Verse. 502 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَلْيَخْشَ الَّذِيْنَ لَوْ تَرَكُوْا مِنْ خَلْفِھِمْ ذُرِّيَّۃً ضِعٰفًا خَافُوْا عَلَيْھِمْ۝۰۠ فَلْيَتَّقُوا اللہَ وَلْيَقُوْلُوْا قَوْلًا سَدِيْدًا۝۹
Walyakhsha allatheena law tarakoo min khalfihim thurriyyatan diAAafan khafoo AAalayhim falyattaqoo Allaha walyaqooloo qawlan sadeedan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولْيخش» أي ليخف على اليتامى «الذين لو تركوا» أي قاربوا أن يتركوا «من خلفهم» أي بعد موتهم «ذرية ضعافا» أولاد صغارا «خافوا عليهم» الضياع «فليتقوا الله» في أمر اليتامى وليأتوا إليهم ما يحبون أن يفعل بذريتهم من بعدهم «ولْيقولوا» للميت «قولا سديدا» صوابا بأن يأمروه أن يتصدق بدون ثلثه ويدع الباقي لورثته ولا يتركهم عالة.

9

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الجملة الشرطية وهو قوله: {لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـٰفاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ } هي صلة لقوله: {ٱلَّذِينَ } والمعنى: وليخش الذين من صفتهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم وأما الذي يخشى عليه فغير منصوص عليه، وسنذكر وجوه المفسرين فيه. المسألة الثانية: لا شك أن قوله: {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـٰفاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ } يوجب الاحتياط للذرية الضعاف، وللمفسرين فيه وجوه: الأول: أن هذا خطاب مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون: ان ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا، فأوص بمالك لفلان وفلان، ولا يزالون يأمرونه بالوصية الى الأجانب الى أن لا يبقى من ماله للورثة شيء أصلا، فقيل لهم: كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم في الضعف والجوع من غير مال، فاخشوا الله ولا تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الضعفاء من ماله. وحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك، فلا ترضه لأخيك المسلم. عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». تفسير : والقول الثاني: قال حبيب بن أبي ثابت: سألت مقسما عن هذه الآية فقال: هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب، فيقول له من كان عنده: اتق الله وأمسك على ولدك مالك، مع أن ذلك الانسان يحب أن يوصي له، ففي القول الأول الآية محمولة على نهي الحاضرين عن الترغيب في الوصية، وفي القول الثاني محمولة على نهي الحاضرين عن النهي عن الوصية، والأولى أولى، لأن قوله: {لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـٰفاً } أشبه بالوجه الأول وأقرب اليه. والقول الثالث: يحتمل أن تكون الآية خطابا لمن قرب أجله، ويكون المقصود نهيه عن تكثير الوصية لئلا تبقى ورثته ضائعين جائعين بعد موته، ثم إن كانت هذه الآية إنما نزلت قبل تقدير الوصية بالثلث، كان المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث، كان المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث. كان المراد منها أن يوصي أيضا بالثلث، بل ينقص إذا خاف على ذريته والمروي عن كثير من الصحابة أنهم وصوا بالقليل لأجل ذلك، وكانوا يقولون: الخمس أفضل من الربع، والربع أفضل من الثلث، وخبر سعد يدل عليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الثلث والثلث كثير لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس». تفسير : والقول الرابع: أن هذا أمر لأولياء اليتيم، فكأنه تعالى قال: وليخش من يخاف على ولده بعد موته أن يضيع مال اليتيم الضعيف الذي هو ذرية غيره إذا كان في حجره، والمقصود من الآية على هذا الوجه أن يبعثه سبحانه وتعالى على حفظ ماله، وأن يترك نفسه في حفظه والاحتياط في ذلك بمنزلة ما يحبه من غيره في ذريته لو خلفهم وخلف لهم مالا. قال القاضي: وهذا أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام، فجعل تعالى آخر ما دعاهم إلى حفظ مال اليتيم أن ينبههم على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها، ولا شك أنه من أقوى الدواعي والبواعث في هذا المقصود. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف»: قرىء ضعفاء، وضعافى، وضعافى: نحو سكارى وسكارى. قال الواحدي: قرأ حمزة {ضِعَـٰفاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ } بالامالة فيهما ثم قال: ووجه إمالة ضعاف أن ما كان على وزن فعال، وكان أوله حرفا مستعلياً مكسوراً نحو ضعاف، وغلاب، وخباب، يحسن فيه الامالة، وذلك لأنه تصعد بالحرف المستعلي ثم انحدر بالكسرة، فيستحب أن لا يتصعد بالتفخيم بعد الكسر حتى يوجد الصوت على طريقة واحدة، وأما الامالة في {خَافُواْ } فهي حسنة لأنها تطلب الكسرة التي في خفت، ثم قال: {فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } وهو كالتقرير لما تقدم، فكأنه قال: فليتقوا الله في الأمر الذي تقدم ذكره والاحتياط فيه، وليقولوا قولا سديدا إذا أرادوا بعث غيرهم على فعل وعمل، والقول السديد هو العدل والصواب من القول. قال صاحب «الكشاف»: القول السديد من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى، ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالترحيب وإذا خاطبوهم قالوا يا بني، يا ولدي، والقول السديد من الجالسين إلى المريض أن يقولوا: إذا أردت الوصية لا تسرف في وصيتك ولا تجحف بأولادك، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد والقول السديد من الورثة حال قسمة الميراث للحاضرين الذين لا يرثون، أن يلطفوا القول لهم ويخصوهم بالاكرام.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ} حذفت الألف من «ليخش» للجزم بالأمر، ولا يجوز عند سيبويه إضمار لام الأمر قياساً على حروف الجر إلا في ضرورة الشعر. وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم؛ وأنشد الجميع: شعر : محمدُ تَفْدِ نفسَك كلُّ نفس إذا ما خِفْتَ مِنْ شيء تَبَالا تفسير : أراد لتفْدِ، ومفعول «يَخْشَ» محذوف لدلالة الكلام عليه. و {خَافُواْ} جواب «لو». التقدير لو تركوا لخافوا. ويجوز حذف اللام في جواب «لو». وهذه الآية قد اختلف العلماء في تأويلها؛ فقالت طائفة: هذا وعظٌ للأوصياء، أي ٱفعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم؛ قاله ابن عباس. ولهذا قال الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً}. وقالت طائفة: المراد جميع الناس، أمرهم بٱتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس؛ وإن لم يكونوا في حجورهم. وأن يُسدّدوا لهم القول كما يريد كل واحد منهم أن يُفعَل بولده بعده. ومِن هذا ما حكاه الشيبانيّ قال: كنا على قُسْطَنْطِينِيّة في عسكر مَسْلمة بن عبد الملك، فجلسنا يوماً في جماعة من أهل العلم فيهم ٱبن الدَّيْلَمِيّ، فتذاكروا ما يكون من أهوال آخر الزمان. فقلت له: يا أبا بِشر، وُدّي ألاّ يكون لي ولد. فقال لي: ما عليك ٰ ما من نَسَمة قضى الله بخروجها من رجل إلا خرجت، أحَبّ أو كَرِه، ولكن إذا أردت أن تأمن عليهم فٱتق الله في غيرهم؛ ثم تلا الآية. وفي رواية: ألاَ أدلّك على أمر إن أنت أدركته نجّاك الله منه، وإن تركت ولداً من بعدك حفظهم الله فيك؟ فقلت: بلى ٰ فتلا هذه الآية {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ} إلى آخرها. قلت: ومن هذا المعنى ما روى محمد بن كعب القُرَظيّ عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : من أحسن الصدقةَ جاز على الصراط ومن قضى حاجة أرْمَلة أخلف الله في ترِكَته » تفسير : . وقول ثالث قاله جمع من المفسرين: هذا في الرجل يحضره الموت فيقول له مَن بحضرته عند وصيته: إن الله سيرزق ولدك فٱنظر لنفسك، وأوص بمالك في سبيل الله، وتصدّق وأعتق. حتى يأتي على عامّة ماله أو يستغرقه فيضر ذلك بورثته؛ فنُهوا عن ذلك. فكأن الآية تقول لهم: كما تخشون على ورثتكم وذرّيتكم بعدكم، فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم ولا تحملوه على تبذير ماله؛ قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن جبير والضحاك ومجاهد. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: إذا حضر الرجل الوصية فلا ينبغي أن يقول أوصِ بمالك فإن الله تعالى رازق ولدك، ولكن يقول قدّم لنفسك واترك لولدك؛ فذلك قوله تعالى: {فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ}. وقال مِقسم وحضرمِيّ: نزلت في عكس هذا، وهو أن يقول للمحتضَر من يحضره: أمسك على ورثتك، وأبقِ لولدك فليس أحد أحق بمالك من أولادك، وينهاه عن الوصية، فيتضرر بذلك ذوو القربى وكل من يستحق أن يوصى له؛ فقيل لهم: كما تخشون على ذرّيتكم وتسرون بأن يحسن إليهم، فكذلك سدّدوا القول في جهة المساكين واليتامى، واتقوا الله في ضررهم. وهذان القولان مبنيان على وقت وجوب الوصية قبل نزول آية المواريث؛ روي عن سعيد بن جبير وابن المسيب. قال ابن عطية: وهذان القولان لا يطّرد واحد منهما في كل الناس، بل الناس صنفان؛ يصلح لأحدهما القول الواحد، ولآخر القول الثاني. وذلك أن الرجل إذا ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية، ويحمل على أن يقدّم لنفسه. وإذا ترك ورثة ضعفاء مهملين مقِلّين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط؛ فإنّ أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين، فالمراعاة إنما هو الضعف فيجب أن يُمال معه. قلت: وهذا التفصيل صحيح؛حديث : لقوله عليه السلام لسعد: «إنك أن تَذَرْ ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون الناس» تفسير : . فإن لم يكن للإنسان ولد، أو كان وهو غنيّ مستقل بنفسه وماله عن أبيه فقد أمِن عليه؛ فالأَولى بالإنسان حينئذٍ تقديم ماله بين يديه حتى لا ينفقه من بعده فيما لا يصلح، فيكون وزره عليه. الثانية ـ قوله تعالى: {وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} السديد: العدل والصواب من القول؛ أي مُرُوا المريض بأن يُخرج من ماله ما عليه من الحقوق الواجبة، ثم يوصي لقرابته بقدر (مّا) لا يضر بورثته الصغار. وقيل: المعنى قولوا للميت قولاً عدلاً، وهو أن يلقِّنه بلا إله إلا الله، لا يأمره بذلك، ولكن يقول ذلك في نفسه حتى يسمع منه ويتلقّن. هكذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : لقنوا موتاكم لا إلۤه إلا الله »تفسير : ولم يقل مُروهم؛ لأنه لو أمر بذلك لعله يغضب ويجحد. وقيل: المراد اليتيم؛ أن لا ينهروه ولا يستخفوا به.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلْيَخْشَ } أي ليخف على اليتامى {ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ } أي قاربوا أن يتركوا {مِّنْ خَلْفِهِمْ } أي بعد موتهم {ذُرّيَّةً ضِعَٰفاً } أولاداً صغاراً {خَافُواْ عَلَيْهِمْ } الضياع {فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ } في أمر اليتامى وليأتوا إليهم ما يحبون أن يفعل بذرّيتهم من بعدهم {وَلِيَقُولُواْ } للميّت {قَوْلاً سَدِيداً } صواباً بأن يأمروه أن يتصَّدق بدون ثلثه ويدع الباقي لورثته ولا يتركهم عالة.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ} يحضرون الموصي أن يأمروه بالوصية بماله فيمن لا يرثه بل يأمرونه بإبقاء ماله لورثته كما يؤثرون ذلك لأنفسهم، أو أمر بذلك الأوصياء أن يحسنوا إلى الموصى عليه كما يؤثرون ذلك في أولادهم، أو من خاف الأذى على ذريته بعده وأحب أن يكف الله ـ تعالى ـ عنهم الأذى فليتق الله ـ تعالى ـ في قوله وفعله، أو أمر به الذين ينهون الموصي عن الوصية لأقاربه ليبقى ماله لولده، وهم لو كانوا أقرباء الموصي لآثروا أن يوصي لهم.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً} يعني أولاداً صغاراً {خافوا عليهم} يعني الفقر قيل هذا خطاب للذين يجلسون عند المريض وقد حضره الموت فيقول له انظر لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئاً قدم لنفسك أعتق وتصدق وأعط فلا يزالون به حتى يأتي على عامة ماله فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بأن يأمروه بالنظر لولده ولا يزيد على الثلث في وصيته ولا يجحف. والمعنى كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم في الضعف والجوع من غير مال فاخشوا الله ولا تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الصغار من ماله وحاصل هذا الكلام كما أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك فلا ترضه لأخيك المسلم. وكما أنه لو كان هذا القائل هو الموصي لسره أن يحثه من يحضره على حفظ ماله لولده ولا يدعهم عالى يتكففون الناس مع ضعفهم وعجزهم. وقيل هو الرجل يحضره الموت ويريد أن يوصي بشيء فيقول له من حضره من الرجال اتق الله وأمسك أموالك لولدك فيمنعونه من الوصية لأقاربه المحتاجين وقيل الآية يحتمل أن تكون خطاباً لمن حضر أجله ويكون المقصود نهيه عن تكثير الوصية لئلا تبقى ورثته فقراء ضعافاً ضائعين بعد موته. ثم إن كانت هذه الآية نزلت قبل تقدير الثلث كان المراد منها أن لا يجعل الوصية مستغرقة للتركة وإن كانت قد نزلت بعد تقدير الثلث كان المراد منها أن يوصي بالثلث أو بأقل منه إذا خاف عل ورثته كما روى عن كثير من الصحابة أنهم أوصوا بالقليل لأجل ذلك وكانوا يقولون الخمس في الوصية أفضل من الربع والربع أفضل من الثلث. وقد ورد في الصحيح الثلث والثلث كثير لأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس يعني يسألونهم بأكفهم وقيل هو خطاب لأولياء اليتامى والمعنى وليخش من خاف على ولده من بعد موته أن يضيع مال اليتيم الضعيف الذي هو ذرية غيره إذا كان في حجره والمقصود من الآية أن من كان في حجره يتيم فليحسن إليه وليه أو وصيه وليفعل به ما يحب أن يفعل بأولاده من بعده {فليتقوا الله} يعني في الأمر الذي تقدم ذكره {وليقولوا قولاً سديداً} يعني عدلاً وصواباً فالقول السديد من الجالسين عند المريض هو أن يأمروه أن يتصدق بدون الثلث ويترك الباقي لولده ورثته وأن لا يحيف في وصيته. والقول السديد من الأوصياء وأولياء اليتامى أن يكلموهم كما يكلمون أولادهم ولا يؤذوهم بقول ولا فعل قوله عز وجل: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً} قال مقاتل وابن حبان نزلت في رجل من غطفان يقاله له مرثد بن زيد ولي مال يتيم وكان اليتيم ابن أخيه فأكله فأنزل الله هذه الآية {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً} يعني حراماً بغير حق {إنما يأكلون في بطونهم ناراً} يعني سيأكلون يوم القيامة فسمي الذين يأكلون ناراً بما يؤول إليه أمرهم يوم القيامة. قال السدي يبعث آكل مال اليتيم ظلماً يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأذنيه وعينيه وأنفه يعرفه من رآه بآكل مال اليتيم. وفي حديث أبي سعيد الخدري قال حدثني النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال حديث : نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار يخرج من أسافلهم قلت يا جبريل من هؤلاء قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراًتفسير : . وقيل إنما ذكر أكل النار على سبيل التمثيل والتوسع في الكلام والمراد أن أكل مال اليتيم ظلماً يفضي به إلى النار وإنما خص الأكل بالذكر وإن كان المراد سائر أنواع الإتلافات وجميع التصرفات الرديئة المتلفة للمال لأن الضرر يحصل بكل ذلك لليتيم. فعبر عن جميع ذلك بالأكل لأنه معظم المقصود وإنما ذكر البطون للتأكيد فهو كقولك رأيت بعيني وسمعت بأذني {وسيصلون سعيراً} يعني بأكلهم أموال اليتامى ظلماً والسعير النار الموقدة المسعرة. ولما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس واحترزوا من مخالطة اليتامى وأموالهم بالكلية فشق ذلك على اليتامى فنزل قوله تعالى: {أية : وإن تخالطوهم فإخوانكم}تفسير : [البقرة: 220] وقد توهم بعضهم أن قوله وإن تخالطوهم ناسخ لهذه الآية وهذا غلط ممن توهمه لأن هذه الآية واردة في المنع من أكل أموال اليتامى ظلماً وهذا لا يصير منسوخاً لأن أكل مال اليتيم بغير حق من أعظم الآثام وقوله: وإن تخالطوهم فإخوانكم وارد على سبيل الإصلاح في أموال اليتامى والإحسان إليهم وهو من أعظم القرب.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ...} الآية: ٱختلف، مَنِ المرادِ في هذه الآيةِ؟ فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: المرادُ: مَنْ حَضَر ميتاً حين يوصِّي، فيقول له: قَدِّم لنفسكَ، وأعْطِ لفلانٍ وفلانٍ، ويؤذِي الورثَةَ بذلك، فكأنَّ الآية تَقُولُ لهم: كَمَا كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ علَىٰ ورثَتِكُمْ وذرِّيَّتكم بَعْدَكُم، فكذلك فٱخْشَوا علَىٰ ورثة غَيْرِكُمْ، ولا تَحْمِلُوه علَىٰ تبذيرِ مالِهِ، وتَرْكِهِمْ عالَةً، وقال مقسَم وحضرميٌّ: نزلَتْ في عكسِ ذلك، وهو أنْ يقول للمُحْتَضَرِ: أمْسِكْ علَىٰ ورثَتِكَ، وأَبْقِ لِوَلَدِكَ، ويَنْهَاهُ عَنِ الوصيَّة، فيضرّ بذلك ذوي القربَىٰ، واليتامَىٰ، والمساكينَ، وكلَّ من يستحقُّ أن يوصَىٰ له؛ فقيل لهم: كما كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ علَىٰ ذرِّيتكم، وتُسِرُّون بأنْ يحسن إلَيْهم؛ فكذلك فَسَدِّدوا القَوْلَ في جهة اليتامَىٰ والمساكين. قال * ع *: والقولانِ لاَ يَطَّرِدَانِ في كلِّ الناس، بل الناسُ صِنْفَانِ؛ يصلُح لأحدهما القَوْلُ الواحدُ، وللآخَرِ القولُ الثَّاني؛ وذلك أنَّ الرجل، إذا ترك ورثةً أغنياء، حَسُنَ أنْ يُنُدَبَ إلى الوصية، ويُحْمَلَ علَىٰ أنْ يقدِّم لنفسه، وإذا ترك ورثةً ضعفاء مقلِّين، حَسُن أنُ يُنْدَبَ إلَى التَّرْكِ لهم، والاحتياطِ؛ فإنَّ أجْره في قَصْد ذلك كأجره في المَسَاكينِ، فالمُرَاعَىٰ إنما هو الضَّعْفُ، فيجب أنْ يُمَالَ معه. وقال ابنُ عَبَّاس أيضاً: المرادُ بالآية: ولاة الأيْتَامِ، فالمعنَىٰ: أحسنوا إلَيْهم، وسدِّدوا القول لهم، واتقوا اللَّه في أكْل أموالهم؛ كما تخافُونَ علَىٰ ذُرِّيَّتِكُمْ أَنْ يُفْعَلَ بهم خِلافُ ذلك. وقالَتْ: فرقةٌ: بل المرادُ جميعُ الناسِ، فالمعنَىٰ: أمرهم بالتقوَىٰ في الأيْتَامِ، وَأَوْلاَد النَّاسِ، والتَّسْديد لهم في القَوْل، وإن لم يكُونُوا في حُجُورهم؛ كما يريدُ كُلَّ أحدٍ أنْ يَفْعَلَ بولده بَعْده، والسديدُ: معناه: المُصِيبُ للحَقِّ.

ابن عادل

تفسير : قرأ الجمهور بسكون اللاَّم في الأفعال الثَّلاَثَةِ وهي لام الأمر، والفعل بعدها مجزومٌ بها، وقرأ الحَسَنُ وعيسى بْنُ عُمَرَ بكسر اللامِ في الأفْعَالِ الثَّلاثة وهو الأصل، والإسكان تخفيفٌ إجراءً للمنفصل مُجْرى المتصل، فإنهم شَبَّهوا "وليخش" بـ "كَيف" وهذا ما تَقَدَّمَ الكلام في نحو: "وهْيَ" و "لَهْي" في أول البقرة. قال القرطبي: حذفت الأولف من {وَلْيَخْشَ} للجزم بالأمر، ولا يجوز عند سِيبَويْه إضمار لام الأمر قياساً على حروف الجرّ إلاّ ضرورة شعر، وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم. وأنشدوا: [الوافر] شعر : 1759- مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ إذَا مَا خِفْتَ مِنْ شَيءٍ تَبَالاَ تفسير : أراد لتفد وهو مفعل "يخشى" محذوف لدلالة الكلام عليه، و "لو" هذه فيها احتمالان: أحدهما: أنَّهَا على بابها من كونها حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره أو حرف امتناع لامتناع على اختلاف العبارتين. والثَّانِي: أنَّهَا بمعنى "إن" الشَّرطية وإلى الاحتمال الأوَّل ذهب ابْنُ عطيّة والزَّمخشري. قال الزَّمخشريُّ: فإن قلت ما معنى وقوع {لَوْ تَرَكُواْ} وجوابه صلة لـ "الذين" قلت: معناه: وليخش الَّذِينَ صفتهم وحالهم أنَّهُمْ لو شارفوا أن يتركوا خَلْفَهُمْ ذريّة ضِعافاً، وذلك عند احتضارهم خَافُوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم كما قال القائل: [الوافر] شعر : 1760- لَقَدْ زَادَ الحَيَاةَ إليَّ حُبّاً بَنَاتِي إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِ أُحَاذِرُ أنْ يَرَيْنَ البُؤسَ بَعْدِي وَأنْ يَشْرَبْنَ رَنْقاً بَعْدَ صَافِي تفسير : وقال ابن عطية تقديره: لو تركوا لخَافُوا، ويجوزُ حذف اللام من جواب "لو" ووجه التمسك بهذه العبارة أنَّهُ جعل اللامَ مقدَّرَةً في جوابها، ولو كانت "لَوْ" بمعنى "إن" الشَّرطيّة لما جاز ذلك، وقد صَرَّح غيرهما بذلك فقال: {لَوْ تَرَكُواْ} "لَوْ" يمتنع بها الشَّيء لامتناع غيره، و "خَافُوا" جوابُ "لَوْ". وإلى الاحتمال الثَّانِي ذهب أبو البقاءِ وابنُ مَالِكٍ، قال ابْنُ مَالِكٍ: "لو" هنا شرطية بمعنى "إنْ" فتقلب الماضي إلى معنى الاستقبال، والتَّقدير: وليخش الذين إنْ تركوا ولو وقع بعد "لو" هذه مضارع كان مستقبلاً كما يكونُ بَعْدَ "إنْ" وأنشد: [الكامل] شعر : 1761- لاَ يُلْفِكَ الرَّاجُوكَ إلاَّ مُظْهِراً خُلُقَ الكِرَام وَلَوْ تَكُونُ عَدِيمَا تفسير : أي: وإنْ تكن عديماً، ومثلُ هذا البيت قول الآخر: [البسيط] شعر : 1762- قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بأطْهَارِ تفسير : والَّذي ينبغي أن تكون على بابها كونها تعليقاً في الماضي، وَإِنَّمَا حمل ابْنُ مالك، وَأبَا البقاء على جَعْلِها بمعنى "إنْ" توهُّمُ أنَّه لَمَّا أمر بالخشيةِ - والأمرُ مستقبل ومتعلِّقُ الأمر موصول لم يصحّ أن تكون الصِّلةُ ماضية على تقدير دلالته على العدم الذي ينافي امتثالَ الأمر، وحَسَّنَ مكانَ "لو" لفظ "إنْ" ولأجل هذا التوهُّم لم يُدْخل الزمخشري "لَوْ" على فعل مستقبل، بل أتى بفعل ماضٍ مسندٍ للموصول حالةَ الأمر فقال: "وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا". قال أبُو حَيَّان: "وهو الَّذي تَوهَّموه لا يلزم، إلاَّ إن كانت الصِّلةُ ماضيةً في المعنى واقعةً بالفعل، إذا معنى {لو تركوا من خلفهم} أي: ماتوا فتركوا من خلفهم، فلو كان كذلك للزم التَّأويلُ في "لَوْ" أن تكون بمعنى "إنْ" إذ لا يجامع الأمر بإيقاع فعل مَنْ مات بالفعل، فَإذَا كَانَ مَاضياً على تقدير فَيَصِحُّ أن يقع صِلَةً وأن يكون العاملُ في الموصول الفعل المستقبل نحو قولك: ليزرْنَا الذي لو مات أمسِ لبكيناه". انتهى. وَأمَّا البيتان المتقدّمان فلا يلزمُ من صحَّةِ جَعْلِهَا فيهما بمعنى "إنْ" أنْ تكن في الآية كذلك؛ لأنَّا في البيتين نضطر إلى ذلك، أمَّا البيتُ الأوَّلُ فلأن جواب "لو" محذوف مدلولٌ عليه بقوله: "لا يلفك" وهو نَهْيٌ، والنًّهْيُ مستقبلٌ فلذلك كانت "لَوْ" تعليقاً في المستقبل. وأمَّا البيت الثَّاني فلدخول ما بعدها في حَيزِ "إذا"، و "إذا" للمستقبل. ومفعول {وَلْيَخْشَ} محذوفٌ أي: وليخش اللَّه. ويجوز أن تكون المسألةُ من باب التَّنَازُع فإنَّ {وَلْيَخْشَ} يطلبُ الجلالة، وكذلك {فَلْيَتَّقُواّ} فيكون من إعمال الثَّاني للحذف من الأوَّلِ. قوله: {مِنْ خَلْفِهِمْ} فيه وجهان: أظهرهما: أنَّهُ متعلِّقٌ بـ "تَرَكُوا" ظرفاً له. والثَّاني: أنَّه مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ لأنَّه حالٌ من "ذرية"؛ لأنَّه في الأصل صفة نكرة قُدِّمَتْ عليها فَجُعِلَتْ حالاً. قوله: {ضِعَافاً}، أمال حمزة: ألف {ضِعَافاً} ولم يبال بحرف الاستعلاء لانكساره ففيه انحدارٌ فلم ينافِِرِ الإمالةَ. وقرأ ابن مُحَيْصِنٍ "ضُعُفاً" بضمِّ الضَادِ والعين وتنوين الفاء، والسُّلمي وعائشة "ضعفاء" بضم الضاد وفتح العين والمد، وهو جمع مَقِيسٌ في فعيل صفةً نحو: ظَرِيفٍ وَظُرَفاء وكَرِيم وكرماء، وقرئ "ضَعافَى" بالفتح والإمالة نحو: سَكَارى، وظاهر عبارةِ الزَّمخشري أنَّهُ قُرِئَ "ضُعافى" بضمِّ الضَّادِ مثل سُكارى فَإِنَّهُ قال: "وقُرِئَ ضُعَفَاء، وضَعافى وضُعافى نحو سَكارى وسُكارى", فيحتمل أنْ يريد أنَّهُ قُرِئَ بضمّ الضَّادِ وفتحها، ويحتمل أن يُرِيدَ أنََّهُ قُرِئَ "ضَعافى" بفتح الضَّاد دونَ إمَالَةٍ، و "ضَعافَى" بفتحها مع الإمالة [كَسَكارى بفتح اسلين دون إمالة، وسكارى بفتحها مع الإمالة]، والظَّاهِرُ الأوَّلُ، والغالب على الظَّنِّ أنَّهَا لم تُنْقل قراءة. قوله: {خَافُواْ عَلَيْهِمْ}. أمَالَ حمزةُ ألف "خَافُوا" للكسرة المقدَّرَةِ في الألف، إذ الأصل "خَوِفَ" بكسر العين؛ بدليلِ فتحها في المُضَارعِ نحو: "يَخَافُ". وعلَّل أبو البَقَاءِ وغيره ذلك بأنَّ الكَسْرَ قد يَعْرِض في حال من الأحوال وذلك إذَا أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّم، أو إحدى أخواته نحو: خِفْت وخِفْنَا، والجملةُ من "لَوْ" وجوابها صلةُ "الَّذينَ". فصل اختلفوا في المعنيِّ على أقْوَالٍ: أحدها: أنَّهَا في الرَّجُلِ يحضره الموت فيقول مَنْ في حضرته: انظر لنفسك فَإنَّ أولادك ورثتك لا يغنون عنك من اللَّهِ شيئاً. قَدِّم لنفسك، أعْتِقْ، وتصدَّقْ، وأعْطِ فلاناً كَذَا، وفلاناً كذا، حتَّى يأتي على عامَّة ماله، فنهاهم اللَّهُ تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يأمروه بأن ينظر لولده ولا يزيد في وصيَّتِهِ على الثُّلُثِ فيكون خطاباً للحاضرين عند الميت. فقيل لهم: كما أنَّكم تكرهون بقاء أولادكم في الضَّعف، والجوع فَاخْشَوا اللَّهَ، ولا تحملوا المريض على أنْ يحرم أولاده الضُّعفاء ماله، ومعناه كما أنَّك لا ترضى لنفسك مثل هذا الفعل فلا تَرْضَاهُ لأخيك المسلم. وثانيها: أنَّهُ خِطَابٌ للمريض بحضرة الموت ويريد الوصيَّة للأجانب، فيقول له من يحضره: اتَّق اللَّه وأمسك مالك على ولدك مع أنَّ القَائِلَ لَهُ يجب أنْ يُوصِيَ لَهُ. وثالثها: أنَّهُ خِطَابٌ لمن قرب أجله ويكون المقصود نهيه عن تكثير الوصيَّة، لئلا تضيع ورثته بعد مَوْتِهِ، فَإنْ كانت هذه الآية نزلت قبل تَقْدِيرِ الوصيَّة بالثُّلُثِ، كان المرادُ بها ألا يستغرق التركةَ بالوصيَّةِ، وَإنْ كانت نزلت بعد تقدير الوصيَّة بالثُّلُثِ كان المرادُ منها ألا يوصي أيضاً بالثُّلُث بل ينقص إذا خاف على ذُرّيّته، وهذا مَرْويٌّ عن كثير من الصَّحَابَة. رابعها: أنَّ هذا خطابٌ لأولياء اليتيم، قال الْكَلْبِيُّ: كَأَنَّهُ يقولُ مَنْ كان في حِجْرِهِ فليحسن إليْه بما يجب أن يُفْعَلَ بذريته من بعده. قال القاضي: وهذا أليقُ بما تَقَدَّمَ وتأخَّرَ من الآيات الواردة في الأيْتَام. قوله: {فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً}. أي فليتقوا اللَّه في الأمر الذي تقدم ذكره، والاحتياط فيه، وليقولوا قولاً سديداً، والقولُ السديدُ هو العدل والصّواب من القول. قال الزمخشريُّ: القولُ السَّديدُ من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالترحيب ويخاطبوهم: يا بني، ويا ولدي، والقول السّديد من الجالسين إلى المريض أن يقولوا: لا تسرف في وصيتك ولا تجحف بأولادك [مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لِسَعْدٍ] والقول السَّديد من الوَرَثَة حال قسمة الميراث للحاضرين الذين لا يرثون أن يلطفوا إليهم القول ويخصوهم بالإكرام.

البقاعي

تفسير : ولما أعاد الوصية باليتامى مرة بعد أخرى، وختم بالأمر بالإنة القول، وكان للتصوير في التأثير في النفس ما ليس لغيره؛ أعاد الوصية بهم لضعفهم مصوراً لحالهم مبيناً أن القول المعروف هو الصواب الذي لا خلل فيه فقال: {وليخش} أي يوقع الخشية على ذرية غيرهم {الذين} وذكر لهم حالاً هو جدير بإيقاع الخشية في قلوبهم فقال: {لو تركوا} أي شارفوا الترك بموت أو هرم، وصوّر حالهم وحققه بقوله: {من خلفهم} أي بعد موتهم أو عجزهم العجز الذي هو كموتهم {ذرية} أي أولاداً من ذكور أو إناث {ضعافاً} أي لصغر أو غيره {خافوا عليهم} أي جور الجائرين. ولما تسبب عن ذلك التصور في أنفسهم خوفهم على ذرية غيرهم كما يخافون على ذريتهم سواء كانوا أوصياء أو أولياء أو أجانب، وكان هذا الخوف ربما أداهم في قصد نفعهم إلى جور على غيرهم؛ أمر بما يحفظهم على الصراط السوي بقوله: {فليتقوا} وعبر بالاسم الأعظم إرشاداً إلى استحضار جميع عظمته فقال: {الله} أي فليعدلوا في أمرهم ليقيِّض الله لهم من يعدل في ذريتهم، وإلا أوشك أن يسلط على ذريتهم من يجور عليهم {وليقولوا} أي في ذلك وغيره {قولاً سديداً *} أي عدلاً قاصداً صواباً، ليدل هذا الظاهر على صلاح ما أتمره من الباطن. ولما طال التحذير والزجر والتهويل في شأن اليتامى، وكان ذلك ربما أوجب النفرة من مخالطتهم رأساً فتضيع مصالحهم؛ وصل بذلك ما بين أن ذلك خاص بالظالم في سياق موجب لزيادة التحذير فقال مؤكداً لما كان قد رسخ في نفوسهم من الاستهانة بأموالهم: {إن الذين} ولما كان الأكل أعظم مقاصد الإنسان عبر به عن جميع الأغراض فقال: {يأكلون أموال اليتامى ظلماَ} أي أكلاً هو في غير موضعه بغير دليل يدل عليه، فهو كفعل من يمشي في الظلام، ثم أتبعه ما زاده تأكيداً بالتحذير في سياق الحصر فقال: {إنما يأكلون} أي في الحال, وصور الأكل وحققه بقوله: {في بطونهم ناراً} أي تحرق المعاني الباطنية التي تكون بها قوام الإنسانية, وبين أنها على حقيقتها في الدنيا, ولكنا لا نحسها الآن لأنها غير النار المعهودة في الظاهر بقوله - مكرراً التحذير مبيناً بقراءة الجماعة بالبناء للفاعل أنهم يلجؤون إليها إلجاء يصيّرهم كأنهم يدخلونها بأنفسهم: {وسيصلون} أي في الآخرة - بوعيد حتم لا خلف فيه {سعيراً *} أي عظيماً هو نهاية في العظمة، وذلك هو معنى ابن عامر وعاصم بالبناء للمجهول، أي يلجئهم إلى صليها ملجىء قاهر لا يقدرون على نوع دفاع له.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وليخش الذين لو تركوا‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ هذا في الرجل يحضر الرجل عند موته فيسمعه يوصي وصية يضر بورثته، فأمر الله الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ يعني الرجل يحضره الموت فيقال له‏:‏ تصدق من مالك وأعتق وأعط منه في سبيل الله، فنهوا أن يأمروا بذلك‏.‏ يعني أن من حضر منكم مريضاً عند الموت فلا يأمره أن ينفق ماله في العتق، أو في الصدقة، أو في سبيل الله، ولكن يأمره أن يبين ماله وما عليه من دين، ويوصي من ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون، يوصي لهم بالخمس أو الربع‏.‏ يقول‏:‏ ليس لأحدكم إذا مات وله ولد ضعاف - يعني صغاراً - أن يتركهم بغير مال فيكونون عيالاً على الناس، ولا ينبغي لكم أن تأمروه بما لا ترضون به لأنفسكم ولأولادكم، ولكن قولوا الحق في ذلك‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية يعني بذلك الرجل يموت وله أولاد صغار ضعاف يخاف عليهم العيلة والضيعة، ويخاف بعده أن لا يحسن إليهم من يليهم يقول‏:‏ فإن ولي مثل ذريته ضعافاً يتامى فليحسن إليهم، ولا يأكل أموالهم إسرافاً وبداراً أن يكبروا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ إذا حضر الرجل عند الوصية فليس ينبغي أن يقال‏:‏ أوص بمالك فإن الله رازق ولدك، ولكن يقال له‏:‏ قدم لنفسك واترك لولدك‏.‏ فذلك القول السديد، فإن الذي يأمر بهذا يخاف على نفسه العيلة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وآدم والبيهقي عن مجاهد في الآية قال‏:‏ كان الرجل إذا حضر يقال له‏:‏ أوص لفلان، أوص لفلان، وافعل كذا وافعل كذا حتى يضر ذلك بورثته‏.‏ فقال الله ‏ {‏وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم‏} ‏ قال‏:‏ لينظروا لورثة هذا كما ينظر هذا لورثة نفسه، فليتقوا الله، وليأمروه بالعدل والحق‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏ {‏وليخش الذين لو تركوا من خلفهم‏} ‏ يعني من بعد موتهم ‏ {‏ذرية ضعافا‏ً} ‏ يعني عجزة لا حيلة لهم ‏{‏خافوا عليهم‏} ‏ يعني على ولد الميت الضيعة كما يخافون على ولد أنفسهم ‏ {‏فليتقوا الله وليقولوا‏} ‏ للميت إذا جلسوا إليه ‏ {‏قولاً سديداً‏} ‏ يعني عدلاً في وصيته فلا يجور‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الشيباني قال‏:‏ كنا بالقسطنطينية أيام مسلمة بن عبد الملك وفينا ابن محيريز، وابن الديلمي، وهانئ بن كلثوم، فجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان، فضقت ذرعاً بما سمعت فقلت لابن الديلمي‏:‏ يا أبا بشر يودّني أنه لا يولد لي ولد أبداً‏.‏ فضرب بيده على منكبي وقال‏:‏ يا ابن أخي لا تفعل، فإنه ليست من نسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل الاَّ وهي خارجة إن شاء وإن أبى‏.‏ قال‏:‏ ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه، وإن تركت ولدك من بعدك حفظهم الله فيك‏؟‏ قلت‏:‏ بلى‏.‏ فتلا عليّ هذه الآية ‏ {‏وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : اتقوا الله في الضعيفين‏:‏ اليتيم، والمرأة، أيتمه ثم أوصى به، وابتلاه وابتلى به‏ "‏‏.‏

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً} [الآية: 9]. قيل: استعينوا على كثرة العيال وقلة ذات اليد بالتقوى، فإنه الذى يجبر الكسر ويغنى الفقير. وقال جعفر بن محمد الصادق رحمه الله: الصدق والتقوى يزيدان فى الرزق ويوسعان المعيشة. قال الله عز وجل: {فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} [الآية: 9].

القشيري

تفسير : بَيَّنَ في هذه الآية أن الذي ينبغي للمسلم أن يدخره لعياله التقوى والصلاح لا المال؛ لأنه لم يقل فليجمعوا المال وليكثروا لهم العقار وليخلفوا الأثاث بل قال: {فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ} فإنه يتولى الصالحين.

البقلي

تفسير : ندب الله سبحانه عباده عند مفارقتهم الدنيا الى ان يوصوا اولادهم بتقوى الله وتوحيده وتحببهم له وحثهم بالشوق الى لقائه والقول المعروف وصف الله وذكر افضاله وانعامه بتقوى الله فى ذلك ان يداهنوهم فيما يروا منهم من الميل الى غير الله وان يعطيهم تقويهم بالميراث فاذا كانوا متفقين فان الله خلقهم فى اولادهم وهكذا شان المشائخ عند مفارقتهم من المريدين الى دار الاخرة حتى لايخففوا عنهم اسرار المقامات والحالات ويكلوهم الى الله بعزائم التوكل وتحقيق اليقين فانه لا سبيل الشيطان اليهم بعدهم قيل استعينوا على كثرة العيال وقلة ذات اليد بالتقوى فانه الذى يجبر الكسير ويغنى الفقير وقال جعفر بن محمد الصدق والتقوى يزيدان فى الرزق ويوسعان المعيشية قال الله تعالى فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا وقال الاستاد فى هذه الأية ان الذى ينبغى للمسلم ان يدخر لعياله التقوى الصلاح لا المال لانه لم يقل فليجمعوا المال وليكثروا لهم العقار والاسباب ويخلفوا العقل والاثاث بل قال فليتقوا الله فانه يتولى الصالحين وقد وقع لى قول أخر وهو ان المرء يطلب فى طول عمره الاموال الكثيرة ويذخرها لاولاده حتى يموت وهم يعيشون بها فان اله سبحانه علم نيته انه يكل اولاده الى المال والميراث فحذره من ذلك وامره بتقوى الله فان نيته فى ذلك منازعة قدره فان الله تعالى يفعل بهم ما يشاء من تيوكل على الله فهو حسبه وهو خلفه بعده.

اسماعيل حقي

تفسير : {وليخش الذين} صفتهم وحالهم انهم {لو تركوا} اى لو شارفوا ان يتركوا {من خلفهم} اى بعد موتهم {ذرية ضعافا} اولادا عجزة لا غنى لهم وذلك عند احتضارهم {خافوا عليهم} اى الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم والفقر والتكفف والمراد بالذين هم الاوصياء امروا ان يخشوا الله فيخافوا على من فى حجورهم من اليتامى وليشفقوا عليهم خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافا وشفقتهم عليهم وان يقدروا ذلك فى انفسهم ويصوروه حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة والرحمة {فليتقوا الله} فى ذرارى غيرهم {وليقولوا قولا سديدا} اى وليقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولادهم بالشفقة وحسن الادب والترهيب ويدعوهم بيابنى ويا ولدى ولا يؤذوهم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: ــ هنا ــ شرطية، تخلص للاستقبال، وجوابها: {خافوا}، وحذف مفعول {يخشى} للعموم، فيصدق بخشية العذاب وخشية العتاب وخشية البعد عن الأحباب، على حساب حال المخاطبين بهذه الخشية. يقول الحقّ جلّ جلاله: للأوصياء الذين في ولايتهم أولاد الناس: {وليخش} الذين يتولون يتامى الناس، فليحفظوا مالهم، وليحسنوا تنميته لهم ولا يضيعوه، وليخافوا عليهم الضيعة، كما يخافون على أولادهم، فإنهم لو ماتوا وتركوا {ذرية ضعافًا خافوا عليهم}، فكما يخافون على أولادهم بعدهم كذلك يخافون على أولاد الناس، {فليتقوا الله} في شأنهم، وليحفظوا عليهم أموالهم، وليرفقوا بهم ويلاطفوهم في الكلام، كما يُحبون أن يلاطف بأولادهم، {وليقولوا} لهم {قولاً سديدًا} أي: عدلاً صوابًا بالشفقة وحسن الأدب. وقيل: الخطاب لمن حضر المريض عند الإيصاء فيقولون له: قدم لنفسك، أعتق، تصدق، أعط كذا، حتى يستغرق ماله، فنهاهم الحق ــ تعالى ــ عن ذلك، وقال لهم: كما تخافون الضيعة على أولادكم بعدكم خافوا على أولاد الناس، فليتقوا الله في أمر المريض بإعطاء ماله كله، {وليقولوا قولاً سديدًا}: عدلاً، وهو الثلث، وقيل: للمؤمنين كلهم عند موتهم، بأن ينظروا للورثة، فلا يسرفوا في الوصية بمجاوزة الثلث. والله تعالى أعلم. الإشارة: أمر الحق ــ جل جلاله ــ أهل التربية النبوية إذا خافوا على أولادهم الروحانيين أن ينقطعوا بعد موتهم، أن يمدوهم بالمدد الأبهر، ويدلوهم على الغني الأكبر، حتى يتركوهم أغنياء بالله، قد اكتفوا عن كل أحد سواه، مخافة أن يسقطوا بعد موتهم في يد من يلعب بهم، فليتقوا الله في شأنهم، وليدلوهم على ربهم، وهو القول السديد. وينسحب حكمها على أولاد البشرية، فمن خاف على أولاده بعد موته، فليتق الله وليكثر من طاعة الله، وليحسن إلى عباد الله، في أشباحهم وأرواحهم أما أشباحهم فيُطعمهم مما خوله الله، ففي بعض الأثر عنه عليه الصلاة والسلام: " حديث : ما أحْسَنَ عَبْدٌ الصَّدَقَةَ في مَاله إلا أحْسَنَ اللهُ الخِلافَةَ عَلَى تَرِكَته " تفسير : . وأما الإحسان إلى أرواحهم، فيدلهم على الله، ويرشدهم إلى طاعة الله، ويعلمهم أحكام دين الله. فمن فعل هذا تولى الله حفظ ذريته من بعده، فيعيشون في حفظ ورعاية وعز ونصر، كما هو مشاهد في أولاد الصالحين، قال تعالى: {أية : وَهُوَ يَتَوَلَّى الْصَّالِحِينَ} تفسير : [الأعرَاف:196]، وتذكر قوله تعالى: {أية : وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} تفسير : [الكهف:82]. وقال القشيري في هذه الآية: إن الذي ينبغي للمسلم أن يدخر لعياله التقوى والصلاح، لا المال، لأنه لم يقل فليجمعوا لهم المال، وليكثروا لهم العقار والأسباب، وليخلفوا العبيد والأثاث، بل قال: {فليتقوا الله} فإنه يتولى الصالحين. هـ المراد منه.

الطوسي

تفسير : المعنى: قيل في معنى الآية أربعة أقوال: أحدها - النهي عن الوصية بما يجحف بالورثة، ويضرّ بهم، هذا قول ابن عباس، في بعض الروايات، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدي، والضحاك، ومجاهد. الثاني - قال الحسن: كان الرجل يكون عند الميت فيقول: أوص بأكثر من الثلث من مالك، فنهاه الله عن ذلك. الثالث - روي عن ابن عباس: أنه خطاب لولي مال اليتيم، يأمره بأداء الأمانة فيه، والقيام بحفظه، كما لو خاف على مخلفيه، إذا كانوا ضعافا، وأحب أن يفعل بهم. الرابع - قال مقسم: هي في حرمان ذوي القربى أن يوصي لهم، بأن يقول الحاضر للوصية: لا توص لأقاربك، ووفر على ورثتك. اللغة: والذرية: على وزن فعلية، منسوبة إلى الذر، ويجوز أن يكون أصلها ذرورة، لكن الراء أبدلت ياء، وأدغمت الواو فيها، وهي بضم الذال، ويجوز فيها كسرها، وقد قرئ به في الشواذ، ومن كسر الذال فلكسرة الراء، كما قالوا في عَتى عِتي، وعِصي، وضعاف: جمع ضعيف وضعيفة، كقولك: ظريف وظريفة وظراف، وخبيث وخباث، ويجمع أيضاً ضعفاء. وأصل الضعاف من الضعف، وهو النقص في القوة، ومنه المضاعف، لأنه ينفي الضعف، ومنه الضعف. وقوله: {فليتقوا الله} يعني: فليتقوا معاصيه، {وليقولوا قولاً سديداً} وهو السليم من خلل الفساد، وذلك الحق بالدعاء إلى العدل في القسم بما لا يجحف بالورثة، ولا يحرم ذوي القربي، وأصل السديد من سد الخلل، تقول: سددته أسده سدا، والسداد: الصواب، والسداد - بكسر السين - من قولهم: فيه سداد من عوز، وسدد السهم: إذا قومه، والسُّد الردم، والسدة في الأنف. المعنى: ومعنى الآية، أنه ينبغي للمؤمن الذي لو ترك ذرية ضعافا بعد موته، خاف عليهم الفقر والضياع، أن يخشى على ورثة غيره من الفقر والضياع، ولا يقول لمن يحضر وصيته أن يوصي بما يضر بورثته، وليتق الله في ذلك، وليتق الاضرار بورثة المؤمن، وليقل قولا سديدا، ولذلك نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يوصى بأكثر من الثلث، وقال: "والثلث كثير" وقال لسعد "حديث : لأن تدع ورثتك أغنياء أحب الي من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم ".

الجنابذي

تفسير : {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ} فانّ الدّار دار مكافاة وليعلموا انّ ما يدينون به فى يتامى الغير يدانون به في يتاماهم {فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ} فى الخيانة فى حقّهم والتّوانى فى تربيتهم والخشونة فى القول معهم {وَلْيَقُولُواْ} لهم {قَوْلاً سَدِيداً} لا يجرئهم على عدم الانقياد ولا يزجرهم زائداً على قدر تربيتهم، هذا تهديد عن المكافاة في حقّ الاولاد.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلْيَخْشَ الذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ} أي بعد موتهم. {فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً}. ذكروا عن عطاء عن ابن عباس قال: إذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فليحثهم على أن يعطوهم، وليَخَفْ عليهم كما يخاف إذا ترك ذرية ضعافاً. وكان بعضهم يقول: من حضر ميتاً فليأمره بالعدل والإِحسان ولينهه عن الحيف. ذكروا عن سعيد بن جبير أنه قال: يحضرهم اليتيم والمسكين فيقولون له: اتق الله وصِلهم وأعطهم، ولو كانوا هم لأحبوا أن ينفعوا أولادهم، ولا يَجُرْ في وصيته، وليخش على عياله ما كان خائفاً على عياله إذا حضره الموت. وقال بعضهم: إذا رأوه قد أوصى فأكثر أمروه أن يعدل، ولا يجحف بورثته. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز من الوصيَّة الثلث. ذكروا أن علياً دخل على رجل من قومه يعوده فأراد أن يوصي، فقال له علي: إنما قال الله: (أية : إِن تَرَكَ خَيْراً) تفسير : [البقرة:180] وأنت مُقِلّ لا مال لك. قوله: {إِنَّ الذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً} أي يذهبون به لا يريدون رده، أي استحلالاً له. {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَونَ سَعِيراً}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري به فقال: حديث : أتيت على رجال يلقم أحدهم الحجر فيخرج من دبره. قال: فقلت: من هؤلاء يا جبريل، قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً أو سيصلون سعيراً تفسير : . وتفسير الحسن: إنما يأكلون فيه ناراً. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أكل مال اليتيم من الكبائر .

اطفيش

تفسير : {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ}: بموتهم. {مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً}: وقرئ ضعفاء، وضعافاً بضم ضاده وضعافاً بفتحه. {خَافُواْ عَلَيْهِمْ}: من الضياع. {فَلْيَتَّقُواّ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً}: هذا كله متصل بالقول المعروف، ولتأخذ الشفقة الذين يرثون مال البيت، أو الموجودين عند المحتضر أو كلهم، على الأقارب واليتامى والمساكين، فيقولوا للمحتضر: أوصِ لهؤلاء بشىء ثم الورثة يعطونهم بعد موت الموروث شيئاً بعد قولهم ذلك لأن فى طبعهم أن يرقوا على ذريتهم الضعاف، ويحبوا أن لا يصيبهم جوع وعراء بعدهم، فكذلك فليرقوا على غيرهم من الفقراء الذين هم أقارب المحتضر، ومن اليتامى والمساكين والمحتضر داخل فى الخطاب بالحسنية، كذلك فيوصى لهؤلاء لأنه إما أن يكون لا ذرية ضعاف له، فيصح أن يقال لو ترك ذرية ضعافاً، وإما أن تكون له ذرية ضعاف فيصح أن يقال له: لو ترك ذرية ضعافاً، لأنه لما يمت فليس فى حالة ترك لهم، والذرية الضعاف صغار الأولاد البله، والأولاد المجانين، والأولاد المرضى، والأولاد الفقراء والأولاد الذين لا يحتالون فى الكسب. والاتقاء فى حقهم: الإيصاء لهم، والأمر بالإيصاء لهم: الإعطاء. والقول السديد: ما يطيب قلوبهم، وهو قول معروف أو القول: إن الله غنى كريم لا يضيع من خلق، واتقوا الله يرزقكم، واصبروا تؤجروا وترزقوا ونحو ذلك، وقيل: الخطاب للورثة أمرهم أن يعطوا القرابة، ومن ذكر عند القسمة، كما يحبون أن تعطى ذريتهم الضعاف، وقيل: الخطاب لحاضرى الميت والذرية الضعاف الأولاد الصغار والاتقاء: أن يفعلوا لذرية غيرهم ما يحبون أن يفعل بذريتهم بعدهم، والقول السديد: أى الصدر، أن يأمروا الميت أن يوصى لهم لا يتركهم بلا وصية، وبأن يكون إيصاؤه بالثلث وما دونه بأن يأمروه بالتوبة، وكلمة الشهادة وترك الإسراف ولا يترك ورثته عالة، بأن يوصى باحتيال بما ينفذ مما فوق الثلث، مثل أن يقول: إن على كذا وكذا لفلان، وليس عليه، أو عليه دون ما ذكره، وأن لا يموت على وصية أراد بها منع وارثه من المال ولو كانت لا تنفذ، مثل أن يوصى بما فوق الثلث، على نية منعه، وقال ابن عباس: المراد بالآية ولاة اليتامى، أى: أحسنوا إليهم واتقوا الله فى أكل مالهم، وقال ابن عباس: هذا تحذير للذين يحضرون عند الميت ويقولون له أوص لفلان بكذا، وأعط فلاناً كذا، وقدم لنفسك، وقولهم ذلك يضر الورثة، أى ليخش الحاضرون القائلون ذلك مضرة الورثة بتبديل موروثهم وتركه إياهم عالة، كما يخشون على ورثتهم الضعاف، وهو ذريتهم أن يكونوا بعدهم عالة، قد بذر عنهم المال، وقيل: بعكس ذلك، وهو أن يقول الحاضرون للميت: أمسك على ورثتك؟ وأبق لولدك فلا يوصى لقرابته واليتامى والمساكين ولا يعطيهم، فيضرونهم بقولهم، ويضرون كل من يستحق الوصية، أى كما تخشون على ذريتكم الضعاف، فاخشوا على ذرية غيركم، وعلى اليتامى والمساكين ومستحق الوصية من القرابة وغيرهم، لا تمنع الميت عما ينفعهم إلا ما لا يجوز للميت، فمن ترك ورثة أغنياء بمالهم أو بكثرة ماله، ندبه الحاضرون إلى الإيصاء لهؤلاء بما يجوز، ومن ترك ورثة فقراء لا يستغنون بماله، ندبوه إلى ترك الإيصاء إلا بواجب، ولكن إذا أراد الوصية بما يجوز لرجل معين فلا يمنعوه، ولو وشرطها وجوابها صلة الذين، ومفعول يخشى محذوف تقديره الضر على غير ذريتهم، أو الضياع يقدر بعد عليهم، أو بقدر {وليخش} الله الذين، وكذا مفعول خافوا، محذوف، أى خافوا الضياع أو الفقر، وجواب "لو" هو: خافوا عليهم، وظاهر أن الخوف عليهم يكون بعد موتهم، أعنى بعد موت الذين لو تركوا فأما أن يكون على ظاهره فإن الميت يهتم من قبره لولده، حتى روى أنه يسأل من لحق به من الأموات: هل باع ولدى داره؟، وإنا أن يؤول ترك الذرية بالمشارفة على تركها فيكون خوفهم عليها قبل الموت حين الاحتضار أو حين يمرضون مرضاً يوهم الموت، وفى تعليق الخشية بلو وما بعدها من شرط وجواب إلى أن المراد الترغيب فى الخشية من ضياع أولادهم غير، وإلى أن العلة أن من يخاف على ذريته، يخاف على ذرية غيره، وفى ذلك بعث على الرحمة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"تفسير : ، وفيه تهديد بأنه قد يفعل بذريتك من السوء ما تفعل بذرية غيرك منه كما قال الله جل وعلا فى بعض كتبه: يا ابن آدم كما تدين تدان، والتقوى ثمرة خشية الله، وجمعاً لخشية لأن لا تنفع بلا تقوى، والتقوى لا يحصل بلا خشية، فذلك جمع بين المبدى وهى الخشية والمنتهى وهى التقوى، وكان عند مرثد بن زيد بن غطفان مال ابن أخيه وهو يتيم فأكله، فنزل قوله تعالى وهو: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً}.

اطفيش

تفسير : {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا} قاربوا الترك بقرب موتهم، كالمحتضر، لأنهم لو ماتوا وتركوا لم يخشوا إلا أنه قد يكون إعتناء الميت من الآخرة على ولده، أو كأنه قيل: لو علموا أنهم يتركون، ولو قيل الاحتضار ونحوه من أمارات الموت {مِنْ خَلْفِهِمْ} بعد موتهم {ذُرِّيَّةً ضِعَافَا} بالطفولية أو الجنون أو المرض، {خَافُوا عَلَيْهِمْ} من الضياع، وذلك أمر للورثة بالشفقة على من حضر القسمة فيعطوهم، كما يشفقون على أولادهم مثلا، وأمر للأوصياء بأن يفعلوا فى نحو يتامى غيرهم ما يحبون أن يفعل فى نحو يتاماهم غيرهم، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" تفسير : ، فمن لا يحب الجوع والعُرْىَ لأولاده فكيف يحبهما لأولاد غيره، وأمر لحاضرى المريض عند الإيصاء أن يخشوا الله ويشفقوا على أولاده، وسائر الورثة أن يضرهم بصرفه المال إلى غيرهم، كما يشفقون على أولادهم، وفى الآية نهى للذين يجلسون إلى المريض فيقولون: إن أولادك لا يغنون عنك شيئا، فيجحف ماله بالوصايا، والصواب أن يأمروهم بأداء الفرض وبما تيسر معه، وقيل أمر للمؤمنين أن لا يسرفوا فى الوصية، وقد استحب السلف أن لا تبلغ الثلث، ويقولون الخمس أفضل من الربع، والربع أفضل من الثلث، وقد جاء الحديث: حديث : لأن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناستفسير : ، وما تركه الميت صدقة على ورثته {فَلْيَتَّقُوا اللهَ} تقريع على ما قبل، أمرهم بالتقوى أولا وآخراً تعميما، ولأن الأولى لا تنفع بدون الأخرى، فالاتقاء ثمرة الخشية، أعنى أنها توصل إلى الاتقاء، فهو غايتها {وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} لنحو اليتامى كما يقولون لأولادهم بالشفقة وحسن الأدب، أو ليقولوا قولا سديداً للمريض بما يصده عن السرف فى الوصية أو الخيانة، كما يوصى لوارث فى حق له بأكثر منه أو لغيره بأكثر من الثلث، موهماً أنه تباعة، وبتذكير التوبة والإيصار بالتباعات، وبكلمة الشهادة أو يحسنوا القول لحاضر القسمة، والسداد بالفتح الاستقامة، والصواب والعدل، وأما الكفاية فيقول فيها بالفتح والكسر والكسر أفصح.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـٰفاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ} فيه أقوال: أحدها: أنه أمر للأوصياء بأن / يخشوا الله تعالى أو يخافوا على أولادهم فيفعلوا مع اليتامى ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم وإلى ذلك يشير كلام ابن عباس، فقد أخرج ابن جرير عنه أنه قال في الآية: يعني بذلك الرجل يموت وله أولاد صغار ضعاف يخاف عليهم العيلة والضيعة ويخاف بعده أن لا يحسن إليهم من يليهم يقول: فإن وَليَ مثل ذريته ضعافاً يتامى فليحسن إليهم ولا يأكل أموالهم إسرافاً وبداراً أن يكبروا والآية على هذا مرتبطة بما قبلها لأن قوله تعالى: {أية : لّلرّجَالِ}تفسير : [النساء: 7] الخ في معنى الأمر للورثة أي اعطوهم حقهم دفعاً لأمر الجاهلية وليحفظ الأوصياء ما أعطوه ويخافوا عليهم كما يخافون على أولادهم، وقيل في وجه الارتباط: إن هذا وصية للأوصياء بحفظ الأيتام بعد ما ذكر الوارثين الشاملين للصغار والكبار على طريق التتميم، وقيل: إن الآية مرتبطة بقوله تعالى: {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ} تفسير : [النساء: 6]. وثانيها: أنه أمر لمن حضر المريض من العوّاد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم أو يخشوا أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه أن يضرّ بهم بصرف المال عنهم، ونسب نحو هذا إلى الحسن وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير. وروى عن ابن عباس أيضاً ما يؤيده، فقد: أخرج ابن أبـي حاتم والبيهقي عنه أنه قال في الآية: يعني الرجل يحضره الموت فيقال له: تصدق من مالك وأعتق وأعط منه في سبيل الله فنهوا أن يأمروا بذلك يعني أن من حضر منكم مريضاً عند الموت فلا يأمره أن ينفق من ماله في العتق أو في الصدقة أو في سبيل الله ولكن يأمره أن يبين ما له وما عليه من دين، ويوصي من ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون يوصي لهم بالخمس أو الربع يقول: أليس أحدكم إذا مات وله ولد ضعاف ـ يعني صغار ـ لا يرضى أن يتركهم بغير مال فيكونوا عيالاً على الناس؟ فلا ينبغي لكم أن تأمروه بما لا ترضون به لأنفسكم ولأولادكم ولكن قولوا الحق من ذلك، وعلى هذا يكون أول الكلام للأوصياء وما بعده للورثة، وهذا للأجانب بأن لا يتركوه يضرهم أو لا يأمروه بما يضر، فالآية مرتبطة بما قبلها أيضاً. وثالثها: أنه أمر للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافاً مثلهم هل يجوّزون حرمانهم، واتصال الكلام على هذا بما قبله ظاهر لأنه حث على الإيتاء لهم وأمرهم بأن يخافوا من حرمانهم كما يخافون من حرمان ضعاف ذريتهم، ورابعها: أمر للمؤمنين أن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية، وقد روي عن السلف أنهم كانوا يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث ويقولون: إن الخمس أفضل من الربع والربع أفضل من الثلث، وورد في الخبر ما يؤيده، وعلى هذا فالمراد من الذين المرضى وأصحاب الوصية أمرهم بعدم الإسراف في الوصية خوفاً على ذريتهم الضعاف، والقرينة عليه أنهم المشارفون لذلك ويكون التخويف من أكل مال اليتامى بعده تخويفاً عن أخذ ما زاد من الوصية فيرتبط به، ويكون متصلاً بما قبله تتميماً لأمر الأوصياء، والورثة بأمر مرضى المؤمنين، وهذا أبعد الوجوه وأبعد منه ما قيل: إنه أمر لمن حضر المريض بالشفقة على ذوي القربى بأن لا يقول للمريض لا توص لأقاربك ووفر على ذريتك، وأبعد من ذلك القول: بأنه أمر للقاسمين بالعدل بين الورثة في القسمة بأن لا يراعوا الكبير منهم فيعطوه الجيد من التركة ولا يلتفتوا إلى الصغير ولو بما في حيزه صلة الموصول كما قال غير واحد، ولما كانت الصلة يجب أن تكون قصة معلومة للخاطب ثابتة للموصول كالصفة قالوا: إنها هنا كذلك أيضاً وأن المعنى: وليخش الذين حالهم وصفتهم أنهم لو شارفوا أن يخلفوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم الضياع. وذهب الأجهوري وغيره إلى أن لو بمعنى إن فتقلب الماضي إلى الاستقبال، وأوجبوا حمل تركوا / على المشارفة ليصح وقوع خافوا جزاءاً له ضرورة أنه لا خوف بعد حقيقة الموت وترك الورثة، وفي ترتيب الأمر على الوصف المذكور في حيز الصلة المشعر بالعلية إشارة إلى أن المقصود من الأمر أن لا يضيعوا اليتامى حتى لا تضيع أولادهم، وفيه تهديد لهم بأنهم إن فعلوه أضاع الله أولادهم، ورمز إلى أنهم إن راعوا الأمر حفظ الله تعالى أولادهم، أخرج ابن جرير عن الشيباني قال: كنا في القسطنطينية أيام مسلمة بن عبد الملك وفينا ابن محيريز وابن الديلمي وهانىء بن كلثوم فجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان فضقت ذرعاً مما سمعت فقلت لابن الديلمي: يا أبا بشر يودني أنه لا يولد لي ولد أبداً فضرب بيده على منكبـي وقال: يا ابن أخي لا تفعل فإنه ليست من نسمة كتب الله أن تخرج من صلب رجل إلا وهي خارجة إن شاء وإن أبـى، ثم قال: ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله تعالى منه وإن تركت ولداً من بعدك حفظهم الله تعالى فيك؟ قلت: بلى فتلا {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ} الآية. وفي وصف الذرية بالضعاف بعث على الترحم والظاهر أن من خلفهم ظرف لتركوا، وفي التصريح به مبالغة في تهويل تلك الحالة، وجوز أن يكون حالاً من ذرية وضعافاً كما قال أبو البقاء: يقرأ بالتفخيم على الأصل وبالإمالة لأجل الكسرة، وجاز ذلك مع حرف الاستعلاء لأنه مكسور مقدم ففيه انحدار، وكذلك {خَافُواْ} يقرأ بالتفخيم على الأصل وبالإمالة لأن الخاء تنكسر في بعض الأحوال وهو خفت؛ وقرىء ـ ضعفاء، وضعافى وضعافى، نحو سكارى وسكارى. {فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ} في ذلك والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها وإنما أمرهم سبحانه بالتقوى التي هي غاية الخشية بعدما أمرهم بها مراعاة للمبدأ والمنتهى لما لم ينفع الأول بدون الثاني لم يقتصر عليه مع استلزامه له عادة {وَلْيَقُولُواْ} لليتامى أو للمريض أو لحاضري القسمة، أو ليقولوا في الوصية {قَوْلاً سَدِيداً} فيقول الوصي لليتيم ما يقول لولده من القول الجميل الهادي له إلى حسن الآداب ومحاسن الأفعال، ويقول عائد المريض ما يذكره التوبة والنطق بكلمة الشهادة وحسن الظن بالله، وما يصده عن الإشراف بالوصية وتضييع الورثة، ويقول الوارث لحاضر القسمة ما يزيل وحشته، أو يزيد مسرته ويقول الموصي في إيصائه ما لا يؤدي إلى تجاوز الثلث، والسديد ـ على ما قال الطبرسي ـ المصيب العدل الموافق للشرع، وقيل: ما لا خلل فيه، ويقال سدّ قوله يسدّ بالكسر إذا صار سديداً، وأنه ليسد في القول فهو مسدّ إذا كان يصيب السداد أي القصد، وأمر سديد وأسد أي قاصد، والسداد بالفتح الاستقامة والصواب، وكذلك السدد مقصور منه، وأما السداد بالكسر فالبلغة وما يسد به، ومنه قولهم: فيه سداد من عوز ـ قاله غير واحد ـ وفي «درّة الغواص في أوهام الخواص» أنهم يقولون: سداد من عوز فيفتحون السين ـ وهو لحن ـ والصواب الكسر، وتعقبه ابن بَرِّي بأنه وهم فإن يعقوب بن السكيت سوى بين الفتح والكسر في «إصلاح المنطق» في باب فعال وفعال بمعنى واحد، فقال: يقال سداد من عوز وسداد، وكذا حكاه ابن قتيبة في «أدب الكاتب»؛ وكذا في «الصحاح» إلا أنه زاد والكسر أفصح، نعم ذكر فيها أن سداد القارورة وسداد الثغور بالكسر لا غير، وأنشد قول العرجي:شعر : أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة (وسداد) ثغر تفسير : فليحفظ.

ابن عاشور

تفسير : موعظة لكلّ من أُمر أو نُهي أو حُذر أو رُغب في الآي السابقة، في شأن أموال اليتامى وأموال الضعاف من النساء والصبيان، فابتدِئَتْ الموعظة بالأمر بخشية الله تعالى أي خشية عذابه، ثم أعقب بإثارة شفقة الآباء على ذرّيتهم بأن يُنَزِّلوا أنفسهم منزلة الموروثين، الذين اعتَدَوا هُمْ على أموالهم، ويُنَزّلوا ذرّياتهم منزلة الذريّة الذين أكلوا هُم حقوقهم، وهذه الموعظة مبنية على قِيَاس قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يُحِبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه» تفسير : وزاد إثارة الشفقة التنبيهَ على أنّ المعتدي عليهم خلق ضعاف بقوله: {ضعافاً}، ثم أعقب بالرجوع إلى الغرض المنتقل منه وهو حفظ أموال اليتامى، بالتهديد على أكله بعذاب الآخرة بعد التهديد بسوء الحال في الدنيا. فيفهم من الكلام تعريض بالتهديد بأنّ نصيب أبناءهم مثلُ مَا فعلوه بأبناء غيرهم والأظهر أنّ مفعول (يخش) حذف لتذهب نفس السامع في تقديره كلّ مذهب محتمل، فينظر كلّ سامع بحسب الأهم عنده ممّا يخشاه أن يصيب ذرّيّته. وجملة {لو تركوا} إلى {خافوا عليهم} صلة الموصول، وجملة {خافوا عليهم} جواب (لو). وجيء بالموصول لأنّ الصلة لمّا كانت وصفا مفروضاً حسُن التعريف بها إذ المقصود تعريف مَن هذه حاله، وذلك كاف في التعريف للمخاطبين بالخشية إذ كلّ سامع يعرف مضمون هذه الصلة لو فرض حصولها له، إذ هي أمر يتصوّره كلّ الناس. ووجه اختيار (لو) هنا من بين أدوات الشرط أنّها هي الأداة الصالحة لفرض الشرط من غير تعرّض لإمكانه، فيصدق معها الشرط المتعذّر الوقوع والمستبعده والمُمْكِنُهُ: فالذين بلغوا اليأس من الولادة، ولهم أولاد كبار أو لا أولاد لهم، يدخلون في فرض هذا الشرط لأنّهم لو كان لهم أولاد صغار لخافوا عليهم، والذين لهم أولاد صغار أمرُهم أظْهَر. وفعل (تركوا) ماض مستعمل في مقاربة حصول الحدث مجازا بعلاقة الأول، كقوله تعالى: {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصيةٌ لأزواجهم} تفسير : [البقرة: 240] وقوله تعالى: {أية : لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم} تفسير : [الشعراء: 201] وقول الشاعر:شعر : إلى مَلِك كادَ الجبال لفقده تَزول زوال الراسيات من الصخر تفسير : أي وقاربت الراسيات الزوال إذ الخوف إنّما يكون عند مقاربة الموت لا بعد الموت. فالمعنى: لو شارَفُوا أن يتركوا ذرّيّة ضعافاً لخافوا عليهم من أولياء السوء. والمخاطب بالأمر من يصلح له من الأصناف المتقدمة: من الأوصياء، ومن الرجال الذين يحرمون النساء ميراثهن، ويحرمون صغار إخوتهم أو أبناء إخوتهم وأبناء أعمامهم من ميراث آبائهم، كلّ أولئك داخل في الأمر بالخشية، والتخويف بالموعظة، ولا يتعلّق هذا الخطاب بأصحاب الضمير في قوله: {أية : فارزقوهم منه} تفسير : [النساء: 8] لأنّ تلك الجملة وقعت كالاستطراد، ولأنّه لا علاقة لمضمونها بهذا التخويف. وفي الآية ما يبعث الناس كلّهم على أن يغضبوا للحقّ من الظلم، وأن يأخذوا على أيدي أولياء السوء، وأن يحرسوا أموال اليتامى ويبلغوا حقوق الضعفاء إليهم، لأنّهم إن أضاعوا ذلك يوشك أن يلحق أبناءهم وأموالهم مثل ذلك، وأنْ يأكل قويُّهم ضعيفهم، فإنّ اعتياد السوء ينسي الناس شناعته، ويكسب النفوس ضراوة على عمله. وتقدّم تفسير الذرّيّة عند قوله تعالى: {أية : ذرية بعضها من بعض} تفسير : في سورة آل عمران (34). وقوله: {فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً} فُرّع الأمرُ بالتقوى على الأمر بالخشية وإن كانا أمرين متقاربين: لأنّ الأمر الأول لمّا عضّد بالحجّة اعتبر كالحاصل فصحّ التفريع عليه، والمعنى: فليتقوا الله في أموال الناس وليحسنوا إليهم القول.

الواحدي

تفسير : {وليخش الذين لو تركوا...} الآية. أَيْ: وليخش مَنْ كان له وُلدٌ صغارٌ، خاف عليهم من بعده الضَّيعة أن يأمر الموصي بالإِسراف فيما يعطيه اليتامى والمساكين وأقاربه الذين لا يرثون، فيكون قد أمره بما لم يكن يفعله لو كان هو الميِّت، وهذا قبل أن تكون الوصية في الثُّلث، وقوله: {ذرية ضعافاً} أَيْ: صغاراً {خافوا عليهم} أي: الفقر {فليتقوا الله} فيما يقولون لمن حضره الموت {وليقولوا قولاً سديداً} عدلاً، وهو أن يأمره أن يخلِّف ماله لولده، ويتصدَّق بما دون الثُّلث أو الثُّلث، ثمَّ ذكر الوعيد على أكل مال اليتيم ظلماً، فقال: {إنَّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً...} الآية. تؤول عاقبته إلى النَّار {وسيصلون سعيراً} ناراً ذات تلهُّب، أَيْ: يُقاسون حرَّها وشدَّتها. {يوصيكم الله} أَيْ: يفرض عليكم؛ لأنَّ الوصية من الله فرضٌ {في أولادكم} الذُّكور والإِناث {للذكر مثل حظ الأنثيين فإنْ كُنَّ} أَي: الأولاد {نساءً فوق اثنتين} "فوق" ها هنا صلةٌ؛ لأنَّ الثِّنتين يرثان الثُّلثين بإجماعٍ اليوم، وهو قوله: {فلهن ثلثا ما ترك} ويجوز تسمية الاثنين بالجمع، {وإن كانت} المتروكة المُخلًّفة {واحدة فلها النصف} وتمَّ بيان ميراث الأولاد، ثمَّ قال: {ولأبويه} أَيْ: ولأبوي الميِّت {لكلِّ واحدٍ منهما السدس ممَّا ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولدٌ وورثه أبواه فلأمّه الثلث، فإن كان له} أَيْ: للميِّت {إخوة} يعني أخوين؛ لأنَّ الأُمَّة أجمعت أنَّ الأخوين يحجبان الأمَّ من الثُّلث إلى السُّدس، وقوله: {من بعد وصية} أَيْ: هذه الأنصباء إنما تُقسم بعد قضاء الدَّين، وإنفاذ وصية الميت {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقربُ لكم نفعاً} في الدُّنيا فتعطونه من الميراث ما يستحقُّ، ولكنَّ الله قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة، ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيُّهم أنفع لكم، فأفسدتم وضيَّعتم {إنَّ الله كان عليماً} بالأشياء قبل خلقها { حكيماً} فيما دبرَّ من الفرائض، وقوله: {وإن كان رجل يورث كلالة } الكلالة: مَنْ لا ولد له ولا والد، وكلُّ وارثٍ ليس بوالدٍ ولا ولد للميِّت فهو كلالة أيضاً، والكلالة في هذه الآية الميِّت، أَيْ: وإن مات رجلٌ ولا ولدَ له ولا والد {وله أخٌ أو أخت} يريد: من الأمِّ بإجماع من الأُمَّة {فلكلِّ واحدٍ منهما السدس} وهو فرضُ الواحد من ولد الأمِّ { فإن كانوا أكثر من} واحدٍ اشتركوا في الثُّلث. الذَّكر والأنثى فيه سواءٌ، وقوله: {غير مضارٍّ} أَيْ: مُدخلٍ الضَّرر على الورثة، وهو أَنْ يُوصي بدين ليس عليه، يريد بذلك ضرر الورثة {والله عليمٌ} فيما دبَّر من هذه الفرائض {حليمٌ} عمَّن عصاه بتأخير عقوبته.

القطان

تفسير : القول السديد: الحق الصواب. السعير: النار الحامية الملتهبة. تذكّروا أيها الأوصياء ذريتكم الضعاف من بعدكم، وكيف يكون حالهم بعد موتكم فعامِلوا اليتامى تحت وصايتكم بمثل ما تريدون ان يعامَل أبناؤكم., اتقوا الله في اليتامى وكلِّموهم برفق ولين كما تكلِّمون أولادكم. كذلك ليخشَ الذين يوصون من أموالهم للفقراء ان يتركوا شيئاً لأولادهم، وعلى من يحضرون عند مريض يريد ان يوصي بشيء من أمواله ان ينصحوه بأن يوصي بقسم قليل ويترك لورثته الباقي خشية حاجتهم من بعده. روى البخاري ان سعد بن أبي وقاص أراد ان يوصي بنصف ماله من بعده للفقراء، فنصحه النبي أن يوصي بالثلث وقال له: "ان الثلث ايضا كثير. وانك إن تذر ورثتك أغنياء خير من تذرهم عالةً يتكففون الناس". الحديث. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ....} هنا عاد سبحانه وتعالى الى التحذير بشدة من أكل أموال اليتامى فقال: ان الذين يظلمون اليتامى بأخذ أموالهم في غير حق، انما يأكلون في بطونهم النار التي سوف يتعذبون بها يوم القيامة. قراءات: قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم: "وسيصلون" بضم الياء، والباقون بفتحها.

د. أسعد حومد

تفسير : {ضِعَافاً} (9) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ فِي الرَّجُلِ تَحْضُرُهُ الوَفَاةُ فَيَسْمَعُهُ رَجُلٌ يُوصِي بِوَصِيَّةٍ تُضِرُّ بِوَرَثَتِهِ، فَأمَرَ اللهُ تَعَالَى الشَّخْصَ الذِي يَسْمَعُهُ أنْ يَتَّقِيَ الله، وَأنْ يَوَفِّقَهُ وَيُرْشِدَهُ إِلَى الصَّوَابِ، فَيَنْظُرَ لِوَرَثَتِهِ كَمَا يُحِبُّ هُوَ أنْ يُصْنَعَ بِوَرَثَتِهِ إذَا خَشِيَ الضَّيْعَةَ عَلَيهِمْ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِنَّكَ إنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ"تفسير : . (وَقِيل إنَّ هَذِهِ الآيَةَ أمْرٌ لِلأوْلِيَاءِ وَالأَوْصِيَاءِ بِأنْ يُعَامِلُوا مَنْ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنَ اليَتَامَى مُعَامَلَةً طَيِّبةً، كَمَا يُحِبُّون أنْ يُعَامِلَ غَيْرُهُمْ أوْلاَدَهُمْ لَوْ أنَّهُمْ مَاتُوا وَتَرَكُوا ذَرِّيَّةً ضُعَفَاءَ يَحْتَاجُونَ إلى مَنْ يَكُونُ وَلِيّاً أَوْ وَصِيّاً عَلَيْهِمْ، وَهُمْ يَخْشَوْنَ الضَّيْعَةَ عَلَيْهِمْ). ليَخْشَ - ليَخَفْ. قَوْلاً سَدِيداً - قَوْلاً صَوَاباً مُنْصِفاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والإنسان حين يترك ذرية ضعيفة يتركها وهو خائف عليهم أن يضيعهم الزمان. فإن كان عندك أيها المؤمن ذرية ضعيفة وتخاف عليها فساعة ترى ذرية ضعيفة تركها غيرك فلتعطف عليها، وذلك حتى يعطف الغير على ذريتك الضعيفة إن تركتها. واعلم أن ربنا رقيب وقيوم ولا يترك الخير الذي فعلته دون أن يردّه إلى ذريتك. وقلنا ذات مرة: إن معاوية وعَمرو بن العاص اجتمعا في أواخر حياتهما، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: يا أمير المؤمنين ماذا بقي لك من حظ الدنيا؟ وكان معاوية قد صار أميراً للمؤمنين ورئيس دولة قوية غنية، فقال معاوية: أما الطعام فقد مللت أطيبه، وأما اللباس فقد سئمت ألينه، وحظي الآن في شربة ماء بارد في ظل شجرة في يوم صائف. وصمت معاوية قليلاً وسأل عَمْراً: وأنت يا عمرو ماذا بقي لك من متع الدنيا؟. وكان سيدنا عمرو بن العاص صاحب عبقرية تجارية فقال: أنا حظي عين خرارة في أرض خوارة تدر عليّ حياتي ولولدي بعد مماتي. إنه يطلب عين ماء مستمر في أرض فيها أنعام وزروع تعطي الخير. وكان هناك خادم يخدمهما، يقدم لهما المشروبات، فنظر معاوية إلى الخادم وأحب أن يداعبه ليشركه معهما في الحديث. فقال للخادم: وأنت يا "وردان" ماذا بقي لك من متاع الدنيا؟ أجاب الخادم: بقي لي من متع الدنيا يا أمير المؤمنين صنيعة معروف أضعها في أعناق قومٍ كرام لا يؤدونها إليَّ طول حياتي حتى تكون لعقبي في عقبهم. لقد فهم الخادم عن الله قوله: {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} [النساء: 9]. فالذين يتقون الله في الذرية الضعيفة يضمنون أن الله سيرزقهم بمَنْ يتقي الله في ذريتهم الضعيفة. وقد تكلمنا مرة عن العبد الصالح الذي ذهب إليه موسى عليه السلام: {أية : قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً * قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً * فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} تفسير : [الكهف: 66-71]. لقد جرب العبد الصالح موسى في خرق السفينة - كما توضح الآيات - فقال العبد الصالح: {أية : قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} تفسير : [الكهف: 72-73]. ثم ما كان من أمر الغلام الذي قتله العبد الصالح وقول موسى له: {أية : لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} تفسير : [الكهف: 74]. ثم جاءا إلى أهل قرية فطلبا منهم الطعام، وحين يطلب منك ابن سبيل طعاماً فاعلم أنها الحاجة الملحة؛ لأنه لو طلب منك مالاً فقد تظن أنه يكتنز المال، ولكن إن طلب لقمة يأكلها فهذا أمر واجب عليك. فماذا فعل أهل القرية حين طلب العبد الصالح وموسى طعاماً لهما؟. يقول الحق: {أية : فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} تفسير : [الكهف: 77]. إنها قرية لئيمة، ووجد العبد الصالح في القرية جداراً يريد أن يسقط وينقض فأقامه، واعترض موسى؛ لأن عنده حفيظة على أهل القرية فقد طلبا منهم طعاماً فلم يطعموهما، وقال سيدنا موسى: إنك لو شئت لاتخذت عليه أجراً؛ لأن أهل القرية لئام، وما كان يصح أن تقيم لهم الجدار إلا إذا أخذت منهم أجراً. لقد غاب عن موسى ما لم يغَيِّب الله سبحانه عن العبد الصالح، فبالله لو أن الجدار وقع وهم لئام لا يطعمون من استطعمهم، ثم رأوا الكنز المتروك لليتامى المساكين، فلا بد أنهم سيغتصبون الكنز. إذن فعندما رأيت الجدار سيقع أقمته حتى أواري الكنز عن هؤلاء اللئام. ويقول الحق سبحانه: {أية : وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً} تفسير : [الكهف: 82]. إذن فالعلة في هذه العملية هي الحماية لليتيمين، ولنلق بالاً ولْنَهْتَمَّ بملاَحِظ النص، لا بد أن العبد الصالح قد أقام الجدار بأسلوب جَدَّد عمراً افتراضيا للجدار بحيث إذا بلغ اليتيمان الرشد وقع الجدار أمامهما؛ ليرى كلاهما الكنز، لقد تم بناء الجدار على مثال القنبلة الموقوتة بحيث إذا بلغا الرشد ينهار الجدار ليأخذا الكنز. إنه توقيت إلهي أراده الله؛ لأن والد اليتيمين كان صالحاً، اتقى الله فيما تحت يده فأرسل الله له جنوداً لا يعلمهم ولم يرتبهم ليحموا الكنز لولديه اليتيمين، لذلك فلنفهم جيداً في معاملتنا، قول الحق: {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} [النساء: 9]. لماذا؟ لأن الإنسان عندما يكون شاباً فذاتيته تكون هي الموجودة. لكن كلما تقدم الإنسان في السن تقدمت ذاتية أولاده عنده، ويحرم نفسه ليعطي أولاده، وعندما يرى أنّ عياله ما زالوا ضعافاً، وجاءت له مقدمات الموت فهو يحزن على مفارقة هؤلاء الضعاف، فيوضح الحق لكل عبد طريق الأمان: إنك تستطيع وأنت موجود أن تعطي للضعاف قوة، قوة مستمدة من الالتحام بمنهج الله وخاصة رعاية ما تحت يدك من يتامى، بذلك تؤمن حياة أولادك من بعدك وتموت وأنت مطمئن عليهم. والقول السديد من الأوصياء: ألاّ يؤذوا اليتامى، وأن يكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب ويدعوهم بقولهم يا بني ويا ولدي. وحين يتقى المؤمن الله فيما بين يديه يرزقه الله بمَنْ يتقي الله في أولاده. وما زال الحق يضع المنهج في أمر اليتامى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} معناهُ قَولٌ صَادِقٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : قيل: إن هذا خطاب لمن يحضر مَنْ حضره الموت وأجنف في وصيته، أن يأمره بالعدل في وصيته والمساواة فيها، بدليل قوله: { وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا } أي: سدادا، موافقا للقسط والمعروف. وأنهم يأمرون من يريد الوصية على أولاده بما يحبون معاملة أولادهم بعدهم. وقيل: إن المراد بذلك أولياء السفهاء من المجانين والصغار والضعاف أن يعاملوهم في مصالحهم الدينية والدنيوية بما يحبون أن يعامل به مَنْ بعدهم من ذريتهم الضعاف { فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ } في ولايتهم لغيرهم، أي: يعاملونهم بما فيه تقوى الله، من عدم إهانتهم والقيام عليهم، وإلزامهم لتقوى الله. ولما أمرهم بذلك، زجرهم عن أكل أموال اليتامى، وتوعد على ذلك أشد العذاب فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا } أي: بغير حق. وهذا القيد يخرج به ما تقدم، من جواز الأكل للفقير بالمعروف، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى. فمَنْ أكلها ظلمًا فـ { إنما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا } أي: فإن الذي أكلوه نار تتأجج في أجوافهم وهم الذين أدخلوها في بطونهم. { وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } أي: نارًا محرقة متوقدة. وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر. نسأل الله العافية.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 197 : 23 : 16 - سفين عن حبيب بن أبي ثابت قال، انطلقت أنا والحكم الى سعيد بن جبير، فسألته عن قول الله {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ} قال، الشهود الذين يحضرونه يقولون: "اتق الله، صِلهم، برهم، أعطهم". ولو كانوا هم، ما فعلوا ولا حبوا أن يبقوا لأولادهم - يأمرونه ولا يفعلون هم. فأتينا مقسماً، فقال: "ما قال سعيد"؟ فأخبرناه فقال: "لا، ولكن يقولون: اتق الله - لا توص - امسك على ولدك. ولو كان الذي يوصي له أولادهم، لأحبوا أن يوصي لهم" [الآية 9]. 198 : 24 : 17 - سفين عن منصور عن إبراهيم قال، كان يقال: "احكم اليتيم كما تحكم به بولدك" - يعني ان تؤدبه وتضربه كما تفعل بولدك.

همام الصنعاني

تفسير : 528- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوْري عَنْ حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً}: [الآية: 9]، قال: يحضرهم المساكين واليتامى، فيقولون: اتَّقِ الله وصِلْهُم وأعْطِهم ولو كانوا هم لأحب أن يبقوا لأولادهم، قَالَ حبيبٌ وقال مقسم: الذين يقولون: اتَّقِ الله وأَمْسك عليك مالَكَ ولَوْ كانَ ذا قرابة، لأحبّ أن يُوصي لهم. 529- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً}: [الآية: 9]، قال: إذا حَضَرْتَ وصيةَ مَيْتٍ فأْمُرْهُ بما كنت آمِراً به نفسك مِمَّا تتقرّب به إلى الله تعالى، وَخِفْ في ذلك ما كُنْتَ خائفاً على ضَعَفَةٍ لو تركتهم بعدك، فاتّقِ الله، وقل قولاً سديداً، سدّده إنْ زاغَ.