال بعضهم: هو قطع الشوك، وهو الصواب، أما إن وقره هو كرمه، وروي عن الضحاك أن بعض الصحابة أعجبهم سدروج فقالوا: ليتنا في الآخرة في مثل هذا، فنزلت الآية. قال القاضي أبو محمد: ولأهل تحرير النظر هنا إشارة في أن هذا الخضد بإزاء أعمالهم التي سلموا منها، إذ أهل اليمين توابون لهم سلام وليسوا بسابقين. والطلح كذلك من العضاه شجر عظام كثير الشوك وشبهه في الجنة على صفات مباينة لحال الدنيا. و: {منضود} معناه مركب ثمره بعضه على بعض من أرضه إلى أعلاه. وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجعفر بن محمد وغيره: "طلع منضود"، فقيل لعلي إنما هو: {طلح}. فقال: ما للطلح وللجنة؟ فقيل له أنصلحها في المصحف فقال: إن المصحف اليوم لا يهاج ولا يغير. وقال علي بن أبي طالب وابن عباس: الطلح: الموز، وقاله مجاهد وعطاء. وقال الحسن: ليس بالموز، ولكنه شجر ظله بارد رطب. والظل الممدود، معناه: الذي لا تنسخه شمس، وتفسير ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مائة سنة لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: {وظل ممدود}" تفسير : إلى غير هذا من الأحاديث في هذا المعنى. وقال مجاهد: هذا الظل هو من طلحها وسدرها. وقوله تعالى: {وماء مسكوب} أي جار في غير أخاديد، قاله سفيان وغيره، وقيل المعنى: يناسب. لا تعب فيه بسانية ولا رشاء. وقوله تعالى: {لا مقطوعة} أي بزوال الإبان، كحال فاكهة الدنيا، {ولا ممنوعة} ببعد التناول ولا بشوك يؤذي في شجراتها ولا بوجه من الوجوه التي تمتنع بها فاكهة الدنيا. وقرأ جمهور الناس: "وفرُش" بضم الراء. وقرأ أبو حيوة: "وفرْش" بسكونها، والفرش: الأسرة، وروي من طريف أبي سعيد الخدري: أن في ارتفاع السرير منها خمسمائة سنة. قال القاضي أبو محمد: وهذا والله أعلم لا يثبت، وإن قدر فمتأولاً خارجاً عن ظاهره. وقال أبو عبيدة وغيره: أراد بالفرش النساء. و: {مرفوعة} معناه: في الأقدار والمنازل، ومن هذا المعنى قول الشاعر [عمرو بن الأهتم التميمي]: [البسيط] شعر : ظللت مفترش الهلباء تشتمني عند الرسولِ فلم تصدقْ ولم تصب تفسير : ومنه قول الآخر في تعديد على صهره: شعر : وأفرشتك كريمتي تفسير : وقوله تعالى: {إنا أنشأناهن إنشاء} قال قتادة: الضمير عائد على الحور العين المذكورات قبل وهذا فيه بعد، لأن تلك القصة قد انقضت جملة. وقال أبو عبيدة معمر: قد ذكرهن في قوله: {فرش} فلذلك رد الضمير وإن لم يتقدم ذكر لدلالة المعنى على المقصد، وهذا كقوله تعالى: {أية : حتى توارت بالحجاب} تفسير : [ص: 32] ونحوه: و: {أنشأناهن} معناه: خلقناهن شيئاً بعد شيء. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية: "حديث : عجائزكن في الدنيا عمشاً رمصاً"، تفسير : وحديث : قال لعجوز: "إن الجنة لا يدخلها العجز"، فحزنت، فقال: "إنك إذا دخلت الجنة أنشئت خلقاً آخر" . تفسير : وقوله تعالى: {فجعلناهن أبكاراً} قيل معناه: دائمات البكارة متى عاود الواطئ وجدها بكراً. والعرب جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها بإظهار محبته، قاله ابن عباس والحسن، وعبر عنهم ابن عباس أيضاً بالعواشق، ومنه قول لبيد: شعر : وفي الحدوج عروب غير فاحشة ريا الروادف يعشى دونها البصر تفسير : وقال ابن زيد العروب: الحسنة الكلام، وقد تجيء العروب صفة ذم على غير هذا المعنى وهي الفاسدة الأخلاق كأنها عربت ومنه قول الشاعر [ابن الأعرابي]: [الطويل] شعر : وما بدل من أم عثمان سلفع من السود ورهاء العنان عروب تفسير : وقرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي: "عرُباً" بضم الراء. وقرأ حمزة والحسن والأعمش: "عرْباً" بسكونها وهي لغة بني تميم، واختلف عن نافع وأبي عمرو وعاصم. وقوله: {أتراباً} معناه في الشكل والقد حتى يقول الرائي هم أتراب، والترب هو الذي مس التراب مع تربه في وقت واحد. قال قتادة: {أتراباً} يعني سناً واحدة، ويروى أن أهل الجنة على قد ابن أربعة عشر عاماً في الشباب والنضرة، وقيل على مثال أبناء ثلاث وثلاثين سنة مرداً بيضاً مكحلين. واختلف الناس في قوله: {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} فقال الحسن بن أبي الحسن وغيره، الأولون: سالف الأمم، منهم جماعة عظيمة أصحاب يمين، والآخرون: هم هذه الأمة، منهم جماعة عظيمة أهل يمين. قال القاضي أبو محمد: بل جميعهم إلا من كان من السابقين. وقال قوم من المتأولين: هاتان الفرقتان في أمة محمد، وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الثلثان من أمتي" تفسير : فعلى هذا التابعون بإحسان ومن جرى مجراهم ثلة أولى، وسائر الأمة ثلة أخرى في آخر الزمان.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ} دون منزلة المقربين، أو أصحاب الحق، أو من كتابه بيمنيه، أو التابعون بإحسان ممن لم يدرك الأنبياء من الأمم "ح"، أو الذين أخرجوا من صفحة ظهر آدم اليمنى، أو الذين خلطوا عملاً صالحاً وسيئاً ثم تابوا بعد ذلك وأصلحوا مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ}. رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم. فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ "أصحاب الميمنة" عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ "أصحاب الميمنة" "مَفْعَلَة" إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها "اليمن"، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: {أية : يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} تفسير : [الروم: 14]، وقال: {أية : يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} تفسير : [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: "وأصْحَابُ اليَمِينِ" أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وقيل: أصحاب القوة. وقيل: أصحاب النور. قوله: {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ}. قال ابن عبَّاس وغيره: {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: حديث : أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومَا هِيَ؟. قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو لَيْسَ يقولُ: "سِدْرٌ مخْضُودٌ" خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر" . تفسير : وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى "وجٍّ" - وهو واد بـ "الطائف" مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت. قال أمية بن أبي الصَّلت رضي الله عنه يصف الجنَّة: [الكامل] شعر : 4687- إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ تفسير : وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: "في سدر مخضود" هو الموقر حملاً. وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. قوله: {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ}. و "الطَّلْحُ": جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة. وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. قال الجعديُّ: [الرجز] شعر : 4688- بَشَّرها دليلُها وقَالاَ غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا تفسير : فـ "الطَّلْح": كل شجر عظيم كثير الشوك. وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان. وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل. وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلاَّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل. وقوله: "مَنْضُودٍ". أي متراكب. قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه. وقرأ علي - رضي الله عنه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: "وطَلْعٍ" بالعين، لقوله تعالى: {أية : طَلْعُهَا هَضِيمٌ} تفسير : [الشعراء: 148]. ولما قرأ عليٌّ - رضي الله عنه - قال: "وما شأن الطَّلْح" واستدل بقوله {أية : لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} تفسير : [ق: 10]، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل. فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله. قال القرطبي: "فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رضي الله عنه". فصل في المراد بالآية قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك. وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى. والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما. و "المَنْضُود": المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص. و "النّضد": هو الرَّص، و "المنضود": المرصوص. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها. قوله: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}. أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} تفسير : [الفرقان: 45]. وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه. قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى. وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود. قال الشاعر: [الكامل] شعر : 4689- غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ تفسير : وفي "صحيح الترمذي" وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} ". تفسير : وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار. قوله: {وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ}. أي: مصبوب بكثرة. وقيل: جارٍ لا ينقطع. وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً. وانصب انسكب انسكاباً. ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم. قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب. وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء. وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك. قوله: {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ}. قرىء: برفع "فاكِهَةٌ". أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة. قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها. قوله: "لا مقطوعةٍ". فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت لـ "فاكهة"، و "لا" للنَّفي، كقولك: "مررت برجل لا طويل ولا قصير" ولذلك لزم تكرارها. والثاني: هو معطوف على "فاكهة"، و "لا" عاطفة. قاله أبو البقاء. وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلاَّ تعطف الصفة على موصوفها. والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، "ولا ممنوعة" أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها. وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا. وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: {أية : وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً} تفسير : [الإنسان: 14]. قوله: {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ}. العامة: على ضم الراء، جمع: "فِرَاش". وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة. و "الفُرُش": قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره. قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله]: "إنَّا أنْشَأناهُنّ". وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش. وقيل: يعود على الحور المتقدمة. وعن الأخفش: "هُنّ" ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق. وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: {أية : مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} تفسير : [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض. "حديث : وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} قال: "ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ" قال: حديث غريب ". تفسير : قوله: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ}. قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً} لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر. والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم. حديث : وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً} قال: "مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ" . حديث : وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً}، فقال: "يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ" . تفسير : وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً} قال: "هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً". وعن المسيب بن شريك: حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً}، قال: "هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً" فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ هُناكَ وجعٌ" . تفسير : وعن الحسن قال: "حديث : أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال: "يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ"، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً} ". تفسير : قوله: "عُرُباً". جمع "عَرُوب" كـ "صَبُور، وصُبُر"، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من "أعرب" إذا بين. فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة. وقيل: الحسناء. وقيل: المحسِّنة لكلامها. وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا كـ "رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش". وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هنّ العواشق. وأنشد للبيد: [البسيط] شعر : 4690- وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ تفسير : ويروى: [البسيط] شعر : 4691- وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا تفسير : وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن. وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة. قال ابن زيدٍ: بلغة أهل "المدينة"، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل "مكّة". حديث : وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: "عُرُباً" قال: "كلامُهنَّ عَربيٌّ" . تفسير : وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: "العَرُوب" الملقة. قوله: "أتْرَاباً" جمع "تِرْب"، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه "مساويك"، ومثله: "خِدنُك" لأنه في معنى صاحبك. قال القرطبي: "سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر". وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال. وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ ". تفسير : وعنه - عليه الصلاة والسلام - قال: "حديث : مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ ". تفسير : قوله: {لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ}. في هذه "اللام" وجهان: أحدهما: أنها متعلقة بـ "أنْشَأْنَاهُنَّ" أي لأجل أصحاب اليمين. والثاني: أنها متعلقة بـ "أتْرَاباً" كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له. وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين. قوله: {ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين}. رجع الكلام إلى قوله تعالى: {أية : وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} يعني: من سابقي هذه الأمة، {وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} من هذه الأمة من آخرها. بدليل ما حديث : روي عن ابن عباس في هذه الآية: {ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين}، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي" . تفسير : وقال الواحدي: "أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة". ويرد هذا ما روى ابن ماجه في "سننه" والترمذي في "جامعه" عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ ". تفسير : قال الترمذي: هذا حديث حسن. و "ثُلَّةٌ" رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء. فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.
القشيري
تفسير : {وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ}: لا شوكَ فيه، {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ}: والطلح شجر الموز، متراكم نضيد بعضه على بعض. {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} كما بين الإسفار إلى طلوع الشمس. وقيل: ممدود أي دائم. {وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ}: جَارٍ لا يتعبون فيه. {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ}: لا مقطوعة عنهم ولا ممنوعة منهم. {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} لهم. وقيل: أراد بها النساء. {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً} أي الحُور العين. {عُرُباً} جمع عَرُوب وهي الغَنِجَةٌ المتحببةُ إلى زَوْجِها. ويقال عرباً: أي مُتَشَهيَّات إلى أزواجهن. {أَتْرَاباً}: جمع تِرْب، أي: هُنَّ على سِنٍّ واحدة. {لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ}: أي خلقناهن لأصحاب اليمين. {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ}: أي: ثلة من أُولَى هذه الأمة، وثُلة من أُخْراها.
اسماعيل حقي
تفسير : {واصحاب اليمين} شروع فى تفصيل ما أجمل عند التقسيم من شؤونهم الفاضلة اثر تفصيل شؤون السابقين وهو مبتدأ خبره جملة قوله {مااصحاب اليمين} اى لا تدرى مالهم من الخير والبركة بسبب فواضل صفاتهم وكوامل محاسنهم
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وأصحابُ اليمين ما أصحابُ اليمين} استفهام تعجيب، تفخيماً لحالهم، وتعظيماً لشأنهم، ثم ذكر نعيمهم فقال: {في سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له، كأنه خُضِد شوكه، أي: قُطع، أي: ليس هو كسِدر الدنيا، وقيل: مخضود، أي: ثنى إغصانه من كثرة حمله، من خَضَدَ الغصن: إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جُبَيْر: ثمرها أعظم من القلال، وثمار الجنة كلها بادية، ليس شيء منها في غلاف. رُوي أنَّ المسلمين نظروا إلى وادٍ بالطائف مخصب، فأعجبهم سِدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثله في الجنة، فنزلت، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة: شعر : إنَّ الحَدائِقَ في الجِنان ظَلِيلةٌ فيها الكواعِبُ، سِدْرُهَا مَخْضُودُ تفسير : {وطَلْحٍ مَّنضُودٍ} الطلح: شجرة الموز، والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة، وفي جامع العُتْبية عن مالك، قال: بلغني أنّ الطلح المنضود، المذكور في الآية، هو الموز، وهو مما يشبه ثمار الجنة، لقوله تعالى:{أية : أُكُلُهَا دَآئِمٌ}تفسير : [الرعد: 35]، والموز يؤكل في الشتاء والصيف.هـ. {وظِلّ ممدودٍ} منبسط، لا يتقلص ولا ينقطع، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. {وماءٍ مسكوبٍ} جارٍ بلا أُخدود، يُسْكَب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا، بلا تعب. {وفاكهةٍ كثيرةٍ} بحسب الأنواع والأجناس، {لا مقطوعةٍ} لا تنقطع في بعض الأوقات، كفواكه الدنيا، بل هي دائمة، {ولا ممنوعةٍ} عن تناولها بوجه من الوجوه، أو: لا يحظر عليها، كبساتين الدنيا، أو: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. {وفُرُشٍ مرفوعةٍ} رفيعة القدر، أو: مرفوعة على الأسرَّة، وارتفاع السرير خمسمائة سنة، وقيل: كنّى بالفُرُش عن النساء؛ لأنَّ المرأة يُكنّى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال تعالى:{أية : هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِى ظَلاَلٍ عَلَى الأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ}تفسير : [يس: 65]، ويؤيده قوله: {إِنَّا أنشأناهن إِنشاءً} أي: ابتدأنا خلقهن ابتداءً من غير ولادة. فإما أن يُراد: اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، وهن الحور، أو: اللاتي أُعيد إنشاؤن، وهن نساء الدنيا، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهنّ؛ لأنّ ذكر الفُرش، وهي المضاجع، دلَّ عليه. {فجعلناهن أبكاراً} أي: عذارى، كلما أتاهنَ أزواجهنَ وجدوهنَ أبكاراً. {عُرُباً} جمع عَرُوب، وهي المحبّبة لزوجها، الحسنة التبعُّل، {أتراباً}: مستويات في السنّ، بنات ثلاثٍ وثلاثين، وأزواجهنّ كذلك. {لأصحاب} أي: أنشأناهن أصحاب {اليمين}. {ثُلةٌ} أي: أصحاب اليمين ثلة: جماعة كثيرة {من الأولين}، {وثُلة} وجماعة كثيرة {من الآخرِين} فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب اليمين هم أهل الحجاب، المحصورون في سجن الأكوان، المحيط بهم دوائر حسهم، من العُبّاد والزُهّاد، والعُلماء بالشرائع، والصالحين الأبرار، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود؛ كثرة الأعمال المخضودة من شوك الرياء والعجب، المنزهة من الفتور والقصور، وطلح منضود؛ حلاوة الطاعات، وتحقيق المقامات، وظِلٍّ ممدود؛ ظل راحة القناعة لمَن أُعطيها، وروح الرضا والتسليم لمَن منحه. وماء مسكوب؛ عِلْم التوحيد البرهاني أو الإلهامي، وفاكهة كثيرة: حلاوة المناجاة، وظهور الكرامات، ولذة التفنُّن في العلوم الرسمية، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمَن رسخ فيها. وفُرش مرفوعة؛ تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم: إنّا أنشأناهن إنشاءً، لكل فريق مما تقدم، زيادة في عمله، أو علمه، أو زهده، على ما يليق بحاله، فكل صنفٍ له تَرقٍّ في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكاراً؛ لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها صاحبها، عُرباً يعشقها وتعشقه، أتراباً، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. هذا لعامة أصحاب اليمين، وهم كثيرون، سَلفاً وخَلفاً. ثم ذكر أصحاب الشمال، فقال: {وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ}.
الطوسي
تفسير : أربع عشرة آية كوفى وعدد اسماعيل وبصري، وخمس عشرة آية فيما عداه عد المدني والمكي والبصري {وأصحاب اليمين} ولم يعده الباقون. وعد المدنيان والمكي والكوفى والشامي "انشاء" ولم يعده الباقون. قرأ اسماعيل وحمزة وخلف ويحيى {عرباً} مخففة. الباقون مثقلة، وهما لغتان. وروي عن علي عليه السلام انه قرأ {وطلع منضود} بالعين. والقراء على الحاء وقال علي عليه السلام: هو كقوله {أية : ونخل طلعها هضيم }تفسير : وقال كالمتعجب: وما هو شأن الطلع؟! فقيل: له ألا تغيره؟ قال: القرآن لا يهاج اليوم ولا يحول. وقوله {وأصحاب اليمين} قيل فى معناه ثلاثة أقوال: أولها - الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. الثاني - الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة. الثالث - اصحاب اليمين والبركة. وقوله {ما أصحاب اليمين} معنا ومعنى {ما أصحاب الميمنة} سواء وقد فسرناه. وقوله {في سدر مخضود} فالسدر شجر النبق، والمخضود هو الذي لا شوك فيه وخضد بكثرة جملته وذهاب شوكه - فى قول ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد والضحاك - وأصل الخضد عطف العود اللين. فمن ها هنا قيل: لا شوك فيه، لان الغالب على الرطب اللين أنه لا شوك له. وقوله {وطلح منضود} قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة وابن زيد: الطلح شجر الموز. وقال ابو عبيدة: الطلح كل شجر عظيم كثير الشوك، وقال الحارثي: شعر : بشرها دليلها وقالا غداً ترين الطلح والجبالا تفسير : وقال الزجاج: الطلح شجر أم غيلان. وقد يكون على أحسن حال، والمنضود هو الذي نضد بعضه على بعض من الموز - ذكره ابن عباس - وهو من نضدت المتاع إذا عبيت بعضه على بعض. قيل: فقنوا الموز منضود بعضه على بعض {وظل ممدود} معناه دائم لا تنسخه الشمس قال لبيد: شعر : غلب البقاء وكنت غير مغلب دهر طويل دائم ممدود تفسير : وروي في الخبر أن "حديث : في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة سنة ". تفسير : وقوله {وماء مسكوب} أي مصبوب على الخمر يشرب بالمزاج. وقال قوم: يعني مصبوب يشرب على ما يرى من حسنه وصفائه، ولا يحتاجون إلى تعب في استقائه. وقوله {وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة} أي وثمار مختلفة كثيرة غير قليلة. وقيل الوجه في تكرار ذكر الفاكهة البيان عن اختلاف صفاتها فذكرت اولا بأنها مما يتخيرون، وذكرت - هٰهنا - بأنها كثيرة وبأنها لا مقطوعة ولا ممنوعة. ومعناه لا مقطوعة كما تنقطع فواكه الدنيا في الشتاء في اوقات مخصوصة، ولا ممنوع بتعذر تناول او شوك يؤذي كما يكون ذلك في الدنيا. وقوله {وفرش مرفوعة} أي عالية يقال: بناء مرفوع أي عال. وقيل: معناه ونساء مرتفعات القدر فى عقولهن وحسنهن وكمالهن. وقال الحسن: فرش مرفوعة بعضها فوق بعض، والفرش المهاد المهيأ للاضطجاع، فرش يفرش فرشاً فهو فارش والشيء مفروش، ومنه قوله {الذي جعل لكم الأرض فراشاً} لانها تصلح للاستقرار عليها. وقوله {إنا أنشأناهن إنشاء} معناه إن اخترعنا أزواجهم اختراعاً، وهذا يقوي قول من حمل الفرش على النساء. وقيل: المعنى انا أنشأناهن من البنية {فجعلناهن أبكاراً} والبكر التي لم يفتضها الرجل، ولم تفتض وهي على خلقتها الأولى من حال الانشاء. واصله الأول، ومنه بكرة أول النهار. والابتكار عمل الشيء اولا. والباكورة أول ما يأتي من الفاكهة. والبكر من الابل الفتى فى اول أمره وحداثة سنه. وقال الضحاك: ابكاراً عذارى. وفى الخبر المرفوع "حديث : انهن كن عجائز رمضا فى الدنيا ". تفسير : وقوله {عرباً أتراباً} فالعرب العواشق لأزواجهن المنجبات اليهم - فى قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة - وقال لبيد: شعر : وفى الحدوج عروب غير فاحشة رّيا الروادف يعشى دونها البصر تفسير : والعرب جمع عروب على وزن (رسول، ورسل) وهي اللعوب مع زوجها انساً به راغبة فيه، كأنس العربي بكلام العرب، فكأن لها فطنة العرب وإلفهم وعهدهم. والاتراب جمع ترب وهو الوليدة التي تنشأ مع مثلها فى حال الصبى، وهو مأخوذ من لعب الصبيان بالتراب أي هم كالصبيان الذين على سن واحد. قال عمر ابن ابي ربيعة: شعر : ابرزوها مثل المهاة تهادي بين عشر كواعب أتراب تفسير : وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك: الاتراب المستويات على سن واحد. وقوله {لأصحاب اليمين} أي جميع ما تقدم ذكره لهم جزاء وثواباً على طاعاتهم. وقوله {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} فالثلة القطعة من الجماعة، فكأنه قال جماعة من الأولين وجماعة من الآخرين. وإذا ذكر بالتنكير كان على معنى البعض من الجملة، كما تقول رجال من جملة الرجال. وفائدة الآية أنه ليس هذا لجميع الأولين والآخرين. وإنما هو لجماعة منهم. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال "حديث : إني لأرجو ان تكون أمتي شطر أهل الجنة" تفسير : ثم تلا قوله {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} وقال الحسن: سابقوا من مضى أكثر من سابقينا، فلذلك قيل {وقليل من الآخرين} وفى التابعين وثلة من الآخرين.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : لمّا ذكر بعض آثار مناقب المقرّبين، أراد أن يذكر بعض نتايج محاسن السُعداء، وجزاء أعمالهم، فذكرهم أوّلاً، وعجب من حالهم نفخيماً لشأنهم في حسن مآلهم.
الجنابذي
تفسير : {وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ} اى على اىّ وصفٍ اصحاب اليمين؟
الهواري
تفسير : قال تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ الْيَمِينِ} هؤلاء غير المقربين وهم أهل المنزل الآخر في سورة الرحمن. [يعني أهل الجنة من غير السابقين. وأهل الجنة كلهم أصحاب اليمين]. قال تعالى: {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} المخضود الذي لا شوك له. وقيل: الموقر، وهو تفسير مجاهد. قال تعالى: {وَطَلْحٍ مَّنْضُودٍ}. قال الحسن: هو الموز. وهو قول مجاهد ذكروا عن عطاء بن السايب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: هو الموز. قوله عز وجل: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} أي: متصل دائم في تفسير الحسن. وقال الكلبي: ليس معه شمس. ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها؛ اقرأوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} . تفسير : قال تعالى: {وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ} أي: ينسكب بعضه على أثر بعض وليس بالمطر.
اطفيش
تفسير : {وَأَصْحَابُ اليَمِينِ مَا أَصْحَابُ اليَمِينِ} هم {فِى سِدْرٍ} شجر النبق {مَّخْضُودٍ} مقطوع الشوك أي مخلوق بلا شوك قاله ابن عباس وقال مجاهد: موقر بثني اغصانه لكثرة الحمل من خضد الغصن اذا ثناه وهو رطب والثمرة كقلة نظر المسلمون الى وج وهو واد مخصب بالطائف فاعجبهم سدره فقالوا ليت لنا مثله فنزلت الآية قال الفخر: في الآية إشارة الى ان هذا الخضد بازاء اعمالهم التي سلموا منها اذ اهل اليمين ليسوا بسابقين قال الفخر وقد بان لي بالدليل ان اصحاب اليمين الناجون الذي اسرفوا وعفا عنهم بأدنى حسنة.
اطفيش
تفسير : {وَأصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أصْحَابُ الْيَمِينِ} مثل فأَصحاب الميمنة، ما أصحاب الميمنة {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} هم فى سدر أو خبر ثان نظرا للمعنى، كأَنه قيل هم فى ملك عظيم، فى سدر مخضود، أو ليس هذا على طريقة وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، بل أصحاب الأول مبتدأ وفى سدر خبر، وما بينهما معترض أو معمول لنعت محذوف، أى وأصحاب اليمين المقول فيهم ما أصحاب اليمين فى سدر، والجملة معطوفة على أُولئك المقربون فى جنات النعيم، والتعبير بالميمنة هنالك وباليمين هنا، والشمال هنالك والمشأَمة بعد ذلك تفنن، وقال الفخر فى الميمنة والمشأَمة دلالة على الموضع، والأَزواج الثلاثة يتميزون بالموضع فجئ أولا بما يدل على الموضع وثانيا بأَمر يميزهم، والسدر شجر النبق والمخضود المقطوع الشوك. قال أبو أُمامة: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون إِن الله تعالى ينفعنا بالأَعراب ومسائلهم أى وسؤالاتهم، "حديث : أقبل أعرابى يوما فقال يا رسول الله قد ذكر الله تعالى فى القرآن شجرة مؤذية وما كنت أرى أن فى الجنة شجرة تؤذى صاحبها. قال: وما هى؟ قال: السدر. فإن لها شوكا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أليس الله يقول في سدر مخضود خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة وأن الثمرة من ثمره تنفتق عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيها لون يشبه لوناً""تفسير : ، ونقول للسائل أجر السامعين بلا نقص عنهم، إِذا كان فى سؤاله مخلصا. فقيل: مطلقا وقيل إِن قصد نفعهم، وكذا غير السؤال مثل أن ينسخ كتابا ينتفع به ولم ينو أن ينتفع به غيره بل أهمل، ولعل الأَعرابى لم يسمع لفظ مخضود أو لم يعرف معناه أو احتمل عنده معنى آخر مع الأَول، أو لم يعرف إِلا معنى آخر كما قيل مخضود مثنى الأَغصان لثقل الحمل، كما روى ابن عباس أنه الموقر حملا، من خضد الغصن إِذا ثناه وهو رطب، والنبتة أعظم من القلة، ولا نوى فى ثمار الجنة ولا يخفى أن السدر ليس ظرفا لأَهل الجنة فالظرفية مجازية للمبالغة فى تمكنهم من التنعم.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ } الخ شروع في بيان تفاصيل شؤونهم بعد بيان تفاصيل شؤون السابقين {وَأَصْحَـٰبُ } مبتدأ وقوله: {مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ } جملة استفهامية مشعرة بتفخيمهم والتعجيب من حالهم وهي على ما قالوا: إما خبر للمبتدأ.
ابن عاشور
تفسير : عود إلى نشر ما وقع لفُّه في قوله: {أية : وكنتم أزواجاً ثلاثة}تفسير : [الواقعة: 7] كما تقدم عند قوله: {أية : فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة}تفسير : [الواقعة: 8]. وعبر عنهم هنا بــــ {أصحاب اليمين} وهنالك بــــ {أصحاب الميمنة} للتفنن. فجملة {وأصحاب اليمين} عطف على جملة {أية : أولئك المقربون}تفسير : [الواقعة: 8] عطف القصة على القصة. وجملة {ما أصحاب اليمين} خبر عن {أصحاب اليمين} بإبهام يفيد التنويه بهم كما تقدم في قوله: {أية : فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة}تفسير : [الواقعة: 8]. وأتبع هذا الإِبهام بما يبين بعضه بقوله: {في سدر مخضود} الخ. والسدر: شجر من شجر العِضاه ذو ورق عريض مدوَّر وهو صنفان: عُبْرِي بضم العين وسكون الموحدة وياء نسب نسبة إلى العِبر بكسر العين وسكون الموحدة على غير قياس وهو عِبر النهي، أي ضفته، له شوك ضعيف في غصونه لا يضير. والصنف الثاني الضَّالُ (بضاد ساقطة ولام مخففة) وهو ذُو شوك. وأجود السدر الذي ينبت على الماء وهو يشبه شجر العُناب، وورقه كورق العناب وورقه يجعل غسولاً ينظف به، يخرج مع الماء رغوة كالصابون. وثمر هذا الصنف هو النبق ـــ بفتح النون وكسر الموحدة وقاف ـــ يشبه ثمر العناب إلا أنه أصفر مُزّ (بالزاي) يفوح الفم ويفوح الثياب ويتفكه به، وأما الضال وهو السدر البري الذي لا ينبت على الماء فلا يصلح ورقه للغسول وثمره عَفِصٌ لا يسوغ في الحلق ولا ينتفع به ويخبِط الرعاةُ ورقه للراعية، وأجود ثمر السدر ثمر سدر هَجَر أشد نَبِق حلاوة وأطيبه رائحة. ولما كان السدر من شجر البادية وكان محبوباً للعرب ولم يكونوا مستطيعين أن يجعلوا منه في جناتهم وحوائطهم لأنه لا يعيش إلا في البادية فلا ينبت في جناتهم خص بالذكر من بين شجر الجنة إغراباً به وبمحاسنه التي كان محروماً منها من لا يسكن البوادي وبوفرة ظله وتهدل أغصانه ونكهة ثمره. ووصف بالمخضود، أي المزال شوكه فقد كملت محاسنه بانتفاء ما فيه من أذىً. والطلح: شجر من شجر العضاه واحدهُ طلحة، وهو من شجر الحجاز ينبت في بطون الأودية، شديد الطُّول، غليظ الساق. من أصلب شجر العِضاه عُوداً، وأغصانه طوال عظام شديدة الارتفاع في الجو ولها شوك كثير قليلةُ الورق شديدة الخُضرة كثيرة الظل من التفاف أغصانها، وصمغها جيّد وشوكها أقل الشوك أذىً، ولها نَور طيب الرائحة، وتسمى هذه الشجرة أمّ غَيلان، وتسمى في صفاقس غيلان وفي أحواز تونس تسمى مِسْكَ صَنادِق. والمنضود: المتراصّ المتراكب بالأغصان ليست له سوق بارزة، أو المنضد بالحمل، أي النُوَّار فتكثر رائحته. وعلى ظاهر هذا اللفظ يكون القول في البشارة لأصحاب اليمين بالطلح على نحو ما قرر في قوله: {في سدر مخضود} ويعتاض عن نعمة نكهة ثمر السدر بنعمة عَرْف نَوْر الطلح. وفُسر الطلح بشجر الموز روي ذلك عن ابن عباس وابن كثير، ونسب إلى علي بن أبي طالب. والامتنان به على هذا التفسير امتنان بثمره لأنه ثمر طيب لذيد ولشجره من حسن المنظر، ولم يكن شائعاً في بلاد العرب لاحتياجه إلى كثرة الماء. والظل الممدود: الذي لا يتقلص كظل الدنيا، وهو ظل حاصل من التفاف أشجار الجنة وكثرة أوراقها. وسَكْب الماء: صبّه، وأطلق هنا على جريه بقوة يشبه السَّكْب وهو ماء أنهار الجنة. والفاكهة: تقدمت آنفاً. ووصفت بـــ {لا مقطوعة ولا ممنوعة} وصفاً بانتفاء ضد المطلوب إذ المطلوب أنها دائمة مبذولة لهم. والنفي هنا أوقع من الإثبات لأنه بمنزلة وصفٍ وتوكيده، وهم لا يصفون بالنفي إلا مع التكرير بالعطف كقوله تعالى: {أية : زيتونة لا شَرقِيَّة ولا غربية}تفسير : [النور: 35]. وفي حديث أم زرع: «قالت المرأة الرابعة: زوجي كلَيل تِهامة لاَ حَرّ ولا قُرٌّ ولا مَخافةٌ ولا سآمةٌ». ثم تارة يقصد به إثبات حالة وسطى بين حالي الوصفين المنفيين كما في قول أم زرع: «لا حَرّ ولا قَرّ»، وفي آية: {أية : لا شرقية ولا غربية}تفسير : [النور: 35] وهذا هو الغالب وتارة يقصد به نفي الحالين لإثبات ضديهما كما في قوله: {لا مقطوعة ولا ممنوعة} وقوله الآتي: {أية : لا بارد ولا كريم}تفسير : [الواقعة: 44]، وقول المرأة الرابعة في حديث أمّ زرع: «ولا مخافة ولا سآمة». وجمع بين الوصفين لأن فاكهة الدنيا لا تخلو من أحد ضدي هذين الوصفين فإن أصحابها يمنعونها فإن لم يمنعوها فإن لها إباناً تنقطع فيه. والفُرش: جمع فِراش بكسر الفاء وهو ما يفرش وتقدم في سورة الرحمٰن. و{مرفوعة}: وصف لــــ {فرش}، أي مرفوعة على الأسرة، أي ليست مفروشة في الأرض. ويجوز أن يراد بالفُرُش الأسرّة من تسمية الشيء باسم ما يحل فيه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 27- وأصحاب اليمين لا يعلم أحد ما جزاء أصحاب اليمين. 28، 29، 30، 31، 32، 33، 34- فى شجر من النبق مقطوع شوكه، وشجر من الموز متراكب ثمره بعضه فوق بعض، وظل منبسط لا يذهب، وماء منصب فى آنيتهم حيث شاءوه، وفاكهة كثيرة الأنواع والأصناف لا مقطوعة فى وقت من الأوقات، ولا ممنوعة عمن يُريدها، وفرش عالية ناعمة. 35، 36، 37، 38- إنا ابتدأنا خلق الحور العين ابتداءً، فخلقناهن أبكاراً محببات إلى أزواجهن متقاربات فى السن، مهيئات لنعيم أصحاب اليمين. 39، 40- أصحاب اليمين جماعة كثيرة من الأمم السابقة، وجماعة كثيرة من أمة محمد. 41- وأصحاب الشمال لا يدرى أحد ما فيه أصحاب الشمال من العذاب. 42، 43، 44- فى ريح حارة تنفذ فى المسام وتحيط بهم، وماء مُتَناه فى الحرارة يشربونه ويصب على رءوسهم، وفى ظل من دخان حار شديد السواد. لا بارد يخفف حرارة الجو، ولا كريم يعود عليهم بالنفع إذا استنشقوه. 45- إنهم كانوا قبل هذا العذاب مسرفين فى الاستمتاع بنعيم الدنيا. لاهين عن طاعة الله تعالى. 46- وكانوا يصمِّمون دائماً على الذنب العظيم الجرم. حيث أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت. &
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وأصحاب اليمين ما أصحاب: هذا شروع في ذكر الزوج الثاني من الأزواج الثلاثة فذكر السابقين وما أعد لهم وهذا ذِكرٌ لأصحاب اليمين وما أعد لهم من نعيم مقيم. في سدر مخضود: في شجر السدر وثمرهُ النبق ومخضود لا شوك فيه. وطلح منضود: أي شجر موز منضود الحمل من أعلاه إلى أسفله فليس له ساق بارزة. وظل ممدود: أي دائم إذ لا شمس تنسخه وإن ظل شجرة في الجنة يسير الراكب فيه مائة سنة لا يقطعه. وماء مسكوب: أي مصبوب لا يحتاج المتنعم بأن يصبه بيده بل هو سائل في غير أخدود أو أنبوب. لا مقطوعة ولا ممنوعة: أي غير مقطوعة في زمن، ولا ممنوعة بثمن. إنا أنشأناهن إنشاء: أي الحور العين اللائي تقدم ذكرهن في قوله وحور عين. إذْ كانت الواحدة منهن في الدنيا عجوزاً شمطاء عمشاء رمصاء فأنشأها ربها إنشاء جديداً بِكْراً تتغنج وتتعشق عرباء تتودد لزوجها وتتحبب. فجعلناهن أبكاراً: الواحدة بكر وهي التي لم تفتض بكارتها بعد وتسمى العذراء. عُرباً: الواحدة عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل. أتراباً: أي مستويات في السن الواحدة يقال لها تِربٌ والجمع أتراب. لأصحاب اليمين: وهم الذين يؤخذ بهم في عرصات القيامة ذات اليمين وهم أهل الإِيمان في الدنيا والعمل الصالح فيها. ثلة من الأولين: أي من الأمم السابقة. وثلة من الآخرين: أي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في عرض أحوال الآخرة وذكر ما لكل صنف من أصناف الناس الثلاثة من سابقين وأصحاب يمين وأصحاب شمال فقال تعالى {وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ} وهم الذين إذا وقفوا في عرصات القيامة أُخذ بهم ذات اليمين وهم أهل الإِيمان والتقوى في الدنيا وقوله تعالى: {مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ} تفخيم لشأنهم وإعلان عن كرامتهم ثم بيّن ذلك بقوله: {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} إنهم في هذا النعيم الدائم المقيم إنهم يتفكهون بالنبق الذي هو أحلى من العسل وأنعم من الزبد شجره مخضود الشوك لا شوك به، ويتفكهون بالطلح أي ثمره وهو الموز، والماء المصبوب الجاري، والفاكهة الكثيرة التي لا تقطع بالفصول الزمانية كما هي الحال في فاكهة الدنيا يوجد منها في الصيف ما لا يوجد في الشتاء مثلا ولا ممنوعة بثمن غال ولا رخيص وفي فرش مرفوعة عالية علو الدرجات التي هي فيها وقوله: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً} يعني الحور العين اللائي سبق في الآيات ذكرهن منهن من أنشأهن الله إنشاء لم يسبق لهن خلق ووجود، ومنهن نساء الدنيا فقد كانت فيهن السوداء والعمشاء والرمصاء والعجوز فيعيد تعالى إنشاءهن فيجعلهن من بين الحور العين كأنهن اللؤلؤ المكنون، وقوله {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً} عذارى لم يمسهن قبل أزواجهن إنس ولا جان عُربا أتراباً العروب هي المتحببة إلى زوجها العاشقة له المتغنجة والأتراب المتساويات في السن، وترب الإِنسان من وُلد معه في وقت واحد فمس جلده التراب مع مس التراب جلدك وقوله لأصحاب اليمين أي أنشأ هؤلاء الحور العين لأجل أصحاب اليمين ليستمتعوا بهن. وقوله {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} أي من الأمم الماضية {وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} أي من هذه الأمة المسلمة اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم وادخلنا الجنة معهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان إكرام الله وإنعامه على المؤمنين المتقين. 2- بيان أن العجوز في الدنيا إذا دخلت الجنة تصير شابة حسناء حوراء عروباً. 3- تقرير أن ثمن الجنة الإِيمان والتقوى فلا دخل للحسب ولا للنسب والأول كالآخر على حد سواء فيها.
القطان
تفسير : السِدر: شجر يحمل ثمراً يقال له النَبْق. مخضود: لا شوك فيه. الطَّلح: الموز. منضود: منسق. ممدود: ممتد بشكل لطيف. مسكوب: مصبوب يسكب لهم كما يشاؤون. مرفوعة: عالية. عُرُبا: جمع عَروب، وهي المرأة الصالحة المتوددة الى زوجها. اترابا: متساويات في السن. يبيّن الله تعالى هنا حالَ أصحابِ اليمين بعد أن بين مراتبَ المقرَّبين السابقين، ويذكر أنهم في جنات الخلد حيث يوجد شجر السِدر الذي يحمل النبق وهو بلا شوك، وفيها شجر الموز المنسق {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ}. وفيها ظلٌّ ممدود لا يَغيب، وماءٌ مسكوبٌ في آنيتهم حيث شاءوه، وفاكهة كثيرةُ الأنواع والأصناف، دائمة لا تنقطع، وغير ممنوعة على من يريدها في اي وقت، وفُرُشٌ منضّدة مرتفعة ناعمة مريحة. وقد أعد الله لأصحاب اليمين مع كلّ هذه النعم الحورَ العِين، فجعلهن أبكاراً، محبَّبات الى أزواجهن، لطيفاتٍ مطيعات، متقاربات في السن. واصحاب اليمين جماعاتٌ كثيرة من الأمم السابقة، ومن أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قراءات: قرأ حمزة وابو بكر: عربا بضم العين واسكان الراء. والباقون: عربا: بضم العين والراء وهما لغتان.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَصْحَابُ} (27) - أَمَّا الأَبْرَارُ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ - وَهُمْ أَدْنَى مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ مِنَ المُقَرَّبِينََ - فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي حَالٍ رَفِيعَةٍ مِنْ عُلوِّ الشَّأْنِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ثم ذكر نعيم أصحاب اليمين فقال: { وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ } أي: شأنهم عظيم، وحالهم جسيم. { فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ } أي: مقطوع ما فيه من الشوك والأغصان [الرديئة] المضرة، مجعول مكان ذلك الثمر الطيب، وللسدر من الخواص، الظل الظليل، وراحة الجسم فيه. { وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ } والطلح معروف، وهو شجر [كبار] يكون بالبادية، تنضد أغصانه من الثمر اللذيذ الشهي. { وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ } أي: كثير من العيون والأنهار السارحة، والمياه المتدفقة. { وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ } أي: ليست بمنزلة فاكهة الدنيا تنقطع في وقت من الأوقات، وتكون ممتنعة [أي: متعسرة] على مبتغيها، بل هي على الدوام موجودة، وجناها قريب يتناوله العبد على أي حال يكون. { وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ } أي: مرفوعة فوق الأسرة ارتفاعا عظيما، وتلك الفرش من الحرير والذهب واللؤلؤ وما لا يعلمه إلا الله. { إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً } أي: إنا أنشأنا نساء أهل الجنة نشأة غير النشأة التي كانت في الدنيا، نشأة كاملة لا تقبل الفناء. { فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا } صغارهن وكبارهن. وعموم ذلك، يشمل الحور العين ونساء أهل الدنيا، وأن هذا الوصف -وهو البكارة- ملازم لهن في جميع الأحوال، كما أن كونهن { عُرُبًا أَتْرَابًا } ملازم لهن في كل حال، والعروب: هي المرأة المتحببة إلى بعلها بحسن لفظها، وحسن هيئتها ودلالها وجمالها [ومحبتها]، فهي التي إن تكلمت سبت العقول، وود السامع أن كلامها لا ينقضي، خصوصا عند غنائهن بتلك الأصوات الرخيمة والنغمات المطربة، وإن نظر إلى أدبها وسمتها ودلها ملأت قلب بعلها فرحا وسرورا، وإن برزت من محل إلى آخر، امتلأ ذلك الموضع منها ريحا طيبا ونورا، ويدخل في ذلك الغنجة عند الجماع. والأتراب اللاتي على سن واحدة، ثلاث وثلاثين سنة، التي هي غاية ما يتمنى ونهاية سن الشباب، فنساؤهم عرب أتراب، متفقات مؤتلفات، راضيات مرضيات، لا يحزن ولا يحزن، بل هن أفراح النفوس، وقرة العيون، وجلاء الأبصار. { لأصْحَابِ الْيَمِينِ } أي: معدات لهم مهيئات. { ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ } أي: هذا القسم من أصحاب اليمين عدد كثير من الأولين، وعدد كثير من الآخرين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):