Verse. 503 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ يَاْكُلُوْنَ اَمْوَالَ الْيَتٰمٰى ظُلْمًا اِنَّمَا يَاْكُلُوْنَ فِيْ بُطُوْنِھِمْ نَارًا۝۰ۭ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيْرًا۝۱۰ۧ
Inna allatheena yakuloona amwala alyatama thulman innama yakuloona fee butoonihim naran wasayaslawna saAAeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما» بغير حق «إنما يأكلون في بطونهم» أي ملأها «نارا» لأنه يؤول إليها «وَسَيَصْلَوْنَ» بالبناء للفاعل والمفعول يدخلون «سعيرا» نارا شديدة يحترقون فيها.

10

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى أكد الوعيد في أكل مال اليتيم ظلما، وقد كثر الوعيد في هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك، كقوله: {أية : وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } تفسير : [النساء: 2]{أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـٰفاً } تفسير : [النساء: 9] ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة في وعيد من يأكل أموالهم، وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: دلت هذه الآية على أن مال اليتيم قد يؤكل غير ظلم، والا لم يكن لهذا التخصيص فائدة، وذلك ما ذكرناه فيما تقدم أن للولي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف. المسألة الثانية: قوله: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } فيه قولان: الأول: أن يجري ذلك على ظاهره قال السدي: إذا أكل الرجل مال اليتيم ظلما يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومسامعه وأذنيه وعينيه، يعرف كل من رآه أنه أكل مال اليتيم. وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليلة أسرى بي رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الابل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من النار يخرج من أسافلهم فقلت يا جبريل من هؤلاء: فقال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما». تفسير : والقول الثاني: ان ذلك توسع، والمراد: ان أكل مال اليتيم جار مجرى أكل النار من حيث انه يفضي اليه ويستلزمه، وقد يطلق اسم أحد المتلازمين على الآخر، كقوله تعالى: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] قال القاضي: وهذا أولى من الأول لأن قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } الاشارة فيه إلى كل واحد، فكان حمله على التوسع الذي ذكرناه أولى. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: الأكل لا يكون إلا في البطن فما فائدة قوله: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً }. وجوابه: أنه كقوله: {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 167] والقول لا يكون إلا بالفهم، وقال: {أية : وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ }تفسير : [الحج: 46] والقلب لا يكون إلا في الصدر، وقال: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 38] والطيران لا يكون إلا بالجناح، والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة. المسألة الرابعة: انه تعالى وإن ذكر الأكل إلا أن المراد منه كل أنواع الاتلافات، فان ضرر اليتيم لا يختلف بأن يكون إتلاف ماله بالأكل، أو بطريق آخر، وإنما ذكر الأكل وأراد به كل التصرفات المتلفة لوجوه: أحدها: أن عامة مال اليتيم في ذلك الوقت هو الأنعام التي يأكل لحومها ويشرب ألبانها. فخرج الكلام على عادتهم. وثانيها: أنه جرت العادة فيمن أنفق ماله في وجوه مراداته خيرا كانت أو شرا، أنه يقال: إنه أكل ماله. وثالثها: أن الأكل هو المعظم فيما يبتغي من التصرفات. المسألة الخامسة: قالت المعتزلة: الآية دالة على وعيد كل من فعل هذا الفعل، سواء كان مسلما أو لم يكن؛ لأن قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً } عام يدخل فيه الكل فهذا يدل على القطع بالوعيد وقوله: {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } يوجب القطع على أنهم إذا ماتوا على غير توبة يصلون هذا السعير لا محالة، والجواب عنه قد ذكرناه مستقصى في سورة البقرة، ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون هذا الوعيد مخصوصا بالكفار لقوله تعالى: {أية : وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُون } تفسير : [البقرة: 254] ثم قالت المعتزلة: ولا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد أكل اليسير من ماله لأن الوعيد مشروط بأن لا يكون معه توبة ولا طاعة أعظم من تلك المعصية، وإذا كان كذلك، فالذي يقطع على أنه من أهل الوعيد من تكون معصيته كبيرة ولا يكون معها توبة، فلا جرم وجب أن يطلب قدر ما يكون كثيرا من أكل ماله، فقال أبو علي الجبائي: قدره خمسة دراهم لأنه هو القدر الذي وقع الوعيد عليه في آية الكنز في منع الزكاة، هذا جملة ما ذكره القاضي، فيقال له: فأنت قد خالفت ظاهر هذا العموم من وجهين أحدهما: أنك زدت فيه شرط عدم التوبة. والثاني: أنك زدت فيه عدم كونه صغيرا، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو؟ أقصى ما في الباب أن يقال: ما وجدنا دليلا يدل على حصول العفو، لكنا نجيب عنه من وجهين: أحدهما: أنا لا نسلم عدم دلائل العفو، بل هي كثيرة على ما قررناه في سورة البقرة. والثاني: هب أنكم ما وجدتموها لكن عدم الوجدان لا يفيد القطع بعدم الوجود، بل يبقى الاحتمال، وحينئذ يخرج التمسك بهذه الآية من إفادة القطع والجزم، والله أعلم. المسألة السادسة: أنه تعالى ذكر وعيد مانعي الزكاة بالكي فقال: {أية : يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ }تفسير : [التوبة: 35] وذكر وعيد آكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار، ولا شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن في باب الزكاة الفقير غير مالك لجزء من النصاب، بل يجب على المالك أن يملكه جزأ من ماله، أما ههنا اليتيم مالك لذلك المال فكان منعه من اليتيم أقبح، فكان الوعيد أشد، ولأن الفقير قد يكون كبيرا فيقدر على الاكتساب، أما اليتيم فانه لصغره وضعفه عاجز فكان الوعيد في إتلاف ماله أشد. ثم قال تعالى: {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم {وَسَيَصْلَوْنَ } بضم الياء، أي يدخلون النار على ما لم يسم فاعله، والباقون بفتح الياء قال أبو زيد يقال: صلى الرجل النار يصلاها صلى وصلاء، وهو صالي النار، وقوم صالون وصلاء قال تعالى: {أية : إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [الصافات: 163] وقال: {أية : أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً } تفسير : [مريم: 70] وقال:{أية : جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا } تفسير : [إبراهيم: 29، صۤ: 56، المجادلة: 8] قال الفراء: الصلي: اسم الوقود وهو الصلاء إذا كسرت مدت، وإذا فتحت قصرت، ومن ضم الياء فهو من قولهم: أصلاه الله حر النار اصلاء. قال: {أية : فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً } تفسير : [النساء: 30] وقال تعالى: {أية : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } تفسير : [المدثر: 26] قال صاحب «الكشاف»: قرىء {سيصلون} بضم الياء وتخفيف اللام وتشديدها. المسألة الثانية: السعير: هو النار المستعرة يقال: سعرت النار أسعرها سعراً فهي مسعورة وسعير، والسعير معدول عن مسعورة كما عدل كف خضيب عن مخضوبة، وإنما قال: {وَسَيَصْلَوْنَ } لأن المراد نار من النيران مبهمة لا يعرف غاية شدتها إلا الله تعالى. المسألة الثالثة: روي أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية، فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى: {أية : وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوٰنُكُمْ } تفسير : [البقرة: 220] ومن الجهال من قال: صارت هذه الآية منسوخة بتلك، وهو بعيد لأن هذه الآية في المنع من الظلم وهذا لا يصير منسوخا، بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى إن كان على سبيل الظلم فهو من أعظم أبواب الاثم كما في هذه الآية، وإن كان على سبيل التربية والاحسان فهو من أعظم أبواب البر، كما في قوله: {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوٰنُكُمْ }، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيها ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً} روي أنها نزلت في رجل من غطفان يقال له: مرثد بن زيد، ولِي مال ابنِ أخيه وهو يتيم صغير فأكله؛ فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية؛ قاله مقاتل بن حيان؛ ولهذا قال الجمهور: إن المراد الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم. وقال ابن زيد: نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورّثون النساء ولا الصغار. وسمي أخذ المال على كل وجوهه أكلاً؛ لما كان المقصود هو الأكل وبه أكثر إتلاف الأشياء. وخص البطون بالذكر لتبيين نقصهم، والتشنيع عليهم بضدّ مكارم الأخلاق. وسمي المأكول ناراً بما يؤول إليه؛ كقوله تعالى: { أية : إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً } تفسير : [يوسف:36] عِنباً. وقيل: ناراً أي حراماً؛ لأن الحرام يوجب النار، فسماه الله تعالى بٱسمه. وروى أبو سعيد الخدريّ قال: حدّثنا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسرِي به قال: « حديث : رأيت قوماً لهم مشافِر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار يخرج من أسافلهم فقلت يا جبريل من هؤلاء قال هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً » تفسير : . فدل الكتاب والسنة على أن أكل مال اليتيم من الكبائر. وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : ٱجتنبوا السبع الموبقات » تفسير : وذكر فيها « حديث : وأكل مال اليتيم ».تفسير : الثانية ـ قوله تعالى: {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية ابن عباس بضم الياء على ٱسم ما لم يسمّ فاعله؛ من أصلاه الله حرّ النار إصلاء. قال الله تعالى: { أية : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } تفسير : . [المدثر: 26] وقرأ أبو حَيْوَة بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام من التصلية لكثرة الفعل مرة بعد أُخرى. دليله قوله تعالى: { أية : ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ } تفسير : [الحاقة: 31]. ومنه قولهم: صلَّيته مرة بعد أُخرى. وتصليت: استدفأت بالنار. قال: شعر : وقد تَصلّيْتُ حَرَّ حربهم كما تَصَلّى المقْرُورُ من قَرَسِ تفسير : وقرأ الباقون بفتح الياء من صَليَ النارَ يصلاها صَلًى وصِلاَءً. قال الله تعالى: { أية : لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى } تفسير : [الليل: 15]. والصِّلاء هو التسخن بقرب النار أو مباشرتها؛ ومنه قول الحارث بن عَبَّاد: شعر : لم أكنْ مِن جُناتِها عَلِم اللّـ ـهُ وإنِّي لِحرِّها اليومَ صَالِ تفسير : والسعير: الجمر المشتعل. الثالثة ـ وهذه آية من آيات الوعيد، ولا حجة فيها لمن يكفر بالذنوب. والذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذ على بعض العصاة فيصلى ثم يحترق ويموت؛ بخلاف أهل النار لا يموتون ولا يحيون، فكأن هذا جمع بين الكتاب والسنة، لئلا يقع الخبر فيهما على خلاف مَخبره، ساقطٌ بالمشيئة عن بعضهم؛ لقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } تفسير : [النساء: 48]. وهكذا القول في كل ما يرد عليك من هذا المعنى. روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدرِيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أمّا أهل النار الذين هم أهلها فيها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم ـ أو قال بخطاياهم ـ فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فَحْماً أُذِنَ بالشفاعة فجيء بهم ضَبَائِرَ ضَبَائِر فبُثُّوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفِيضوا عليهم فينبُتُون كما تنْبُت الحبّة في حَمِيل السّيلِ » تفسير : . فقال رجل من القوم كأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان (يرعى) بالبادية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً } بغير حق {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ } أي مِلأها {نَارًا } لأنه يؤول إليها {وَسَيَصْلَوْنَ } بالبناء للفاعل والمفعول يدخلون {سَعِيراً } ناراً شديدة يحترقون فيها.

ابن عطية

تفسير : قال ابن زيد: نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورثون النساء والصغار، ويأكلون أموالهم، وقال أكثر الناس: نزلت في الأوصياء الذي يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم، وهي تتناول كل آكل وإن لم يكن وصياً، وسمي آخذ المال على كل وجوهه آكلاً لما كان المقصود هو الأكل وبه أكثر الإتلاف للأشياء، وفي نصه على البطون من الفصاحة تبيين نقصهم، والتشنيع عليهم بضد مكارم الأخرق، من التهافت بسبب البطن، وهو أنقص الأسباب وألأمها حتى يدخلوا تحت الوعيد بالنار، و {ظلماً} معناه: ما جاوز المعروف مع فقر الوصي، وقال بعض الناس: المعنى أنه لما يؤول أكلهم للأموال إلى دخولهم النار قيل: {يأكلون} النار، وقالت طائفة: بل هي حقيقة أنهم يطعمون النار، وفي ذلك أحاديث, منها حديث : حديث أبي سعيد الخدري قال: حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به، قال، رأيت أقواماً لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار، تخرج من أسافلهم، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماًتفسير : , وقرأ جمهور الناس " وسيَصلون" على إسناد الفعل إليهم، وقرأ ابن عامر بضم الياء واختلف عن عاصم، وقرأ أبو حيوة، و" سيُصلُون" بضم الياء واللام، وهي ضعيفة، والأول أصوب، لأنه كذلك جاء في القرآن في قوله: {أية : لا يصلاها إلا الأشقى} تفسير : [الليل:16] وفي قوله: {أية : صال الجحيم} تفسير : [الصافات:163] والصلي هو التسخن بقرب النار أو بمباشرتها، ومنه قول الحارث بن عباد: شعر : لم أكن من جناتها، علم الله وإني بحرِّها اليوم صال تفسير : والمحترق الذي يذهبه الحرق ليس بصال إلا في بدء أمره، وأهل جهنم لا تذهبهم فهم فيها صالون، "والسعير": الجمر المشتعل، وهذه آية من آيات الوعيد، والذي يعتقده أهل السنة ان ذلك نافذ على بعض العصاة، لئلا يقع الخبر بخلاف مخبره، ساقط بالمشيئة عن بعضهم، وتلخيص الكلام في المسألة: أن الوعد في الخير، والوعيد في الشر، هذا عرفهما إذا أطلقا، وقد يستعمل الوعد في الشر مقيداً به، كما قال تعالى: {أية : النار وعدها الله، الذين كفروا} تفسير : [الحج:72] فقالت المعتزلة: آيات الوعد كلها في التائبين والطائعين، وآيات الوعيد في المشركين والعصاة بالكبائر، وقال بعضهم: وبالصغائر، وقالت المرجئة: آيات الوعد كلها فيمن اتصف بالإيمان الذي هو التصديق، كان من كان من عاص أو طائع، وقلنا أهل السنة والجماعة: آيات الوعد في المؤمنين الطائعين ومن حازته المشيئة من العصاة، وآيات الوعيد في المشركين ومن حازه الإنفاذ من العصاة، والآية الحاكمة بما قلناه قوله تعالى: {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لما يشاء} تفسير : [ النساء:48 و 116] فإن قالت المعتزلة لمن يشاء يعني التائبين، رد عليهم بأن الفائدة في التفضيل كانت تنفسد، إذ الشرك أيضاً يغفر للتائب، وهذا قاطع بحكم قوله {لمن يشاء} بأن ثم مغفوراً له وغير مغفور، واستقام المذهب السني.

ابن عبد السلام

تفسير : {نَارًا} يصيرون به إلى النار، أو تمتلىء بها بطونهم عقاباً يوجب النار، وعَبَّر عن الأخذ بالأكل، لأنه المقصود الأغلب منه، والصلا: لزوم النار.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً...} الآية: أكْثَرُ النَّاس أنَّ الآية نزلَتْ في الأوصياء الذين يأكُلُون ما لم يُبَحْ لهم مِنْ أموال اليتامَىٰ، وهي تتناوَلُ كُلَّ آكل، وإنْ لم يكُنْ وصيًّا، وورد في هذا الوعيدِ أحاديثُ؛ منها: حديثُ أبِي سَعِيدٍ الخدريِّ، قال: حَدَّثَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، قَالَ: «حديث : رَأَيْتُ قَوْماً لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الإبِلِ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأْخُذُ بِمَشَافِرِهِمْ، ثُمَّ يَجْعَلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ صَخْراً مِنْ نَارٍ تَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَىٰ ظُلْماً.»تفسير : قُلْتُ: تأمَّل (رحمك اللَّه) صَدْرَ هذه السورةِ معظمه إنَّما هو في شأن الأجوفَيْنِ البَطْنِ والفَرْجِ مع اللسان، وهما المُهْلِكَانِ، وأعْظَمُ الجوارحِ آفةً وجنايةً على الإنسان، وقد رُوِّينَا عن مالكٍ في «الموطأ»، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ: «حديث : مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ ٱثْنَيْنِ، وَلَجَ الجَنَّةَ: مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ».تفسير : قَالَ أبُو عُمَر بْنُ عبدِ البَرِّ في «التمهيد»: ومعلوم أنه أراد صلى الله عليه وسلم ما بَيْن لَحْيَيْهِ: اللسان، وما بَيْنَ رجلَيْه: الفَرْج، واللَّه أعلم. ولهذا أردَفَ مالكٌ حديثه هذا بحَدِيثِهِ عَنْ زيْد بنِ أَسْلَمَ، عن أبيه؛ أنَّ عمر بن الخطَّاب دَخَلَ عَلَىٰ أبِي بَكْرٍ (رضي اللَّه عنه)، وهو يَجْبِذُ لِسَانَهُ، فَقَالَ له عُمَر: مَهْ، غَفَرَ اللَّه لَكَ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: إن هذا أوْرَدَنِي المَوَارِدَ، قال أبو عمر: وفي اللسان آثار كثيرةٌ، ثم قال أبو عُمَر: وعَنْ أبي هُرَيْرة: أَنَّ أكْثَرَ ما يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ الأجْوَفَانِ: البَطْن، والفَرْج، ثم أسند أبو عُمَر عن سَهْل ابن سَعْد، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَنْ يَتَكَفَّلُ لِي بِمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وأَضمَنْ لَهُ الجَنَّة»تفسير : ، ومن طريق جابر نحوه. انتهى. والصّلى: هو التسخُّن بقُرْب النَّار أو بمباشرتها، والمُحْتَرِقُ الذي يذهبه الحَرْقُ ليس بصَالٍ إلاَّ في بدء أمره، وأهْلُ جهنَّم لا تُذْهِبُهم النَّار، فهم فيها صَالُونَ (أعاذنا اللَّه منها بجُودِهِ وكَرَمِهِ)، والسعير: الجَمْر المُشْتَعِلُ. وهذه آية من آياتِ الوَعيد، والَّذي يعتقدُه أهل السُّنَّة أنَّ ذلك نافذٌ علَىٰ بعض العُصَاة؛ لَئِلاَّ يقع الخَبَر بخلافِ مخبره، ساقط بالمشيئة عن بعضهم.

ابن عادل

تفسير : قال مقاتل بن حيّان: نزلت في رجل من غَطَفَانَ يقال له مرثدُ بْنُ زَيْدٍ وَلِي مالَ ابن أخيه وهو يتيمٌ صغيرٌ، فَأكَلَهُ فأنزل اللَّهُ هذه الآية. قوله: {ظُلْماً} فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ مفعول من أجله، وشروط النصب موجودة. الثاني: أنَّهُ مصدرٌ في محلِّ نَصْب على الحَالِ أي: يأكُلُونَهُ ظالمين والجملة من قوله: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ} هذه الجملة في محل رفع لـ "إنَّ"، وفي ذلك خلاف. قال أبُو حيان: وَحَسَّنَه هنا وقوعُ [اسم] "أن" موصولاً فطال الكلامُ بصلة الموصول فلما تباعد ما بينهما لم يُبالِ بذلك، وهذا أحْسَنُ من قولك: "إنَّ زيداً إنَّ أبَاهُ منطلق"، ولقائلٍ أن يقول: ليس فيها دلالة على ذلك؛ لأنها مكفوفة بـ "ما" ومعناها الحصرُ فصارت مثل قولك، في المعنى: "إنَّ زيداً ما انطلق إلاَّ أبوه" وهو محل نظر. قوله: {فِي بُطُونِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بـ {يَأْكُلُونَ} أي: بطونُهم أوْعِيَةٌ للنَّارِ، إمَّا حَقِيقَةً: بأنْ يَخلق اللَّهُ لهم ناراً يأكلونَهَا في بُطُونِهِم، أوْ مَجَازاً بِأنْ أطْلِقَ المُسَبِّبَ وأرادَ السبب لكونه يُفْضِي إلَيْهِ ويستلزمه، كما يطلَقُ اسْمُ أحَدِ المتلازمين على الآخَرِ كقوله: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40]. قال القاضِي: وهذا أوْلَى؛ لأن الإشارةَ فيه إلى كُلِّ واحِدٍ. وَالثَّاني: أنَّهُ متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ لأنَّه حال مِنْ "ناراً" وكان في الأصل صفة للنكرة فَلَمَّا قُدِّمَتِ انْتَصَبَتْ حَالاً. وذكر أبُو البَقَاءِ هذا الوجه عن أبِي عَلِيٍّ في "تَذْكِرَتِهِ"، وحكى عنه أنَّهُ منع أنْ يكون ظرفاً لـ {يَأْكُلُونَ} فَإنَّهُ قال: {فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} حال من نار، أي: نَارٌ كَائِنَةٌ في بُطُونِهِمْ، وليس بِظَرْفٍ لـ {يَأْكُلُونَ} ذكره في "التَّذْكِرَةِ". وفي قوله: "وَالَّذي يَخُصُّ هذا المَوْضِع" فيه نَظَرٌ، فَإنَّهُ كما يجوزُ أن يكونَ {فِي بُطُونِهِمْ} حالاً من "نَار" هنا يجوزُ أن يكون حالاً من "النَّار" في البقرة، وفي [إبداء] الفرقِ عُسْرٌ، ولم يظهر [منع أبي عليٍّ كَوْنَ {فِي بُطُونِهِمْ} ظرفاًَ للأكْلِ وجه ظاهر فإن قيل: الأكل لا يكون إلا] في البَطْنِ فما فائدةُ قوله: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً}؟. فالجوابُ أنَّ المرادَ به التَّأكِيدُ والمبالغةُ كقوله: {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} تفسير : [آل عمران: 167] والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله: {أية : وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46] والقلبُ لا يكونُ إلاَّ في الصَّدْرِ، وقوله: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 38] والطّيرانُ لا يكون إلاَّ بالجَنَاحِ. فصل في جواز الأكل من مال اليتيم هذه الآيةُ توكيدٌ للوعيدِ المُتَقَدِّمِ لأكل مال اليتيم، وخَصَّ الأكل بالظلم، فأخرج الأكل بغير الظُّلْمِ مثل أكْلِ الوليّ بالمعروف من مال اليتيم، وإلاَّ لم يكن لهذا التَّخصيص فائدة. فصل في حرمة جميع الإتلافات لمال اليتيم ذكر تعالى الأكل إلا أنَّ المراد منه كُلّ أنواع الإتلافات فإنَّ ضرر اليتيم لا يختلفُ بأن يكون إتلاف مال بالأكْلِ، أو بطريقٍ آخَرَ، وإنَّمَا ذكر الأكْلَ، وأراد به كُلَّ التَّصرفات المُتْلِفَةِ لِوُجُوهٍ: أحدها: أنَّ عامَّة أموال اليَتَامَى في ذلك الوقت هو الأنعام الَّتي يؤكل لحومها وَيُشْرَبُ ألبانها فخرجَ الكَلاَمُ على عاداتهم. وثانيها: أنَّهُ جَرَتِ العَادَةُ فيمن أنْفَقَ مَالَهُ في وجوه مراداته خيراً كانت أو شراً أنَّهُ يقال: إنَّهُ أكل ماله. وثالثها: أنَّ الأكل هو المعظم فما يبتغي من التصرُّفات. قوله: {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}، قرأ الجمهور بفتح الياء واللام، وابن عامر وأبو بكرٍ بضمِّ اليَاءِ مَبْنِيّاً من الثُّلاَثِيِّ، ويَحْتمل أنْ يكون من أصليٍّ فَلَمَّا بُنِيَ للمفعول قَامَ الأوَّلُ مقام الفَاعِلِ، وابن أبي عبلة بضمهما مبنياً للفاعل الرُّبَاعي، والأصل على هذه القراءة: سَيُصْلون من أصلي مثل يكرمون من أكرم، فاستثقلت الضَّمَّةُ على الياء فحذفت، فالتقى السَّاكنان فَحُذِفَ أولُهما وهو الياءُ وَضُمَّ ما قبل الواو ليصح و "أصْلَى" يُحتمل أنْ تكون الهمزةُ فيه للدُّخول في الشَّيءِ، فَيَتَعَدَّى لواحدٍ وهو {سَعِيراً}، وأن تكون للتَّعدية، فالمفعول محذوف أي: يُصْلُونَ أنفْسهم سعيراً. وأبو حَيْوَةَ بضم الياء وفتح الصَّادِ واللاَّم مُشَدَّدَة مبنياً للمفعول من صَلَّى مضعفاً. قال أبُو البَقَاءِ: والتّضعيفُ للتكثير. والصَّلْي: الإيقاد بالنَّارِ، يقال: صَلِيَ بكذا - بكسر العين - وقوله {لاَ يَصْلاَهَآ} أي: يَصْلَى بها. وقال الخليلُ: صَلِيَ الكافرُ النَّارَ أي: قَاسَى حَرَّها وصلاه النَّارَ وَأصْلاَهُ غيرهُ، هكذا قال الرَّاغِبُ. وظاهرُ العِبَارَةِ أنَّ فَعِل وَأفْعَل [بمعنى]، يتعدَّيان إلى اثنين ثانيهما بحرفِ الجرِّ، وقد يُحْذَف. وقال غيره: "صَلِيَ بالنَّارِ أي: تَسَخَّنَ بقربها" فـ {سَعِيراً} على هذا منصوبٌ على إسقاط الخَافض. وَيَدُلُّ على أنَّ أصْلَ "يَصْلاها" يَصْلَى بها قول الشاعر: [الطويل] شعر : 1763- إذَا أوْقَدُوا نَاراً لِحَرْبِ عَدُوِّهِمْ فَقَدْ خَابَ مَنْ يَصْلى بِهَا وَسَعِيرِهَا تفسير : وقيل: صَلَيْتُه النَّارَ: أدْنَيْتُه منها، فيجوزُ أنْ يكونَ منصوباً مِنْ غير إسقاطِ خافضٍ. قال الفرَّاءُ: الصلى: اسم الوقود وهو الصِّلاء إذا كسرت مدّت، وإذا فتحت قُصِرَتْ، ومن ضَمَّ الياء فهو من قولهم: أصْلاَهُ اللَّه حَرَّ النَّار إصلاء، قال: {أية : فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً} تفسير : [النساء: 30] وقال: {أية : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} تفسير : [المدثر: 26]. وقال أبو زَيْدٍ: يقال: صَلِيَ الرَّجلُ النَّارَ يَصْلاَهَا صَلًى وصلاءً، وهُوَ صَالِي النَّارِ، وقوم صالون وصلاء، قال تعالى: {أية : إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 163] وقال: {أية : أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً} تفسير : [مريم: 70] والسّعير في الأصل الجمر المشتعل، وسَعَرْتُ النَّارَ أوقدتها، ومنه: مُسْعِرُ حَرْبٍ، على التشبيه، والمِسْعَرُ: الآلةُ الَّتي تُحَرَّكُ بها النَّارُ. فصل روي أنَّهُ لما أنزلت هذه الآية ثقل ذلك على النَّاسِ فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكليَّةِ، فصعب الأمر على اليتامى، فنزل قوله تعالى: {أية : وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} تفسير : [البقرة: 220] وزعم بعضهم أنَّ هذه الآية صارت منسوخة بتلك وهو بعيد؛ لأنَّ هذه الآية في المنع من الظُّلْمِ وهذا لا يصير منسوخاً، بل المقصود أنَّ مخالطة أموال اليتامى إن كان على وجه الظُّلم فهو إثم عظيم كما في هذه الآية، وَإنْ كان على وجه الإحسان والتّربية فهو من أعظم [أبواب] البرّ، لقوله: {أية : وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} تفسير : [البقرة: 220].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة في مسنده وأبو يعلى والطبراني وابن حبان في صحيحه وابن أبي حاتم عن أبي برزة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً‏.‏ فقيل‏:‏ يا رسول الله من هم‏؟‏ قال‏: ألم تر أن الله يقول ‏{‏إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً‏}‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم‏ "حديث : عن أبي سعيد الخدري قال ‏‏حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال‏: نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكِّل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار، فتقذف في في أحدهم حتى تخرج من أسافلهم ولهم خوار وصراخ فقلت‏:‏ يا جبريل من هؤلاء‏؟‏ قال‏:‏ هؤلاء ‏{‏الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً‏}‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال‏:‏ إذا قال الرجل يأكل مال اليتيم ظلماً يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه ومن أذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بآكل مال اليتيم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيد الله بن أبي جعفر قال‏:‏ من أكل مال اليتيم فإنه يؤخذ بمشفره يوم القيامة فيملأ فوه جمراً، فيقال له‏:‏ كل كما أكلته في الدنيا، ثم يدخل السعير الكبرى‏.‏ وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في الآية قال‏:‏ هذه لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم ويأكلون أموالهم‏. ‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله ‏{‏سعيراً‏} ‏ يعني وقوداً‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال ‏"‏السعير‏"‏ واد من فيح في جهنم‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيماً‏:‏ مدمن الخمر، وآكل ربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه‏ "‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً} أي على وجه الظلمِ أو ظالمين، استئنافٌ جيء به لتقرير مضمونِ ما فُصِّل من الأوامر والنواهي {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ} أي ملءَ بطونِهم {نَارًا} أي ما يُجرُّ إلى النار ويؤدِّي إليها، وعن أبـي برزة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : "يبعث الله تعالى قوماً من قبورهم تتأجّج أفواهُهم ناراً" فقيل: من هم؟ فقال عليه السلام: "ألم تر أن الله يقول: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً}"» تفسير : {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} أي سيدخُلون ناراً هائلةً مبْهمةَ الوصفِ وقرىء بضم الياء مخففاً ومشدداً من الإصلاء والتصلية، يقال: صِليَ النار قاسي حرَّها وصلَيتُه وشويتُه وأصليتُه وصلّيتُه ألقيته فيها. والسعير فعيل بمعنى مفعول من سعَرتُ النارَ إذا ألهبتُها. روي أن آكلَ مالِ اليتيم يبعث يوم القيامةِ والدخانُ يخرج من قبره ومِنْ فيه وأنفِه وأُذنيه وعينيه فيعرف الناسُ أنه كان يأكلُ مالَ اليتيمِ في الدنيا. وروي أنه لما نزلت هذه الآيةُ ثقُل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية فصعب الأمرُ على اليتامى فنزل قوله تعالى: {أية : وَإِن تُخَالِطُوهُمْ} تفسير : [البقرة، الآية 220] الآية. {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ} شروعٌ في تفصيل أحكامِ المواريثِ المُجملةِ في قوله تعالى: {أية : لّلرّجَالِ نَصِيبٌ } تفسير : [النساء، الآية 7، 32] الخ، وأقسامُ الورثةِ ثلاثةٌ: قسمٌ لا يسقُط بحال وهو الآباءُ والأولادُ والأزواج فهؤلاء قسمانِ والثالثُ الكلالة. أي يأمركم ويعهَدُ إليكم {فِى أَوْلَـٰدِكُمْ} أولاد كلِّ واحدٍ منكم أي في شأن ميراثِهم. بُدىءَ بهم لأنهم أقربُ الورثةِ إلى الميتِ وأكثرُهم بقاءً بعد المورِّث {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ} جملةٌ مستأنفةٌ جيء بها لتبـيـين الوصيةِ وتفسيرِها، وقيل: محلُّها النصبُ بـيوصيكم على أن المعنى يفرِض عليكم ويشرَع لكم هذا الحُكمَ، وهذا قريبٌ مما رآه الفراءُ فإنه يجري ما كان بمعنى القولِ من الأفعال مَجراه في حكاية الجملةِ بعدَه، ونظيرُه قولُه تعالى: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ } تفسير : [المائدة، الآية 9] الآية، وقولُه تعالى: {لِلذّكْرِ} لا بد له من ضمير عائدٍ إلى الأولاد محذوفٍ ثقةً بظهوره كما في قولهم: السمنُ مَنَوانِ بدرهم. أي للذكر منهم، وقيل: الألفُ واللامُ قائمٌ مقامَه، والأصلُ لذكرهم، ومِثلُ صفةٌ لموصوف محذوفٍ أي للذكر منهم حظُّ الأنثيـين، والبَداءةُ ببـيان حكمِ الذكرِ لإظهار مَزيّتِه على الأنثى، كما أنها المناطُ في تضعيف حظِّه، وإيثارُ اسمَي الذكرِ والأنثى على ما ذُكر أولاً من الرجال والنساءِ للتنصيص على استواء الكبارِ والصغارِ من الفريقين في الاستحقاق من غير دخلٍ للبلوغ والكِبَرِ في ذلك أصلاً كما هو زعمُ أهلِ الجاهليةِ حيث كانوا لا يورِّثون الأطفالَ كالنساء. {فَإِن كُنَّ} أي الأولادُ والتأنيثُ باعتبار الخبرِ وهو قوله تعالى: {نِسَاء} أي خُلَّصاً ليس معهن ذكرٌ {فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ} خبرٌ ثانٍ أو صفةٌ لنساءً أي نساءً زائداتٍ على اثنتين {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} أي المُتوفىٰ المدلولُ عليه بقرينة المقامِ {وَإِن كَانَتْ} أي المولودةُ {وٰحِدَةٌ} أي امرأةً واحدةً ليس معها أخٌ ولا أختٌ. وعدمُ التعرّضِ للموصوف لظهوره مما سبق {فَلَهَا ٱلنّصْفُ} مما ترك، وقرىء واحدةٌ على كان التامة. واختلف في الثنتين فقال ابنُ عباس: حكمُهما حكمُ الواحدةِ لأنه تعالى جعل الثلثين لما فوقهما، وقال الجمهورُ: حكمُهما حكمُ ما فوقهما لأنه تعالى لما بـيّن أن حظَّ الذكرِ مثلُ حظِّ الأنثيـين إذا كان معه أنثى وهو الثلثان اقتضى ذلك أن فرضَهما الثلثان، ثم لما أوهم ذلك أن يُزاد النصيبُ بزيادة العددِ رُدَّ ذلك بقوله تعالى: {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ} ويؤيد ذلك أن البنتَ الواحدةَ لما استحقَّت الثُلُثَ مع أخيها الأقوى منها في الاستحقاق فلأَنْ تستحِقَّه مع مثلها أولى وأحرى وأن البنتين أمسُّ رَحِماً من الأختين وقد فرض الله لهما الثلثين حيث قال تعالى: {فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ}. {وَلأَبَوَيْهِ} أي لأبوي الميت. غُيِّر النظمُ الكريمُ لعدم اختصاصِ حُكمِه بما قبله من الصور {لِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا} بدلٌ منه بتكرير العاملِ، وُسِّط بـين المبتدأ الذي هو قوله تعالى: {ٱلسُّدُسُ} وبـين خبرِه الذي هو لأبويه، ونُقل الخبريةُ إليه تنصيصاً على استحقاق كلَ منهما السدسَ وتأكيداً له بالتفصيل بعد الإجمالِ وقرىء السدْسُ بسكون الدال تخفيفاً، وكذلك الثلْثُ والربْعُ والثمْنُ {مّمَّا تَرَكَ} متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من السدس، والعاملُ الاستقرارُ المعتبرُ في الخبر أي كائناً مما ترك المُتوفّىٰ {إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} أو ولدُ ابنٍ ذكراً كان أو أنثى واحداً أو متعدداً غير أن الأبَ في صورة الأنوثةِ بعد ما أخذ فرضَه المذكورَ يأخذ ما بقيَ من ذوي الفروضِ بالعصوبة {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ} ولا ولدُ ابنٍ {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} فحسْبُ {فَلأِمّهِ ٱلثُّلُثُ} مما ترك والباقي للأب، وإنما لم يُذكَرْ لعدم الحاجةِ إليه لأنه لما فُرض انحصارُ الوارثِ في أبويه، وعُيِّن نصيبُ الأم عُلمَ أن الباقيَ للأب، وتخصيصُ جانبِ الأمِّ بالذِكر وإحالةُ جانبِ الأبِ على دَلالة الحالِ ــ مع حصولِ البـيانِ بالعكس أيضاً ــ لما أنَّ حظَّها أخصَرُ واستحقاقَه أتمُّ وأوفرُ، أو لأن استحقاقَه بطريق العصوبةِ دون الفرضِ هذا إذا لم يكن معهما أحدُ الزوجين أما إذا كان معهما ذلك فللأم ثلثُ ما بقيَ بعد فرضِ أحدِهما لا ثلثُ الكلِّ كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما فإنه يُفضي إلى تفضيل الأمِّ على الأب مع كونه أقوى منها في الإرث بدليل إضعافِه عليها عند انفرادِهما عن أحد الزوجين وكونِه صاحبَ فرضٍ وعصبةٍ وذلك خلافُ وضعِ الشرع. {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} أي عددٌ ممن له أخوةٌ من غير اعتبارِ التثليثِ سواءٌ كانت من جهة الأبوين أو من جهة أحدِهما وسواءٌ كانوا ذكوراً أو إناثاً أو مختلِطين وسواءٌ كان لهم ميراثٌ أو كانوا محجوبـين بالأب {فَلأِمِهِ ٱلسُّدُسُ} أما السدسُ الذي حجبوها عنه فهو للأب عند وجودِه ولهم عند عدمِه وعليه الجمهورُ، وعند ابنِ عباس رضي الله عنهما أنه لهم على كلِّ حالٍ خلا أن هذا الحجبَ عنده لا يتحقق بما دون الثلاثِ وبالأخوات الخُلَّص، وقرىء فلإِمِّه بكسر الهمزةِ إتْباعاً لما قبلها {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ} خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ، والجملةُ متعلقةٌ بما تقدم جميعاً لا بما يليها وحدَه، أي هذه الأنصباءُ للورثة من بعد إخراجِ وصيةٍ {يُوصِى بِهَا} أي الميتُ وقرىء مبنياً للمفعول مخففاً ومبنياً للفاعل مشدداً يوصّي، وفائدةُ الوصفِ الترغيبُ في الوصية والندبُ إليها {أَوْ دَيْنٍ} عطفٌ على وصيةٍ إلا أنه غيرُ مقيدٍ بما قُيدتْ به من الوصف بل هو مُطلقٌ يتناول ما ثبت بالبـينة أو الإقرارِ في الصحةِ، وإيثارُ {أَوْ} المفيدةِ للإباحة على الواو للدِلالة على تساويهما في الوجوب وتقدُّمِهما على القِسْمة مجموعَيْن أو منفردَيْن، وتقديمُ الوصيةِ على الديْن ذكراً مع تأخّرها عنه حُكماً لإظهار كمالِ العنايةِ بتنفيذها لكونها مظِنةً للتفريط في أدائها ولاطّرادها بخلاف الدَّين {آباؤكم وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} الخطابُ للورثة فـآباؤكم مبتدأ وأبناؤكم عطفٌ عليه ولا تدرون خبرُه وأيُّهم مبتدأٌ وأقربُ خبرُه، ونفعاً نُصب على التميـيز منه، وهو منقول من الفاعلية كأنه قيل: أيُّهم أقربُ لكم نفعُه؟ والجملةُ في حيز النصبِ بلا تدرون، والجملةُ الكبـيرةُ اعتراضيةٌ مؤكِّدةٌ لوجوب تنفيذِ الوصيةِ أي أصولُكم وفروعُكم الذين يُتَوَفَّون لا تدرون أيُّهم أنفعُ لكم أمَنْ يوصي ببعض مالِه فيُعرِّضَكم لثواب الآخرةِ بتنفيذ وصيتِه أم مَنْ لا يوصي بشيء فيوفرَ عليكم عَرَضَ الدنيا؟ وليس المرادُ بنفي الدرايةِ عنهم بـيانَ اشتباهِ الأمرِ عليهم وكونَ أنفعيةِ كلَ من الأول والثاني في حيز الاحتمال عندهم من غير رجحانِ أحدِهما على الآخر كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : مثلُ أمتي مثلُ المطرِ لا يُدرىٰ أولُه خيرٌ أمْ آخرُه» تفسير : فإن ذلك بمعزل من إفادة التأكيدِ المذكورِ والترغيبِ في تنفيذ الوصيةِ بل تحقيقَ أنفعيةِ الأولِ في ضمن التعريضِ بأن لهم اعتقاداً بأنفعية الثاني مبنياً على عدم الدراية، وقد أشير إلى ذلك حيث عبّر عن الأنفعية بأقربـيّة النفعِ تذكيراً لمناط زعمِهم وتعيـيناً لمنشأ خطئِهم ومبالغةً في الترغيب المذكورِ بتصوير الثوابِ الآجلِ بصورة العاجلِ لأن الطباعَ مجبولةٌ على حب الخيرِ االحاضرِ كأنه قيل: لا تدرون أيُّهم أنفعُ لكم فتحكُمون نظراً إلى ظاهر الحالِ وقربِ المنالِ بأنفعية الثاني مع أن الأمرَ بخلافه، فإن ثوابَ الآخرةِ ــ لتحقق وصولِه إلى صاحبه ودوامِ تمتّعِه به مع غاية قصْرِ مدةِ ما بـينهما من الحياة الدنيا ــ أقربُ وأحضرُ، وعرَضُ الدنيا ــ لسرعة نفادِه وفنائِه ــ أبعدُ وأقصى. وقيل: الخطابُ للمورِّثين، والمعنى لا تعلمون من أنفعُ لكم ممن يرِثُكم من أصولكم وفروعِكم عاجلاً وآجلاً فتحَرَّوا في شأنهم ما أوصاكم الله تعالى به ولا تعمِدوا إلى تفضيلِ بعضٍ وحرمانِ بعض. روي أن أحدَ المتوالدين إذا كان أرفعَ درجةً من الآخر في الجنة سأل الله تعالى أن يرفعَ إليه صاحبَه فيُرفعُ إليه بشفاعته. قيل: فالجملةُ الاعتراضيةُ حينئذ مؤكدةٌ لأمر القِسْمةِ وأنت خبـيرٌ بأنه مُشعرٌ بأن مدارَ الإرثِ ما ذُكر من أقربـية النفعِ أنه العلاقةُ النسبـية {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ} نُصِبت نصْبَ مصدرٍ مؤكدٍ لفعل محذوفٍ أي فرض الله ذلك فرضاً أو لقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ} فإنه في معنى يأمركم ويفرِض عليكم {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} أي بالمصالح والرُّتَب {حَكِيماً} في كل ما قضى وقدر فيدخُل فيه الأحكامُ المذكورةُ دخولاً أولياً.

القشيري

تفسير : إنما تولَّى الحق سبحانه خصيمة اليتيم، لأنه لا أحدَ لليتيم غيرُه، وكلُّ من وَكلَ أمره إليه فَتَبَرَّأ من حوله وقوته فالحق سبحانه ينتقم له بما لا ينتقم لنفسه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما} ظالمين او على وجه الظلم من اولياء السوء وقضاته وانما قيد به لانه اذا اكل منه بالمعروف عند الحاجة او بما قدر له به القاضى بقدر عمله فيه لم يعاقب عليه {انما يأكلون فى بطونهم} اى ملىء بطونهم يقال اكل فى بطنه اذا ملأه واسرف وفى معناه اذا اقتصد فيه {نارا} اى ما يجر الى النار ويؤدى اليها فكأنه نار فى الحقيقة {وسيصلون} اى سيدخلون يوم البعث {سعيرا} اى نارا مسعرة او هائلة مبهمة الوصف ـ روى ـ ان آكل مال اليتيم يبعث يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وانفه واذنيه وعينيه ويعرف الناس انه كان يأكل مال اليتيم فى الدنيا ـ وروى ـ انه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية فصعب الامر على اليتامى فنزل قوله تعالى {أية : وإن تخالطوهم فإخوانكم} تفسير : [البقرة: 220]. الآية وفى الحديث قال النبى عليه السلام "حديث : رأيت ليلة اسرى بى قوما لهم مشافر كمشافر الابل احداهما قالصة على منخريه والاخرى على بطنه وخزنة جهنم يلقمونه جمر جهنم وصخرها فقلت يا جبريل من هؤلاء قال الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما" شعر : كى كز صرصر ظلمش دمادم جراغ عيش مظلومان بميرد نمى ترسد ازين كايزد تعالى اكرجه ديركيرد سخت كيرد تفسير : وقد امر الله تعالى ان لا يؤذى اليتيم ويقال له القول السديد فكيف يكون حال من آذاه وغيره من المؤمنين واكل اموالهم بالغصب والظلم ـ روى ـ ان لجهنم جبابا يعنى مواضع كساحل البحر فيها حيات كالبخاتى وعقارب كالبغال الدلم فاذا استغاث اهل جهنم ان يخفف عنهم قيل لهم اخرجوا الى الساحل فيخرجون فتأخذ الحيات شفاههم ووجوههم ما شاء الله فيكشطن فيستغيثون فرارا منها الى النار فيسلط عليهم الجرب فيحك احدهم جلده حتى يبدو العظم فيقال يا فلان هل يؤذيك هذا فيقول نعم فيقال ذلك بما كنت تؤذى المؤمنين. فعلى المرء ان يجتنب عن الايذاء وايصال الالم الى الخلق فان الدعاء السوء من المظلومين يقبل البتة فى حق الظالم والمؤذى شعر : خرابى كند مرد شمشيرزن نجندانكه دود دل طفل وزن رياست بدست كسانى خطاست كه ازدست شان دستها برخداست مكافات موذى بمالش مكن كه بيخش بر آورد بايد زبن سر كرك بايد هم اول بريد نه جون كوسفندان مردم دريد تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تقبلوا لى ستا اتقبل لكم الجنة اذاحدثتم فلا تكذبوا واذا وعدتم فلا تخلفوا واذا ائتمنتم فلا تخونوا وغضوا ابصاركم واحفظوا فروجكم وكفوا ايديكم عن الحرام وادخلوا الجنة " .تفسير : ـ وروى ـ عن ابن المبارك انه قال ترك فلس من حرام افضل من مائة الف فلس يتصدق بها عنه. وعنه انه كان بالشام يكتب الحديث فانكسر قلمه فاستعار قلما فلما فرغ من الكتابة نسى فجعل القلم فى مقلمته فلما رجع الى مرو رأى القلم وعرفه فتجهز للخروج الى الشام. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار فما ينفعكم الا بالورع " تفسير : قال ابراهيم بن ادهم رحمه الله الزهد ثلاثة اصناف. زهد فرض. وزهد فضل وزهد سلامة. فزهد الفرض هو الزهد فى الحرام. وزهد الفضل هو الزهد فى الحلال. وزهد السلامة هو الزهد فى الشبهات. وكان حسان بن ابى سنان لا ينام مضطجعا ولا يأكل سمينا ولا يشرب باردا ستين سنة فرؤى فى المنام بعد ما مات فقيل له ما فعل الله بك فقال خيرا غيرا انى محبوس عن الجنة بابرة استعرتها فلم اردها. ومر عيسى عليه السلام بمقبرة فنادى رجلا منهم فاحياه الله تعالى فقال من انت فقال كنت حمالا اثقل للناس فنقلت يوما لانسان حطبا فكسرت منه خلالا تخللت به فانا مطالب به منذ مت شعر : خوف دارى اكر زقهر خدا نروى راه حرام دنيا

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ظلمًا}: تمييز، أو مفعول لأجله. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا} من غير موجب شرعي، {إنما يأكلون في بطونهم نارًا}، أي: ما يجُر إلى النار ويؤول إليها. وعن أبي برزة أنه صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : يبعثُ اللهُ أقوامًا من قبورهم تتأججُ أفواههم نارًا " تفسير : ، فقيل: مَنْ هم يا رسول الله؟ قال: " حديث : ألم تر أن الله يقول: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا} " تفسير : . أي: يحترقون في نار، وأي نار!! والصَّلْى: هو الشيّ، تقول: صليت الشيء: شويته، وأصليته وصليته، وذكر البطون مبالغة وتهجين لحالهم. الإشارة: حذَّر الحق ــ جلّ جلاله ــ أهل الدعوى، الذين نصبوا أنفسهم للشيخوخة، وادعوا مقام التربية، مع كونهم جهالاً بالله، محجوبين عن شهود أسرار التوحيد، أن يأخذوا أموال الضعفاء؛ الذين تعلقوا بهم؛ لأنهم إنما يدفعون لهم ذلك طمعًا في الوصول إلى الله. وهم ليسوا أهلاً لذلك، فإذا أكلوا ذلك فإنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا، وهو تكثيف الحجاب، وزيادة العنت والتعب، إن أقبل عليهم الناس فرحوا واستبشروا، وإن أدبروا عنهم حزنوا وغضبوا، فأيُّ عذاب أعظم مِنْ هذا!!. فتحصَّل من أول الآية إلى آخرها، أن الحق ــ تعالىــ أمر أهل الغني الأكبر، وهم الذين أهلَّهم للتربية النبوية، بأن سلكوا الطريق وأشرقت عليهم شموس التحقيق على يد شيخ كامل، بالاستعفاف، ولا يأخذ إلاّ قدر الحاجة، من أموال مّنْ انتسب إليهم، وسد الباب لأهل الدعوى، لإنه مِنْ أكْلِ أموال الناس بالباطل، لأنه يعطى على وجه لم يوجد في المعطى إليه، إلا إذا كان وجه الصدقة المحضة، مع أنه قد يكون غير مستحق لها. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : القراءة والحجة: قرأ ابن عامر، وأبو بكر، عن عاصم: وسيصلون - بضم الياء - الباقون، بفتحها، والفتح أقوى، لقوله: {أية : لا يصلاها إلا الأشقى }تفسير : وقوله: {أية : إلا من هو صال الجحيم } تفسير : ومن ضم الياء ذهب إلى أصلاه الله إذا أحرقه بالنار. المعنى: وإنما علق الله تعالى الوعيد في الآية لمن يأكل أموال اليتامى ظلماً، لأنه قد يأكله على وجه الاستحقاق، بأن يأخذ منه أجرة المثل، على ما قلناه. أو يأكل منه بالمعروف على ما فسرناه، أو يأخذه قرضاً على نفسه، فان قيل: إذا أخذه قرضاً على نفسه، أو أجرة المثل، فلا يكون أكل مال اليتيم، وإنما أكل مال نفسه. قلنا: ليس الامر على ذلك، لأنه يكون أكل مال اليتيم، لكنه على وجه التزم عوضه في ذمته، أو استحقه بالعمل في ماله، فلم يخرج بذلك من استحقاق الاسم بانه مال اليتيم، ولو سلم ذلك، لجاز أن يكون المراد بذلك ضربا من التأكيد وبياناً، لأنه لا يكون أكل مال اليتيم إلا ظلماً. ونصب ظلماً على المصدر، وتقديره: إن من أكل مال اليتيم فانه يظلمه ظلماً. وقوله: {إنما يأكلون في بطونهم ناراً} قيل في معناه وجهان: أحدهما - ما قاله السدي من أن من أكل مال اليتيم ظلماً يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه، ومن مسامعه، ومن أذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه. بأكل مال اليتيم. الثاني - أنه على وجه المثل، من حيث أن فعل ذلك يصيّر إلى جهنم، فتمتليء بالنار أجوافهم، عقابا على ذلك الأكل منهم، كما قال الشاعر: شعر : وان الذي اصبحتم تحلبونه دم غير أن اللون ليس باحمرا تفسير : يصف أقواماً أخذوا الابل في الدية، يقول: فالذي تحلبون من ألبانها ليس لبناً، إنما هو دم القتيل. اللغة: وقوله: {وسيصلون سعيراً} فالصلا لزوم النار، للاحراق، أو التسخن، أو الانضاج، يقال: صلي بالنار يصلى صلا بالقصر، قال العجاج: شعر : وصاليات للصلا صليّ تفسير : ويقال الصلا بالكسر والمد، قال الفرزدق: شعر : وقاتل كلب الحي عن نار أهله ليربض فيها والصَّلا متكنف تفسير : واصطلى صلى بالنار اصطلاء، وأصليته النار اصلاء، إذا القيته فيها. وفي التنزيل: { أية : فسوف نصليه ناراً } تفسير : والصالي بالشر الواقع فيه قال الشاعر: شعر : لم اكن من جناتها علم الله واني بحرها اليوم صالي تفسير : ومنه شاة مصلية، أي مشوية. والسعير بمعنى مسعورة، مثل كف خضيب، بمعنى مخضوبة، والسعر اشعال النار تقول سعرتها أسعرها سعراً. ومنه قوله: {أية : وإذا الجحيم سعرت } تفسير : واستعرت النار في الحطب استعاراً، واستعرت الحرب والشر استعاراً، ومنه سعر السوق، لاستعارها به في النَّفاق. المعنى: وأكل مال اليتيم على وجه الظلم، وغصبه متساويان في توجه الوعيد إليه، ولا يدل على مثل ذلك في غير مال اليتيم، لأن الزواجر عن مال اليتيم أعظم. وقال الجبائي: هما سواء، ومن غصب من مال اليتيم خمسة دراهم فان الوعيد يتوجه إليه وقال الرماني: لا يتوجه إليه، لأن أقل المال مئتا درهم. وقال الجبائي: يلزمه كما يلزم مانع الزكاة. وقال الرماني: هذا ليس بصحيح، لأنه يجوز أن يكون منع الزكاة أعظم، وما قلناه أولا أولى بعموم الآية. وقوله: لا يسمى المال إلا مئتا درهم دعوى محضة، لا برهان عليها.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ} اى يدخلون بأكل اموال اليتامى {فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} اى ما يؤدّى الى اكل النّار او دخول النّار {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} هذا تهديد عن سوء العاقبة والعذاب فى الآخرة.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً}: أى يتلفون أموال اليتامى بطعم أو شرب أو لبس أو قضاء ديونهم بها بلا تعويض لليتامى، أو بتضييعها، أو نحو ذلك ظلماً، أى بغير حق، أما بالحق كأكلها بالقرض وأخذها فيما صرفوا عنهم من أموالهم وأجرة عمل، وقضاء ما أفسدوا فى أموالهم التى لم يجعلوها فى أيديهم ونحو ذلك، فلا بأس. وظلماً: حال بمعنى ذوى ظلم، أو ظالمين، أو تمييز غير محول، وقد يتكلف تحويله عن الفاعل بأن يسند الأكل إلى الظلم مجازاً، أى: إن الذى يأكل ظلماً أموال اليتامى، أو مفعول مطلق، أى أكل ظلم. {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً}: أى أموالا تكون أسباباً للنار، أو أموالا سيردها الله ناراً، كما يرد الله ذهب وفضة من لا يزكيهما صفائح نار يكوى بها، فذلك من مجاز التسبب، أو مجاز الأول، وعن أبى برده، أنه صلى الله عليه وسلم قال حديث : "يبعث الله قوماً من قبورهم تتأجج أفواههم ناراً"، فقيل: من هم؟ فقال: "ألم تر أن الله يقول إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون فى بطونهم ناراً"تفسير : . وكذا قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : رأيت ليلة أسرى بى قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشارفهم ثم يجعل فى أفواههم صخراً من نار، قلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً، إنما يأكلون فى بطونهم نار" تفسير : وذلك لا يوجب تفسير الآية بمجاز الأول لجواز أن يكون نار محدثة، أو مخلوقة يوم القيامة، مما أكلوا. وعن السدى: يبعث آكل مال اليتيم ظلماً يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه، ومن مسامعه وأذنيه، وعينيه، وأنفه يعرفه من رآه بآكل مال اليتيم، وروى: والدخان يخرج من قبره ومن فيه. والأكل على الوجهين، فى الدنيا لأنهم يأكلون أموالا تكون سبباً للنار، أو ستصير ناراً فى بطونهم، ويجوز أن يكون الآكل يوم القيامة والمأكول ناراً عوضاً عن مال اليتامى، أو ناراً أصلها مال رده الله ناراً، وذلك غير الوجهين الأولين وليس من مجاز الأول. {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}: يدخلون ناراً عظيمة فالتنكير للتعظيم، وكذا تنكير النار فى قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً}. ولما نزل ذلك فى الأوصياء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً، وحكم غير الوصى، حكم الوصى تركهم الناس، فشق ذلك على اليتامى، فنزل: {أية : وإن تخالطوهم فإخوانكم}.تفسير : وقرأ بعضهم: سيصلون بالتشديد، وسيصلون بالتخفيف، وبنائهما للمفعول والأخيرة لابن عامر وابن عباس عن عاصم، و{سعير} بمعنى مسعورة، وتغلبت عليه الاسمية، يقال: سعر ناراً بمعنى ألهبها.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً} مفعول مطلق، أى أكل ظلم، أو حال، أى مصاحبى ظلم، أو يقدر بالوصف أى ظالمين، لا تعليل أو تمييز كما قيل {إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ} الأكل لا يكون إلا فى البطن، لكن المعنى أن الذين يتلفون أموال اليتامى ظلماً بطعم أو غيره كما لا عطاء، والتضييع ما هم إلا كالطاعم ناراً فى بطنه أو أراد ملء بطونهم، لأن العرب تقول أكل فى بطنه إذا ملاه، وإلا قالوا فى بعض بطنه كقوله: شعر : كُلوا فِى بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا فَإِنَ زَمَانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيص تفسير : ويناسبه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : المؤمن يأكل فى مِعىً واحد، والكافر فى سبعة أمعاء"تفسير : ، والبطن محتو على سبعة أمعاء وغيرها، يملأ مرات كثيرة سبع فى المعى الواحد، وذكر البطن تأكيد بعد ذكر الأكل، كقوله تعالى: {أية : يقولون بأفواههم} تفسير : [آل عمران: 167]، {أية : ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور} تفسير : [الحج: 46]، {أية : يطير بجناحيه} تفسير : [الأنعام: 38] {نَاراً} موجب نار، أو ما يصير ناراً أو سبب نار، وذلك مجاز بالحذف أو مرسل، وقيل ذلك حقيقة، بمعنى أنهم يأكلون نارا يوم القيامة، تخلق لهم يأكلونها، قال أبو بريدة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يبعث الله قوماً من قبورهم تتأحج أفواههم نارا، فقيل من هم؟ فقيل ألم تر أن الله يقول: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون فى بطونهم ناراً"تفسير : ، وجاء الأثر أنهم تملأ أفواههم جمراً، فيقال لهم كلوا ما أكلتم فى الدنيا، ثم يدخلون النار الكبرى، وفى حديث الإسراء نظرت إلى قوم لهم مشافر كمشافر الإبل، تجعل فى أفواههم صخر من نار، وتخرج من أسافلهم فى خوار وصياح، وهم الآكلون لإموال اليتامى ظلما {وَسَيَصْلُوْنَ} يدخلون، وقيل أصل الصلى القرب من النار وأَن استعماله فى دخولها مجاز {سَعِيراً} نار مسعورة، أى موقدة وملهبة، قيل نزلت الآية فى رجل من غطفان اسمه مرثد بن زيد أكل مال ابن أخ له يتيم فامتنعوا من خلطة مال اليتامى فنزل، وإن تخالطوهم إلخ.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً} استئناف جيء به لتقرير [مضمونٍ] ما فصل من الأوامر والنواهي و {ظُلْماً} إما حال أي ظالمين، أو مفعول لأجله وقيل: منصوب على المصدرية أي أكل ظلم على معنى أكلا على / وجهه، وقيل: على التمييز وإنما علق الوعيد على الأكل بذلك لأنه قد يأكل مال اليتيم على وجه الاستحقاق كالأجرة والقرض مثلاً فلا يكون ظلماً ولا الآكل ظالماً. وقيل: ذكر الظلم للتأكيد والبيان لأن أكل مال اليتيم لا يكون إلا ظلماً ومن أخذ مال اليتيم قرضاً أو أجرة فقد أكل مال نفسه ولم يأكل مال اليتيم وفيه منع ظاهر. {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ} أي ملء بطونهم، وشاع هذا التعبير في ذلك، وكأنه مبني على أن حقيقة الظرفية المتبادر منها الإحاطة بحيث لا يفضل الظرف عن المظروف فيكون الأكل في البطن ملء البطن، وفي بعض البطن دونه، وهو المراد في قوله:شعر : كلو في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميص تفسير : ولا ينافي هذا قول الأصوليين: إن الظرف إذا جر بفي لا يكون بتمامه ظرفاً بخلاف المقدرة فيه، فنحو سرت يوم الخميس لتمامه وفي يوم الخميس لغيره، فقد قال عصام الملة: إن هذا مذهب الكوفين، والبصريون لا يفرقون بينهما كما بين في النحو، وقال شهاب الدين: الظاهر إن ما ذكره أهل الأصول فيما يصح جره بفي ونصبه على الظرفية، وهذا ليس كذلك لأنه لا يقال: أكل بطنه بمعنى في بطنه فليس مما ذكره أهل الأصول في شيء، وهو مثل جعلت المتاع في البيت فهو صادق بملئه وبعدمه لكن الأصل الأول كما ذكروه. وجوز أن يكون ذكر البطون للتأكيد والمبالغة كما في قوله تعالى: {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 167] والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ}تفسير : [الحج: 46] والقلب لا يكون إلا في الصدر، وقوله سبحانه: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 38] والطير لا يطير إلا بجناح، فقد قالوا: إن الغرض من ذلك كله التأكيد والمبالغة، ثم المظروف هنا المفعول أي المأكول لا الفاعل، وتحقيق ذلك على ما نقل عن التمرتاشي في الأيمان أنه إذا ذكر ظرف بعد فعل له فاعل ومفعول كما إذا قلت: إن ضربت زيداً في الدار، أو في المسجد فكذا فإن كانا معاً فيه فالأمر ظاهر، وإن كان الفاعل فيه دون المفعول، أو بالعكس فإن كان الفعل مما يظهر أثره في المفعول كالضرب والقتل والجرح فالمعتبر كون المفعول فيه وإن كان مما لا يظهر أثره فيه كالشتم فالمعتبر كون الفاعل فيه، ولذا قال بعض الفقهاء: لو قال: إن شتمته في المسجد أو رميت إليه فشرط حنثه كون الفاعل فيه، ولو قال: إن ضربته أو جرحته أو قتلته أو رميته فشرطه كون المفعول فيه، وإنما كان الرمي في الأول مما لا يظهر له أثر لأنه أريد به إرسال السهم من القوس بنيته؛ وذلك مما لا يظهر له أثر في المحل ولا يتوقف على وصول فعل الفاعل، وفي الثاني مما يظهر له أثر لأنه أريد به إرسال السهم، أو ما يضاهيه على وجه يصل إلى المرمى إليه فيجرحه أو يوجعه ويؤلمه، ولا شك أن ما نحن فيه من قبيل هذا القسم، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام على ذلك. والجار والمجرور متعلق ـ بيأكلون ـ وهو الظاهر، وقيل: إنه حال من قوله تعالى: {نَارًا} أي ما يجرّ إليها فالنار مجاز مرسل من ذكر المسبب وإرادة السبب، وجوز في ذلك الاستعارة على تشبيه ما أكل من أموال اليتامى بالنار لمحق ما معه، واستبعده بعض المحققين، وذهب بعضهم إلى جواز حمله على ظاهره، فعن عبيد الله بن جعفر أنه قال: من أكل مال اليتيم فإنه يؤخذ بمشفره يوم القيامة فيملأ فمه جمراً ويقال له كل ما أكلته في الدنيا ثم يدخل السعير الكبرى. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن أبـي سعيد الخدري قال: حدثني النبـي صلى الله عليه وسلم عن / ليلة أسري به قال: «حديث : نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار فيقذف في أجوافهم حتى تخرج من أسافلهم ولهم خوار وصراخ فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً»تفسير : . {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} أي سيدخلون ناراً هائلة مبهمة الوصف، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم ياء المضارعة، والباقون بفتحها، وقرىء {وَسَيَصْلَوْنَ} بتشديد اللام، وفي «الصحاح» يقال: صليت اللحم وغيره أصليه صلياً مثل رميته رمياً إذا شويته، وصليت الرجل ناراً إذا أدخلته وجعلته يصلاها فإن ألقيته فيها إلقاء ـ كأنك تريد الإحراق ـ قلت: أصليته بالألف وصليته تصلية، ويقال: صلى بالأمر إذا قاسى حره وشدته، قال الطهوي:شعر : ولاتبلي بسالتهم وإن هم (صلوا) بالحرب حيناً بعد حين تفسير : وقال بعض المحققين: إن أصل الصلى القرب من النار وقد استعمل هنا في الدخول مجازاً، وظاهر كلام البعض أنه متعد بنفسه، وقيل: إنه يتعدى بالباء فيقال: صلى بالنار، وذكر الراغب أنه يتعدى بالباء تارة أو بنفسه أخرى ولعله بمعنيين كما يشير إليه ما في «الصحاح»، والسعير فعيل بمعنى مفعول من سعرت النار إذا أوقدتها وألهبتها. وأخرج ابن أبـي شيبة عن ابن جبير أن السعير واد من فيح جهنم، وظاهر الآية أن هذا الحكم عام لكل من يأكل مال اليتيم مؤمناً كان أو مشركاً، وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أنه قال: هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم أي اليتامى ويأكلون أموالهم، ولا يخفى أنه إذا أراد أن حكم الآية خاص بأهل الشرك فقط فغير مسلم، وإن أراد أنها نزلت فيهم فلا بأس به إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وفي بعض الأخبار أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس واحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى: {أية : وَإِن تُخَالِطُوهُمْ } تفسير : [البقرة: 220] الآية.

ابن عاشور

تفسير : جملة معترضة تفيد تكرير التحذير من أكل مال اليتامى، جرّتهُ مناسبة التعرّض لقسمة أموال الأموات، لأنّ الورثة يكثر أن يكون فيهم يتامى لكثرة تزوّج الرجال في مدّة أعمارهم، فقلّما يخلو ميِّت عن ورثة صغار، وهو مؤذن بشدّة عناية الشارع بهذا الغرض، فلذلك عاد إليه بهذه المناسبة. وقوله: {ظلماً} حال من {يأكلون} مقيِّدة ليخرج الأكلُ المأذون فيه بمثل قوله: {أية : ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف}تفسير : [النساء: 6]، فيكون كقوله: {أية : ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}تفسير : [النساء: 29]. ثم يجوز أن يكون (نارا) من قوله: {إنما يأكلون في بطونهم ناراً} مراداً بها نار جهنّم، كما هو الغالب في القرآن، وعليه ففِعْلُ {يأكلون} ناصب (ناراً) المذكور على تأويل يأكلون ما يفضي بهم إلى النار، فأطلق النار مجازاً مرسلاً بعلاقة الأَوْل أو السببية أي ما يفضي بهم إلى عذاب جهنّم، فالمعنى أنّهم حين يأكلون أموال اليتامى قد أكلوا ما يفضي بهم إلى جهنّم. وعلى هذا فعطف جملة: {وسيصلون سعيراً} عَطْف مرادف لمعنى جملة {يأكلون في بطونهم ناراً}. ويجوز أن يكون اسم النار مستعاراً للألم بمعنى أسباب الألم فيكون تهديداً بعذاب دنيوي أو مستعاراً للتلف لأنّ شأن النار أن تلتهم ما تصيبه، والمعنى إنّما يأخذون أموالاً هي سبب في مصائب تعتريهم في ذواتهم وأموالهم كالنار إذا تدنو من أحد فتؤلمه وتتلف متاعه، فيكون هذا تهديداً بمصائب في الدنيا على نحو قوله تعالى: {أية : يمحق اللَّه الربا}تفسير : [البقرة: 276] ويكون عطف جملة {وسيصلون سعيراً} جارياً على ظاهر العطف من اقتضاء المغايرة بين المتعاطفين، فالجملة الأولى تهديد بعذاب في الدنيا، والجملة الثانية وعيد بعذاب الآخرة. وذِكْرُ {في بطونهم} على كلا المعنيين مجرّد تخييل وترشيح لاستعارة {يأكلون} لمعنى يأخذون ويستحوذون. والسين في {سيصلون} حرف تنفيس أي استقبال، أي أنها تدخل على المضارع فتمحّضه للاستقبال، سوءا كان استقبالاً قريباً أو بعيداً، وهي مرادفة سوف، وقيل: إنّ سوف أوسع زمانا. وتفيدان في مقام الوعد تحقيقَ الوعد وكذلك التوعّد. ويَصْلَوْن مضارع صَلِي كرضي إذا قاسى حرّ النار بشدّة، كما هنا، يقال: صلى بالنار، ويكثر حذف حرف الجرّ مع فعل صَلي ونصب الاسم بعده على نزع الخافض، قال حُمَيْد بن ثور:شعر : لا تَصْطَلي النارَ إلاّ يَجْمَرا أَرجَا قد كسَّرَت مِن يلجوج له وَقَصَا تفسير : وهو الوارد في استعمال القرآن باطراد. وقرأ الجمهور: وسيَصلونَ ــــ بفتح التحتية ــــ مضارع صَلي، وقرأه ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم ــــ بضم التحتية ــــ مضارع أصلاه إذا أحرقه ومبنيا للنائب. {والسعير} النار المسعَّرة أي الملتهبة، وهو فعيل بمعنى مفعول، بني بصيغة المجرّد، وهو من المضاعف، كما بنى السميع من أَسْمَع، والحكيم من أَحْكم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَمْوَالَ} {ٱلْيَتَامَىٰ} (10) - يُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى الذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى بِدُونِ سَبَبٍ مُشْرُوعٍ، وَعَلَى سَبِيلِ الهَضْمِ وَالظُّلْمِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إنَّهُمْ إنَّما يَأْكُلُونَ مَا يَكُون سَبَباً فِي إِيصَالِهِمْ إلَى نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، أوْ إنَّهُمْ إنَّما يَأكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً تَتَأجَّجُ. وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "حديث : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ: الشِّرْكَ بِاللهِ، وَالسِّحْرَ، وَقَتْلَ النَّفْسِ التِي حَرَّمَ اللهُ إلاَّ بِالحَقِّ، وَأكْلَ الرِّبا، وَأكْلَ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفَ المُحْصِنَاتِ الغَافِلاَتِ المُؤْمِنَاتِ"تفسير : . ظُلْماً - بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ. سَيَصْلَوْنَ - سَيُذُوقُونَ العَذَابَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَمِنْهُ صَلَى اللَّحْمَ، إذا شَوَاهُ عَلَى النَّارِ. السَّعِيرُ - النَّارُ المُسْتَعِرَةُ أيِ المُشْتَعِلَةُ المُتَأَجِّجَةُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لماذا يركز القرآن على هذه الجزئية؟ لأن الله يريد من خلقه أن يستقبلوا قدر الله فيمن يحبون وفيمَنْ يحتاجون إليهم برضا، فإذا كان الطفل صغيراً ويرى أباه يسعى في شأنه ويقدم له كل جميل في الحياة وبعد ذلك يموت، فإن كان هذا الصغير قد رأى واحداً مات أبوه وكفله المجتمع الإيماني الذي يعيش في كفالة عوضته عن أب واحد بآباء إيمانيين متعددين، فإذا مات والد هذا الطفل فإنه يستقبل قدر الله وخطبه بدون فزع. فالذي يجعل الناس تستقبل الخطوب بالفزع والجزع والهلع أنهم يرون أن الطفل إذا ما مات أبوه وصار يتيماً فإنه يضيع، ويقول الطفل لنفسه: إن إبي عندما يموت سأصير مضيعاً. لكن لو أن المجتمع حمى حق اليتيم وصار كل مؤمن أباً لليتيم وكل مؤمنة أماً لليتيم لاختلف الأمر، فإذا ما نزل قضاء الله في أبيه فإنه يستقبل القضاء برضا وتسليم. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا} [النساء: 10]. إنّ كل العملية السلبية والنهبية أهم ما فيها هو الأكل؛ لأن الأكل هو المتكرر عند الناس، وهو يختلف عن اللباس، فكل فصل يحتاج الإنسان إلى ملابس تناسبه، لكن الأكل عملية يومية؛ لذلك فأي نهب يكون من أجل الأكل. ولذلك نقول في أمثالنا العامية عن النهاب: "فلان بطنه واسعة" إنها مسألة الأكل. وقد أوضح الحق هذا الأمر لأكل مال اليتيم: أنت تحشو في بطنك ناراً. ويعني ذلك أنه يأكل في بطنه ما يؤدي إلى النار في الآخرة. وهذا قد يحدث عقاباً في الدنيا فيصاب آكل مال اليتيم في بطنه بأمراض تحرق أحشاءه، ويوم القيامة يرى المؤمنون هؤلاء القوم الذين أكلوا مال اليتيم، وعليهم سمات أكل مال اليتيم: فالدخان يخرج من أفواههم. وإياك أن تفهم أن البطون هي التي ستكون ممتلئة بالنار فقط، وإلا يكون هناك نار أمام العيون. بل سيكون في البطون نار وسيصلون سعيراً. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وفي قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً} [النساء: 10]، إشارة إلى الذين يضيعون أطفال الطريقة ولا يراعون حقوقهم بالنصيحة والوصية والإرشاد إلى سبيل الرشاد، ويحرمونهم عن مشارب ولايتهم تقصيراً أو تهاوناً {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} [النساء: 10]؛ لحسرة تحسراً وتغابناً، {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِير} [النساء: 10] آة التقصير، إذ في أداء حقوقهم غرامة ولا ينفعهم الندامة. ثم أخبر عن وصاية أهل الولاية بقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ} [النساء: 11]، إشارة في الآيات: إن المشايخ للمريدين بمثابة الآباء للأولاد، فإن الشيخ في قومه كالنبي في أمته على ما قاله صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا لكم كالوالد لولده"تفسير : ، ففي قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ}، الآيات كلها إشارات إلى وصايا المشايخ والمريدين ووارثتهم في قرابة الدين، كقوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ}تفسير : [المؤمنون: 10]، فكما أن الوراثة الدنيوية بوجهين: بالسبب والنسب، فلذلك الوراثة الدينية بوجهين: إما السبب فهو الإرادة ولبس خرقتهم، والتبرك بزيهم للتشبه بهم، وأما النسب فهو الصحبة معهم بالتسليم للتصرفات ولايتهم ظاهراً وباطناً بصدق النية وصفاء الطوية، مستسلماً لأحكام التسليك والتربية، يتولد السالك بالغشاوة الثانية، فإن الولادة تنقسم على: النشأة الأولى: وهي ولادة جسمانية، بأن يتولد المؤمن من رحم الأم إلى عالم الشهادة وهو الملك، والنشأة الثانية: وهي ولادة روحانية، بأن يتولد السالك من رحم القلب إلى عالم الغيب وهو الملكوت. كما حكي النبي صلى الله عليه وسلم عن عيسى عليه السلام أنه قال: "حديث : لم يلج ملكوت السماوات والأرض ما لم يولد مرتين"تفسير : ، فالشيخ هو الأب الروحاني، والمريدون المتولدون من صلب ولايتهم الأولاد الروحانيون، وهم فيما بينهم {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} تفسير : [الأنفال: 75]، لقوله: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}تفسير : [الحجرات: 10]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الأنبياء أخوة من علات، وأمهاتهم شتى ودينهم واحد"تفسير : ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي"تفسير : ؛ لأن نسبه كان بالدين، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم من آلك؟ قال: "حديث : إلى كل مؤمن تقي"تفسير : ، وإنما يتوارثون أهل الدين على قدر تعلقاتهم السببية والنسبية، والذكورة والأنوثة في الجد والاجتهاد وحسن الاستعداد، وإنما موازينهم العلوم الدينية واللدنية، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : العلماء ورثة الأنبياء، لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر"تفسير : ، وقال موسى للخضر - عليهما السلام -: {أية : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً}تفسير : [الكهف: 66].

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 199 : 25 : 18 - حدثنا سفين عن أبي مسكين الأودي عن إبراهيم قال، اني أكره أذر اليتيم عرة لا أخالطه. [الآية 10]. 200 : 26 : 19 - سفين عن واصل عن إبراهيم قال، اصنع اليتامى في أموالهم صنعا - يعني ان توسع عليهم في النفقة. [الآية 10]. 201 : 27 : 20 - سفين قال، بلغنا عن أصحابنا انهم قالوا في قول الله {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} قال، حراما. [الآية 10]. 202 : 28 : 21 - سفين عن يحيى بن سعيد عن القسم بن محمد قال، كنت في حجر بن عباس، فجاءه اعرابي، فقال: "يا عباس، ان في حجري أيتاماً، ولهم إبل، ولي إبل، وأنا أمنح في إبلي وأفقر. فماذا يحل لي من البانها"؟ قال: "ان كنت تبغي ضالة إبله، وتلوط حوضها، وتهنىء جرباها، وتستقي عليها، فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب". [الآية 10]. 203 : 29 : 24 - سفين عن سالم الافطس عن سعيد بن جبير قال، لما نزلت {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً} عزلوا أموالهم من أموالهم. فنزلت {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}تفسير : [البقرة: 220] الى آخر الآية. قال، فخلطوا أموالهم بأموالهم. [الآية 10].