Verse. 504 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

يُوْصِيْكُمُ اللہُ فِيْۗ اَوْلَادِكُمْ۝۰ۤ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْاُنْثَيَيْنِ۝۰ۚ فَاِنْ كُنَّ نِسَاۗءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَھُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ۝۰ۚ وَاِنْ كَانَتْ وَاحِدَۃً فَلَھَا النِّصْفُ۝۰ۭ وَلِاَبَوَيْہِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْہُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ اِنْ كَانَ لَہٗ وَلَدٌ۝۰ۚ فَاِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّہٗ وَلَدٌ وَّوَرِثَہٗۗ اَبَوٰہُ فَلِاُمِّہِ الثُّلُثُ۝۰ۚ فَاِنْ كَانَ لَہٗۗ اِخْوَۃٌ فَلِاُمِّہِ السُّدُسُ مِنْۢ بَعْدِ وَصِيَّۃٍ يُوْصِيْ بِھَاۗ اَوْ دَيْنٍ۝۰ۭ اٰبَاۗؤُكُمْ وَاَبْنَاۗؤُكُمْ لَا تَدْرُوْنَ اَيُّھُمْ اَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا۝۰ۭ فَرِيْضَۃً مِّنَ اؘ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ كَانَ عَلِيْمًا حَكِـيْمًا۝۱۱
Yooseekumu Allahu fee awladikum lilththakari mithlu haththi alonthayayni fain kunna nisaan fawqa ithnatayni falahunna thulutha ma taraka wain kanat wahidatan falaha alnnisfu waliabawayhi likulli wahidin minhuma alssudusu mimma taraka in kana lahu waladun fain lam yakun lahu waladun wawarithahu abawahu faliommihi alththuluthu fain kana lahu ikhwatun faliommihi alssudusu min baAAdi wasiyyatin yoosee biha aw daynin abaokum waabnaokum la tadroona ayyuhum aqrabu lakum nafAAan fareedatan mina Allahi inna Allaha kana AAaleeman hakeeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يوصيكم» يأمركم «الله في» شأن «أولادكم» بما يذكر «للذكر» منهم «مثل حظ» نصيب «الأنثيين» إذا اجتمعنا معه فله نصف المال ولهما النصف فإن كان معه واحدة فلها الثلث وله الثلثان وإن انفرد جاز المال «فإن كنَّ» أي الأولاد «نساءً» فقط «فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك» الميت وكذا الاثنتان لأنه للأختين بقوله «فلهما الثلثان مما ترك» فهما أولى به ولأن البنت تستحق الثلث مع الذكر فمع الأنثى أولى (وفوق) قيل صلة وقيل لدفع توهم زيادة النصيب بزيادة العدد لما فهم استحقاق البنتين الثلثين من جعل الثلث للواحدة مع الذكر «وإن كانت» المولودة «واحدة» وفي قراءة بالرفع فكان تامة «فلها النصف ولأبويه» أي الميت ويبدل منهما «لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد» ذكر أو أنثى ونكتة البدل إفادة أنهما لا يشتركان فيه وألحق بالولد ولد الابن وبالأب الجد «فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه» فقط أو مع زوج «فلأمه» بضم الهمزة وكسرها فرارا من الانتقال من ضمة إلى كسرة لثقله في الموضعين «الثلث» أي ثلث المال أو ما ينبغي بعد الزوج والباقي للأب «فإن كان له إخوة» أي اثنان فصاعدا ذكورا أو إناثا «فلأمه السدس» والباقي للأب ولا شيء للأخوة وإرث من ذكر ما ذُكر «من بعد» تنفيذ «وصية يوصي» بالبناء للفاعل والمفعول «بها أو» قضاء «دين» عليه وتقديم الوصية على الدين وإن كانت مؤخرة عنه في الوفاء للاهتمام بها «آباؤكم وأبناؤكم» مبتدأ خبره «لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا» في الدنيا والآخرة فظان أن ابنه أنفع له فيعطيه الميراث فيكون الأب أنفع وبالعكس وإنما العالم بذلك هو الله ففرض لكم الميراث «فريضة من الله إن الله كان عليما» بخلقه «حكيما» فيما دبَّره لهم: أي لم يزل متصفا بذلك.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين: أحدهما: النسب، والآخر العهد، أما النسب فهم ما كانوا يورثون الصغار ولا الاناث. وإنما كانوا يورثون من الأقارب الرجال الذين يقاتلون على الخيل ويأخذون الغنيمة، وأما العهد فمن وجهين: الأول: الحلف، كان الرجل في الجاهلية يقول لغيره: دمي دمك، وهدمي هدمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، فاذا تعاهدوا على هذا الوجه فأيهما مات قبل صاحبه كان للحي ما اشترط من مال الميت، والثاني: التبني، فان الرجل منهم كان يتبنى ابن غيره فينسب إليه دون أبيه من النسب ويرثه، وهذا التبني نوع من أنواع المعاهدة، ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم تركهم في أول الأمر على ما كانوا عليه في الجاهلية، ومن العلماء من قال: بل قررهم الله على ذلك فقال: {أية : وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ } تفسير : [النساء: 33] والمراد التوارث بالنسب. ثم قال: {أية : وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } تفسير : [النساء: 33] والمراد به التوارث بالعهد، والأولون قالوا المراد بقوله: {وَٱلَّذِينَ عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} ليس المراد منه النصيب من المال، بل المراد فآتوهم نصيبهم من النصرة والنصيحة وحسن العشرة، فهذا شرح أسباب التوارث في الجاهلية. وأما أسباب التوارث في الاسلام، فقد ذكرنا أن في أول الأمر قرر الحلف والتبني، وزاد فيه أمرين آخرين: أحدهما: الهجرة، فكان المهاجر يرث من المهاجر. وان كان أجنبيا عنه، إذا كان كل واحد منهما مختصا بالآخر بمزيد المخالطة والمخالصة، ولا يرثه غير المهاجر، وإن كان من أقاربه. والثاني: المؤاخاة، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين كل اثنين منهم، وكان ذلك سببا للتوارث، ثم إنه تعالى نسخ كل هذه الأسباب بقوله: {أية : وَأُوْلُواْ ٱلارْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } تفسير : [الأحزاب: 6] والذي تقرر عليه دين الاسلام أن أسباب التوريث ثلاثة: النسب، والنكاح، والولاء. المسألة الثانية: روى عطاء قال: استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين وامرأة وأخا، فأخذ الأخ المال كله، فأتت المرأة وقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد، وإن سعداً قتل وان عمهما أخذ مالهما، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ارجعي فلعل الله سيقضي فيه» تفسير : ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمهما وقال: «حديث : أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن وما بقي فهو لك.تفسير : فهذا أول ميراث قسم في الاسلام المسألة الثالثة: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنه تعالى لما بين الحكم في مال الأيتام، وما على الأولياء فيه، بين كيف يملك هذا اليتيم المال بالارث، ولم يكن ذلك إلا ببيان جملة أحكام الميراث، الثاني: أنه تعالى أثبت حكم الميراث بالاجمال في قوله: {أية : لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلاْقْرَبُونَ } تفسير : [النساء: 7] فذكر عقيب ذلك المجمل، هذا المفصل فقال: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ }. المسألة الرابعة: قال القفال: قوله: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ } أي يقول الله لكم قولا يوصلكم الى إيفاء حقوق أولادكم بعد موتكم، وأصل الايصاء هو الايصال يقال: وصى يصي اذا وصل، وأوصى يوصي اذا أوصل، فاذا قيل: أوصاني فمعناه أوصلني الى علم ما أحتاج إلى علمه، وكذلك وصى وهو على المبالغة قال الزجاج: معنى قوله ههنا: {يُوصِيكُمُ } أي يفرض عليكم، لأن الوصية من الله إيجاب والدليل عليه قوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ } ولا شك في كون ذلك واجبا علينا. فان قيل: انه لا يقال في اللغة أوصيك لكذا فكيف قال ههنا: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلاْنْثَيَيْنِ }. قلنا: لما كانت الوصية قولا، لا جرم ذكر بعد قوله: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ } خبرا مستأنفا وقال: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلاْنْثَيَيْنِ } ونظيره قوله تعالى: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } تفسير : [الفتح: 29] أي قال الله: لهم مغفرة لأن الوعد قول. المسألة الخامسة: اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأولاد وإنما فعل ذلك لأن تعلق الانسان بولده أشد التعلقات، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : فاطمة بضعة مني»تفسير : فلهذا السبب قدم الله ذكر ميراثهم. واعلم أن للأولاد حال انفراد، وحال اجتماع مع الوالدين: أما حال الانفراد فثلاثة، وذلك لأن الميت إما أن يخلف الذكور والاناث معا، وإما أن يخلف الاناث فقط، أو الذكور فقط. القسم الأول: ما اذا خلف الذكران والاناث معا، وقد بين الله الحكم فيه بقوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ }. واعلم أن هذا يفيد أحكاما: أحدهما: اذا خلف الميت ذكراً واحدا وأنثى واحدة فللذكر سهمان وللأنثى سهم، وثانيها: إذا كان الوارث جماعة من الذكور وجماعة من الاناث كان لكل ذكر سهمان، ولك أنثى سهم. وثالثها: إذا حصل مع الأولاد جمع آخرون من الوارثين كالأبوين والزوجين فهم يأخذون سهامهم، وكان الباقي بعد تلك السهام بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين فثبت أن قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } يفيد هذه الأحكام الكثيرة. القسم الثاني: ما إذا مات وخلف الاناث فقط: بين تعالى أنهم إن كن فوق اثنتين، فلهن الثلثان، وإن كانت واحدة فلها النصف، إلا أنه تعالى لم يبين حكم البنتين بالقول الصريح. واختلفوا فيه، فعن ابن عباس أنه قال: الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا، وأما فرض البنتين فهو النصف، واحتج عليه بأنه تعالى قال: {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } وكلمة «إن» في اللغة للاشتراط، وذلك يدل على أن أخذ الثلثين مشروط بكونهن ثلاثا فصاعداً، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين. والجواب من وجوه: الأول: أن هذا الكلام لازم على ابن عباس، لأنه تعالى قال: {وَإِن كَانَتْ وٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنّصْفُ } فجعل حصول النصف مشروطاً بكونها واحدة، وذلك ينفي حصول النصف نصيباً للبنتين، فثبت أن هذا الكلام إن صح فهو يبطل قوله. الثاني: أنا لا نسلم أن كلمة «ان» تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف؛ ويدل عليه أنه لو كان الأمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين، لأن الاجماع دل على أن نصيب الثنتين إما النصف، وإما الثلثان، وبتقدير أن يكون كلمة «إن» للاشتراط وجب القول بفسادهما، فثبت أن القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فكان باطلا، ولأنه تعالى قال: {أية : وَإِن لَّمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ } تفسير : [البقرة: 283] وقال: {أية : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم}تفسير : [النساء:101]، ولا يمكن أن يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات. الوجه الثالث: في الجواب: هو أن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير: فان كن نساء اثنتين فما فوقهما فلهن الثلثان، فهذا هو الجواب عن حجة ابن عباس، وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان، قالوا: وإنما عرفنا ذلك بوجوه: الأول: قال أبو مسلم الاصفهاني: عرفناه من قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } وذلك لأن من مات وخلف ابنا وبنتا فههنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } فاذا كان نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين، ونصيب الذكر ههنا هو الثلثان، وجب لا محالة أن يكون نصيب الابنتين الثلثين، الثاني: قال أبو بكر الرازي: اذا مات وخلف ابنا وبنتا فههنا نصيب البنت الثلث بدليل قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } فاذا كان نصيب البنت مع الولد الذكر هو الثلث، فبأن يكون نصيبهما مع ولد آخر أنثى هو الثلث كان أولى، لأن الذكر أقوى من الأنثى. الثالث: أن قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } يفيد أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الأنثى الواحدة، وإلا لزم أن يكون حظ الذكر مثل حظ الأنثى الواحدة وذلك على خلاف النص، واذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الواحدة فنقول وجب أن يكون ذلك هو الثلثان، لأنه لا قائل بالفرق، والرابع: أنا ذكرنا في سبب نزول هذه الآية أنه عليه الصلاة والسلام أعطى بنتي سعد بن الربيع الثلثين، وذلك يدل على ما قلناه. الخامس: أنه تعالى ذكر في هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن، ولم يذكر حكم الثنتين، وقال في شرح ميراث الأخوات: {إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ}{أية : فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ }تفسير : [النساء: 176] فههنا ذكر ميراث الأخت الواحدة والأختين ولم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة، فصار كل واحدة من هاتين الآيتين مجملا من وجه ومبينا من وجه، فنقول: لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بذلك، لأنهما أقرب الى الميت من الأختين، ولما كان نصيب البنات الكثيرة لا يزداد على الثلثين وجب أن لا يزداد نصيب الأخوات الكثيرة على ذلك، لأن البنت لما كانت أشد اتصالا بالميت امتنع جعل الأضعف زائدا على الأقوى، فهذا مجموع الوجوه المذكورة في هذا الباب، فالوجوه الثلاثة الاول مستنبطة من الآية، والرابع مأخوذ من السنة، والخامس من القياس الجلي. أما القسم الثالث: وهو اذا مات وخلف الأولاد الذكور فقط فنقول: أما الابن الواحد فانه اذا انفرد أخذ كل المال، وبيانه من وجوه: الاول من دلالة قوله تعالى: {أية : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } تفسير : [النساء: 176] فان هذا يدل على أن نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين. ثم قال تعالى في البنات: {وَإِن كَانَتْ وٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنّصْفُ } فلزم من مجموع هاتين الآيتين ان نصيب الابن المفرد جميع المال. الثاني: أنا نستفيد ذلك من السنة وهي قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما أبقت السهام فلا ولى عصبة ذكر»تفسير : ولا نزاع ان الابن عصبة ذكر، ولما كان الابن آخذاً لكل ما بقي بعد السهام وجب فيما إذا لم يكن سهام أن يأخذ الكل. الثالث: ان أقرب العصبات إلى الميت هو الابن، وليس له بالاجماع قدر معين من الميراث، فاذا لم يكن معه صاحب فرض لم يكن له ان يأخذ قدرا أولى منه بأن يأخذ الزائد، فوجب أن يأخذ الكل. فان قيل: حظ الانثيين هو الثلثان فقوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } يقتضي أن يكون حظ الذكر مطلقا هو الثلث، وذلك ينفي أن يأخذ كل المال. قلنا: المراد منه حال الاجتماع لا حال الانفراد، ويدل عليه وجهان: أحدهما: ان قوله: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ } يقتضي حصول الأولاد، وقوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } يقتضي حصول الذكر والانثى هناك. والثاني: أنه تعالى ذكر عقيبه حال الانفراد، هذا كله إذا مات وخلف ابنا واحدا فقط، أما إذا مات وخلف أبناء كانوا متشاركين في جهة الاستحقاق ولا رجحان، فوجب قسمة المال بينهم بالسوية والله أعلم. بقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: لا شك أن المرأة أعجز من الرجل لوجوه: أما أولا فلعجزها عن الخروج والبروز، فان زوجها وأقاربها يمنعونها من ذلك. وأما ثانيا: فلنقصان عقلها وكثرة اختداعها واغترارها. وأما ثالثا: فلأنها متى خالطت الرجال صارت متهمة، وإذا ثبت أن عجزها أكمل وجب أن يكون نصيبها من الميراث أكثر، فان لم يكن أكثر فلا أقل من المساواة، فما الحكمة في أنه تعالى جعل نصيبها نصف نصيب الرجل. والجواب عنه من وجوه: الأول: أن خروج المرأة أقل، لأن زوجها ينفق عليها، وخروج الرجل أكثر لأنه هو المنفق على زوجته، ومن كان خروجه أكثر فهو إلى المال أحوج. الثاني: أن الرجل أكمل حالا من المرأة في الخلقة وفي العقل وفي المناصب الدينية، مثل صلاحية القضاء والامامة، وأيضا شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، ومن كان كذلك وجب أن يكون الانعام عليه أزيد. الثالث: ان المرأة قليلة العقل كثيرة الشهوة، فاذا انضاف اليها المال الكثير عظم الفساد قال الشاعر:شعر : إن الفراغ والشباب والجده مفسدة للمرء أي مفسده تفسير : وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّءاهُ ٱسْتَغْنَىٰ } تفسير : [العلق: 6، 7] وحال الرجل بخلاف ذلك. والرابع: أن الرجل لكمال عقله يصرف المال إلى ما يفيده الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة، نحو بناء الرباطات، وإعانة الملهوفين والنفقة على الأيتام والأرامل، وإنما يقدر الرجل على ذلك لأنه يخالط الناس كثيرا، والمرأة تقل مخالطتها مع الناس فلا تقدر على ذلك. الخامس: روي أن جعفر الصادق سئل عن هذه المسألة فقال: إن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها، ثم أخذت حفنة أخرى ودفعتها إلى آدم، فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها، فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل. السؤال الثاني: لم لم يقل: للأنثيين مثل حظ الذكر، أو للأنثى مثلا نصف حظ الذكر؟ والجواب من وجوه: الأول: لما كان الذكر أفضل من الأنثى قدم ذكره على ذكر الأنثى، كما جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى. الثاني: أن قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأنْثَيَيْنِ } يدل على فضل الذكر بالمطابقة وعلى نقص الأنثى بالالتزام، ولو قال: كما ذكرتم لدل ذلك على نقص الأنثى بالمطابقة وفضل الذكر بالالتزام، فرجح الطريق الأول تنبيها على أن السعي في تشهير الفضائل يجب أن يكون راجحا على السعي في تشهير الرذائل، ولهذا قال: {أية : إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }تفسير : [الإسراء: 7] فذكر الاحسان مرتين والاساءة مرة واحدة. الثالث: أنهم كانوا يورثون الذكور دون الاناث وهو السبب لورود هذه الآية، فقيل: كفى للذكر أن جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى، فلا ينبغى له أن يطمع في جعل الأنثى محرومة عن الميراث بالكلية، والله أعلم. المسألة السادسة: لا شك أن اسم الولد واقع على ولد الصلب على سبيل الحقيقة، ولا شك أنه مستعمل في ولد الابن قال تعالى: {أية : يا بني آدم}تفسير : [الأعراف: 26] وقال للذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام: {أية : يا بَنِى إِسْرٰءيلَ } تفسير : [البقرة: 40] الا أن البحث في أن لفظ الولد يقع على ولد الابن مجازاً أو حقيقة. فان قلنا: إنه مجاز فنقول: ثبت في أصول الفقه أن اللفظ الواحد لا يجوز أن يستعمل دفعة واحدة في حقيقته وفي مجازه معا، فحينئذ يمتنع أن يريد الله بقوله: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ } ولد الصلب وولد الابن معا. واعلم أن الطريق في دفع هذا الاشكال أن يقال: انا لا نستفيد حكم ولد الابن من هذه الآية بل من السنة ومن القياس، وأما ان أردنا أن نستفيده من هذه الآية فنقول: الولد وولد الابن ما صارا مرادين من هذه الآية معا، وذلك لأن أولاد الابن لا يستحقون الميراث إلا في إحدى حالتين، إما عند عدم ولد الصلب رأسا، وإما عند ما لا يأخذ ولد الصلب كل الميراث، فحينئذ يقتسمون الباقي، وأما أن يستحق ولد الابن مع ولد الصلب على وجه الشركة بينهم كما يستحقه أولاد الصلب بعضهم مع بعض فليس الأمر كذلك، وعلى هذا لا يلزم من دلالة هذه الآية على الولد وعلى ولد الابن أن يكون قد أريد باللفظ الواحد حقيقته ومجازه معا، لأنه حين أريد به ولد الصلب ما أريد به ولد الابن، وحين أريد به ولد الابن ما أريد به ولد الصلب، فالحاصل ان هذه الآية تارة تكون خطابا مع ولد الصلب وأخرى مع ولد الابن، وفي كل واحدة من هاتين الحالتين يكون المراد به شيئا واحداً، أما إذا قلنا: ان وقوع اسم الولد على ولد الصلب وعلى ولد الابن يكون حقيقة، فان جعلنا اللفظ مشتركا بينهما عاد الاشكال، لأنه ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك لافادة معنييه معا، بل الواجب أن يجعله متواطئا فيهما كالحيوان بالنسبة إلى الانسان والفرس. والذي يدل على صحة ذلك قوله تعالى: {أية : وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ } تفسير : [النساء: 23] وأجمعوا أنه يدخل فيه ابن الصلب وأولاد الابن، فعلمنا أن لفظ الابن متواطىء بالنسبة إلى ولد الصلب وولد الابن، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال. واعلم أن هذا البحث الذي ذكرناه في أن الابن هل يتناول أولاد الابن قائم في أن لفظ الأب والأم هل يتناول الأجداد والجدات؟ ولا شك أن ذلك واقع بدليل قوله تعالى: {أية : نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } تفسير : [البقرة: 133] والأظهر أنه ليس على سبيل الحقيقة، فإن الصحابة اتفقوا على أنه ليس للجد حكم مذكور في القرآن، ولو كان اسم الأب يتناول الجد على سبيل الحقيقة لما صح ذلك والله أعلم. المسألة السابعة: اعلم أن عموم قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } زعموا أنه مخصوص في صور أربعة: أحدها: أن الحر والعبد لا يتوارثان. وثانيها: أن القاتل على سبيل العمد لا يرث. وثالثها: أنه لا يتوارث أهل ملتين، وهذا خبر تلقته الأمة بالقبول وبلغ حد المستفيض، ويتفرع عليه فرعان: الفرع الأول: اتفقوا على أن الكافر لا يرث من المسلم، أما المسلم فهل يرث من الكافر؟ ذهب الأكثرون إلى أنه أيضاً لا يرث، وقال بعضهم: إنه يرث قال الشعبي: قضى معاوية بذلك وكتب به إلى زياد، فأرسل ذلك زياد إلى شريح القاضي وأمره به، وكان شريح قبل ذلك يقضي بعدم التوريث، فلما أمره زياد بذلك كان يقضي به ويقول: هكذا قضى أمير المؤمنين. حجة الأولين عموم قوله عليه السلام: «حديث : لا يتوارث أهل ملتين»تفسير : وحجة القول الثاني: ما روي أن معاذا كان باليمن فذكروا له أن يهوديا مات وترك أخا مسلما فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الاسلام يزيد ولا ينقص» تفسير : ثم أكدوا ذلك بأن قالوا إن ظاهر قوله: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلاْنْثَيَيْنِ } يقتضي توريث الكافر من المسلم، والمسلم من الكافر، إلا أنا خصصناه بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا يتوارث أهل ملتين»تفسير : لأن هذا الخبر أخص من تلك الآية، والخاص مقدم على العام فكذا ههنا قوله: «حديث : الاسلام يزيد ولا ينقص» تفسير : أخص من قوله: «حديث : لا يتوارث أهل ملتين»تفسير : فوجب تقديمه عليه، بل هذا التخصيص أولى، لأن ظاهر هذا الخبر متأكد بعموم الآية، والخبر الأول ليس كذلك، وأقصى ما قيل في جوابه: أن قوله: «حديث : الاسلام يزيد ولا ينقص» تفسير : ليس نصا في واقعة الميراث،فوجب حمله على سائر الأحوال. الفرع الثاني: المسلم إذا ارتد ثم مات أو قتل، فالمال الذي اكتسبه في زمان الردة أجمعوا على أنه لا يورث، بل يكون لبيت المال، أما المال الذي اكتسبه حال كونه مسلما ففيه قولان: قال الشافعي: لا يورث بل يكون لبيت المال، وقال أبو حنيفة: يرثه ورثته من المسلمين، حجة الشافعي أنا أجمعنا على ترجيح قوله عليه السلام: «حديث : لا يتوارث أهل ملتين» تفسير : على عموم قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } والمرتد وورثته من المسلمين أهل ملتين، فوجب أن لا يحصل التوارث. فان قيل: لا يجوز أن يقال: إن المرتد زال ملكه في آخر الاسلام وانتقل إلى الوارث، وعلى هذا التقدير فالمسلم انما ورث عن المسلم لا عن الكافر. قلنا: لو ورث المسلم من المرتد لكان إما أن يرثه حال حياة المرتد أو بعد مماته، والأول باطل، ولا يحل له أن يتصرف في تلك الأموال لقوله تعالى: {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } تفسير : [المؤمنون: 6] وهو بالاجماع باطل. والثاني: باطل لأن المرتد عند مماته كافر فيفضي إلى حصول التوارث بين أهل ملتين، وهو خلاف الخبر. ولا يبقى ههنا إلا أن يقال: إنه يرثه بعد موته مستنداً إلى آخر جزء من أجزاء إسلامه، إلا أن القول بالاستناد باطل، لأنه لما لم يكن الملك حاصلا حال حياة المرتد، فلو حصل بعد موته على وجه صار حاصلا في زمن حياته لزم إيقاع التصرف في الزمان الماضي، وذلك باطل في بداهة العقول، وإن فسر الاستناد بالتبيين عاد الكلام إلى أن الوارث ورثه من المرتد حال حياة المرتد، وقد أبطلناه، والله أعلم. الموضع الرابع: من تخصيصات هذه الآية ما هو مذهب أكثر المجتهدين أن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون، والشيعة خالفوا فيه، روي أن فاطمة عليها السلام لما طلبت الميراث ومنعوها منه، احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» تفسير : فعند هذا احتجت فاطمة عليها السلام بعموم قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } وكأنها أشارت إلى أن عموم القرآن لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد، ثم ان الشيعة قالوا: بتقدير أن يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد إلا أنه غير جائز ههنا، وبيانه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على خلاف قوله تعالى: حكاية عن زكريا عليه السلام {أية : يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ } تفسير : [مريم: 6] وقوله تعالى: {أية : وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُودُ } تفسير : [النمل: 16] قالوا: ولا يمكن حمل ذلك على وراثة العلم والدين لأن ذلك لا يكون وراثة في الحقيقة. بل يكون كسباً جديداً مبتدأ، إنما التوريث لا يتحقق إلا في المال على سبيل الحقيقة، وثانيها: أن المحتاج إلى معرفة هذه المسألة ما كان إلا فاطمة وعلي والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء وأهل الدين، وأما أبو بكر فانه ما كان محتاجا الى معرفة هذه المسألة البتة، لأنه ما كان ممن يخطر بباله أنه يرث من الرسول عليه الصلاة والسلام فكيف يليق بالرسول عليه الصلاة والسلام أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة، وثالثها: يحتمل أن قوله: «حديث : ما تركناه صدقة» تفسير : صلة لقوله: «حديث : لا نورث» تفسير : والتقدير: أن الشيء الذي تركناه صدقة، فذلك الشيء لا يورث. فان قيل: فعلى هذا التقدير لا يبقى للرسول خاصية في ذلك. قلنا: بل تبقى الخاصية لاحتمال أن الأنبياء إذا عزموا على التصدق بشيء فبمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم ولا يرثه وارث عنهم، وهذا المعنى مفقود في حق غيرهم. والجواب: أن فاطمة عليها السلام رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة، وانعقد الاجماع على صحة ما ذهب اليه أبو بكر فسقط هذا السؤال، والله أعلم. المسألة الثامنة: من المسائل المتعلقة بهذه الآية أن قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } معناه للذكر منهم، فحذف الراجع اليه لأنه مفهوم، كقولك: السمن منوان بدرهم، والله أعلم. أما قوله تعالى: {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } المعنى إن كانت البنات أو المولودات نساء خلصا ليس معهن ابن، وقوله: {فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ } يجوز أن يكون خبرا ثانيا لكان، وأن يكون صفة لقوله: {نِسَاء } أي نساء زائدات على اثنتين. وههنا سؤالات. السؤال الأول: قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } كلام مذكور لبيان حظ الذكر من الأولاد، لا لبيان حظ الأنثيين، فكيف يحسن إرادته بقوله: {فَإِن كُنَّ نِسَاء } وهو لبيان حظ الاناث. والجواب من وجهين: الأول: أنا بينا أن قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } دل على أن حظ الأنثيين هو الثلثان، فلما ذكر ما دل على حكم الأنثيين قال بعده: {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } على معنى: فان كن جماعة بالغات ما بلغن من العدد، فلهن ما للثنتين وهو الثلثان، ليعلم أن حكم الجماعة حكم الثنتين بغير تفاوت، فثبت أن هذا العطف متناسب. الثاني: أنه قد تقدم ذكر الأنثيين، فكفى هذا القول في حسن هذا العطف. السؤال الثاني: هل يصح أن يكون الضميران في «كن» و«كانت» مبهمين ويكون «نساء» و«واحدة» تفسيراً لهما على ان «كان» تامة؟ الجواب: ذكر صاحب «الكشاف»: أنه ليس ببعيد. السؤال الثالث: النساء: جمع، وأقل الجمع ثلاثة، فالنساء يجب أن يكن فوق اثنتين فما الفائدة في التقييد بقوله فوق اثنتين؟ الجواب: من يقول أقل الجمع اثنان فهذه الآية حجته، ومن يقول: هو ثلاثة قال هذا للتأكيد، كما في قوله: {أية : إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } تفسير : [النساء: 10] وقوله: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ }تفسير : [النحل: 51]. أما قوله تعالى: {وَإِن كَانَتْ وٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنّصْفُ } فنقول: قرأ نافع (واحدة) بالرفع، والباقون بالنصب، أما الرفع فعلى كان التامة، والاختيار النصب لأن التي قبلها لها خبر منصوب وهو قوله:{فَإِن كُنَّ نِسَاء} والتقدير: فان كان المتروكات أو الوارثات نساء فكذا ههنا، التقدير: وإن كانت المتروكة واحدة، وقرأ زيد بن علي: النصف، بضم النون. قوله تعالى: {وَلأِبَوَيْهِ لِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ }. اعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية ميراث الأولاد ذكر بعده ميراث الأبوين، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ الحسن ونعيم بن أبي ميسر {ٱلسُّدُسُ } بالتخفيف وكذلك الربع و{ٱلثُّمُنُ }. المسألة الثانية: اعلم أن للأبوين ثلاثة أحوال. الحالة الأولى: أن يحصل معهما ولد وهو المراد من هذه الآية، واعلم أنه لا نزاع أن اسم الولد يقع على الذكر والانثى، فهذه الحالة يمكن وقوعها على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يحصل مع الأبوين ولد ذكر واحد، أو أكثر من واحد، فههنا الابوان لكل واحد منهما السدس. وثانيها: أن يحصل مع الأبوين بنتان أو أكثر، وههنا الحكم ما ذكرناه أيضا. وثالثها: أن يحصل مع الأبوين بنت واحدة فههنا للبنت النصف، وللام السدس وللأب السدس بحكم هذه الآية. والسدس الباقي أيضا للأب بحكم التعصيب، وههنا سؤالات. السؤال الأول: لا شك أن حق الوالدين على الانسان أعظم من حق ولده عليه، وقد بلغ حق الوالدين إلى أن قرن الله طاعته بطاعتهما فقال: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } وإذا كان كذلك فما السبب في أنه تعالى جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل؟ والجواب عن هذا في نهاية الحسن والحكمة، وذلك لأن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل فكان احتياجهما إلى المال قليلا، أما الأولاد فهم في زمن الصبا فكان احتياجهم إلى المال كثيرا فظهر الفرق. السؤال الثاني: الضمير في قوله: {وَلأِبَوَيْهِ } إلى ماذا يعود؟ الجواب: أنه ضمير عن غير مذكور، والمراد: ولأبوي الميت. السؤال الثالث: ما المراد بالأبوين؟ والجواب: هما الأب والأم، والأصل في الأم أن يقال لها أبة، فأبوان تثنية أب وأبة. السؤال الرابع: كيف تركيب هذه الآية. الجواب: قوله: {لِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا } بدل من قوله: {لأبويه} بتكرير العامل، وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس لكان ظاهره اشتراكهما فيه. فان قيل: فهلا قيل لكل واحد من أبويه السدس. قلنا: لأن في الابدال والتفصيل بعد الاجمال تأكيداً وتشديدا، والسدس مبتدأ وخبره: لأبويه، والبدل متوسط بينهما للبيان. قوله تعالى: { فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمّهِ ٱلثُّلُثُ }. وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الحالة الثانية من أحوال الأبوين، وهو أن لا يحصل معهما أحد من الأولاد، ولا يكون هناك وارث سواهما، وهو المراد من قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } فههنا للأم الثلث، وذلك فرض لها، والباقي للأب، وذلك لأن قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } ظاهره مشعر بأنه لا وارث له سواهما، واذا كان كذلك كان مجموع المال لهما، فاذا كان نصيب الأم هو الثلث وجب أن يكون الباقي وهو الثلثان للأب، فههنا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين كما في حق الأولاد، ويتفرع على ما ذكرنا فرعان: الأول: أن الآية السابقة دلت على أن فرض الاب هو السدس، وفي هذه الصورة يأخذ الثلثين إلا أنه ههنا يأخذ السدس بالفريضة، والنصف بالتعصيب. الثاني: لما ثبت أنه يأخذ النصف بالتعصيب في هذه الصورة وجب أن يكون الأب اذا انفرد أن يأخذ كل المال، لأن خاصية العصبة هو أن يأخذ الكل عند الانفراد، هذا كله اذا لم يكن للميت وارث سوى الأبوين، أما اذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فذهب أكثر الصحابة الى أن الزوج يأخذ نصيبه ثم يدفع ثلث ما بقي الى الأم، ويدفع الباقي الى الأب، وقال ابن عباس: يدفع الى الزوج نصيبه، والى الأم الثلث، ويدفع الباقي الى الأب، وقال: لا أجد في كتاب الله ثلث ما بقي، وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين، وخالفه في الزوج والأبوين، لأنه يفضي الى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين، وأما في الزوجة فانه لا يفضي الى ذلك، وحجة الجمهور وجوه: الأول: أن قاعدة الميراث أنه متى اجتمع الرجل والمرأة من جنس واحد كان للذكر مثل حظ الأنثيين، ألا ترى أن الابن مع البنت كذلك قال تعالى:{يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ} وأيضا الأخ مع الأخت كذلك قال تعالى: {أية : وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ ٱلأُنثَيَيْنِ }تفسير : [النساء: 176] وأيضا الأم مع الأب كذلك، لأنا بينا أنه اذا كان لا وارث غيرهما فللأم الثلث، وللأب الثلثان، اذا ثبت هذا فنقول: اذا أخذ الزوج نصيبه وجب أن يبقى الباقي بين الأبوين أثلاثا، للذكر مثل حظ الأنثيين. الثاني: أن الأبوين يشبهان شريكين بينهما مال، فاذا صار شيء منه مستحقا بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق الأول، الثالث: أن الزوج إنما أخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة، فأشبه الوصية في قسمة الباقي، الرابع: أن المرأة اذا خلفت زوجا وأبوين فللزوج النصف، فلو دفعنا الثلث الى الأم والسدس الى الأب لزم أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين، وهذا خلاف قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ }. واعلم أن الوجوه الثلاثة الأول: يرجع حاصلها الى تخصيص عموم القرآن بالقياس. وأما الوجه الرابع: فهو تخصيص لأحد العمومين بالعموم الثاني. المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي {فَلأُِمّهِ } بكسر الهمزة والميم وشرطوا في جواز هذه الكسرة أن يكون ما قبلها حرفا مكسوراً أو ياء. أما الأول: فكقوله: {أية : فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ } تفسير : [الزمر: 6]. وأما الثاني: فكقوله: {أية : فِى أُمّهَا رَسُولاً } تفسير : [القصص: 59] وإذا لم يوجد هذا الشرط فليس إلا الضم كقوله: {وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءايَةً } وأما الباقون فإنهم قرؤا بضم الهمزة، أما وجه من قرأ بالكسر قال الزجاج: انهم استثقلوا الضمة بعد الكسرة في قوله: {فَلأِمّهِ } وذلك لأن اللام لشدة اتصالها بالأم صار المجموع كأنه كلمة واحدة، وليس في كلام العرب فعل بكسر الفاء وضم العين، فلا جرم جعلت الضمة كسرة، وأما وجه من قرأ الهمزة بالضم فهو أتى بها على الأصل، ولا يلزم منه استعمال فعل لأن اللام في حكم المنفصل، والله أعلم. قوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِهِ ٱلسُّدُسُ }. اعلم أن هذا هو الحالة الثالثة من أحوال الأبوين وهي أن يوجد معهما الأخوة، والأخوات وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اتفقوا على أن الأخت الواحدة لا تحجب الأم من الثلث إلى السدس، واتفقوا على أن الثلاثة يحجبون، واختلفوا في الأختين، فالأكثرون من الصحابة على القول باثبات الحجب كما في الثلاثة، وقال ابن عباس: لا يحجبان كما في حق الواحدة، حجة ابن عباس أن الآية دالة على أن هذا الحجب مشروط بوجود الاخوة، ولفظ الاخوة جمع وأقل الجمع ثلاثة على ما ثبت في أصول الفقه، فاذا لم توجد الثلاثة لم يحصل شرط الحجب، فوجب أن لا يحصل الحجب. روي أن ابن عباس قال لعثمان: بم صار الاخوان يردان الأم من الثلث إلى السدس؟ وإنما قال الله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ } والأخوان في لسان قومك ليسا باخوة؟ فقال عثمان: لا أستطيع أن أرد قضاء قضى به من قبلي ومضى في الأمصار. واعلم أن في هذه الحكاية دلالة على أن أقل الجمع ثلاثة لأن ابن عباس ذكر ذلك مع عثمان، وعثمان ما أنكره، وهما كانا من صميم العرب، ومن علماء اللسان، فكان اتفاقهما حجة في ذلك. واعلم أن للعلماء في أقل الجمع قولين: الأول: أن أقل الجمع اثنان وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمة الله عليه، واحتجوا فيه بوجوه: أحدها: قوله تعالى: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } تفسير : [التحريم: 4] ولا يكون للانسان الواحد أكثر من قلب واحد، وثانيها: قوله تعالى: {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ } والتقييد بقوله: فوق اثنتين إنما يحسن لو كان لفظ النساء صالحاً للثنتين، وثالثها: قوله: «حديث : الاثنان فما فوقهما جماعة»تفسير : والقائلون بهذا المذهب زعموا أن ظاهر الكتاب يوجب الحجب بالأخوين، الا أن الذي نصرناه في أصول الفقه أن أقل الجمع ثلاثة، وعلى هذا التقدير فظاهر الكتاب لا يوجب الحجب بالأخوين، وإنما الموجب لذلك هو القياس، وتقريره أن نقول: الأختان يوجبان الحجب، وإذا كان كذلك فالأخوان وجب أن يحجبا أيضا، إنما قلنا إن الأختين يحجبان، وذلك لأنا رأينا أن الله تعالى نزل الاثنين من النساء منزلة الثلاثة في باب الميراث، ألا ترى أن نصيب البنتين ونصيب الثلاثة هو الثلثان، وأيضا نصيب الأختين من الأم ونصيب الثلاثة هو الثلث، فهذا الاستقراء يوجب أن يحصل الحجب بالأختين، كما أنه حصل بالأخوات الثلاثة، فثبت أن الأختين يحجبان، واذا ثبت ذلك في الأختين لزم ثبوته في الأخوين، لأنه لا قائل بالفرق، فهذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا الموضع، وفيه إشكال لأن إجراء القياس في التقديرات صعب لأنه غير معقول المعنى، فيكون ذلك مجرد تشبيه من غير جامع، ويمكن أن يقال: لا يتمسك به على طريقة القياس، بل على طريقة الاستقراء لأن الكثرة أمارة العموم، إلا أن هذا الطريق في غاية الضعف والله أعلم، واعلم أنه تأكد هذا باجماع التابعين على سقوط مذهب ابن عباس، والأصح في أصول الفقه أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة،والله أعلم. المسألة الثانية: الاخوة اذا حجبوا الأم من الثلث الى السدس فهم لا يرثون شيئا ألبتة، بل يأخذ الأب كل الباقي وهو خمسة أسداس، سدس بالفرض، والباقي بالتعصيب، وقال ابن عباس: الاخوة يأخذون السدس الذي حجبوا الأم عنه، وما بقي فللأب، وحجته أن الاستقراء دل على أن من لا يرث لا يحجب، فهؤلاء الاخوة لما حجبوا وجب أن يرثوا، وحجة الجمهور أن عند عدم الاخوة كان المال ملكا للأبوين، وعند وجود الاخوة لم يذكرهم الله تعالى إلا بأنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، ولا يلزم من كونه حاجبا كونه وارثا، فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين، كما كان قبل ذلك،والله أعلم. قوله تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا }. اعلم أن مسائل الوصايا تذكر في خاتمة هذه الآية، وههنا مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد والوالدين، قال: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ } أي هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء إذا فضل عن الوصية والدين، وذلك لأن أول ما يخرج من التركة الدين، حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق، فأما إذا لم يكن دين، أو كان إلا أنه قضى وفضل بعده شيء، فان أوصى الميت بوصية أخرجت الوصية من ثلث ما فضل، ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله. المسألة الثانية: روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إنكم لتقرؤن الوصية قبل الدين، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية. واعلم أن مراده رضي الله تعالى عنه التقديم في الذكر واللفظ، وليس مراده أن الآية تقتضي تقديم الوصية على الدين في الحكم لأن كلمة «أو» لا تفيد الترتيب ألبتة. واعلم أن الحكمة في تقديم الوصية على الدين في اللفظ من وجهين: الأول: أن الوصية مال يؤخذ بغير عوض فكان اخراجها شاقا على الورثة، فكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين، فان نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه، فلهذا السبب قدم الله ذكر الوصية على ذكر الدين في اللفظ بعثا على أدائها وترغيبا في اخراجها، ثم أكد في ذلك الترغيب بادخال كلمة «أو» على الوصية والدين، تنبيها على أنهما في وجوب الاخراج على السوية. الثاني: أن سهام المواريث كما أنها تؤخر عن الدين فكذا تؤخر عن الوصية، ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله كان سهام الورثة معتبرة بعد تسليم الثلث إلى الموصى له، فجمع الله بين ذكر الدين وذكر الوصية، ليعلمنا أن سهام الميراث معتبرة بعد الوصية كما هي معتبرة بعد الدين، بل فرق بين الدين وبين الوصية من جهة أخرى، وهي أنه لو هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصايا وفي أنصباء أصحاب الارث، وليس كذلك الدين، فانه لو هلك من المال شيء استوفى الدين كله من الباقي، وإن استغرقه بطل حق الموصى له وحق الورثة جميعا، فالوصية تشبه الإرث من وجه، والدين من وجه آخر، أما مشابهتها بالارث فما ذكرنا أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية والارث، وأما مشابهتها بالدين فلأن سهام أهل المواريث معتبرة بعد الوصية كما أنها معتبرة بعد الدين والله أعلم. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: ما معنى «أو» ههنا وهلا قيل: من بعد وصية يوصى بها ودين، والجواب من وجهين: الأول: أن «أو» معناها الاباحة كما لو قال قائل: جالس الحسن أو ابن سيرين والمعنى أن كل واحد منهما أهل أن يجالس، فان جالست الحسن فأنت مصيب، أو ابن سيرين فأنت مصيب، وإن جمعتهما فأنت مصيب، أما لو قال: جالس الرجلين فجالست واحدا منهما وتركت الآخر كنت غير موافق للأمر، فكذا ههنا لو قال: من بعد وصية ودين وجب في كل مال أن يحصل فيه الأمران، ومعلوم أنه ليس كذلك، أما اذا ذكره بلفظ «أو» كان المعنى أن أحدهما إن كان فالميراث بعده، وكذلك إن كان كلاهما. الثاني: أن كلمة «أو» اذا دخلت على النفي صارت في معنى الواو كقوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً } تفسير : [الإنسان: 24] وقوله: {أية : حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَا أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } تفسير : [الأنعام: 146] فكانت «أو» ههنا بمعنى الواو، فكذا قوله تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ } لما كان في معنى الاستثناء صار كأنه قال إلا أن يكون هناك وصية أو دين فيكون المراد بعدهما جميعا. المسألة الرابعة: قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم {يُوصِى } بفتح الصاد على ما لم يسم فاعله. وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر الصاد إضافة إلى الموصى وهو الاختيار بدليل قوله تعالى: {مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ }. قوله تعالى: {وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }. اعلم أن هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم وبين قوله: {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ } ومن حق الاعتراض أن يكون ما اعترض مؤكدا ما اعترض بينه ومناسبه، فنقول: إنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد وأنصباء الأبوين، وكانت تلك الأنصباء مختلفة والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات، والانسان ربما خطر بباله أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه كانت أنفع له وأصلح، لا سيما وقد كانت قسمة العرب للمواريث على هذا الوجه، وانهم كانوا يورثون الرجال الأقوياء، وما كانوا يورثون الصبيان والنسوان والضعفاء، فالله تعالى أزال هذه الشبهة بأن قال: إنكم تعلمون أن عقولكم لا تحيط بمصالحكم، فربما اعتقدتم في شيء أنه صالح لكم وهو عين المضرة وربما اعتقدتم فيه أنه عين المضرة ويكون عين المصلحة، وأما الاله الحكيم الرحيم فهو العالم بمغيبات الأمور وعواقبها، فكأنه قيل: أيها الناس اتركوا تقدير المواريث بالمقادير التي تستحسنها عقولكم، وكونوا مطيعين لأمر الله في هذه التقديرات التي قدرها لكم، فقوله: {وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً } اشارة إلى ترك ما يميل اليه الطبع من قسمة المواريث على الورثة، وقوله: {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ } اشارة إلى وجوب الانقياد لهذه القسمة التي قدرها الشرع وقضى بها، وذكروا في المراد من قوله: {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً } وجوها: الأول: المراد أقرب لكم نفعا في الآخرة، قال ابن عباس: إن الله ليشفع بعضهم في بعض، فأطوعكم لله عز وجل من الأبناء والآباء أرفعكم درجة في الجنة، وإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله اليه ولده بمسألته ليقر بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله إليه والديه، فقال: {لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً } لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعه في الجنة بهذا أكثر أم بذلك. الثاني: المراد كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة ما أوجب من الانفاق عليه والتربية له والذب عنه والثالث: المراد جواز أن يموت هذا قبل ذلك فيرثه وبالضد. قوله تعالى: {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ } هو منصوب نصب المصدر المؤكد أي فرض ذلك فرضا إن الله كان عليما حكيما، والمعنى أن قسمة الله لهذه المواريث أولى من القسمة التي تميل اليها طباعكم، لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فيكون عالما بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد، وأنه حكيم لا يأمر إلا بما هو الأصلح الأحسن، ومتى كان الأمر كذلك كانت قسمته لهذه المواريث أولى من القسمة التي تريدونها، وهذا نظير قوله للملائكة: {أية : إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 30]. فان قيل: لم قال: {كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } مع أنه الآن كذلك. قلنا: قال الخليل: الخبر عن الله بهذه الألفاظ كالخبر بالحال والاستقبال، لأنه تعالى منزه عن الدخول تحت الزمان، وقال سيبويه: القوم لما شاهدوا علماً وحكمة وفضلا وإحساناً تعجبوا، فقيل لهم: إن الله كان كذلك، ولم يزل موصوفا بهذه الصفات.

القرطبي

تفسير : فيه خمس وثلاثون مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} بيّن تعالى في هذه الآية ما أجمله في قوله: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ} {وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ} فدلّ هذا على جواز تأخير البيان عن وقت السؤال. وهذه الآية ركن من أركان الدين، وعمدة من عمد الأحكام، وأُمّ من أُمّهات الآيات؛ فإن الفرائض عظيمة القدر حتى أنها ثُلث العلم، وروي نصفُ العلم. وهو أوّل علم يُنزع من الناس ويُنسى. رواه الدارقطنيّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : تعلّموا الفرائض وعلِّموه الناس فإنه نصفُ العلم وهو أوّل شيء يُنسى وهو أوّل شيء يُنتزع من أُمّتي » تفسير : . وروي أيضاً عن عبد الله بن مسعود قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : تعلموا القرآن وعلموه الناس وتعلموا الفرائض وعلموها الناس وتعلموا العلم وعلموه الناس فإني ٱمرؤ مقبوض وإنّ العلم سيقبض وتظهر الفِتَن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يفصل بينهما » تفسير : . وإذا ثبت هذا فٱعلم أن الفرائض كان جُلّ علم الصحابة، وعظيم مناظرتهم، ولكنّ الخلق ضيّعوه. وقد روى مُطَرِّف عن مالك، قال عبد الله بن مسعود: من لم يتعلم الفرائضَ والطلاق والحج فبِم يفضل أهل البادية؟ وقال ٱبن وهب عن مالك: كنت أسمع ربيعة يقول: من تعلم الفرائض من غير علم بها من القرآن ما أسرع ما ينساها. قال مالك: وصدق. الثانية ـ روى أبو داود والدارقطنيّ عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : العلم ثلاثة وما سِوى ذلك فهو فضل: آية مُحكمةٌ أو سنّةٌ قائمة أو فريضةٌ عادلة » تفسير : . قال الخطّابِيّ أبو سليمان: الآية المحكمة هي كتاب الله تعالى: واشترط فيها الإحكام؛ لأن من الآي ما هو منسوخ لا يعمل به، وإنما يعمل بناسخه. والسنة القائمة هي الثابتة مما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من السنن الثابتة. وقوله: « حديث : أو فريضة عادلة » تفسير : يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما ـ أن يكون من العدل في القسمة؛ فتكون معدّلة على الأنصباء والسهام المذكورة في الكتاب والسنة. والوجه الآخر ـ أن تكون مُستنْبَطَة من الكتاب والسنة ومن معناهما؛ فتكون هذه الفرِيضة تعدِل ما أُخذ من الكتاب والسنة إذْ كانت في معنى ما أخذ عنهما نَصّاً. روى عِكرِمة قال: أرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت يسأله عن ٱمرأة تركت زوجها وأبويها. قال: للزوج النصف، وللأُمّ ثلث ما بقي. فقال: تجده في كتاب الله أو تقوله برأي؟ قال: أقوله برأي؛ لا أفضل أُمّا على أبٍ. قال أبو سليمان: فهذا من باب تعديل الفريضة إذا لم يكن فيها نَصٌّ؛ وذلك أنه اعتبرها بالمنصوص عليه، وهو قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ}. فلما وُجد نصيب الأُم الثلثُ، وكان باقي المال هو الثلثان للأب، قاس النصف الفاضل من المال بعد نصيب الزوج على كل المال إذا لم يكن مع الوالدين ٱبنٌ أو ذو سهم؛ فقسمه بينهما على ثلاثة، للأُمّ سهمٌ وللأب سهمان وهو الباقي. وكان هذا أعدل في القسمة من أن يُعطي الأُمّ من النصف الباقي ثلث جميع المال، وللأب ما بقي وهو السدس، ففضلها عليه فيكون لها وهي مَفْضولة في أصل الموروث أكثر مما للأب وهو المقدَّم والمفضَّل في الأصل. وذلك أعدل مما ذهب إليه ابن عباس من تَوْفير الثُلث على الأُمّ، وبَخْسِ الأبِ حقّه بردّه إلى السدس؛ فتُرِك قوله وصار عامّة الفقهاء إلى زيد. قال أبو عمر: وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه في زوج وأبوين: للزوج النصف، وللأُم ثلث جميع المال، وللأب ما بقي. وقال في ٱمرأة وأبوين: للمرأة الربع، وللأُمّ ثلث جميع المال، والباقي للأب. وبهذا قال شريح القاضي ومحمد بن سِيرين وداود بن عليّ، وفرقة منهم أبو الحسن محمد بن عبد الله الفرضي المصري المعروف بابن اللّبّان في المسألتين جميعاً وزعم أنه قياس قول عليّ في المشتركة وقال في موضع آخر: أنّه قد روي ذلك عن عليّ أيضاً. قال أبو عمر: المعروف المشهور عن عليّ وزيد وعبد الله وسائرِ الصحابة وعامّة العلماء ما رسمه مالك. ومن الحجة لهم على ابن عباس: أن الأبوَيْن إذا اشتركا في الوراثة، ليس معهما غيرهما، كان للأُم الثلث وللأب الثلثان. وكذلك إذا اشتركا في النصف الذي يفضل عن الزوج، كانا فيه كذلك على ثلث وثلثين. وهذا صحيح في النظر والقياس. الثالثة ـ وٱختلفت الروايات في سبب نزول آية المواريث؛ فروى الترمذيّ وأبو داود وابن ماجه والدارقطنِيّ عن جابر بن عبد الله حديث : أن ٱمرأة سَعْد ابن الربيع قالت: يا رسول الله، إن سعداً هلك وترك بنتين وأخاه، فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد، وإنما تنكح النساء على أموالهن؛ فلم يجبها في مجلسها ذلك. ثم جاءته فقالت: يا رسول الله، ابنتا سعد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادع لي أخاه» فجاء فقال له: «ادفع إلى ابنتيْه الثلثين وإلى ٱمرأته الثمن ولك ما بقي» تفسير : . لفظ أبي داود. في رواية الترمذيّ وغيره: فنزلت آية المواريث. قال: هذا حديث صحيح. وروى جابر أيضاً قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سَلمة يمشيان، فوجداني لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ، ثم رش عليّ منه فأفقت. فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ}. أخرجاه في الصحيحين. وأخرجه الترمذي وفيه «فقلت يا نبي الله كيف أقسم مالي بين ولديّ»؟ فلم يردّ عليّ شيئاً فنزلت {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} الآية. قال: «حديث حسن صحيح». وفي البخاريّ عن ابن عباس: أن نزول ذلك كان من أجل أن المال كان للولد، والوصية للوالدين؛ فنسخ ذلك بهذه الآيات. وقال مقاتل والكلبيّ: نزلت في أُمّ كُجَّة؛ وقد ذكرناها. السدّي: نزلت بسبب بنات عبد الرحمن بن ثابت أخي حَسّان بن ثابت. وقيل: إن أهل الجاهلية كانوا لا يورِّثون إلا من لاقَى الحروب وقاتل العدوّ؛ فنزلت الآية تبييناً أن لكل صغير وكبير حَظّه. ولا يبعد أن يكون جواباً للجميع؛ ولذلك تأخر نزولها. والله أعلم. قال الكيا الطبرِي: وقد ورد في بعض الآثار أن ما كانت الجاهلية تفعله من ترك توريث الصغير كان في صدر الإسلام إلى أن نسخته هذه الآية» ولم يثبت عندنا اشتمال الشريعة على ذلك، بل ثبت خلافه؛ فإن هذه الآية نزلت في ورثة سعد ابن الربيع. وقيل: نزلت في ورثة ثابت بن قيس بن شَمّاس. والأوّل أصح عند أهل النقل. فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الميراث من العمّ، ولو كان ذلك ثابتاً من قبل في شرعنا ما ٱسترجعه. ولم يثبت قط في شرعنا أن الصبيّ ما كان يعطى الميراث حتى يقاتل على الفرس ويذب عن الحرِيم. قلت: وكذلك قال القاضي أبو بكر بن العربيّ قال: ودل نزول هذه الآية على نكتة بديعة؛ وهو أنّ ما كانت (عليه) الجاهلية تفعله من أخذ المال لم يكن في صدر الإسلام شرعاً مَسْكُوتا مُقَرّاً عليه؛ لأنه لو كان شرعاً مقراً عليه لما حكَم النبيّ صلى الله عليه وسلم على عمّ الصبيّتين بردّ ما أخذ من مالهما؛ لأن الأحكام إذا مضت وجاء النسخ بعدها إنما يؤثِّر في المستقبل فلا ينقض به ما تقدّم وإنما كانت ظلامة رفعت. قاله ابن العربي. الرابعة ـ قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} قالت الشافعية: قول الله تعالى {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} حقيقةٌ في أولاد الصُّلْبِ، فأما ولد الابن فإنما يدخل فيه بطريق المجاز؛ فإذا حلف أن لا ولد له وله ولد ابن لم يحنث؛ وإذا أوصى لولدِ فلان لم يدخل فيه ولدُ ولده. وأبو حنيفة يقول: إنه يدخل فيه إن لم يكن له ولد صُلْبٍ. ومعلوم أن الألفاظ لا تتغير بما قالوه. الخامسة ـ قال ابن المنذر: لما قال تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} فكان الذي يجب على ظاهر الآية أن يكون الميراث لجميع الأولاد، المؤمِن منهم والكافر؛ فلما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : لا يرث المسلم الكافر » تفسير : عُلِم أن الله أراد بعض الأولاد دون بعض، فلا يرث المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ على ظاهر الحديث. قلت: ولما قال تعالى: {فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} دخل فيهم الأسير في أيدي الكفار؛ فإنه يرث ما دام تُعلم حياته على الإسلام. وبه قال كافّة أهل العلم، إلا النخعِيّ فإنه قال: لا يرث الأسير. فأما إذا لم تعلم حياته فحكمه حكم المفقود. ولم يدخل في عموم الآية ميراث النبيّ صلى الله عليه وسلم لقوله: « حديث : لا نورث ما تركنا صدقةٌ » تفسير : . وسيأتي بيانه في «مريم» إن شاء الله تعالى. وكذلك لم يدخل القاتل عمداً لأبيه أو جدّه أو أخيه أو عمِّه بالسنة وإجماع الأُمة، وأنه لا يرِث مِن مال من قتله ولا من ديته شيئاً؛ على ما تقدّم بيانه في البقرة. فإن قتله خطأ فلا ميراث له من الدّية، ويرث من المال في قول مالك، ولا يرث في قول الشافعيّ وأحمد وسفيان وأصحابِ الرأي، من المال ولا من الدّية شيئاً؛ حسبما تقدّم بيانه في البقرة. وقول مالك أصح، وبه قال إسحاق وأبو ثَوْر. وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومجاهد والزهريّ والأُوزاعي وابن المنذر؛ لأن ميراث من ورّثه الله تعالى في كتابه ثابت لا يستثنى منه إلا بسنة أو إجماع. وكل مختلَف فيه فمردود إلى ظاهر الآيات التي فيها المواريث. السادسة ـ ٱعلم أن الميراث كان يستحق فى أوّل الإسلام بأسباب: منها الحِلف والهجرة والمعاقدة، ثم نسخ على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قوله تعالى: { أية : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ } تفسير : [النساء: 33] إن شاء الله تعالى. وأجمع العلماء على أن الأولاد إذا كان معهم من له فرض مسمًّى أُعطِيه، وكان ما بقي من المال للذكر مثل حظ الأُنثيين؛ لقوله عليه السلام: « حديث : أُلحقوا الفرائض بأهلها » تفسير : رواه الأئمة. يعني الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى. وهي ستة: النصف والرّبُع والثُّمُن والثُلثان والثُلث والسدُس. فالنصف فرض خمسةٍ: ٱبنةُ الصُّلب، وٱبنة الابن، والأُخت الشقيقة، والأُخت للأب، والزوج. وكل ذلك إذا ٱنفردوا عمن يحجبهم عنه. والربُع فرض الزوج مع الحاجب، وفرض الزوجة والزوجات مع عدمه. والثمن فرض الزوجة والزوجات مع الحاجب. والثلثان فرض أربع: الاثنتين فصاعداً من بنات الصلب، وبنات الابن، والأخوات الأشقاء، أو للأب. وكل هؤلاء إذا انفردنَ عمن يحجبهن عنه، والثلث فرض صنفين: الأُم مع عدم الولد، وولد الابن، وعدم الاثنين فصاعداً من الإخوة والأخوات، وفرض الاثنين فصاعداً من ولد الأُم. وهذا هو ثلث كل المال. فأما ثلث ما يبقَى فذلك للأُمّ في مسألة زوج أو زوجة وأبوان؛ فللأُم فيها ثلثُ ما يبقى. وقد تقدّم بيانه. وفي مسائل الجدّ مع الإخوة إذا كان معهم ذو سَهْم وكان ثلثُ ما يبقى أحظَى له. والسدس فرض سبعة: الأبوان والجدّ مع الولد وولد الابن، والجدّة والجدّات إذا ٱجتمعن، وبنات الابن مع بنت الصلب، والأخوات للأب مع الأُخت الشقيقة، والواحد من ولد الأُم ذكراً كان أو أُنثى. وهذه الفرائض كلها مأخوذة من كتاب الله تعالى إلا فرض الجدّة والجدّات فإنه مأخوذ من السنة. والأسباب الموجبة لهذه الفروض بالميراث ثلاثة أشياء: نسب ثابت، ونكاح منعقد، وولاء عتاقةٍ. وقد تجتمع الثلاثة الأشياء فيكون الرجل زوج المرأة ومولاها وابن عمها. وقد يجتمع فيه منها شيئان لا أكثر، مثل أن يكون زوجها ومولاها، أو زوجها وابن عمها؛ فيرث بوجهين ويكون له جميع المال إذا ٱنفرد: نصفه بالزوجية ونصفه بالولاء أو بالنسب. ومثل أن تكون المرأة ٱبنة الرجل ومولاته، فيكون لها أيضاً جميع المال إذا ٱنفردت: نصفه بالنسب ونصفه بالولاء. السابعة ـ ولا ميراث إلا بعد أداء الدّيْن والوصية؛ فإذا مات المتوفى أخرج من تركته الحقوق المعَّينات، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره، ثم الديون على مراتبها، ثم يخرج من الثلث الوصايا، وما كان في معناها على مراتبها أيضاً، ويكون الباقي ميراثاً بين الورثة. وجملتهم سبعة عشر. عشرة من الرجال: الابن وٱبن الابن وإن سفل، والأب وأب الأب وهو الجدّ وإن علا، والأخ وابن الأخ، والعمّ وابن العمّ والزوج ومولى النعمة. ويرث من النساء سبع: البنت وبنت الابن وإن سفلت، والأم والجدّة وإن علت، والأخت والزوجة، ومولاة النعمة وهي المعتِقة. وقد نظمهم بعض الفضلاء فقال: شعر : والوارثون إن أردت جمعَهمْ مع الإناث الوارثات معَهمْ عشرةٌ من جملة الذُّكْرانِ وسبعُ أشخاصٍ من النِّسوان وهُمْ، وقد حصرتهُم في النظمِ الابن وابنُ الابن وابنُ العم والأبُ منهم وهْوَ في الترتيب والجدُّ من قَبْل الأخ القريب وابن الأخ الأدْنَى أجَلْ والعمُّ والزوجُ والسيِّد ثم الأُم وابنةُ الابن بعدَها والبنتُ وزوجةُ وجدّة وأختُ والمرأةُ المولاةُ أعْني المعتقه خُذْها إليك عِدّةً محقَّقهْ تفسير : الثامنة ـ لما قال تعالى: {فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} يتناول كل ولد كان موجوداً أو جنيناً في بطن أمه، دنيّاً أو بعيداً، من الذكور أو الإناث ما عدا الكافر كما تقدم. قال بعضهم: ذلك حقيقةٌ في الأدنَين مجاز في الأبْعَدين. وقال بعضهم: هو حقيقة في الجميع؛ لأنه من التوَلُّد، غير أنهم يرثون على قدر القرب منه؛ قال الله تعالى: { أية : يَابَنِيۤ آدَمَ } تفسير : [الأعراف: 26]. وقال عليه السلام: « حديث : أنا سيد ولد آدم » تفسير : وقال: « حديث : يا بني إسماعيل ارْموا فإن أباكم كان رامياً » تفسير : إلا أنه غلب عرف الاستعمال في إطلاق ذلك على الأعيان الأدنين على تلك الحقيقة؛ فإن كان في ولد الصُّلب ذكرٌ لم يكن لولد الولد شيءٌ وهذا مما أجمع عليه أهل العلم. وإن لم يكن في ولد الصلب ذكر وكان في وَلَد الولد بُدِيءَ بالبنات الصلب، فأعطين إلى مبلغ الثلثين؛ ثم أعطى الثلث الباقي لولد الولد إذا استوَوْا في القُعْدُدِ، أو كان الذكر أسفل ممن فوقه من البنات، للذكر مثل حظ الأنثيين. هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وبه قال عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ إلا ما يروى عن ابن مسعود أنه قال: إن كان الذكر من ولد الولد بإزاء الولد الأنثى ردّ عليها، وإن كان أسفل منها لم يردّ عليها؛ مراعياً في ذلك قوله تعالى: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} فلم يجعل للبنات وإن كثرن إلا الثلثين. قلت: هكذا ذكر ابن العربي هذا التفصيل عن ابن مسعود، والذي ذكره آبن المنذر والباجي عنه: أن ما فضل عن بنات الصُّلب لبني الابن دون بنات الابن. ولم يفصِّلا. وحكاه آبن المنذر عن أبي ثوْر. ونحوه حكى أبو عمر، قال أبو عمر. وخالف في ذلك ابن مسعود فقال: وإذا استكمل البنات الثلثين فالباقي لبني الابن دون أخواتهم، ودون مَن فوقهم من بنات الابن، ومَن تحتهم. وإلى هذا ذهب أبو ثور وداود بن علي. وروي مثله عن علقمة. وحجة من ذهب هذا المذهب حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : أقسِمُوا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله فما أبقت الفرائضُ فلأوْلَى رجلٍ ذكر » تفسير : خرّجه البخاري ومسلم وغيرهما. ومن حجة الجمهور قول الله عز وجل: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} لأن ولد الولد ولدٌ. ومن جهة النظر والقياس أن كل مَن يُعصّب مَن في درجته في جملة المال فواجبٌ أن يُعصِّبه في الفاضل من المال؛ كأولاد الصلب. فوجب بذلك أن يُشرك ابنُ الابن أختَه، كما يُشرك الابنُ للصلب أخته. فإن احتجّ محتجُّ لأبي ثَوْر وداود أن بنت الابن لما لم ترث شيئاً من الفاضل بعد الثلثين منفردةً لم يعصِّبها أخوها. فالجواب أنها إذا كان معها أخوها قوِيت به وصارت عَصَبةً معه. وظاهر قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} وهي من الولد. التاسعة ـ قوله تعالى: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} الآية. فرض الله تعالى للواحدة النّصفَ، وفرض لما فوق الثنتين الثلثين، ولم يفرض للثنتين فرضا منصوصاً في كتابه؛ فتكلم العلماء في الدّليل الذي يوجب لهما الثلثين ما هو؟ فقيل: الإجماع وهو مردود؛ لأن الصحيح عن ابن عباس أنه أعطى البنتين النصف؛ لأن الله عز وجل قال: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} وهذا شرط وجزاء. قال: فلا أعطي البنتين الثلثين. وقيل: أعطيتا الثلثين بالقياس على الأختين؛ فإن الله سبحانه لما قال في آخر السورة: {وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} وقال تعالى: { أية : فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } تفسير : [النساء: 176] فألحقت الابنتان بالأختين في الاشتراك في الثلثين وألحقت الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين. واعترض هذا بأن ذلك منصوص عليه في الأخوات، والإجماع منعقد عليه فهو مسلم بذلك. وقيل: في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين، وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث إذا انفردت، علمنا أن للاثنتين الثلثين. احتج بهذه الحجة، وقال هذه المقالة إسماعيل القاضي وأبو العباس المبرّد. قال النحاس: وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط؛ لأن الاختلاف في البنتين وليس في الواحدة. فيقول مخالفه: إذا ترك بنتين وابنا فللبنتين النصف؛ فهذا دليل على أن هذا فرضهم. وقيل: «فوق» زائدة أي إن كن نساء اثنتين. كقوله تعالى: { أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ } تفسير : [الانفال: 12] أي الأعناق. وردّ هذا القول النحاس وابن عطية وقالا: هو خطأ؛ لأن الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى. قال ابن عطية: ولأن قوله تعالى: {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ} هو الفصيح وليست فوق زائدة بل هي مُحْكِمَةٌ للمعنى لأنّ ضربة العنق إنما يجبْ أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدّماغ. كما قال دريد بن الصمة: أخفض عن الدّماغ وارفع عن العظم، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال. وأقوى الاحتجاج في أن للبنتين الثلثين الحديث الصحيـح المروي في سبب النزول. ولغة أهل الحجاز وبني أسد الثلث والرُبع إلى العُشر. ولغة بني تميم وربيعة الثلث بإسكان اللام إلى العشْر. ويقال: ثلثتُ القوم أثلثهم، وثلثتُ الدارهم أثلثِها إذا تمَّمتها ثلاثة، وأثلثتْ هي؛ إلا أنهم قالوا في المائة والألف: أمأيتها وآلفتها وأمأت وآلفت. العاشرة ـ قوله تعالى: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ} قرأ نافع وأهل المدينة «وَاحِدَةٌ» بالرفع على معنى وقعت وحدثت، فهي كان التامّة؛ كما قال الشاعر: شعر : إذا كان الشتاء فأدْفِئُوني فإن الشيخ يُهرمه الشِّتاءُ تفسير : والباقون بالنصب. قال النحاس: وهذه قراءة حسنة. أي وإن كانت المتروكة أو المولودة «واحدة» مثل {فَإِن كُنَّ نِسَآءً}. فإذا كان مع بنات الصلب بنات ابن، وكان بنات الصلب اثنتين فصاعدا حجبن بنات الابن أن يرثن بالفرض؛ لأنه لا مدخل لبنات الابن أن يرثن بالفرض في غير الثلثين. فإن كانت بنت الصلب واحدة فإن ابنة الابن أو بنات الابن يرثن مع بنات الصلب تكمله: الثلثين؛ لأنه فرض يرثه البنتان فما زاد. وبنات الآبن يقمن مقام البنات عند عدمهن. وكذلك أبناء البنين يقومون مقام البنين في الحجب والميراث. فلما عُدِم من يستحق منهنَّ السدس كان ذلك لبنت الابن وهي أولى بالسدس من الأخت الشقيقة للمتوفى. على هذا جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين؛ إلا ما يروى عن أبي موسى وسليمان بن أبي ربيعة أن للبنت النصف، والنصف الثاني للأخت، ولا حَقَّ في ذلك لبنت الآبن. وقد صح عن أبي موسى ما يقتضي أنه رجع عن ذلك؛ رواه البخاري: حدّثنا آدم حدّثنا شعبة حدّثنا أبو قيس سمعت هُزيل بن شُرْحَبيل يقول؛ سُئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابنٍ وأخت. فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف؛ وأتِ ابن مسعود فإنه سيتابعني. فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللتُ إذّا وما أنا من المهتدين! أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم: للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحِبر فيكم. فإن كان مع بنت الابن أو بنات الابن ابنٌ في درجتها أو أسفل منها عصبها، فكان النصف الثاني بينهما، للذكر مثل حظ الأنثيين بالغا ما بلغ ـ خلافاً لابن مسعود على ما تقدّم ـ إذا استوفى بناتُ الصلب، أو بنتُ الصلب وبناتُ الابن الثلثين. وكذلك يقول في الأخت لأب وأم، وأخوات وإخوة لأب: للأخت من الأب والأمّ النصف، والباقي للإخوة والأخوات، ما لم يصبهن من المقاسمة أكثر من السدس؛ فإن أصابهنّ أكثر من السدس أعطاهنّ السدس تكملة الثلثين، ولم يزدهنّ على ذلك. وبه قال أبو ثَوْر. الحادية عشرة ـ إذا مات الرجل وترك زوجته حُبلَى فإن المال يُوقف حتى يتبيّن ما تضع. وأجمع أهل العلم على أن الرجل إذا مات وزوجته حُبلَى أن الولد الذي في بطنها يرث ويُورث إذا خرج حَياً واستهل. وقالوا جميعاً: إذا خرج ميتاً لم يرث؛ فإن خرج حياً ولم يستهلّ فقالت طائفة: لا ميراث له وإن تحرك أو عَطَس ما لم يستهلّ. هذا قول مالك والقاسم بن محمد وابن سيرين والشَّعبي والزُّهري وقَتادة. وقالت طائفة: إذا عُرفت حياة المولود بتحريك أو صياح أو رضاع أو نَفَس فأحكامُه أحكامُ الحي. هذا قول الشافعي وسفيان الثَّوري والأوزاعي. قال ابن المنذر: الذي قاله الشافعي يحتمل النظر، غير أن الخبر يمنع منه وهو قولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما من مولود يُولد إلا نَخَسه الشيطان فيستهلّ صارخاً من نخْسة الشيطان إلا ابن مريم وأمَّه » تفسير : وهذا خبر، ولا يقع على الخبر النسخ. الثانية عشرة ـ لما قال تعالى: {فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ}تناول الخُنْثَى وهو الذي له فرجان. وأجمع العلماء على أنه يُورَّث من حيث يبول؛ إن بال من حيث يبول الرجل وَرِث ميراثَ رجل، وإن بال من حيث تبول المرأة وَرِث ميراثَ المرأة. قال ابن المنذر: ولا أحفظ عن مالك فيه شيئاً، بل قد ذكر ابن القاسم أنه هاب أن يسأل مالكاً عنه. فإن بال منهما معا فالمعتبر سبقُ البول؛ قاله سعيد بن المسيب وأحمد وإسحاق. وحُكي ذلك عن أصحاب الرأي. وروى قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال في الخنثى: يُوَرِّثُهُ من حيث يبول؛ فإن بال منهما جميعاً فمن أيّهما سبق، فإن بال منهما معاً فنصف ذكر ونصف أنثى. وقال يعقوب ومحمد: من أيهما خرج أكثر ورث؛ وحُكي عن الأوزاعي. وقال النعمان: إذا خرج منهما معاً فهو مُشْكِل، ولا أنظر إلى أيّهما أكثر. ورُوي عنه أنه وقف عنه إذا كان هكذا. وحُكي عنه قال: إذا أشكل يُعْطى أقلّ النصيبين. وقال يحي بن آدم: إذا بال من حيث يبول الرجل ويحيض كما تحيض المرأة وَرث من حيث يبول؛ لأن في الأثر: يورّث من مبَاله. وفي قول الشافعي: إذا خرج منهما جميعاً ولم يسبق أحدهما الآخر يكون مُشْكلاً، ويُعطَى من الميراث ميراث أنثى، ويوقف الباقي بينه وبين سائر الورثة حتى يتبيّن أمره أو يصطلحوا؛ وبه قال أبو ثور. وقال الشعبي: يُعطَى نصفَ ميراث الذكر، ونصف ميراث الأنثى؛ وبه قال الأوزاعي، وهو مذهب مالك. قال ابن شاس في جواهره الثمينة، على مذهب مالك عالم المدينة: الخنثى يعتبر إذا كان ذا فرجين فرج المرأة وفرج الرجل بالمبَال منهما؛ فيُعطى الحكم لِمَا بال منه، فإن بال منهما اعتبرت الكثرة من أيّهما فإن تساوى الحال أُعتبر السبق، فإن كان ذلك منهما معاً اعتبر نبات اللحية أو كبر الثديين ومشابهتهما لثدي النساء، فإن اجتمع الأمران اعتبر الحال عند البلوغ، فإن وُجد الحيض حُكم به، وإن وُجد الاحتلام وحده حُكم به، فإن اجتمعا فهو مُشْكِل. وكذلك لو لم يكن فرج، لا المختص بالرجال ولا المختص بالنساء، بل كان له مكان يبول منه فقط انتظر به البلوغ؛ فإن ظهرت علامة مميِّزة وإلاّ فهو مُشْكِل. ثم حيث حكمنا بالإشكال فميراثه نصف نصيبي ذكر وأنثى. قلت: هذا الذي ذكروه من العلامات في الخنثى المشكل. وقد أشرنا إلى علامة في «البقرة» وصدر هذه السورة تُلحقه بأحد النوعين، وهي اعتبار الأضلاع؛ وهي مروية عن علي رضي الله عنه وبها حَكم. وقد نظم بعض الفضلاء العلماء حكم الخُنْثَى في أبيات كثيرة أوّلها: شعر : وأنه معتبرُ الأحوالِ بالثَّدْي والِّلحية والمبَالِ تفسير : وفيها يقول: شعر : وإن يكن قد استوت حالاته ولم تبن وأشكلت آياته فحظّه من مَوْرِث القريب ستة أثمان من النّصيبِ هذا الذي استحق للإشكالِ وفيه ما فيه من النّكالِ وواجب في الحق أَلا يَنكِحا ما عاش في الدنيا وألا يُنكحا إذْ لم يكن من خالص العيالِ ولا اغْتدى من جملة الرجال وكلّ ما ذكرته في النّظم قد قاله سُراة أهل العلم وقد أبَى الكلام فيه قومُ منهم ولم يجنح إليه لَوْمُ لفرط ما يبدو من الشّناعة في ذكره وظاهر البشاعة وقد مضى في شأنه الخفيِّ حكم الإمام المرتضى علىَّ بأنه إن نقصت أضلاعه فللرجال ينبغي إتباعه في الإرث والنكاح والإحرام في الحج والصلاة والأحكام وإن تزد ضلعا على الذُّكْرانِ فإنها من جملة النّسوانِ لأن للنسوان ضلعاً زائدة على الرجال فاغتنمها فائدة إذ نقصت من آدم فيما سبق لخلْقِ حوّاءَ وهذا القول حقُّ عليه مما قاله الرسول صلىّ عليه رَبُّنا دليلُ تفسير : قال أبو الوليد بن رشد: ولا يكون الخنثى المشكل زوجا ولا زوجة، ولا أباً ولا أماً. وقد قيل: إنه قد وُجد من له ولدٌ من بطنه وولد من ظهره. قال ابن رشد: فإن صحّ وَرِث من ابنه لصلبه ميراثَ الأب كاملا، ومن ابنه لبطنه ميراثَ الأم كاملا. وهذا بعيد، والله أعلم. وفي سنن الدَّارَقطني عن أبي هانىء عمر بن بشير قال: سئل عامر الشعبي عن مولود ليس بذكر ولا أنثى ليس له ما للذكر ولا ما للأنثى، يخرج من سرته كهيئة البول والغائط؛ فسئل عامر عن ميراثه فقال عامر: نصفُ حظّ الذكر ونصفُ حظّ الأنثى. الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: {وَلأَبَوَيْهِ} أي لأبوي الميت. وهذا كنايةٌ عن غير مذكور وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه؛ كقوله { أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ } تفسير : [صۤ: 32] و { أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } تفسير : [القدر: 1] و {ٱلسُّدُسُ} رفع بالإبتداء، وما قبله خبره: وكذلك «الثُّلثُ. والسُّدُسُ». وكذلك {نِصْفُ مَا تَرَكَ} وكذلك {فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ}. وكذلك {وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ}. و {فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ} وكذلك {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ}. والأبوان تثنية الأب والأَبَة. واستغنى بلفظ الأم عن أن يقال لها أبة. ومن العرب من يجري المختلفين مجرى المتّفقين؛ فيغلب أحدهما على الآخر لخفته أو شهرته. جاء ذلك مسموعاً في أسماء صالحة؛ كقولهم للأب والأم: أبوان. وللشمس والقمر: القمران. ولِلّيل والنهار: الملَوَان. وكذلك العُمَران لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. غلبّوا القمر على الشمس لخفة التذكير، وغلّبوا عُمَرَ على أبي بكر لأن أيام عمر امتدّت فاشتهرت. ومن زعم أنه أراد بالعُمَرين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز فليس قوله بشيء؛ لأنهم نطقوا بالعُمَرين قبل أن يروا عمر بن عبد العزيز. قاله ابن الشَّجري. ولم يدخل في قوله تعالى: {وَلأَبَوَيْهِ} من علا من الأباء دخول من سفَل من الأبناء في قوله {أَوْلاَدِكُمْ}، لأن قوله: {وَلأَبَوَيْهِ} لفظ مثنَّى لا يحتمل العموم والجمع أيضاً؛ بخلاف قوله {أَوْلاَدِكُمْ}. والدليل على صحة هذا قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ} والأمّ العليا جَدّة ولا يفرض لها الثلث بإجماع، فخروج الجدّة عن هذا اللفظ مقطوع به، وتناولُه للجَدّ مختلف فيه. فممّن قال هو أبٌ وحَجَب به الإخوة أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه ولم يخالفه أحد من الصحابة في ذلك أيام حياته، واختلفوا في ذلك بعد وفاته؛ فَمِمّنْ قال إنه أبٌ ابنُ عباس وعبدُ الله ابن الزبير وعائشة ومعاذ بن جبل وأبيّ بن كعب وأبو الدرداء وأبو هريرة كلهم يجعلون الجَدّ عند عدم الأب كالأب سواء، يحجبون به الإخوة كلَّهم ولا يرثون معه شيئاً. وقاله عطاء وطاوس والحسن وقتادة. وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو ثَوْر وإسحاق. والحجّة لهم قولهُ تعالى: { أية : مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } تفسير : [الحج: 78] { أية : يَابَنِيۤ آدَمَ } تفسير : [الأعراف: 26]، وقوله عليه السلام: « حديث : يا بني إسماعيل ارموا فإن أباكم كان رامياً » تفسير : . وذهب علي بن أبي طالب وزيد وابن مسعود إلى توريث الجدّ مع الإخوة، ولا ينقص من الثلث مع الإخوة للأب والأم أو للأب إلا مع ذوي الفروض؛ فإنه لا ينقص معهم من السدس شيئاً في قول زيد. وهو قول مالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي. وكان علي يُشرك بين الإخوة والجَدّ إلى السدس ولا ينقصه من السدس شيئاً مع ذوي الفرائض وغيرهم. وهو قول آبن أبي لَيلى وطائفة. وأجمع العلماء على أن الجَدّ لا يرث مع الأب وأن الابن يحجب أباه. وأنزلوا الجَدّ بمنزلة الأب في الحجب والميراث إذا لم يترك المتوفى أباً أقرب منه في جميع المواضع. وذهب الجمهور إلى أن الجَدّ يُسقط بني الإخوة من الميراث؛ إلا ما رُوي عن الشَّعبي عن علي أنه أجرى بني الإخوة في المقاسمة مجرى الإخوة. والحجّة لقول الجمهور أن هذا ذَكَرٌ لا يعصّب أخته فلا يقاسم الجدّ كالعمّ وابن العمّ. قال الشعبي: أوّل جدّ وُرِّث في الإسلام عُمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ مات ابن لعاصم بن عمر وترك أخوين فأراد عمر أن يستأثر بما له فاستشار علياً وزيدا في ذلك فمَثّلا له مثلا فقال: لولا أنّ رأيكما اجتمع ما رأيت أن يكون ابني ولا أكون أباه. روى الدَّارَقُطْني عن زيد بن ثابت أن عمر بن الخطاب استأذن عليه يوماً فأذن له، ورأسه في يد جارية له تُرَجِّله، فنزع رأسه؛ فقال له عمر: دعها ترجِّلك. فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إلي جئتُك. فقال عمر: إنما الحاجة لي، إني جئتك لتنظر في أمر الجَدّ. فقال زيد: لا والله! ما تقول فيه. فقال عمر: ليس هو بِوَحيٍ حتى نزيد فيه وننقص، إنما هو شيء تراه، فإن رأيته وافقني تبعته، وإلا لم يكن عليك فيه شيء. فأبى زيد، فخرج مُغْضَباً وقال: قد جئتك وأنا أظن ستفرغ من حاجتي. ثم أتاه مرّة أخرى في الساعة التي أتاه في المرّة الأولى. فلم يزل به حتى قال: فسأكتب لك فيه. فكتبه في قطعة قَتَب وضرب له مثلاً. إنما مثلُه مثلُ شجرة تنبت على ساق واحدة. فخرج فيها غصن ثم خرج في غصن غصنٌ آخر؛ فالساق يسقي الغصن، فإن قطعت الغصن الأوّل رجع الماء إلى الغصن، وإن قطعت الثاني رجع الماء إلى الأوّل. فأتى به فخطب الناس عمرُ ثم قرأ قطعة القتب عليهم ثم قال: إن زيد بن ثابت قد قال في الجَدّ قولاً وقد أمضيته. قال: وكان عمر أوّلَ جدّ كان؛ فأراد أن يأخذ المال كلَّه، مالَ ابن ابنه دون إخوته، فقسمه بعد ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه. الرابعة عشرة ـوأما الجَدّة فأجمع أهل العلم على أن للجَدّة السدس إذا لم يكن للميّت أمّ. وأجمعوا على أن الأمّ تحجب أمّها وأم الأب. وأجمعوا على أن الأب لا يحجب أمّ الأمّ. واختلفوا في توريث الجَدّة وابنُها حي فقالت طائفة: لا ترث الجدّة وابنها حي. رُوي عن زيد بن ثابت وعثمان وعلي. وبه قال مالك والثَّوْري والأوزاعي وأبو ثَوْر وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: ترث الجدّة مع ابنها. رُوي عن عمر وابن مسعود وعثمان وعلي وأبي موسى الأشعري، وقال به شُريح وجابر بن زيد وعبيدالله بن الحسن وُشريك وأحمد وإسحاق وابن المنذر. وقال: كما أن الجدّ لا يحجبه إلا الأب كذلك الجدّة لا يحجبها إلا الأم. وروى الترمذي عن عبد الله قال في الجدّة مع ابنها: إنها أوّل جدّة أطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم سدسا مع ابنها وابُنها حي. والله أعلم. الخامسة عشرة ـ واختلف العلماء في توريث الجَدّات؛ فقال مالك: لا يرث إلا جدّتان، أُم أُمٍّ وأم أبٍ وأمهاتهما. وكذلك روى أبو ثَوْر عن الشافعي، قال به جماعة من التابعين. فإن انفردت إحداهما فالسّدسُ لها، وإن اجتمعتا وقرابتُهما سواء فالسدس بينهما. وكذلك إن كَثُرْن إذا تساوَينْ في القُعْدُد؛ وهذا كله مجمع عليه. فإن قَربُت التي مِن قَبلِ الأم كان لها السدس دون غيرها، وإن قَرُبت التي من قِبَل الأب كان بينها وبين التي من قبل الأم وإن بعدت. ولا ترث إلا جدّة واحدة من قبل الأم. ولا ترث الجدّةُ أمُّ أب الأمّ على حال. هذا مذهب زيد بن ثابت، وهو أثبت ما رُوي عنه في ذلك. وهو قول مالك وأهل المدينة. وقيل: إن الجَداتِ أمهاتٌ؛ فإذا اجتمعن فالسدس لأقربهن؛ كما أن الآباء إذا اجتمعوا كان أحقهم بالميراث أقربهم؛ فكذلك البنون والإخوة، وبنو الإخوة وبنو العمّ إذا اجتمعوا كان أحقهم بالميراث أقربهم؛ فكذلك الأمهات. قال ابن المنذر: وهذا أصح، وبه أقول. وكان الأوزاعي يورّث ثلاث جدّاتٍ: واحدةً مِن قِبَل الأمّ واثنتين من قبل الأب. وهو قول أحمد بن حنبل؛ رواه الدَّراقُطني عن النبي صلى الله عليه وسلم مُرْسلاً. وروي عن زيد بن ثابت عكس هذا؛ أنه كان يورّث ثلاث جدّات: اثنتين من جهة الأم وواحدة مِن قِبل الأب. وقول علي رضي الله عنه كقول زيد هذا. وكانا يجعلان السدس لأقربهما، من قبل الأم كانت أو من قِبل الأب. ولا يَشْرَكُها فيه من ليس في قُعْدُدِها؛ وبه يقول الثَّوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثوْر. وأما عبدالله بن مسعود وابنُ عباس فكانا يورّثان الجدّات الأربع؛ وهو قول الحسن البصري ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد. قال ابن المنذر: وكل جَدّة إذا نسبت إلى المُتَوفَّى وقع في نسبها أب بين أمّين فليست ترث، في قول كل من يُحْفظ عنه من أهل العلم. السادسة عشرة ـ قوله تعالى: {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ} فَرضَ تعالى لِكل واحد من الأبوين مع الولد السّدسَ؛ وأبْهم الولد فكان الذكر والأُنثى فيه سواء. فإن مات رجل وترك ٱبناً وأبوين فلأَبَوَيْه لكل واحد منهما السدس، وما بقي فللابن. فإن ترك ٱبنة وأبوين فللابنة النصف وللأبوين السدسان، وما بَقَى فلأقرب عصبة وهو الأب؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما أبقت الفرائض فلأوْلَى رجل ذكر » تفسير : . فٱجتمع للأب الاستحقاقُ بجهتين: التعصيب والفرض. {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ} فأخبر جل ذِكره أن الأبوين إذا ورِثاه أن للأُم الثلث. ودلّ بقوله {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} وإخباره أن للأُم الثلث، أن الباقي وهو الثلثان للأب. وهذا كما تقول لرجلين: هذا المال بينكما، ثم تقول لأحدهما: أنت يا فلان لك منه ثلث؛ فإنك حدّدت للآخر منه الثلثين بنصّ كلامك؛ ولأن قوّة الكلام في قوله {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} يدل على أنهما منفردان عن جميع أهل السهام من ولد وغيره، وليس في هذا اختلاف. قلت: وعلى هذا يكون الثلثان فرضاً للأب مسمًّى لا يكون عصبة، وذكر ابن العربيّ أن المعنى في تفضيل الأب بالثلث عند عدم الولد الذكورية والنصرة، ووجوب المؤنة عليه، وثبتت الأُم على سهم لأجل القرابة. قلت: وهذا منتقَض؛ فإن ذلك موجود مع حياته فَلِم حُرِم السدس. والذي يظهر أنه إنما حُرم السدسَ في حياته إرفاقاً بالصبيّ وحِياطة على ماله؛ إذْ قد يكون إخراج جزء من ماله إجحافاً به. أو أن ذلك تعبُّدٌ، وهو أوْلى ما يقال. والله الموفق. السابعة عشرة ـ إن قيل: ما فائدة زيادة الواو في قوله: «وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ»، وكان ظاهر الكلام أن يقول: فإن لم يكن له ولد ورثه أبواه. قيل له: أراد بزيادتها الإخبارَ ليبيّن أنه أمر مستقِرّ ثابت، فيخبر عن ثبوته واستقراره، فيكون حال الوالدين عند ٱنفرادهما كحال الولدين، للذَّكَر مثل حظّ الأُنثيين. ويجتمع للأب بذلك فرضان السهم والتعصِيب إذ يحجب الإخوة كالولد. وهذا عدل في الحُكْم، ظاهر في الحكمة. والله أعلم. الثامنة عشرة ـ قوله تعالى: {فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ} قرأ أهل الكوفة «فلإمِّهِ الثُّلُثُ» وهي لغة حكاها سيبويه. قال الكسائي: هي لغة كَثير من هَوازِنَ وهُذيل؛ ولأن اللام لمّا كانت مكسورةً وكانت متصلةً بالحرف كَرِهوا ضمةً بعد كسرة، فأبدلوا من الضمة كسرة؛ لأنه ليس في الكلام فِعِلٌ. ومن ضمّ جاء به على الأصل؛ ولأن اللام تنفصل لأنها داخلةٌ على الاسم. قال جميعه النحاس. التاسعة عشرة ـ قوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ} الإخوة يحجبون الأُمّ عن الثلث إلى السدس، وهذا هو حجب النقصان، وسواء كان الإخوة أشقّاء أو للأب أو للأُمّ، ولا سهم لهم. ورُوي عن ابن عباس أنه كان يقول: السّدس الذي حجب الأُخوةُ الأُمّ عنه هو للإخوة. ورُوي عنه مثلُ قولِ الناس إنه للأب. قال قتَادة: وإنما أخذه الأب دونهم؛ لأنه يُمونهم وَيلي نكاحهم والنفقةَ عليهم. وأجمع أهل العلم على أن أخوين فصاعداً ذُكراناً كانوا أو إناثاً من أب وأُم، أو من أب أو من أُم يحجبُون الأُم عن الثلث إلى السدس؛ إلا ما رُوي عن ابن عباس أن الاثنين من الإخوة في حكم الواحد، ولا يحجبُ الأُمّ أقلُّ من ثلاث. وقد صار بعض الناس إلى أن الأخوات لا يحجبن الأُمّ من الثلث إلى السدس؛ لأن كتاب الله في الإخوة وليست قوّة ميراثِ الإناث مثلَ قوّة ميراث الذكور حتى تقتضي العبرةُ الإلحاق. قال الكِيَا الطبريّ: ومقتضى أقوالهم ألاّ يَدخلن مع الإخوة؛ فإن لفظ الإخوة بمطلقه لا يتناول الأخوات، كما أن لفظ البنين لا يتناول البنات. وذلك يقتضي ألاّ تُحجب الأُم بالأخ الواحد والأُخت من الثلث إلى السدس؛ وهو خلاف إجماع المسلمين. وإذا كنّ مراداتٍ بالآية مع الإخوة كنّ مرادات على الانفراد. واستدلّ الجميع بأن أقلّ الجمع اثنان؛ لأن التثنية جمع شيء إلى مثله، فالمعنى يقتضي أنها جمع. وقال عليه السلام: « حديث : الاثنان فما فوقهما جماعة » تفسير : . وحُكي عن سيبويه أنه قال: سألت الخليل عن قوله « حديث : ما أحسن وُجوهَهُما » تفسير : ؟ فقال: الاثنان جماعة. وقد صحّ قول الشاعر: شعر : ومَهْمَهيْن قَذَفَيْنِ مَرْتَيْن ظهراهما مِثْلُ ظهُورِ التُّرْسَيْنِ تفسير : وأنشد الأخفش: شعر : لما أتتنا المرأتان بالخَبَرْ فقلن إن الأمر فينا قد شُهرْ تفسير : وقال آخر: شعر : يُحيَّي بالسلام غنيُّ قومٍ ويُبْخَل بالسلام على الفقيرِ أليس الموت بينهما سواء إذا ماتوا وصاروا في القبورِ تفسير : ولمّا وقع الكلام في ذلك بين عثمان وابنِ عباس قال له عثمان: إن قومك حجبوها ـ يعني قريشاً ـ وهم أهل الفصاحة والبلاغة. وممن قال: إن أقل الجمع ثلاثة ـ وإن لم يقل به هنا ـ ابن مسعود والشافعيّ وأبو حنيفة وغيرهم. والله أعلم. الموفية عشرين ـ قوله تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم «يوصَى» بفتح الصاد. الباقون بالكسر، وكذلك الآخر. واختلفت الرواية فيهما عن عاصم. والكسر ٱختيار أبي عُبيد وأبي حاتم؛ لأنه جرى ذكر الميت قبل هذا. قال الأخفش: وتصديق ذلك قوله تعالى «يُوصِينَ» و «تُوصُونَ». الحادية والعشرون ـ إن قيل: ما الحكمة في تقديم ذكر الوصيّة على ذكر الدَّين، والدَّين مُقدَّم عليها بإجماع. وقد روى الترمذيّ عن الحارث عن عليّ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدَّين قبل الوصية، وأنتم تقرُّون الوصيّة قبل الدّين. قال: والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أنه يُبدأ بالدّين قبل الوصية. وروى الدّارَقُطْنِيّ من حديث عاصم بن ضمرة عن عليّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : الدَّين قبل الوصيّة وليس لوارث وصيّة » تفسير : . رواه عنهما أبو إسحاق الهَمْدانيّ. فالجواب من أوجهٍ خمسة: الأوّل ـ إنما قصد تقديم هذين الفصلين على الميراث ولم يقصد ترتيبهما في أنفسهما؛ فلذلك تقدّمت الوصية في اللفظ. جواب ثان ـ لما كانت الوصية أقلَّ لزوماً من الدَّين قدّمها اهتماماً بها؛ كما قال تعالى: { أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً } تفسير : [الكهف: 49]. جواب ثالث ـ قدّمها لكثرة وجودها ووقوعها؛ فصارت كاللازم لكل ميّت مع نصّ الشرع عليها، وأخّر الدّين لشذوذه، فإنه قد يكون وقد لا يكون. فبدأ بذكر الذي لا بُدّ منه، وعطف بالذي قد يقع أحياناً. ويقوِّي هذا: العطف بأو، ولو كان الدَّين راتباً لكان العطف بالواو. جواب رابع ـ إنما قدّمت الوصية إذْ هي حظّ مساكين وضعفاء، وأُخّر الدَّين إذ هو حظُّ غريم يطلبه بقوّةٍ وسلطان وله فيه مقال. جواب خامس ـ لما كانت الوصية ينشئها مِن قِبَل نفسه قدّمها، والدَّين ثابت مؤدًّى ذكره أو لم يذكره. الثانية والعشرون ـ ولمّا ثبت هذا تعلّق الشافعيّ بذلك في تقديم دَيْن الزكاة والحج على الميراث فقال: إن الرجل إذا فرّط في زكاته وجب أخذُ ذلك من رأس ماله. وهذا ظاهر ببادىء الرأي؛ لأنه حقٌّ من الحقوق فيلزم أداؤه عنه بعد الموت كحقوق الآدميين لا سيما والزكاة مصرفها إلى الآدميّ. وقال أبو حنيفة ومالك: إن أوصى بها أدّيت من ثلثه، وإن سكت عنها لم يُخرَج عنه شيء. قالوا: لأن ذلك موجِب لترك الورثة فقراء؛ إلا أنه قد يتعمد ترك الكل حتى إذا مات استغرق ذلك جميعَ ماله فلا يبقى للورثة حق. الثالثة والعشرون ـ قوله تعالى: {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ} رفع بالابتداء والخبر مضمر، تقديره: هم المقسوم عليهم وهم المعطَوْن. الرابعة والعشرون ـ قوله تعالى: {لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} قيل: في الدنيا بالدعاء والصدقة؛ كما جاء في الأثر: إن الرجل ليُرفع بدعاء ولده من بعده. وفي الحديث الصحيح: « حديث : إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث ـ فذكر ـ أو ولد صالح يدعو له » تفسير : . وقيل: في الآخرة؛ فقد يكون الابن أفضلَ فيشفع في أبيه؛ عن ابن عباس والحسن. وقال بعض المفسرين: إن الابن إذا كان أرفَع من درجة أبيه في الآخرة سأل الله فَرفع إليه أباه، وكذلك الأب إذا كان أرفعَ من ٱبنه؛ وسيأتي في «الطور» بيانه. وقيل: في الدنيا والآخرة؛ قاله ابن زيد. واللفظ يقتضي ذلك. الخامسة والعشرون ـ قوله تعالى: {فَرِيضَةً} «فريضة» نصب على المصدر المؤكّد، إذ معنى {يُوصِيكُم} يَفرض عليكم. وقال مَكِّي وغيره: هي حال مؤكِّدة؛ والعامل «يوصِيكم» وذلك ضعيف. والآية متعلّقة بما تقدّم؛ وذلك أنه عرّف العباد أنهم كُفُوا مؤُنة الاجتهاد في إيصاء القرابة مع اجتماعهم في القرابة، أي أن الآباء والأبناء ينفع بعضهم بعضاً في الدنيا بالتناصر والمواساة، وفي الآخرة بالشفاعة. وإذا تقرّر ذلك في الآباء والأبناء تقرّر ذلك في جميع الأقارب؛ فلو كانت القسمة موكولة إلى الاجتهاد لوجوب النظر في غِنَى كلّ واحد منهم. وعند ذلك يخرج الأمر عن الضبط إذ قد يختلف الأمر؛ فبيّن الرب تبارك وتعالى أن الأصلح للعبد ألاّ يوكل إلى اجتهاده في مقادير المواريث، بل بيّن المقادير شرعاً. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} أي بقسمة المواريث {حَكِيماً} حَكم قِسمتها وبيّنها لأهلها. وقال الزجاج: «عَلِيماً» أي بالأشياء قبل خلقها «حكِيماً» فيما يقدّره ويمضيه منها. وقال بعضهم: إن الله سبحانه لم يزل ولا يزال، والخبر منه بالماضي كالخبر منه بالاستقبال. ومذهب سيبويه أنهم رأُوا حكمةً وعلماً فقيل لهم: إن الله عز وجل كان كذلك لم يزل على ما رأيتم. السادسة والعشرون ـ قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} الآيتين. الخطاب للرجال. والولد هنا بنو الصُّلب وبنو بنيهم وإن سَفَلوا، ذُكراناً وإناثاً واحداً فما زاد بإجماع. وأجمع العلماء على أن للزَّوج النصفَ مع عدم الولد أو ولد الولد، وله مع وجوده الربع. وترث المرأة من زوجها الرّبعَ مع فقد الولد، والثمن مع وجوده. وأجمعوا على أن حكم الواحدة من الأزواج والثنتين والثلاث والأربع في الربع إن لم يكن له ولد، وفي الثمن إن كان له ولد واحد، وأنهنّ شركاء في ذلك؛ لأن الله عز وجل لم يفرق بين حكم الواحدة منهنّ وبين حكم الجميع، كما فرق بين حكم الواحدة من البنات والواحدة من الأخوات وبين حكم الجميع منهنّ. السابعة والعشرون ـ قوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ} الكلالة مصدر؛ مِن تكلّله النسب أي أحاط به. وبه سُمِّي الإكليل، وهي منزلة من منازل القمر لإحاطتها بالقمر إذا ٱحتلّ بها. ومنه الإكليل أيضاً وهو التاج والعِصابة المحيطة بالرأس. فإذا مات الرجل وليس له ولد ولا والد فورثتُه كلالة. هذا قول أبي بكر الصديق وعمر وعليّ وجمهور أهل العلم. وذكر يحيى بن آدم عن شريك وزهير وأبي الأحوص عن أبي إسحاق عن سليمان بن عبْدٍ قال: ما رأيتهم إلا وقد تواطئوا وأجمعوا على أن الكلالة من مات ليس له ولد ولا والد. وهكذا قال صاحب كتاب العين وأبو منصور اللُّغوِيّ وابن عرفة والقتَبِيّ وأبو عبيد وابن الأنباري. فالأب والابن طرفان للرجل؛ فإذا ذهبا تكلله النسب. ومنه قيل: روضة مكلّلة إذا حُفَّت بالنور. وأنشدوا: شعر : مسكنُهُ روضةٌ مُكَلَّلَةٌ عمّ بها الأَيْهُقان والذُّرَق تفسير : يعني نبتين. وقال ٱمرؤ القيس: شعر : أصاحِ ترى بَرْقاً أُرِيك ومِيضَه كلمعِ اليَدينِ في حَبِيّ مُكَلّلِ تفسير : فسمُّوا القرابة كَلاَلَةً؛ لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم، وإحاطتهم به أنهم ينتسبون معه. كما قال أعرابيّ: مالي كثير ويرِثني كلالة متراخٍ نسبهم. وقال الفرزدق: شعر : ورِثتم قناة المجد لا عن كلالةٍ عن ٱبني منافٍ عبدِ شمسٍ وهاشمِ تفسير : وقال آخر: شعر : وإنّ أبا المَرْءِ أحْمَى له ومَوْلَى الكلالة لا يغضَب تفسير : وقيل: إن الكلالة مأخوذة من الكَلاَل وهو الإعياء؛ فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بُعد وإعياء. قال الأعشى: شعر : فآليت لا أرثى لها من كلالةِ ولا من وَجَّى حتى تلاقِي محمّدا تفسير : وذكر أبو حاتم والأثرم عن أبي عبيدة قال: الكَلالة كل من لم يرثه أبٌ أو ٱبن أو أخ فهو عند العرب كَلاَلة. قال أبو عمر: ذِكْر أبي عبيدة الأخَ هنا مع الأب والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره. ورُوي عن عمر بن الخطاب أن الكلاَلة من لا ولد له خاصّة؛ ورُوي عن أبي بكر ثم رجعا عنه. وقال ٱبن زيد: الكَلالةُ الحيّ والميت جميعاً. وعن عطاء: الكلاَلة المال. قال ٱبن العربيّ: وهذا قول طريف لا وجه له. قلت: له وجْهٌ يتبيّن بالإعراب (آنفاً). وروي عن ابن الأعرابيّ أن الكلالة بنو العَمّ الأباعد. وعن السُّدِّي أن الكلالة الميت. وعنه مثل قول الجمهور. وهذه الأقوال تتبيّن وجوهها بالإعراب؛ فقرأ بعض الكوفين «يُورِّث كلالة» بكسر الراء وتشديدها. وقرأ الحسن وأيوب «يُورِث» بكسر الراء وتخفيفها، على اختلاف عنهما. وعلى هاتين القراءتين لا تكون الكلالة إلا الورثة أو المال. كذلك حكى أصحاب المعاني؛ فالأوّل من ورّث، والثاني من أورث. و «كلالة» مفعوله و «كان» بمعنى وقع. ومن قرأ «يُورَثُ» بفتح الراء احتمل أن تكون الكلالة المال، والتقدير: يورث وراثة كلالة، فتكون نعتاً لمصدر محذوف. ويجوز أن تكون الكلالة اسماً للورثة وهي خبر كان؛ فالتقدير: ذا ورثة. ويجوز أن تكون تامة بمعنى وقع، و «يُورَث» نعت لرجل، و «رَجُلٌ» رفع بكان، و «كلالةً» نصب على التفسير أو الحال؛ على أن الكلالة هو الميت، التقدير: وإن كان رجل يورث متكلل النسب إلى الميت. الثامنة والعشرون ـ ذكر الله عز وجل في كتابه الكلالة في موضعين: آخر السورة وهنا، ولم يذكر في الموضعين وارثاً غير الإخوة. فأما هذه الآية فأجمع العلماء على أن الإخوة فيها عنى بها الإخوة للأُم؛ لقوله تعالى: {فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ}. وكان سعد بن أبي وقّاص يقرأ {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمُّهُ}. ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأُم أو للأب ليس ميراثهم كهذا؛ فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في آخر السورة هم إخوة المتوفَّى لأبيه وأُمه أو لأبيه؛ لقوله عز وجل {وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ}. ولم يختلفوا أن ميراث الإخوة للأُم ليس هكذا؛ فدلَّت الآيتان أن الإخوة كلهم جميعاً كلالة. وقال الشَّعبيّ: الكلالة ما كان سوى الولد والوالد من الورثة إخوة أو غيرهم من العصبة. كذلك قال عليّ وابن مسعود وزيد وابن عباس، وهو القول الأوّل الذي بدأنا به. قال الطبريّ: والصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده، لصحة خبر جابر: فقلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة، أفأوصي بمالي كله؟ قال: «لا». التاسعة والعشرون ـ قال أهل اللغة: يقال رجل كلالة وٱمرأة كلالة. ولا يثنى ولا يجمع؛ لأنه مصدر كالوكالة والدلالة والسماحة والشجاعة. وأعاد ضمير مفردٍ في قوله: «وله أخ» ولم يقل لهما. ومضى ذكر الرجل والمرأة على عادة العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما وكانا في الحكم سواء ربما أضافت إلى أحدهما وربما أضافت إليهما جميعاً، تقول: من كان عنده غلام وجارية فليحسن إليه وإليها وإليهما وإليهم؛ قال الله تعالى: { أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ } تفسير : [البقرة: 45]. وقال تعالى: { أية : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا } تفسير : [النساء: 135] ويجوز أوْلَى بهم؛ عن الفراء وغيره. ويقال في ٱمرأة: مرأة، وهو الأصل. وأخ أصله أخَوٌ، يدل عليه أخوان؛ فحذف منه وغيّر على غير قياس. قال الفراء: ضُمَّ أوّل أُخت؛ لأن المحذوف منها واو، وكسر أوّل بنت؛ لأن المحذوف منها ياء. وهذا الحذف والتعليل على غير قياس أيضاً. الموفية ثلاثين ـ قوله تعالى: {فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ} هذا التشريك يقتضي التسويةَ بين الذكر والأُنثى وإن كثروا. وإذا كانوا يأخذون بالأُم فلا يفضل الذكر على الأُنثى. وهذا إجماع من العلماء، وليس في الفرائض موضع يكون فيه الذكر والأُنثى سواء إلا في ميراث الإخوة للأُم. فإذا ماتت ٱمرأة وتركت زوجها وأُمها وأخاها لأُمها فللزوج النصف وللأُم الثلث وللأخ من الأُم السدس. فإن تركت أخوين وأُختين ـ والمسألة بحالها ـ فللزوج النصف وللأُم السدس وللأخوين والأُختين الثلث، وقد تمت الفريضة. وعلى هذا عامة الصحابة؛ لأنهم حجبوا الأُمّ بالأخ والأُخت من الثلث إلى السدس. وأما ابن عباس فإنه لم ير العَوْلَ ولو جعل للأُم الثلث لعالت المسألة، وهو لا يرى ذلك. والعَوْلُ مذكور في غير هذا الموضع، ليس هذا موضعه. فإن تركت زوجها وإخوةً لأُم وأخاً لأب وأُم؛ فللزوج النصف، ولإخوتها لأُمها الثلث، وما بقي فلأخيها لأُمها وأبيها. وهكذا من له فرضُ مُسَمًّى أُعطيَه، والباقي للعصبة إن فضل. فإن تركت ستة إخوة مفترقين فهذه الحِمَاريّة، وتسمّى أيضاً المشتركة. قال قوم: للأُخوة للأُم الثلث، وللزوج النصف، وللأُم السدس، وسقط الأخ والأُخت من الأب والأُم، والأخُ والأُختُ من الأب. رُوي عن عليّ وٱبن مسعود وأبي موسى والشَّعبيّ وشُريك ويحيى بن آدم، وبه قال أحمد بن حنبل وٱختاره ٱبن المنذر؛ لأن الزوج والأُم والأخوين للأُم أصحابُ فرائضَ مسماةٍ ولم يبق للعصبة شيء. وقال قوم: الأُم واحدة، وهَبْ أن أباهم كان حِماراً ٰ وأشركوا بينهم في الثلث؛ ولهذا سُمّيت المشتركة والحِمَاريّة. رُوي هذا عن عمر وعثمان وٱبن مسعود أيضاً وزيد بن ثابت ومسروق وشُريح، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق. ولا تستقيم هذه المسألة أنْ لو كان الميت رجلاً. فهذه جملةُ من علم الفرائض تضمّنتها الآية، والله الموفق للهداية. وكانت الوراثة في الجاهلية بالرُّجولية والقوّة، وكانوا يورّثون الرجال دون النساء؛ فأبطل الله عز وجل ذلك بقوله: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ}. {وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ} كما تقدّم. وكانت الوراثة أيضاً في الجاهلية وبدء الإسلام بالمحالَفة، قال الله عز وجل: { أية : وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ } تفسير : [النساء: 33] على ما يأتي بيانه. ثم صارت بعد المحالفة بالهجرة؛ قال الله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ } تفسير : [الانفال: 72] وسيأتي. وهناك يأتي القول في ذوي الأرحام وميراثهم، إن شاء الله تعالى. وسيأتي في سورة «النور» ميراث ابن الملاعَنة وولد الزنا والمكاتَب بحول الله تعالى. والجمهور من العلماء على أن الأسير المعلومَ حياته أن ميراثه ثابت؛ لأنه داخل في جملة المسلمين الذين أحكام الإسلام جارية عليهم. وقد رُوي عن سعيد بن المُسَيِّب أنه قال في الأسير في يد العدوّ: لا يرث. وقد تقدّم ميراث المرتدّ في سورة «البقرة» والحمد لله. الحادية والثلاثون ـ قوله تعالى: {غَيْرَ مُضَآرٍّ} نصب على الحال والعامل «يوصي». أي يوصي بها غير مضار، أي غير مدخل الضرر على الورثة. أي لا ينبغي أن يوصي بدين ليس عليه ليضرّ بالورثة؛ ولا يُقِرّ بدَين. فالإضرار راجع إلى الوصية والدَّين؛ أما رجوعه إلى الوصية فبأن يزيد على الثلث أو يُوصِيَ لوارث، فإن زاد فإنه يردّ، إلا أن يجيزه الورثة؛ لأن المنع لحقوقهم لا لحق الله تعالى. وإن أوصى لوارث فإنه يرجع ميراثاً. وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز. وقد تقدّم هذا في «البقرة». وأما رجوعه إلى الدَّين فبالإقرار في حالة لا يجوز له فيها؛ كما لو أقرّ في مرضه لوارثه أو لصديق ملاطف؛ فإن ذلك لا يجوز عندنا. وروي عن الحسن أنه قرأ «غير مضارِّ وصِيةٍ مِنَ اللَّهِ» على الإضافة. قال النحاس: وقد زعم بعض أهل اللغة أن هذا لَحْنٌ؛ لأن اسم الفاعل لا يضاف إلى المصدر. والقراءة حسنة على حذفٍ، والمعنى: غير مضار ذي وصية، أي غير مضار بها ورثته في ميراثهم. وأجمع العلماء على أن إقراره بدَين لغير وارث حال المرض جائز إذا لم يكن عليه دَيْن في الصحة. الثانية والثلاثون ـ فإن كان عليه دَيْن في الصحة ببيّنة وأقرّ لأجنبي بدَين؛ فقالت طائفة: يُبدأ بدَين الصحة؛ هذا قول النَّخَعِيّ والكوفيين. قالوا: فإذا استوفاه صاحبه فأصحاب الإقرار في المرض يتحاصّون. وقالت طائفة: هما سواء إذا كان لغير وارث. هذا قول الشافعيّ وأبي ثور وأبي عبيد، وذكر أبو عبيد أنه قول أهل المدينة ورواه عن الحسن. الثالثة والثلاثون ـ قد مضى في «البقرة» الوعيد في الإضرار في الوصية ووجوهها. وقد روى أبو داود من حديث شَهْر بن حَوْشَب (وهو مطعون فيه) عن أبي هريرة حدّثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضارّان في الوصية فتجب لهما النار » تفسير : . قال: وقرأ عليّ أبو هريرة من هٰهنا {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ} حتى بلغ {ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}. وقال ٱبن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر؛ ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ إلا أن مشهور مذهب مالك وٱبن القاسم أن الموصِي لا يعدّ فعله مضارّة في ثُلثُه؛ لأن ذلك حقه فله التصرف فيه كيف شاء. وفي المذهب قول: أن ذلك مضارّة تردّ. وبالله التوفيق. الرابعة والثلاثون ـ قوله تعالى: {وَصِيَّةً} «وَصِيَّةً» نصب على المصدر في موضع الحال والعامل «يُوصِيكُمُ». ويصح أن يعمل فيها «مُضَارٍّ» والمعنى أن يقع الضرر بها أو بسببها فأوقع عليها تجوّزاً، قاله ٱبن عطية؛ وذكر أن الحسن بن أبي الحسن قرأ «غَيْرَ مُضَارِّ وَصِيّةٍ» بالإضافة؛ كما تقول: شجاع حربٍ. وبَضّةُ المُتَجَرِدَّ؛ في قول طرفة بن العبد. والمعنى على ما ذكرناه من التجوّز في اللفظ لصحة المعنى. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} يعني عليم بأهل الميراث حليم على أهل الجهل منكم. وقرأ بعض المتقدّمين «والله عليم حكيم» يعني حكيم بقسمة الميراث والوصية. الخامسة والثلاثون ـ قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} و «تِلْكَ» بمعنى هذه، أي هذه أحكام الله قد بينها لكم لتعرفوها وتعملوا بها. {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في قسمة المواريث فيُقرّبها ويعمل بها كما أمره الله تعالى {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} جملة في موضع نصب على النعت لجنات. وقوله: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} يريد في قسمة المواريث فلم يقسِمها ولم يعمل بها {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} أي يخالف أمره {يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا}. والعصيان إن أُريد به الكفر فالخلود على بابه، وإن أُريد به الكبائر وتجاوز أوامر الله تعالى فالخلود مستعار لمدّة ما. كما تقول: خلّد الله ملكه. وقال زهير: شعر : ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا تفسير : وقد تقدّم هذا المعنى في غير موضع. وقرأ نافع وابن عامر «نُدْخِلْهُ» بالنون في الموضعين، على معنى الإضافة إلى نفسه سبحانه. الباقون بالياء كلاهما؛ لأنه سبق ذكر ٱسم الله تعالى أي يدخله الله.

ابن كثير

تفسير : هذه الآية الكريمة، والتي بعدها، والآية التي هي خاتمة هذه السورة، هن آيات علم الفرائض، وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث، ومن الأحاديث الواردة في ذلك؛ مما هو كالتفسير لذلك. ولنذكر منها ما هو متعلق بتفسير ذلك. وأما تقرير المسائل ونصب الخلاف والأدلة، والحجاج بين الأئمة، فموضعه كتب الأحكام، والله المستعان. وقد ورد الترغيب في تعلم الفرائض، وهذه الفرائض الخاصة من أهم ذلك، وقد روى أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة»تفسير : . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا أبا هريرة تعلموا الفرائض، وعلموه؛ فإنه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي» تفسير : رواه ابن ماجه، وفي إسناده ضعف. وقد روي من حديث ابن مسعود وأبي سعيد، وفي كل منهما نظر. قال ابن عيينة: إنما سمي الفرائض نصف العلم؛ لأنه يبتلى به الناس كلهم. وقال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام: أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئاً، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم رش علي، فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىۤ أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، به، ورواه الجماعة كلهم من حديث سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر. (حديث آخر عن جابر في سبب نزول الآية) قال أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله، هو ابن عمرو الرقي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالاً، ولا ينكحان إلا ولهما مال، قال: فقال: «حديث : يقضي الله في ذلك» تفسير : فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال: «حديث : أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك»تفسير : . وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، به، قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه. والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسبب الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتي، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات، ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث كلالة، ولكن ذكرنا الحديث ههنا تبعاً للبخاري رحمه الله، فإنه ذكره ههنا، والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية، والله أعلم. فقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىۤ أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} أي: يأمركم بالعدل فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، وفاوت بين الصنفين، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى، وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىۤ أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح، وقد رأى امرأة من السبي فرق بينها وبين ولدها، فجعلت تدور على ولدها، فلما وجدته من السبي، أخذته فألصقته بصدرها، وأرضعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «حديث : أترون هذه طارحة ولدها في النار، وهي تقدر على ذلك» تفسير : ؟ قالوا: لا يارسول الله، قال: «حديث : فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها» تفسير : وقال البخاري ههنا: حدثنا محمد بن يوسف عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع. وقال العوفي عن ابن عباس قوله: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىۤ أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} وذلك لما أنزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس، أو بعضهم، وقالوا: تعطى المرأة الربع أو الثمن، وتعطى البنت النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم، ولا يحوز الغنيمة، اسكتوا عن هذا الحديث؛ لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينساه، أو نقول له فيغير، فقال بعضهم: يا رسول الله تعطى الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس، ولا تقاتل القوم، ويعطى الصبي الميراث، وليس يغني شيئاً؟ وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية؛ لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم، ويعطونه الأكبر فالأكبر. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير أيضاً. وقوله: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} قال بعض الناس: قوله: {فَوْقَ} زائدة، وتقديره: فإن كن نساء اثنتين، كما في قوله: {أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَـٰقِ} تفسير : [الأنفال: 12] وهذا غير مسلم، لا هنا ولا هناك؛ فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه، وهذا ممتنع، ثم قوله: {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} لو كان المراد ما قالوه لقال: فلهما ثلثا ما ترك، وإنما استفيد كون الثلثين للبنتين من حكم الأختين في الآية الأخيرة، فإنه تعالى حكم فيها للأختين بالثلثين. وإذا ورث الأختان الثلثين، فلأن يرث البنتان الثلثين بالطريق الأولى. وقد تقدم في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين، فدل الكتاب والسنة على ذلك، وأيضاً فإنه قال: {وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ} فلو كان للبنتين النصف، لنص عليه أيضاً، فلما حكم به للواحدة على انفرادها، دل على أن البنتين في حكم الثلاث، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ} إلى آخره، الأبوان لهما في الإرث أحوال (أحدها): أن يجتمعا مع الأولاد، فيفرض لكل واحد منهما السدس، فإن لم يكن للميت إلا بنت واحدة، فرض لها النصف، وللأبوين لكل واحد منهما السدس؛ وأخذ الأب السدس الآخر بالتعصيب، فيجمع له والحالة هذه بين الفرض والتعصيب. (الحال الثاني): أن ينفرد الأبوان بالميراث، فيفرض للأم والحالة هذه الثلث، ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض، ويكون قد أخذ ضعفي ما فرض للأم، وهو الثلثان، فلو كان معهما ـ والحالة هذه ـ زوج أو زوجة، أخذ الزوج النصف، والزوجة الربع. ثم اختلف العلماء ماذا تأخذ الأم بعد فرض الزوج والزوجة، على ثلاثة أقوال: (أحدها): أنها تأخذ ثلث الباقي في المسألتين؛ لأن الباقي كأنه جميع الميراث بالنسبة إليهما، وقد جعل الله لها نصف ما جعل للأب، فتأخذ ثلث الباقي، ويأخذ الأب ثلثيه، هذا قول عمر وعثمان، وأصح الروايتين عن علي، وبه يقول ابن مسعود وزيد بن ثابت، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور العلماء. (والثاني): أنها تأخذ ثلث جميع المال؛ لعموم قوله: {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلاُِمِّهِ ٱلثُّلُثُ} فإن الآية أعم من أن يكون معها زوج أو زوجة أو لا، وهو قول ابن عباس، وروي عن علي ومعاذ بن جبل نحوه، وبه يقول شريح وداود الظاهري، واختاره أبو الحسين محمد بن عبد الله بن اللبان البصري في كتابه الإيجاز في علم الفرائض، وهذا فيه نظر، بل هو ضعيف؛ لأن ظاهر الآية إنما هو إذا استبد بجميع التركة، وأما هنا، فيأخذ الزوج أو الزوجة الفرض، ويبقى الباقي كأنه جميع التركة، فتأخذ ثلثه كما تقدم (والقول الثالث): أنها تأخذ ثلث جميع المال في مسألة الزوجة خاصة، فإنها تأخذ الربع وهو ثلاثة من اثني عشر، وتأخذ الأم الثلث، وهو أربعة، فيبقى خمسة للأب، وأما في مسألة الزوج، فتأخذ ثلث الباقي؛ لئلا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال، فتكون المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم ثلث الباقي بعد ذلك، وهو سهم، وللأب الباقي بعد ذلك، وهو سهمان. ويحكى هذا عن ابن سيرين، وهو قول مركب من القولين الأولين، موافق كلاً منهما في صورة، وهو ضعيف أيضاً، والصحيح الأول، والله أعلم. (والحال الثالث من أحوال الأبوين): وهو اجتماعهما مع الإخوة، سواء كانوا من الأبوين، أو من الأب أو من الأم، فإنهم لا يرثون مع الأب شيئاً، ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، فيفرض لها مع وجودهم السدس، فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب، أخذ الأب الباقي. وحكم الأخوين فيما ذكرناه كحكم الإخوة عند الجمهور. وقد روى البيهقي من طريق شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس: أنه دخل على عثمان، فقال: إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث، قال الله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة، فقال عثمان: لا أستطيع تغيير ما كان قبلي، ومضى في الأمصار، وتوارث به الناس. وفي صحة هذا الأثر نظر، فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس، ولو كان هذا صحيحاً عن ابن عباس، لذهب إليه أصحابه الأخصاء به، والمنقول عنهم خلافه، وقد روى عبد الرحمن بن أبي الزناد عن خارجة بن زيد عن أبيه أنه قال: الأخوان تسمى إخوة، وقد أفردت لهذه المسألة جزءاً على حدة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة، حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد، عن قتادة قوله: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِّهِ ٱلسُّدُسُ} أضروا بالأم، ولا يرثون، ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث، ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم عن الثلث أن أباهم يلي إنكاحهم، ونفقته عليهم دون أمهم، وهذا كلام حسن. لكن روي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم؛ وهذا قول شاذ رواه ابن جرير في تفسيره، فقال: حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: السدس الذي حجبته الإخوة لأم لهم، إنما حجبوا أمهم عنه؛ ليكون لهم دون أبيهم، ثم قال ابن جرير: وهذا قول مخالف لجميع الأمة. وقد حدثني يونس، أخبرنا سفيان، أخبرنا عمرو عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس أنه قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد. وقوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية، وذلك عند إمعان النظر يفهم من فحوى الآية الكريمة. وقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه وأصحاب التفاسير من حديث أبي إسحاق عن الحارث ابن عبد الله الأعور، عن علي بن أبي طالب، قال: إنكم تقرؤون: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه، دون أخيه لأبيه. ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم. (قلت): لكن كان حافظاً للفرائض، معتنياً بها وبالحساب، فالله أعلم. وقوله: {ءَابَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} أي: إنما فرضنا للآباء والأبناء، وساوينا بين الكل في أصل الميراث، على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية، وعلى خلاف ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام؛ من كون المال للولد، وللأبوين الوصية؛ كما تقدم عن ابن عباس، إنما نسخ الله ذلك إلى هذا، ففرض لهؤلاء ولهؤلاء بحسبهم؛ لأن الإنسان قد يأتيه النفع الدنيوي أو الأخروي، أو هما، من أبيه، ما لا يأتيه من ابنه، وقد يكون بالعكس، ولذا قال: {ءَابَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} أي: كأن النفع متوقع ومرجو من هذا؛ كما هو متوقع ومرجو من الآخر، فلهذا فرضنا لهذا وهذا، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث، والله أعلم. وقوله: {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} أي: هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث، وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض، هو فرض من الله حكم به وقضاه، والله عليم حكيم، الذي يضع الأشياء في محالها، ويعطي كلاًّ ما يستحقه بحسبه، ولهذا قال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يُوصِيكُمُ } يأمركم {ٱللَّهُ فِى } شأن {أَوْلَٰدِكُمْ } بما يذكر {لِلذّكْرِ } منهم {مِثْلُ حَظِ } نصيب {ٱلأُنْثَيَيْنِ } إذا اجتمعتا معه فله نصف المال ولهما النصف فإن كان معه واحدة فلها الثلث وله الثلثان وإن انفرد حاز المال {فَإِن كُنَّ } أي الأولاد {نِسَاءً } فقط {فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } الميت وكذا الاثنتان لأنه للأختين بقوله «فلهما الثلثان مما ترك» فهما أولى ولأن البنت تستحق الثلث مع الذكر فمع الأنثى أولى. «وفوق» قيل صلة وقيل لدفع توهم زيادة النصيب بزيادة العدد لمّا فُهِمَ استحقاق البنتين الثلثين من جعل الثلث للواحدة مع الذكر {وَإِن كَانَتْ } المولودة {وٰحِدَةً } وفي قراءة بالرفع، (فكان) تامة {فَلَهَا ٱلنّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ } أي الميت ويبدل منهما {لِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ } ذكر أو أنثى. ونكتة البدل إفادة أنهما لا يشتركان فيه وألحق بالولد ولد الابن وبالأب الجدّ {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } فقط أو مع زوج {فَلأُمّهِ } بضم الهمزة وكسرها فراراً من الانتقال من ضمة إلى كسرة لثقله في الموضعين {ٱلثُّلُثُ } أي ثلث المال أو ما يبقى بعد الزوج والباقي للأب {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ } أي اثنان فصاعداً ذكوٌر أو إناث {فَلاِمِهِ ٱلسُّدُسُ } والباقي للأب ولا شيء للإخوة وإرث من ذكر ما ذكر {مِن بَعْدِ } تنفيذ {وَصِيَّةٍ يُوصِى } بالبناء للفاعل والمفعول {بِهَا أَوْ } قضاء {دِينِ } عليه، وتقديم الوصية على الدين وإن كانت مؤخرة عنه في الوفاء للاهتمام بها {ءَابَاؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ } مبتدأ، خبره {لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً } في الدنيا والآخرة فظانٌّ أن ابنه أنفعُ له فيعطيه الميراث فيكون الأب أنفع وبالعكس وإنما العالمُ بذلك الله ففرض لكم الميراث {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّه إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً } بخلقه {حَكِيماً } فيما دبَّره لهم أي: لم يزل متصفاً بذلك.

الشوكاني

تفسير : هذا تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: {أية : لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأقْرَبُونَ } تفسير : [النساء: 7] الآية، وقد استدل بذلك على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذه الآية ركن من أركان الدين، وعمدة من عمد الأحكام، وأم من أمهات الآيات لاشتمالها على ما يهم من علم الفرائض، وقد كان هذا العلم من أجلّ علوم الصحابة، وأكثر مناظراتهم فيه، وسيأتي بعد كمال تفسير ما اشتمل عليه كلام الله من الفرائض ذكر بعض فضائل هذا العلم إن شاء الله. قوله: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ } أي: في بيان ميراثهم. وقد اختلفوا هل يدخل أولاد الأولاد أم لا؟ فقالت الشافعية: إنهم يدخلون مجازاً لا حقيقة، وقالت الحنفية: إنه يتناولهم لفظ الأولاد حقيقة إذا لم يوجد أولاد الصلب، ولا خلاف أن بني البنين كالبنين في الميراث مع عدمهم، وإنما هذا الخلاف في دلالة لفظ الأولاد على أولادهم مع عدمهم، ويدخل في لفظ الأولاد من كان منهم كافراً، ويخرج بالسنة، وكذلك يدخل القاتل عمداً، ويخرج أيضاً بالسنة والإجماع، ويدخل فيه الخنثى. قال القرطبي: وأجمع العلماء أنه يورث من حيث يبول، فإن بال منهما، فمن حيث سبق، فإن خرج البول منهما من غير سبق أحدهما، فله نصف نصيب الذكر، ونصف نصيب الأنثى. وقيل: يعطى أقلّ النصيبين، وهو نصيب الأنثى، قاله يحيى بن آدم، وهو قول الشافعي. وهذه الآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من الموارثة بالحلف، والهجرة، والمعاقدة. وقد أجمع العلماء على أنه إذا كان مع الأولاد من له فرض مسمى أعطيه، وكان ما بقي من المال للذكر مثل حظ الأنثيين، للحديث الثابت في الصحيحين، وغيرهما بلفظ: «حديث : ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض، فلأولى رجل ذكر»تفسير : إلا إذا كان ساقطاً معهم، كالأخوة لأم. وقوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأنْثَيَيْنِ } جملة مستأنفة لبيان الوصية في الأولاد، فلا بد من تقدير ضمير يرجع إليهم: ويوصيكم الله في أولادكم للذكر منهم مثل حظ الأنثيين. والمراد: حال اجتماع الذكور والإناث، وأما حال الانفراد، فللذكر جميع الميراث، وللأنثى النصف، وللاثنتين فصاعداً الثلثان. قوله: {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } أي: فإن كنّ الأولاد، والتأنيث باعتبار الخبر، أو البنات، أو المولودات نساء ليس معهن ذكر فوق اثنتين، أي: زائدات على اثنتين على أن فوق صفة لنساء، أو يكون خبراً ثانياً لكان: {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } الميت المدلول عليه بقرينة المقام. وظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاث من البنات فصاعداً، ولم يسم للاثنتين فريضة، ولهذا اختلف أهل العلم في فريضتهما، فذهب الجمهور إلى أن لهما إذا انفردتا عن البنين الثلثين. وذهب ابن عباس إلى أن فريضتهما النصف، احتج الجمهور بالقياس على الأختين، فإن الله سبحانه قال في شأنهما: {أية : فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ } تفسير : [النساء: 176] فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما الثلثين، كما ألحقوا الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين، وقيل: في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين، وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث كان للإبنتين إذا انفردتا الثلثان، هكذا احتج بهذه الحجة إسماعيل بن عياش، والمبرد. قال النحاس: وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط؛ لأن الاختلاف في البنتين إذا انفردتا عن البنين، وأيضاً للمخالف أن يقول إذا ترك بنتين، وابناً فللبنتين النصف، فهذا دليل على أن هذا فرضهما، ويمكن تأييد ما احتج به الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة إذا انفردت النصف بقوله تعالى: {وَإِن كَانَتْ وٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنّصْفُ } كان فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة، وأوجب القياس على الأختين الاقتصار للبنتين على الثلثين. وقيل: إن {فوق} زائدة، والمعنى: وإن كنّ نساء اثنتين، كقوله تعالى: {أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَـٰقِ } تفسير : [الأنفال: 12] أي: الأعناق، ورد هذا النحاس، وابن عطية، فقالا: هو خطأ؛ لأن الظروف وجميع الأسماء لا تجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى. قال ابن عطية: ولأن قوله: {فَوْقَ ٱلأَعْنَـٰقِ } هو الفصيح، وليست {فوق} زائدة، بل هي محكمة المعنى؛ لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ، كما قال دريد بن الصمة: اخفض عن الدماغ، وارفع عن العظم، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال. انتهى. وأيضاً لو كان لفظ {فوق} زائداً، كما قالوا لقال، فلهما ثلثا ما ترك. ولم يقل، فلهن ثلثا ما ترك، وأوضح ما يحتج به الجمهور ما أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي في سننه، عن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالاً، ولا ينكحان إلا ولهما مال، فقال: "حديث : يقضي الله في ذلك"تفسير : ، فنزلت آية الميراث: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ } الآية، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما، فقال: "حديث : أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي، فهو لك"تفسير : . أخرجوه من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر. قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه. قوله: {وَإِن كَانَتْ وٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنّصْفُ } قرأ نافع، وأهل المدينة: «واحدةٌ» بالرفع على أن كان تامة بمعنى: فإن وجدت واحدة، أو حدثت واحدة. وقرأ الباقون بالنصب، قال النحاس: وهذه قراءة حسنة، أي: وإن كانت المتروكة، أو المولودة واحدة. قوله: {وَلأِبَوَيْهِ لِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ } أي: لأبوي الميت، وهو: كناية عن غير مذكور، وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه و{لِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ } بدل من قوله: {وَلاِبَوَيْهِ } بتكرير العامل للتأكيد، والتفصيل. وقرأ الحسن، ونعيم بن ميسرة: «السدس» بسكون الدال، وكذلك قرأ "الثلث"، والربع إلى العشر بالسكون، وهي لغة بني تميم، وربيعة، وقرأ الجمهور بالتحريك ضماً، وهي لغة أهل الحجاز، وبني أسد في جميعها. والمراد بالأبوين: الأب والأم، والتثنية على لفظ الأب للتغليب. وقد اختلف العلماء في الجد، هل هو بمنزلة الأب، فتسقط به الأخوة أم لا؟ فذهب أبو بكر الصديق إلى أنه بمنزلة الأب، ولم يخالفه أحد من الصحابة أيام خلافته، واختلفوا في ذلك بعد وفاته، فقال بقول أبي بكر ابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعائشة، ومعاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو هريرة، وعطاء، وطاوس، والحسن، وقتادة، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وإسحاق، واحتجوا بمثل قوله تعالى: {أية : مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الحج: 78] وقوله: {أية : يا بني آدم}تفسير : [الأعراف؛ 26، 27، 31، 35]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ارموا يا بني إسماعيل»تفسير : . وذهب علي ابن أبي طالب وزيد بن ثابت، وابن مسعود إلى توريث الجدّ مع الإخوة لأبوين أو لأب، ولا ينقص معهم من الثلث، ولا ينقص مع ذوي الفروض من السدس في قول زيد، ومالك، والأوزاعي، وأبي يوسف، ومحمد، والشافعي. وقيل: يشرك بين الجد، والإخوة إلى السدس، ولا ينقص من السدس شيئاً مع ذوي الفروض وغيرهم، وهو: قول ابن أبي ليلى، وطائفة. وذهب الجمهور إلى أن الجد يسقط بني الإخوة، وروى الشعبي عن علي أنه أجرى بني الإخوة في المقاسمة مجرى الإخوة. وأجمع العلماء على أن الجد لا يرث مع الأب شيئاً، وأجمع العلماء على أن للجدة السدس إذا لم يكن للميت أم، وأجمعوا على أنها ساقطة مع وجود الأم، وأجمعوا على أن الأب لا يسقط الجدّة أم الأمّ. واختلفوا في توريث الجدة، وابنها حيّ، فروي عن زيد بن ثابت، وعثمان، وعلي أنها لا ترث، وابنها حيّ، وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وروي عن عمر وابن مسعود، وأبي موسى: أنها ترث معه. وروي أيضاً، عن عليّ، وعثمان، وبه قال شريح، وجابر بن زيد، وعبيد الله بن الحسن، وشريك، وأحمد، وإسحاق وابن المنذر. قوله: {إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ } الولد يقع على الذكر والأنثى، لكنه إذا كان الموجود الذكر من الأولاد، وحده أو مع الأنثى منهم، فليس للجد إلا السدس، وإن كان الموجود أنثى كان للجد السدس بالفرض، وهو عصبة فيما عدا السدس، وأولاد ابن الميت كأولاد الميت. قوله: {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ } أي: ولا ولد ابن لما تقدّم من الإجماع {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } منفردين، عن سائر الورثة، كما ذهب إليه الجمهور من أن الأم لا تأخذ ثلث التركة إلا إذا لم يكن للميت وارث غير الأبوين، أما لو كان معهما أحد الزوجين، فليس للأم إلا ثلث الباقي بعد الموجود من الزوجين. وروي عن ابن عباس أن للأم ثلث الأصل مع أحد الزوجين، وهو يستلزم تفضيل الأمّ على الأب في مسألة زوج وأبوين مع الاتفاق على أن أفضل منها عند انفرادهما عن أحد الزوجين. قوله: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِهِ ٱلسُّدُسُ } إطلاق الإخوة يدل على أنه لا فرق بين الإخوة لأبوين أو لأحدهما. وقد أجمع أهل العلم على أن الإثنين من الإخوة يقومون مقام الثلاثة فصاعداً في حجب الأم إلى السدس، إلا ما يروى عن ابن عباس أنه جعل الاثنين كالواحد في عدم الحجب. وأجمعوا أيضاً على أن الأختين فصاعداً، كالأخوين في حجب الأم. قوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم: «يوصى» بفتح الصاد. وقرأ الباقون بكسرها، واختار الكسر أبو عبيد، وأبو حاتم؛ لأنه جرى ذكر الميت قبل هذا. قال الأخفش: وتصديق ذلك قوله: {يُوصِينَ} و{توصون}. واختلف في وجه تقديم الوصية على الدين مع كونه مقدماً عليها بالإجماع، فقيل: المقصود تقديم الأمرين على الميراث من غير قصد إلى الترتيب بينهما، وقيل: لما كانت الوصية أقل لزوماً من الدين قدّمت اهتماماً بها وقيل: قدّمت لكثرة وقوعها، فصارت كالأمر اللازم لكل ميت وقيل: قدمت لكونها حظ المساكين والفقراء، وأخر الدين لكونه حظ غريم يطلبه بقوة وسلطان وقيل: لما كانت الوصية ناشئة من جهة الميت قدمت، بخلاف الدين، فإنه ثابت مؤدي ذكر أو لم يذكر وقيل: قدّمت لكونها تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فربما يشق على الورثة إخراجها، بخلاف الدين، فإن نفوسهم مطمئنة بأدائه، وهذه الوصية مقيدة بقوله تعالى: {غَيْرَ مُضَارّ} كما سيأتي إن شاء الله. قوله: {آباؤكم وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} قيل: خبر قوله: {أيهم} مقدر أي: هم المقسوم عليهم، وقيل: إن الخبر قوله: {لاَ تَدْرُونَ } وما بعده {وَأَقْرَبَ } خبر قوله: {أَيُّهُم } و {نَفْعاً } تمييز، أي: لا تدرون أيهم قريب لكم نفعه في الدعاء لكم، والصدقة عنكم، كما في الحديث الصحيح: «حديث : أو ولد صالح يدعو له»تفسير : . وقال ابن عباس، والحسن: قد يكون الابن أفضل، فيشفع في أبيه. وقال بعض المفسرين: إن الابن إذا كان أرفع درجة من أبيه في الآخرة سأل الله أن يرفع إليه أباه، وإذا كان الأب أرفع درجة من ابنه سأل الله أن يرفع ابنه إليه. وقيل المراد: النفع في الدنيا، والآخرة، قاله ابن زيد، وقيل: المعنى: إنكم لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم، أمن أوصى منهم فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته، فهو أقرب لكم نفعاً، أو من ترك الوصية، ووفر عليكم عرض الدنيا؟ وقوى هذا صاحب الكشاف، قال: لأن الجملة اعتراضية، ومن حق الاعتراض أن يؤكد ما اعترض بينه، ويناسبه قوله: {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ } نصب على المصدر المؤكد، إذ معنى: {يُوصِيكُمُ } يفرض عليكم. وقال مكي، وغيره: هي حال مؤكدة، والعامل يوصيكم. والأوّل أولى {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً } بقسمة المواريث {حَكِيماً } حكم بقسمتها، وبينها لأهلها. وقال الزجاج: {عَلِيماً } بالأشياء قبل خلقها {حَكِيماً } فيما يقدّره ويمضيه منها. قوله: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوٰجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ } الخطاب هنا للرجال. والمراد بالولد ولد الصلب، أو ولد الولد لما قدمنا من الإجماع {فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ }، وهذا مجمع عليه لم يختلف أهل العلم في أن للزوج مع عدم الولد النصف، ومع وجوده، وإن سفل الربع. وقوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ } الخ الكلام فيه، كما تقدم. قوله: {وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم } هذا النصيب مع الولد، والنصيب مع عدمه تنفرد به الواحدة من الزوجات، ويشترك فيه الأكثر من واحدة لا خلاف في ذلك، والكلام في الوصية، والدين، كما تقدّم. قوله: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً } المراد بالرجل الميت، و {يُورَثُ } على البناء للمفعول من ورث لا من أورث، وهو خبر كان و {كَلَـٰلَةً } حال من ضمير {يُورَثُ } أي: يورث حال كونه ذا كلالة، أو على أن الخبر كلالة، ويورث صفة لرجل، أي: إن كان رجل يورث ذا كلالة ليس له ولد، ولا والد، وقريء {يُورَثُ } مخففاً، ومشدداً، فيكون كلالة مفعولاً، أو حالاً، والمفعول محذوف، أي: يورث، وأريد حال كونه ذا كلالة، أو يكون مفعولاً له، أي: لأجل الكلالة. والكلالة مصدر من تكلله النسب، أي: أحاط به، وبه سمي الإكليل لإحاطته بالرأس. وهو الميت الذي لا ولد له، ولا والد، هذا قول أبي بكر الصديق، وعمر، وعليّ، وجمهور أهل العلم، وبه قال صاحب كتاب العين وأبي منصور اللغوي، وابن عرفة، والقتيبي، وأبو عبيد، وابن الأنباري. وقد قيل: إنه إجماع. قال ابن كثير: وبه يقول أهل المدينة، والكوفة، والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور الخلف، والسلف بل جميعهم. وقد حكى الإجماع غير واحد، وورد فيه حديث مرفوع. انتهى. وروى أبو حاتم، والأثرم، عن أبي عبيدة أنه قال: الكلالة كل من لم يرثه أب، أو ابن، أو أخ، فهو عند العرب كلالة. قال أبو عمر بن عبد البر: ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب، والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره، وما يروى عن أبي بكر، وعمر من أن الكلالة من لا ولد له خاصة، فقد رجعا عنه. وقال ابن زيد: الكلالة: الحيّ، والميت جميعاً، وإنما سموا القرابة كلالة؛ لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه، وليسوا منه، ولا هو منهم، بخلاف الابن، والأب، فإنهما طرفان له، فإذا ذهبا تكلله النسب. وقيل: إن الكلالة مأخوذة من الكلال، وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد، وإعياء. وقال ابن الأعرابي: إن الكلالة بنو العم الأباعد. وبالجملة فمن قرأ: {يُورَثُ كَلَـٰلَةً } بكسر الراء مشددة، وهو بعض الكوفيين، أو مخففة، وهو الحسن، وأيوب جعل الكلالة القرابة. ومن قرأ: {يُورَثُ } بفتح الراء، وهم الجمهور احتمل أن يكون الكلالة الميت، واحتمل أن يكون القرابة. وقد روي عن علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، والشعبي أن الكلالة ما كان سوى الولد، والوالد من الورثة. قال الطبري: الصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولده، ووالده، لصحة خبر جابر فقلت: يا رسول الله إنما يرثني كلالة، أفأوصي بمالي كله؟ قال: «حديث : لا»تفسير : . انتهى. وروي عن عطاء أنه قال: الكلالة المال. قال ابن العربي وهذا قول ضعيف لا وجه له. وقال صاحب الكشاف: إن الكلالة تنطلق على ثلاثة: على من لم يخلف ولداً، ولا والداً، وعلى من ليس بولد، ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد. انتهى. قوله: {أَو ٱمْرَأَةٌ } معطوف على رجل مقيد بما قيد به، أي: أو امرأة تورث كلالة. قوله: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } قرأ سعد بن أبي وقاص من أمّ. وسيأتي ذكر من أخرج ذلك عنه. قال القرطبي: أجمع العلماء أن الإخوة ها هنا هم الإخوة لأم قال: ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب، والأم، أو للأب ليس ميراثهم هكذا، فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في قوله تعالى: {أية : وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ ٱلأنثَيَيْنِ } تفسير : [النساء: 176] هم الإخوة لأبوين، أو لأب، وأفرد الضمير في قوله: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } لأن المراد كل واحد منهما، كما جرت بذلك عادة العرب، إذا ذكروا اسمين مستويين في الحكم، فإنهم قد يذكرون الضمير الراجع إليهما مفرداً، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ } تفسير : [البقرة: 45] وقوله: {أية : يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 34]. وقد يذكرونه مثنى، كما في قوله: {أية : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا } تفسير : [النساء: 135]. وقد قدمنا في هذا كلاماً أطول من المذكور هنا. قوله: {فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِى ٱلثُّلُثِ } الإشارة بقوله: «من ذلك» إلى قوله: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } أي: أكثر من الأخ المنفرد، أو الأخت المنفردة بواحد، وذلك بأن يكون الموجود اثنين فصاعداً، ذكرين أو أنثيين، أو ذكراً، وأنثى. وقد استدل بذلك على أن الذكر، كالأنثى من الإخوة لأم؛ لأن الله شرّك بينهم في الثلث، ولم يذكر فضل الذكر على الأنثى، كما ذكره في البنين، والإخوة لأبوين، أو لأب. قال القرطبي: وهذا إجماع. ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين، أو لأب، وذلك في المسألة المسماة بالحمارية، وهي إذا تركت الميتة زوجاً وأماً وأخوين لأمّ، وإخوة لأبوين، فإن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين لأم الثلث، ولا شيء للإخوة لأبوين. ووجه ذلك أنه قد وجد الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم، وهو كون الميت كلالة، ويؤيد هذا حديث: «حديث : ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي، فلأولي رجل ذكر»تفسير : وهو في الصحيحين، وغيرهما، وقد قررنا دلالة الآية، والحديث على ذلك في الرسالة التي سميناها: «المباحث الدرية في المسألة الحمارية». وفي هذه المسألة خلاف بين الصحابة، فمن بعدهم معروف. قوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ } الكلام فيه، كما تقدم. قوله: {غَيْرَ مُضَارّ } أي: يوصي حال كونه غير مضار لورثته بوجه من وجوه الضرار، كأن يقرّ بشيء ليس عليه، أو يوصي بوصية لا مقصد له فيها إلا الإضرار بالورثة. أو يوصي لوارث مطلقاً، أو لغيره بزيادة على الثلث، ولم تجزه الورثة، وهذا القيد أعني قوله: {غَيْرَ مُضَارّ } راجع إلى الوصية، والدين المذكورين، فهو قيد لهما، فما صدر من الإقرارات بالديون، أو الوصايا المنهي عنها له، أو التي لا مقصد لصاحبها إلا المضارة لورثته، فهو باطل مردود لا ينفذ منه شيء، لا الثلث، ولا دونه. قال القرطبي: وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز. انتهى. وهذا القيد أعني عدم الضرار هو قيد لجميع ما تقدّم من الوصية والدين. قال أبو السعود في تفسيره: وتخصيص القيد بهذا المقام لما أن الورثة مظنة لتفريط الميت في حقهم. قوله: {وَصِيَّةً مّنَ ٱللَّهِ } نصب على المصدر، أي: يوصيكم بذلك وصية من الله كقوله: {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ } قال ابن عطية: يصح أن يعمل فيها مضار. والمعنى: أن يقع الضرر بها، أو بسببها، فأوقع عليها تجوزاً، فتكون {وصية} على هذا مفعولاً بها؛ لأن الاسم الفاعل قد اعتمد على ذي الحال، أو لكونه منفياً معنى، وقرأ الحسن: "وَصِيَّةً مّنَ ٱللَّهِ" بالجرّ على إضافة اسم الفاعل إليها، كقوله يا سارق الليلة أهل الدار. وفي كون هذه الوصية من الله سبحانه دليل على أنه قد وصى عباده بهذه التفاصيل المذكورة الفرائض، وأن كل وصية من عباده تخالفها، فهي مسبوقة بوصية الله، وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض، أو المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه. والإشارة بقوله: {تِلْكَ } إلى الأحكام المتقدمة، وسماها حدوداً لكونها لا تجوز مجاوزتها، ولا يحلّ تعديها {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } في قسمة المواريث، وغيرها من الأحكام الشرعية، كما يفيده عموم اللفظ: {فدخله جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ } وهكذا قوله: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } قرأ نافع، وابن عامر {ندخله} بالنون، وقرأ الباقون بالياء التحتية. قوله: {وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } أي: وله بعد إدخاله النار عذاب لا يعرف كنهه. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن جابر قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت. وقد قدّمنا أن سبب النزول سؤال امرأة سعد بن الربيع. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري، ولا الضعفاء من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها: أم كجة، وترك خمس جوار، فأخذ الورثة ماله، فشكت ذلك أمّ كجَّة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية: {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ } ثم قال في أمّ كجة: {وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ }. وأخرج سعيد بن منصور، والحاكم، والبيهقي، عن ابن مسعود قال: كان عمر بن الخطاب إذا سلك بنا طريقاً، فاتبعناه، وجدناه سهلاً، وإنه سئل عن امرأة، وأبوين، فقال: للمرأة الربع، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي فللأب. وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي، عن زيد بن ثابت نحوه. وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس أنه دخل على عثمان، فقال: إن الأخوين لا يردان الأمّ عن الثلث قال الله: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ } والأخوان ليس بلسان قومك إخوة، فقال عثمان: لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي، ومضى في الأمصار، وتوارث به الناس. وأخرج الحاكم والبيهقي في سننه، عن زيد بن ثابت؛ أنه قال: إن العرب تسمي الأخوين إخوة. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن الجارود، والدارقطني، والبيهقي في سننه عن علي قال: إنكم تقرؤون هذه الآية: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية، وأن أعيان بني الأمّ يتوارثون دون بني العلات. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {آبائكم وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} يقول: أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة عند الله يوم القيامة؛ لأن الله سبحانه شفع المؤمنين بعضهم في بعض. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً } قال: في الدنيا. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والدارمي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقرأ: "وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمَّ}. وأخرج البيهقي، عن الشعبي قال: ما ورث أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الإخوة لأم مع الجدّ شيئاً قط، وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شهاب قال: قضى عمر أن ميراث الاخوة لأمّ بينهم للذكر مثل الأنثى، قال: ولا أرى عمر قضي بذلك حتى علمه من رسول الله، ولهذه الآية التي قال الله: {فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِى ٱلثُّلُثِ }. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وعبد ابن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس قال: الإضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ: {غَيْرَ مُضَارّ }. وقد رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عنه مرفوعاً. وفي إسناده عمر بن المغيرة أبو حفص المصيصي. قال أبو القاسم بن عساكر: ويعرف بمفتي المساكين، وروى عنه غير واحد من الأئمة، قال فيه أبو حاتم الرازي: هو شيخ. وقال: وعليّ بن المديني: هو مجهول لا أعرفه. قال ابن جرير: والصحيح الموقوف. انتهى. ورجال إسناد هذا الموقوف رجال الصحيح، فإن النسائي رواه في سننه، عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عنه. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، واللفظ له، والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشرّ عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشرّ سبعين سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة» تفسير : ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } إلى قوله: {عَذَابٌ مُّهِينٌ }. وفي إسناده شهر بن حوشب، وفيه مقال معروف. وأخرج ابن ماجه، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة»تفسير : . وأخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة مرفوعاً. وأخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، عن سليمان بن موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه. وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه يعوده في مرضه، فقال: إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بالثلثين؟ فقال "حديث : لا"تفسير : ، قال فالشطر؟ قال "حديث : لا"تفسير : ، قال فالثلث؟ قال "حديث : الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر، ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس"تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، عن معاذ بن جبل قال: إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم: يعني: الوصية. وفي الصحيحين، عن ابن عباس قال: وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الثلث كثير»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر قال: ذكر عند عمر الثلث في الوصية، فقال: الثلث وسط لا بخس ولا شطط. وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي قال: لأن أوصي بالخمس أحبّ إليّ من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحبّ إليّ من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث لم يترك. (فائدة) ورد في الترغيب في تعلم الفرائض وتعليمها ما أخرجه الحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تعلموا الفرائض، وعلموه الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها»تفسير : . وأخرجاه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تعلموا الفرائض، وعلموه، فإنه نصف العلم، وإنه ينسى، وهو أوّل ما ينزع من أمتي»تفسير : . وقد روي عن عمر، وابن مسعود، وأنس آثار في الترغيب في الفرائض، وكذلك روي عن جماعة من التابعين، ومن بعدهم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} روى السدي قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان، لا يورثون الرجل من ولده إلاّ من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امرأة يقال لها أم كُجّة، وترك خمس أخوات، فجاءت الورثة فأخذوا ماله، فشكت أم كجة ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} ففرض للثلاث من البنات، إذا انفردت عن ذَكَرٍ، الثلثين، وفَرْضُ الواحدة إذا انفردت النصف، واختلف في الثنتين، فقال ابن عباس النصف، من أجل قوله تعالى: {فَوقَ اثْنَتَيْنِ} وذهب الجماعة إلى أن فرضهما الثلثان كالثلاث فصاعداً اعتباراً بالأخوات. ثم قال تعالى {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ} قال ابن عباس: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله تعالى ذلك، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس. ثم قال: {مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ} فسّوى بين كل واحد من الوالدين مع وجود الولد في أن لكل واحد منهما السدس، ثم فاضل بينهما مع عدم الولد مع أن جعل للأم الثلث والباقي للأب، وإنما كان هكذا لأن الأبوين مع الولد يرثان فرضاً بالولادة التي قد استويا فيها، فسوّى بين فرضهما، وإذا عَدِمَ الولد ورثت الأم فرضاً لعدم التعصب فيها، وورث الأب بالتعصيب، لأنه أقوى ميراثاً، وجعل فرضها شطر ما حازه الأب بتعصيبه، ليصير للذكر مثل حظ الأنثيين. {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} فلا خلاف أن الثلاثة من الأخوة يحجبونها من الثلث الذي هو أعلى فرضها إلى السدس الذي هو أقله، ويكون الباقي بعد سدسها للأب. وحُكِيَ عن طاووس أنه يعود على الإِخوة دون الأب ليكون ما حجبوها عنه عائداً عليهم لا على غيرهم. وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن الأب يُسقِط من أدلى به كالجد. والثاني: أن العصبة لا يتقدر لهم في الميراث فرض كالأبناء. فأما حجب الأم بالأخوين، فقد منع منه ابن عباس تمسكاً بظاهر الجمع في قوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} وخالفه سائر الصحابة مُحَجِّبُوا الأم بالأخوين فصاعداً، وإن لم تحجب بالأخ الواحد لأن لفظ الجمع لا يمنع أن يوضع موضع التثنية نحو قوله تعالى: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} تفسير : [التحريم: 4] مع أن الاثنتين تقومان في الفرائض مقام الجمع الكامل، كالأخوات، وولد الأم. {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَينٍ} فقدم الدين والوصية على الميراث، لأن الدين حق على الميت، والوصية حق له، وهما مقدمان على حق ورثته، ثم قدم الدين على الوصية وإن كان في التلاوة مؤخراً، لأن ما على الميت من حق أولى أن يكون مقدماً على ما له من حق. وقد روى ابن إسحاق عن الحارث الأعور عن علي عليه السلام قال: إنكم تقرؤون هذه الآية {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَينٍ} وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية فإن قيل: فَلِمَ قدم ذكر الوصية على الدين إن كان في الحكم مؤخراً؟ قيل لأن {أَوْ} لا توجب الترتيب وإنما توجب إثبات أحد الشيئين مفرداً أو مصحوباً، فصار كأنه قال: من بعد أحدهما أو من بعدهما. {ءَابآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} يعني في الدين أو الدنيا.

ابن عطية

تفسير : {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} وقوله تعالى: {يوصيكم} يتضمن الفرض والوجوب، كما تتضمنه لفظة أمر- كيف تصرفت، وأما صيغة الأمر من غير اللفظة ففيها الخلاف الذي سيأتي موضعه إن شاء الله، ونحو هذه الآية قوله تعالى: {أية : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلك وصاكم به} تفسير : [الأنعام:151] وقيل: نزلت هذه الآية بسبب بنات سعد بن الربيع وقال السدي: نزلت بسبب بنات عبد الرحمن بن ثابت أخي حسان بن ثابت، وقيل: بسبب جابر بن عبد الله، إذ عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه، قال جابر بن عبد الله، وذكر أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون إلا من لاقى الحروب وقاتل العدو، فنزلت الآيات تبييناً أن لكل أنثى وصغير حظه، وروي عن ابن عباس: أن نزول ذلك كان من أجل أن المال كان للولد، والوصية للوالدين، فنسخ ذلك بهذه الآيات، و {مثل} مرتفع بالابتداء أو بالصفة، تقديره حظ مثل حظ، وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة " في أولادكم أن للذكر" وقوله تعالى: {فإن كن نساء} الآية الأولاد لفظ يجمع الذكران والإناث، فلما أراد بهذه الآية أن يخص الإناث بذكر حكمهن أنث الفعل للمعنى، ولو اتبع لفظ الأولاد لقال كانوا، واسم - كان - مضمر، وقال بعض نحويي البصرة: تقديره وإن كن المتروكات "نساء" وقوله: {فوق اثنتين} معناه: "اثنتين" فما فوقهما، تقتضي ذلك قوة الكلام، وأما الوقوف مع اللفظ فيسقط معه النص على الاثنتين، ويثبت الثلثان لهما بالإجماع الذي مرت عليه الأمصار والأعصار، ولم يحفظ فيه خلاف، إلا ما روي عن عبد الله بن عباس: أنه يرى لهما النصف. ويثبت أيضاً ذلك لهما بالقياس على الأختين المنصوص عليهما، ويثبت لهما بالحديث الذي ذكره الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى للابنتين بالثلثين، ومن قال: {فوق} زائدة واحتج بقوله تعالى: {أية : فوق الأعناق} تفسير : [الأنفال:12] هو الفصيح، وليست {فوق} زائدة بل هي محكمة المعنى لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ، كما قال دريد بن الصمة "اخفض عن الدماغ وارفع عن العظم، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال: وقد احتج لأخذهما الثلثين بغير هذا، وكله معارض، قال إسماعيل القاضي: إذا كانت البنت تأخذ مع أخيها الثلث إذا انفرد، فأحرى أن تأخذ ذلك مع أختها قال غيره: وكما كان حكم الاثنين فما فوقهما من الإخوة للأم واحداً، فكذلك البنات، وقال النحاس: لغة أهل الحجاز وبني أسد، الثلث والربع إلى العشر، وقد قرأ الحسن ذلك كله بإسكان الأوسط، وقرأه الأعرج، ومذهب الزجاج: أنها لغة واحدة، وأن سكون العين تخفيف، وإذا أخذ بنات الصلب الثلثين، فلا شيء بعد ذلك لبنات الابن، إلا أن يكون معهن أخ لهن، أو ابن أخ، فيرد عليهن، وعبد الله بن مسعود لا يرى لهن شيئاً، وإن كان الأخ أو ابن الأخ، ويرى المال كله للذكر وحده دونهن. قوله تعالى: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلَّ وَاحِدٍ مَّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأٌمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْدَيْنٍ} قرأ السبعة سوى نافع " واحدةً" بالنصب على خبر كان، وقرأ نافع واحدة بالرفع على أن كان بمعنى وقع وحصر، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: " النُّصف" بضم النون، وكذلك قرأه علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت في جميع القرآن، وقوله: {ولد} يريد ذكراً أو أنثى، واحداً أو جماعة للصلب أو ولد ولد ذكر، فإن ذلك كيف وقع يجعل فرض الأب السدس، وإن أخذ النصف في ميراثه فإنما يأخذه بالتعصيب، وقوله تعالى: {فإن لم يكن له ولد} الآية، المعنى: فإن لم يكن له ولد، ولا ولد ولد ذكر، ذكراً كان أو أثنى، وقوله: {ووراثه أبواه} تقتضي قوة الكلام أنهما منفردان عن جميع أهل السهام من ولد وغيره، فعلى هذا يكون قوله {وورثه} حكماً لهما بالمال فإذا ذكر وحدّ بعد ذلك نصيب أحدهما أخذ النصيب الآخر، كما تقول لرجلين: هذا المال بينكما، ثم تقول لأحدهما، أنت يا فلان لك منه الثلث، فقد حددت للآخر منه الثلثين، بنص كلامك، وعلى أن فريضتهما خلت من الولد وغيره يجيء قول أكثر الناس: إن للأم مع الانفراد الثلث من المال كله، فإن كان معهما زوج كان " للأم السدس" وهو الثلث بالإضافة إلى الأب، وعلى أن الفريضة خلت من الولد فقط يجيء قول شريح وابن عباس: إن الفريضة إذا خلت من الولد أخذت " الأم الثلث" من المال كله مع الزوج، وكان ما بقي للأب ويجيء على هذا، قوله: {وورثه أبواه}. منفردين أو مع غيرهم. وقرأ حمزة والكسائي " فلإمه" بكسر الهمزة، وهي لغة حكاها سيبويه، وكذلك كسر الهمزة من قوله: {أية : في بطون أمهاتكم} تفسير : [النجم:32] وفي {أية : أمها} تفسير : [القصص:59] وفي {أية : أم الكتاب} تفسير : [آل عمران: 7، الرعد: 39، الزخرف: 4] وهذا كله إذا وصلا إتباعاً للكسرة أو الياء التي قبل الهمزة، وقرأ الباقون كل هذا بضم الهمزة، وكسر همزة الميم من " امهاتكم" إتباعاً لكسر الهمزة، ومتى لم يكن وصل وياء أو كسرة فالضم باتفاق، وقوله تعالى: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} الإخوة يحطون الأم إلى السدس ولا يأخذونه، أشقاء كانوا أو للأب أو للأم، وقال من لا يعد قوله إلا في الشذوذ: إنهم يحطون ويأخذون ما يحطون لأنفسهم مع الأب، روي عن ابن عباس، وروي عنه خلافه مثل قول "السدس" الذي يحجبون " الأم" عنه، قال قتادة: وإنما أخذه الأب دونهم، لأنه يمونهم، ويلي نكاحهم، والنفقة عليهم، هذا في الأغلب، ومجمعون على أن أخوين فصاعداً يحجبون الأم عنه، إلا ما روي عن عبد الله بن عباس، أن الأخوين، في حكم الواحد، ولا يحجب الأم أقل من ثلاثة. واستدل الجميع بأن أقل الجمع اثنان، لأن التثنية جمع شيء إلى مثله، فالمعنى يقتصي أنها جمع، وذكر المفسرون أن العرب قد تأتي بلفظ الجمع وهي تريد التثنية، كما قال تعالى: {أية : وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} تفسير : [الأنبياء:78] وكقوله في آية الخصم {أية : إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا} تفسير : [ص:21، 22] وكقوله: {أية : وأطراف النهار} تفسير : [طه:130] واحتجوا بهذا كله في أن الإخوة يدخل تحته الأخوان. قال القاضي أبو محمد: وهذه الآيات كلها لا حجة فيها عندي على هذه الآية، لأنه قد تبين في كل آية منها بالنص أن المراد اثنان، فساغ التجوز بأن يؤتى بلفظ الجمع بعد ذلك، إذ معك في الأولى - يحكمان - وفي الثانية - إن هذا أخي، وأيضاً فالحكم قد يضاف إلى الحاكم والخصوم، وقد يتسور مع الخصم وغيرهما فهم جماعة، وأما {النهار} في الآية الثالثة فالألف واللام فيه للجنس فإنما أراد طرفي كل يوم وأما إذا ورد لفظ الجمع ولم يقترن به ما يبين المراد فإنما يحمل على الجمع، ولا يحمل على التثنية، لأن اللفظ مالك للمعنى وللبنية حق، وذكر بعض من احتج لقول عبد الله بن عباس: أن بناء التثنية يدل على الجنس والعدد، كبناء الإفراد وبناء الجمع يدل على الجنس ولا يدل على العدد فلا يصح أن يدخل هذا على هذا، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي - " يوصي" - بإسناد الفعل إلى الموروث، إذ قد تقدم له ذكر، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر، " يوصَى" بفتح الصاد ببنيه الفعل للمفعول الذي لم يسَّم فاعله، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: " يوصَّى " بفتح الصاد وتشديدها، وكل هذا في الموضعين، وقرأ حفص عن عاصم في الأولى بالفتح، وفي الثانية بالكسر، وهذه الآية إنما قصد بها تقديم هذين الفعلين على الميراث، ولم يقصد بها ترتيبهما في أنفسهما، ولذلك تقدمت الوصية في اللفظ، والدين مقدم على الوصية بإجماع، والذي أقول في هذا: إنه قدم الوصية إذ هي أقل لزوماً من الدين، اهتماماً بها وندباً إليها كما قال تعالى: {أية : لا يغادر صغيرة ولا كبيرة} تفسير : [الكهف:49] وأيضاً قدمها من جهة أنها مضمنها الوصية التي هي كاللازم يكون لكل ميت، إذ قد حض الشرع عليها، وأخر الدين لشذوذه، وأنه قد يكون ولا يكون، فبدأ بذكر الذي لا بد منه، ثم عطف بالذي قد يقع أحياناً، ويقوي هذا كون العطف بـ {أو} ، ولو كان الدين راتباً لكان العطف بالواو، وقدمت الوصية أيضاً إذ هي حظ مساكين وضعاف وأخر الدين إذ هو حظ غريم يطلبه بقوة، وهو صاحب حق له فيه، كما قال عليه السلامحديث : إن لصاحب الحقتفسير : مقالاً وأجمع العلماء على أن ليس لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث، واستحب كثير منهم أن لا يبلغ الثلث، وأن يغض الناس إلى الربع. {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} {آباؤكم وأبناؤكم} رفع الابتداء، والخبر مضمر تقديره: هم المقسوم عليهم، وهم المعطون، وهذا عرض للحكمة في ذلك، وتأنيس للعرب الذين كانوا يورثون على غير هذه الصفة، و {لا تدرون} عامل في الجملة بالمعنى ومعلق عن العمل في اللفظ بحسب المعمول فيه، إذ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، و {نفعاً}، قال مجاهد والسدي وابن سيرين: معناه في الدنيا، أي إذا اضطر إلى نفاقهم للحاجة, نحا إليه الزجاج، وقد ينفقون دون اضطرار، وقال ابن عباس والحسن، في الآخرة، أي بشفاعة الفاضل للمفضول، وقال ابن زيد: فيهما، واللفظ يقتضي ذلك، و {فريضة} نصب على المصدر المؤكد، إذ معنى {يوصيكم} يفرض عليكم، وقال مكي وغيره: هي حال مؤكدة، وذلك ضعيف، والعامل {يوصيكم}، و {كان} هي الناقصة، قال سيبويه لما رأوا علماً وحكمة قيل لهم: إن الله لم يزل هكذا وصيغة - كان - لا تعطي إلا المضي، ومن المعنى بعد يعلم أن الله تعالى كان كذلك، وهو ويكون، لا من لفظ الآية، وقال قوم: {كان} بمعنى وجد ووقع، و {عليماً} حال، وفي هذا ضعف، ومن قال: {كان} زائدة فقوله خطأ. وقوله تعالى: {ولكن نصف ما ترك أزواجكم} الآية. الخطاب للرجال, والولد ها هنا بنو الصلب وبنو ذكورهم وإن سفلوا، ذكراناً وإناثاً، واحداً فما زاد هذا بإجماع من العلماء. قوله تعالى: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مَمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنِ وَإن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى الثُّلُثِ} والولد في هذه الآية كما تقدم في الآية التي قبلها، والثمن للزوجة أو للزوجات هن فيه مشتركات بإجماع، ويلحق العول فرض الزوج والزوجة، كما يلحق سائر الفرائض المسماة، إلا عند ابن عباس، فإنه قال: يعطيان فرضهما بغير عول، والكلالة: مأخوذة من تكلل النسب: أي أحاط، لأن الرجل إذا لم يترك والداً ولا ولداً فقد انقطع طرفاه، وبقي أن يرثه من يتكلله نسبه، أي يحيط به من نواحيه كالإكليل، وكالنبات إذا أحاط بالشيء، ومنه: روض مكلل بالزهر، والإكليل منزل القمر يحيط به فيه كواكب، ومن الكلالة قول الشاعر: [المتقارب] شعر : فإنّ أبا الْمَرْءِ أحمَصُ له ومولى الكَلاَلَةِ لا يَغْضَبُ تفسير : فالأب والابن هما عمودا النسب، وسائر القرابة يكللون، وقال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس وسليم بن عبيد وقتادة والحكم وابن زيد والزهري وأبو إسحاق السبيعي: " الكلالة" خلو الميت عن الولد اوالوالد، وهذا هو الصحيح، وقالت طائفة: هي خلو الميت من الولد فقط، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعن عمر، ثم رجعا عنه، وروي عن ابن عباس، وذلك مستقراً من قوله في الإخوة مع الوالدين: إنهم يحيطون الأم ويأخذون ما يحطونها. قال القاضي أبو محمد: هكذا حكى الطبري. ويلزم على قول ابن عباس إذ ورثهم بأن الفريضة " كلالة" أن يعطيهم الثلث بالنص، وقالت طائفة منهم الحكم بن عتيبة: "الكلالة" الخلو من الوالد، وهذان القولان ضعيفان، لأن من بقي والده أو ولده، فهو موروث بجزم نسب لا بتكلل، وأجمعت الآن الأمة على أن الإخوة لا يرثون مع ابن ولا مع أب، وعلى هذا مضت الأمصار والأعصار، وقرأ جمهور الناس - "يورَث" بفتح الراء، وقرأ الأعمش وأبو رجاء - " يورِّث" - بكسر الراء وتشديدها، قال أبو الفتح بن جني: قرأ الحسن " يورث" من أورث، وعيسى " يورّث" بشد الراء من ورث، والمفعولان على كلتا القراءتين محذوفان، التقدير: يورث وارثة كلالة، ونصب {كلالة} على الحال، واختلوا في " الكلالة" فيما وقعت عليه في هذه الآية، فقال عمر وابن عباس: "الكلالة" الميت الموروث إذا لم يكن له أب، ونصبها على خبر كان، وقال ابن زيد: " الكلالة" الوارثة بجملتها، الميت والأحياء كلهم " كلالة"، ونصبها على الحال أو على النعت لمصدر محذوف تقديره وراثة " كلالة"، ويصح على هذا أن تكون {كان} تامة بمعنى وقع، ويصح أن تكون ناقصة وخبرها {يورث} وقال عطاء: " الكلالة" المال، ونصب على المفعول الثاني. قال القاضي أبو محمد: والاشتقاق في معنى لكلالة يفسد تسمية المال بها، وقالت طائفة: الكلالة الورثةَ، وهذا يستقيم على قراءة " يورِث" بكسر الراء، فينصب {كلالة} على المفعول، واحتج هؤلاء بحديث جابر بن عبد الله، إذ عاده رسول الله صلى الله عيله وسلم، فقال: يا رسول الله، إنما يرثني " كلالة" أفأوصي بمالي كله؟ وحكى بعضهم: أن تكون " الكلالة" الورثة، ونصبها على خبر {كان}، وذلك بحذف مضاف، تقديره ذا كلالة، ويستقيم سائر التأويلات على كسر الراء، وقوله {أو امرأة} عطف على الرجل، وقوله تعالى: {وله أخ أو أخت} الآية، الضمير في له عائد على الرجل، واكتفى بإعادته عليه دون المرأة، إذ المعنى فيهما واحد، والحكم قد ضبطه العطف الأول، وأصل {أخت} : أخوة، كما أصل بنت: بنية، فضم أول أخت إذ المحذوف منها واو، وكسر أول بنت إذ المحذوف ياء، وهذا الحذف والتعليل على غير قياس، وأجمع العلماء على أن الإخوة في هذه الآية الإخوة لأم، لأن حكمهم منصوص في هذه الآية على صفة، وحكم سائر الإخوة مخالف له، وهو الذي في كلالة آخر السورة، وقرأ سعد بن أبي وقاص " وله أخ أو أخت لأمه" والأنثى والذكر في هذه النازلة سواء، وشركتهم في الثلث متساوية وإن كثروا، هذا إجماع، فإن ماتت امرأة وتركت زوجاً وأماً وإخوة أشقاء، فللزوج النصف، وللأم السدس وما بقي فللإخوة، فإن كانوا لأم فقط، فلهم الثلث، فإن تركت الميتة زوجاً وأماً وإخوين لأم وإخوة لأب وأم، فهذه الحمارية، قال قوم: فيها للإخوة للأم الثلث، ولا شيء لللإخوة الإشقاء، كما لو مات رجل وخلف أخوين لأم، وخلف مائة أخ لأب وأم، فإنه يعطى الأخوان الثلث، والمائة الثلثين، فيفضلون بالثلث عليهم، وقال قوم: الأم واحدة وهب أباهم كان حماراً، وأشركوا بينهم في الثلث وسموها أيضاً المشتركة. قال القاضي ابو محمد: ولا تستقيم هذه المسألة أن لو كان الميت رجلاً، لأنه يبقى للأشقاء، ومتى بقي لهم شيء فليس لهم إلا ما بقي، والثلث للإخوة للأم. {غير مضار} نصب على الحال، والعامل {يوصى}, و {وصية} نصب على المصدر في موضع الحال، والعامل {يوصيكم} وقيل: هو نصب على الخروج من قوله: {فلكل واحد منهما السدس} أو من قوله {فلهم شركاء في الثلث} ويصح أن يعمل {مضار} وفي {وصية}، والمعنى: أن يقع الضرر بها، وبسببها، فأوقع عليها تجوزاً، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "غير مضار وصية" بالإضافة، كما تقول: شجاع حرب، ومدره حرب، وبضة المتجرد، في قوله طرفة بن العبد، والمعنى على ما ذكرناه من التجوز في اللفظ لصحة المعنى، وقال ابن عباس: الضرار في الوصية من الكبائر، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:حديث : من ضارَّ في وصية ألقاه الله تعالى في وادٍ في جهنم . تفسير : قال القاضي أبو محمد: ووجوه المضارَّة كثيرة لا تنحصر، وكلها ممنوعة: يقر بحق ليس عليه، ويوصي بأكثر من ثلثه، أو لوارثه، أو بالثلث فراراً عن وارث محتاج، وغير ذلك، ومشهور مذهب مالك وابن القاسم أن الموصي لا يعد فعله مضارَّة ما دام في الثلث، فإن ضارّ الورثة في ثلثه مضى ذلك، وفي المذهب قوله: إن المضارة ترد وإن كانت في الثلث، إذا علمت بإقرار أو قرينة ويؤيد هذا قوله تعالى: {أية : فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم} تفسير : [البقرة:182]

ابن عبد السلام

تفسير : {يُوصِيكُمُ} كانوا لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان، ولا يورث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الله أخو حسان الشاعر وترك خمس أخوات فأخذ ورثته ماله فشكت زوجته ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت. {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} فرض الاثنتين الثلثان كالأختين، وخالف فيه ابن عباس فجعل لهما النصف، {وَلأَبَوَيْهِ [لكل واحد منهما] السُّدُسُ} نسخت كان [المال] للولد وكانت الوصية للوالدين والأقربين فنسخ من ذلك فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، ولكل واحد من الأبوين السدس، واتفقوا على أن ثلاثة من الإخوة يحجبون الأم إلى السدس، والباقي للأب، وقال طاوس يأخذ الإخوة ما حجبوها عنه وهو السدس، والأخوان يحجبانها إلى السدس خلافاً لابن عباس. وقدّم الدَّيْن والوصية على الإرث، لأن الدِّيْن حق على الميت، والوصية حق له فقدما، وقد قضى الرسول صلى الله عليه وسلم بتقديم الدَّيْن على الوصية إذ لا ترتيب في "أو" {لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ} أنفع لكم في الدين أو الدنيا.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية فروي عن جابر قال مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر وهما يمشيان فوجداني أغمي عليّ فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صب وضوءه عليّ فأفقت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم جالس فقلت يا رسول الله كيف أصنع في مالي كيف أقضى في مالي فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث، وفي رواية فقلت لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض وفي رواية أخرى فنزلت: {يوصيكم الله في أولادكم} وفي رواية أخرى فلم يرد على شيئاً حتى نزلت آية الميراث يستفتونك قل الله يفتيكم أخرجه البخاري ومسلم وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أم كحة امرأة أوس بن ثابت وبناته. وقال عطاء نزلت في سعد بن الربيع النقيب استشهد يوم أحد وترك بنتين وامرأة وأخاً (ق) عن جابر رضي الله عنه قال حديث : جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلىالله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً وأن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً ولا ينكحان إلا ولهما مال قال: يقضي الله في ذلك" تفسير : فنزلت آية الميراث فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال أعطِ ابنتي سعد الثلثين وأعطِ أمهما الثمن وما بقي فهو لك أخرجه الترمذي. وقال السدي: كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلماء لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال فمات عبدالرحمن أخو حسان الشاعر وترك امرأة وخمس بنات فجاء الورثة وأخذوا ماله فشكت امرأته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة وقبل الشروع في تفسير هذه الآية الكريمة. نقدم فصولاً تتضمن أحكام الفرائض وأصول قواعدها. فصل في الحث على تعليم الفرائض اعلم أن الفرائض من أعظم العلوم قدراً وأشرفها ذخراً وأفضلها ذكراً وهي ركن من أركان الشريعة وفرع من فروعها في الحقيقة اشتغل الصدر الأول من الصحابة بتحصيلها وتكلموا في فروعها وأصولها ويكفي في فضلها أن الله عز وجل تولى قسمتها بنفسه وأنزلها في كتابه مبينة من محل قدسه وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعليمها فيما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس فإني مقبوض" تفسير : أخرجه الترمذي وقال فيه اضطراب وأخرجه أحمد بن حنبل وزاد فيه فإني امرؤ مقبوض والعلم مرفوع ويوشك أن يختلف اثنان في الفريضة فلا يجدان أحداً يخبرهما. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم" تفسير : وهو أول علم ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي" أخرجه ابن ماجه والدارقطني. فصل في بيان أحكام الفرائض إذا مات الميت وله مال يبدأ بتجهيزه من ماله ثم تقضي ديونه إن كان عليه دين ثم تنفذ وصاياه وما فضل بعد ذلك من ماله يقسم بين ورثته والوارثون من الرجال عشرة: الابن وابن الابن وإن سفل الأب والجد وإن علا والأخ سواء كان لأب وأم أو لأب أو لأم وابن الأخ للأب والأم أو للأب وإن سفل والعم للأب والأم أو للأب وابناهما وإن سفلوا والزوج والمعتق. والوارثات من النساء سبع: البنت وبنت الابن وإن سفلت. والأم والجدة وإن علت. والأخت من كل الجهات. والزوجة والمعتقة وستة من هؤلاء لا يلحقهم حجب الحرمان بالغير وهم: الأبوان والوالدان والزوجان لأنه ليس بينهم وبين الميت واسطة ثم الورثة ثلاثة أصناف: صنف يرث بالفرض المجرد وهم الزوجان والبنات والأخوات والأمهات والجدات وأولاد الأم وصنف يرث بالتعصيب وهم: البنون والإخوة وبنوهم والأعمام وبنوهم وصنف يرث بالتعصيب تارة وبالفرض أخرى وهما: الأب والجد فيرث بالتعصيب إذا لم يكن للميت ولد فإن كان له ابن ورث الأب بالفرض السدس وإن كانت بنت ورث السدس بالفرض وأخذ الباقي بالتعصيب والعصبة اسم لمن يأخذ جميع المال إذا انفرد ويأخذ ما فضل عن أصحاب الفرائض. فصل وأسباب الإرث ثلاثة: نسب ونكاح وولاء فالنسب القرابة يرث بعضهم بعضاً والنكاح هو أن يرث أحد الزوجين من صاحبه بسبب النكاح والولاء هو أن المعتق وعصباته يرثون المعتق والأسباب التي تمنع الميراث أربعة: اختلاف الدين فالكافر لا يرث المسلم ولا المسلم يرث الكافر لما روي من أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم"تفسير : . أخرجاه في الصحيحين. فأما الكفار فيرث بعضهم بعضاً مع اختلاف مللهم وأديانهم لأن الكفر كله ملة واحدة فذهب بعضهم إلى أن اختلاف الملل والكفر يمنع التوارث أيضاً حتى لا يرث اليهودي من النصراني ولا النصراني من المجوسي وإلى هذا ذهب الزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق لما روي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا توارث بين أهل ملتين" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يتوارث أهل ملتين شتى"تفسير : أخرجه أبو داود وحمله الآخرون على الإسلام والكفر لأن الكفر عندهم ملة واحدة فتوريث بعضهم من بعض لا يكون فيه إثبات التوارث بين ملتين شتى والرق يمنع الإرث لأن الرقيق ملك ولا ملك له فلا يرث ولا يورث والقتل يمنع الإرث عمداً كان القتل أو خطأ لما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : القاتل لا يرث" تفسير : أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث لا يصح والذي عليه العمل عند أهل العلم أن القاتل لا يرث سواء كان القتل عمداً أو خطأ. وقال بعضهم إذا كان القتل خطأ فإنه يرث وهو قول مالك وعمى الموت وهو أن يخفى موت المتوارثين وذلك بأن غرقا أو انهدم عليهما بناء فلم يدر أيهما سبق موته فلا يرث أحدهما الآخر بل يكون إرث كل واحد منهما لما كانت حياته يقيناً بعد موته من ورثته. فصل: السهام المحدودة والسهام المحدودة في الفرائض المذكورة في كتاب الله عز وجل ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس فالنصف فرض خمسة: فرض خسمة: فرض الزوج عند عدم الولد وفرض البنت الواحدة للصلب أو بنت الابن عند عدم بنت الصلب وفرض الأخت الواحدة للأب والأم وفرض الأخت الواحدة للأب والأم وفرض الأخت الواحدة للأب إذا لم يكن ولد لأب وأم والربع فرض الزوج من الولد وفرض الزوجة مع عدم الولد والثمن فرض الزوجة مع الولد والثلثان فرض البنتين فصاعداً أو بنات الابن عند عدم بنات الصلب وفرض الأختين فصاعداً للأب والأم أو للأب والثلث فرض ثلاثة: فرض الأم إذا لم يكن للميت ولد ولا اثنان من الإخوة والأخوات إلاّ في مسألتين: إحداهما زوج وأبوان والأخرى زوجة وأبوان فإن للأم فيهما ثلث الباقي بعد نصيب الزوج أو الزوجة وفرض الاثنين فصاعداً من أولاد الأم ذكرهم وأنثاهم فيه سواء وفرض الجد مع الإخوة إذا لم يكن في المسألة صاحب فرض وكان الثلث للجد خيراً من المقاسمة مع الإخوة والسدس فرض سبعة: فرض الأب إذا كان للميت ولد وفرض الأم إذا كان للميت ولد أو ولد ابن أو اثنان من الإخوة والأخوات وفرض الجد إذا كان للميت ولد مع الإخوة إذا كان في المسألة صاحب فرض وكان السدس خير للجد من المقاسمة مع الإخوة وفرض الجدة والجدات، وفرض الواحد من أولاد الأم ذكراً كان أم أنثى وفرض بنات الابن مع بنت الصلب تكملة الثلثين وفرض الأخوات للأب مع الأخت للأب والأم تكملة الثلثين (ق) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي لأولى رجل ذكر" تفسير : (خ) عن ابن عباس قال كان المال للولد والوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك من أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث وجعل للمرأة الثمن والربع وللزوج الشطر والربع ا هـ. فصل روي عن زيد بن ثابت قال: ولد الأبناء بمنزلة إذا لم يكن دونهن ابن ذكرهمم كذكرهم وأنثاهم كأنثاهم يرثون ويحجبون كما يحجبون ولا يرث ولد ابن مع ابن ذكر فإن ترك ابنة وابن ابن ذكر كان للبنت النصف ولابن الابن ما بقي لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" تفسير : ففي هذا الحديث دليل على أن بعض الورثة يحجب البعض والحجب حجبان: حجب نقصان وحجب حرمان. أما الأول وهو حجب النقصان فهو أن الولد وولد الابن يحجب الزوج من النصف إلى الربع والزوجة من الربع إلى الثمن والأم من الثلث إلى السدس وكذلك الاثنان من الإخوة والأخوات يحجبون الأم من الثلث إلى السدس. وأما الثاني وهو حجب الحرمان فهو أن الأم تسقط الجدات وأولاد الأم وهم الإخوة للأم يسقطون بأربعة بالأب والجد وإن علا وبالولد وولد الابن وأولاد الأب والأم وهم الإخوة للأب والأم يسقطون بثلاثة بالأب والابن وابن الابن وإن سفلوا ولا يسقطون بالجد على مذهب زيد بن ثابت. وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وأولاد الأب يسقطون بهؤلاء الثلاثة وبالأخ للأب والأم وذهب قوم إلى أن الإخوة يسقطون جميعاً بالجد كما يسقطون بالأب. وهو قول أبي بكر الصديق وابن عباس ومعاذ وأبي الدرداء وعائشة. وبه قال الحسن وعطاء وطاوس وأبو حنيفة والأقرب من العصبات يسقط الأبعد منهم فأقربهم الابن ثم ابن الابن وإن سفل ثم الأب ثم الجد وإن علا فإن كان مع الجد أحد من الإخوة والأخوات للأب والأم أو للأب يشتركان في الميراث فإن لم يكن جد فالأخ للأب والأم ثم الأخ للأب ثم بنو الإخوة يقدم أقربهم سواء كان لأب وأم أو لأب فإن استويا في الدرجة فالذي هو لأب وأم ثم العم لأب وأم ثم بنوهم على ترتيب بني الإخوة ثم عم الأب ثم عم الجد على الترتيب فإن لم يكن أحد من عصابات النسب وعلى الميت، ولا فالميراث للمعتق فإن لم يكن حياً فلعصبات المعتق وأربعة من الذكور يعصبون الإناث: الابن وابن الابن والأخ للأب والأم والأخ للأب فلو مات عن ابن أو وبنت أو عن أخ وأخت لأب وأم أو لأب يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين ولا يفرض للبنت والأخت، وكذلك ابن الابن يعصب من في درجته من الإناث ومن فوقه إذا لم يأخذ من الثلثين شيئاً حتى لو مات عن بنتين وبنت ابن فللبنتين الثلثان ولا شيء لبنت الابن فإن كان في درجتها ابن ابن أو أسفل منها ابن ابن ابن كان الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين والأخت للأب والأم أو للأب تكون مع البنت عصبة حتى لو مات عن بنت وأخت كان للبنت النصف والباقي وهو النصف للأخت ولو مات عن بنتين وأخت كان للبنتين الثلثان والباقي للأخت ويدل على ذلك ما روي عن هزيل بن شرحبيل قال سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن أخت فقال: للابنة النصف وللأخت النصف وائت ابن مسعود. فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال ابن مسعود: لقد ضللت وما أنا من المهتدين ثم قال اقضي فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت فأخبر أبو موسى بقول ابن مسعود فقال لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم أخرجه البخاري. وأما تفسير قوله تعالى يوصيكم الله أي يعهد إليكم ويفرض عليكم في أولادكم يعني في أمر من أولادكم إذا متم والوصية من الله إيجاب وإنما بدأ الله تعالى بذكر ميراث الأولاد لأن تعلق قلب الإنسان بولده أشد من تعلقه بغيره فلهذا قدم الله ذكر ميراثهم للذكر مثل حظ الأنثيين يعني أن الولد الذكر له من الميراث ضعفا سهام الأنثى فللذكر سهمان وللأنثى سهم فلو حصل مع الأولاد غيرهم من الورثة من أهل الفروض كالأبوين أخذوا فروضهم وما بقي بعد ذلك كان بين الأولاد للذكر مثل حظ الانثيين {فإن كن} يعني المتروكات من الأولاد {نساء فوق اثنتين} يعني بنتين فصاعداً {فلهن ثلثا ما ترك} وأجمعت الأمة على أن للبنتين الثلثين إلاّ ما روي عن ابن عباس أنه ذهب إلى ظاهر الآية وقال: الثلثان فرض الثلاث من البنات لأن الله تعالى قال: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} فجعل الثلثين للنساء إذا زدن على الثنتين. وعنده أن فرض الثنتين النصف كفرض الواحدة وأجيب عنه بوجوده فيها حجة لمذهب الجمهور أيضاً: الوجه الأول أن الله تعالى قال: {وإن كانت واحدة فلها النصف فجعل للواحدة} وذلك ينفي حصول النصف نصيباً للبنتين. الوجه الثاني في الآية تقديماً وتأخيراً والتقدير: فإن كن نساء اثنتين فما فوقها فلهن الثلثان. والوجه الثالث أن لفظة فوق ها هنا صلة والتقدير فإن كن نساء اثنتين فهو كقوله: {أية : فاضربوا فوق الأعناق}تفسير : [الأَنفال: 12] يعني فاضربوا الأعناق وإنما سمى الاثنتين نساء بلفظ الجمع، لأن العرب تطلق على الاثنين جماعة بدليل قوله تعالى: {أية : فقد صغت قلوبكما}تفسير : [التحريم: 4]. الوجه الرابع قال علماء الجمهور: وإنما أعطينا البنتين الثلثين بتأويل القرآن لأن الله تعالى جعل للبنت الواحدة النصف بقوله تعالى: {وإن كانت واحدة فلها النصف} وجعل للأخت الواحدة النصف بقوله: {أية : إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك}تفسير : [النساء: 176] ثم جعل للأختين الثلثين بقوله: {أية : فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان} تفسير : [النساء: 176] فلما جعل للأختين الثلثين علمنا أن للبنتين الثلثين قياساً على الأختين. الوجه الخامس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالثلثين لابنتي سعد بن الربيع وهذا نص واضح في المسألة. قوله تعالى: {وإن كانت واحدة} يعني البنت واحدة {فلها النصف} يعني فرضاً لها {ولأبويه} يعني أبوي الميت كناية عن غير مذكور وهما والداه {لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد} يعني أن للأب والأم مع وجود الولد أو ولد الابن لكل واحد منهما سدس الميراث. واعلم أن اسم الولد يقع على الذكر والأنثى فإذا مات الميت وترك أبوين وولداً ذكراً واحداً كان أو أكثر أو ترك بنات فإن للأم السدس بالفرض وللأب السدس مع الولد بالذكر بالفرض ومع البنات له السدس بالتعصيب وهو الباقي من التركة وله مع البنت الواحدة السدس بالفرض والباقي بالتعصيب {فإن لم يكن له ولد} يعني للميت {وورثه أبواه فلأمه الثلث} يعني أن الميت إذا مات عن أبوين وليس له وارث سواهما فإن الأم تأخذ الثلث بالفرض ويأخذ الأب باقي المال بالفرض والتعصيب. فيكون المال بينهما أثلاثاً للذكر مثل حظ الانثيين فإن كان مع الأبوين أحد الزوجين فيفرض للأم ثلث الباقي بعد نصيب الزوج أو الزوجة {فإن كان له} يعني للميت {إخوة} يعني ذكوراً أو إناثاً {فلأمه السدس} يعني لأم الميت سدس للتركة إذا كان معها أب وأجمع العلماء على أن الثلاثة يحجبون الأم من الثلث السدس وأن الأخ الواحد والأخت الواحدة لا تحجب الأم من الثلث إلى السدس. واختلفوا في الأخوين فالأكثرون من الصحابة يقولون الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس وهذا قول عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت والجمهور. وقال ابن عباس: لا تحجب الإخوة الأم من الثلث إلى السدس إلاّ أن يكونوا ثلاثة. قال ابن عباس لعثمان: لم صار الأخوين يردان الأم من الثلث إلى السدس، وإنما قال الله تعالى: {فإن كان له إخوة} والأخوان في لسان قومك ليسا بأخوة فقال عثمان: يا بني إن قومك حجبوها بأخوين ولا أستطيع نقد أمر قد كان قبلي وإنما نشأ هذا الاختلاف لأنهم اختلفوا في أقل الجمع وفيه قولان: أحدهما أن أقل الجمع اثنان وهو قول أبي بكر الباقلاني. وحجة هذا القول أنك إذا جمعت واحد إلى واحد فهما جماعة لأن أصل الجمع ضم شيء. وقال ابن الأنباري: التثنية عند العرب أول الجمع مشهور في كلامهم إيقاع الجمع على التثنية فمن ذلك قوله تعالى: {أية : وكنا لحكمهم شاهدين} تفسير : [الأَنبياء: 78] وهما داود وسليمان عليهما السلام ومنه قوله تعالى: {أية : فقد صغت قلوبكما} تفسير : [التحريم: 4] يريد قلباكما. والقول الثاني أن أقل الجمع ثلاثة وهو قول الجمهور العلماء وهو الأصح. إنما حجب العلماء الأم بالأخوين لدليل اتفقوا عليه وهو أن لفظ الاخوة يطلق على الأخوين فما زاد وذلك جائز في اللغة كما تقدم ثم إن الإخوة إذا حجبوا الأم من الثلث إلى السدس فإنهم لا يرثون شيئاً البتة بل يأخذ الأب الباقي كرجل مات عن أبوين وأخوين فإن للأم السدس والباقي وهو خمسة أسداس للأب سدس بالفريضة والباقي بالتعصيب قال قتادة: وإنما حجب الأخوة الأم من غير أن يرثوا مع الأب شيئاً معونة للأب لأنه يقوم بشأنهم وينفق عليهم دون الأم {من بعد وصية يوصي بها أو دين} يعني أن هذه الأنصباء والسهام إنما تقسيم بعد قضاء الدين وانفاذ وصية الميت في ثلثه وذكر الوصية مقدم على الدين في اللفظ لا في الحكم لأن لفظة أو لا توجب الترتيب. وإنما هي لأحد الشيئين كأنه قال من بعد أحد هذين مفرداً أو مضموماً إلى الآخر قال علي رضي الله عنه: إنكم تقرؤون الوصية قبل الدين. وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية وهذا إجماع على أن الدين مقدم على الوصية والإرث مؤخر عنهما لأن الدين حق على الميت والوصية حق له وهما يتقدمان على حق الورثة. قوله تعالى: {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً} قيل هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم وبين قوله فريضة من الله ولا تعلق لمعناه بمعنى الآية ومعنى هذا الكلام في قول ابن عباس: إن الله عز وجل يشفع المؤمنين بعضهم في بعض فأطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة، فإن كان الوالد أرفع درجة من ولده رفع الله درجة ولده إليه وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله إليه لتقر بذلك أعينهم فقال تعالى: {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً} لأن أحدهما لا يعرف منفعة صاحبه له في الجنة وسبقه إلى منزلة عالية تكون سبباً لرفعته إليها، وقيل إن هذا الكلام ليس معترضاً بينهما ومعناه متعلق بمعنى الآية يقول آباؤكم وأبناؤكم يعني الذين يرثونكم أيهم أقرب لكم نفعاً أي لا تعلمون أيهم أنفع لكم في الدين والدنيا. فمنكم من يظن أن الأب أنفع له فيكون الابن أنفع له ومنكم من يظن أن الابن أنفع له فيكون الأب أنفع له ولكن الله هو الذي دبر أمركم على ما فيه المصلحة لكم فاتبعوه ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم فتعطون من لا يستحق ما لا يستحق من الميراث وتمنعون مَنْ يستحق الميراث {فريضة من الله} يعني ما قدر من المواريث لأهلها فريضة واجبة {إن الله كان عليماً حكيماً} يعني كان عليماً بالأشياء قبل خلقها حكيماً فيما قدر من الفرائض وفرض من الأحكام، وقيل معناه عليماً بخلقه قبل أن يخلقهم حكيماً حيث فرض للصغار مع الكبار ولم يخص الكبار بالميراث كما كانت العرب تفعل وفي معنى لفظة كان ثلاثة أقوال: أحدها أن الله تعالى كان عليماً بالأشياء قبل خلقها ولم يزل كذلك، الثاني حكى الزّجاج عن سيبويه أنه قال: إن القول لما شاهدوا علماً وحكمة ومغفرة وفضلاً قيل لهم إن الله كان كذلك ولم يزل الله على ما شاهدتم. الثالث قال الخليل الخبر عن الله عزّ وجلّ بمثل هذه الأشياء كالخبر بالحال والاستقبال لأن صفات الله تعالى لا يجوز عليها الزوال والتقلب.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {واحدة} بالرفع: أبو جعفر ونافع. الباقون: بالنصب. {فلأمه} وما بعده / بكسر الهمزة لأجل كسرة ما قبلها: حمزة وعلي. الباقون بالضم {يوصي} وما بعد مبنياً للمفعول: ابن كثير وابن عامر ويحيى وحماد والمفضل وافق الأعشى في الأولى وحفص في الثانية. الباقون: مبنياً للفاعل. {ندخله} بالنون في الحرفين: نافع وابن عامر وأبو جعفر. الباقون بالياء. وكذلك في سورة الفتح والتغابن والطلاق. {واللذان} بتشديد النون: ابن كثير، وكذلك قوله: {أية : هذان} تفسير : [طه:63] و{هاتان} و{أية : أرنا اللذين} تفسير : [فصلت:29] وأشباه ذلك. وأما قوله {فذانك} فابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وعباس مخير. الباقون: بالتخفيف {كرهاً} بالضم وكذلك في التوبة، حمزة وعلي وخلف. الباقون بالفتح {مبينة} {مبينات} بفتح الياء: ابن كثير وأبو بكر وحماد. وقرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب {مبينة} بالكسر {مبينات} بالفتح. الباقون كلها بالكسر. الوقوف: {الأنثيين} ج {ما ترك} ج {فلها النصف} ط لانتهاء حكم الأولاد {إن كان له ولد} ج {فلأمه الثلث} ج {أو دين} ط {وأبناؤكم} ج لتقديرهم أبناؤكم، ولاحتمال كون آباؤكم مبتدأ وخبره. {لا تدرون} {نفعاً} ج {من الله} ط {حكيماً} ه {لم يكن لهن ولد} ج {دين} ط {منهما السدس} ج {دين} ط لأن غير حال عامله {يوصى} {مضار} ج لاحتمال نصب وصية به كما يجيء {من الله} ط {حليم} ه ط لأن {تلك} مبتدأ {حدود الله} ط {خالدين فيها} ط لأن ما بعده اعتراض مقرر للجزاء. {العظيم} ه {خالداً فيها} ص لأن ما بعده من تتمة الجزاء. {مهين} ه {أربعة منكم} ج لابتداء الشرط مع الفاء. {سبيلاً} ه {فآذوهما} ج {عنهما} ط {رحيماً} ه {عليهم} ط {حكيماً} ه {السيئات} ط لأن حتى إذا تصلح للابتداء وجوابه {أية : قال إني تبت} تفسير : [النساء: 18] وتصلح انتهاء لعمل السيئات {وهم كفار} ط {أليماً} ه {كرهاً} ط للعدول عن الإخبار إلى النهي {مبينة} ج للعارض بين المتفقين {بالمعروف} ج {كثيراً} ه {شيئاً} ط {مبيناً} ه {غليظاً} ط {ومقتاً} ط {سبيلاً} ه. التفسير: إنه تعالى لما بين حكم مال الأيتام وما على الأولياء فيه، بيَّن أن اليتيم كيف يملك المال إرثاً ولم يكن ذلك إلا بيان جملة أحكام الميراث. أو نقول: أجمل حكم الميراث في قوله: {للرجال نصيب} و{للنساء نصيب} ثم فصل ذلك بقوله {يوصيكم الله} أي يعهد إليكم ويأمركم في أولادكم في شأن ميراثهم. واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين: النسب والعهد. أما النسب فكانوا يورثون الكبار به ولا يورثون الصغار والإناث كما مر، وأما العهد فالحلف أو التبني كما سيجيء في تفسير قوله: {أية : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} تفسير : [النساء:33] وكان التوريث بالعهد مقرر في أول الإسلام مع زيادة سببين آخرين: أحدهما الهجرة. فكان المهاجر يرث من المهاجر وإن كان أجنبياً عنه إذا كان بينهما مزيد مخالطة ومخالصة، ولا يرثه غيره وإن كان من أقاربه. والثاني المؤاخاة. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين كل اثنين منهم فيكون سبباً للتوارث. والذي تقرر عليه الأمر في الإسلام إن أسباب التوريث ثلاثة: قرابة ونكاح وولاء. والمراد من الولاء أن المعتق يرث بالعصوبة من المعتق. روي حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورث بنت حمزة من مولى لهاتفسير : . ووراء هذه الأسباب سبب عام وهو الإسلام، فمن مات ولم يخلف من يرثه بالأسباب الثلاثة فماله لبيت المال يرثه المسلمون بالعصوبة كما يحملون عنه الدية. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه "تفسير : وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يوضع ماله في بيت المال على سبيل المصلحة لا إرثاً، لأنه لا يخلو عن ابن عم وإن بعد فألحق بالمال الضائع الذي لا يرجى ظهور مالكه. وإنما بدأ سبحانه بذكر ميراث الأولاد لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات، ثم للأولاد حال انفراد وحال اجتماع مع أبوي الميت. أما حال الانفراد فثلاث ذكور وإناث معاً، أو إناث فقط، أو ذكور فقط. أما الحالة الأولى فبيانها قوله: {للذكر مثل حظ الأنثيين} أي للذكر منهم، فحذف الراجع للعلم به وفيه أحكام ثلاثة: أحدها: خلف ذكراً واحداً وأنثى واحدة فله سهمان ولها واحد. وثانيها: خلف ذكوراً وإناثاً لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم. وثالثها: خلف مع الأولاد جمعاً آخرين كالزوجين، فهم يأخذون سهامهم والباقي بين الأولاد لكل ذكر مثل نصيب أنثيين. وإنما لم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر إشعاراً بفضيلته كما ضوعف حظه لذلك، ولأن الابتداء بما ينبىء عن فضل أحد أدخل في الأدب من الابتداء بما ينبىء عن النقص، ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث فكأنه قيل لهم: كفى الذكور تضعيف من النصيب، فيقطعوا الطمع عن الزيادة. وأما الحكمة في أنه تعالى جعل نصيب النساء من المال أقل من نصيب الرجال، فلنقصان عقلهن ودينهن كما جاء في الحديث، ولأن احتياجهن إلى المال أقل لأن أزواجهن ينفقون عليهن، أو لكثرة الشهوة فيهن فقد يصير المال سبباً لزيادة فجورهن كما قيل: شعر : إن الشباب والفراغ والجده مفسدة للمرء أي مفسده. تفسير : فيكف حال المرأة؟ وعن جعفر الصادق رضي الله عنه أن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها، ثم أخذت حفنة أخرى ورفعتها إلى آدم. فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل. وأما الحالة الثانية فهن أكثر من اثنتين أو اثنتان أو واحدة. وحكم / القسم الأول مبين في قوله: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} وحكم القسم الثالث في قوله: {وإن كانت واحدة فلها النصف} فمن قرأ بالرفع على "كان" التامة فظاهر، ومن قرأ بالنصب فالضمير في كانت إما أن يعود إلى النساء وجاز لعدم الإلباس بدليل واحدة، وإما أن يعود إلى غائب حكمي أي إن كانت البنت أو المولودة. وقراءة النصب أوفق لقوله: {فإن كن نساء} وقراءة الرفع أيضاً حسنة لئلا يحتاج إلى التكلف في عود الضمير. وجوّز صاحب الكشاف أن يكون الضمير في {كن} و {كانت} مبهمة وتكون {نساء} و {واحدة} تفسيراً لهما على أن "كان" تامة. وأما القسم الثاني وهو حكم البنتين فغير مذكور في الآية صريحاً فلهذا اختلف العلماء فيه. فعن ابن عباس أن فرضهما النصف كما في الواحدة، لأن الثلثين فرض البنات بشرط كونهن فوق اثنتين، فإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط. وعورض بأن النصف أيضاً مشروط بالوحدة. أقول: ولعله نظر إلى أن الاثنتين أقرب إلى الواحد من الأعداد غير المحصورة التي فوق الإثنتين سوى الثلاثة، والحمل على الأقرب أولى. وقال الأكثرون من الصحابة وغيرهم: إن فرضهما الثلثان لأن من مات وخلف ابناً وبنتاً فللبنت الثلث بالآية، فيلزم أن يكون للبنتين الثلثان. وأيضاً نصيب البنت مع الولد الذكر الثلث، فلأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث أولى لأن الذكر أقوى من الأنثى. وعلى هذا فكان قوله: {للذكر مثل حظ الأنثيين} دالاً على أنثيين، فذكر بعد ذلك أنهن وإن بلغن ما بلغن من العدد لم يتجاوز الثلثين. وقيل: إن البنتين أمس رحماً بالميت من الأختين، لكنه تعالى يقول في آخر السورة {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان} فالبنتان أولى وهذا قياس جلي، ومما يؤيده أنه تعالى لم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة ليقاس ميراثهن على ميراث البنات الكثيرة كما يقاس ميراث البنتين على الأختين. وقيل: لفظ {فوق} وهو صفة نساء أو خبر بعد خبر للتأكيد، أو ليخرج أقل الجمع وهو اثنان زائد كقوله:{أية : فاضربوا فوق الأعناق} تفسير : [الأنفال:12] وقيل: فيه تقديم وتأخير والمراد: فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما. وعن جابر بن عبد الله قال: حديث : جاءت امرأة بابنتين لها فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا ثابت بن قيس، أو قالت: سعد بن الربيع، قتل معك يوم أحد وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما. فقال: يقضي الله في ذلك ونزلت هذه الآية. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادع لي المرأة وصاحبها. فقال لعمهما: أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك . تفسير : وأما الحالة الثالثة وهو ما إذا كان الأولاد ذكوراً فقط فلم يذكر في الآية، لأنه لما علم أن للذكر مثل حظ الأنثيين وقد تبين أن للبنت الواحدة النصف، علم منه أن للابن الواحد الكل، وإذا كان للواحد الكل، فإذا كانوا أكثر من واحد لم يحسن حرمان بعضهم ولا / ترجيح بعضهم فيكون المال مشتركاً بينهم بالسوية. وأيضاً قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : وما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر" تفسير : ولا نزاع في أن الابن عصبة ذكر، فإذا لم يكن معه صاحب فرض فله كل المال لا محالة. والنص: سألت عن ولد الولد فقيل: اسم الولد يقع على ولد الابن أيضاً لقوله تعالى: {أية : يا بني آدم} تفسير : [الأعراف:31] {أية : يا بني إسرائيل} تفسير : [البقرة:40، 47، 122 وغيرها من الآيات]. وقيل: قيس ولد الولد على الولد لما أنه كولد الصلب في الإرث والتعصيب، ولكنه لا يستحق شيئاً مع أولاد الصلب على وجه الشركة، وإنما يستحق إذا لم يوجد ولد الصلب رأساً، أو لا يأخذ كما في مسألة بنت واحدة وبنت ابن فإنهما يأخذان الثلثين. واعلم أن عموم قوله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم} مخصوص بصور منها: أن العبد والحر لا يتوارثان. ومنها أن القاتل لا يرث. ومنها أن لا يتوارث أهل ملتين والمرتد ماله فيء لبيت المال سوءا اكتسب في الإسلام أو في الردة. وعند أبي حنيفة: ما اكتسب في الإسلام يرثه أقاربه المسلمون. ومنها أن الأنبياء لا يورثون خلافاً للشيعة. روي أن فاطمة رضي الله عنها لما طلبت الميراث احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" تفسير : واحتجت بقوله تعالى حكاية عن زكريا {أية : يرثني ويرث من آل يعقوب} تفسير : [مريم:6] وبقوله: {أية : وورث سليمان داود} تفسير : [النمل:16]، والأصل في التوريث للمال، ووراثة العلم أو الدين مجاز. وبعموم قوله: {يوصيكم الله في أولادكم} ولأن المحتاج إلى هذه المسألة ما كان إلا علياً وفاطمة والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء في الدين. وأما أبو بكر فإنه ما كان محتاجاً إلى معرفة هذه المسألة البتة لأنه ما كان يخطر بباله أنه يرث الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة؟ وأيضاً يحتمل أن يكون قوله: "ما تركناه صدقة" صلة لقوله: "لا نورث" والمراد أن الشيء الذي تركناه صدقة فذلك الشيء لا يورث ولعل فائدة تخصيص الأنبياء بذلك أنهم إذا عزموا على التصدق بشيء فمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم فلا يرثه وارثهم عنهم. أجابوا بأن فاطمة رضي الله عنها رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة وانعقد الإجماع على ما ذهب إليه أبو بكر. واعلم أن جميع ما ذكرنا إنما هو في حالة انفراد الأولاد، أما حالة اجتماعهم بالأبوين فذلك قوله: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد} والمراد بالأبوين الأب والأم. فغلب جانب الأب لشرفه، ومثله من التغليب في التثنية "القمران" و"العمران" و "الخافقان". / والضمير في {أبويه} يعود إلى الميت المعلوم من سياق الكلام في الميراث و {لكل واحد منهما} بدل من {لأبويه} بتكرير العامل. وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس لأوهم اشتراكهما فيه. ولو قيل: ولأبويه السدسان لأوهم قسمة السدسين عليهما بالتساوي أو بالتفاوت. ولو قيل: ولكل واحد من أبويه السدس لفاتت فائدة الإجمال والتفصيل والإبهام والتفسير. فقوله: {السدس} مبتدأ وخبره {لأبويه} وقد توسط البدل بينهما للبيان. واعلم أن للأبوين ثلاث أحوال: الأولى أن يحصل معهما ولد ولا نزاع أن اسم الولد يقع على الذكر وعلى الأنثى فههنا ثلاثة أوجه: أحدها أن يحصل معهما ولد ذكر واحد أو أكثر فللأبوين لكل واحد منهما السدس. والباقي للأولاد بالسوية. وثانيها أن يحصل معهما بنتان أو أكثر، فالحكم كما ذكر. وثالثها أن يكون معهما بنت واحدة فههنا للبنت النصف وللأم السدس وللأب السدس بحكم الآية، والباقي للأب بحكم التعصيب. فإن قيل: إن حق الوالدين على الولد مما لا يخفى فما الحكمة في أنه تعالى جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل؟ فالجواب - والله أعلم - أن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل غالباً، أما الأولاد فهم في زمان الصبا فاحتياجهم إلى المال أكثر وأيضاً كأنهما قالا بلسان الحال للأطفال: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً. وأيضاً ولد الولد ولد، وترفيه حال الولد أهم عند الوالدين من ترفيه حالهما. الحالة الثانية أن لا يكون معهما أحد من الأولاد ولا وارث سواهما وهو المراد بقوله: {فإن لم يكن له ولد وروثه أبواه} أي فقط {فلأمه الثلث} ويعلم منه أن الباقي يكون للأب فيكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ويحصل للاب السدس بالفرضية، والنصف بالعصوبة، ولأنه تعالى قيد فرضية الثلث للأم بأن يكون الوارث منحصراُ في الأبوين اختلف العلماء في أنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فكيف يكون فرض الأم؟ فقال ابن عباس: يدفع إلى الزوج نصيبه أو إلى الزوجة نصيبها، وللأم الثلث بحالة والباقي للأب. وذهب الأكثرون إلى أن الزوج أو الزوجة لهما نصيبهما، ثم يدفع ثلث ما بقي إلى الأم والباقي للأب ليكون للذكر مثل حظ الأنثيين كما هو قاعدة الميراث عند اجتماع الذكر والأنثى، فيكون الأبوان كشريكين بينهما مال، فإذا صار شيء منه مستحقاً بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق الأوّل. وأيضاً الزوج إنما يأخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة فأشبه الوصية في قسمة الباقي. وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين. فإنا إذا دفعنا الربع إلى الزوجة، والثلث إلى الأم بقي للأب الثلث ونصف السدس أكثر ما للأم، وخالفه في الزوج والأبوين لأنه إذا دفع إلى الزوج النصف وإلى الأم الثلث يبقى للأب السدس فيكون للأنثى مثل حظ الذكرين. هذا عكس قوله تعالى: {للذكر مثل حظ الأنثيين} الحالة الثالثة أن يوجد معها الإخوة والأخوات وذلك قوله: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} واتفقوا على أن واحداً من الإخوة أو الأخوات لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس، واتفقوا على أن ثلاثة منهم يحجبون لكن الاثنين مختلف فيهما. فالأكثرون من الصحابة ذهبوا إلى إثبات الحجب بهما كما في الثلاثة بناء على أن الاثنين جمع لوجود التعدد في التثنية فما فوقها، فصح أن يتناول الأخوة للأخوين واستقراء باب الميراث يؤيد ذلك، فإنه جعل نصيب البنتين الثلثين مثل نصيب البنات وكذلك للأختين والأخوات. وذكر الشيخ الكامل محيي الدين بن العربي في الفتوحات أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فسأله عن خلاف الأئمة في أن أقل الجمع اثناء أو ثلاثة، فعلمه أن أقل الجمع في الشفع اثنان وفي الوتر ثلاثة. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الاثنان فما فوقهما جماعة "تفسير : وقد احتج ابن عباس بذلك على عثمان فقال: كيف تردّها إلى السدس بالأخوين وليسا بإخوة؟ فقال عثمان: لا أستطيع رد شيء كان قبلي ومضى في البلدان. فأشار إلى إجماعهم قبل أن يظهر ابن عباس الخلاف. ثم إن الاثنين أو الثلاثة إذا حجبوا الأم عن السدس، فذلك السدس يكون لهم حتى يبقى للأب الثلثان، أو لا يكون لهم شيء من الميراث ويكون خمسة الأسداس للأب. ذهب ابن عباس إلى الأوّل، وذهب الجمهور إلى الثاني إذ لا يلزم من كون الشخص حاجباً كونه واراثاً ولم يرد لهم ذكرإلا بالحجب فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين. ثم ذكر أن هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء من بعد وصية يوصى بها أو دين. حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق. وإذا لم يكن أو كان لكنه قضى وفضل بعده شيء. فإن أوصى الميت وصية أخرجت من ثلث ما فضل ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله تعالى. عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: حديث : إنكم لتقرؤن الوصية قبل الدين وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصيةتفسير : . والمراد أنه لا عبرة بالتقديم في الذكر لأن كلمة أو لا تفيد الترتيب ألبتة، وإنما استفيد الترتيب من السنة عكس الترتيب في اللفظ. وفائدة هذا العكس أن الوصية تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فكان أدواؤها مظنة التفريط بخلاف الدين، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه فكان في تقديمها ترغيب لهم في أدائها، ولهذا جيء بكلمة أو دلالة على التسوية بينهما في الوجوب، ولأن كل مال ليس يحصل فيه الأمران فجيء بأو الفاصلة ليدل على أنه إن كان أحدهما فالميراث بعده، وكذلك إن كان كلاهما فالوصية تشبه الدين من جهة أن سهام أهل المواريث معتبرة بعد كل منهما. ولكنها تفارق الدين من جهة / أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية كما في الإرث بخلاف الدين فإنه يبقى بحاله. ثم قال: {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً} قال أبو البقاء {أيهم} مبتدأ و{أقرب} خبره، والجملة في موضع نصب بـ {تدرون} وهي معلقة عن العمل لفظاً لأنها من أفعال القلوب. وأقول: من الجائز أن لا تكون من أفعال القلوب بل تكون بمعنى المعرفة، وكان {أيهم} مفعولة مبنياً لحذف صدر الصلة نحو {أية : لننزعن من كل شيعة أيهم أشد} تفسير : [مريم:69] قال المفسرون: هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم، وبين قوله: {فريضة من الله} ومن حق الاعتراض أن يناسب ما اعترض بينه ويؤكده. فقيل: هذا من تمام الوصية أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون، من أوصى منهم أم من لم يوص. يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية عليكم عرض الدنيا وجعل الثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ذهاباً إلى حقيقة الأمر، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريباً في الصورة إلا أنه فانٍ فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى، وثواب الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باقٍ فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى. وقيل: عن ابن عباس أن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه فيرفع, وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه سأل أن يرفع ابنه إليه. فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعة في الجنة بهذا اكثر أم بذلك. وقيل: قد فرض الله الفرائض على ما هو عند حكمة، والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات. فلو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع فوضعتم أنتم الأموال في غير موضعها. وقيل: المراد كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة الإنفاق والذب عنه، فلا يدري أن الابن سيحتاج إلى أن ينفق الأب عليه أو الأب سيفتقر إلى الابن. وقيل: المقصود جواز أن يموت هذا قبل: ذلك فيرثه وبالضد، والقول هو الأوّل. {فريضة من الله} نصبت على أنها صفة تقوم مقام المصدر المؤكد أي فرض الله ذلك فرضاً {إن الله كان عليماً} بكل المعلومات فيكون عالماً بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد {حكيماً} لا يأمر إلا بما هو الأحسن الأصلح. قال الخليل: "كان" ههنا منخلع عن اعتبار الاقتران بالزمان، لأنه تعالى منزه عن الدخول تحت الزمان ولكنه من الأزل إلى الأبد عليم حكيم. وقال سيبويه: إن القوم لما شاهدوا علماً وحكمة تعجبوا فقيل لهم: إن الله كان كذلك أي لم يزل موصوفاً بهذه الصفات. هذا واعلم أن الوارث إما أن يكون متصلاً يالميت بغير واسطة أو بواسطة. وعلى الأول فسبب الاتصال / إما أن يكون هو النسب أو الزوجية. فهذه ثلاثة أقسام: الأوّل قرابة التوالد الفروع والأصول وهو أشرف الاتصالات لعدم الواسطة ولكثرة المخالطة ولغاية الألفة والشفقة، ولهذا قدّم في الذكر. ويتلوه في الشرف القسم الثاني لمثل ما قلنا ولهذا أردفه بالقسم الأول وذلك قوله: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} إلى قوله {توصون بها أو دين} ثم بيَّن أحوال القسم الثالث وهو الكلالة في قوله: {وإن كان رجل يورث كلالة} فما أحسن هذا النسق. ولما جعل في الموجب النسبيّ حظ الرجل مثل حظ الأنثيين، فكذلك جعل في الموجب السببي وهو الزوجية حظ الزوج ضعف حظ الزوجة. وقد نبه في الآية على فضل الرجال حيث ذكرهم على سبيل المخاطبة ثمان مرات، وذكرهن على الغيبة أقل من ذلك. ثم الواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن، ولا فرق في الولد بين الذكر والأنثى، ولا بين الابن وابن الابن، ولا بين البنت وبنت الابن، ويخرج منه ولد البنت لأنه لا يرث. وههنا مسألة. قال الشافعي: يجوز للزوج غسل زوجته لأنها بعد الموت زوجته بدليل قوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأنها ليست زوجته، ولو كانت زوجته لحل له وطؤها لقوله: {أية : إلا على أزواجكم} تفسير : [المؤمون: 6] وأجيب بأنه لو كانت زوجته له لكان قوله {ما ترك أزواجكم} مجازاً. ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل له وطؤها لزم التخصيص وإذا تعارض المجاز والتخصيص فالتخصيص أولى كما بين في أصول الفقه. وكيف لا وقد علم في صور كثيرة حصول الزوجية مع حرمة الوطء كزمان الحيض والنفاس ونهار رمضان وعند اشتغالها بالصلاة المفروضة والحج المفروض وعند كونها في العدّة عن الوطء بالشبهة. وأيضاً حل الوطء ثابت على خلاف الأصل لما فيه من المصالح، وعند الموت لم يبق شيء من تلك المصالح فعاد إلى أصل الحرمة، أما حل الغسل ففيه مصالح فوجب القول ببقائه. واختلفوا في تفسير الكلالة فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيه برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه. الكلالة ما خلا الوالد والولد. وعن عمر رضي الله عنه: الكلالة من لا ولد له فقط. وعنه في رواية أخرى التوقف. وكان يقول: ثلاثة لأن يكون بينهم الرسول صلى الله عليه وسلم لنا أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة والربا. وقيل: الكلالة القرابة من غير جهة الولد والوالد. ومنه قولهم: ما ورث المجد عن كلالة كما تقول: ما صمت عن عيّ. قال الفرزدق: شعر : ورثتم قناة الملك لا عن كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشم تفسير : والمختار الصحيح من الأقوال قول أبي بكر لأن الكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوّة من الإعياء. قال الأعشى: شعر : فآليت لا أرثي لها من كلالة ولا من وجى حتى تلاقي محمداً تفسير : فاستعيرت للقرابة من غير جهة الوالد والولد لأنها بالإضافة إلى قرابة الأصول والفروع كلالة ضعيفة. ويحتمل أن يقال: هي من الإكليل لأنهم يحيطون بالإنسان إحاطة الإكليل بالرأس بخلاف قرابة الولادة فإنها تذهب على الاستقامة كما قال: شعر : نسب تتابع كابراً عن كابر كالرمح أنبوباً على أنبوب تفسير : وأيضاً فإنه تعالى قال في آخر السورة {أية : قل الله يفتيكم في الكلالة إنْ امرؤا هلك ليس له ولد} تفسير : [الآية:176] فاحتج عمر بذلك. والجواب أنه تعالى حكم في تلك الآية بتوريث الإخوة والإخوات حال كون الميت كلالة. ولا شك أن الإخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فيلزم أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين. وأيضاً إنه تعالى ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة، ثم أتبعها ذكر الكلالة. وهذا الترتيب يقتضي أن يكون الكلالة من عدا الوالدين والولد، ثم الكلالة قد يجعل وصفاً للمورث. والمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد، ويمكن أن يحمل عليه بيت الفرزدق أي ما ورثتم الملك عن الأعمام بل عن الآباء، فسمىالعم كلالة وهو ههنا مورث لا وارث. وقد يجعل وصفاً للوارث ومنه قول جابر: حديث : مرضت مرضاً أشفيت منه على الموت فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة تفسير : وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد. ويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم كلالة لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والجلالة، وإذا جعلت صفة للوارث أو المورث كانت بمعنى ذي كلالة كما يقال: فلان من قرابتي أي من ذوي قرابتي. ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة يقال: رجل هجاجة وفقاقة كلاهما بالتخفيف أي أحمق. وقوله تعالى: {وإن كان رجل يورث} فيه احتمالان: الأول وهو قول عطاء والضحاك: أن يكون مأخوذاً من ورث الرجل يرث فيكون الرجل هو الموروث منه، وينتصب كلالة على الحال أو على أنه خبر "كان" و {يورث} صفة رجل. ويجوز أن يكون مفعولاً له أي يورث لأجل كونه كلالة. والثاني وهو قول سعيد بن جبير أن يكون مبنياً للمفعول من أورث فالرجل حينئذٍ هو الوارث، وينتصب كلالة على الوجوه المذكورة. قيل: ما السبب في أنه قال: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة} ثم قال: {وله أخ} فكنى عن الرجل ولم يكن عن المرأة؟ والجواب أنه إذا جاء حرفان في معنى واحد جاز إسناد التفسير / إلى أيهما أريد، وجاز إسناد إليهما أيضاً. تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله أو فليصلها. والترجيح بالتذكير للشرف معارض بالتأنيث للقرب. وإن قلت: فليصلهما جاز أيضاً. ولعل التوحيد والتذكير في الآية أولى إما لأن الرجال في الأحكام أصل والنساء تبع لهم، وإما بتأويل أحد المذكورين. ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد من الأخ والأخت ههنا الأخ والأخت من الأم، ويدل عليه ما نسب إلى أبيّ وسعد بن أبي وقاص: {وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما} أي من الأخ والأخت {السدس} من غير مفاضلة الذكر على الأنثى. هذا على الاحتمال الأوّل وهو أن الرجل مورث منه. وأما على الاحتمال الثاني وهو أن الرجل وارث فالضمير عائد إلى الرجل وإلى واحد من أخيه أو أخته. والمعنى مثل الأوّل، لأنك إذا قلت السدس له أو لواحد من الأخ أو الأخت على التخيير فقد سوّيت بين الذكر والأنثى. ثم قال {فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} فبيّن أن نصيبهم كيفما كانوا لا يزداد على الثلث. وقد يسند الإجماع إلى هذا بيانه أنه قال في آخر السورة {أية : قل الله يفتيكم في الكلالة} تفسير : [النساء:176] وأثبت للأختين الثلثين وللإخوة كل المال، وههنا أثبت للإخوة، والأخوات السدس عند الانفراد، والثلث عند الاجتماع، فعلم أن المراد من الإخوة والأخوات ههنا غير المراد من الإخوة والأخوات في تلك الآية. فالمراد ههنا الإخوة والأخوات من الأم وهم الأخياف، وهناك الإخوة والأخوات من الأب والأم وهم الأعيان، أو من الأب وهم أولاد العلات. فالكلالة وإن كانت عامة لمن عدا الوالد والولد إلا أنها في الآية خاصة كما بيَّنا {غير مضار} حال أي يوصي بها وهو غير مضارّ لورثته. ومن قرأ {يوصى} مبنياً للمفعول فعامل الحال محذوف يدل عليه المذكور أي يوصى إذا علم أن ثمة موصياً والضمير فيه وهو ذو الحال يعود إلى رجل على تقدير أنه المورث، أو إلى الميت الدال عليه سياق الكلام أي إن كان الرجل وارثاً وضرار الورثة بأن يوصي بأزيد من الثلث أو بالثلث فما دونه ونيته مضارة الورثة ومغاضبتهم وقطع الميراث عنهم لا وجه الله. وقد يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه، أو يبيع شيئاً بثمن بخس، أو يشتري شيئاً بثمن غال، كل ذلك لئلا يصل المال إلى الورثة. قال العلماء: الأولى بالإنسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان في المال قلة وفي الورثة كثرة لم يوص، وإن كان بالعكس أوصى على قانون العدالة, وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس: أن الإضرار في الوصية من الكبائر، ويروى مرفوعاً وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى وحاف في وصيته ختم له بشر عمله فيدخل النار. وإن الرجل / ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة"تفسير : وعنه "حديث : من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة " تفسير : {وصية من الله} نصب على المصدر المؤكد أو على أنه مفعول {مضار} أي لا يضار وصية من الله وهو الثلث فما دونه بزيادته على الثلث، أو وصية من الله بالأولاد لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية {والله عليم} بمن جار في وصيته أو عدل {حليم} عن الجائر لا يعاجله بالعقوبة، وفيه من الوعيد ما لا يخفى. ثم أكد الوعيد بالترغيب والترهيب فقال: {تلك حدود الله} وهو إشارة إلى جميع ما ذكر في السورة من أحكام اليتامى والوصايا والمواريث وغيرها، وهي الشرائع التي لا يجوز للمكلف أن يتجاوزها ويتخطاها إلى ما ليس له بحق. وقوله: {ومن يطع الله} {ومن يعص الله} عام في هذه التكاليف وفي غيرها، كما أن الوالد يقبل على ولده ويؤدبه في أمر مخصوص، ثم يقول احذر مخالفتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور. وإنما قيل: {يدخله} و {خالدين} حملاً على لفظ "من" ومعناه. وانتصب {خالدين} و{خالداً} على الحال. ولا يجوز أن يكونا صفتين لـ {جنات} و {ناراً} لأنهم جريا على غير من هماله، فكان يلزم حينئذٍ أن يقال: خالدين هم فيها وخالداً هو فيها. قالت المعتزلة: الآية تدل على القطع بوعيد الفساق وخلودهم وذلك أن التعدي في جميع حدود الله محال، لأن من حدوده ترك اليهودية والنصرانية والمجوسية، والتعدي فيها هو الإتيان بجميعها وذلك محال. فإن المراد تعدّي أي حدّ كان، ولأن الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكون المراد التعدي في هذه الحدود، وأجيب بما مر من أن ذلك مشروط عندكم بعدم التوبة، فأي مانع لنا من أن نزيد فيه شرطاً آخر وهو عدم العفو. وبأن الآية لعلها مخصوصة بالكافر لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ أي: ومن يعص الله في كذا وفي كذا. وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر. نعم يخرج منه ما يخصصه دليل عقلي كما ذكرتم من استحالة الجمع بين اليهودية والنصرانية، ومما يؤكد كون الآية مخصوصة بالكافر أن قوله: {ومن يعص الله ورسوله} يفيد كونه فاعلاً للمعاصي. فلو كان المراد من قوله: {ويتعد حدوده} أيضاً ذلك لزم التكرار فوجب حمله على الكفر. وإن سلم أن المراد هو التعدي في حدود المواريث فلعل المراد من التعدي هو اعتقاد كونها لا على وجه الحكمة والصواب ويلزم منه الكفر والله أعلم بمراده. قوله عم طوله: {واللاتي يأتين / الفاحشة} الآية. وجه النظم فيه أن التغيلظ عليهم في باب الفاحشة من جملة الإحسان إليهن المأمور به في الآيات المتقدمة. وفيه أن مدار الشرع على العدل والإنصاف والاحتراز في كل باب من طرفي التفريط والإفراط،، فلا ينبغي أن يصير الإحسان إليهن سبباً لترك إقامة الحدود عليهن. واللاتي جمع التي وفيه لغات: اللائي بالهمزة، واللواتي واللواتي فكأنهما جمعا الجمع. وقد تحذف الياآت من الأربعة، وقد تسهل همزة اللائي بين الهمزة والياء لكونها مكسورة لقراءة ورش {أية : واللائي يئسن من المحيض} تفسير : [الطلاق:4] وقد يقال: اللاي بياء ساكنة بعد الألف من غير همز، وقد يقال: اللوا بحذف التاء والياء معاً. وقد يقال: اللاآت كاللامات. قال ابن الأنباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان التي، ومن الحيوان اللاتي كقوله: {أية : أموالكم التي جعل الله لكم قياماً} تفسير : [النساء: 5] وقال في هذه الآية {واللاتي} لأن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد بخلاف جمع الحيوان فإن كل واحد منهما متميز عن غيره بخواص وصفات. ومن العرب من يلغي هذا الفرق. والفاحشة الفعلة المتزايدة في القبح مصدر كالعافية. وأجمعوا على أنها الزنا ههنا. قال المحققون: خصص هذا العمل بالفاحشة لأن القوى البدنية نطقية وغضبية وشهوية، وفساد الأولى الكفر والبدعة وأمثالها، وفساد الثانية القتل بغير حق ونحوه، وفساد الثالثة الزنا واللواط والسحق وما أشبهها وهذه أخص الجميع. ومعنى {من نسائكم} من زوجاتكم أو من الحرائر أو من نسائكم المؤمنات والثيبات أقوال. {فاستشهدوا عليهم أربعة منكم} احتياطاَ لأمر الزنا. والمراد بقوله: {منكم} أي من رجالكم. قال الزهري: مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود فإن شهدوا مفصلاً مفسراً كقولهم: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، أو كالرشاء في البئر. ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم لا بمعنى عرضي كالحيض، ولا مع تحليل عالم كالمتعة، ولا بشبهة {فأمسكوهن في البيوت} خلدوهن محبوسات في بيوتكم {حتى يتوفاهن الموت} أي ملائكة الموت أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن {أو يجعل الله لهن سبيلاً} بالنكاح أو بالحد. {واللذان يأتيانها منكم} يعني الزاني والزانية أو اللائط والملوط {فآذوهما} فوبخوهما وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما الله أما لكما في النكاح مندوحة عن هذه؟ {فإن تابا وأصلحا} وغيرا الحال { فأعرضوا عنهما} فاقطعوا التوبيخ والذم، أو خوطب الشهود الذين عثروا على سرهما أن يهددوهما بالرفع إلى الإمام والحد فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فأعرضوا عن العرض على الإمام. واعلم أن للعلماء خلافاً في الآيتين. فعن الحسن أن الثانية مقدمة في النزول. أمروا بإيذاء الزانيين أولاً ثم أمروا بإمساك النساء في / البيوت إلى أن يتبين أحوالهن. وقال السدي: المراد بهذه الآية البكر من الرجال والنساء، وبالآية الأولى الثيب. وعن أبي مسلم أن الآية الأولى في السحاقات وحدّها الحبس إلى الموت إلا أن يخلصهن الله، والثاني في اللائطين وحدّهما الأذى بالقول والفعل. والدليل على ذلك تذكير اللذان ولفظ منكم أي من رجالكم كما في قوله: {أربعة منكم} وأما الزنا من الرجل والمرأة فذلك في سورة النور وحدّه في البكر الجلد وفي المحصن الرجم، وعلى هذا لايلزم نسخ شيء من الآيات ولا تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين. وزيف قول أبي مسلم بأنه قول لم يقل به أحد، وبأن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواطة ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية. وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم دليل على أن الآية ليست في اللواطة. وأجاب أبو مسلم بأنه قول مجاهد - وهو من أكابر المفسرين - على أنه بيّن في الأصول أن استنباط تأويل جديد جائز، وأيضاً كان مطلوب الصحابة معرفة حدّ اللوطيّ وكمية ذلك وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات، ومطلق الإيذاء لا يصلح للحد. وجمهور المفسرين على أن الآيتين في الزنا وأنهما منسوختان لما روى مسلم في كتابه عن عبادة بن الصامت حديث : كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد له وجهه فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما سري عنه قال: خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجمتفسير : . ثم استقر الأمر آخراً على أن البكر يجلد ويغرّب والثيب يرجم فقط. وقيل: إن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد. وعن أصحاب أبي حنيفة أن آية الحبس نسخت بالحديث، والحديث منسوخ بآية الجلد، وآية الجلد نسخت بدلائل الرجم. وقال في الكشاف: من الجائز أن لا تكون الآية منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوماً بالكتاب والسنة ويوصي بإمساكهن في البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال. وقال الشيخ أبو سليمان الخطابي في معالم السنن: إنه لم يحصل النسخ في الآية ولا في الحديث. وذلك أن الآية تدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلاً. ثم إن ذلك السبيل كان مجملاً، فلما قال صلى الله عليه وسلم: خذوا عني الثيب يرجم والبكر يجلد وينفى. صار في هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا ناسخاً لها، وصار أيضاً مخصصاً لعموم آية الجلد والله تعالى عليم. ثم أخبر عن المستحقين لقبول التوبة وعن المستحقين لعدم القبول فقال: {إنما التوبة على الله} واجبة وجوب الوعد والكرم لا وجوباً يستحق بتركه الدم {للذين يعملون السوء بجهالة} قال أكثر المفسرين: كل من عصى فهو جاهل وفعله جهالة. ولهذا قال موسى: {أية : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} تفسير : [البقرة:67] لأنه حيث لم / يستعمل ما معه من العلم بالعقاب والثواب فكأنه لا علم له. وبهذا التفسير تكون المعصية مع العلم بأنها معصية جهالة. وقيل: المراد أنه جاهل بعقاب المعصية. وقيل: المراد أن يكون جاهلاً بكونها معصية لكنه يكون متمكناً من تحصيل العلم بكونها معصية، ولهذا أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية لأنه متمكن من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنباً ومعصية، وأن النائم أو الساهي لا يستحق العقاب لأنه أتى بالقبيح غير متمكن من العلم بكونه قبيحاً. أما المتعمد فإنه لا يكون داخلاً تحت الآية وإنما يعرف حاله بطريق القياس، وإنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة فلأن تكون واجبة على العامد أولى لأنه عالم بقبح تلك المعصية. أما قوله: {ثم يتوبون من قريب} فقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب قبل حضور زمان الموت ونزول سلطانه ومعاينة أهواله. وإنما كان ذلك الزمان قريباً لأن الأجل آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، ولأن مدة عمر اإنسان وإن طالت إذا قيست إلى طرفي الأزل والأبد كانت كالعدم، ولأن الإنسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به، وما هذا حاله فإنه يوصف بالقرب. و"من" في {من قريب} إما لابتداء الغاية أي يجعل مبتدأ توبته من زمان قريب من المعصية، أو للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً لما قلنا ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب وإلا فهو تائب من بعيد ألا ترى إلى قوله: {حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فبقي ما وراء ذلك في حكم القرب. ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر "تفسير : والفائدة في قوله: {فأولئك يتوب الله عليهم} بعد قوله: {إنما التوبة على الله} أن الأوّل إعلام بأنه يجب على الله قبولها لزوم الكرم والفضل والإحسان, والثاني إخبار بأنه سيفعل ذلك. أو المراد بالأوّل توفيق التوبة والإعانة عليها، وبالثاني قبولها {وكان الله عليماً} بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه {حكيماً} يجب في كرمه قبول توبتة العبد إذا تاب من قريب. قال المحققون: قرب الموت وهو وقوعه في الشدائد بحيث يغلب على ظنه نزول الموت كما في القولنج، وفي حالة الطلق، وعند تلاطم الأمواج مع انكسار السفينة لا يمنع من قبول التوبة، بل التوبة حينئذٍ أولى بالقبول لقوله: {أية : أمن يجيب المضطر إذا دعاه} تفسير : [النمل:62] وإنما المانع من قبوله معاينة سلطان الموت ومشاهدة أحواله وأهواله بحيث تصير معرفته بالله ضرورية كما لأهل الآخرة، وحينئذٍ يسقط التكليف عنه إذ لم يبق في يده زمام الاختيار، وأفضى الأمر إلى حد الإلجاء والإجبار. وههنا بحث للأشاعرة وهو أن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتاً، ويشاهدون أيضاً أهوال القيامة فيستدلون بها على وجود الفاعل، فكيف يكون ذلك العلم ضرورياً؟ وبتقدير كونه ضرورياً فلم يمنع ذلك صحة التكليف؟ وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الإله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم وأنه لا تنفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه وأيضا العلم النظري هو الذي لا يكون معه تجويز نقيضه، وعلى هذا فلا فرق بينه وبين الضروري ألبتة، وعلى هذا فكيف يصير النظري موجباً للتكليف، والضروري مانعاً من التكليف؟ فثبت ضعف هذا الفرق، وأنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهو بفضله وعد وقبل التوبة في بعض الأوقات، وبعدله أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردوداً والمردود مقبولاً {أية : لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} تفسير : [الأنبياء:23] وأقول: التحقيق فيه أنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وقوله صدق وأمره حق، وقد عين لعبيده حالين: دنيا وعقبى. وقد أخبر أنه جعل الدنيا دار العمل، والعقبة دار الجزاء، وليس لأحد عليه اعتراض أنه لم يعكس الأمر. ثم إن لليقين مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وليس ببعيد أن لا يكون عليم اليقين منافياً للتكليف، ويكون عين اليقين منافياً له. ثم عطف قوله: {ولا الذين يموتون} على {للذين يعملون السيئات} تسوية بين الذين سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم لأن حضرة الموت أوّل أحوال الآخرة، فكما إن المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت لمجاوزة كل منهما الحد المضروب للتوبة. أو المعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت، كذلك الإيمان لا يقبل عند القريب من الموت، أو المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم. {أولئك أعتدنا لهم} أي أعددنا الوعيد نظير قوله: {فأولئك يتوب الله عليهم} في الوعد ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة. قالت الوعيدية: المعطوف مغاير للمعطوف عليه. لكن الطائفة الثانية كفار فالأوّلون فساق لكنهما مشتركان في العذاب الأليم، فثبت أن حكمهما واحد. وأجيب بأن {أولئك} إشارة إلى أقرب المذكورين، ويعضده أن الكفار أشنع قولاً من الفساق، أو الطائفة الأولى هم الذين عاشوا على الكفر ثم تابوا في حضرة الموت كفرعون، والثانية هم الذين عاشوا على الكفر وماتوا عليه كنمرود مثلاً. / قوله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} من ههنا شروع في النهي عما كانوا عليه في الجاهلية من إيذاء النساء بصنوف من العذاب وضروب من البلاء وذلك أنواع: الأول قوله: {لا يحل لكم أن ترثوا} وفيه قولان: أحدهما الوراثة تعود إلى المال أي لا يحل لكم أن تمسكوهن حتى ترثون أموالهن وهن كارهات لإمساككم، وثانيهما أنها ترجع إلى أعيانهن. وكانوا إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه عليها وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله. فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوّجها بغير صداق إلا الصداق الأوّل الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئاً فنزلت. النوع الثاني: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} قال أكثر المفسرين: كان الرجل منهم يكره زوجته ويريد مفارقتها فيسيء العشرة معها ويضيق الأمر عليها حتى تفتدي منه بمالها وتختلع فنهوا عن ذلك. وقيل: إنه خطاب للوراث بأن يترك منعها من التزوّج بمن شاءت وأرادت لتبذل امرأة الميت ما أخذت من الميراث كما كان يفعله أهل الجاهلية. وقيل: إنه نهي للأولياء عن عضل المرأة، أو للأزواج كما مر في سورة البقرة. قال في الكشاف: إعراب {تعضلوهن} النصب عطفاً على {أن ترثوا} ولا لتأكيد النفي. قلت: الظاهر أنه النهي لعطف الأمر وهو قوله: {وعاشروهن} عليه وصاحب الكشاف نظر إلى ما قبله وذهل عما بعده {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} من قرأ بالفتح فلأن الفاحشة لا فعل لها في الحقيقة وإنما الله تعالى هو الذي بينها، أو الشهود الأربعة هم بينوها. ومن قرأ بالكسر فلأنها إذا تبينت وظهرت صارت أسباباً للبيان كقوله: {أية : إنهن أضللن كثيراً من الناس} تفسير : [إبراهيم:36] لما صرن أسباباً للضلال. ثم إنه استثناء مماذا؟ قيل: من أخذ المال أي لا يحل له أن يحبسها ضراراً لتفتدي إلا إذا زنت فحينئذٍ حل لزوجها أن يسألها الخلع. وكان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها. وقيل: استثناء من العضل نهوا عن حبسهن في بيوت الأولياء والأزواج إلا بعد وجود الفاحشة. ومن هؤلاء القائلين من زعم أن هذا الحكم منسوخ بآية الجلد. وقيل: الفاحشة هي النشوز وشكاسة الخلق أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فإنهم معذورون حينئذٍ في طلب الخلع. النوع الثالث من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء {وعاشروهن بالمعروف} وهو الإجمال في القول والإنصاف في المبيت والنفقة {فإن كرهتموهن} ورغبتم في فراقهن {فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} فههنا قد يميل طبعكم إلى المفارقة ويكون الخير في الاستمرار على المواصلة، منه الثناء في الدنيا بحسن الوفاء وكرم الخلق، ومنه الثواب في العقبى بالصبر على خلاف الهوى، ومنه حصول / ولد نجيب ومال كثير لليمن في صحبتها، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الشؤم في المرأة والفرس والدار" تفسير : وقيل: المعنى إن رغبتم في مفارقتهن فربما جعل الله تعالى في تلك المفارقة لهن خيراً كثيراً بأن تتخلص من زوج سيىء العشرة وتجد زوجاً آخر أوفق منه. النوع الرابع من التكليف {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} وذلك أنه لما أذن في مضارتهن إذا أتين بفاحشة بين تحريم الضرار في غير حالة الفاحشة. يروى أن الرجل منهم كان إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجته الأولى بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوّج المرأة روي يريدها فنهوا عنه. والقنطار المال العظيم, وفيه دليل على جواز المغالاة في المهر. روي أن عمر قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم. فقامت امرأة وقالت: يا ابن الخطاب، الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية. فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر ورجع عن ذلك. ويحتمل أن يقال: ذكر إيتاء القنطار وارد على سبيل المبالغة والفرض لا الرخصة. وهو في موضع الحال أي وقد آتيتم. ومعنى الإيتاء الالتزام ووقوع العقد عليه سواء أدّى المال إليها أم لا. واعلم أن النشوز إن كان من قبل الزوجة حل أخذ مال الخلع، وإن كان من قبل الزوج لم يحل إلا أنه يفيد الملك لو خالع، كما أن البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك. {أتأخذونه} استفهام بطريق الإنكار {بهتاناً} وهو أن يستقبل الرجل بأمر قبيح يقذفه به وهو بريء منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير. وفي الحديث " حديث : إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته "تفسير : وهو مصدر في موضع الحال أي باهتين وآثمين، أو على أنه مفعول له مثل: قعدت جبناً. وقيل: بنزع الخافض أي ببهتان. وقيل: بمضمر أي تصيبون بهتاناً. وسبب تسيمة هذا الأخذ بهتاناً أنه تعالى فرض لها ذلك المهر فمن استردّه فكأنه يقول ليس ذلك بفرض فيكون بهتاناً، أو أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر إليها وأن لا يأخذه منها فإذا أخذه منها صار القول الأوّل بهتاناً أي باطلاً، أو كان من عادتهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تفتدي، فلما كان هذا الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأغلب سيق الكلام على ذلك. وبالحقيقة أن أخذ هذا المال طعن في ذاتها من حيث إنه مشعر بأنها قد أتت بفاحشة وقبض على مالها فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر. وقيل: المراد عقاب البهتان والإثم كقوله: {أية : إنما يأكلون في بطونهم ناراً} تفسير : [النساء:10] ثم عجب من الأخذ مستفهماً فقال: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} عن ابن عباس ومجاهد والسدي واختاره الزجاج وابن قتيبة وإليه ذهب الشافعي أن المراد بالإفضاء الجماع إذ الفضاء الساحة ويقال: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء. وهذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع. وقيل: الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها وهو قول الكلبي واختاره الفراء، ويوافقه مذهب أبي حنيفة أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر. ورجح مذهب الشافعي بأن الكلام ورد في معرض التعجب وهو إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سبباً قريباً في حصول الألفة والمودّة وذلك هو الجماع لا مجرد الخلوة، وأيضاً الإفضاء لا بد أن يكون مفسراً بفعل ينتهي منه إليها لأن كلمة "إلى" لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك إذا لم يحصل فعل من أفعال أحدهما إلى الآخر. فإن قيل: على هذا يجب أن يكون التلامس والاضطجاع في لحاف واحد كافياً في تحقيق الإفضاء، وأنتم لا تقولون به؟ فالجواب أنه باطل بالإجماع إذ القائل قائلان: قائل بتفسير الإفضاء بالجماع، وقائل بتفسيره بمجرد الخلوة. وأيضاً الشرع قد علق تقرر المهر بتحقيق الإفضاء، وقد اشتبه معناه أنه الخلوة أو الجماع فوجب الرجوع إلى ما قبل زمان الخلوة. ومقتضى ذلك عدم تقرر المهر. ثم أكد المنع من استرداد المهر بقوله: {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} قال السدي وعكرمة والفراء: هو قولكم زوّجتك هذه المرأة على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فقد سرحها بالإساءة. وقال ابن عباس ومجاهد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق وإليها أشار في الحديث: " حديث : واستحللتم فروجهن بكلمة الله "تفسير : وقال آخرون: أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقاً غليظاً وصفه بالغلظ لقوّته قد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟ النوع الخامس من التكاليف المتعلقة بأمور النساء قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك. وههنا مسألة خلافية قال أبو حنيفة: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه، وقال الشافعي: لا يحرم. حجة أبي حنيفة أن النكاح عبارة عن الوطء لقوله: {أية : حتى تنكح زوجاً غيره} تفسير : [البقرة:230] وبالاتفاق / لا يحصل التحليل بمجرد العقد. ولقوله: {أية : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح} تفسير : [النساء: 6] اي الوطء لأن أهلية العقد حاصلة أبداً. ولقوله:{أية : الزاني لا ينكح إلا زانية} تفسير : [النور:3] ولقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : ناكح اليد ملعون "تفسير : فيدخل في الآية المزنية لأنها منكوحة أي موطوأة. وعورض بالآيات الدالة على أن النكاح هو العقد كقوله: {أية : وأنكحوا الأيامى منكم} تفسير : [النور:32] {أية : فانكحوا ما طاب لكم من النساء} تفسير : [النساء:3] وبقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : النكاح سنتي" تفسير : ولا شك أن الوطء من حيث إنه وطء ليس سنة له. وبقوله: " حديث : ولدت من نكاح لا من سفاح "تفسير : وبأن من حلف في أولاد الزنا إنهم ليسوا من أولاد النكاح لم يحنث. سلمنا أن الوطء سمي بالنكاح لكن العقد أيضاً مسمى به، فلم كان حمل الآية على ما ذكره أولى من حملها على ما ذكرنا مع إجماع المفسرين على أن سبب نزول الآية هو العقد لا الوطء؟ قالوا: حقيقة في الوطء مجاز في العقد لأنه في اللغة الضم، وهذا المعنى حاصل في الوطء لا في العقد. وإنما أطلق النكاح على العقد إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، والحمل على الحقيقة أولى أو مشترك بينهما. ويجوز استعماله في مفهوميه معاً، فتكون الآية نهياً عن الوطء وعن العقد معاً، أو لا يجوز استعماله في المفهومين فيكون نهياً عن القدر المشترك بينهما وهو الضم. والنهي عن المشترك يكون نهياً عن القسمين، فإن النهي عن التلوين يكون نهياً عن التسويد والتبييض لا محالة، وأجيب بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه غير جائز، وبأن معنى الضم لا يتصوّر في العقد. سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء ولكن ما في قوله: {ما نكح} لا نسلم أنها موصولة لأنها حقيقة في غير العقلاء وإنما هي مصدرية والتقدير: ولا تنكحوا نكاح آبائكم فإن أنكحتهم كانت بغير ولي وشهود وكانت مرفية ومهرية فنهوا عن مثل هذه الأنكحة. قال محمد بن جرير الطبري. سلمنا أن المراد لا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكنا لا نسلم أن "من" تفيد العموم وإذا لم تفد العموم لم تتناول محل النزاع. لكن لم قلتم إن النهي للتحريم لا للتنزيه؟ سلمنا أن النهي للتحريم لكن لا نسلم أنه غير صحيح لأن النهي عندكم لا يدل على الفاسد كما في البيع الفاسد وفي صوم يوم النحر. وإذا كان منعقداً صحيحاً. ثم إنا نستدل على جواز نكاح مزنية الأب بقوله تعالى: {أية : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} تفسير : [البقرة:221] نهى عن نكاحهن إلى غاية نفي إيمانهن، وهذا يقتضي جواز نكاحهن بعد تلك الغاية على الإطلاق مزنية كانت أو غيرها، إلا ماأخرجه الدليل، وهكذا سائر العمومات كقوله: {أية : وأحل لكم ما وراء ذلكم} تفسير : [النساء: 24] وكقوله صلى الله عليه وسلم"حديث : إذا جاءكم من ترضون دينه فزوّجوه " تفسير : وقوله: "حديث : زوّجوا أبناءكم / الأكفاء" تفسير : وبقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحرام لا يحرّم الحلال" تفسير : ودخول التخصيص فيه بما لو وقع قطرة من الخمر في إناء من الماء فتحرمه لا يمنع من الاستدلال به في غيره، وقد ناظر الشافعي محمد بن الحسن في هذه المسألة فوقع ختم الكلام على قول الشافعي وطء حدت به ووطء رجمت به فكيف يشتبهان؟ أما قوله تعالى: {إلا ما قد سلف} فللمفسرين فيه وجوه: أحسنها ما ذكره السيد صاحب حل العقد أنه على طريق المعنى. فإن النهي يدل على المؤاخذة بارتكاب المنهي عنه فكأنه قيل: انتم مؤاخذون بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف قبل نزول آية التحريم فإنه معفوّ عنه. وقال في الكشاف: هذا كما استثنى "غير أن سيوفهم" من قوله: "ولا عيب فيهم" يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فإنه لا يحل لكم غيره وذلك غير ممكن. والغرض المبالغة في تحريمه كقوله: {أية : حتى يلج الجمل في سم الخياط} تفسير : [الأعراف:40] وقولهم: حتى يبيض القار. وقيل: استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل. والمعنى لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه. وقيل: "إلا" بمعنى"بعد" كقوله: {أية : لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} تفسير : [الدخان: 56] أي بعد موتتهم الأولى. وقيل: إلا ما قد سلف فإنكم مقرّون عليه. قالوا: إنه صلى الله عليه وسلم أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن وإنما فعل ذلك ليكون صرفهم عن هذه العادة على سبيل التدريج. وزيف بعضهم هذا القول وقال ما أقرّ أحداً على نكاح امرأة أبيه وإن كان في الجاهلية. وروي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بردة إلى رجل عرّس بامرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله تفسير : إنه أي إن هذا النكاح كان قبل النهي فاحشة، أعلم الله تعالى أن هذا الفعل كان أبداً ممقوتاً عند العرب، وهذا النكاح بعد النهي فاحشة في الإسلام لأنه كان في علم الله وحكمه موصوفاً بهذا الوصف، والمقت عبارة عن بغض مقرون باستحقار. حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه، وهو من الله تعالى في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار. قال بعضهم: مراتب القبح ثلاث: في العقول وفي الشرع وفي العادة. فالفاحشة إشارة إلى القبح العقلي لأن زوجة الأب تشبه الأم، والمقت إشارة إلى القبح الشرعي. {وساء سبيلاً} إشارة إلى القبح العادي وساء فعل ذم وفاعله ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده والله تعالى أعلم. التأويل: الوراثة الدينية أيضاً سبب ونسب. فالسبب هو الإرادة بلبس خرقة المشايخ والتشبه بهم، والنسب هو الصحبة معهم بالتسليم لتصرفات ولا يتهم ظاهراً وباطناً مستسلماً لأحكام التسليل والتربية ليتولد السالك بالنشأة الثانية من صلب ولايتهم. ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: / "حديث : الأنبياء إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد "تفسير : وإنما يتوارث أهل الدين على قدر تعلقاتهم السببية والنسبية والذكورة والأنوثة في الجدّ والاجتهاد وحسن الاستعداد وبتوارثهم العلوم الدينية واللدنية كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : العلماء ورثة الأنبياء "تفسير : وقول موسى للخضر {أية : هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً} تفسير : [الكهف:66] {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} هي النفوس الأمارات بالسوء {فاستشهدوا عليهم أربعة منكم} أي من خواص العناصر الأربعة التي أنتم منها مركبون وهي التراب ومن خواصه الخسة والذلة، والماء ومن خواصه اللين والأنوثة والشرة، والهواء ومن خواصه الحرص والحسد والبخل والشهوة، والنار ومن خواصها الكبر والغضب وحب الرياسة {فإن شهدوا} بأن يظهر بعض هذه الصفات من النفوس {فأمسكوهن في البيوت} في سجن الدينا وأغلقوا عليهم أبواب الحواس الخمس حتى تموت النفس بالانقطاع عن حظوظها دون حقوقها {أو يجعل الله لهن سبيلاً} بانفتاح روزنة القلوب إلى عالم الغيب {واللذان يأتيانها} أي النفس والقالب يأتيان من الفواحش ظاهراً في الأعمال وباطناً في الأحوال والأخلاق {فأذوهما} ظاهراً بالحدود وباطناً بالرياضات وترك الحظوظ {فأعرضوا عنهما} باللطف بعد العنف، وباليسر بعد العسر {بجهالة} أي بصفة الجهولية وهي داخلة في الظلومية لأن لا ظلومية تقتضي المعصية والإصرار عليها، والجهولية تقتضي المعصية فحسب. فالعمل السوء إذا كان مصدره الجهولية فحسب يكون على عقيبة التوبة كما قال: {ثم يتوبون من قريب} أي عقيب المعصية. قال عليه السلام: "حديث : أتبع السيئة السنة تمحها " تفسير : والحسنة التوبة. ويحتمل أن يقال: من قريب أي قبل أن يموت القلب بالإصرار فإن الله لا يقبل التوبة من قلب ميت لأنها تكون اضطرارية باللسان لا اختيارية بالجنان {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} فيه إشارة إلى النهي عن التصرف في السفليات التي هي الأمهات المتصرفة فيها آباؤكم العلوية {إلا ما قد سلف} من التدبير الإلهي في ازدواج الأرواح لضرورة اكتساب الكمالات، فإن الركون إلى العالم السفلي يوجب مقت الحق والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِي أَوْلَـٰدِكُمْ...} الآية: تتضمَّن الفرضَ والوُجُوبَ، قيل: نَزَلَتْ بسبب بنَاتِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. وقيل: بسبب جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه. وقوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنثَيَيْنِ} أي: حظ مثل حظ الأنثيين. وقوله: {فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ}، معناه: اثنتين فَمَا فَوْقَهما تَقْتَضِي ذلكَ قُوَّةُ الكلامِ، وأما الوقوفُ مع اللفظ، فيسقطُ معه النصُّ على الاثنتين، ويثبت الثُّلُثَانِ لهما؛ بالإجماع، ولم يحفظْ فيه خلاف إلاَّ ما رُوِيَ عن ابْن عَبَّاس؛ أنه يَرَىٰ لهما النِّصْفَ، ويثبت لهما أيضًا ذلك بالقياسِ على الأختَيْنِ؛ وبحديث التِّرْمِذِيِّ؛ «أنَّ رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَضَىٰ لِلابْنَتَيْنِ بِالثُّلُثَيْنِ». وقوله سبحانه: {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ}: المعنى: ولاَ وَلَدُ وَلَدٍ، ذكَراً كان أو أُنْثَىٰ، {فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ}، أي: وللأبِ الثُّلُثَانِ. وقوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ}، أي: كانوا أشقَّاء أو للأب أو للأم، والإجماعُ علَىٰ أنهم لا يأخُذُونَ السُّدُسَ الذي يحجبون الأمَّ عنه؛ وكذا أجْمَعُوا علَىٰ أنَّ أخَوَيْنِ فصاعدًا يحجُبُون الأمَّ عنه إلاَّ ما رُوِيَ عنِ ابْنِ عَبَّاس؛ مِنْ أنَّ الأخوَيْنِ في حُكْمِ الواحد. وقدَّم الوصيةَ في اللفظ؛ ٱهتماماً بها، وندباً إليها؛ إذ هي أقلُّ لزوماً من الدَّيْن؛ وأيضاً: قدَّمها لأنَّ الشرع قد حضَّ عليها فلا بُدَّ منها، والدَّيْنُ قد يكُونُ وقَدْ لا يكُونُ؛ وأيضاً: قدَّمها إذْ هي حظُّ مساكينَ وضِعَافٍ، وأخَّر الدَّيْن؛ لأنه حقُّ غريمٍ يَطْلُبه بقوَّة، وله فيه مقالٌ، وأجمعَ العلماءُ على أنَّ الدَّيْن مقدَّم على الوصيَّة، والإجماعُ علَىٰ أنه لا يُوصَىٰ بأكْثَرَ مِنَ الثلث، وٱستَحَبَّ كثيرٌ منهم أَلاَّ يبلغ الثلث. وقوله تعالى: {ءَبَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} رفْعٌ بالابتداء، والخَبَرُ مضمرٌ، تقديره: هم المَقْسُوم عليهم، أو هم المُعْطُونَ، وهذا عَرْضٌ للحكمة في ذلك، وتأنيسٌ للعرب الَّذين كانُوا يورِّثون علَىٰ غير هذه الصِّفَة. قال ابن زَيْد: {لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً}، يعني: في الدنيا والآخرة، قال الفَخْر: وفي الآية إشارةٌ إلى الانقيادِ إلى الشَّرْعَ، وتَرْكِ ما يَميلُ إليه الطَّبْع. انتهى.

ابن عادل

تفسير : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: الأوَّلُ: أنَّهُ تعالى لَمَّا بَيَّن الحكم في مال الأيتام وما على الأولياء فيه، بَيَّنَ في هذه الآية كيفية تملك الأيتام المال بالإرث. الثَّاني: أنَّهُ لَمَّا بين حكم الميراث مجملاً في قوله: {أية : لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} تفسير : [النساء:7] فذكر هنا تفصيل ذلك المجمل. فصل اعلم أنَّ الوراثة كانت في الجاهليَّةِ بالذُّكورة والقوّة، وكانوا يورثون الرِّجال دون النِّسَاء والصّبيان، فأبطل الله ذلك بقوله: {أية : لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ} تفسير : [النساء: 7] الآية. وكانت أيضاً في الجاهليَّة وابتداء الإسلام بالمخالطة، قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} تفسير : [النساء: 33]. ثم صارت الوراثة بالهجرة، قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ} تفسير : [الأنفال: 72] فنسخ اللَّهُ ذلك كله بقوله: {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنفال: 75] وصارت الوراثة بأحد الأمور الثَّلاثة: النّسب، أو النكاح، أو الولاء. وقيل: كانت الوراثة أيضاً بالتَّبنِّي، فإنَّ الرَّجل منهم كان يتبنَّى ابنَ غَيْره فَيُنْسَبُ إليه دون أبيه من النَّسب فيرثه، وهو نوع من المعاهدة المتقدِّمَةِ، وكذلك بالمؤاخَاةِ. وقال بعض العلماء: لم ينسخ شيء من ذلك بل قررهم اللَّهُ عليه فقوله: {أية : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} تفسير : [النساء: 33] المراد التوارث بالنسب ثم قال: {أية : وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} تفسير : [النساء:33] [ ليس المراد منه النصيب من المال، بل المراد فآتوهم نصيبهم من النصرة] والنصيحة وحسن العشرة. فصل: سبب نزول الآية حديث : روى عطاء قال: استشهد سعدُ بْنُ الرَّبِيع النَّقيب، وترك ابنتين وامرأة وأخاً، فأخذ الأخ المال كُلَّهُ، فأتت المرأةُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول اللَّهِ هاتان ابنتا سَعْدٍ، وإن سعداً قتل، وأن عمهما أخذ مالهما، فقال عليه السَّلام: "ارجعي فَلَعَلَّ اللَّهَ سَيَقْضِي [فيه]" ثم إنها عادت إليه بعد مدة وبكت، فأنزل اللَّهُ هذه الآية، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمَّهما، وقال له: "أعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأمَّهُمَا الثُّمُنَ وَمَا بَقي فَهُوَ لَكَ" تفسير : فهذا أوَّلُ ميراث قُسِّمَ في الإسلام. وقال مقاتلٌ والكَلْبِيُّ: نزلت في أم كُحَّة امرأة أوس بْنِ ثَابتٍ وبناته. حديث : وروى جابر قال: جاء رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعْقِلُ فتوضّأ فَصَبَّ عَلَيَّ من وضوئه فقلتُ: يا رسول الله لمن المِيرَاثُ، وَإنَّمَا يرثُنِي كَلاَلَةٌ تفسير : فنزلت آية الفرائض. فصل قال القَفَّالُ: قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} أي: يقول لكم قولاً يوصلكم إلى إيفاءِ حقوق أولادكم بعد موتكم، وأصل الإيصاء هو الإيصَالُ يقال: وصى يصي إذا وَصَلَ، فإذا قيل: أوصاني، فمعناه: أوصلني إلى علم ما أحتاج إلى علمه، وكذلك وَصَّى وهو على المبالغة. وقال الزَّجَّاج: معنى قوله هاهنا {يُوصِيكُمُ} أي: يَفْرِضُ عليكم؛ لأنَّ الوصية مِنَ الله إيجابٌ لقوله بعد نَصِّه على المحرمات {أية : ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} تفسير : [الأنعام: 151]. وقرأ الحسن وأبي عبلة {يُوَصِّيكُم} بالتَّشديد، وقد تَقَدَّمَ أنَّ أوْصَى ووصَّى لغتان. قوله: {فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} قيل: ثَمَّ مضاف محذوف أي: في أولاد موتاكم. قالوا: لأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُخَاطَبَ الحيُّ بقسمةِ الميراثِ في أولاده، ويُفْرَضَ عليه ذلك. وقال بعضهم: إن قلنا إنَّ معنى {يُوصِيكُمُ} "يبين لكم" لم يحتج إلى هذا التقدير، وَقَدَّر بَعْضُهُم قبل: {أَوْلاَدِكُمْ} مضافاً، أي: في شأن أولادكم، أو في أمر أولادكم. قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ} هذه الجملة من مبتدأ وخبر، يُحْتَمل أن تكونَ في محلِّ نَصْبٍ بـ "يوصي"؛ لأنَّ المعنى: يَفْرِضُ لكم، أو يُشَرِّع في أوْلادَكُمْ، كذا قاله أبُو البَقَاءِ، وهذا يقرب من مذهب الفرَّاء، فإنَّهُ يُجْري ما كان بمعنى القول مُجْرَاه في حكاية الجملِ، فالجملةُ في موضع نَصْب بـ "يوصيكم". وقال مَكِّيٌّ: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ} ابتداءُ وخبر في موضع نصب تَبْيينٌ لِلْوَصِيَّةِ وَتَفْسِيرٌ لَهَا. وقال الكِسَائِيُّ: ارتفع "مثل" على حذف "أنَّ" تقديره: أنَّ للذكرِ مثلُ حظّ، وبه قرأ ابن ابيب عبلة، ويحتمل ألاَّ يكون لها محلٌّ من الإعراب، بل جيء بها للبيان والتَّفسير فهي جُملةٌ مفسِّرةٌ للوصيَّةِ، وهذا أحسن وجار على مذهب البصريين، وهو ظاهر عبارة الزمخشريِّ، فَإنَّهُ قال: وهذا إجمالٌ تفصيلُه {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ}. وقوله: {لِلذَّكَرِ} لا بُدَّ من ضمير يعود على {أَوْلاَدِكُمْ} من هذه الجملة، فيحتمل أن يكون مجذوفاً أي: للذكر منهم نحو: "السَّمْنُ مَنَوانِ بدرهم" قاله الزمخشريُّ، ويحتمل أن يكون قام مقام الألف واللام عند مَنْ يرى ذلك، والأصل: لذكرهم و "مثل" صفة لموصوفٍ محذوفٍ أي: للذَّكَر منهم حَظٌّ مثلُ حَظِّ الأنثيين. فإن قيل: لا يقال في اللُّغَةِ: أوصيك لكذا، فكيف قال هنا: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ}؟. فالجوابُ: أنَّهُ لما كانت الوصية قولاً، فلهذا قال بعد قوله: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ} قولاً مستأنفاً وهو قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} ونظيره قوله تعالى: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً} تفسير : [الفتح: 29] أي: قال لهم مغفرة؛ لأن الوعد قولٌ. فصل اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأوْلاَدِ؛ لأنَّ تعلُّق الإنسان بولده أشدّ التّعلقات، وللأولاد حال من انفراد وحال اجتماع مع الوالدين. فحال الانفراد [ثلاثة] إمَّا أن يَكُونُوا ذكوراً و إناثاً، أو ذكوراً فقط، أو إناثاً فقط، فإنْ كانوا ذكوراً وإناثاً فقد بَيَّنَ اللَّهُ تعالى حكمهم بقوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} فبين تعالى أن للذكر مثل ما للأنثى مرتين. قوله: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً} الضمير في "كُنَّ" يعودُ على الإناثِ اللاَّتي شَمَلَهُنَّ قوله: {فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ}. فإنَّ التَّقدير: في أولادكم الذُّكور والإناث، فعادَ الضَّمِيرُ على أحد قِسمي الأولادِ، وإذا عاد الضَّمِيرُ على جمع التكسير العاقل المراد به مَحْضَ الذُّكور، وفي قوله عليه السَّلام "حديث : ورب الشياطين ومن أضللن" تفسير : لعوده على جماعة الإناث، فَلأنْ يعودَ كذلك على جمع التكسير المشتمل على الإناث بطريق الأوْلى [والأحرى]، وهذا معنى قول أبي حيَّان: وفيه نَظَرٌ لأن عوده هناك كضمير الإناث إنما كان لمعنى مفقودٍ هنا وهو طلب المشاكلة لأنَّ قبله "اللهم رب السموات ومن أضللن وربّ الأرضين وما أقللن" ذَكَر ذلك النحويون. وقيل: الضَّمير يعود على المتروكات أي: فإن كانت المتروكات، وَدَلَّ ذِكْرُ الأولاد عليه، قاله أبُو البقاء ومكيٌّ وقدَّره الزمخشريُّ: فإنْ كانت البنات أو المولودات. فإذا تقرر هذا فـ "كُنَّ" كان واسمُها و "نسَاءً" خبرُها، و "فوق اثنتين" ظرف في محلّ نصب صفة لـ "نساء" وبهذه الصّفة تحصُل فائدةُ الخبرِ، ولو اقتصِرَ عليه لم تَحْصُلْ فائدةٌ، ألا ترى أنَّهُ لو قيل: "إنْ كان الزيدون رجالاً كان كذا" لم يَكُنْ فيه فائدةٌ. وأجاز الزَّمخشريُّ في هذه الآية وَجْهين غريبين: أحدهما: أن يكون الضمير في "كُنَّ" ضميراً مبهماً، و "نساء" منصوبٌ على أنَّهُ تفسيرٌ له يعني: تمييزاً، وكذلك قال في الضَّمِير الَّذي في "كَانَتْ" من قوله: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً} على أنَّ "كن" تَامَّةٌ. والوجه الآخر: أن يكون "فوق اثنتين" خبراً ثانياً لـ "كُنَّ" وَرَدَّهما عليه أبو حيّان: أمَّا الأوَّلُ: فلأنَّ "كانَ" ليسَتْ من الأفعالِ الَّتي يكونُ فاعلُها مضمراً يُفَسِّره ما بَعْدَهُ بل هذا مختصٌّ من الأفعال بـ "نعم" و "بئس" وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمَا وبَابُ التنازع عند إعْمَالِ الثاني، وأمَّا الثاني: فَلِمَا تَقَّدَمَ من الاحتياج إلى هذه الصفةِ؛ لأنَّ الخبرَ لا بُدَّ أنْ تَسْتَقِلَّ به فَائِدةُ الإسناد، وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ لو اقتصر على قوله "فإن كن نساء" لم يُفِدْ شيئاً؛ لأنَّهُ مَعْلُومٌ. قوله: {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} قرأ الجمهور "ثلُثا" بضمِّ اللام، وهي لغة الحجاز وبني أسد. قال النَّحَّاسُ: من الثُّلث إلى العشر. وقرأ الحسن ونعيمُ بن ميسرةَ "ثُلْثا" و "الثُّلْثُ" و "النِّصْفُ" و "الرُّبْع" و "الثُّمْن" كلُّ ذلك بإسكان الوسط. وقال الزَّجَّاجُ: هي لغة واحدة، والسُّكونُ تخفيف. فصل بَيَّنَ في هذه الآية ما إذا كانوا إناثاً فقط، فقال: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ}، إلا أنَّه تعالى لم يَبيِّن حُكْمَ الْبِنْتَين تصريحاً، واختلفوا فيه: فعن ابن عبَّاسٍ أنَّهُ قال: الثُّلثان فرض الثلاث من البنات فصاعداً، وأمَّا فرض البنتين فهو النّصف؛ لهذه الآية؛ لأنَّ لفظة "إن" في اللُّغة للاشتراط، وذلك يدلُّ على أن أخذ الثُّلثين مشروط بكونهن فوق الاثنتين وهو الثلاث فصاعداً. والجواب من وجوه: الأول: قوله تعالى: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ} فجعل حصول النّصف مشروطاً بكونها واحدةً، وذلك ينفي حصول النّصف نصيباً للبنتين وقد جعل النّصف نصيبَ البنتين، فهذا لازم لَهُ. الثَّاني: لا نُسَلِّمُ أنَّ كلمة "إنْ" تَدُلُّ على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، لأنَّهُ لو كان الآمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين؛ لأن الإجماع دَلَّ على أنَّ نَصِيبَ البنتين إمَّا النِّصْفُ، وإمَّا الثُّلثان، وبتقدير أن تكون كلمة "إن" للاشتراط وجب القول بفسادهما، فثبت أنَّ القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فيكون باطلاً ولأنَّهُ تعالى قال: {أية : وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} تفسير : [البقرة: 283] وقال: {أية : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ} تفسير : [النساء: 101] ولا يمكن أن يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات. الثَّالث: أنَّ في الآية تقديماً وتأخيراً والتقدير: فإن كُنَّ نِسَاءً اثنتين فما فَوْقَهُمَا فلهن الثُّلثان. وَأمَّا سَائِرُ الأمَّةِ، فأجمعوا على أنَّ فرض البنتين الثلثان. قال أبو مسلم الأصفهاني: عرفناه من قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} فإذا كان نصيب الذكر مثل حظ الأنثيين، ونصيبُ الذكر هاهنا الثُّلثان وجب لا محالةَ أن يكون نصيب البنتين الثلثين. وقال أبو بكر الرَّازي: إذا مات وخلف ابناً وبنتاً فهاهنا نصيب البنتِ الثّلث لقوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} فإذا كان نصيب البنت مع الولد الذّكر هو الثُّلث، فأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث كان أولى؛ لأنَّ الذكر أقوى من الأنْثَى، وإذا كان حظ البنتين أزيد من حظ الواحدة، وَجَبَ أن يكون ذلك هو الثُّلثان؛ لأنَّهُ لا قائل بالفرق، وأيضاً فلما ذكرنا من سبب النُّزول أنه عليه السَّلام أعطى بنتي سعد بن الرَّبيع الثّلثين، ولأنَّه تعالى ذكر في هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن، ولم يذكر حكم البنتين، وقال في ميراث الأخوات {أية : إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} تفسير : [النساء: 176] فذكر ميراث الأخت الواحدة والأختين، ولم يذكر ميراث الكثير فصار كل واحدة من هاتين الآيتين مُجْمَلاً من وجه ومبيناً من وجه، فنقول: لما كان نصيبُ الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بذلك؛ لأنَّهُمَا أقرب إلى الميّت من الأختين، وَلَمَّا كان نصيب البنات الكثيرة لا يزيدُ على الثُّلثين، وجب ألاَّ يزيدَ نصيبُ الأخوات الكثيرة على ذلك؛ لأنَّ البنت لَمَّا كانت أشد اتِّصالاً بالميت؛ امتنع جعل الأضعف زائداً على الأقْوَى. وأما القسم الثَّالِثُ: وهو أن يكون الأولاد ذكوراً فقط، فللواحد المنفرد أخذ المال كلّه، لقوله تعالى {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} ثم قال في البنات {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ} فلزم من مجموع الآيتين أن نصيب الابن المنفرد جميع المال، وقال عليه السَّلام: "حديث : ما أبْقَتِ السِّهَامُ فللأوْلَى عَصَبةٍ ذَكَرٍ" تفسير : وَإذَا أخَذَ كل ما يبقى بعد السِّهَام، وجب أن يأخذ الكلَّ إذا لم يكن سهام. فإن قيل: حظُّ الأنثيين الثُّلثان فقوله {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} يقتضي أن يكون حظُّ الذَّكر مطلقاً هو الثُّلث، وذلك ينفي أن يأخذ المال كله. فالجوابُ: أنَّ المراد منه حال الاجتماع لا حال الانفراد؛ لأن قوله {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} يقتضي حصول الأولاد، وقوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} يقتضي حصول الذكر والأنثى هناك، هذا كلُّهَ إذا كان ابناً واحداً فقط، فلو كان أكثر من واحد تشاركوا في جهة الاستحقاق؛ ولا رجحان، فوجب قسم المال بينهم بالسَّويَّةِ، واللَّه أعلم. فإن قيل: إنَّ المرأة أكثر عجزاً من الرجل، وأقل اقتداراً من الرَّجُل لعجزها عن الخروج والبروز، فإنَّ زوجها وأقاربها يمنعونها من ذلك، ولنقصان عقلها وكثرة اختداعها واغترارها، وإذا ثبت أنَّ عجزها أكمل، وجب أن يكون نصيبها من الميراث أكثر، فإن لم يكن أكثر فلا أقل من المساواة، فما الحكمة في أنَّه تعالى جعل نصيبها نصف نصيب الرجل؟. فالجواب: لأن خرج المرأة أقل، لأن زوجها ينفق عليها وخرج الرَّجل أكثر، لأنَّهُ هو المنفق على زوجته، ومن كان خرجه أكثر فهو إلى المال أحوج؛ ولأنَّ الرَّجُلَ أكملُ حالاً من المرأة في الخلقةِ وفي العقل والمناصب الدينيَّة، مثل صلاحية القضاء والإمامة، وأيضاً شهادة المرأة نِصْفُ شهادة الرَّجُلِ، ومن كان كذلك؛ وجب أن يكون الإنعام إليه أكثر؛ ولأنَّ المرأة قليلةُ العقل كثيرةُ الشَّهْوَةِ، فإذا انضاف إليها المال الكثير عظم الفسادُ، ولهذا قال الشَّاعرُ: [الرجز] شعر : 1764- إنَّ الفَرَاغَ وَالشَّبَابَ وَالْجِدَهْ مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أيُّ مَفْسَدَهُ تفسير : وروي أنَّ جعفر الصادق سُئِلَ عن هذه الآية فقال: "إنَّ حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها وأخذت حفنة أخرى وخبأتها ثم أخذت حفنة أخرى ودفعتها إلى آدم، فلما جعلت نصيبها ضعف نصيب الرجل أقلب اللَّهُ الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصفَ نصيب الرَّجل". فإن قيل: لِمَ لم يَقُل للأنثيين مثل حظ الذَّكر، أو للأنثى مثلاً حظ الذَّكر؟ فالجواب أنَّه لمَّا كان الذَّكر أفضل من الأنثى قدَّمَ ذِكْرَهُ على كر الأنثى كما جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى، ولأنَّ قوله {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} يدلُّ على فضل الذكر بالمطابقة، وعلى نقص الأنثى بالالتزام، ولو قال كما ذكرتم لَدَلَّ على نقص الأنثى بالمطابقة وفضل الذَّكر بالالتزام، فرجح الطريق فترجح الطرف الأوَّل تنبيهاً على أنَّ السَّعي في تشهير الفضائل يجب أن يكون راجحاً على السعي في تشهير الرَّذائل، ولهذا قال {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} تفسير : [الإسراء: 7] فذكر الإحسان مرتين والإساءة مرَّة واحدة، وأيضاً فلأنهم كانوا يورثون دون الإناث، وهو سبب نزول الآية، فقيل: كفى للذكر أن جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى، فلا ينبغي أن يطمع في حِرْمَانِ الأنْثَى بالكليَّةِ. فإن قيل: قوله: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً} جمع، وأقلُّ الجمع ثلاثة فما فائدة قوله: {فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ}؟. فالجواب: للتأكيد كقوله: {أية : إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} تفسير : [النساء: 10] وقوله: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ} تفسير : [النحل: 51]. فصل اسم الولد يقع على ولد الصّلب حقيقة، وهل يستعمل في ولد الابن حقيقة أو مجازاً؟ خلاف. فإن قلنا: إنَّهُ مجاز، فنقول: ثَبتَ في أصول الفقه أنَّ اللَّفظ الواحد لا يجوز أن يستعمل دفعةً واحدةً في حقيقته وفي مجازه معاً، فحينئذ يمتنع أنْ يكون المراد بقوله {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} ولد الصّلب، وولد الابن معاً، ويُدْفَعُ هذا الإشكال بأن يقال: إنَّا لا نَسْتَفِيدُ حُكْمَ ولد الابن من هذه الآية، [بل] من دليل آخر، وذلك أن أولاد الابن لا يرثون إلا عند عدم الولد، وإذا لم يستغرق ولد الصّلب كلَّ الميراث، وإن ثبت أنَّه حقيقة فيهما فيكون مشتركاً بينهما فيعود الإشكال، لأنَّه ثبت أنَّهُ لا يجوزُ استعمال اللَّفظ المشترك لإفادة معنييه معاً، بل الوَاجِبُ أنَّ اللفظ يكون متواطئاً فيهما كالحيوان بالنِّسبةِ إلى الإنسان، والفرس، [والذي] يدلّ على صحَّةِ ذلك قوله {أية : وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} تفسير : [النساء: 23] وأجمعوا على أنه يدخل فيه ابن الصّلب، وأولاد الابن، فعلمنا أنَّ لفظ الابن يتواطأ بالنسبة إلى ولد الصّلب وولد الابن وعلى هذا التَّقدير يزول الإشكال ويدخل في هذا البحث هل يتناول اسم الأب الأجداد والجدّات. وقد وقع ذلك في قوله تعالى: {أية : نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} تفسير : [البقرة: 133] والأظهر أنَّهُ ليس على سبيل الحقيقة، فإن الصَّحَابَةَ اتَّفقوا على أنه ليس للجدِّ حكم مذكور في القرآن، ولو كان اسم الأب يتناول الجد لما صحَّ ذلك. فصل قالوا إن عموم قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} مخصوص بأربع صور: أحدها: لا يتوارث الحرّ والعبد. وثانيها: أنه إذا قتل مورثه عمداً لا يرث. وثالثها: اختلاف الدّين. ورابعها: أنَّ الأنبياء عليهم السَّلام لا يورثون، وروي أنَّ فاطمة - رضي الله عنها - لما طلبت الميراث ومنعوها، احتجوا عليها بقوله عليه السلام: "حديث : نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة" تفسير : فعند هذا احتجت فاطمة - عليها السلام - بعموم قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} وكأنها أشارت إلى أن عموم القرآن لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد. وقوله: {وإن كانت واحدة} قرأ نافع "وَاحِدَةٌ" رفعاً على أن "كَانَ" تامة أي: وإن وُجِدَتْ واحدةٌ، والباقون "واحدة" نصباً على أن "كَانَ" ناقصة واسمُها مستتر فيها يعودُ على الوارثة أو المتروكة و"واحدة" نَصْبٌ على خبر "كان"، وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الزَّمَخشريَّ أجاز أن يكون في "كان" ضمير مبهمٌ مفسَّر بالمنصوبِ بعد. وقرأ السُّلمي: "النُّصف" بضم النون، وهي قراءةُ عليِّ وزيد بن ثابت - رضي الله عنهما - وقد تقدَّم شيء من ذلك في البقرة في قوله: {أية : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} تفسير : [البقرة: 237] ويعني: كون البنت الواحدة لها النّصف؛ لأن الابن الواحد له جميع المال إذا انفرد، فكذلك البنت إذا انفردت لها نصف ما للذكر إذا انفرد؛ لأنَّ الذَّكر له مثل حظ الأنثيين. قوله: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ}. {ٱلسُّدُسُ} مبتدأ و{وَلأَبَوَيْهِ} خبرٌ مقدَّمٌ، و{لِكُلِّ وَاحِدٍ} بدل من {وَلأَبَوَيْهِ}، وهذا نص الزمخشريِّ فإنَّه قال: {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا} بدل من {وَلأَبَوَيْهِ} بتكرير العامل، وفائدة هذا البدل أنَّهُ لو قيل: "ولأبويه السدس" لكان ظاهرهُ اشتراكهما فيه، ولو قيل: "لأبويه السدسان" لأوْهَمَ قِسْمَةَ السدسين عليهما بالسويّة وعلى خلافهما. فإن قُلْتَ: فهلا قيل: "ولكل واحد من أبويه السدس" وَأيُّ فائدةٍ في ذكر الأبوين أولاً ثم في الإبدال منهما؟. قلت: لأنَّ في الإبدال والتفصيل بَعْدَ الإجمال تأكيداً وتشديداً كالذي تراه في الجمع بين المفسَّر والتفسير. و{ٱلسُّدُسُ} مبتدأ، وخبره {لأَبَوَيْهِ} والبدلُ متوسط بينهما للبيان. انتهى. ونَاقَشَهُ أبو حيان فِي جَعْلِهِ {لأَبَوَيْهِ} الخبر دون قوله: {لِكُلِّ وَاحِدٍ} قال: "لأنه ينبغي أن يكون البدل هو الخبر دونَ المبدل منه" يعني: أنَّ البدل هو المعتمد عليه، والمبدل منه صار في حكم المُطَّرح، ونَظَّره بقولك: "إنَّ زيداً عينهُ حسنةٌ" فكما أنَّ "حَسَنَةٌ" خبر عن "عينه" دون "زيد" في حكم المُطَّرح فكذلك هذا، ونَظَّره أيضاً بقولك: [أبواك لكل واحد منهما يصنع كذا فـ "يصنع" خبر عن كل واحد منهما. ولو قلت:] "أبواك كُلُّ واحدٍ منهما يصنعان كذا" لَمْ يَجُزْ. وفي هذه المناقشة نَظَرٌ، لأنه إذا قيل لك: ما مَحَلُّ لأبويه من الإعراب؟ تُضطر إلى أن تقول: في مَحَلِّ رفع خبراً مقدّماً، ولكنه نقل نسبة الخيريّة إلى {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا} دون {لأَبَوَيْهِ} قال: وقال بعضهم: {ٱلسُّدُسُ} رفع بالابتداء، و{لِكُلِّ وَاحِدٍ} الخبرُ و{لِكُلِّ} بَدَلٌ من الأبوين، و"منهما" نعت لواحد، وهذا البدلُ هو بدلُ بعضِ من كُلِّ، ولذلك أتَى معه بالضَّمير، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ بدلُ شيءٍ من شَيْءٍ وهما لعين واحدةٍ لجواز أبواك يَصْنعان كذا وامتناع أبواك كل واحد منهما يصنعان كذا، بل تقول: يصنع. انتهى. والضَّمير في "لأبويه" عائد على ما عاد عليه الضَّمير في "ترك"، وهو الميتُ المدلولُ عليه بقوة الكلام، والتثنية في "أبويه" من التَّغليب، والأصل: لأبيه وأمه وَإِنَّما غَلَّبَ المذكر على المؤنَّث كقولهم: "القمران، والعمران" وهي تثنية لا تنقاس. وقيل: إنَّ الأصل في الأم أنْ يقال لها: "أبة" والتثنية على الأصل. فصل إذا كان مع الأبوين ولد أو أكثر كان لِكُلِّ واحد منهما السُّدس وسوى اللَّهُ بين الأب والأمّ في هذا الموضع؛ لأنَّ الأبَ وإن كان يستوجب التفضيل لما كان ينفقه على الابن، وبنصرته له والذب عنه صغيراً، فالأم أيضاً حملته كُرهاً ووضعته كُرْهاً؛ وكان بطنها له وعاءً، وثديها له سقاء، وحِجْرُهَا له فناء, فتكافأت الحجتان، فلذلك سوَّى بينهما، فإن كانت بنتاً واحدةً وبنت ابن فللبنت النصف وللأمِّ السُّدس وللأب ما بقي، وهو الثلثُ [نصف بفرضه، وهو السُّدس] وباقيه بالتَّعصيب فإن قيل: حقُّ الأبوين على الإنسان أعظمُ من حقِّ ولده عليه، لأنَّ الله تعالى قرن طاعته بطاعتهما فما الْحِكَمةُ في جَعْلِ نصيب الأولادِ أكبر؟. فالجواب: أن الوالدين ما بقي من عمرهما إلاَّ القليل، فكان احتياجهما إلى المال قَلِيلاً، وأمَّا الأولاد فهم في زمن الصِّبا، فكان احتياجهم إلى المال أكثر [فظهر الفرق]. قوله: {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ} قرأ الجمهور {فَلأُمِّهِ} وقوله: {أية : فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الزخرف: 4]. وقوله: {أية : حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا} تفسير : في القصص [آية: 59]. وقوله: {أية : مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} تفسير : [النحل: 78]. وقوله: {أية : أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} تفسير : [النور: 61] و {أية : فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} تفسير : [النجم: 32] بضم الهمزة من "أمّ" وهو الأصلُ. وقرأ حمزة والكسائيُّ جميعَ ذلك بكسر الهمزة. وانفرد حمزة بزيادة كسر الميم من "إمِّهات" في الأماكن المذكورة، هذا كله في الدَّرْجِ. أمَّا في الابتداءِ بهمزة "الأم" و "الأمهات" فإنَّهُ لا خلاف في ضَمِّها. أمَّا وجه قراءة الجمهور فظاهرٌ، لأنَّهُ الأصل كما تَقَدَّمَ. وَأمَّا قراءة حمزة والكسائي بكسر الهمزة فقالوا: لمناسبة الكسرة أو الياء الَّتي قبل الهمزة، فكسرت الهمزةُ إتباعاً لما قَبْلَها، ولاستثقالهم الخروج من كَسْرِ أو شبهه إلى ضم. قال الزَّجَّاجُ: وليس في كلام العرب "فِعُل" بكسر الفاء وضمِّ العين، فلا جَرَمَ جُعِلَت الضمةُ كسرةً، ولذلك إذا ابتدآ بالهمزة ضَمَّاها لزوال الكسر أو الياء، وأمَّا كسر حمزة الميم من "إمَّهات" في المواضع المذكورة فللإتْبَاع، أتبعَ حركة الميم لحركةِ الهمزةِ، فكسرةُ الميم تَبَعُ التَّبَع، ولذلك إذا ابتدأ بها ضم الهمزة وفتح الميم؛ لما تقدَّمَ من زوال موجب ذلك. وكَسْرُ همزة "أم" بعد الكسرة أو الياء حكاه سببويْهِ لُغَةً عن العرب، ونَسَبَها الكِسائِي والفرَّاء إلى "هوازن" و"هذيل". فصل ذكر هاهنا أنَّ الأبوين إذا لم يكن معهما وَارِثٌ غَيرُهُمَا، فإنَّ الأم تأخذ الثُّلث، ويأخذ الأبُ ما بقي وهو الثُّلثان، وإذا ثبت أنَّهُ يأخذ الباقي بالتَّعْصِيبِ، وجب أن يأخذ المال كُلَّهُ إذا انفرد؛ لأنَّ هذا شأن التَّعصيب، فإن كان مع الأبوين أحد الزَّوجين، فذهب أكثر الصَّحَابة إلى أنَّ الزَّوْجَ يأخذ فَرْضَهُ، ثم تأخذ الأم ثُلُثَ ما بقي، ويأخذ الأب ما بقي. وقال ابن عباس: يأخذ الزوج فَرْضَهُ، وتأخذ الأم الثلث كاملاً، ويأخذ الأب ما بقي. وقال: لا أجد في كتاب اللَّهِ - تعالى - ثلث ما بقي. وعن ابن سيرينَ أنَّهُ وافق ابن عبَّاس في الزَّوْجَة والأبوين، وخَالَفَهُ في الزَّوْجِ والأبوين، لأنَّهُ يُفْضِي إلى أن يكون للأنثى مثل حَظِّ الذكرين. وَأمَّا الزَّوْجَةُ، فلا يفضي إلى ذلك. وحجَّةُ الجمهور أنَّ قاعدة الميراث متى اجتمع ذكر وأنثى من جنس واحد، كان للذَّكَرِ مثل حَظِّ الأنثيين، كالأبوين مع البنت، والأخ مع الأخت، وابن الابن مع بنت الابن، والأم مع الأب كذلك إذا لم يكن للميِّتِ وارث سواهما كما تَقَدَّمَ. وإن كان كذلك، فإنَّ الزَّوْجَ يأخذ نصيبه، ويقسَّمُ الباقي بين الأبوين للذَّكر مثل حظ الأنثيين؛ ولأن الزَّوج يأخذ نصيبه بحكم عَقْدِ النِّكَاحِ لا بحكم القرابة، فأشبه الوصيَّة في قسمة الباقي. وأيضاً فإنَّ الزَّوْجَ إذا أخذ النصف، فلو دفعنا ثلث جميع المال للأم والسدس إلى الأب، يلزم منه أن يكون للأنثى مثل حظِّ الذكرين، وهذا خلاف قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ}. قوله: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ}. "إخوة" أعم من أن يكونوا ذكوراً أو إناثاً، أو بعضهم ذكوراً وبعضهم إناثاً، ويكون هذا من باب التغليب، وزعم قومٌ أن الإخوة خاصٌّ بالذُّكور، وأنَّ الأخوات لا يَحْجُبْنَ الأم من الثُّلثِ إلى السُّدس، فقالوا: لأن "إخوة" جمع "أخ"، والجمهور على أنَّ الإخوة وإن كانوا بلفظ الجمع يقعون على الاثنين، فيحجب الأخوان أيضاً الأم من الثُّلث إلى السُّدس خلافاً لابن عبَّاسٍ، فإنَّهُ لا يحجبُ بهما والظاهر معه. روي أنَّ ابن عباس قال لعثمان بِمَ صار الأخوان يَرُدّان الأم من الثُّلث إلى السُّدس، وَإنَّمَا قال اللهُ تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} والأخوان في لسان قومك ليس بإخوة؟ فقال عثمان: لا أستطيعُ أنْ أرُدَّ قضاءً قُضِيَ به قبلي، ومضى في الأمصار. وهذه المسألة مبنيَّةٌ على أنَّ أقل الجمع ثلاثة، والموجب لذلك هو القياس يخص هذه المسألة بأنَّ الأختين ميراثهما ميراث الثَّلاث، كما أنَّ ميراث البنتين مثل ميراث الثلاثة فكذلك نصيبُ الأختين من الأمِّ مثل نصيب الثلاثة، وإذا كان كذلك؛ وجب أن يَحْصُلَ الحَجْبُ بالأختين، وإذا وجب الحَجْبُ بالأختين لزم ثبوته في الأخوين؛ لأنَّهُ لا قَائِلَ بالفرق [فهذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا الموضع وفيه إشكال لأن] إجراء القياس في التقديرات صعب لأنَّهُ غير معقول، فيكونُ ذلك مجرَّدُ تشبيه من غير جامعٍ. فالجوابُ أن يقال: لا يُتَمَسَّكُ به على طريقة القياس بل على طريقة الاستقراء، لأنَّ الكثرة أمارةُ العموم. فصل [والأخوة] إذا حجبوا الأم من الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ، فلا يرثون مع الأب شيئاً [ألبتة] بل يأخذ الأب باقي المال، وهو خمسة أسْدَاسٍ، سدس بالفرض، والباقي بالتَّعصيب، وقال ابن عبَّاسٍ: الإخوة يأخذون السُّدُسَ الذي حجبوا الأم عنه، وما بقي فللأب، وحجته الاستقراء دَلَّ على أن مَنْ لا يرث لا يحجب، فهؤلاء الإخوة لما حجبوا وجب أن يرثوا، وهذا يختص بالإخوة للأم إذا اجتمعوا مع الأبوين فإنَّهُمْ يحجبون الأم من الثُّلث إلى السُّدس، ولا يرثون شيئاً؛ لأن الأب يسقطهم. قوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّهُ متعلقٌ بما تقدمه من قسمة المواريث كُلِّهَا لا بما يليه وحده، كأنَّهُ قيل: قسمةُ هذه الأنصباء من بعد وصية قاله الزَّمَخْشَرِيُّ، يعني أنه متعلِّقٌ بقوله: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ} وما بعده. والثاني: قاله أبُو حيَّان أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ، أي: يَسْتَحِقُّون ذلك كما فُصِّلَ من بعد وصية. [والثالث: أنَّهُ حال من السُّدس، تقديره: مستحقاً من بعد وصيَّة]، والعاملُ الظرفُ قاله أبُو البَقَاءِ، وَجَوَّزَ فيه وَجْهاً آخر، قال: [ويجوزُ أن يكون ظرفاً] أي: يستقر لهم ذلك بعد إخراج الوصيّةِ، ولا بُدَّ من تقدير حذف المضاف لأنَّ الوصيَّةَ هنا المالُ المُوصَى به، وقد تكون "الوصيَّةُ" مَصْدراً مثل "الفَريضَة"، وهذان الوجهان لا يَظْهَرُ لهما وَجْهٌ. وقوله: والعاملُ الظَّرف، يعني بالظَّرف: الجارَّ والمجرور في قوله تعالى: {فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ} فإنه شبيه بالظرفية، وعمل في الحال لما تضمنه من الفعل لوقوعه خبراً، و"يوصي" فعل مضارع المرادُ به المضمر، أي: وصية أوْصَى بها و "بها" متعلق به، والجملة في محلِّ جَرِّ صفةً لـ "وصية". وقرأ ابنُ كثير وابنُ عامرٍ وأبُو بكرٍ "يُوصَى" مبنيّاً للمفعول في الموضعين، ووافقهم حفص في الأخير، والباقون مبنياً للفاعل. وقُرِئَ شاذاً "يُوصَّى" بالتشديد مبنياً للمفعول، فـ"بها" في قراءة البناء للفاعل في مَحَلِّ نصب، وفي قراءة البناء للمفعول في مَحَلِّ رفعٍ لقيامه مقامَ الفاعل. قوله: "أو دين"، "أو" هنا لأحدِ الشيئين، قال أبو البقاء: "وَلا تَدُلُّ على ترتيب، إذْ لا فرقَ بين قولك: "جاءني زيد أو عمرو"، وبين قولك: "جاءني عمرو أو زيد"؛ لأنَّ "أو" لأحد الشيئين، والواحدُ لا ترتيب فيه، وبهذا يفسد قولُ مَنْ قَالَ: "من بعد دين أو وصية" وإنَّمَا يَقَعُ الترتيبُ فيما إذا اجتمعا، فَيُقَدَّمُ الدَّيْنُ على الوصيَّةِ". وقال الزَّمخشريُّ: "فإنْ قُلْتَ: فما معنى أو؟ قلت: معناها الإباحةُ، وأنَّهُ إن كان أحدهما، أو كلاهما قُدِّمَ على قِسْمَةِ الميراثِ، كقولك: "جالس الحسنَ أو ابن سيرين"، فإن قلت: لم قُدِّمَتِ الوصيّة على الدَّيْنِ والدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عليها في الشَّرِيعَةِ؟. قلت: لما كانت الوصيَّةُ مُشْبهَةً للميراثِ في كونِها مَأخوذةً مِنْ غير عوضٍ، كان إخراجُها مِمَّا يَشُقُّ على الورَثةِ، بخلاف الدَّيْن، فإن نفوسهم مطمئنَّةٌ إلى أدائه، فلذلك قُدِّمَتْ على الدَّيْنِ بَعْثاً على وجوبها، والمسارعة إلى إخراجها مع الدَّيْنِ، ولذلك جيءَ بكلمةِ "أو" للتَّسْوِيَةِ بينهما في الوجوب". وقال ابن الخَطِيبِ: إنَّ كلمة "أو" إذا دخلت على النفي صارت في معنى الواو، كقوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الإنسان: 24] وقوله: {أية : حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} تفسير : [الأنعام: 146] فكانت "أو" هاهنا بمعنى الواو، وكذلك قوله تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} لما كان في معنى الاستثناء صار كأنه قال: إلاَّ أن يكون هناك وَصِية أوْ دين فيكون المراد بعدهما جميعاً. قوله: {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ} مبتدأ، و {لاَ تَدْرُونَ} وما في حَيِّزه في محلِّ الرفع خبراً له. و{أَيُّهُمْ} فيه وجهان: أشهرهُمَا: [عند المعربين] أني يكونَ {أَيُّهُمْ} مبتدأ وهو اسم استفهام، و "أقربُ" خَبَرُهُ، والجملة من هذا لمبتدأ وخبره في محلِّ نصب بـ "تدرون"؛ لأنَّهَا من أفْعَالِ القُلُوبِ، فَعَلَّقَها اسمُ الاستفهامِ عَنْ أنْ تَعْمَلَ في لفظه؛ لأنَّ الاستفهامَ لا يعْمَلُ فيه ما قبله في غير الاستثبات. والثَّاني: أنَّهُ يجوزُ أن يكون {أَيُّهُمْ} موصولةً بمعنى {الَّذِي} و {أية : وَٱلأَقْرَبُونَ} تفسير : [النساء:7] خبرُ مبتدأ مضمر، وهو عائدُ الموصولِ، وجازَ حذفه؛ لأنه يجوز ذلك مع "أي" مطلقاً: أي: أطالت الصِّلَةُ أم لم تَطُلْ، والتَّقدير: أيُّهم هو أقربُ، وهذا الموصول وَصِلَتُهُ في محلِّ نصب على أنَّهُ مفعول به، نَصَبَه {تَدْرُونَ}، وإنَّمَا بُنِيَ لوجودِ شَرْطَي البناء، وهما: أنْ تُضافَ "أي" لفظاً، وَأنْ يُحْذَفَ صَدْرُ صِلَتِهَا، وصارت الآيةٌ نظيرَ قوله تعالى: {أية : ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ} تفسير : [مريم: 69]، فصار التقدير: لا تدرون الذي هو أقربُ. قال أبو حيَّان: "ولم أرهم ذكروه"، يعني هذا الوجه، ولا مانع منه لا من جهة المعنى، ولا من جهة الصِّنَاعة. فعلى القول الأوَّلِ تكونُ الجملةُ سَادَّةً مَسَدَّ المفعولين، ولا حاجة إلى تقدير حذف. وعلى الثَّاني يكونُ الموصولُ في محلِّ نصبٍ مَفْعُولاً أوَّلَ، ويكون الثَّاني محذوفاً، وبعدم الاحتياج إلى حَذْفِ المفعول الثَّاني، يترجَّحُ الوجه الأوَّلُ. ثم هذه الجملةُ، أعني قوله: {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ} لا محلَّ لها من الإعراب، لأنَّها جملة اعتراضية. قال الزمخشريُّ، بعد أن حَكَى في معانيها أقوالاً اختار منها الأوَّلَ: لأنَّ هذه الجملةَ اعتراضيّة، ومن حقِّ الاعتراض أنْ يؤكِّد ما اعْتَرَضَ بينه وبين ما يناسِبُه. يعني بالاعتراض: أنَّهَا واقعةٌ بين قصة المواريث، إلاَّ أنَّ هذا الاعتراض غيرُ مرادِ النحويين، لأنَّهُمْ لا يَعْنُون بالاعتراضِ في اصْطِلاحِهِمْ إلاَّ ما كان بين شيئين مُتَلاَزِمَيْنِ كالاعتراض بين المبتدأ وخبره، والشرط وجزائه والقَسَمِ وجوابه، والصِّلَةِ وموصولها. فصل في معاني {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ} ذكر الزَّمخشريُّ في معانيها أقوالاً: أحدها: - وهو الذي اختاره - أنْ جَعْلَها متعلَِّقةً بالوصيَّة، فقال: ثم أكَّد ذلك - يعني الاهتمام بالوصيَّة - ورَغَّبَ فيه بقوله: {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ} أي: لا تدرون مَنْ أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يَمُوتون، أمَنْ أوْصَى منهم أم مَنْ لم يوص، يعني: أنَّ مَنْ أوصى ببعض ماله فعرَّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية فوفَّر عليكم عَرَضَ الدُّنيا، وجعل ثَوَابَ الآخرة أقرب وأحضر من عَرَضِ الدُّنيا ذهاباً إلى حقيقة الأمر؛ لأنَّ عَرَضَ الدُّنيا، وإن كان قريباً عَاجِلاً في الصُّورَةِ إلاَّ أنَّهُ فانٍ، فهو في الحقيقة الأبعدُ الأقصى، وثوابُ الآخرة، وَإنْ كان آجلاً، إلاَّ أنَّهُ بَاقٍ،وفي الحقيقة الأقربُ الأدنى. وقيل: إنَّ الله - تعالى - لما ذكر أنصباء الأولاد، وأنصباء الأبوين، وكانت العقول لا تدرك معاني تلك التَّقديرات، فربَّما خطر ببال الإنسان أنَّ القسمةَ لو وقعت على غير هذا الوَجْهِ كانتْ أنفع له وأصلح لا سيما وقد كانت قسمة المواريث عند العرب على غير هذا الوَجْه فأزال اللَّهُ - تعالى - هذه الشُّبْهَة بأنْ قال: إنَّ عقولكم لا تحيط بمصالحكم، فَرُبَّمَا اعتقدتم في شيء أنَّهُ صالح لكم، وهو عين المضرة، وربَّمَا اعتقدتم في شيء أنَّهُ مضرة، ويكون عين المصلحة، وأمَّا الإله الرَّحيم فهو يعلمُ مغيبات الأمور وعواقبها، وكَأنَّهُ قال: اتركوا تقديرات المواريث بالمقادير التي تستحسنها عقولكم وانقادوا للمقادير التي قَدَّرَهَا اللَّهُ تعالى عليكم بقوله {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} إشارةً إلى ترك ما يميل الطبعُ إليه من قسمة المواريث. قوله: {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} إشارة إلى وجوب الانقياد إلى المقادير الشَّرعيَّة. وقال ابن عباس: {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً} أي: أطوعهم اللَّه - عزَّ وجلَّ - من الآباء والأبناء أرفع درجة يوم القيامة [والله تعالى يُشَفّع المؤمنين بعضهم في بعض، فإذا كان الوالد أرفع درجة يوم القيامة في الجنة رفع إليه ولده وإن كان الولد أرفع درجة] رفع إليه والده لتقر بذلك أعينهم. قوله: {نَفْعاً} نُصِبَ على التَّمييز من "أقرب"، وهو منقول من الفاعلية، واجب النّصب؛ لأنَّهُ متى وقع تمييزٌ بَعْدَ "أفْعَلِ" التفضيل، فَإن صَحَّ أنْ يُصَاغَ منها فِعْلٌ مُسْندٌ إلى ذلك التَّمييز على جهةِ الفاعليَّة وجل النَّصب كهذه الآية، إذْ يَصِحُّ أن يُقَالَ: أيُّهم أقَرُبَ لكم نَفْعُهُ، وإن لم يَصحّ ذلك وجب جَرُّهُ نحو: "زيد أحسن فقيه" بخلاف "زيد أحسن فقهاً"، وهذه قاعدة مفيدة و "لكم" متعلق بـ "أقرب". قوله: {فَرِيضَةً} فيها ثلاثة أوجه: أظهرها: أنَّها مصدرٌ مؤكد لمضمون الجملة السَّابقة من الوصية؛ لأن معنى "يوصيكم": فَرَضَ عليكم ذلك، فصار المعنى: "يوصيكم الله وصية فرض"، فهو مصدر على غير الصَّدْرِ. والثاني: أنَّها مصدر [منصوبٌ بفعل] محذوف من لفظها. قال أبو البَقَاء: و {فَرِيضَةً} مصدر لفعل محذوف، أي: فرض اللَّهُ ذلك فريضة. والثالث: قاله مَكيٌّ وغيره: أنَّهَا حال؛ لأنَّهَا ليست مصدراً، وكلامُ الزمخشريِّ محتمل للوجهين الأوَّلَيْن، فإنَّهُ قال: "فريضة" نصبت نَصْبَ المصدر المؤكد، أي: "فرض الله ذلك فرضاً". ثم قال: {إن الله كان عليماً} أي: بأمور العباد "حكيماً" بنصب الأحكام. فإن قيل: لِمَ قال كان عليماً حكيماً مع أنَّهُ لم يزل كذلك؟. فالجوابُ قال الخليلُ: الخبرُ عن اللَّه تعالى بهذه الألفاظ، كالخبر بالحال والاستقبال؛ لأنَّهُ تعالى مُنَزَّهٌ عن الدخول تحت الزمان. قال سيبويه: القومُ لما شاهدوا علماً وحكمةً وفضلاً وإحساناً تعجبوا، فقيل لهم: إنَّ اللَّهَ كذلك، ولم يزل موصوفاً بهذه الصفات.

البقاعي

تفسير : ولما تم ذلك تشوفت النفوس إلى بيان مقادير الاستحقاق بالإرث لكل واحد، وكان قد تقدم ذكر استحقاق الرجال والنساء من غير تقييد يتيم، فاقتضت البلاغة بيان أصول جميع المواريث، وشفاء العليل بإيضاح أمرها، فقال - مستأنفاً في جواب من كأنه سأل عن ذلك مؤكداً لما أمر به منها غاية التأكيد مشيراً إلى عظمة هذا العلم بالتقدم في الإيصاء في أول آياته، والتحذير من الضلال في آخرها، ورغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه نصف العلم، وحذر من إضاعته بأنه أول علم ينزع من الأمة: {يوصيكم الله} أي بما له من العظمة الكاملة والحكمة البالغة، وبدأ بالأولاد لأن تعلق الإنسان بهم أشد فقال: {في أولادكم} أي إذا مات مورثهم. ولما كان هذا مجملاً كان بحيث يطلب تفسيره، فقال جواباً لذلك بادئاً بالأشرف بياناً لفضله بالتقديم وجعله أصلاً والتفضيل: {للذكر} أي منهم إذا كان معه شيء من الإناث، ولم يمنعه مانع من قتل ولا مخالفة دين ونحوه {مثل حظ الأنثيين} أي نصيب من شأنه أن يغني ويسعد، وهو الثلثان، إذا انفردتا فللواحدة معه الثلث، فأثبت سبحانه للإناث حظاً تغليظاَ لهم من منعهن مطلقاً، ونقصهن عن نصيب الرجال تعريضاً بأنهم أصابوا في نفس الحكم بانزالهن عن درجة الرجال. ولما بان سهم الذكر مع الأنثى بعبارة النص، واشعر ذلك بأن لهن إرثاً في الجملة وعند الاجتماع مع الذكر، وفُهم بحسب إشارة النص وهي ما ثبت بنظمه، لكنه غير مقصود، ولا سبق له النص - حكم الأنثيين إذا لم يكن معهن ذكر، وهو أن لهما الثلثين، وكان ذلك أيضاً مفهماً لأن الواحدة غذا كان لها مع الأخ الثلث كان لها ذلك مع الأخت إذا لم يكن ثمَّ ذكر من باب الأولى، فاقتضى ذلك أنهن إذا كن ثلاثاً أو أكثر ليس معهم ذكر استغرقن التركة، وإن كانت واحدة ليس معها ذكر لم تزد على الثلث؛ بين أن الأمر ليس كذلك - كما تقدم - بقوله مبيناً إرثهن حال الانفراد: {فإن كن} أي الوارثات {نساء} أي إناثاً. ولما كان ذلك قد يحمل على أقل الجمع، وهو اثنتان حقيقة أو مجازاً حقق ونفى هذا الاحتمال بقوله: {فوق اثنتين} أي لا ذكر معهن {فلهن ثلثا ما ترك} أي الميت، لا أزيد من الثلثين {وإن كانت} أي الوارثة {واحدة} أي منفردة، ليس معها غيرها {فلها النصف} أي فقط. ولما قدم الإيصاء بالأولاد لضعفهم إذا كانوا صغاراً، وكان الوالد أقرب الناس إلى الولد وأحقهم بصلته وأشدهم اتصالاً به أتبعه حكمه فقال: {ولأبويه} أي الميت، ثم فصل بعد أن أجمل ليكون الكلام آكد، ويكون سامعه إليه أشوق بقوله مبدلاً بتكرير العامل: {لكل واحد منهما} أي أبيه وأمه اللذين ثنيا بأبوين {السدس مما ترك} ثم بين شرط ذلك فقال: {إن كان له} أي الميت {ولد} أي ذكر، فإن كانت أنثى أخذ الأب السدس فرضاً، والباقي بعد الفروض حق عصوبة. ولما بين حكمهما مع الأولاد تلاه بحالة فقدهم فقال: {فإن لم يكن له ولد} أي ذكر ولا أنثى {وورثه أبواه} أي فقط {فلأمه الثلث} أي وللأب الباقي لأن الفرض أنه لا وارث له غيرهما، ولما كان التقدير: هذا مع فقد الإخوة أيضاً، بني عليه قوله: {فإن كان له إخوة} أي اثنان فصاعدا ذكوراً أو لا، مع فقد الأولاد {فلأمه السدس} أي لأن الإخوة ينقصونها عن الثلث إليه، والباقي للأب، ولا شيء لهم، وأما الأخت الواحدة فإنها لا تنقصها إلى السدس سواء كانت وارثة أو لا، وكذا الأخ إذا كان واحداً، ثم بين أن هذا كله بعد إخراج الوصية والدين لأن ذلك سبق فيه حق الميت الذي جمع المال فقال: {من بعد وصية يوصي بها} أي كما مندوب لكل ميت، وقدمها في الوضع على ما هو مقدم عليها في الشرع بعثاً على أدائها، لأن أنفس الورثة تشح بها، لكونها مثل مشاركتهم في الإرث لأنها بلا عوض {أو دين} أي إن كان عليه دين. ولما كان الإنسان قد يرى أن بعض أقربائه من أصوله أو فصوله أو غيرهم أنفع له، فأحب تفضيله فتعدى هذه الحدود لما رآه، وكان ما رآه خلاف الحق في الحال أو في المآل، وكان الله تعالى هو المستأثر بعلم ذلك، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما" تفسير : الحديث, لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف شاء؛ قال تعالى حاثاً على لزوم ما حده مؤكداً بالجملة الاعتراضية - كما هو الشأن في اعتراض - لأن هذه القسمة مخالفة لما كانت العرب تفعله، وهي على وجوه لا تدرك عللها: {أبآؤكم وأبنآؤكم} أي الذين فضلنا لكم إرثهم على ما ذكرنا {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً} أي من غيره، لأنه لا إحاطة لكم في علم ولا قدرة، فلو وكل الأمر في القسمة إليكم لما وضعتم الأمور في أحكم مواضعها. ولما بين أن الإرث على ما حده سبحانه وتعالى مؤكداً له بلفظ الوصية، وزاده تأكيداً بما جعله اعتراضاً بين الإيصاء وبين (فريضة) بين أنه على سبيل الحتم الذي من تركه عصى، فقال ذاكراً مصدراً مأخوذاً من معنى الكلام: {فريضة من الله} أي الذي له الأمر كله، ثم زادهم حثاً على ذلك ورغبة فيه بقوله تعليلاً لفريضته عليهم مطلقاً وعلى هذا الوجه: {إن الله} أي المحيط علماً وقدرة {كان} ولم يزل ولا يزال لأن وجود لا يتفاوت في وقت من الأوقات، لأنه لا يجري عليه زمان، ولا يحويه مكان، لأنه خالقهما {عليماً} أي بالعواقب {حكيماً *} أي فوضع لكم هذه الأحكام على غاية الإحكام في جلب المنافع لكم ودفع الضر عنكم، ورتبها سبحانه وتعالى أحسن ترتيب، فإن الوارث يتصل بالميت تارة بواسطة وهو الكلالة، وأخرى بلا واسطة، وهذا تارة يكون بنسب، وتارة بصهر ونسب، فقدم ما هو بلا واسطة لشدة قربه، وبدأ منه بالنسب لقوته، وبدأ منهم بالولد لمزيد الاعتناء به.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طرق ‏"حديث : عن جابر بن عبد الله قال‏ عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئاً، فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش عليَّ، فأفقت فقلت‏:‏ ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله‏؟‏ فنزلت ‏ {‏يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين‏} ‏‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد والحاكم "حديث : عن جابر قال ‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض فقلت‏:‏ كيف أقسم مالي بين ولدي‏؟‏ فلم يرد علي شيئاً ونزلت ‏ {‏يوصيكم الله في أولادكم‏} "تفسير : .‏ وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة ومسدد والطيالسي وابن أبي عمر وابن منيع وابن أبي أسامة وأبو يعلى وابن أبي حاتم والحاكم وابن حبان والبيهقي في سننه عن جابر قال ‏‏ "حديث : ‏جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد شهيداً، وأن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً ولا ينكحان إلا ولهما مال فقال‏: يقضي الله في ذلك‏. فنزلت آية الميراث ‏{‏يوصيكم الله في أولادكم‏.‏‏..‏‏}‏ الآية‏.‏ فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال‏:‏ أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس مع الولد، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ لما نزلت آية الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم وقالوا‏:‏ نعطي المرأة الربع أو الثمن، ونعطي الإبنة النصف، ونعطي الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة‏؟‏ وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم، ويعطونه الأكبر فالأكبر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏للذكر مثل حظ الأنثيين‏} ‏ قال‏:‏ صغيراً أو كبيراً‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان، لا يرث الرجل من والده إلا من أطاق القتال‏.‏ فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امرأة له يقال لها: أم كحة‏.‏ وترك خمس جوار، فجاءت الورثة فأخذوا ماله، فشكت أم كحة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية ‏ {‏فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف‏} ‏ ثم قال‏:‏ في أم كحة {أية : ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 12‏]‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏فإن كن نساء‏} ‏ يعني بنات ‏ {‏فوق اثنتين‏}‏ يعني أكثر من اثنتين، أو كن اثنتين ليس معهن ذكر ‏ {‏فلهن ثلثا ما ترك‏} ‏ الميت والبقية للعصبة ‏ {‏وإن كانت واحدة‏} ‏ يعني ابنة واحدة فلها النصف، ‏ {‏ولأبويه‏} ‏ يعني أبوي الميت ‏ {‏لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد‏} ‏ يعني ذكراً كان أوكانتا اثنتين فوق ذلك ولم يكن معهن ذكر، فإن كان الولد ابنة واحدة فلها نصف المال ثلاثة أسداس وللأب سدس، ويبقى سدس واحد فيرد ذلك على الأب لأنه هو العصبة ‏{‏فإن لم يكن له ولد‏} ‏ قال‏:‏ ذكر ولا أنثى ‏ {‏وورَّثه أبواه فلأمه الثلث‏}‏ وبقية المال للأب ‏ {‏فإن كان له‏}‏ يعني للميت ‏ {إخوة‏} ‏ قال‏:‏ أخوان فصاعداً أو أختان أو أخ أو أخت ‏ {‏فلأمه السدس‏} ‏ وما بقي فللأب، وليس للإخوة مع الأب شيء، ولكنهم حجبوا الأم عن الثلث ‏ {‏من بعد وصية يوصي بها‏}‏ فيما بينه وبين الثلث لغير الورثة ولا تجوز وصية لوارث ‏ {‏أو دين‏} ‏ يعني يحرم‏ الميراث للورثة من بعد دين على الميت ‏ {‏فريضة من الله‏} ‏ يعني ما ذكر من قسمة الميراث ‏ {‏إن الله كان عليماً حكيما‏ً}‏ حكم قسمه‏.‏ وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت قال‏:‏ توفي الرجل أو المرأة وترك بنتاً فلها النصف، فإن كانتا اثنتين فأكثر فلهن الثلثان، وإن كان معهن ذكر فلا فريضة لأحد منهم، ويبدأ بأحد إن شركهن بفريضة فيعطى فريضته‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود قال‏:‏ كان عمر بن الخطاب إذا سلك بنا طريقاً فاتبعناه وجدناه سهلاً، وإنه سئل عن امرأة وأبوين فقال‏:‏ للمرأة الربع، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي فللأب‏.‏ وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن عكرمة قال‏:‏ أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين فقال زيد‏:‏ للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي، وللأب بقية المال‏.‏ فأرسل إليه ابن عباس‏:‏ أفي كتاب الله تجد هذا‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ ولكن أكره أن أفضل أماً على أب‏.‏ قال‏:‏ وكان ابن عباس يعطي الأم الثلث من جميع المال‏.‏ وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه دخل على عثمان فقال‏:‏ إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث قال الله ‏ {‏فإن كان له إخوة‏} ‏ فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة، فقال عثمان‏:‏ لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي، ومضى في الأمصار وتوارث به الناس‏.‏ وأخرج الحاكم والبيهقي في سننه عن زيد بن ثابت أنه كان يحجب الأم بالأخوين فقالوا له‏:‏ يا أبا سعيد إن الله يقول ‏ {‏فإن كان له إخوة‏}‏ وأنت تحجبها بأخوين فقال‏:‏ إن العرب تسمي الأخوين إخوة‏. ‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏فإن كان له إخوة فلأمه السدس‏}‏ قال‏:‏ أضروا بالأم ولا يرثون ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث لأن أباهم يلي نكاحهم والنفقة عليهم دون أمهم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ السدس الذي حجبته الإخوة الأم لهم إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أمهم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن علي قال‏:‏ إنكم تقرؤون هذه الآية ‏ {‏من بعد وصية يوصي بها أو دين‏} ‏ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ‏{‏من بعد وصية يوصي بها أو دين‏} ‏ قال‏:‏ يبدأ بالدين قبل الوصية‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا‏ً} ‏ يقول‏:‏ أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة عند الله يوم القيامة، لأن الله شفع المؤمنين بعضهم في بعض‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏أيهم أقرب لكم نفعاً‏} ‏ قال‏:‏ في الدنيا‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏أيهم أقرب لكم نفعا‏ً}‏ قال بعضهم‏:‏ في نفع الآخرة‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ في نفع الدنيا‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال‏:‏ الميراث للولد فانتزع الله منه للزوج والوالد‏.‏

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} [الآية: 11]. آباؤكم ببرهم وأبناؤكم بالشفقة عليهم والتأديب لهم هما محل النفع. قوله عز وجل {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ}. قال محمد بن الفضل رحمه الله: حدود الله أوامره ونواهيه، فمن تخطاها فقد ضل عن سبيل الرشد. وقيل {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أى: الإظهار من الأحوال للمريدين على حسب طاقاتهم لها فإن التعدى فيها يهلكهم. قال أبو عثمان رحمه الله: ما هلك المرء إذا لزم حدَّه ولم يتعد طوره. وقال بعض البغداديين رحمه الله: العبد يتقلب فى جميع الأوقات على الحدود، لكل وقت ولكل حالٍ حد، ولكل عملٍ حد، فمن تخطا الحدود فدخل فى هتك الحرمات قال الله عز وجل: { أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا } تفسير : [البقرة: 187] لأن المرتع إلى جانب الحمى ربما يخالط الحمى.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ}. الوصية ها هنا بمعنى الأمر، فإنه سبحانه جعل الميراث بين الورثة مستحقاً بوجهين: 1- الفرض 2- التعصيب، والتعصيب أقوى من الفرض لأن العَصَبَةَ قد تستغرق جميع المال أما أكثر الفروض فلا يزيد على الثلثين، ثم إن القسمة تبدأ بأصحاب الفروض وهم أضعف استحقاقاً، ثم العَصَبَة وهم أقوى استحقاقاً. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أبْقَتْ الفرائض فَلأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَر" تفسير : كذلك أبداً سنته، كما في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}تفسير : [فاطر: 32] أعطاهم الكتاب بلفظ الميراث ثم قدَّم الظالم على السابق، وهو أضعف استحقاقاً إظهاراً للكرم مع الظالم لأنه مُنْكسِر القلب ولا يحتمل وقته طول المدافعة. وقوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ}. لو كان الأمر بالقياس لكانت الأنثى بالتفضيل أَوْلَى لضعفها، ولعجزها عن الحراك، ولكنَّ حُكْمَه - سبحانه - غيرُ معلَّل. قوله جلّ ذكره: {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}. الأبناء ينفعونكم بالخدمة، والآباء بالرحمة؛ الآباء في حال ضعفِك في بداية عمرك، والأبناء في حال ضعفك في نهاية عمرك.

اسماعيل حقي

تفسير : {يوصيكم الله} اى يأمركم ويعهد اليكم {فى اولادكم} اولاد كل واحد منكم اى فى شأن ميراثهم وهو اجمال تفصيله {للذكر مثل حظ الانثيين} والمعنى منهم فحذف للعلم به اى يعد كل ذكر بأنثيين حيث اجتمع الصنفان فيضعف نصيبه {فان كن} اى الاولاد والتأنيث باعتبار الخبر وهو قوله تعالى {نساء} اى خلصا ليس معهن ذكر {فوق اثنتين} خبر ثان {فلهن ثلثا ما ترك} اى المتوفى المدول عليه بقرينة المقام وحكم البنتين كحكم ما فوقهما {وان كانت} اى المولودة {واحدة} اى امرأة واحدة ليس معها اخ ولا اخت {فلها النصف} مما ترك {ولابويه} اى لأبوى الميت {لكل واحد منهما السدس} كائنا ذلك السدس {مما ترك} المتوفى {ان كان له} اى للميت {ولد} او ولد ابن ذكرا كان او انثى واحدا او متعددا غير ان الأب فى صورة الانوثة بعد ما اخذ فرضه المذكور يأخذ ما بقى من ذوى الفروض بالعصوبة {فان لم يكن له ولد} ولا ولد ابن {وورثه ابواه} فحسب {فلأمه الثلث} مما ترك والباقى للأب هذا اذا لم يكن معهما احد الزوجين اما اذا كان معهما احد الزوجين فلأمه ثلث ما بقى من فرض احدهما لا ثلث الكل كما قاله ابن عباس رضى الله عنه فانه يفضى الى تفضيل الأم على الأب مع كونه اقوى منها فى الارث بدليل اضعافه عليها عند انفرادهما عن احد الزوجين وكونه صاحب فرض وعصبة وذلك خلاف وضع الشرع {فان كان له اخوة} اى عدد من الاخوة من غير اعتبار التثليث سواء كانت من جهة الأبوين او من جهة احدهما وسواء كانوا ذكورا او اناثا او مختلطين وسواء كان لهم ميراث او محجوبين بالأب {فلامه السدس} واما السدس الذى حجبوها عنه فهو للأب عند وجوده ولهم عند عدمه وعليه الجمهور {من بعد وصية} متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها اى هذه الانصباء للورثة من بعد ما كان من وصية {يوصى بها} الميت وفائدة الوصف الترغيب فى الوصية والندب اليها {او دين} عطف على وصية الا انه غير مقيد بما قيدت به من الوصف بل هو مطلق يتناول ما ثبت بالبينة او الاقرار فى الصحة وانما قال بأو التى للاباحة دون الواو للدلالة على انهما متساويان فى الوجوب مقدمان على القسمة مجموعين ومنفردين وقدم الوصية على الدين وهى متأخرة فى الحكم لانها مشبهة بالميراث شاقة على الورثة مندوب اليها الجميع والدين انما يكون على الندور {آباؤكم وابناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا} الخطاب للورثة اى اصولكم وفروعكم الذين يتوفون لا تدرون أيهم انفع لكم أمن يوصى ببعض ماله فيعرضكم لثواب الآخرة بتنفيذ وصيته أم من لا يوصى بشىء فيوفر عليكم عرض الدنيا يعنى الاول انفع ان كنتم تحكمون نظرا الى ظاهر الحال بانفعية الثانى وذلك لان ثواب الآخرة لتحقق وصوله الى صاحبه ودوام تمتعه به مع غاية قصر مدة ما بينهما من الحياة الدنيا اقرب واحضر وعرض الدنيا لسرعة نفاده وفنائه ابعد واقصى {فريضة من الله} اى فرض الله ذلك الميراث فرضا {ان الله كان عليما} بالخلق ومصالحهم {حكيما} فى كل ما قضى وقدر ودبر. واعلم ان فى هذه الآية تنبيها على ان العبد ينبغى ان يجانب الميل الى جانبى الافراط والتفريط برأيه وعمله بل يستمسك بالعروة الوثقى التى هى العدالة فى الامور كلها وهو الميزان السوى فيما بين الضعيف والقوى وذلك لا يوجد الا بمراعاة امر الله تعالى والمحافظة على الاحكام المقضية الصادرة من العليم بعواقب الامور الحكيم الذى يضع كل شىء فى مرتبته فعليكم بالعدل الذى هو اقرب للتقوى والتجانب عن الجور بين العباد فى جميع الامور خصوصا فيما بين الاقارب فان لهم مزيد فضل على الاجانب ولمكانة صلة الرحم عند الله قرن الارحام باسمه الكريم فى قوله تعالى {أية : واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام} تفسير : [النساء: 1]. فحافظوا على مراعاة حقوق اصولكم وفروعكم وآتوا كل ذى حق حقه فمن حقوق الوالدين على الولد ترك التأفيف والبر والتكلم بقول لطيف. وفى الخبر يسأل الولد عن الصلاة ثم عن حق الوالدين وتسأل المرأة عن الصلاة ثم عن حق زوجها ويسأل العبد عن الصلاة ثم عن حق المولى ثم ان الحق الوالدة اعظم من الوالد لكونها اكثر زحمة ورحمة ـ روى ـ "حديث : ان رجلا قال يا رسول الله ان امى هرمت عندى فاطعمها بيدى واسقيها بيدى واوضيها واحملها على عاتقى فهل جازيت حقها قال "لا ولا واحدا من مائة" قال ولم يا رسول الله قال "لانها خدمتك فى وقت ضعفك مريدة حياتك وانت تخدمها مريدا مماتها ولكنك احسنت والله يثيبك على القليل كثيرا"" حديث : وجاء رجل الى النبى عليه السلام ليستشيره فى الغزو فقال "ألك والدة" قال نعم قال عليه السلام "فالزمها فان الجنة تحت رجليها" " .تفسير : ذكره فى الاحياء قيل فيه ونعم ما قيل شعر : جنت كه سراى مادرانست زير قد مات مادرانست روزى بكن اى خداى مارا جيزى كه رضاى مادرانست تفسير : ويطيع الوالدين فيما ابيح فى دين الاسلام وان كانا مشركين ويهجرهما ان امراه بشرك او معصية قال تعالى {أية : وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما} تفسير : [لقمان: 15]. شعر : جون نبود خويش را ديانت وتقوى قطع رحم بهترازمودت قربى تفسير : قال بعضهم كل ما لا يؤمن من الهلاك مع الجهل فطلب علمه فرض عين سواء كان من الامور الاعتقادية كمعرفة الصانع وصفاته وصدق النبى عليه السلام فى اقواله وافعاله او من الاعمال الحسنة المتعلقة بالظاهر كالصلاة والصوم وغيرهما او بالباطن كحسن النية والاخلاص والتوكل وغيرها او من السيئة المتعلقة بالظاهر كشرب الخمر واكل الربا والنظر الى اجنبية بشهوة او بالباطن كالكبر والعجب والحسد وسائر الاخلاق الرديئة للنفس فان معرفة هذه الامور فرض عين يجب على المكلف طلبها ون لم يأذن له ابواه واما ما سواها من العلوم فقيل لا يجوز له الخروج لطلبه الا باذنهما. وفى فتاوى قاضى خان رجل طلب العلم وخرج بغير اذن والديه فلا بأس به ولم يكن عقوقا قيل هذا اذا كان ملتحيا فاذا كان امرد صبيح الوجه فلأبويه ان يمنعاه. واما حق الولد على الوالد فكالتسمية باسم حسن كأسماء الانبياء والمضاف الى اسمه تعالى لان الانسان يدعى فى الآخرة باسمه واسم ابيه قال عليه السلام "حديث : انكم تدعون يوم القيام باسمائكم واسماء آبائكم فاحسنوا اسماءكم " .تفسير : ولذا قيل يستحب تغيير الاسماء القبيحة المكروهة فان النبى صلى الله عليه وسلم سمى المسمى بالعاصى مطيعا. وجاء رجل اسمه المضطجع فسماه المنبعث. ومن حقه عليه الختان وهو سنة. واختلفوا فى وقته قيل لا يختن حتى يبلغ لانه للطهارة ولا طهارة عليه حتى يبلغ وقيل اذا بلغ عشرا وقيل تسعا والاولى تأخير الختان الى ان يثغر الولد ويظهر سنه لما فيه من مخالفة اليهود لانهم يختنون فى اليوم السابع من الولادة. ومن حقه ان يرزقه بالحلال الطيب وان يعلمه علم الدين ويربيه بآداب السلف الصالحين: قال الشيخ سعدى قدس سره فى حق الاولاد شعر : بخردى درش زجر وتعليم كن به نيك وبدش وعده وبيم كن بياموز برورده رادست رنج وكردست دارى جوقارون كنج بيايان رسد كيسه سيم وزر نكردد تهى كيسه بيشه ور تفسير : ـ وروى ـ انس رضى الله عنه عن النبى عليه السلام قال يعق عنه فى اليوم السابع ويسمى ويماط عنه الاذى فاذا بلغ ست سنين ادب واذا بلغ سبع سنين عزل فراشه واذا بلغ عشر سنين ضرب على الصلاة واذا بلغ ست عشرة زوجه ابوه ثم اخذ بيده وقال قد ادبتك وعلمتك وانكحتك اعوذ بالله من فتنتك فى الدنيا وعذابك فى الآخرة. والحاصل انه ينبغى ان لا يعتمد الانسان على رأى نفسه بل يكل امره الى الله فانه اعلم وارحم. والاشارة فى الآيات ان المشايخ للمريدين بمثابة الآباء للاولاد فان الشيخ فى قومه كالنبى فى امته على ما قاله عليه السلام وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : انا لكم كالوالد لولده " .تفسير : ففى قوله {يوصيكم الله} الآية اشارة الى وصايات المشايخ والمريدين ووراثتهم فى قرابة الدين لقوله تعالى {أية : اولئك هم الوارثون} تفسير : [المؤمنون: 10]. فكما ان الوراثة الدنيوية بوجهين بالسبب والنسب فكذلك الوراثة الدينية بهما. اما السبب فهو الارادة ولبس خرقتهم والتبرك بزيهم والتشبه بهم. واما النسب فهو الصحبة معهم بالتسليم لتصرفات ولايتهم ظاهرا وباطنا بصدق النية وصفاء الطوية مستسلما لاحكام التسليك والتربية ليتوالد السالك بالنشأة الثانية فان الولادة تنقسم على النشأة الاولى وهى ولادة جسمانية بان يتولد المرء من رحم الام الى عالم الشهادة وهو الملك والنشأة الثانية وهى ولادة روحانية بان يتولد السالك من رحم القلب الى عالم الغيب وهو الملكوت كما حكى النبى عليه السلام عن عيسى عليه السلام انه قال [لن يلج ملكوت السموات والارض من لم يولد مرتين] فالشيخ هو الاب الروحانى والمريدون المتولدون من صلب ولايته هم الاولاد الروحانيون وهم فيما بينهم اولوا الارحام بعضهم اولى ببعض فى كتاب الله كقوله تعالى {أية : إنما المؤمنون إخوة} تفسير : [الحجرات: 10]. وقال عليه السلام "حديث : الانبياء اخوة من علات امهاتهم شتى ودينهم واحد " .تفسير : ولهذا قال عليه السلام "حديث : كل حسب ونسب ينقطع الا حسبى ونسبى " .تفسير : لان نسبه كان بالدين كما "حديث : سئل من النبى صلى الله عليه وسلم من آلك يا رسول الله قال "آلى كل مؤمن تقى" " .تفسير : وانما يتوارث اهل الدين على قدر تعلقاتهم السببية والنسبية والذكورة والانوثة والاجتهاد وحسن الاستعداد وانما مواريثهم العلوم الدينية واللدنية كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : العلماء ورثة الانبياء وان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وانما ورثوا العلم فمن اخذ به فقد اخذ بحظ وافر ".تفسير : قال مولانا جلال الدين الرومى قدس سره شعر : جون كزيدى بير نازك دل مباش سست وريزيده جو آب وكل مباش جون كرفتى بيرهين تسليم شو همجو موسى زير حكم خضررو كرتوسنك وصخره ومرمر شوى جون بصاحب دل رسى كوهر شوى نار خندان باغ را خندان كند صحبت مردانت از مردان كند

ابن عجيبة

تفسير : {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ...} يقول الحقّ جلّ جلاله: {يوصيكم الله} أي: يأمركم ويعهد إليكم، {في أولادكم} ، أي: في بيان ميراثهم، ثم فصَّله فقال {للذكر مثل حظ الأنثيين} ، أي يعُدُ كل ذكر بأنثيين، فإذا ترك ابنًا وبنتًا، كانت من ثلاثة للذكر سهمان وللبنت سهم، وإذا ترك ابنًا وبنتين فله قسمتان، ولكل واحدة قسمة، وهكذا، قال ابن جزي: هذه الآية نزلت بسبب سعد بن الربيع، وقيل: بسبب جابر بن عبد الله، إذ عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه؛ ورفَعت ما كان في الجاهلية من ترك توريث النساء والأطفال. وقيل: نُسخت الوصية للوالدين والأقربين. وإنما قال: {يوصيكم} بلفظ الفعل الدائم، ولم يقل: أوصاكم، تنبيهًا على نسخ ما مضى، والشروع في حكم آخر، وإنما قال: {يوصيكم} بالاسم الظاهر، أي: {الله} ولم يقل: نوصيكم، لأنه أراد تعظيم الوصية، فجاء بالاسم الذي هو أعظم الأسماء، وإنما قال: {في أولادكم} ولم يقل: في أبنائكم؛ لأن الابن يقع على الابن من الرضاعة، وعلى ابن البنت، وعلى الابن المتبنى، وليسوا من الورثة، فإن قيل: هلاّ قال: للأنثيين مثل حظ الذَّكر، أو للأنثى نصف حظ الذَّكر؟، فالجواب، أنه بدأ بالذَّكَرِ لفضله، ولأن القصد ذكُر حظه، ولو قال للأنثيين مثل حظ الذكر لكان فيه تفضيل للإناث. هـ. الأشارة: كما أوصى الله ـ تعالى ـ في أولاد البشرية، أوصى على أولاد الروحانية، ويقع التفضيل في قسمة الإمداد على حسب التعظيم والمحبة والعطف من الشيخ، فبقدر ما يقع في قلب الشيخ، يسري إليه المدد، فقد يأخذ مثل حظ رجلين أو أكثر، على حسب ما سبق من القسمة الأزلية. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكم البنات إذا انفردن، فقال: {...فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ...} قلت: أنث الضمير {كنّ} باعتبار الخبر، أو يعود على المتروكات، وما قاله الزمخشري بعيد. ومن قرأ {واحدةُ} بالرفع، ففاعل كان التامة، ومن قرأ بالنصب فخبر كان. يقول الحقّ جلّ جلاله: فإن كان المتروك من الأولاد {نساء} ليس معهن ذكور {فوق اثنتين} أي: اثنتين فما فوق، {فلهن ثلثا ما ترك} ، والباقي للعاصب، وأخذ ابن عباس بظاهر الآية، فأعطاهما النصف كالواحدة، والجمهور على خلافه، وأن لفظ {فوق} زائدة كقوله {أية : فاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاِق} تفسير : [الأنفال:12]، وقيل: أخذ الثلثين بالسُنة، وإن {كانت} بنتًا {واحدة فلها النصف}، والباقي للعاصب، وفيه دليل على أن الابن يأخذ جميع المال إذا انفرد؛ لأن له مثل حظ الأنثيين. الإشارة: انظر البنت، إذا انفردت أخذت النصف، وإذا اجتمعت مع غيرها نقص لها، كذلك أمداد الأشياخ، من انفرد عددهم وحده، أخذ أكثر مما إذا اجتمع مع غيره، لانجماع نظر الشيخ إليه، وكان شيخنا رضي الله عنه يقول له شيخه: ما زال يأتيك الرجال ـ أي: إخوانك من الفقراء ـ وكان وحده، فيقول له: الله لا يجعل أحدًا يأتي حتى نشبع. وكذلك أيضًا، انفراد العبد بالعبادة، في وقت الغفلة، مددها أعظم من كونه مع غيره، كالمجاهد خلف الفارين. وكذلك قال عليه الصلاة والسلام: " حديث : طوُبَى للغُرَبَاءِ " تفسير : والله تعالى أعلم. ثم ذكرت ميراث الأبوين، فقال: {...وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ...} قلت: {السدس} مبتدأ، و {لأبويه} خبر، {لكل واحد} ، بدل من {أبويه}، ونكتة البدل إفادة أنهما لا يشتركان في السدس، ولو قال: لأبوَيْه السدس؛ لأوهم الاشتراك. يقول الحقّ جلّ جلاله: إذا مات الولد، وترك أبويه، فلكل {واحد منهما السدس إن كان له ولد} ذكرًا أو أنثى، واحدًا أو متعددًا، للصلب أو ولد ابن، فكلهم يَردُّون الأبوين للسدس، {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه} فقط، {فلأمه الثلث}، والباقي للأب، {فإن كان له أخوة}، أي: أخَوَان فأكثر، سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم، أو مختلفين، {فلأمه السدس}، والباقي للأب، ولا شيء للأخوة معه. وأخذ ابن عباس بظاهر الآية. فلم يحجبها للسدس باثنين، وجعلها كالواحد، واحتج بأن لفظ الإخوة جمع، وأقله ثلاثة، وأجيب بأن لفظ الجمع، يقع على الاثنين كقوله {أية : وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} تفسير : [الأنبياء:78]، {أية : إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ}تفسير : [صَ:21]، ولقوله صلى الله عليه وسلم " حديث : الاثْنَانِ فَما فَوْقَهمَا جَمَاعَةٌ"تفسير : . وهذا كله، بعد إخراج الوصية وقضاء الدين، وإنما قدّم الحق ـ تعالى ـ الوصية على الدَّين، مع كون الدّين مقدمًا في القضاء من رأس المال؛ لأن أرباب الدّين أقوياء، بخلاف الموصى لهم، فقدمهم اعتناء بهم. الإشارة: الروح كالأب، والبشرية كالأم، وعقد الصحبة مع الشيخ كالولد، فأن كان الإنسان له صحبة مع شيخ التربية، يعني له ورد منه، فالبشرية والروحانية سواء، إذ كلاهما يتهذبان ويتنوران بالأدب والمعرفة؛ الأدب للبشرية، والمعرفة للروحانية، إذ استمد بالطاعة الظاهرُ استمد الباطن، وبالعكس، وأن لم يكن عقد الصحبة موجودًا كان ميراث البشرية من الحس أقوى كميراث الأم مع فقد الولد، أو تقول: الإنسان مركب من حس ومعنى، فالحس كالأم، والمعنى كالأب، لأن المعاني قائمة بالحس، والروح تستمد منها معًا، فهي كالولد بينهما، فإن كانت الروح حية بوجود المعرفة، استمدت منهما معًا، وإن كانت ميتة، كان استمدادها من الحس أكثر، كموت الولد في ميراث الأم. أو تقول: الإنسان بين قدرة وحكمة، القدرة كالأب، والحكمة كالأم، والقلب بينهما كالولد، فإِنْ وُجد القلب استمدت الروح من القدرة والحكمة، واستوى نظرها فيهما. وإن فقد القلب غلب على الروح ميراث الحكمة، كفَقْدِ الولد في ميراث الأم، وإن كان للقلب أخوة من الأنوار والأسرار بهما فللروح من ميراث الحكمة السدس، والباقي كله للقدرة، ولا يعرف هذا إلا من حقق معرفة القدرة والحكمة، ذوقًا وكشفًا، وإلاَّ.. فليسلُم لأهل المعرفة. والله تعالى أعلم. ثم ذكر الحق تعالى حكمة تقسيم تركة الأب والابن على ما فرض، وأن ذلك لا يعلمه إلا هو: فقال: {...آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} يقول الحقّ جلّ جلاله: قد بينت لكم ما يرثُ الأبُ من ابنه، وما يرث الولدُ من أبيه، ولو وكلت ذلك إليكم لأفسدتم القسمة؛ لأنكم {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا} للأخر، هل الأب أقرب نفعًا لابنه، فتعطوه الميراث كله دون ولد الميت، أو الولد أقرب نفعًا لأبيه، من الأب لابنه، فتخصونه بالإرث، ففرضتُ ميران الأب وميراث الولد، ولم نكل ذلك إليكم. {فريضة} حاصلة {من الله}، {إن الله كان عليمًا} بمصالح العباد {حكيمًا} بما فرض وقدَّر. وقال ابن عباس: لا تدرون أيهم أطوع لله عز وجل من الآباء والأبناء، وأرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله تعالى يشفع المؤمنين في بعضهم بعضًا، فيشفع الولد في والديه، إن كان أرفع درجة منهما، فيرفعهما الله إليه، ويشفع الوالدين في ولدهما، إن كانا أرفع درجة منه، فيرتفع إليهما لتقر بذلك أعينهما، هـ. بالمعنى. الإشارة: الإنسان لا تقوم روحانيته إلا ببشريته، إلا بروحانيته، فلا يدري أيهما أقرب له نفعًا، لأن البشرية محل للعبودية، والروحانية محل لشهود عظمة الربوبية، ولا بد للجمع بينهما، وكذلك الحس، لا يقوم إلا بالمعنى، والمعنى لا يقوم إلا بالحس، فلا تدري أيهما أقرب نفعًا لك أيها المريد، فتؤثره، وإن كانت المعاني هي المقصودة بالسير، لكن لا تقوم إلا بوجود الحس، فلا بد من ملاحظته. وقال الورتجبي هنا ما نصه: أشكل الأمر من تلك الطائفتين، أيهم يبلغ درجة الولاية والمعرفة الموجبة مشاهدة الله وقربته، التي لو وقعت ذرة منها لأحد من هذه الأمة لينجو بشفاعته سبعون الفًا بغير حساب، أي: اخدموا آباءكم وارحموا أولادكم، فربما يخرج منهم صاحب الولاية، ليشفع لكم عند الله تعالى، وحكمة الإبهام ههنا؛ ليشمل الرحمة والشفقة على الجمهور، لتوقع ذلك الولي الصادق. هـ. قلت: فسر الآباء والأبناء بالحسيين، وتشمل الآية أيضًا الآباء والأبناء المعنويين والروحانيين. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : القراءة والحجة: قرأ ابن عامر، وابن كثير، وأبو بكر، عن عاصم: يوصى - بفتح الصاد - الباقون بكسرها، وهو الاقوى، لقوله: {مما ترك إن كان له ولد} فتقدم ذكر الميت، وذكر المفروض مما ترك، ومن فتحها فلأنه ليس لميت معين، وإنما هو شائع في الجميع. سبب النزول والقصة: وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - قال السدي، وابن عباس: إن سبب نزولها، أن القوم لم يكونوا يورثون النساء والبنات والبنين الصغار، ولم يورثوا إلا من قاتل وطاعن، فأنزل الله الآية، وأعلمهم كيفية الميراث. وقال عطاء، عن ابن عباس، وابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس، إنهم كانوا يورثون الولد، وللوالدين الوصية، فنسخ الله ذلك. وقال محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: كنت عليلا مدنفا، فعاده النبي (صلى الله عليه وسلم)، ونضح الماء على وجهه فأفاق، وقال: يا رسول الله، كيف أعمل في مالي: فأنزل الله الآية. وروي عن ابن عباس قال: كان المال للولد، والوصية للوالدين والأقربين، فنسخ ذلك بهذه الآية. المعنى: وهذه الآية عامة في كل ولد يتركه الميت، وان المال بينهم للذكر مثل حظ الانثيين، وكذلك حكم البنت والبنتين. والبنت لها النصف، ولهما الثلثان على كل حال، إلا من خصه الدليل من الرق، والكفر، والقتل، فانه لا خلاف أن الكافر، والمملوك، والقاتل عمداً، لا يرثون، وإن كان القائل خطأ، ففيه الخلاف وعندنا يرث من المال دون الدية. فأما المسلم فانه عندنا يرث الكافر، وفيه خلاف، ذكرناه في مسائل الخلاف، والعبد لا يورث لأنه لا يملك شيئاً، والمرتد لا يرث وميراثه لورثته المسلمين، وهذا قول علي (ع). وقال سعيد بن المسيب: نرثهم ولا يرثونا وبه قال معاوية، والحسن، وعبد الله بن معقل، ومسروق وقوله (صلى الله عليه وسلم)"حديث : لا يتوارث أهل ملتين " تفسير : معناه: لا يرث كل واحد منهما صاحبه، فانا نقول: المسلم يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم، فلم تثبت حقيقة التوارث بينهما. ومعنى: {يوصيكم الله} فرض عليكم، لأن الوصية من الله فرض، كما قال: {أية : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به } تفسير : يعني فرض، عليكم، ذكره الزجاج، وإنما لم يعدّ قوله: {يوصيكم} إلى (مثل) فينصبه، لأنه كالقول في حكاية الجملة بعده، والتقدير: قال الله: {في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} ولأن الغرض بالآية الفرق بين الموصى به والموصى له، في نحو أوصيت زيداً بعمرو. وقوله: {فإن كن نساء فوق اثنتين} فالظاهر يقتضي أن الثنتين لا يستحقان الثلثين، وإنما يستحق الثلثان إذا كن فوق اثنتين، لكن أجمعت الأمة أن حكم البنتين حكم من زاد عليهما من البنات، فتركنا له الظاهر. وقال أبو العباس المبرد، واختاره إسماعيل بن اسحاق القاضي: إن في الآية دليلا على أن للبنتين الثلثين، لأنه إذا قال: {للذكر مثل حظ الأنثيين} وكان أول العدد ذكراً وأنثى، للذكر الثلثان وللأنثى الثلث علم من ذلك أن للبنتين الثلثين، وأعلم الله أن ما فوق البنتين لهن الثلثان. وحكى الزجاج عمن قال: ذلك معلوم، بقوله تعالى: {أية : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} تفسير : فجعل للأخت النصف، كما جعل للبنت النصف، ثم قال: {أية : فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان} تفسير : فأعطيت البنتان الثلثين، كما أعطيت الاختان الثلثين وأعطي جملة الأخوات الثلثين، فكذلك جملة البنات. وذكر عن ابن عباس: أن البنتين بمنزلة البنت، وإنما استحق الثلثين الثلاث بنات فصاعداً. وحكى النظام، في كتاب النكت، عن ابن عباس: أن للبنتين نصفاً وقيراطاً، قال: لأن للبنت الواحدة النصف، وللثلاث بنات الثلثين، فينبغي أن يكون للبنتين ما بينهما، ثم يشتركان في النصف وقيراط بالسوية. وقوله: {وإن كانت واحدة فلها النصف} يدل على أن فاطمة (ع) كانت مستحقة للميراث، لأنه عام في كل بنت، والخبر المدعي في أن الأنبياء لا يورثون خبر واحد، لا يترك له عموم الآية لأنه معلوم لا يترك بمظنون. وقوله: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد} ليس في ذلك خلاف، وكذلك إن كان واحد من الابوين مع الولد، كان له السدس بالتسمية، بلا خلاف، ثم ينظر، فان كان الولد ذكراً، كان الباقي للولد واحداً كان أو أكثر، بلا خلاف، وكذلك إن كانوا ذكوراً واناثاً فالمال بينهم، {للذكر مثل حظ الأنثيين} وإن كانت بنتاً كان لها النصف، ولأحد الأبوين السدس، والباقي عندنا يرد على البنت وأحد الأبوين على قدر سهامهما، أيهما كان، لأن قرابتهما سواء، ومن خالفنا يقول: إن كان أحد الأبوين اباً كان الباقي له، لأنه عصبة وإن كانت أماً ففيهم من يقول بالرد على البنت وعلى الأم ومنهم من يقول: الباقي لبيت المال، وإنما رددنا عليهما لقوله: {أية : وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} تفسير : وها هنا هما متساويان، لأن البنت تتقرب بنفسها إلى الميت، فكذلك أحد الأبوين، والخبر المدعى في أن ما أبقت الفرائض فلأولي عصبة ذكر، خبر ضعيف، بينا وجهه في تهذيب الاحكام، لا يخص به عموم القرآن. وقوله {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} فمفهومه أن الباقي للأب وليس فيه خلاف، فان كان في الفريضة زوج كان له النصف، وللأم الثلث بالظاهر، وما بقى فللأب. ومن قال: للأم ثلث ما يبقي، فقد ترك الظاهر، وبمثل ما قلناه قال ابن عباس، فان كان بدل الزوج زوجة، كان الأمر مثل ذلك، للزوجة الربع، وللأم الثلث، والباقي للأب، وبه قال ابن عباس، وابن سيرين. قوله: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} ففي أصحابنا من يقول: إنما يكون لها السدس إذا كان هناك أب لأن التقدير: فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث، فان كان له إخوة وورثه أبواه فلأمه السدس، ومنهم من قال: إن لها السدس مع وجود الاخوة، سواء كان هناك أب أو لم يكن، وبه قال جميع الفقهاء، غير أنا نقول: إن كان هناك أب، كان الباقي للأب، وإن لم يكن أب كان الباقي رداًّ على الأم، ولا يرث - أحد من الاخوة والأخوات مع الأم شيئاً، سواء كانوا من قبل أب وأم أو من قبل أب، أو من قبل أم - على حال، لأن الأم أقرب منهم بدرجة، ولا يحجب عندنا من الاخوة إلا من كان من قبل الأب والأم، أو من قبل الأب، فأما من كان من قبل الأم فحسب، فانه لا يحجب على حال، ولا يحجب أقل من أخوين، أو أخ وأختين، أو أربع أخوات، فأما الأختان فلا يحجبان على حال، وخالفنا جميع الفقهاء في ذلك فأما الأخوان فلا خلاف أنه تحجب بهما الأم عن الثلث إلى السدس، إلا ما قال إبن عباس: أنه لا يحجب بأقل من ثلثة، لقوله: {إخوة} والثلاثة أقل الجمع، وحكي عن ابن عباس أيضاً: أن ما يحجبه الاخوة من سهم الأم من الثلث إلى السدس، يأخذه الاخوة دون الأب، وذلك خلاف ما أجمعت الأمة عليه، لأنه لا خلاف أن أحداً من الاخوة لا يستحق مع الابوين شيئاً، وإنما قلنا إن اخوة بمعنى أخوين للأجماع من أهل العصر على ذلك، وأيضاً فانه يجوز وضع لفظ الجمع في موضع التثنية إذا اقترنت به دلالة، كما قال: {أية : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} تفسير : ويقول القائل: ضربت الرجلين أرؤسهما، ومن أخويك ظهورهما. فان قيل: لم حجب الاخوة الأم من غير أن يرثوا مع الأب؟ قلنا: قال قتادة: معونة للأب، لأنه يقوم بنفقتهم، ونكاحهم، دون الأم، وهذا بعينه رواه أصحابنا، وهو دال على أن الاخوة من الأم لا يحجبون، لأن الأب لا يلزمه نفقتهم على حال، وقوله: {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً} معناه: لا تعلمون أيهم أقرب لكم نفعاً في الدين والدنيا، والله يعلمه، فاقسموه على ما بيّنه من يعلم المصلحة فيه. وقال بعضهم: الأب يجب عليه نفقة الابن إذا احتاج إليها، وكذلك الابن يجب عليه نفقة الأب مع الحاجة، فهما في النفع في هذا الباب سواء، لا تدرون أيهم أقرب نفعاً. وقيل: لا تدرون أيكم يموت قبل صاحبه، فينتفع الآخر بماله. فان قيل: كيف قدم الوصية على الدين في هذه الآية وفي التي بعدها، مع أن الدين يتقدم عليها بلا خلاف؟ قلنا: لأن (أو) لا توجب الترتيب، وإنما هي لأحد الشيئين، فكأنه قال: من بعد أحد هذين، مفرداً أو مضموماً إلى الآخر كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، أي جالس أحدهما مفرداً أو مضموماً إلى الآخر ويجب البدأة بالدين، لأنه مثل رد الوديعة التي يجب ردها على صاحبها، فكذلك حال الدين، وجب ره أولاً، ثم يكون بعده الوصية، ثم الميراث. وما قلنا اختاره الجبائي، والطبري، وهو المعتمد عليه في تأويل الآية. وقوله: {فريضة من الله} نصب على الحال من قوله: {لأبويه} وتقديره: فلهؤلاء الورثة ما ذكرناه مفروضاً، ف {فريضة} مؤكدة لقوله: {يوصيكم الله} هذا قول الزجاج، وقال غيره: هو نصب على المصدر من قوله: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} فرضاً مفروضاً. وقال غيره: يجوز أن يكون نصباً على التمييز من قوله: {فلأمه السدس} فريضة، كما تقول: هو لك صدقة، أوهبة. والثلث، والربع، والسدس، يجوز فيه التخفيف والتثقيل، فالتخفيف لثقل الضمة، وقال قوم: الأصل فيها التخفيف، وإنما ثقل للاتباع، قال الزجاج: هذا خطأ لأن الكلام وضع على الايجاز بالتخفيف عن التثقيل. وقوله: {إن الله كان عليماً حكيماً} قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال سيبويه: كان القوم شاهدوا علماً: وحكمة، ومغفرة، وتفضلا، فقيل لهم: {إن الله كان عليماً حكيماً} لم يزل على ما شاهدتم عليه. والثاني - قال الحسن: كان الله عليما بالأشياء قبل حدوثها، حكيما فيما يقدره ويدبره منها. الثالث - قال بعضهم: الخبر عن هذه الأشياء بالمضي، كالخبر بالاستقبال والحال، لأن الأشياء عند الله على كل حال فيما مضى وما يستقبل. وإنما قال في تثنية الأب والأم: أبوان تغليباً للفظ الأب، ويقال أيضاً للأم أبة، ولا يلزم على ذلك أن يقال: في إبن وإبنة: إبنان، لأنه يوهم، فان لم يوهم جاز ذلك ذكره الزجاج.

الجنابذي

تفسير : {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ} ميراث {أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} لوجوه كثيرة ذكرت فى الاخبار وغيرها {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ممّا ترك فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ} هذا احد مواضع الحجب ولا يحجب الامّ عن نصيبها الا على الا متعدّد اقله اثنان ولفظ الاخوة ايضاً يدلّ عليه فانّه لا يطلق على الواحد والاختان بمنزلة اخٍ واحدٍ {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} فتتصرّفون فى اموالكم بأهويتكم وتعطون البعض وتحرمون البعض بل النّافع لكم ان تنقادوا لقسمة الله وتكلوا الى حكم الله فانّه انفع لكم ولابائكم واولادكم اعتراض مؤكّد لتسليم القسمة الى حكم الله تعالى، يوصيكم بهذه القسمة وصيّةً {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} او فرض هذه القسمة فريضة من الله فلا تجاوزوا وصيّته وحكمه {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} فلا ينبغى للجاهل العاجز ان يخالفه ويغيّر ما امره.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} عن عطاء حديث : نزلت في سعد بن الربيع وذلك أنه استشهد يوم أحد وترك ابنين وامرأة وأخاً فأخذ الأخ المال فأتت المرأة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: إن هاتين ابنتا سعد وأن سعداً قتل وأن عمهما أخذ مالهما، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "إرجعي فلعل الله أن يقضي في ذلك" فأقامت حيناً ثم عادت وبكت فنزلت الآية فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عمهما وقال: "اعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فلك" تفسير : فهذا أول ميراث قسم في الاسلام، وعن ابن عباس (رضي الله عنه): كانت المواريث للأولاد وكانت الوصيَّة للوالدين والأقربين فنسخ ذلك وأنزل الله آية المواريث فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إن الله لم يرضَ لِملكٍ مقرب ولا لنبي مرسل حتى تولى قسمة التركات ويعطي كل ذي حق حقه ألا لا وصيَّة لوارث" تفسير : قوله تعالى: {فإن كنَّ نساء فوق اثنتين} ذهب بعضهم إلى أن فوق زائدة وفيه ضعف لقوله تعالى: {فلهنَّ} والمعنى فإن كنَّ جماعات بالغات ما بلغن من العدد فلهن ما للابنتين وهو الثلثان وميراث الابنتين مقيس على الاختين بطريق الأولى قوله: {ولأبويه} الضمير للميت ولكل واحد منهما بدل من لأبويه بتكرير العامل والسدس مبتدأ ولأبويه خبره، قوله تعالى: {إن كان له ولد} والولد يقع على الذكر والأنثى {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} لأن الأخوة يحجبُون الأمّ من الثلث إلى السدس وإن كانوا لا يرثون مع الأب فيكون لها السدس، قوله تعالى: {آباؤكم وأبناؤكم} الذين يموتون أمَّن أوصي منهم أمَّن لم يوصي يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيَّته فهو أقرب نفعاً ممن ترك الوصيَّة ووفَّر عليكم عرض الدنيا، وقيل: نفعاً في الآخرة بالشفاعة وقيل: في الدنيا، وقيل: بالموت فينتفعون بالتركة، وقيل: فرض الله الفرائض على ما هو عنده حكمة ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة، وقيل: الأب يجب عليه النفقة للابن إذا احتاج وكذلك الابن، قال جار الله: وليس شيء من هذه الأقاويل موافق للمعنى والقول ما تقدم {فريضة من الله} يعني ما قسم لكل واحد شيئاً معلوماً واجباً لهم والمراد الميراث، وقيل: الميراث والنفقة {إن الله كان عليماً} بمصالح خلقه {حكيماً} فيما قدّر لهم، قوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع} خطاب للأزواج، قوله تعالى: {وإن كان رجل يورث كلالةً} قيل: الكلالة القرابة إذا لم يكونوا الوالدين ولا الأولاد، وقيل: كلالة الميت إذا لم يكن له والدان ولا ولد، وعن عطاء والضحاك أن الكلالة هو الموروث، وعن أبي بكر أنه سُئِل عن الكلالة، فقال: أقول فيه برأيي فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمني والله منه بريءٌ، الكلالة ما خلا الوالد والولد، قوله تعالى: {وله أخ أو أخت} يعني لأم وهكذا وفيه إجماع، قوله تعالى: {غير مضار} لورثته أن يوصي بما ليس عليه أو بزيادة على الثلث {وصيَّة من الله} أي: يوصيكم الله بجميع ذلك وصيةً {والله عليم} بمن يعمل بحدوده وفرائضه حليم عمن يتجاوز حده فإنه يمهله، وقيل: عليم بمصالح خلقه حليم يمهل العصاة {تلك حدود الله} إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث وسماها حدوداً لأن الشرائع كالحدود {ومن يطع الله} فيما أمر به من الأحكام، وقيل: فيما فرض من المواريث {يدخله جنَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} دائمين فيها {ذلك الفوز العظيم} الظفر باليغيه، قوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله} فيما أمر ونهى {ويتعد حدوده} يتجاوز ما حدَّ له {يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين} يعني يهان في ذلك العذاب، واختلفوا في قوله تعالى: {يدخله ناراً} قيل: من تعدى جميع الحدود، وقيل: من عصى الله وتعدى ما حدَّ له، والآية تدل على تخليد الفساق في النار لأن الوعد متوجه إليهم كذلك الوعيد والحدود وهم فساق أهل الصلاة وإن كان عموماً ويدل عليه ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : لو أن رجلاً عبد الله سبعين سنة ثم ختم وصيَّته بضرار لأحبط الضرار عمله ثم أدخله النار" تفسير : وهو ما تقدم في آية المواريث.

الهواري

تفسير : قوله: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} وإن ترك اثنتين فأكثر من ذلك فلهن ثلثاِ المال. {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} وإن ترك ابنته وابن ابن فللبنت النصف، وما بقي فلابن الابن؛ وإن كان مع ابن الابن أخت، فما بقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. وإن ترك ابنتين أو أكثر وابن ابن فللبنات الثلثان، ولابن الابن ما بقي. وإن كانت معه أخت فما بقي بينهما، للذكر مثل حظ الأنثيين. وإن ترك ابنته وابنة ابنه فلابنته النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وإن كن بنات ابن مع ابنته، فلهن السدس بينهن تكملة الثلثين. وليس لبني البنات من الميراث شيء. ذكوراً كانوا أو أناثاً. وإن ترك ابنته وبنات ابن، وابن ابن أسفل من ذلك، فلابنته النصف، ولبنات الابن السدس تكملة الثلثين، ولابن الابن الأسفل ما بقي. وإن كانت معه أخت فما بقي بينهما، للذكر مثل حظ الأنثيين. وإن لم يكن لها أخ فليس لها شيء. وإن ترك ابنته وبنات ابنه، وبنات ابن أسفل من ذلك، وابن ابن أسفل من ذلك، فلابنته النصف، ولبنات الابن السدس تكملة الثلثين، ويقاسم الابن الأسفل بنات ابن الابن اللاتي فوقه، للذكر مثل حظ الأنثيين. قوله: {وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} ذكر، أو ولد ابن ذكر، فلكل واحد من الأبوين السدس. ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال: مرضت فجاءني النبي عليه السلام وأبو بكر وعمر، وقد أغمي علي، فلم أفق حتى توضأ النبي عليه السلام، فصب علي من وَضوئه فأفقت، فقلت: يا رسول الله، كيف أقسم مالي؛ فلم يدر ما يقول، فأنزل الله: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين}.... إلى آخر الآية. وإن ترك ابنتين أو أكثر وأبويه فكذلك أيضاً. وإن ترك ابنته وأبويه فلابنته النصف، وللأم ثلث ما بقي وما بقي فللأب، وليس للأم مع الولد، واحداً كان أو أكثر، ذكراً كان أو أنثى إلا السدس. قوله: {فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ} هذا إذا لم يكن وارث غيرهما، في قول زيد والعامة. وإن ترك رجل امرأته وأبويه فهي من اثني عشر سهماً؛ فلامرأته الربع: ثلاثة أسهم، وللأم ثلث ما بقي: ثلاثة أسهم، وللأب ما بقي: ستة أسهم. وإن كانت امرأة تركت زوجها وأبويها فهي من ستة أسهم؛ فللزوج النصف: ثلاثة أسهم، وللأم ثلث ما بقي: سهم، وللأب ما بقي: سهمان. ذكر الحسن أن أبا بكر الصديق كان يجعل الجد أبا. والجد: أب الأم لا يرث، والجدات لا يرثن مع الأم شيئاً. والجدة لها السدس إذا لم تكن أم. والجدتان: أم الأم وأم الأب بينهما السدس. ويرث من الجدات ثلاث ولا ترث الرابعة: أم أب الأم إذا كانت الجدة قبل الأم أقرب فهو لها دون الأخرى، وإذا كانت الأخرى أقرب، وإذا كانتا سواء، فهو بينهما. ولا ترث الجدة وابنها حي. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعم ثلاث جدات السدس؛ قال العلماء: اثنتين من قبل أبيه، وواحدة من قبل أمه. ذكروا أن زيد بن ثابت كان يورث ثلاث جدات، اثنتين من قبل أبيه وواحدة من قبل أمه. قوله: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِّهِ السُّدُسُ}. إذا كان له أخوان فأكثر حجبوا الأم عن الثلث، وكان لها السدس. ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث إلى السدس. والاخوة إذا كانوا إخوة من أبيه وأمه، أو إخوته لأبيه، أو إخوته لأمه، أو بعضهم من الأم، فهو واحد، ذكوراً كانوا أو إناثاً، أو بعضهم ذكور وبعضهم إناث، يحجبون الأم عن الثلث ولا تأخذ إلا السدس. ذكر بعضهم فقال: كان بعض أهل العلم يقول: إنما حجب الاخوة الأم عن الثلث ولا يرثون، لأن أباهم يلي إنكاحهم والنفقة عليهم دون أمّهم. قوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}. فيها تقديم. ذكروا عن علي بن أبي طالب قال: أنتم تقرأون من بعد وصية يوصي بها أو دين، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدين قبل الوصية. يقول: من بعد دين يكون عليه أو وصية يوصى بها. ذكروا عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الدين قبل الوصية، ثم الوصية، ثم الميراث . تفسير : قوله: {ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} قال الكلبي: لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً في الآخرة؛ إذا كان هو أفضلَ من ولده سأل الله أن يجمع بينه وبينه في الجنة، ولا ينقصه من رزقه شيئاً. وإن كان الولد هو خيرٌ عملاً من الوالد سأل الله أن يجمع بينه وبين والده، ولا ينقصه من رزقه شيئاً. قال: وهي مثل قوله: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم}، أي: وما أنقصناهم، (أية : مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) تفسير : [الطور:21]. ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن الله يرفع ذرية المؤمن معه في الجنة في الدرجة إن كانوا دونه في العمل ليُقِرَّ به عينَه، ثم قرأ: {والذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ}... الآية. وقال مجاهد: {لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} أي: في الدنيا.

اطفيش

تفسير : {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}: أى يأمركم بما فيه صلاحكم فى شأن ميراث أولادكم، وهذا إجمال فصله بقوله {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن} أى للذكر الواحد منهم مثل نصيب الأنثيين بدأ بخط الذكر ولو كان سبب النزول الرد على الجاهلية فى حرمان النساء من الإرث، لأنه أفضل كما قدمه لفضله أيضاً فى قوله {أية : للرجال نصيب مما ترك}تفسير : إلخ الآية. ولأن خبر حرمانهن قد كفى فيه قوله {أية : وللنساء نصيب} تفسير : فكما ضوعف حظه لفضله، قدم لفضله وليكون ذلك بمنزلة قولك: يكفى الذكور مضاعفة حظهم على الإناث، فكيف يجاوز ذلك إلى منعهن البتة، مع أنهن أدلين بما يدلون به ولا يفيد شيئاً من ذلك قولك للأنثيين مثل حظ الذكر، أو قولك للأنثى نصف حظ الذكر، بتقديم الأنثى، ولأنه لو قدم الأنثى كما فى قولك الأول، والثانى لم يكن الكلام مسبوقاً سوق تفضيل الذكر، بل سوق تنقيص الأنثى، والمراد أن المذكر مثل حظ الأنثيين إذا اجتمع الذكور والأناث، وليس المراد أن له إذا انفرد مثل حظ الأنثيين إذا انفردتا عنه، لأنهما لهما حين الانفراد الثلثين، وله عند انفراده عنهما المال كله أو الباقى عن الفرض، إن كانت. وبدل على إرادة الاجتماع، قوله تعالى: {فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتيْنِ فَلَهُنَ ثُلَثُا مَا تَرَكَ}، وسبب نزول الآية قصة أم كحة وبناتها، كما مر عند مقاتل، والكلبى، وقال السدى: كان أهل الجاهلية لا يورثون الجوارى، ولا الضعفاء من الغلمان، ولا يورثون من الغلمان إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان المادح، وترك امرأة وخمس بنات فجاءت الورثة، وأخذوا ماله، فشكت امرأته إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية. وقال جابر بن عبد الله: حديث : جاءت امرأة سعد بن الربيع النقيب بابنتيها من سعد، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا وإن عمهما أخذ مالهما ولم يدع لهما ما تنكحان به. فقال: "يقضى الله فى ذلك" فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال: "إعط ابنتى سعد ثلثين، واعط أمهما الثمن وما بقى فهو لك"تفسير : . وروى أيضاً عن جابر بن عبد الله أنه قال: مرضت فأتانى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودنى وأبو بكر يمشيان، فوجدانى أغمى على. وفى رواية وأبو بكر وعمر فوجدونى قد أغمى على فتوضأ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم صب وضوءه على فأفقت، فإذا النبى صلى الله عليه وسلم جالس، فقلت: يا رسول الله كيف اصنع فى مالى؟ كيف أقضى فى مالى؟ فلم يجبنى بشىء حتى نزلت آية الميراث، ويجمع بأنه اجتمع ذلك كله فنزلت الآية لذلك كله وفى رواية فى الحديث الأخير فقلت: لا يرثنى إلا كلالة فكيف الميراث؟ فنزلت الآية - آية الفرائض - وهو المراد فى رواية هكذا فنزلت: {يوصيكم الله فى أولادكم}، وروى: فلم يرد على شيئاً حتى نزلت آية الميراث، {يستفتونك قُلُ اللهُ يُفْتِيكُمْ}:. {فَإِنْ كُنَّ نِسَآءً}: الضمير فى {كن} وهو النون الأخيرة للأولاد وهو نون جماعة الإناث، والأصل كانت أو كانوا، ولكن أتى بضمير جماعة الإناث مراعاة للخير، وهو جماعة إناث. وإما يقال: أنث وجمع لتأويل المولودات أو البنات، فلا يفيد لأنه بمنزلة: فإن كانت النساء نساء لا بتأويل الخلوص أى نساء فقط، أو خوالص أو مجردات عن الذكور، نعم هذا التأويل غير مستغنى عنه، لأن الأولاد ذكرت أولا على طريق شمولها الذكر والأنثى معاً. {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ}: متعلق بمحذوف نعت نساء، أو خبر ثان للكون، أى: فإن كانت الأولاد نساء فقط، لا ذكر فيهن، زائدات على اثنتين. {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ}: الأب الوالد لهن، يدل عله قوله {أولادكم} والترك إنما هو بالموت. {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً}: أى حصلت واحدة أخرى معها وهى مجردة عن الذكر، لأن الكلام مبنى على التجريد، ولا خبر لهذا الكون، وقرأ غير نافع: بنصب واحدة على أن له خبر وهو واحدة، واسمه مستتر عائد إلى الأنثى، أى: وإنما صح ذلك لأن ماهية الأنثى صالح لما فوق الواحدة، كما يصلح للواحدة. {فَلَهَا النِّصْفُ}: نصف ما ترك أبوها الوالد لما المتوفى. وقرأ زيد بن ثابت النصف، بضم النون، وإن كانت اثنتان فلهما الثلثان كالثلاث، لأن الله تعالى لما بين أن حظ الذكر مثل حظ الأنثيين إذا كان معه أنثى اقتضى ذلك إن فرضهما إذا تجردتا عنه الثلثان، وربما توهم السامع من ذلك أن لثلاث بنات ثلثين، ولأربع ثلثين وربعاً، وما أشبه من الزيادة بزيادة عددهن، فأزال التوهم بقوله: {فَوقَ اثنَتَين} ويدل لذلك أن للأختين الثلثين بنص القرآن، فكيف لا يكونان للبنتين وهما مقدمتات بالجهة، إذ هما أقرب رحماً، وأن البنت الواحدة استحقت الثلث مع أخيها، فكيف لا تستحقه مع أختها المماثلة لها، وأنه، صلى الله عليه وسلم، قضى لابنتى سعد بالثلثين - كما مر - كما فى البخارى ومسلم. وكذا ذكر الترمذى أنه صلى الله عليه وسلم قضى للابنتين بالثلثين، وأن ذكر النصف لواحدة، يتبادر منه أنه لا يكون للاثنتين، فما لهما إلا الثلثان، وقد قيل: إن فى الآية تقديماً وتأخيراً، أى فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما فلهن الثلثان، وهذا كالهذيان من قائله، إلا إن أراد أن المعنى المراد على هذا التقدير، وقيل: إن لفظ فوق زائد بناءً على زيادة الأسماء، كما قيل: فى {أية : فاضربوا فوق الأعناق} تفسير : أن المعنى فاضربوا الأعناق، وقيل: أعلى الأعناق، وقيل: الرءوس. والآية دلت أن الجمع يصلح للاثنين، وإلا لكفى لفظ نساء إذ هو اسم جمع عن قوله: فوق اثنتين. وقال ابن عباس رضى الله عنهما: فرض البنتين النصف، كفرض الواحدة، وفرض الثلاث فصاعداً الثلثان. {وَلأَبَوَيْهِ}: أى لأبوَىِ الميت المعلوم من المقام وهما أبوه وأمه. {لِكُلِّ وَاحِدٍ}: بدل مطابق، من قوله {لأبويه}، وفائدة هذا الإبدال النص أن لكل واحد منهما سدساً، إذ لو قيل لأبويه السدس، لكان ظاهره اشتراكهما فى السدس الواحد، ولو قيل لأبويه السدسان، لاحتمل قسمة السدسين عليهما سواء أو بتفضيل، ولو كان المتبادر التسوية، وفى ذلك البدل تفصيل بعد إجمال وهو أدخل فى النفس أوكد، ولذلك عدل إليه عن قولك إذ فيه ذكر الشيئين مرتين إجمالا وتفصيلا، ولكل من أبويه السدس. {مِّنْهُمَا}: نعت لواحد أو لكل. {السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ}: أى للميت. {وَلَدٌ}: ذكر أو أنثى سواء اجتمع الأب أو الأم أو مات عن أحدهما إلا أن للأب بعد سدسه ما بقى عن بنت أو بنتين فصاعداً، وعن سائر الفرضين بالعصوبة. وأما مع الذكر فما له إلا السدس والباقى عن الوارث بالفرض هو للابن. {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ}: أى للميت. {وَلَدٌ}: ذكر ولا أنثى. {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ}: أبوه وأمه، أى وحصل له أبوان وذكر لازم حصولهما وهو الإرث بدل ذكر حصولهما مع أنه لا يتصور إرثهما إياه إلا بحصولهما، ويجوز أن يكون ذلك احترازاً عن أبوين لا يرثان، كمشركين وقاتلين، وعبدين. {فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ}: ولأبيه الثلثان، وإن كان معه ذو فرض أخذ ذو الفرض فرضه والباقى للاب، وإن كان مع الأبوين أحد الزوجين ولا ولد فللأم ثلث ما يبقى بعد فرض الزوج أو الزوجة، لأن الزوجة أو الزوج إنما استحق ما يسهم له بحق العقد، لا بالقرابة، فأشبه الوصية فى قسمة ما ورثه، ولأن الأب أقوى فى الأرث من الأم بدليل أنهُ يضعف عليها إذا خلصا، أو يكون صاحب فرض وعصبة، وجامعاً بين الأمرين، فلو ضرب لها الثلث كملا لأدى إلى حط نصيبه عن نصيبها، ألا ترى أن امرأة لو تركت زوجاً وأبوين فكان للزوج النصف، وللأم الثلث، والباقى للأب، حازت الأمر سهمين والأب سهماً واحداً، فيقلب الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين. قاله فى الكشاف، وذلك قول الجمهور، وقال ابن عباس: يأخذ الزوج أو الزوجة فرضه، والأم ثلث الكل، والأب ما بقى، ووافق ابن سيرين ابن عباس فى الزوجة والأبوين، وخالفه فى الزوج والأبوين، لأنه يفضى الى أن يكون للأنثى أكثر من حظ الذكر، وأما فى الزوجة فلا يقضى إلى ذلك وبسطت ذلك فى شرح النيل، وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة: السدس والثلث والربع والثمن بإسكان أوساطهن تخفيفاً. {فَإِنْ كَانَ لَهُ}: للميت. {إِخْوَةٌ}: ذكور خلص، أو ذكور وإناث، أو ذكران وأنثى، أو أنثيان وذكر أو اثنان من أحدهما وجماعة من غيره، أو أخ وأخت وحملوا على ذلك الأخوات الخلص والأختان وإلا فاللفظ لا يشملهن، وسواء فى ذلك الشقائق، والأبويون والأميون، والمختلفون، أى اختلاف وسواء ورثوا أو حجبهم الأب أو روث بعض دون بعض، كشقيق وأبوين، ولفظ الأخوة جمع أريد به الاثنان فصاعداً مجازاً على الصحيح، وهو قول الجمهور، وقيل حقيقة ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وكنا لحكمهم شاهدين}تفسير : والمراد داود وسليمان، إلا إن رد الضمير لهما وللمحكوم لهم، وقوله تعالى: {أية : فقد صغت قلوبكما}تفسير : وذلك أن الجمع فى الأصل ضم شىء إلى شىء وأول الجمع التثنية لأنها ضم شىء إلى شىء. {فَلأُمِّهِ السُّدُسُ}: وإن كان أخوان أو أختان، فلهما الثلث، وقال ابن عباس: إن للأم الثلث، ولو كان أخوان أو أختان، وإن كان ثلاثة فلها السدس، روى ابن عباس رضى الله عنهما قال: لعثمان لم صار الأخوان يرادن الأم من الثلث إلى السدس، وإنا قال الله تعالى: {فَإنْ كَانَ لهُ إخوَةٌ} والأخوان فى لسان قومك ليسا بأخوة، فقال عثمان: يا بنى إن قومك حجبوها بأخوين ولا تستطيع نقض أمر كان قبلى، قال قتادة إنما حجب الإخوة الأم من غير أن يرثوا مع الأب شيئاً معونة للأب، لأنه يقوم بشأنهم وينفق عليهم دون الأم، وعند ابن عباس: إن الإخوة يأخذون السدس الذى حجبوا عنه الأم، ولو وجد الأب. وعن ابن عباس: إن الأختين أو الأخوات وحدهن لا يحجبنها إلى السدس، لأن الإخوة الذكور والجمهور قالوا: إنا وجدنا المرأتين فى الميراث حكمهما حكم الثلاث، فكذلك يحجبان الأم إلى السدس، كالإخوة والأخوات. وقرأ حمزة والكسائى {فلأمه} بكسر الهمزة تبعاً للام، ولذلك لم يكسرها فى قوله "ابن مريم وأمه". {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ}: متعلق بمحذوف وجوباً، خبر لمبتدأ محذوف جوازاً، أى: ذلك المذكور من الميراث كله، أو ذلك القسم ثابت من بعد وصيةٍ، أو هذه القسمة أو هذه الأنصباء ثابتة من بعد وصية، ويقدر مضاف، أى من بعد إنفاذ وصية، أو للإباحة، فلا يمتنع جمع، فكما أفادت الآية إباحة الوصية والدين، أفادت إباحة جمعهما والإباحة تشمل فى الاصطلاح واللغة الواجب من حيث إنه ليس محجورا عنه فلم يناف الإباحة وجوب الوصية للأقرب، وفى {أو} الإباحية إشعار باستواء انفاذ الوصية والدين فى الوجوب والإباحة، ولو اختصت بالطلب لكن الإخبار هنا بمعنى الأمر لأن معنى يوصيكم بأمركم، و معنى {مِن بَعدِ وَصِيَّةٍ} واعتبروا ذلك من بعد وصية، وقدم الوصية فى اللفظ وهى مؤخرة عن الدين فى الإنقاذ، لأنها شبيهة بالميراث، إذ كانت بلا عوض، ولأنها شاقة على الورثة مندوب إليها، فأكد على الورثة بتقديم ذكرها، ولأن وصية الأقرب واجبة، فالوصية على الإطلاق والدين على أخذه والتزامه، قال على قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدين قبل الوصية، وقال صلى الله عليه وسلم عليه وسلم "حديث : الدين قبل الوصية ثم الوصية ثم الإرث" تفسير : وضمير {يوصى} للميت وقرأ بان كثير وابن عامر وأبو بكر: بفتح الصاد على البناء للمفعول، و{بها} نائب الفاعل. {آبَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً}: {آباؤكم} مبتدأ، وجملة {لاَ تَدْرُون..} إلخ خبر، و{أيهم أقرب} مبتدأ وخبر، والجملة قامت مقام مفعولى تدرى إن علق بالاستفهام، والمعنى أتعلمون أيهم أنفع لكم فى الدين والدنيا؟ فقد تظنون أن الأب أنفع من الولد أو الولد أنفع منه، فتعطون من ليس أنفع وتمنعون من هو أنفع أو تنقصونه والأمر عند الله بالعكس، فهو مدبر المصلحة فى مقادير الإرث، ولو وكل إلى قسمتكم لم تقسموه بعد الموت على وفقها، ولا أوصى الميت على وفقها وغير الأب والابن مثلهما فهما تمثيل، ومن جملة نفع الابن: أنه يرفع إليه فى درجته أبوه، إن كان الابن أرفع درجة منه إكراماً له وبالعكس، يسأل الابن الله تعالى أن يرفع إليه أبوه وبالعكس، وقيل: إن الآية معترضة بين الميراث، وإنها فى رفع درجة أحدهما إلى الآخر، ونسب لابن عباس والأولى رده إلى ما فسرت الآية به، من أنه لمثل هذا النفع لم ينبغى لكم التقدم فى الإرث، وقيل: المعنى لا تدرون أى واحد من الأب أو الولد أنفع لكم وأهم؟ أمن أوصى للمساكين أو اليتامى أو القرابة أو وجه من وجوه الأجر؟ أو بالدين لو التباعة أو حق الله؟ أو من لم يوص فإنه من أوصى بذلك فهو أنفع لكم بإثابة الله إياكم على إنفاذ وصية، لأن ثواب الله أفضل من مال يؤخره الميت، ولا يعهد إليكم فيه بشىء تنفذونه، فهذا متصل بما قبله من الوصية، وهذا أنسب بتأكيد ما تصل به قبله من الوصية والدين، وقيل إن الكلام الابن والأب ينفق الآخر عند الاحتياج، فلا تدرون أيهم ينفق الآخر، ومعنى {أقرب} فى الآية: أعظم مجازاً وذلك أن الشىء الأعظم يقربه الإنسان إلى نفسه. أو المعنى: أثبت على أنه من القرب بمعنى الثبوت ضد البعد بمعنى الانتفاء، فإن مال الدنيا زائل، فإذا زال فهو البعيد، بمعنى مستحيل الرجوع، وثواب الآخرة إذا جاء لو يزل، وتفسيره برفع أحدهما إلى درجة الآخر مروى إلى الكلبى، وروى عن سعيد بن جبير يرفعه إلى ابن عباس وما فسرت به الآية أو لا يكون أيضاً ردا على الجاهلية فى توريثهم منعهم النساء والصغار. {فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ}: مصدر مؤكد لغيره وناصبه محذوف، أى فرض الله ذلك القسم فريضة منه، وغيره هو قوله {يوصيكم}، ويجوز أن يكون مصدراً معنوياً لـ {يوصيكم}، كقمت وقوفاً، فإن يوصيكم بمعنى يفرض عليكم، و{مِن اللهِ} نعت فريضة. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}: عالماً بمصالحكم ومراتبكم، وحكيماً فى قضائه وقدره، وقيل: عليما بالأشياء قبل خلقها، حكيما فى أحكامه وتوريثه. فمعنى {كان}: الكون فى الأزل الماضى بلا أول على العلم والحكمة، وقال سيبويه: لما شاهد الناس حكمته، وعلمه أخبرهم الله أنه كان كذلك ولم يزل قبل مشاهدتكم، وقال الخليل: إن الكون للاستمرار.

اطفيش

تفسير : {يُوصِيكُمُ اللهُ فِى أَوْلآدِكُمْ} يعهد إليكم فى شأن إرث أولادكم، أو يفرض عيكم، كقوله: {أية : ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق} تفسير : [الأنعام: 151، الإسراء: 33]، ذلكم وصاكم به أى فرض عليكم، أو لأولادكم، كحديث، دخلت امرأة النار فى هرة أى لهرة، والإيصاء لغة طلب الشىء من غيره ليفعله فى غيبته حال حياته أو بعد موته، أو الإيصاء أن يقدم إلى الغير ما يعمل فيه مقترنا بوعظ، والخطاب للمؤمنين أى يوصيكم الله فى أولاد موتاكم فإيصار الله تعالى أمر لعباده بإطلاق المقيد على المطلق، ثم على المقيد، فيكون مجازاً بمرتبتين، أو بإطلاق اسم الملزوم على الللازم فيكون مجازاً بمرتبة {لِلذْكَرِ} منهم {مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} حين اجتمع الصنفان، لم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر، أو للأنثى نصف الذكر مع أن الآية لبيان استحقاق الإناث الميراث، إذ حرموهن، تلويحاً بأنه يكفى فى الذكر تفضيلا أن يجعل ضعف أنثى لا أن تحرم ألبتة، لأنهما جزء من الميت ومن صلبه ومائه كما هو {فَإِن كُنَّ} ضمير الإناث للأولاد، هكذا بقطع النظر عن كونهم ذكوراً أو إناثا، وساغ لتأنيث الخبر، ومقتضى الظاهر فإن كانت أى الأنثى، والمراد الجنس، وجاء بضمير جماعة الإناث، لأن الخبر فى ذلك، واثنتان جمع، وأخبر عنه بمعنى الجمع لزيادة قيد الفوقية، ولا يصح ما قيل من أَن المراد، فإن كانت المولودات لأنهن نساء، أى إناث فلا يصح الشرط {نِسَآءً} إناثاً بلغا أو غير بلغ، ومما قيل ولا دليل له، أن حواء أكلت حفنة من حنطة وخبأت أخرى، وأعطت آدم حفنة فعكس الله أمرهما بأن للأنثى حصة والذكر حصتين، ولم ترث فاطمة رضى الله عنها من أبيها صلى الله عليه وسلم شيئاً لشهادة الإمام على وغيره من الصحابة بحديث: حديث : إنا معشر الأنبياء، لا نورث، ما تركناه صدقة تفسير : والقرآن يخصص بالمتواتر إجماعاً، وبالآحاد على الصحيح، وأما ورث سليمان داود ويرثنى ويرث من آل يعقوب فإرث علم وحكمة ونبوءة كما قال جعفر الصادق: العلماء ورثة الأنبياء {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} ثلاثا فصاعدا {قَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} وللواحدة والاثنتين النصف، وهو قول ابن عباس، وقل الجمهور للانثتين الثلثان أخذا من أن حظ الذكر حظ أنثيين إذا كان معه أنثى، وهو الثلثان فإنما ذكر الفوقية دفعاً لتوهم الزيادة على الثلثين بزيادة الإناث على الاثنتين، وأخذا من أن للأخت الثلث مع أخيها فأولى أن نستحقه مع أخت لها وأن البنتين أقرب من الأختين، وقد فرض لهما الثلثان فى قوله عز وجل: فلهما الثلثان، فأولى أن يفرضا للبنتين، مات سعد وأخذ أخوه ماله كله فشكت زوجه إليه صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعط ابنتيه الثلثين، وأمهما الثمن وما بقى فهو لك"تفسير : ، وروى أن ابن عباس رجع إلى قول الجمهور لهذا الحديث إذ بلغه {وَإن كَانَتْ وَاحِدَةً} بنت واحدة، إى حصلت {فَلَهَا النِّصْفُ} مما ترك كما ذكر، قبل، وبنت الابن بالبنت وبناته كبنات الصلب وإن سفل {وَلأَبَوَيْهِ} أبوى الميت {لِكُلَّ وَاحدٍ} بدل بعض من لأبويه، والبعضية باعتبار ما بعد اللام {مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ} لو قال لأبويه السدسان لكان ظاهراً فى اشتراكهما فى السدس، ولو قال لكل واحد من أبويه السدس فاتت نكتة الإجمال والتفصيل من بيان بعد إجمال، وهو أدخل فى النفس ومن الذكر مرتين {إن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} مفرد أو متعدد، ذكر نصف البنت أو ثلثى البنتين للأب بالعصبة مع سدسه وإن كان الولد ذكراً أو مع أنثى فما للأَب إلا سدس والباقى للأَولاد وكالأب والجد {فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ} ذكر ولا أنثى، ولا ولد ابن كذا ولو سفل {وَوَرِثَهُ أَبوَاهُ} فقط {فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ} والباقى للأَب بالعصبة، وهو الثلثان، فإن ورثة أحد الزوجين أوالأزواج معهما كان للأم ثلث مابقى عن فرض الزوج الذكر، أو عن فرض الزوج الأنثى أو لزوجين الأنثيين فصاعدا، حتى يكون ميراث الأب، والأم أثلاثاً بينهما كذلك، وقال ابن عباس لها ثلث كامل، ووافقه ابن سيرين فى الزوج الأنثى مع الأبوين، لأنه لا يفضى إلى أن يكون للأنثى أكثر من حظ الذكر، بخلاف الزوج الذكر فيقضى إلى أن يكون لها اكثر مما له مع تساويهما فى الأبوة والقرب وألفت رسالة فى تصحيح مذهب ابن عباس، ولو كان لا يفتى به، وإن أفتى به نقص عند بعض شراح الزقاق، والجمهور، ولا ينقضه أبو عبد الله الغرناطى، كيف ينقض مع أنه الحق، وليس زيد بن ثابت جبريل الفرائض ولا نحن حمر الفرائض: شعر : شَمِّرْ وَكُنْ فِى أُمُورِ الدِّينِ مُجْتَهِداً وَلاَ تَكُنْ مِثْلَ عَيْرٍ قِيدَ فانْقَادَا تفسير : وبسطت المسألة فى شرح النيل وشرح الدعائم، وإن ورثه الجد وأحد الزوجين فللأم ثلث المال {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} شقيقون أو أبويون أو اميون، ذكور أو ذكور وإناث، أو إناث وصح اللفظ لهن لأنه لم يقصد لهن على الاستقلال، وأما اثنان أو اثنتان أو أخ وأخت فللأم معهما الثلث لظاهر الجمع عند ابن عباس، وقال الجمهور: إن لها السدس، وأن المراد بالإخوة اثنان فصاعدا {فَلأُِمِّهِ السُّدُسُ} والباقى للأب أو الجد، وإن لم يكونا فللأشقاء، وإن لم يكونوا فللأبوين إلا الثلث فللأميين اثنين فصاعدا، وقال ابن عباس: ثلاثة مع الأشقاء أو الأبويين، وقال إن للأخوة السدس، الذى حجبوا عنه الأم، وأن الأخوات الإناث وحدهن لا يحجبنها إلى السدس وقال لعثمان: الإخوان فى لسان قومك غير الإخوة، وكذلك الإخوة غير الأخوات، فأجاب بأنى لا أستطيع رد قضاء قضى به الأمصار وقضى به قبلى {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ} أى ما ذكرت من قولى يوصيكم إلى قوله فلأمه السدس ثابت من بعد وصية أو يتعلق بيوصيكم {يُوصِى} أى الميت {بِهَآ} تخرج من الثلث، ولو وصية الأقرب أو حج أو زكاة {أَوْ دَيْنٍ} تباعة من معاملة أو تعدية أو غلط أر خطأ، وقدم الوصية مع أنها من الثلث ومؤخرة عن الدين تبطل باستغراقه المال لأنها مشبهة بالميراث، إذا كانت بلا عوض، والآية سيقت للميراث، ولأنها شاقة على الورثة ومندوب إليها الجميع، والدين إنما يكون على تكلف وأنه مكروه، وأن مالكه متعين غالباً يطالبه، وعطف بأو، لا بالواو، للتنويع، فيفيد، أن أيهما كان قدم على الإرث فيتحصل أن اجتماعهما كانفراد أحدهما فقدم، وكذا إن جعلناها للإباحة على جوازها فى الأخبار، أو لأن يوصيكم بمعنى الأمر {ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤَكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} دنيا وأخرى، أو إحداهما، أى أقرب من الأخرى، وكلاهما نافع، أو أيهم قريب نفعا، والآخر بعيد النفع، أى ممتنعه، فاللائق بكم أن تتبعوا ما أنزل عليكم من الميزات فى الأولاد والآباء والأمهات، ولا تخالفوه إلى ما تراه أهواؤكم من أخذ الأب وحده، ومنع الصبيان والمجانين، والضعفاء من الأولاد، ومنع النساء، أمهات أو أزواجا والآباء المجانين والضعفاء فأعطوا كلا حقه من الميت، ولعل الذى تحرمونه نافع لكم والذى تعطونه ضار، أو غير نافع، فقد يرفع الأب إلى درجة ابنه فى الآخرة مع أنه لم يعمل عمله، بشفاعته ويرفع الولد إلى درجة أبيه كذلك، كما رواه الطبرانى، وقد ينفع الطفل بعد بلوغه أو المرأة غيرهما بالإنفاق والذب عنه فدعوهما يأخذان ما فرض لهما فقد ينفعانكم فى الدنيا بذلك، وقد ينفعانكم بعد موتكم بالدعاء والذكر والصدقة، وقد ينفعان موروثكم بذلك، فأعطوهما من ماله ما فرض لهما وأيضاً لا تورثوا من شئتم وتتركوا من شئتم، مثل أن يعهد أن ما يتركه يرثه أبوه فقط أو ابنه فقط، فقد ينفعكم المتروك دون المعطى فى الآخرة أو فى الدنيا بالقيام بالعيال بعدكم، وللصدقة عليكم، وأنقذوا أيضاً وصايا الآباء والأبناء فإنهم ينتفعون فى الآخرة بوصاياهم، ولا تعطلوها مع أنه ربما نفعوكم فى الآخرة، ولكم الثواب بإنقاذها وقد لا يوصون فيوفرون لكم ما لهم {فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ} مفعول مطلق لمحذوف، أى فرض الله منه ذلك فريضة، فحذف وأخر من الله أو ليوصيكم لانه معناه فرض عليكم {إنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً} بالمصالح فى الميراث والوصايا ومراقب ذلك وكل شىء {حَكِيماً} فيما قضى، وقدر فى ذلك وغيره.

الالوسي

تفسير : {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ} شروع في بيان ما أجمل في قوله عز وجل {أية : لّلرّجَالِ نَصِيبٌ}تفسير : [النساء: 7] الخ، ((والوصية كما قال الراغب: التقدم إلى الغير ما يعمل فيه مقترناً بوعظ من قولهم: أرض واصية متصلة النبات)) وهي في الحقيقة أمر له بعمل ما عهد إليه، فالمراد يأمركم الله ويفرض عليكم، وبالثاني: فسره في «القاموس» وعدل عن الأمر إلى الإيصاء لأنه أبلغ وأدل على الاهتمام وطلب الحصول بسرعة. {فِى أَوْلَـٰدِكُمْ} أي في توريث أولادكم، أو في شأنهم وقدر ذلك ليصح معنى الظرفية، وقيل: في بمعنى اللام كما في خبر: «حديث : إن امرأة دخلت النار في هرة» تفسير : أي لها كما صرح به النحاة، والخطاب قيل: للمؤمنين وبين المتضايفين مضاف محذوف أي يوصيكم في أولاد موتاكم لأنه لا يجوز أن يخاطب الحي بقسمة الميراث في أولاده، وقيل: الخطاب لذوي الأولاد على معنى يوصيكم في توريثهم إذا متم وحينئذ لا حاجة إلى تقدير المضاف كما لو فسر يوصيكم بيبين لكم، وبدأ سبحانه بالأولاد لأنهم أقرب الورثة إلى الميت وأكثرهم بقاءاً بعد المورث، وسبب نزول الآية ما أشرنا إليه فيما مر. وأخرج عبد بن حميد عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض فقلت كيف أقسم مالي بين ولدي؟ فلم يرد عليّ شيئاً فنزلت: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ} في موضع التفصيل والبيان للوصية فلا محل للجملة من الإعراب؛ وجعلها أبو البقاء في موضع نصب على المفعولية ليوصي باعتبار كونه في معنى القول أو الفرض أو الشرع وفيه تكلف، والمراد أنه يعدّ كل ذكر بأنثيين حيث اجتمع الصنفان من الذكور / والإناث واتحدت جهة إرثهما فيضعف للذكر نصيبه كذا قيل، والظاهر أن المراد بيان حكم اجتماع الابن والبنت على الإطلاق. ولا بد في الجملة من ضمير عائد إلى الأولاد محذوف ثقة بظهوره كما في قولهم: السمن منوان بدرهم، والتقدير هنا للذكر منهم فتدبر، وتخصيص الذكر بالتنصيص على حظه ـ مع أن مقتضى كون الآية نزلت في المشهور لبيان المواريث ـ رداً لما كانوا عليه من توريث الذكور دون الإناث الاهتمام بالإناث، وأن يقال: للأنثيين مثل حظ الذكر لأن الذكر أفضل، ولأن ذكر المحاسن أليق بالحكيم من غيره، ولذا قال سبحانه: {أية : إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} تفسير : [الإسراء: 7] فقدم ذكر الإحسان وكرره دون الإساءة، ولأن في ذلك تنبيهاً على أن التضعيف كاف في التفضيل فكأنه حيث كانوا يورثون الذكور دون الإناث قيل لهم: كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث فلا يحرمن عن الميراث بالكلية مع تساويهما في جهة الإرث. وإيثار اسمي الذكر والأنثى على ما ذكر أولاً من الرجال والنساء للتنصيص على استواء الكبار والصغار من الفريقين في الاستحقاق من غير دخل للبلوغ والكبر في ذلك أصلاً ـ كما هو زعم أهل الجاهلية ـ حيث كانوا لا يورثون الأطفال كالنساء، والحكمة في أنه تعالى جعل نصيب الإناث من المال أقل من نصيب الذكور نقصان عقلهن ودينهن كما جاء في الخبر مع أن احتياجهن إلى المال أقل لأن أزواجهن ينفقون عليهن وشهوتهنّ أكثر فقد يصير المال سبباً لكثرة فجورهنّ، ومما اشتهر:شعر : إن الشباب والفراغ والجده مفسدة للمرء أي مفسده تفسير : وروي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه ـ أن حواء عليها السلام أخذت حفنة من الحنطة وأكلت وأخذت أخرى وخبأتها ثم أخرى ودفعتها إلى آدم عليه السلام فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل ـ ذكره بعضهم ولم أقف على صحته. ثم محل الإرث إن لم يقم مانع كالرق والقتل واختلاف الدين كما لا يخفى، واستثنى من العموم الميراث من النبـي صلى الله عليه وسلم بناءاً على القول بدخوله صلى الله عليه وسلم في العمومات الواردة على لسانه عليه الصلاة والسلام المتناولة له لغة، والدليل على الاستثناء قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث» تفسير : وأخذ الشيعة بالعموم وعدم الاستثناء وطعنوا بذلك على أبـي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حيث لم يورث الزهراء رضي الله تعالى عنها من تركة أبيها صلى الله عليه وسلم حتى قالت له بزعمهم: يا ابن أبـي قحافة أنت ترث أباك وأنا لا أرث أبـي أي إنصاف هذا، وقالوا: إن الخبر لم يروه غيره وبتسليم أنه رواه غيره أيضاً فهو غير متواتر بل آحاد، ولا يجوز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد بدليل أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رد خبر فاطمة بنت قيس أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة لما كان مخصصاً لقوله تعالى: {أية : أَسْكِنُوهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 6] فقال: كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم بقول امرأة. فلو جاز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد لخصص به ولم يرده ولم يجعل كونه خبر امرأة مع مخالفته للكتاب مانعاً من قبوله، وأيضاً العام ـ وهو الكتاب ـ قطعي، والخاص ـ وهو خبر الآحاد ـ ظني فيلزم ترك القطعي بالظني. وقالوا أيضاً: إن مما يدل على كذب الخبر قوله تعالى: {أية : وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُودَ}تفسير : [النمل: 16] وقوله سبحانه حكاية عن زكريا عليه السلام: {أية : فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ} تفسير : [مريم: 5ـ6] فإن ذلك صريح في أن الأنبياء يرثون ويورثون. والجواب أن هذا الخبر قد رواه أيضاً حذيفة بن اليمان والزبير بن العوام وأبو الدرداء وأبو هريرة والعباس وعلي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبـي وقاص، وقد أخرج البخاري عن مالك بن أوس بن الحدثان أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال بمحضر من الصحابة فيهم علي والعباس وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبـي وقاص: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركناه صدقة؟ قالوا: اللهم نعم، ثم أقبل على عليّ والعباس فقال: أنشدكما بالله تعالى هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك؟ قالا: اللهم نعم، فالقول بأن الخبر لم يروه إلا أبو بكر رضي الله تعالى عنه لا يلتفت إليه، وفي كتب الشيعة ما يؤيده، فقد روى الكليني في «الكافي» عن أبـي البختري في «الكافي» عن أبـي عبد الله جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما ورثوا أحاديث فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظ وافر» وكلمة إنما مفيدة للحصر قطعاً باعتراف الشيعة فيعلم أن الأنبياء لا يورثون غير العلم والأحاديث. وقد ثبت أيضاً بإجماع أهل السير والتواريخ وعلماء الحديث أن جماعة من المعصومين عند الشيعة والمحفوظين عند أهل السنة عملوا بموجبه فإن تركة النبـي صلى الله عليه وسلم لما وقعت في أيديهم لم يعطوا منها العباس ولا بنيه ولا الأزواج المطهرات شيئاً ولو كان الميراث جارياً في تلك التركة لشاركوهم فيها قطعاً، فإذا ثبت من مجموع ما ذكرنا التواتر فحبذا ذلك لأن تخصيص القرآن بالخبر المتواتر جائز اتفاقاً وإن لم يثبت وبقي الخبر من الآحاد فنقول: إن تخصيص القرآن بخبر الآحاد جائز على الصحيح وبجوازه قال الأئمة الأربعة، ويدل على جوازه أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خصصوا به من غير نكير فكان إجماعاً، ومنه قوله تعالى: {أية : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ}تفسير : [النساء: 24] ويدخل فيه نكاح المرأة على عمتها وخالتها فخص بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تنكحوا المرأة على عمتها ولا على خالتها»تفسير : والشيعة أيضاً قد خصصوا عمومات كثيرة من القرآن بخبر الآحاد فإنهم لا يورثون الزوجة من العقار ويخصون أكبر أبناء الميت من تركته بالسيف والمصحف والخاتم واللباس بدون بدل كما أشرنا إليه فيما مر، ويستندون في ذلك إلى آحاد تفردوا بروايتها مع أن عموم الآيات على خلاف ذلك، والاحتجاج على عدم جواز التخصيص بخبر عمر رضي الله تعالى عنه مجاب عنه بأن عمر إنما رد خبر ابنة قيس لتردده في صدقها وكذبها، ولذلك قال بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، فعلل الرد بالتردد في صدقها وكذبها لا بكونه خبر واحد وكون التخصيص يلزم منه ترك القطعي بالظني مردود بأن التخصيص وقع في الدلالة لأنه دفع للدلالة في بعض الموارد فلم يلزم ترك القطعي بالظني بل هو ترك للظني بالظني وما زعموه من دلالة الآيتين اللتين ذكروهما على كذب الخبر في غاية الوهن لأن الوراثة فيهما وراثة العلم والنبوة والكمالات النفسانية لا وراثة العروض والأموال، ومما يدل على أن الوراثة في الآية الأولى منهما كذلك ما رواه الكليني عن أبـي عبد الله أن سليمان ورث داود وأن محمداً ورث سليمان فإن وراثة المال بين نبينا صلى الله عليه وسلم وسليمان عليه السلام غير متصورة بوجه، وأيضاً إن داود عليه السلام ـ على ما ذكره أهل التاريخ ـ كان له تسعة عشر ابناً وكلهم كانوا ورثة بالمعنى الذي يزعمه الخصم فلا معنى لتخصيص بعضهم بالذكر دون بعض في وراثة المال لاشتراكهم فيها من غير خصوصية لسليمان عليه السلام بها بخلاف وراثة العلم والنبوة. وأيضاً توصيف سليمان عليه السلام بتلك الوراثة مما لا يوجب كمالاً ولا يستدعي امتيازاً لأن البر والفاجر / يرث أباه فأي داع لذكر هذه الوراثة العامة في بيان فضائل هذا النبـي ومناقبه عليه السلام، ومما يدل على أن الوراثة في الآية الثانية كذلك أيضاً أنه لو كان المراد بالوراثة فيها وراثة المال كان الكلام أشبه شيء بالسفسطة لأن المراد بآل يعقوب حينئذٍ إن كان نفسه الشريفة يلزم أن مال يعقوب عليه السلام كان باقياً غير مقسوم إلى عهد زكريا وبينهما نحو من ألفي سنة وهو كما ترى، وإن كان المراد جميع أولاده يلزم أن يكون يحيـى وارثاً جميع بني إسرائيل أحياءً وأمواتاً، وهذا أفحش من الأول، وإن كان المراد بعض الأولاد، أو أريد من يعقوب غير المتبادر وهو ابن إسحاق عليهما السلام يقال: أي فائدة في وصف هذا الولي عند طلبه من الله تعالى بأنه يرث أباه ويرث بعض ذوي قرابته، والابن وارث الأب ومن يقرب منه في جميع الشرائع مع أن هذه الوراثة تفهم من لفظ الولي بلا تكلف وليس المقام مقام تأكيد، وأيضاً ليس في الأنظار العالية وهمم النفوس القدسية التي انقطعت من تعلقات هذا العالم الفاني واتصلت بحضائر القدس الحقاني ميل للمتاع الدنيوي قدر جناح بعوضة حتى يسأل حضرة زكريا عليه السلام ولداً ينتهي إليه ماله ويصل إلى يده متاعه، ويظهر لفوات ذلك الحزن والخوف، فإن ذلك يقتضي صريحاً كمال المحبة وتعلق القلب بالدنيا وما فيها، وذلك بعيد عن ساحته العلية وهمته القدسية، وأيضاً لا معنى لخوف زكريا عليه السلام من صرف بني أعمامه ماله بعد موته أما إن كان الصرف في طاعة فظاهر، وأما إن كان في معصية فلأن الرجل إذا مات وانتقل المال إلى الوارث وصرفه في المعاصي لا مؤاخذة على الميت ولا عتاب على أن دفع هذا الخوف كان متيسراً له بأن يصرفه ويتصدق به في سبيل الله تعالى قبل وفاته ويترك ورثته على أنقى من الراحة واحتمال موت الفجأة. وعدم التمكن من ذلك لا ينتهض عند الشيعة لأن الأنبياء عندهم يعلمون وقت موتهم فما مراد ذلك النبـي عليه السلام بالوراثة إلا وراثة الكمالات النفسانية والعلم والنبوة المرشحة لمنصب الحبورة فإنه عليه السلام خشي من أشرار بني إسرائيل أن يحرفوا الأحكام الإلۤهية والشرائع الربانية ولا يحفظوا علمه ولا يعملوا به ويكون ذلك سبباً للفساد العظيم، فطلب الولد ليجري أحكام الله تعالى بعده ويروج الشريعة ويكون محط رحال النبوة وذلك موجب لتضاعيف الأجر واتصال الثواب، والرغبة في مثله من شأن ذوي النفوس القدسية والقلوب الطاهرة الزكية، فإن قيل: الوراثة في وراثة العلم مجاز وفي وراثة المال حقيقة، وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز بلا ضرورة، فما الضرورة هنا؟ أجيب بأن الضرورة هنا حفظ كلام المعصوم من التكذيب، وأيضاً لا نسلم كون الوراثة حقيقة في المال فقط بل صار لغلبة الاستعمال في العرف مختصاً بالمال، وفي أصل الوضع إطلاقه على وراثة العلم والمال والمنصب صحيح، وهذا الإطلاق هو حقيقته اللغوية سلمنا أنه مجاز ولكن هذا المجاز متعارف ومشهور بحيث يساوي الحقيقة خصوصاً في استعمال القرآن المجيد، ومن ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ} و {أية : أُورِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} تفسير : [الشورى: 14] إلى غير ما آية. ومن الشيعة من أورد هنا بحثاً وهو أن النبـي صلى الله عليه وسلم إذا لم يورث أحداً فلم أعطيت أزواجه الطاهرات حجراتهن؟ والجواب أن ذلك مغلطة لأن إفراز الحجرات للأزواج إنما كان لأجل كونها مملوكة لهن لا من جهة الميراث بل لأن النبـي صلى الله عليه وسلم بنى كل حجرة لواحدة منهنّ فصارت الهبة مع القبض متحققة وهي موجبة للملك وقد بنى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مثل ذلك لفاطمة رضي الله تعالى عنها وأسامة وسلمه إليهما؛ وكان كل من بيده شيء مما بناه له رسول الله صلى الله عليه وسلم يتصرف فيه / تصرف المالك على عهده عليه الصلاة والسلام، ويدل على ما ذكر ما ثبت بإجماع أهل السنة والشيعة أن الإمام الحسن رضي الله تعالى عنه لما حضرته الوفاة استأذن من عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها وسألها أن تعطيه موضعاً للدفن جوار جده المصطفى صلى الله عليه وسلم فإنه إن لم تكن الحجرة ملك أم المؤمنين لم يكن للاستئذان والسؤال معنى وفي القرآن نوع إشارة إلى كون الأزواج المطهرات مالكات لتلك الحجر حيث قال سبحانه: {أية : وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ} تفسير : [الأحزاب: 33] فأضاف البيوت إليهنّ ولم يقل في بيوت الرسول. ومن أهل السنة من أجاب عن أصل البحث بأن المال بعد وفاة النبـي صلى الله عليه وسلم صار في حكم الوقف على جميع المسلمين فيجوز لخليفة الوقت أن يخص من شاء بما شاء كما خص الصديق جناب الأمير رضي الله تعالى عنهما بسيف ودرع وبغلة شهباء تسمى الدلدل مع أن الأمير كرم الله تعالى وجهه لم يرث النبـي صلى الله عليه وسلم بوجه، وقد صح أيضاً أن الصديق أعطى الزبير بن العوام ومحمد بن مسلمة بعضاً من متروكاته صلى الله عليه وسلم وإنما لم يعط رضي الله تعالى عنه فاطمة صلى الله تعالى على أبيها وعليها وسلم فدكاً مع أنها طلبتها إرثاً وانحرف مزاج رضاها رضي الله تعالى عنها بالمنع إجماعاً وعدلت عن ذلك إلى دعوى الهبة، وأتت بعلي والحسنين وأم أيمن للشهادة فلم تقم على ساق بزعم الشيعة، ولم تمكن لمصلحة دينية ودنيوية رآهما الخليفة إذ ذاك كما ذكره الأسلمي في «الترجمة العبقرية والصولة الحيدرية» وأطال فيه. وتحقيق الكلام في هذا المقام أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه خص آية المواريث بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وخبره عليه الصلاة والسلام في حق من سمعه منه بلا واسطة مفيد للعلم اليقيني بلا شبهة والعمل بسماعه واجب عليه سواء سمعه غيره أو لم يسمع، وقد أجمع أهل الأصول من أهل السنة والشيعة على أن تقسيم الخبر إلى المتواتر وغيره بالنسبة إلى من لم يشاهدوا النبـي صلى الله عليه وسلم وسمعوا خبره بواسطة الرواة لا في حق من شاهد النبـي صلى الله عليه وسلم وسمع منه بلا واسطة، فخبر «حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث» تفسير : عند أبـي بكر قطعي لأنه في حقه كالمتواتر بل أعلى كعباً منه، والقطعي يخصص القطعي اتفاقاً، ولا تعارض بين هذا الخبر والآيات التي فيها نسبة الوراثة إلى الأنبياء عليهم السلام لما علمت، ودعوى الزهراء رضي الله تعالى عنها فدكاً بحسب الوراثة لا تدل على كذب الخبر بل على عدم سماعه وهو غير مخل بقدرها ورفعة شأنها ومزيد علمها، وكذا أخذ الأزواج المطهرات حجراتهنّ لا يدل على ذلك لما مر وحلا، وعدولها إلى دعوى الهبة غير متحقق عندنا بل المتحقق دعوى الإرث، ولئن سلمنا أنه وقع منها دعوى الهبة فلا نسلم أنها أتت بأولئك الأطهار شهوداً، وذلك لأن المجمع عليه أن الهبة لا تتم إلا بالقبض ولم تكن فدك في قبضة الزهراء رضي الله تعالى عنها في وقت فلم تكن الحاجة ماسة لطلب الشهود، ولئن سلمنا أن أولئك الأطهار شهدوا فلا نسلم أن الصديق ردّ شهادتهم بل لم يقض بها، وفرق بين عدم القضاء هنا والرد، فإن الثاني عبارة عن عدم القبول لتهمة كذب مثلاً، والأول عبارة عن عدم الإمضاء لفقد بعض الشروط المعتبر بعد العدالة، وانحراف مزاج رضا الزهراء كان من مقتضيات البشرية، وقد غضب موسى عليه السلام على أخيه الأكبر هارون حتى أخذ بلحيته ورأسه ولم ينقص ذلك من قدريهما شيئاً على أن أبا بكر استرضاها رضي الله تعالى عنها مستشفعاً إليها بعلي كرم الله تعالى وجهه فرضيت عنه ـ كما في «مدارج النبوة» و «كتاب الوفاء» و «شرح المشكاة» للدهلوي ـ وغيرها، وفي «محاج السالكين». وغيره من كتب الإمامية المعتبرة ما يؤيد هذا الفصل حيث رووا أن أبا بكر لما رأى فاطمة رضي الله تعالى عنها انقبضت عنه وهجرته ولم تتكلم بعد ذلك في أمر فدك كبر ذلك عنده فأراد استرضاءها فأتاها فقال: صدقت يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما / ادعيت ولكن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسمها فيعطي الفقراء والمساكين وابن السبيل بعد أن يؤتي منها قوتكم فما أنتم صانعون بها؟ فقالت: أفعل فيها كما كان أبـي صلى الله عليه وسلم يفعل فيها فقال لك الله تعالى أن أفعل فيها ما كان يفعل أبوك، فقالت: والله لتفعلن؟ فقال: والله لأفعلن ذلك فقالت: اللهم اشهد ورضيت بذلك، وأخذت العهد عليه فكان أبو بكر يعطيهم منها قوتهم ويقسم الباقي بين الفقراء والمساكين وابن السبيل، وبقي الكلام في سبب عدم تمكينها رضي الله تعالى عنها من التصرف فيها، وقد كان دفع الالتباس وسد باب الطلب المنجر إلى كسر كثير من القلوب، أو تضييق الأمر على المسلمين. وقد ورد «المؤمن إذا ابتلي ببليتين اختار أهونهما» على أن رضا الزهراء رضي الله تعالى عنها بعْدُ على الصديق سد باب الطعن عليه أصاب في المنع أم لم يصب، وسبحان الموفق للصواب والعاصم أنبياءه عن الخطأ في فصل الخطاب. {فَإِن كُنَّ نِسَاءً} الضمير للأولاد مطلقاً والخبر مفيد بلا تأويل، ولزوم تغليب الإناث على الذكور لا يضر لأن ذلك مما صرحوا بجوازه مراعاة للخبر ومشاكلة له، ويجوز أن يعود إلى المولودات أو البنات التي في ضمن مطلق الأولاد، والمعنى فإن كانت المولودات أو البنات نساءاً خلصاً ليس معهن ذكر، وبهذا يفيد الحمل وإلا لاتحد الاسم والخبر فلا يفيد على أن قوله تعالى: {فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ} إذا جعل صفة ـ لنساء ـ فهو محل الفائدة، وأوجب ذلك أبو حيان فلم يجز ما أجازه غير واحد من كونه خبراً ثانياً ظناً منه عدم إفادة الحمل حينئذٍ وهو من بعض الظن كما علمت، وجوز الزمخشري أن تكون كان تامة، والضمير مبهم مفسر بالمنصوب على أنه تمييز ولم يرتضه النحاة لأن ـ كان ـ ليست من الأفعال التي يكون فاعلها مضمراً يفسره ما بعده لاختصاصه بباب نعم، والتنازع ـ كما قاله الشهاب ـ والمراد من الفوقية زيادة العدد لا الفوقية الحقيقية، وفائدة ذكر ذلك التصريح بعدم اختصاص المراد بعدد دون عدد أي فإن كن نساء زائدات على اثنتين بالغات ما بلغن. {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} أي المتوفى منكم وأضمر لدلالة الكلام عليه، ومثله شائع سائغ {وَإِن كَانَتْ} أي المولودة المفهومة من الكلام {وٰحِدَةً} أي امرأة واحدة ليس معها أخ ولا أخت. وقرأ نافع وأهل المدينة {وٰحِدَةٌ } بالرفع على أن كان تامة والمرفوع فاعل لها، ورجحت قراءة النصب بأنها أوفق بما قبل، وقال ابن تمجيد: القراءة بالرفع أولى وأنسب للنظم لتفكك النظم في قراءة النصب بحسب الظاهر، فإنه إن كان ضمير كان راجعاً إلى الأولاد فسد المعنى كما هو ظاهر، وإن كان راجعاً إلى المولودة كما قالوه يلزم الإضمار قبل الذكر، وكلا الأمرين مرتفع على قراءة الرفع إذ المعنى وإن وجدت بنت واحدة من تلك الأولاد، والمحققون لا ينكرون مثل هذا الإضمار كما علمت آنفاً {فَلَهَا ٱلنّصْفُ} أي مما ترك وترك اكتفاءاً بالأول و النصف مثلث كما في «القاموس» أحد شقي الشيء، وقرأ زيد بن ثابت {ٱلنّصْفُ} بضم النون وهي لغة أهل الحجاز، وذكر أنها أقيس لأنك تقول: الثلث والربع والخمس وهكذا وكلها مضمومة الأوائل. وأخذ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بظاهر الآية فجعل الثلثين لما زاد على البنتين كالثلاث فأكثر، وجعل نصيب الاثنتين النصف كنصيب الواحدة، وجمهور الصحابة والأئمة والإمامية على خلافه حيث حكموا بأن للاثنتين وما فوقهما الثلثين، وأن النصف إنما هو للواحدة فقط، ووجه ذلك ـ على ما قاله القطب ـ أنه لما تبين أن للذكر مع الأنثى ثلثين إذ للذكر مثل حظ الأنثيين فلا بد أن يكون للبنتين الثلثان في صورة وإلا لم يكن / للذكر مثل حظ الأنثيين لأن الثلثين ليس بحظ لهما أصلاً لكن تلك الصورة ليست صورة الاجتماع إذ ما من صورة يجتمع فيها الإثنتان مع الذكر ويكون لهما الثلثان فتعين أن تكون صورة الانفراد، وإلى هذا أشار السيد السند في «شرح السراجية»، وأورد أن الاستدلال دوري لأن معرفة أن للذكر الثلثين في الصورة المذكورة موقوفة على معرفة حظ الأنثيين لأنه ما علم من الآية إلا أن للذكر مثل حظ الأنثيين، فلو كانت معرفة حظ الأنثيين مستخرجة من حظ الذكر لزم الدور، وأجيب بأن المستخرج هو الحظ المعين للأنثيين وهو الثلثان، والذي يتوقف عليه معرفة حظ الذكر هو معرفة حظ الأنثيين مطلقاً فلا دور، ولما في هذا الوجه من التكلف عدل عنه بعض المحققين، وذكر أن حكم البنتين مفهوم من النص بطريق الدلالة أو الإشارة، وذلك لما رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: حديث : جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما يوم أحد وأن عمهما أخذ مالهما ولم يدع لهما مالاً ولا ينكحان إلا ولهما مال، فقال صلى الله عليه وسلم: «يقضي الله تعالى في ذلك فنزلت آية الميراث فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال: أعط لابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن وما بقي فهو لك»تفسير : . فدل ذلك على أن انفهام الحكم من النص بأحد الطريقين لأنه حكم به بعد نزول الآية، ووجهه أن البنتين لما استحقتا مع الذكر النصف علم أنهما إذا انفردا عنه استحقتا أكثر من ذلك لأن الواحدة إذا انفردت أخذت النصف بعد ما كانت معه تأخذ الثلث ولا بد أن يكون نصيبهما كما يأخذه الذكر في الجملة وهو الثلثان لأنه يأخذه مع البنت فيكون قوله سبحانه: {فَإِن كُنَّ نِسَاء} الخ بياناً لحظ الواحدة، وما فوق الثنتين بعد ما بين حظهما ولذا فرعه عليه إذ لو لم يكن فيما قبله ما يدل على سهم الإناث لم تقع الفاء موقعها، وهذا مما لا غبار عليه، وقيل: إن حكم البنتين ثبت بالقياس على البنت مع أخيها أو على الأختين. أما الأول: فلأنها لما استحقت البنت الثلث مع الأخ فمع البنت بالطريق الأولى، وأما الثاني: فلأنه ذكر حكم الواحدة والثلاث فما فوقها من البنات ولم يذكر حكم البنتين، وذكر في ميراث الأخوات حكم الأخت الواحدة والأختين ولم يذكر حكم الأخوات الكثيرة فيعلم حكم البنتين من ميراث الأخوات وحكم الأخوات من ميراث البنات لأنه لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بهما، ولما كان نصيب البنات الكثيرة لا يزيد على الثلثين فبالأولى أن لا يزداد نصيب الأخوات على ذلك، وقد ذهب إلى هذا غير واحد من المتأخرين، وجعله العلامة ناصر الدين مؤيداً ولم يجعله دليلاً للاستغناء عنه بما تقدم، ولأنه قيل: إن القياس لا يجري في الفرائض والمقادير، ونظر بعضهم في الأول بأن البنت الواحدة لم تستحق الثلث مع الأخ بل تستحق نصف حظه وكونه ثلثاً على سبيل الاتفاق ولا يخفى ضعفه، وقيل: يمكن أن يقال: ألحق البنتان بالجماعة لأن وصف النساء يفوق اثنتين للتنبيه على عدم التفاوت بين عدد وعدد، والبنتان تشارك الجماعة في التعدد، وقد علم عدم تأثير القلة والكثرة، فالظاهر إلحاقهما بالجماعة بجامع التعدد، وعدم اعتبار القلة والكثرة دون الواحدة لعدم الجامع بينهما. وقيل: إن معنى الآية فإن كنّ نساء اثنتين فما فوقهما إلا أنه قدم ذكر الفوق على الاثنتين كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا تسافر المرأة سفراً فوق ثلاثة أيام إلا ومعها زوجها أو ذو محرم لها»تفسير : فإن معناه لا تسافر سفراً ثلاثة أيام فما فوقها، وإلى ذلك ذهب من قال: إن أقل الجمع اثنان، واعترض على ابن عباس / رضي الله تعالى عنه بأنه لو استفيد من قوله سبحانه {فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ} أن حال الإثنتين ليس حال الجماعة بناءاً على مفهوم الصفة فهو معارض بأنه يستفاد من واحدة أن حالهما ليس حال الواحدة لمفهوم العدد وقد قيل به، وأجيب بالفرق بينهما فإن النساء ظاهر فيما فوقهما فلما أكد به صار محكماً في التخصيص بخلاف {وَإِن كَانَتْ وٰحِدَةً} وأورد عليه بأن هذا إنما يتم على تقدير كون الظرف صفة مؤكدة لا خبراً بعد خبر، وأجيب بأن قوله سبحانه: {نِسَاء} ظاهر في كونها فوق اثنتين فعدم الاكتفاء به والإتيان بخبر بعده يدل دلالة صريحة على أن الحكم مقيد به لا يتجاوزه، وأيضاً مما ينصر الحبر أن الدليلين لما تعارضا دار أمر البنتين بين الثلثين والنصف، والمتيقن هو النصف، والزائد مشكوك غير ثابت، فتعين المصير إليه، ولا يخفى أن الحديث الصحيح الذي سلف يهدم أمر التمسك بمثل هذه العرى، ولعله لم يبلغه رضي الله تعالى عنه ذلك ـ كما قيل ـ فقال ما قال، وفي «شرح الينبوع» نقلاً عن الشريف شمس الدين الأرموني أنه قال في «شرح فرائض الوسيط»: صح رجوع ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن ذلك فصار إجماعاً؛ وعليه فيحتمل أنه بلغه الحديث، أو أنه أمعن النظر في الآية ففهم منها ما عليه الجمهور فرجع إلى وفاقهم. وحكاية النظام عنه رضي الله تعالى عنه في كتاب «النكت» أنه قال: للبنتين نصف وقيراط لأن للواحدة النصف ولما فوق الاثنتين الثلثين فينبغي أن يكون للبنتين ما بينهما مما لا تكاد تصح فافهم. {وَلأَبَوَيْهِ} أي الميت ذكراً كان أو أنثى غير النظم الكريم لعدم اختصاص حكمه بما قبله من الصور بل هو في الحقيقة شروع في إرث الأصول بعد ذكر إرث الفروع، والمراد من الأبوين الأب والأم تغليباً للفظ الأب، ولا يجوز أن يقال في ابن وبنت ابنان للإيهام فإن لم يوهم جاز ذلك كما قاله الزجاج {لِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا} بدل من {لأبويه} بتكرير العامل، وسط بين المبتدأ وهو قوله تعالى: {ٱلسُّدُسُ} والخبر، وهو لأبويه ـ وزعم ابن المنير ((أن في إعرابه بدلاً نظراً، وذلك أنه يكون على هذا التقدير من بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، ويكون أصل الكلام ـ والسدس ـ لأبويه لكل واحد منهما ومقتضى الاقتصار على المبدل منه التشريك بينهما في السدس كما قال سبحانه: {فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} فاقتضى اشتراكهن فيه، ومقتضى البدل لو قدر إهدار الأول إفراد كل واحد منهما بالسدس وعدم التشريك، وهذا يناقض حقيقة هذا النوع من البدل إذ يلزم فيه أن يكون مؤدى المبدل منه والبدل واحداً، وإنما فائدته التأكيد بمجموع الاسمين لا غير بلا زيادة معنى فإذا تحقق ما بينهما من التباين تعذرت البدلية المذكورة وليس من بدل التقسيم أيضاً على هذا الإعراب، وإلا لزم زيادة معنى في البدل، فالوجه [والله أعلم] أن يقدر مبتدأ (محذوف كأنه قيل): ولأبويه الثلث ثم لما ذكر نصيبهما مجملاً فصله بقوله: {لِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ} وساغ حذف المبتدأ لدلالة التفصيل عليه ضرورة إذ يلزم من استحقاق كل واحد منهما السدس استحقاقهما معاً للثلث))، ورده أبو حيان ((بأن هذا بدل بعض من كل ولذلك أتى بالضمير، ولا يتوهم أنه بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة لجواز أبواك يصنعان كذا، وامتناع أبواك كل واحد منهما يصنعان كذا، بل تقول: يصنع كذا)) إلا أنه اعترض على جعل لأبويه خبر المبتدأ بأن البدل هو الذي يكون خبر المبتدأ في أمثال ذلك دون المبدل منه كما في المثال، وتعقبه الحلبـي بأن في هذه المناقشة نظراً لأنه إذا قيل لك: ما محل لأبويه من الإعراب؟ تضطر إلى أن تقول: إنه في محل رفع على أنه خبر مقدم، / ولكنه نقل نسبة الخبرية إلى كل واحد منهما دون لأبويه واختير هذا التركيب دون أن يقال: ولكل واحد من أبويه السدس لما في الأول من الإجمال، والتفصيل الذي هو أوقع في الذهن دون الثاني، ودون أن يقال: لأبويه السدسان للتنصيص على تساوي الأبوين في الأول وعدم التنصيص على ذلك في الثاني لاحتماله التفاضل، وكونه خلاف الظاهر لا يضر لأنه يكفي نكتة للعدول. وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة {ٱلسُّدُسُ} بالتخفيف وكذلك الثلث والربع والثمن. {مّمَّا تَرَكَ} متعلق بمحذوف وقع حالاً من الضمير المستكن في الظرف الراجع إلى المبتدأ، والعامل الاستقرار أي كائناً مما ترك المتوفى {إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} ذكراً كان أو أنثى واحداً كان أو أكثر، وولد الابن كذلك، ثم إن كان الولد ذكراً كان الباقي له وإن كانوا ذكوراً فالباقي لهم بالسوية، وإن كانوا ذكوراً وإناثاً فللذكر مثل حظ الأنثيين وإن كانت بنتاً فلها النصف ولأحد الأبوين السدس، أو لهما السدسان والباقي يعود للأب إن كان لكن بطريق العصوبة وتعدد الجهات منزل منزلة تعدد الذوات، وإن كان هناك أم وبنت فقط فالباقي بعد فرض الأم والبنت يرد عليهما، وزعمت الإمامية في صورة أبوين أو أب أو أم وبنت أن الباقي بعد أخذ كل فرضه يرد على البنت، وعلى أحد الأبوين أو عليهما بقدر سهامهم. {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ} ولا ولد ابن {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} فقط وهو مأخوذ من التخصيص الذكري كما تدل عليه الفحوى {فَلأُمّهِ ٱلثُّلُثُ} مما ترك والباقي للأب وإنما لم يذكر لعدم الحاجة إليه لأنه لما فرض انحصار الوارث في أبويه، وعين نصيب الأم علم أن الباقي للأب وهو مما أجمع عليه المسلمون، وقيل: إنما لم يذكر لأن المقصود تغيير السهم، وفي هذه الصورة لم يتغير إلا سهم الأم وسهم الأب بحاله، وإنما يأخذ الباقي بعد سهمه وسهم الأم بالعصوبة فليس المقام مقام حصة الأب ـ وفيه تأمل ـ لأن الظاهر أن أخذ الأب الباقي بعد فرض الأم بطريق العصوبة وبه صرح الفرضيون، وتخصيص جانب الأم بالذكر وإحالة جانب الأب على دلالة الحال مع حصول البيان بالعكس أيضاً لذلك، ولما أن حظها أخصر واستحقاقه أتم وأوفر هذا إذا لم يكن معهما أحد الزوجين أما إذا كان معهما ذلك وتسمى المسألتان بالغراوين وبالغريبتين وبالعمريتين، فللأم ثلث ما بقي بعد فرض أحدهما عند جمهور الصحابة والفقهاء لا ثلث الكل خلافاً لابن عباس رضي الله تعالى عنهما مستدلاً بأنه تعالى جعل لها أولاً سدس التركة مع الولد بقوله سبحانه: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} ثم ذكر أن لها مع عدمه الثلث بقوله عز وجل: {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمّهِ ٱلثُّلُثُ} فيفهم منه أن المراد ثلث أصل التركة أيضاً. ويؤيده أن السهام المقدرة كلها بالنسبة إلى أصلها بعد الوصية والدين، وإلى ذلك ذهبت الإمامية وكان أبو بكر الأصم يقول: بأن لها مع الزوج ثلث ما يبقى من فرضه ومع الزوجة ثلث الأصل، ونسب إلى ابن سيرين لأنه لو جعل لها مع الزوج ثلث جميع المال لزم زيادة نصيبها على نصيب الأب لأن المسألة حينئذٍ من ستة لاجتماع النصف والثلث فللزوج ثلاثة وللأم اثنان على ذلك التقدير فيبقى للأب واحد، وفي ذلك تفضيل الأنثى على الذكر، وإذا جعل لها ثلث ما بقي من فرض الزوج كان لها واحد وللأب اثنان ولو جعل لها مع الزوجة ثلث الأصل لم يلزم ذلك التفضيل لأن المسألة من اثني عشر لاجتماع الثلث والربع، فإذا أخذت الأم أربعة بقي للأب خمسة فلا تفضيل لها عليه، ورجح مذهب الجمهور على مذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بخلوه عن الإفضاء / إلى تفضيل الأنثى على الذكر المساوي لها في الجهة والقرب بل الأقوى منها في الإرث بدليل إضعافه عليها عند انفرادهما عن أحد الزوجين، وكونه صاحب فرض وعصبة وذلك خلاف وضع الشرع، وهذا الإفضاء ظاهر في المسألة الأولى، وبذلك علل زيد بن ثابت حكمه فيها مخالفاً لابن عباس، فقد أخرج عبد الرزاق والبيهقي عن عكرمة قال: أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين، فقال زيد: للزوج النصف وللأم ثلث ما بقي وللأب بقية المال فأرسل إليه ابن عباس أفي كتاب الله تعالى تجد هذا؟ قال: لا ولكن أكره أن أفضل أماً على أب، ولا يخفى أن هذا لا ينتهض مرجحاً لمذهب الجمهور على مذهب الأصم، ومن هنا قال السيد السند وغيره في نصرة مذهبهم عادلين عن المسلك الذي سلكناه: إن معنى قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمّهِ ٱلثُّلُثُ} هو أن لها ثلث ما ورثاه سواء كان جميع المال أو بعضه، وذلك لأنه لو أريد ثلث الأصل لكفى في البيان فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث كما قال تعالى في حق البنات: {وَإِن كَانَتْ وٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنّصْفُ} بعد قوله سبحانه: {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} فيلزم أن يكون قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} خالياً عن الفائدة، فإن قيل: نحمله على أن الوراثة لهما فقط قلنا: ليس في العبارة دلالة على حصر الإرث فيهما وإن سلم فلا دلالة في الآية حينئذٍ على صورة النزاع لا نفياً ولا إثباتاً، فيرجع فيهما إلى أن الأبوين في الأصول كالابن والبنت في الفروع لأن السبب في وراثة الذكر والأنثى واحد وكل منهما يتصل بالميت بلا واسطة فيجعل ما بقي من فرض أحد الزوجين بينهما أثلاثاً كما في حق الابن والبنت وكما في حق الأبوين إذا انفردا بالإرث فلا يزيد نصيب الأم على نصف نصيب الأب كما يقتضيه القياس فلا مجال لما ذهب إليه الأصم أيضاً على هذا، وليته سمع ذلك فليفهم. وقد اختلفوا أيضاً في حظ الأم فيما إذا كان مكان الأب جد وباقي المسألة على حالها، فمذهب ابن عباس وإحدى الروايتين عن الصديق، وروى ذلك أهل الكوفة عن ابن مسعود في صورة الزوج وحده إن للأم ثلث جميع المال، وقول أبـي يوسف ـ وهو الرواية الأخرى ـ عن الصديق رضي الله تعالى عنه: إن لها ثلث الباقي كما مع الأب فعلى هذه الرواية جعل الجد كالأب فيعصب الأم كما يعصبها الأب، والوجه على الرواية الأولى على ما ذكره الفرضيون هو أنه ترك ظاهر قوله تعالى: {فَلأُمّهِ ٱلثُّلُثُ} في حق الأب، وأول بما مر لئلا يلزم تفضيلها عليه مع تساويهما في القرب في الرتبة، وأيد التأويل بقول أكثر الصحابة، وأما في حق الجد فأجري على ظاهره لعدم التساوي في القرب وقوة الاختلاف فيما بين الصحابة ولا استحالة في تفضيل الأنثى على الذكر مع التفاوت في الدرجة كما إذا ترك امرأة وأختا لأم وأب وأخا للأب، فإن للمرأة الربع وللأخت النصف وللأخ لأب الباقي، فقد فضلت هٰهنا الأنثى لزيادة قربها على الذكر، وأيضاً للأم حقيقة الولاد كما للأب فيعصبها والجد له حكم الولاد لا حقيقته فلا يعصبها إذ لا تعصيب مع الاختلاف في السبب بل مع الاتفاق فيه. {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِهِ ٱلسُّدُسُ} الجمهور على أن المراد بالاخوة عدد ممن له أخوة من غير اعتبار التثليث سواء كانوا من الأخوة أو الأخوات، وسواء كانوا من جهة الأبوين أو من جهة أحدهما. وخالف ابن عباس في ذلك فإنه جعل الثلاثة من الأخوة والأخوات حاجبة للأم دون الاثنين فلها معهما الثلث عنده بناءاً على أن الأخوة صيغة الجمع فلا يتناول المثنى، وبهذا حاج عثمان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج ابن جرير والحاكم والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس أنه دخل على عثمان فقال: إن الأخوين / لا يردان الأم عن الثلث وتلا الآية، ثم قال: والأخوان ليسا بلسان قومك أخوة فقال عثمان: لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي ومضى في الأمصار وتوارث به الناس، وقال الجمهور: إن حكم الإثنين في باب الميراث حكم الجماعة، ألا يرى أن البنتين كالبنات، والأختين كالأخوات في استحقاق الثلثين فكذا في الحجب؛ وأيضاً معنى الجمع المطلق مشترك بين الإثنين وما فوقهما، وهذا المقام يناسب الدلالة على الجمع المطلق فدل بلفظ الأخوة عليه بل قال جمع إن صيغة الجمع حقيقة في الإثنين كما فيما فوقهما في كلام العرب، فقد أخرج الحاكم والبيهقي في «سننه» عن زيد بن ثابت أنه كان يحجب الأم بالأخوين فقالوا له: يا أبا سعيد إن الله تعالى يقول: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} وأنت تحجبها بأخوين فقال: إن العرب تسمى الأخوين أخوة، وهذا يعارض الخبر السابق عن ابن عباس فإنه صريح في أن صيغة الجمع لا تقال على اثنين في لغة العرب، وعثمان رضي الله تعالى عنه سلم ذلك إلا أنه احتج بأن إطلاق الإخوة على الأعم كان إجماعاً. ومن هنا اختلف الناس في مدلول صيغة الجمع حقيقة، وصرح بعض الأصوليين أنها في الإثنين في المواريث والوصايا ملحقة بالحقيقة، والنحاة على خلاف ذلك، وخالف ابن عباس أيضاً في توريث الأم السدس مع الإناث الخلص لأن الأخوة جمع أخ فلا يشمل الأخت إلا بطريق التغليب، والخلص لا ذكور معهم فيغلبون وهو كلام متين إلا أن العمل على اختلافه اعتباراً لوصف الإخوة في الآية للإجماع على ذلك قبل ظهور خلاف ابن عباس وخرق الإجماع إنما يحرم على من لم يكن موجوداً عنده. وذهب الزيدية والإمامية إلى أن الأخوة لأم لا يحجبونها بخلاف غيرهم فإن الحجب هٰهنا بمعنى معقول كما يشير إليه كلام قتادة، وهو أنه إن كان هناك أخوة لأب وأم أو لأب فقد كثر عيال الأب فيحتاج إلى زيادة مال للإنفاق، وهذا المعنى لا يوجد فيما إذا كان الأخوة لأم إذ ليس نفقتهم على الأب، والجمهور ذهبوا إلى عدم الفرق لأن الاسم حقيقة في الأصناف الثلاثة، وهذا حكم غير معقول المعنى ثبت بالنص، ألا يرى أنهم يحجبون الأم بعد موت الأب ولا نفقة عليه بعد موته ويحجبونها كباراً أيضاً وليست عليه نفقتهم، ثم الشائع المعلوم من خارج أو من الآية في رأي أن الأخوة يحجبون الأم حجب نقصان، وإن كانوا محجوبين بالأب حجب حرمان، ويعود السدس الذي حجبوها عنه للأب ـ وهو مذهب جمهور الصحابة أيضاً ـ ويروى عن ابن عباس أنه للأخوة لأنهم إنما حجبوها عنه ليأخذوه فإن غير الوارث لا يحجب كما إذا كانت الاخوة كفاراً أو أرقاء، وقد يستدل عليه بما رواه طاوس مرسلاً أنه عليه الصلاة والسلام أعطى الأخوة السدس مع الأبوين. وللجمهور ـ كما قال الشريف ـ إن صدر الكلام يدل على أن لأمه الثلث والباقي للأب فكذا الحال في آخره كأنه قيل: فإن كان له أخوة وورثه أبواه فلأمه السدس ولأبيه الباقي، ثم إن شرط الحاجب أن يكون وارثاً في حق من يحجبه، والأخ المسلم وارث في حق الأم بخلاف الرقيق والكافر، فالأخوة يحجبونها وهم يحجبون بالأب، ألا يرى أنهم لا يرثون مع الأب شيئاً عند عدم الأم لأنهم كلالة فلا ميراث لهم مع الوالد، وليس حال الأخوة مع الأم بأقوى من حالهم مع عدمها، وقد روي عن طاوس أنه قال: لقيت ابن رجل من الأخوة الذين أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم السدس مع الأبوين وسألته عن ذلك فقال: كان ذلك وصية وحينئذ صار الحديث دليلاً للجمهور إذ لا وصية لوارث، والظاهر أنه لا صحة لهذه الرواية عن ابن عباس لأنه يوافق الصديق رضي الله تعالى عنه في حجب الجد للأخوة فكيف يقول بإرثهم مع الأب كذا في «شرح الإمام السرخسي»، وفي «الدر المنثور» أن ابن جرير. وعبد الرزاق. / والبيهقي عنه، وقرأ حمزة والكسائي {فَلإٍِمِّهِ} بكسر الهمزة اتباعا لكسرة اللام، وقيل: إنه اتباع لكسرة الميم، وضعف بأن فيه اتباع حركة أصلية لحركة عارضة وهي الإعرابية، وقيل: إنه لغة في الأم، وأنكرها الشهاب، وفي «القاموس» ((الأم ـ وقد تكسر ـ الوالدة، ويقال [للأم] أمة وأمهة وتجمع على أمات وأمهات، وهذه لمن يعقل، وأمات لما لا يعقل))، وحكى ذلك في «الصحاح» عن بعضهم. {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ} متعلق ـ بيوصيكم ـ والكلام على حذف مضاف بناءاً على أن المراد من الوصية المال الموصى به، والمعنى إن هذه الأنصباء للورثة من بعد إخراج وصية. وجوز أن يكون حالا من السدس، والتقدير مستحقاً من بعد ذلك والعامل فيه الجار والمجرور الواقع خبراً لاعتماده، ويقدر لما قبله مثله كالتنازع، وقيل: إنه متعلق بكون عام محذوف أي استقر ذلك لهؤلاء من بعد وصية {يُوصِي بهَا} الميت. وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو بكر عن عاصم {يُوصِى} مبنياً للمفعول مخففاً وقرىء {يُوصِى} مبنياً للفاعل مشدداً، والجملة صفة (وصية) وفائدة الوصف الترغيب في الوصية والندب إليها، وقيل: التعميم لأن الوصية لا تكون إلا موصى بها {أَوْ دَيْنٍ} عطف على {وَصِيَّةٍ} إلا أنه غير مقيد بما قيدت به من الوصف السابق فلا يتوقف إخراج الدين على الإيصاء به بل هو مطلق يتناول ما ثبت بالبينة والإقرار في الصحة، وإيثار {أَوْ} على الواو للإيذان بتساويهما في الوجوب وتقدمهما على القسمة مجموعين أو مفردين، وتقديم الوصية على الدين ذكراً مع أن الدين مقدم عليها حكماً كما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه علي كرم الله تعالى وجهه، وأخرجه عنه جماعة ـ لإظهار كمال العناية بتنفيذها لكونها مظنة للتفريط في أدائها حيث إنها تؤخذ كالميراث بلا عوض فكانت تشق عليهم ولأن الجميع مندوب إليها حيث لا عارض بخلاف الدين في المشهور مع ندرته أو ندرة تأخيره إلى الموت وقال ابن المنير: ((إن الآية لم يخالف فيها الترتيب الواقع شرعاً لأن أول ما يبدأ به إخراج الدين ثم الوصية، ثم اقتسام ذوي الميراث، فانظر كيف جاء إخراج الميراث آخراً تلو إخراج الوصية (والوصية) تلو الدين فوافق قولنا قسمة المواريث بعد الوصية، والدين صورة الواقع شرعاً، ولو سقط ذكر بعد وكان الكلام أخرجوا الميراث والوصية والدين (لأمكن) ورود السؤال المذكور))، وهو من الحسن بمكان. {ءابَاؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} الخطاب للورثة، وآباؤكم مبتدأ، وأبناؤكم معطوف عليه، ولا تدرون مع ما في حيزه خبر له، و ـ أي ـ إما استفهامية مبتدأ، وأقرب خبره، والفعل معلق عنها فهي سادّة مسدّ المفعولين، وإما موصولة، وأقرب خبر مبتدأ محذوف، والجملة صلة الموصول وهو مفعول أول مبني على الضم لإضافته، وحذف صدر صلته، والمفعول الثاني محذوف، ونفعاً نصب على التمييز وهو منقول من الفاعلية، والجملة اعتراضية مؤكدة لوجوب تنفيذ الوصية. والآباء والأبناء عبارة عن الورثة الأصول والفروع، فيشمل البنات والأمهات والأجداد والجدات، أي أصولكم وفروعكم الذين يموتون قبلكم لا تعلمون من أنفع لكم منهم أمن أوصى ببعض ماله فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته، أم من لم يوص فوفر عليكم عرض الدنيا، وليس المراد ـ كما قال شيخ الإسلام ـ بنفي الدراية عنهم بيان اشتباه الأمر عليهم، وكون أنفعية كل من الأول والثاني في حيز الاحتمال عندهم من غير رجحان لأحدهما على الآخر فإن ذلك بمعزل من إفادة التأكيد المذكور، والترغيب في تنفيذ الوصية بل تحقيق / أنفعية الأول في ضمن التعريض بأن لهم اعتقاداً بأنفعية الثاني مبنياً على عدم الدراية، وقد أشير إلى ذلك حيث عبر عن الأنفعية بأقربية النفع تذكيراً لمناط زعمهم وتعييناً لمنشأ خطئهم ومبالغة في الترغيب المذكور بتصوير الصواب الآجل بصورة العاجل لما أن الطباع مجبولة على حب الخير الحاضر كأنه قيل: لا تدرون أيهم أنفع لكم فتحكمون نظراً إلى ظاهر الحال وقرب المنال بأنفعية الثاني مع أن الأمر بخلافه فإن ما يترتب على الأول الثواب الدائم في الآخرة، وما يترتب على الثاني العرض الفاني في الحياة الدنيا، والأول لبقائه هو الأقرب الأدنى، والثاني لفنائه هو الأبعد الأقصى، واختار كثير من المحققين كون الجملة اعتراضاً مؤكداً لأمر القسمة، وجعل الخطاب للمورثين، وتوجيه ذلك أنه تعالى بين أنصباء الأولاد والأبوين فيما قبل؛ وكانت الأنصباء مختلفة، والعقول لا تهتدي إلى كمية ذلك. فربما يخطر للإنسان أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه كانت أنفع وأصلح كما تعارفه أهل الجاهلية حيث كانوا يورثون الرجال الأقوياء ولا يورثون الصبيان والنسوان الضعفاء فأنكر الله تعالى عليهم ما عسى أن يخطر ببالهم من هذا القبيل، وأشار إلى قصور أذهانهم فكأنه قال: إن عقولكم لا تحيط بمصالحكم فلا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم فاتركوا تقدير المواريث بالمقادير التي تستحسنونها بعقولكم ولا تعمدوا إلى تفضيل بعض وحرمانه، وكونوا مطيعين لأمر الله تعالى في هذه التقديرات التي قدرها سبحانه فإنه العالم بمغيبات الأمور وعواقبها، ووجه الحكمة فيما قدره ودبره وهو العليم الحكيم، والنفع على هذا أعم من الدنيوي والأخروي وانتفاع بعضهم ببعض في الدنيا يكون بالإنفاق عليه والتربية له والذب عنه مثلاً، وانتفاعهم في الآخرة يكون بالشفاعة، فقد أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به تفسير : ، وإلى هذا ذهب الحسن رحمه الله تعالى، وخص مجاهد النفع بالدنيوي وخصه بعضهم بالأخروي. وذكر أن المعنى لا تدرون أي الآباء من الوالدين والوالدات وأي الأبناء من البنين والبنات أقرب لكم نفعاً لترفعوا إليهم في الدرجة في الآخرة، وإذا لم تدروا فادفعوا ما فرض الله تعالى وقسم ولا تقولوا: لماذا أخر الأب عن الإبن ولأي شيء حاز الجميع دون الأم والبنت، واعترض بأن ذلك غير معلل بالنفع حتى يتم ما ذكر وأنه يدل على أن من قدم في الورثة، أو ضوعف نصيبه أنفع ولا كذلك، والجواب بأنه أريد أن المنافع لما كانت محجوبة عن درايتكم فاعتقدوا فيه نفعاً لا تصل إليه عقولكم بعيد لعدم فهمه من السياق، ويرد نحو هذا على ما اختار الكثير، وربما يقال: المعنى أنكم لا تدرون أي الأصول والفروع أقرب لكم نفعاً فضلاً عن النفع فكيف تحكمون بالقسمة حسب المنفعة وهي محجوبة عن درايتكم بالمرة، والكلام مسوق لردّ ما كان في الجاهلية فإن أهل الجاهلية كانوا ـ كما قال السدي ـ لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان ولا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، وعن ابن عباس أنهم كانوا يعطون الميراث الأكبر فالأكبر، وهذا مشعر بأن مدار الإرث عندهم الأنفعية مع العلاقة النسبية فرد الله تعالى عليهم بأن الأنفعية لا تدرونها فكيف تعتبرونها والغرض من ذلك الإلزام لا بيان أن الأنفعية معتبرة في نفس الأمر إلا أنهم لا يدرونها، ولعله على هذا لا يرد ما تقدم من الاعتراض فتدبر، وقيل: إن المراد من الآية إنكم لا تدرون أي الوارثين والمورثين أسرع موتاً فيرثه صاحبه فلا تتمنوا موت الموروث ولا تستعجلوه، ونسب إلى أبـي مسلم، ولا يخفى مزيد بعده. {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ} / مصدر مؤكد لنفسه على حدّ هذا ابني حقاً لأنه واقع بعد جملة لا محتمل لها غيره فيكون فعله الناصب له محذوفاً وجوباً أي فرض ذلك فريضة من الله، وقيل: إنه ليس بمصدر بل هو اسم مفعول وقع حالاً، والتقدير لهؤلاء الورثة هذه السهام حال كونها مفروضة من الله تعالى، وقيل: بل هو مصدر إلا أنه مؤكد لفعله وهو يوصيكم السابق على غير لفظه إذ المعنى يفرض عليكم؛ وأورد عليه عصام الملة أن المصدر إذا أضيف لفاعله أو مفعوله أو تعلقا به يجب حذف فعله كما صرح به الرضي إلا أن يفرق بين صريح المصدر وما تضمنه لكن لا بدّ لهذا من دليل ولم نطلع عليه. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} أي بالمصالح والرتب {حَكِيماً} في كل ما قضى وقدر فتدخل فيه أحكام المواريث دخولاً أولياً، وموقع هذه الجملة هنا موقع قوله تعالى للملائكة: {أية : إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }تفسير : [البقرة: 30] والخبر عن الله تعالى بمثل هذه الألفاظ ـ كما قال الخليل ـ كالخبر بالحال والاستقبال لأنه تعالى منزه عن الدخول تحت الزمان، وقال سيبويه: القوم لما شاهدوا علماً وحكمة وفضلاً وإحساناً تعجبوا فقيل لهم: إن الله تعالى كان كذلك أي لم يزل موصوفاً بهذه الصفات فلا حاجة إلى القول بزيادة كان كما ذهب إليه البعض.

ابن عاشور

تفسير : تتنزّل آية {يوصيكم الله في أولادكم} منزلة البيان والتفصيل لقوله {أية : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون}تفسير : [النساء: 7] وهذا المقصد الذي جعل قوله: {أية : للرجال نصيب}تفسير : [النساء: 7] إلخ بمنزلة المقدّمة له فلذلك كانت جملة: {يوصيكم} مفصولة لأنّ كلا الموقعين مقتض للفصل. ومن الاهتمام بهذه الأحكام تصدير تشريعها بقوله: {يوصيكم} لأنّ الوصاية هي الأمر بما فيه نفع المأمور وفيه اهتمام الآمر لشدّة صلاحه، ولذلك سمّي ما يعهد به الإنسان، فيما يصنع بأبنائه وبماله وبذاته بعد الموت، وصية. وقد رويت في سبب نزول الآية أحاديث كثيرة. ففي «صحيح البخاري»، حديث : عن جابر بن عبد الله: أنّه قال: «مرضت فعادني رسول الله وأبو بكر في بني سلمة فوجداني لا أعقل فدعا رسول الله بماء فتوضّأ، ثم رشّ عليّ منه فأفقت فقلت «كيف أصنع في مالي يا رسول الله» فنزلت {يوصيكم الله في أولادكم}تفسير : . وروى الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، عن جابر، قال: «حديث : جاءت امرأة سعد بن الربيع فقالت لرسول الله «إنّ سعداً هلك وترك ابنتين وأخاه، فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد، وإنّما تنكح النساء على أموالهنّ» فلم يجبها في مجلسها ذلك، ثمّ جاءته فقالت «يا رسول الله ابنتَا سعد» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ادعُ لي أخا»، فجاء، فقال: «ادفع إلى ابنتيه الثلثين وإلى امرأته الثمن ولك ما بقي»» تفسير : ونزلت آية الميراث. بيَّن الله في هذه الآيات فروض الورثة، وناط الميراث كلّه بالقرابة القريبة، سواء كانت جبلّية وهي النسب، أو قريبة من الجبلّية، وهي عصمة الزوجية، لأنّ طلب الذكر للأنثى جبليّ، وكونُها المرأةَ المعيَّنة يحصل بالإلف، وهو ناشىء عن الجبلّة. وبيَّن أهل الفروض ولم يبيّن مرجع المال بعد إعطاء أهل الفروض فروضَهم، وذلك لأنّه تركه على المتعارف عندهم قبل الإسلام من احتواء أقرب العصبة على مال الميّت، وقد بيّن هذا المقصد قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أَلِحقُوا الفَرَائِضَ بأهْلِهَا فما بَقِي فلأوْلىَ رَجُلٍ ذَكَرٍ».تفسير : ألا ترى قوله تعالى بعد هذا {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمِّه الثلث} فلم يبيّن حظّ الأب، لأنّ الأب في تلك الحالة قد رجع إلى حالته المقرّرة، وهي احتواء المال فاحتيج إلى ذكر فرض الأم. وابتدأ الله تعالى بميراث الأبناء لأنّهم أقرب الناس. والأولاد جمع ولد بوزن فَعَل مثل أسَد ووثَن، وفيه لغة ولِدْ ــــ بكسر الواو وسكون اللام ــــ وكأنه حينئذ فِعْل الذي بمعنى المفعول كالذِّبْح والسِّلخ. والولد اسم للابن ذكرا كان أو أنثى، ويطلق على الواحد وعلى الجماعة من الأولاد، والوارد في القرآن بمعنى الواحد وجمعه أولاد. و{في} هنا للظرفية المجازية، جعلت الوصية كأنّها مظروفة في شأن الأولاد لشدّة تعلّقها به كاتّصال المظروف بالظرف، ومجرورها محذوف قام المضاف إليه مقامه، لظهور أنّ ذوات الأولاد لا تصلح ظرفاً للوصيّة، فتعيّن تقدير مضاف على طريقة دلالة الاقتضاء، وتقديره: في إرثِ أولادكم، والمقام يدلّ على المقدّر على حدّ {أية : حرمت عليكم أمهاتكم}تفسير : [النساء: 23] فجعل الوصيّة مظروفة في هذا الشأن لشدّة تعلقها به واحتوائه عليها. وجملة: {للذكر مثل حظ الأنثيين} بيان لجملة {يوصيكم} لأنّ مضمونها هو معنى مضمون الوصية، فهي مثل البيان في قوله تعالى: {فوسوس إليه الشيطان قال ياآدم} وتقديم الخبر على المبتدأ في هذه الجملة للتنبيه من أوّل الأمر على أنّ الذكر صار له شريك في الإرث وهو الأنثى لأنّه لم يكن لهم به عهد من قبل إذ كان الذكور يأخذون المال الموروث كلّه ولاحظّ للإناث، كما تقدّم آنفاً في تفسير قوله تعالى: {أية : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون}تفسير : [النساء: 7]. وقوله: {للذكر مثل حظ الأنثيين} جعل حظّ الأنثيين هو المقدار الذي يقدّر به حظّ الذكر، ولم يكن قد تقدّم تعيين حظّ للأنثيين حتّى يقدّر به، فعُلم أنّ المراد تضعيف حظّ الذكر من الأولاد على حظّ الأنثى منهم، وقد كان هذا المراد صالحاً لأن يؤدّى بنحو: للأنثى نصف حظّ ذكر، أو للأنثيين مثلّ حظّ ذكر، إذ ليس المقصود إلاّ بيان المضاعفة. ولكن قد أوثر هذا التعبير لنكتة لطيفة وهي الإيماء إلى أن حظّ الأنثى صار في اعتبار الشرع أهَمّ من حظّ الذكر، إذ كانت مهضومة الجانب عند أهل الجاهلية فصار الإسلام ينادي بحظّها في أول ما يقرع الأسماع قد عُلم أنّ قسمة المال تكون باعتبار عدد البنين والبنات. وقوله: {فإن كن نساء فوق اثنتين} إلخ معاد الضمير هو لفظ الأولاد، وهو جمع ولد فهو غير مؤنّث اللفظ ولا المدلول لأنّه صالح للمذكّر والمؤنث، فلمّا كان ما صدَقُه هُنا النساء خاصّة أعيد عليه الضمير بالتأنيث. ومعنى: {فوق اثنتين} أكثر من اثنتين، ومن معاني (فوق) الزيادة في العدد، وأصل ذلك مجاز، ثم شاع حتّى صار كالحقيقة، والآية صريحة في أنّ الثلثين لا يعطيان إلاّ للبنات الثلاث فصاعداً لأنّ تقسيم الأنصباء لا يُنتقل فيه من مقدار إلى مقدار أزيدَ منه إلاّ عند انتهاء من يستحقّ المقدار الأول. والوصف بــــ {فوق اثنتين} يفيد مفهوما وهو أنّ البنتين لا تعطيان الثلثين، وزاد فقال: {وإن كانت واحدة فلها النصف} فبقي ميراث البنتين المنفردتين غير منصوص في الآية فألحقهما الجمهور بالثلاث لأنّهما أكثر من واحدة، وأحسن ما وجِّه به ذلك ما قاله القاضي إسماعيل بن إسحاق «إذا كانت البنت تأخذ مع أخيها إذا انفرد الثلث فأحرى أن تأخذ الثلثَ مع أختها» يعني أنّ كلّ واحدة من البنتين هي مقارنة لأختها الأخرى فلا يكون حظّها مع أخت أنثى أقلّ من حظّها مع أخ ذكر، فإنّ الذكر أولى بتوفير نصيبه، وقد تلقّفه المحقّقون من بعده، وربما نسب لبعض الذين تلقّفوه. وعلَّله ووَجَّهه آخرون: بأنّ الله جعل للأختين عند انفرادهما الثلثين فلا تكون البنتان أقلّ منهما. وقال ابن عباس: للبنتين النصف كالبنت الواحدة، وكأنّه لم ير لتوريثهما أكثر من التشريك في النصف محمَلا في الآية، ولو أريد ذلك لما قال {فوق اثنتين}. ومنهم من جعل لفظ (فوق) زائداً، ونظّره بقوله تعالى: {أية : فاضربوا فوق الأعناق}تفسير : [الأنفال: 12]. وشتَّان بين فوق التي مع أسماء العدد وفوق التي بمعنى مكان الفعل. قال ابن عطية: وقد أجمع الناس في الأمصار والأعصار على أنّ للبنتين الثلثين، أي وهذا الإجماع مستند لسنّة عرفوها. وردّ القرطبي دعوى الإجماع بأنّ ابن عباس صحّ عنه أنّه أعطى البنتين النصف. قلت: لعلّ الإجماع انعقد بعدما أعطى ابن عباس البنتين النصف على أنّ اختلال الإجماع لمخالفة واحد مختلف فيه، أمّا حديث امرأة سعد بن الربيع المتقدّم فلا يصلح للفصل في هذا الخلاف، لأنّ في روايته اختلافا هل ترك بنتين أو ثلاثاً. وقوله: {فلهن} أعيد الضمير إلى نساء، والمراد ما يصدق بالمرأتين تغليبا للجمع على المثنى اعتمادا على القرينة. وقرأ الجمهور: «وإن كانت واحدة» ــــ بنصب واحدة ــــ على أنّه خبر كانت، واسم كانت ضمير عائد إلى ما يفيده قوله: {في أولادكم} من مفرد ولد، أي وإن كانت الولد بنتا واحدة، وقرأ نافع، وأبو جعفر ــــ بالرفع ــــ على أنّ كان تامّة، والتقدير: وإن وجدت بنت واحدة، لما دلّ عليه قوله: {فإن كن نساء}. وصيغة {أولادكم} صيغة عموم لأنّ أولاد جمع معرّف بالإضافة، والجمع المعرّف بالإضافة من صيغ العموم، وهذا العموم، خصّصه أربعة أشياء: الأوّل: خصّ منه عند أهل السنّة النبي صلى الله عليه وسلم لما رواه عنه أبو بكر أنّه قال: «حديث : لا نورث ما تركنا صدقة» تفسير : ووافقه عليه عمر بن الخطاب وجميع الصحابة وأمَّهات المؤمنين. وصحّ أنّ علياً رضي الله عنه وافق عليه في مجلس عمر بن الخطاب ومن حضر من الصحابة كما في «الصحيحين». الثاني: اختلاف الدين بالإسلام وغيره، وقد أجمع المسلمون على أنّه لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ. الثالث: قاتل العمد لا يرث قريبه في شيء. الرابع: قاتل الخطأ لا يرث من الدية شيئاً. الضمير المفرد عائد إلى الميّت المفهوم من قوله: {يوصيكم الله في أولادكم} إذ قد تقرّر أنّ الكلام في قسمة مال الميّت. وجاء الكلام على طريقة الإجمال والتفصيل ليكون كالعنوان، فلذلك لم يقل: ولكلّ من أبويه السدس، وهو كقوله السابق: { في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } [النساء: 11]. وقوله: {وورثه أبواه} زاده للدلالة على الاقتصار أي: لا غيرهما، ليعلم من قوله: {فلأمه الثلث} أنّ للأب الثلثين، فإن كان مع الأمّ صاحب فرض لا تحجبه كان على فرضه معها وهي على فرضها. واختلفوا في زوجة وأبوين وزوج وأبوين: فقال ابن عباس: للزوج أو الزوجة فرضهما وللأمّ ثلثها وما بقي للأب، حملا على قاعدة تعدّد أهل الفروض، وقال زيد بن ثابت: لأحد الزوجين فرضه وللأمّ ثلث ما بَقي وما بقي للأب، لئلا تأخذ الأمّ أكثر من الأب في صورة زوج وأبوين، وعلى قول زيد ذهب جمهور العلماء. وفي «سنن ابن أبي شيبة»: أنّ ابن عباس أرسل إلى زيد «أين تجد في كتاب الله ثلث ما بقي» فأجاب زيد «إنما أنت رجل تقول برأيك وأنا أقول برأيي». وقد علم أنّ للأب مع الأمّ الثلثين، وترك ذكره لأنّ مبني الفرائض على أنّ ما بقي بدون فرض يرجع إلى أصل العصابة عند العرب. وقرأ الجمهور: فلأمَّه ــــ بضمّ همزة أمّه ــــ، وقرأه حمزة، والكسائي ــــ بكسر الهمزة ــــ اتّباعاً لكسرة اللام. وقوله: {فإن كان له إخوة فلأمة السدس} أي إن كان إخوة مع الأبوين وهو صريح في أنّ الإخوة يحجبون الأمّ فينقلونها من الثلث إلى السدس. والمذكور في الآية صيغة جمع فهي ظاهرة في أنّها لا ينقلها إلى السدس إلاّ جماعة من الإخوة ثلاثة فصاعداً ذكوراً أو مختلطين. وقد اختلف فيما دون الجمع، وما إذا كان الإخوة إناثاً: فقال الجمهور الأخوان يحجبان الأمّ، والأختان أيضاً، وخالفهم ابن عباس أخذا بظاهر الآية. أمّا الأخ الواحد أو الأخت فلا يحجب الأمّ والله أعلم بحكمة ذلك. واختلفوا في السدس الذي يحجب الإخوة عنه الأمّ: هل يأخذه الإخوة أم يأخذه الأب، فقال بالأوّل ابن عباس رضي الله عنه وهو أظهر، وقال بالثاني الجمهور بناء على أنّ الحاجب قد يكون محجوباً. وكيفما كان فقد اعتبر الله للأخوة حظّا مع وجود الأبوين في حالة خاصّة، ولو كان الإخوة مع الأمّ ولم يكن أب لكان للأمّ السدس وللأخوة بقية المال باتّفاق، وربما كان في هذا تعضيد لابن عباس. المجرور في موضع الحال، فهو ظرف مستقرّ، وهو قيد يرجع إلى الجمل المتقدّمة: أي تقتسمون المال على حسب تلك الأنصباء لكلّ نصيبه حالة كونه من بعد وصيّة أو دين. وجيء بقوله: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} بعد ذكر صنفين من الفرائض: فرائض الأبناء، وفرائض الأبوين، لأنّ هذين الصنفين كصنف واحد إذ كان سببهما عمود النسب المباشر. والمقصد هنا التنبيه على أهمّية الوصيَّة وتقدّمها. وإنَّما ذكر الدين بعدها تتميماً لما يتعيّن تقديمه على الميراث مع علم السامعين أنّ الدين يتقدّم على الوصيّة أيضاً لأنّه حقّ سابق في مال الميّت، لأنّ المدين لا يملك من ماله إلاّ ما هو فاضل عن دين دائنه. فموقع عطف {أو دين} موقع الاحتراس، ولأجل هذا الاهتمام كرّر الله هذا القيد أربع مرات في هذه الآيات. ووصف الوصية بجملة {يوصي بها} لئلا يُتوهّم أنّ المراد الوصيّة التي كانت مفروضة قبل شرع الفرائض، وهي التي في قوله: {أية : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين}تفسير : [البقرة: 180]. وقرأ الجمهور: {يوصي بها} في الموضعين في هذه الآية ــــ بكسر الصاد ــــ والضمير عائد إلى معلوم من الكلام وهو الميّت، كما عاد ضمير {أية : ما ترك}تفسير : [النساء: 7] وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، في الموضعين أيضاً: يوصَى ــــ بفتح الصاد ــــ مبنيا للنائب أي يوصى بها موصٍ. ختم هذه الفرائض المتعلّقة بالأولاد والوالدين، وهي أصول الفرائض بقوله: {آباؤكم وأبناؤكم} الآية، فهما إمّا مسند إليهما قُدّ ما للاهتمام، وليتمكّن الخبر في ذهن السامع إذ يُلقي سمعه عند ذكر المسند إليهما بشراشره، وإمّا أن تجعلهما خبرين عن مبتدأ محذوف هو المسند إليه، على طريقة الحذف المعبّر عنه عند علماء المعاني بمتابعة الاستعمال، وذلك عندما يتقدّم حديث عن شيء ثم يراد جمع الخبر عنه كقول الشاعر:شعر : فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ولا مظهر الشكوى إذا النعل وزلّت تفسير : بعد قوله:شعر : سأشكر عمرا إن تدانت منيّتي أيادي لم تُمنن وإن هي جلَّت تفسير : أي: المذكورون آباؤكم وأبناؤكم لا شكّ في ذلكّ. ثم قال: {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً} فهو إما مبتدأ وإما حال، بمعنى أنهم غير مستوين في نفعكم متفاوتون تفاوتاً يتبع تفاوت الشفقة الجبلية في الناس ويتبع البرور ومقدار تفاوت الحاجات. فربّ رجل لم تعرض له حاجة إلى أن ينفعه أبواه وأبناؤه، وربما عرضت حاجات كثيرة في الحالين، وربما لم تعرض فهم متفاوتون من هذا الأعتبار الذي كان يعتمده أهل الجاهلية في قسمة أموالهم، فاعتمدوا أحوالاً غير منضبطه ولا موثوقاً بها، ولذلك قال تعالى: {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً} فشرع الإسلام ناط الفرائض بما لا يقبل التفاوت وهي الأبوة والبنوة، ففرض الفريضة لهم نظراً لصلتهم الموجبة كونهم أحقّ بمال الأبناء أو الآباء. والتذييل بقوله: {الله كان عليماً حكيماً} واضح المناسبة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِي ۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ}. لم يبين هنا حكمة تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث مع أنهما سواء في القرابة. ولكنه أشار إلى ذلك في موضع آخر وهو قوله تعالى: {أية : ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} تفسير : [النساء: 34] لأن القائم على غيره المنفق ماله عليه مترقّب للنقص دائماً، و المَقُوم عليه المنفق عليه المال مترقب للزيادة دائماً، والحكمة في إيثار مترقّب النقص على مترقّب الزيادة جبراً لنقصة المترقّب ظاهرة جِداً. قوله تعالى: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ} الآية. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأنَّ البنات إن كن ثلاثاً فصاعداً، فلهن الثلثان وقوله: {فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ} يوهم أن الاثنتين ليستا كذلك، وصرح بأن الواحدة لها النصف، ويفهم منه أن الاثنتين ليستا كذلك أيضاً، وعليه ففي دلالة الآية على قدر ميراث البنتين إجمال. وقد أشار تعالى في موضعين إلى أن هذا الظرف لا مفهوم مخالفة له، وأن للبنتين الثلثين أيضاً. الأول: قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] إذ الذكر يرِث مع الواحدة الثلثين بلا نزاع، فلا بد أن يكون للبنتين الثلثان في صورة، وإلا لم يكن للذكر مثل حظّ الأنثيين. لأن الثلثين ليسا بحظّ لهما أصلاً، لكن تلك الصورة ليست صورة الاجتماع، إذ ما من صورة يجتمع فيها الابنتان مع الذكر ويكون لهما الثلثان، فتعين أن تكون صورة انفرادهما عن الذكر. واعتراض بعضهم هذا الاستدلال بلزوم الدور قائلاً: إن معرفة أن للذكر الثلثين في الصورة المذكورة تتوقف على معرفة حَظّ الأنثيين. لأنه ما علم من الآية إلا أن للذكر مثل حظّ الأنثيين. فلو كانت معرفة حظّ الأنثيين مستخرجة من حظّ الذكر لزم الدور ساقط. لأن المستخرج هو الحظّ المعين للأنثيين وهو الثلثان، و الذي يتوقّف عليه معرفة حظّ الذكر هو معرفة حظّ الأنثيين مطلقاً، فلا دور لانفكاك الجهة. واعترضه بعضهم أيضاً بأن للابن مع البنتين النصف، فيدل على أن فرضهما النصف، ويؤيد الأول أن البنتين لما استحقّتا مع الذكر النصف عُلم أنهما إن انفردتا عنه، استحقتا أكثر من ذلك. لأن الواحدة إذا انفردت أخذت النصف، بعدما كانت معه تأخذ الثلث، ويزيده إيضاحاً أن البنت تأخذ مع الابن الذكر الثلث بلا نزاع، فلأن تأخذه مع الابنة الأنثى أَوْلَى. فبهذا يظهر أنهُ جل وعلا، أشار إلى ميراث البنتين بقوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] كما بينا، ثم ذكر حكم الجماعة من البنات، وحكم الواحدة منهن بقوله: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ} [النساء: 11] ومما يزيده إيضاحاً، أنَّه تعالى فرعه عليه بالفاء في قوله: {فَإِنْ كُنَّ} إذ لو لم يكن فيما قبله ما يدل على سهم الإناث لم تقع الفاء موقعها كما هو ظاهر. الموضع الثاني: هو قوله تعالى في الأختين: {أية : فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} تفسير : [النساء: 176]. لأن البنت أمسّ رحماً، وأقوى سبباً في الميراث من الأخت بلا نزاع. فإذا صرح تعالى: بأن للأختين الثلثين، علم أن البنتين كذلك من باب أولى، وأكثر العلماء على أن فحوى الخطاب، أعني: مفهوم الموافقة الذي المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق، من قبيل دلالة اللفظ لا من قبيل القياس، خلافاً للشافعي وقوم، كما علم في الأصول، فالله تبارك وتعالى لما بين أن للأختين الثلثين، أفهم بذلك أن البنتين كذلك من باب أولى. وكذلك لما صرح أن لما زاد على الاثنتين من البنات الثلثين فقط، ولم يذكر حكم ما زاد على الاثنتين من الأخوات، أفهم أيضاً من باب أولى أنه ليس لما زاد من الأخوات غير الثلثين. لأنه لما لم يعط للبنات عُلم أنه لا تستحقّه الأخوات، فالمسكوت عنه في الأمرين أولى بالحكم من المنطوق به، وهو دليل على أنه قصد أخذه منه، ويزيد ما ذكرنا إيضاحاً ما أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وابن ماجه، عن جابر رضي الله عنه، قال: حديث : جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد قُتل أبوهما يوم أُحد، وإن عمهما أخذ مالهما، ولم يدع لهما مالاً، ولا ينكحان إلا ولهما مال، فقال صلى الله عليه وسلم: "يقضي الله تعالى، في ذلك"تفسير : . فنزلت آية الميراث فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما، فقال "اعْطِ ابنتي سعد الثلثين، واعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك". وما يروى عن ابن عباس، رضي الله عنهما، من أنه قال: للبنتين النصف. لأن الله تعالى، قال: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء: 11] فصرح بأن الثُلثين إنما هما لِما فوق الاثنتين فيه أمور، الأول: أنه مردود بمثله؛ لأن الله قال ايضاً: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ} [النساء: 11] فصرح بأن النصف للواحدة جاعلاً كونها واحدة شرطاً معلقاً عليه فرض النصف. وقد تقرر في الأصول أن المفاهيم إذا تعارضت قدم الأقوى منها، ومعلوم أن مفهوم الشرط أقوى من مفهوم الظرف؛ لأن مفهوم الشرط لم يقدم عليه من المفاهيم، إلا ما قال فيه بعض العلماء: إنه منطوق لا مفهوم وهو النفي والإثبات، وإنما من صيغ الحصر والغاية، وغير هذا يقدم عليه مفهوم الشرط قال في مراقي السعود مبيناً مراتب مفهوم المخالفة: شعر : أعلاه لا يرشد إلا العلما فما لمنطوق بضعف انتمى فالشرط فالوصف الذي يناسب فمطلق الوصف الذي يقارب فعدد ثمة تقديم يلي وهو حجة على النهج الجلي تفسير : وقال صاحب جمع الجوامع ما نصه: مسألة الغاية قيل: منطوق والحق مفهوم يتلوه الشرط، فالصفة المناسبة، فمطلق الصفة غير العدد، فالعدد، فتقديم المعمول إلخ، وبهذا تعلم أن مفهوم الشرط في قوله: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ} [النساء: 11] أقوى من مفهوم الظرف في قوله {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ} [النساء: 11] الثاني: دلالة الآيات المتقدمة على أن للبنتين الثلثين، الثالث: تصريح النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حديث جابر المذكور آنفاً. الرابع: أنه روي عن ابن عباس الرجوع عن ذلك. قال الألوسي في تفسيره ما نصّه: وفي شرح الينبوع نقلاً عن الشريف شمس الدين الأرموني أنه قال في شرح فرائض الوسيط، صحّ رجوع ابن عبّاس رضي الله عنهما عن ذلك فصار إجماعاً اهـ. منه بلفظه. تنبيهان الأول: ما ذكره بعض العلماء وجزم به الألوسي في تفسيره من أن المفهوم في قوله: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ} مفهوم عدد غلط. والتحقيق هو ما ذكرنا من أنه مفهوم شرط، وهو اقوى من مفهوم العدد بدرجات كما رايت فيما تقدم. قال في نشر البنود على مراقي السعود في شرح قوله: شعر : وهو ظرف علة وعدد ومنه شَرْط غاية معتمد تفسير : ما نصّه: والمراد بمفهوم الشرط ما فهم من تعليق حكم على شيء بأداة شرط كإن وإذا، وقال في شرح هذا البيت أيضاً قبل هذا ما نصه: ومنها الشرط نحو {أية : وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ} تفسير : [الطلاق: 6] مفهوم انتفاء المشروط عند انتفاء الشرط أي: فغير أولات حمل لا يجب الإنفاق عليهن ونحو من تطهر صحت صلاته اهـ منه بلفظه. فكذلك قوله: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ} [النساء: 11] علق فيه فرض النصف على شرط هو كون البنت واحدة، ومفهومه أنه إن انتفى الشرط الذي هو كونها واحدة انتفى المشروط الذي هو فرض النصف كما هو ظاهر، فإن قيل كذلك المفهوم في قوله: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ} [النساء: 11] لتعليقه بالشرط فالجواب من وجهين: الأول: أن حقيقة الشرط كونهن نساء. وقوله فوق اثنتين وصف زائد، وكونها واحدة هو نفس الشرط لا وصف زائد، وقد عرفت تقديم مفهوم الشرط على مفهوم الصفة ظرفاً كانت أو غيره. الثاني: أنا لو سلمنا جدلياً أنه مفهوم شرط لتساقط المفهومان لاستوائهما ويطلب الدليل من خارج، وقد ذكرنا الأدلة على كون البنتين ترثان الثلثين كما تقدم. الثاني: إن قيل فما الفائدة في لفظة فوق اثنتين إذا كانت الاثنتان كذلك؟ فالجواب من وجهين: الأول: هو ما ذكرنا من أن حكم الاثنتين أخذ من قوله قبله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] كما تقدم وإذن فقوله: {فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ} تنصيص على حكم الثلاث فصاعداً كما تقدم. الثاني: أن لفظة {فَوْقَ} ذكرت لإفادة أن البنات لا يزدن على الثلثين ولو بلغ عددهن ما بلغ. وأما ادعاء أن لفظة {فَوْقَ} زائدة وادعاء أن {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} معناه اثنتان فما فوقهما فكله ظاهر السقوط كما ترى، والقرآن ينزه عن مثله وإن قال به جماعة من أهل العلم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يوصيكم: يعهد إليكم. في أولادكم: في شأن أولادكم والولد يطلق على الذكر والأنثى. حظ: الحظ الحصة أو النصيب. نساء: بنات كبيرات أو صغيرات. ثلثا ما ترك: الثلث واحد من ثلاثة، والثلثان اثنان من ثلاثة. السدس: واحد من ستة. إن كان له ولد: ذكراً كان أو أنثى، أو كان له وَلَدُ وَلَدٍ أيضا ذكراً أو أنثى فالحكم واحد. فإن كان له إخوة: اثنان فأكثر. من بعد وصية: أي يَخْرُجُ الدين ثم الوصية ويقسم الباقي على الورثة. لا تدرون: لا تعملون. فريضة: فرض الله ذلك عليكم فريضة. عليما حكيما: عليما بخلقه وما يصلح لهم، حكيما في تصرفه في شؤون خلقه وتدبيره لهم. معنى الآية الكريمة: هذه الآية الكريمة [11] {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} الخ والتي بعدها [12] وهي قوله تعالى {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ} إلخ نزلت لتفصيل حكم الآية [7] والتي تضمنت شرعية التوارث بين الأقارب المسلمين، فالآية الأولى [11] يسن تعالى فيها توارث الأبناء مع الآباء فقال تعالى {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ} أي في شأن أولادكم {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} يريد إذا مات الرجل وترك أولاداً ذكورا وإناثا فإن التركة تقسم على أساس أن للذكر مثلَ نصيب الأنثيين فلو ترك ولداً وبنتاً وثلاثة دنانير فإن الولد يأخذ دينارين والبنت تأخذ ديناراً وإن ترك بنات اثنتين أو أكثر ولم يترك معهن ذكراً فإن للبنتين فأكثر الثلثين والباقي للعصبة إذ قال تعالى {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ}. وإن ترك بنتاً واحدة فإن لها النصف والباقي للعصبة وهو معنى قوله تعالى {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ}، وإن كان الميت قد ترك أبويه أي أمه وأباه وترك أولاداً ذكوراً أو إناثاً فإن لكل واحد من أبويه السدس والباقي للأولاد، وهو معنى قوله تعالى: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ}، يريد ذكراً كان أو أنثى. فإن لم يكن للهالك وُلِدٌ ولاَ وَلَدْ وَلَدٍ فلأمه الثلث وإن كان له أخوة اثنان فأكثر فلأمه السدس، هذا معنى قوله تعالى {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ}.أي تسقط من الثلث إلى السدس وهذا يسمى بالحجب فحجبها إخوة ابنها الميت من الثلث إلى السدس. وقوله تعالى {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} يريد أن قسمة التركة على النحو الذي بين تعالى يكون بعد قضاء دين الميت وإخراج ما أوصى به إن كان الثلث فأقل وهو معنى قوله تعالى {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ}. وقوله تعالى {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} معناه نفذوا هذه الوصية المفروضة كما علمكم الله ولا تحاولوا أن تفضلوا أحداً على أحد فإن هؤلاء الوارثين آباؤكم وأبناؤكم ولا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً في الدنيا والآخرة. ولذا فاقسموا التركة كما علمكم بلا محاباة فإن الله تعالى هو القاسم والمعطي عليم بخلقه وبما ينفعهم أو يضرهم حكيم في تدبيره لشؤونهم فليفوض الأمر إليه، وليرض بقسمته فإنها قسمة عليم حكيم. هداية الآية الكريمة من هداية الآية الكريمة: 1- إن الله تعالى تولى قسمة التركات بنفسه فلا يحل لأحد أن يغير منها شيئاً. 2- الإثنان يعتبران جمعا. 3- ولد الولد حكمه حكم الولد نفسه في الحجب. 4- الأب عاصب فقد يأخذ فرضه مع أصحاب الفرائض وما بقى يرثه بالتعصيب لقوله صلى الله عليه وسلم حديث : ألحفوا الفرائض بأهلها فما ابقت الفرائض فالأولى رجل ذكر .

القطان

تفسير : بعد ان ذكر حكم الميراث مجملا، بين هذه الآية والتي بعدها والأخرى التي في آخر السورة {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ...} أحكام الميراث الكبرى، وبقي هناك بعض الفرائض تكفّلت بها السنَّة واجتهاد الأئمة. كانت أسباب الميراث في الجاهلية ثلاثة: (1) النسب: وهو لا يكون الا للرجال الذين يركبون الخيل ويقاتلون العدو، وليس للمرأة والأطفال ميراث. (2) التبني: كان الرجل يتبنى ولدا من الأولاد فيكون له الميراث كاملا. (3) الحلف والعهد: فقد كان الرجل يحالف رجلاً آخر ويقول له: دمي دمُك، وهدمي هدمك، وترثني، وأرثك، وتُطلب بي وأُطلب بك. فاذا فعلا ذلك يرث الحي منهم الميت. ومعنى هدْمي هدْمك (ويجوز فتح الدال): إن طُلب دمك فقد طلب دمي. فلما جاء الاسلام أقرّ الاول والثالث فقط، وجعل الميراث للصغير والكبير على حد سواء، وورّث المرأة. وقد أقر الثالث بقوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ}، كما أبطل التبني بحكم {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ}. فنظام الميراث الذي بينه القرآن نظام عادل معقول، اعترف بذلك عظماء علماء القانون في أوروبا. وقد ابتع فيه الإسلام النظم الآتية: (1) جعل التوريث بتنظيم الشارع لا بإرادة المالك. وجعل للمالك حرية الوصية من ثلث ماله، وفي ذلك عدالة عظمى، وتوزيع مستقيم. (2) جعل للشارع توزيع بقية الثلثين للأقرب فالأقرب، من غير تفرقةٍ بين صغير وكبير، فكان الأولاد أكثر حظاً من غيرهم في الميراث، لأنهم امتداد لشخص المالك. ويشاركهم في ذلك الأبوان والجدة والجد، لكن نصيبهم أقل من الأولاد. وذلك لأن الأولاد محتاجون أكثر من الأبوين والجدّين.. فهم مقبلون على الحياة، فيما الآباء و الأجداد مدْبرون عنها. وتلك حكمة بالغة. (3) جعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل، ليحفظ التوازن بين أعباء الرجل وأعباء الأنثى في التكوين العائلي. فالرجل يتزوج امرأة ويكلَّف بإعالتها هي وأبنائها منه، كما أنه مكلف ايضا باخوانه ووالدته وغيرهما من الأرحام. أما المرأة فانها تقوم بنفسها فقط. والقاعدة تقول: "الغُنم بالغرم"، ومن ثم يبدو التناسق في التكوين العائلي والتوزيع الحكيم في النظام الاسلامي. (4) يتجه الشرع الاسلامي في توزيعه للتركة الى التوزيع ون التجميع، فهو لم يجعلها للولد البكر كما في النظام الانجليزي، ولا من نصيب الأولاد دون البنات، ولم يحرم أحداً من الأقارب، فالميراث في الاسلام يمتد الى ما يقارب القبيلة. وقاعدته: الأقربُ فالأقرب. وقد كرّم المرأة فورّثها وحفظ حقوقها. ثم انه لم يمنع قرابة المرأة من الميراث، بل ورّث القرابة التي يكون من جانبها، كما ورث التي تكون من جانب الأب، فالأخوة والأخوات لأمٍ يأخذون عندما يأخذ الاشقاء. وفي بعض الحالات يأخذ أولاد الأخ ويأخذ الإخوة والأخوات. وهذا تكريم للأمومة لا شك فيه واعتراف بقرابتها. التفسير: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ...} الآية يأمركم الله تعالى في شأن توريث أولادكم ان يكون: للذَّكر مثلُ حظ الانثَيين. واذا كان المولود انثى واحدة فنصيبها النصف، والباقي لأقارب المتوفى، واذا انعدم الأقارب رُدَّت التركة الى بيت المسلمين. واذا كانت الوارثات بنتَين فأكثر فمن حقهن ان يأخذن ثلثي التركة، ويكون الباقي للأقارب أو بيت المال. ولا يرث الكافر، ولا القاتل عمدا، ولا العبد الرقيق. وعند الشيعة الامامية: تأخذ البنت أو البنتان فأكثر جميع التركة، ونصيب كل من الأبوين السدس اذا كان الميت له ولد. واذا كان لم يخلّف الميت أولادا وورثه أبواه ـ أخذت الأم الثلث وكان الباقي للأب. واذا مات الميت وترك أباً وأماً وعددا من الاخوة فلأُمه السدس والباقي للأب، اذ ان الاخوة يحجبون الأم وينقصون ميراثها ولا يرثون. وقال ابن عباس: يأخذون السدس، ولكن هذا مخالف للجمهور. وكل هذه القسمة من بعد تنفيذ الوصية اذا أوصى الفقيد، ومن بعد سداد الدَّين اذا وُجد، والدَّين مقدَّم على الوصية بإجماع العلماء. هذه فريضة من الله يجب اتباعها، اما أنتم فلا تدرون اي الفريقين أقرب لكم نفعاً: آباؤكم أو أبناؤكم، فلا تحرموا أحدا ممن له نصيب من التركة. فالله هو العليم بمصالحكم الحكيم فيما فرض عليكم. قراءات: قرأ حمزة والسكائي "فلإِمه" بكسر الهمزة. وهي الآن لغة بعض البلاد الشامية. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر "يوصى" بفتح الصاد.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَوْلاَدِكُمْ} {وَاحِدَةً} {وَاحِدٍ} {يُوصِي} {آبَآؤُكُمْ} (11) - يَأمُرُكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالْعَدْلِ فِي مُعَامَلَةِ أَبْنَائِكُمْ فَإنَّ أَهْلَ الجَاهِلِيةِ كَانُوا يَجْعَلُونَ المِيْرَاثَ كُلَّهُ لِلذُّكورِ دُونَ الإِنَاثِ، فَأمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمْ فِي المِيْرَاثِ، وَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأنْثَيَينِ نَظَراً لاحْتِياجِ الرَّجُلِ إلى مَؤُونَةِ النَّفَقَةِ، وَالكُلْفَةِ وَمُعَانَاةِ التِّجَارَةِ وَالتَّكَسُّبِ. فَإنْ كَانَ الأوْلاَدُ إنَاثاً اثْنَتَينِ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، فَلَهُنَّ ثُلُثا المِيْرَاثِ، قِيَاساً عَلَى حُكْمِ الأخْتَيْنِ، فَإنَّهُمَا تَأْخُذَانِ ثًُلُثَيِ التَّرِكَةِ، وَالبِنْتَانِ أوْلى بِذَلِكَ مِنَ الأخْتَينِ، لِذَلِكَ اتَّفَقَ الفُقَهَاءُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَكُونُ لِلأَبَوَينِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ. وَإنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ بِنْتٌ وَاحِدَةٌ كَانَ لَهَا نِصْفُ المِيرَاثِ. وَإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أبَوَاهُ، كَانَ لِلأمِّ الثُّلُثُ وَلِلأبِ الثُّلُثَانِ. وَتَرِكَةُ المَيِّتِ لا تُقْسَمُ بَيْنَ الوَرَثَةِ إلاَّ بَعْدَ أنْ يَخْرُجَ مِنْهَا الدَّيْنُ وَالوَصِيَّةُ التِي أَوْصَى بِهَا المَيِّتُ عَلَى أنْ تَكُونَ فِي الحُدُودِ التِي عَيَّنَهَا الشَّرْعُ، فَهُما مُقَدَّمَانِ عَلَى المِيْرَاثِ. وَإذا لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَوفَّى وَلَدٌ وَلَهُ أبَوَانِ وَإخْوَةٌ - أكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ - تَنْزِلُ حِصَّةُ الأمِّ إلى السُّدُسِ، وَلاَ يَسْتَفِيدُ الأوْلاَدُ شَيْئاً مِنَ المِيرَاثِ بِهذا الحَجْبِ، وَيُحوزُ الأَبُ خَمْسَةَ أسْدَاسِ المِيرَاثِ البَاقِيَةَ كُلَّها، وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ إنَّ الأبَ يَلِي نَفَقَةَ أوْلاَدِهِ، أمَّا الأمُّ فَلاَ تَجِبُ عَلَيْهَا نَفَقَتُهُمْ. وَيَقُولُ تَعَالَى إنَّهُ إنَّمَا فَرَضَ لِلآبَاءِ وَالأبْنَاءِ نَصِيباً مِنَ المِيرَاثِ، وَجَعَلَ لَهُمْ جَمِيعاً حَقّاً فِي المِيرَاثِ لأنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَأْتِيهِ النَّفْعُ فِي الدُّنْيَا أوْ فِي الآخِرَةِ مِنْ أبَويهِ أكْثَرَ مِمّا يَأتِيهِ مِنْ أبْنَائِهِ، وَقَدْ يَكُونُ العَكْسُ هُوَ الصَّحِيحُ. وَالذِي يَعْلَمُ ذَلِكَ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ. الحَظُّ - النَّصِيبُ وَالحِصَّةُ. يُوصِيكُمُ - يَعْهَدُ إلَيْكُمْ بِأنْ تَفْعَلُوا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعم الرب خالقنا؛ إنه يوصينا في أولادنا، سبحانه رب العرش العظيم، كأننا عند ربنا أحب منا عند أبائنا. وقوله الكريم: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ ..} [النساء: 11] توضح أنه رحيم بنا ومحب لنا. ومادة الوصية إذا ما استقرأناها في القرآن نجد - بالاستقراء - أن مادة الوصية مصحوبة بالباء، فقال سبحانه: {أية : ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تفسير : [الأنعام: 153]. وقال سبحانه: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً ..} تفسير : [الشورى: 13]. وقال الحق أيضاً: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ ..} تفسير : [لقمان: 14]. كل هذه الآيات جاءت الوصية فيها مصحوبة بالباء التي تأتي للإلصاق. لكن عندما وصّى الآباء على الأبناء قال: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ ..} [النساء: 11] فكأن الوصية مغروسة ومثبتة في الأولاد، فكلما رأيت الظرف وهو الولد ذكرت الوصية. وما هي الوصية؟ إنها {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْن ..} [النساء: 11] وقلنا من قبل: إن الحق قال: {أية : لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ ..} تفسير : [النساء: 7]. ولم يحدد النصيب بعد هذه الآية مباشرة إلا بعد ما جاء بحكاية اليتامى وتحذير الناس من أكل مال اليتيم، لماذا؟ لأن ذلك يربي في النفس الاشتياق للحكم، وحين تستشرف النفس إلى تفصيل الحكم، ويأتي الحكم بعد طلب النفس له، فإنه يتمكن منها. الشيء حين تطلبه النفس تكون مهيأة لاستقباله، لكن حينما يعرض الأمر بدون طلب، فالنفس تقبله مرة وتعرض عنه مرة أخرى. ونلحظ ذلك في مناسبة تحديد أنصبة الميراث. فقد قال الحق سبحانه أولاً: {أية : لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ ..} تفسير : [النساء: 7]. وعرض بعد ذلك أمر القسمة ورعاية اليتامى والمساكين وأولي القُربى، ثم يأتي الأمر والحكم برعاية مال اليتيم والتحذير من نهبه، وبعد ذلك يقول: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُم ..} [النساء: 11] ويأتي البند الأول في الوصية {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ ..} [النساء: 11] ولماذا لم يقل "للأنثيين مثل حظ الذكر". أو "للأنثى نصف حظ الذكر"، هذه معان يمكن أن تعبر عن المطلوب. لقد أراد الله أن يكون المقياس، أو المكيال هو حظ الأنثى، ويكون حظ الرجل هنا منسوباً إلى الأنثى، لأنه لو قال: "للأنثى نصف حظ الرجل" لكان المقياس هو الرجل، لكنه سبحانه جعل المقياس للأنثى فقال: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ ..} [النساء: 11]. والذين يقولون: هذا أول ظلم يصيب المرأة، نريد المساواة. نقول لهم: انظروا إلى العدالة هنا. فالذكر مطلوب له زوجة ينفق عليها، والأنثى مطلوب لها ذكر ينفق عليها، إذن فنصف حظ الذكر يكفيها إن عاشت دون زواج، وإن تزوجت فإن النصف الذي يخصها سيبقى لها، وسيكون لها زوج يعولها. إذن فأيهما أكثر حظاً في القسمة؟ إنها الأنثى. ولذلك جعلها الله الأصل والمقياس حينما قال: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ ..} [النساء: 11] فهل في هذا القول جور أو فيه محاباة للمرأة؟ إن في هذا القول محاباة للمرأة؛ لأنه أولاً جعل نصيبها المكيال الذي يُرد إليه الأمر؛ لأن الرجل المطلوب منه أن ينفق على الأنثى، وهي مطلوب لها زوج ينفق عليها. إذن فما تأخذه من نصف حظ الذكر يكون خالصاً لها، وكان يجب أن تقولوا: لماذا حابى الله المرأة؟ لقد حابى الله المرأة لأنها عرض، فَصَانَها، فإن لم تتزوج تجد ما تنفقه، وإن تزوجت فهذا فضل من الله، ثم يقول الحق: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَك ..} [النساء: 11]. وأنا أريد أن نستجمع الذهن هنا جيداً لنتعرف تماماً على مراد الحق ومسالك القرآن في تنبيه الأذهان لاستقبال كلام الله. فقد كرم الله الإنسان بالعقل، والعقل لا بد له من رياضة. ومعنى الرياضة هو التدريب على حل المسائل، وإن طرأت مشكلات هيأ نفسه لها بالحل، وأن يملك القدرة على الاستنباط والتقييم، كل هذه من مهام العقل. فيأتي الحق في أهم شيء يتعلق بالإنسان وهو الدين، والدليل إلى الدين وحافظ منهجه هو القرآن، فيجعل للعقل مهمة إبداعية. إنه - سبحانه - لا يأتي بالنصوص كمواد القانون في الجنايات أو الجنح، ولكنه يعطي في مكان ما جُزْءاً من الحكم، ويترك بقية القانون لتتضح معالمه في موقع آخر من القرآن بجزئية أخرى، لأنه يريد أن يوضح لنا أن المنهج الإلهي كمنهج واحد متكامل، وأنه ينقلك من شيء إلى شيء، ويستكمل حكماً في أكثر من موقع بالقرآن. وذلك حتى تتعرف على المنهج ككل. وأنك إذا كنت بصدد شيء فلا تظن أن هذا الشيء بمفرده هو المنهج، ولكن هناك أشياء ستأتي استطراداً تتداخل مع الشيء الذي تبحث عن حكم الله فيه، مثال ذلك: مسألة اليتيم التي تتداخل مع أحكام الميراث. وهذه الآية تعطينا مثل هذه المسألة لماذا؟ لأن الله يريد لك يا صاحب العقل الدربة في الإطار الذي يضم الحياة كلها. وما يهمك أولاً هو دينك، فلتعمل عقلك فيه، فإذا أعملت عقلك في الدين أعطيت عقلك النشاط ليعمل في المجال الآخر. لكن إذا غرق ذهنك في أي أمر جزئي فهذا قد يبعد بك عن الإطار العام لتنشغل بالتفاصيل عن الهدف العام. وأولادنا من الممكن أن يعلمونا من تجربة من ألعابهم، فالطفل يلعب مع أقرانه "الاستغماية"، ويختبىء كل قرين في مكان، ويبحث الطفل عن أقرانه. ونحن نلعب أيضاً مع أولادنا لعبة إخفاء شيء ما في يد ونطبق أيدينا ونترك الإبن يخمن بالحدس في أي يد يكون الشيء، إنها دربة للعقل على الاستنباط، فإن كان الولد سريع البديهة قوي الملاحظة ويمتلىء بالذكاء، فهو يرى يَدَيْ والده ليقارن أي يد ترتعش قليلاً، أو أي ليست طبيعية في طريقة إطباق الأب لها فيختارها، وينتصر بذلك ذكاء الولد، وهذه عملية ترويض للطفل على الاستنباط والفهم، وبذلك تعلم الطفل ألا يأخذ المسائل ضربة لازب بدون فكر ولا دُربة. والحق سبحانه أراد أن تكون أحكامه موزعة في المواقع المختلفة، ولننظر إلى قوله: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ..} [النساء: 11] أي أنه إن لم ينجب المورث ذكراً وكان له أكثر من اثنتين فلهن ثلثا ما ترك. أما لو كان معهن ذكر، فالواحدة منهن ستأخذ نصف نصيب الذكر، وإن كانت الوارثة بنتاً واحدة، فالآية تعطيها النصف من الميراث {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ..} [النساء: 11] وبقي شيء لم يأت الله له بحكم، وهو أن يكون المورث قد ترك ابنتين. وهنا نجد أن الحق قد ضمن للاثنتين في إطار الثلاث بنات أو أكثر أخذ الثلثين من التركة، هكذا قال العلماء، ولماذا لم ينص على ذلك بوضوح؟ لقد ترك هذه المهمة للعقل، فالبنت حينما ترث مع الذكر تأخذ ثلث التركة، وعندما تكون مع ابنة أخرى دون ذكر، تأخذ الثلث. فإذا كانت مع الذكر وهو القائم بمسئولية الكدح تأخذ الثلث، ولذلك فمن المنطقي أن تأخذ كل أنثى الثلث إن كان المورث قد ترك ابنتين. وهناك شيء آخر، لتعرف أن القرآن يأتي كله كمنهج متماسك، فهناك آية أخرى في سورة النساء تناقش جزئية من هذا الأمر ليترك للعقل فرصة العمل والبحث، يقول سبحانه: {أية : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تفسير : [النساء: 176]. لقد جاء الحق هنا بأختي المورث وأوضح أن لهما الثلثين من التركة إن لم يكن للمورث ولد - ابن أو بنت - فإذا كان للأختين الثلثان، فأيهما ألصق بالمورث، البنتان أم الأختان؟ إن ابنتي المورث ألصق به من أختيه، ولذلك فللبنتين الثلثان، فالإبنة إن كانت مع أخيها فستأخذ الثلث، وإن كانت قد ورثت بمفردها فستأخذ النصف. وإن كانت الوارثات من البنات أكثر من اثنتين فسيأخذن الثلثين، وإن كانتا اثنتين فستأخذ كل منهما الثلث، لماذا؟ لأن الله أعطى الأختين ثلثي ما ترك المورث إن لم يكن له أولاد. ومن العجيب أنه جاء بالجمع في الآية الأولى الخاصة بتوريث البنات، وجاء بالمثنى في الآية التي تورث الأخوات، لنأخذ المثنى هناك - في آية توريث الأخوات - لينسحب على الجمع هنا، ونأخذ الجمع هنا - في آية توريث البنات - لينسحب على المثنى هناك. لقد أراد الحق أن يجعل للعقل مهمة البحث والاستقصاء والاستنباط وذلك حتى نأخذ الأحكام بعشق وحسن فهم، وعندما يقول سبحانه: {أية : يَسْتَفْتُونَكَ ..} تفسير : [النساء: 176] فمعنى يستفتونك أي يطلبون منك الفتوى، وهذا دليل على أن المؤمن الذي سأل وطلب الفتيا قد عشق التكليف، فهو يحب أن يعرف حكم الله، حتى فيما لم يبدأ الله به الحكم. وقد سأل المؤمنون الأوائل وطلبوا الفتيا عشقاً في التكليف {أية : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ ..} تفسير : [النساء: 176] والكلالة مأخوذة من الإكليل وهو ما يحيط بالرأس، والكلالة هي القرابة التي تحيط بالإنسان وليست من أصله ولا من فصله. {أية : إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تفسير : [النساء: 176]. وهذه الآية تكمل الآية الأولى. ونعود إلى تفصيل الآية الأولى التي نحن بصدد خواطرنا الإيمانية عنها: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ..} [النساء: 11]. ومعنى ذلك أن المورث إن لم يكن له الأولاد فللأم الثلث، والأب له الثلثان، فإن كان للمورث إخوة أشقاء أو لأب أو لأم فللأم السدس حسب النص القرآني {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ..} [النساء: 11]، وذلك بعد أن تنفذ وصية المورث، ويؤدِّي الدَّيْن الذي عليه. والوصية هنا مقدمة على الدين؛ لأن الدين له مُطالب، فهو يستطيع المطالبة بدينه، أما الوصية فليس لها مطالب، وقد قدمها الحق للعناية بها حتى لا نهملها. ويذيل الحق هذه الآية: {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 11]. فإياك أن تحدد الأنصباء على قدر ما تظن من النفعية في الآباء أو من النفعية في الأبناء، فالنفعية في الآباء تتضح عندما يقول الإنسان: "لقد رباني أبي وهو الذي صنع لي فرص المستقبل". والنفعية في الأبناء تتضح عندما يقول الإنسان: إن أبي راحل وأبنائي هم الذين سيحملون ذكري واسمي والحياة مقبلة عليهم. فيوضح الحق: إياك أن تحكم بمثل هذا الحكم؛ فليس لك شأن بهذا الأمر: {لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ..} [النساء: 11]. وما دمت لا تدري أيهم أقرب لك نفعاً فالتزم حكم الله الذي يعلم المصلحة وتوجيهها في الأنصبة كما يجب أن تكون. ونحن حين نسمع: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 11] أو نسمع: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيما} تفسير : [النساء: 106] فنحن نسمعها في إطار أن الله لا يتغير، وما دام كان في الأزل عليماً حكيماً وغفوراً رحيماً فهو لا يزال كذلك إلى الأبد. فالأغيار لا تأتي إلى الله، وثبت له العلم والحكمة والخبرة والمغفرة والرحمة أزلاً وهو غير متغير، وهذه صفات ثابتة لا تتغير. لذلك فعندما تقرأ: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 11] أو {أية : إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 106]، فالمسلم منا يقول بينه وبين نفسه: ولا يزال كذلك. والحق يقول من بعد ذلك: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما أوصى تعالى في الآيات السابقة بالأيتام وذكر ضمنها حق الأقارب بالإِجمال، أعقبه بذكر أحكام المواريث بالتفصيل ليكون ذلك توضيحاً لما سبق من الإِجمال فذكر نصيب الأولاد بنين وبنات، ثم ذكر نصيب الآباء والأمهات، ثم نصيب الأزواج والزوجات، ثم نصيب الإِخوة والأخوات. اللغَة: {يُوصِيكُمُ} الوصية: العهد بالشيء والأمر به ولفظ الإِيصاء أبلغ وأدل على الاهتمام من لفظ الأمر لأنه طلب الحرص على الشيء والتمسك به {فَرِيضَةً} أي حقاً فرضه الله وأوجبه {كَلاَلَةً} أن يموت الرجل ولا ولد له ولا والد أي لا أصل له ولا فرع لأنها مشتقة من الكلّ بمعنى الضعف يقال: كلَّ الرجل إِذا ضعف وذهبت قوته {حُدُودُ ٱللَّهِ} أحكامه وفرائضه المحدودة التي لا تجوز مجاوزتها. سَبَبُ النّزول: روي حديث : أن امرأة "سعد بن الربيع" جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبنتيها فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قُتل أبوهما سعد معك بأُحد شهيداً، وإِن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً، ولا تُنكحان إِلا بمال فقال صلى الله عليه وسلم: يقضي الله في ذلك فنزلت آية المواريث {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} الآية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى عمهما أن أعط إِبنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك . تفسير : التفسِير: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} أي يأمركم الله ويعهد إِليكم بالعدل في شأن ميراث أولادكم {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} أي للإِبن من الميراث مثل نصيب البنتين {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ} أي إِن كان الوارث إِناثاً فقط اثنتين فأكثر {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} أي فللبنتين فأكثر ثلثا التركة {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ} أي وإِن كانت الوارثة بنتاً واحدة فلها نصف التركة.. بدأَ تعالى بذكر ميراث الأولاد ثم ذكر ميراث الأبوين لأن الفرع مقدم في الإِرث على الأصل فقال تعالى {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ} أي للأب السدس وللأم السدس {مِمَّا تَرَكَ} أي من تركة الميت {إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} أي إِن وجد للميت ابن أو بنت لأن الولد يطلق على الذكر والأنثى {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} أي فإِن لم يوجد للميت أولاد وكان الوارث أبواه فقط أو معهما أحد الزوجين {فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ} أي فللأم ثلث المال أو ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين والباقي للأب {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ} أي فإِن وجد مع الأبوين إِخوة للميت "اثنان فأكثر" فالأم ترث حينئذٍ السدس فقط والباقي للأب، والحكمة أن الأب مكلف بالنفقة عليهم دون أمهم فكانت حاجته إِلى المال أكثر {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} أي إِن حق الورثة يكون بعد تنفيذ وصية الميت وقضاء ديونه فلا تقسم التركة إِلا بعد ذلك {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} أي إِنه تعالى تولّى قسمة المواريث بنفسه وفرض الفرائض على ما علمه من الحكمة، فقسم حيث توجد المصلحة وتتوفر المنفعة ولو ترك الأمر إِلى البشر لم يعلموا أيهم أنفع لهم فيضعون الأموال على غير حكمة ولهذا أتبعه بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} أي إِنه تعالى عليم بما يصلح لخلقه حكيم فيما شرع وفرض.. ثم ذكر تعالى ميراث الزوج والزوجة فقال {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ} أي ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم من المال إِن لم يكن لزوجاتكم أولاد منكم أو من غيركم {فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} أي من ميراثهن، وألحق بالولد في ذلك ولد الإِبن بالإِجماع {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} أي من بعد الوصية وقضاء الدين {وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ} أي ولزوجاتكم واحدة فأكثر الربع مما تركتم من الميراث إِِن لم يكن لكم ولد منهن أو من غيرهن {فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم} أي فإِن كان لكم ولد منهن أو من غيرهن فلزوجاتكم الثمن مما تركتم من المال {مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} وفي تكرير ذكر الوصية والدين من الاعتناء بشأنهما ما لا يخفي. {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً} أي وإِن كان الميت يورث كلالة أي لا والد له ولا ولد وورثه أقاربه البعيدون لعدم وجود الأصل أو الفرع {أَو ٱمْرَأَةٌ} عطف على رجل والمعنى أو امرأةٌ تورث كلالة {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} أي وللمورّث أخ أو أخت من أم {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ} أي فللأخ من الأم السدس وللأخت للأم السدس أيضاً {فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ} أي فإِن كان الإِخوة والأخوات من الأم أكثر من واحد فإِنهم يقتسمون الثلث بالسوية ذكورهم وإِناثهم في الميراث سواء، قال في البحر: وأجمعوا على أن المراد في هذه الآية الإِخوة للأم {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ} أي بقصد أن تكون الوصية للمصلحة لا بقصد الإِضرار بالورثة أي في حدود الوصية بالثلث لقوله عليه السلام "حديث : الثلث والثلث كثير" تفسير : {وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ} أي أوصاكم الله بذلك وصية {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} أي عالم بما شرع حليم لا يعاجل العقوبة لمن خالف أمره {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي تلك الأحكام المذكورة شرائع الله التي حدّها لعباده ليعملوا بها ولا يعتدوها {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي من يطع أمر الله فيما حكم وأمر رسوله فيما بيّن، يدخله جنات النعيم التي تجري من تحت أشجارها وأبنيتها الأنهار {خَالِدِينَ فِيهَا} أي ماكثين فيها أبداً {وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي الفلاح العظيم {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} أي ومن يعص أمر الله وأمر الرسول ويتجاوز ما حدّه تعالى له من الطاعات {يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا} أي يجعله مخلداً في نار جهنم لا يخرُج منها أبداً {وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي وله عذاب شديد مع الإِهانة والإِذلال والعذاب والنكال. البَلاَغَة: تضمنت الآيات من أصناف البديع ما يلي: 1- الطباق في لفظ {الذكر والانثى} وفي {وَمَن يُطِعِ وَمَن يَعْصِ} وفي {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ}. 2- الإِطناب في {مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْن} و {ٍمِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} والفائدة التأكيد على تنفيذ ما ذكر. 3- جناس الاشتقاق في {وَصِيَّةٍ يُوصِي}. 4- المبالغة في {عَلِيمٌ ، حَلِيمٌ}. فَائِدَة: استنبط بعض العلماء من قوله تعالى {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} أنه تعالى أرحم من الوالدة بولدها حيث أوصى الوالدين بأولادهم ويؤيده ما ورد "للهُ أرحم بعباده من هذه بولدها". تنبيه: وجه الحكمة في تضعيف نصيب الذكر هو احتياجه إِلى مؤنة النفقة ومعاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق، فنفقاته أكثر والتزاماته أضخم فهو إِلى المال أحوج.

الأندلسي

تفسير : {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ} الآية. لما أبهم في قوله: نصيب مما ترك الولدان والأقربون، في المقدار والأقربين، بيّن في هذه الآية المقادير ومن يرث من الأقربين وبدأ بالأولاد وارثهم من والديهم كما بدأ في قوله: {أية : لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ} تفسير : [النساء: 7]، بهم وفي قوله: في أولادكم إجمال، أيضاً بينه بعد وبدأ بقوله: {لِلذَّكَرِ} وتبيين ماله دلالة على فضله وكان تقديم الذكر أدل على فضله من ذكر بيان نقص الأنثى عنه ولأنهم كانوا يورثون الذكور دون الإِناث فكفاهم أن ضوعف لهم نصيب الإِناث فلا يحرمن إذ هن يدلين بمثل ما يدلون من الوالدية، وقد اختلف القول في سبب النزول ومضمن أكثر تلك الأقوال أنهم كانوا لا يورثون البنات كما تقدم فنزلت تبييناً لذلك ولغيره. {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} ظاهر هذا التقسيم إن ما زاد على الثنتين من الأولاد يرثن الثلثين مما ترك مورّثهما. وظاهر السياق انحصار الوارث فيهن. ولما كان لفظ الأولاد يشمل الذكور والإِناث وقصد هنا بيان حكم الإِناث أخلص الضمير للتأنيث إذ الإِناث أحد قسمي ما ينطلق عليه الأولاد فعاد الضمير على أحد القسمين. والضمير في كن ضمير الإِناث كما قلنا أي، فإِن كان الوارثات نساء حسن كونه خبر الوصف بقوله بفوق اثنتين. وأجاز الزمخشري أن يكون نساء خبراً وفوق خبراً ثانياً لكان، وليس بشيء لأن الخبر لا بد أن تستقل به فائدة الإِسناد ولو سكت على قوله: فإِن كن نساء لكان نظير إن كان الزيدون رجالاً وهذا ليس بكلام. وقال بعض البصريين: التقدير وإن كان المتروكات نساء فوق اثنتين وقدره الزمخشري البنات أو المولودات. وقال الزمخشري: فإِن قلت: هل يصح أن يكون الضمير إن في كن وكانت مبهمين ويكون نساء وواحدة تفسيراً لهما على ان كان تامة؟ قلت: لا أبعد ذلك. "انتهى". ويعني بالابهام أنهما لا يعودان على مفسر متقدم بل يكون مفسرهما هو المنصوب بعدهما وهذا الذي لم يبعده الزمخشري هو بعيد أو ممنوع البتة لأن كان ليست من الأفعال التي يكون فاعلها مضمراً يفسره ما بعده بل هذا مختص من الأفعال بنعم وبئس. وما حمل عليهما وفي باب التنازع على ما قرر في النحو. ومعنى فوق أكثر من اثنتين بالغات ما بلغن من العدد فليس لهن إلا الثلثان ومن زعم أن معنى قوله: نساء فوق اثنتين اثنتين فما فوقهما وإن قوة الكلام تقتضي ذلك كابن عطية أو انّ فوق زائدة مستدلاً بأن فوق قد زيدت في قوله: {أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ} تفسير : [الأنفال: 12]، فلا يحتاج في رد ما زعم إلى حجة لوضوح فساده وذكروا أن سهم البنتين في الميراث الثلثان كالبنات قالوا: ولم يخالف في ذلك إلا ابن عباس فإِنه يرى لهما النصف إذا انفردا كحالهما إذا اجتمعا مع الذكر وورد في الحديث في قصة أوس بن ثابت، انّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى البنتين الثلثين. {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ} أي وكانت الوارثة واحدة. قرىء بضم التاء على أنّ كان تامة وبنصبها على الخبر. وقرىء النصف بضم النون وكسرها. {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} لما ذكر الفروع ومقدار ما يرثون أخذ في ذكر الأصول ومقدار ما يرثون فذكر أن الميت يرث منه أبواه كل واحد السدس إن كان للميت ولد أبواه هما أبوه وأمه. وغلب لفظ الأب في التثنية كما قيل: القمران، فغلب القمر لتذكيره على الشمس وهي تثنية لا تنقاس. وشمل قوله: وله ولد الذكر والأنثى والواحد والجماعة وظاهر الآية ان فرض الأب السدس إذا كان للميت ولد أيّ ولد كان وباقي المال للولد ذكراً كان أو أنثى والحكم عند الجمهور أنه لو كان الولد ابنه أخذ السدس فرضاً والباقي تعصيباً وتعلقت الروافض بظاهر لفظ ولد فقالوا السدس لكل واحد من أبويه والباقي للبنت أو الابن إذ الولد يقع على الذكر والأنثى. والضمير في لأبويه عائد على ما عاد عليه الضمير في ترك وهو ضمير الميت الدال عليه معنى الكلام وسياقه ولكل واحد منهما بدل من أبويه، ويفيد معنى التفصيل وتبيين أن السدس لكل واحد منهما إذ لولا هذا البدل لكان الظاهر اشتراكهما في السدس وهو أبلغ وآكد من قولك: لكل واحد من أبويه السدس إذ تكرر ذكرهما مرتين مرة بالإِظهار ومرة بالضمير العائد عليهما. وقال الزمخشري: والسدس مبتدأ وخبره لأبويه والبدل متوسط بينهما. "انتهى". وفي قول الزمخشري: والسدس مبتدأ وخبره لأبويه نظراً لأن البدل هو الذي يكون الخبر له دون المبدل منه كما مثلناه في قولك: أبواك كل واحد منهما يصنع كذا إذا أعربنا كلا بدلاً. وكما تقول: إن زيداً عينه حسنة، فكذلك ينبغي أن يكون إذا وقع البدل خبراً فلا يكون المبدل منه هو الخبر، واستغنى عن جعل المبدل منه خبراً بالبدل كما استغنى عن الاخبار عن اسم انّ وهو المبدل منه بالاخبار عن البدل ولو كان التركيب ولأبويه السدسان لا وهم التنصيف أو الترجيح في المقدار بين الأبوين، فكان هذا التركيب القرآني في غاية النصيّة والفصاحة وظاهر قوله: ولأبويه انهما اللذان ولد الميت قريباً لاجداه ولا من علا من الأجداد وزعموا إن قوله: في أولادكم، يتناول من سفل من الأبناء، قالوا: لأن الأبوين لفظ مثنى لا يحتمل العموم ولا الجمع بخلاف قوله: في أولادكم، وفيما قالوه نظروهما عندي سواء في الدلالة ان نظر الى حمل اللفظ على حقيقته فلا يتناول إلا الأبناء الذين ولدهم الأبوان قريباً لا من سفل كالأبوين لا يتناول إلا من ولداه قريباً لا من علا أو إلى حمل اللفظ على مجازه فيشترك اللفظان في ذلك فينطلق الأبوان على من ولداه قريباً. ومن علا كما ينطلق الأولاد على من ولداهم قريباً ومن سفل وتبيين جملة على الحقيقة في الموضعين أن إبن الابن لا يرث مع الابن وأن الجدة لا يفرض لها الثلث بإِجماع فلم يتنزل ابن الابن منزلة ابن مع وجوده ولا الجدة منزلة الأم. {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ} قوله: فإِن لم يكن له ولد، قسيم لقوله: إن كان له ولد وورثه أبواه، دليل على أنهما انفردا بميراثه ليس معهما أحد من أهل السهام لا ولد ولا غيره؛ فيكون قوله: وورثه أبواه حكماً لهما بجميع المال فإِذا خلص للأم الثلث كان الباقي وهو الثلثان للأب. فذكر القسم الواحد يدل على الآخر كما تقول: هذا المال لزيد وعمر ولزيد منه الثلث، فيعلم قطعاً أن باقيه وهو الثلثان لعمرو فلو كان معهما زوج كان للأم السدس وهو الثلث بالاضافة إلى الأب وقال ابن عباس وشريح: للأم الثلث من جميع المال مع الزوج، والنصف للزوج، وما بقي للأب فيكون معنى وورثه أبواه منفردين أو مع غير ولد وهذا مخالف لظاهر قوله: وورثه أبواه إذ يدل على أنهما انفردا بالإِرث فيتقاسمان للذكر مثل حظ الأنثيين ولا شك أن الأب أقوى في الإِرث من الأم إذ يضعف نصيبه على نصيبهما إذ انفرد بالإِرث ويرث بالفرض وبالتعصيب وبهما. وفي قول ابن عباس وشريح: يكون لهما مع الزوج والأب مثل حظ الذكرين فتصير أقوى من الأب وتصير الأنثى لها مثلاً حظ الذكر. ولا دليل على ذلك من نص ولا قياس. {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ} المعنى أنه إذا كان أب وأم وأخوة كان نصيب الأم السدس وحطها الاخوة من الثلث إلى السدس وصار الأب يأخذ الخمسة الأسداس. وذهب ابن عباس إلى أن الأخوة يأخذون ما حجبوا الأم عنه وهو السدسي ولا يأخذه الأب. وروى عنه أن الأب يأخذه لا الأخوة كقول الجماعة. وقال الزمخشري: الاخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة بغير كمّة والتثنية كالتثليث والتربيع في إفادة الكمية وهذا موضع الدلالة على الجمع المطلق فدل بالاخوة عليه. "انتهى". ولا يسلم له دعوى ان الاخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة بل تفيد معنى الجمعية التي بعد التثنية بغير كمية فيما بعد التثنية فيحتاج في إثبات دعواه إلى دليل وظاهر إخوة الاطلاق فيتناول الاخوة من الأم فيحجبون كما قلنا. قيل: وذهبت الروافض إلى أن الأخوة من الأم لا يحجبون الأمّ لأنهم يدلون بها فلا يجوز أن يحجبوها ويجعلوها كغيرها فيصيرون ضارين لها نافعين لغيرها واستدل بهذه الآية على أن البنت تقلب حق الأم من الثلث إلى السدس بقوله: فإِن كان له إخوة لأنها إذا حرمت الثلث بالاخوة وانتقلت إلى السدس فلأن تحرم بالبنت أولى. {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} المعنى أن قسمة المال بين من ذكر إنما يكون بعد خروج ما يجب إخراجه بوصية أو بدين وليس تعلق الوصية والدين بالتركة سواء إذ لو هلك من التركة شيء قبل القسمة ذهب من الورثة والموصى له جميعاً ويبقى الباقي بينهم بالشركة ولا يسقط من الدين شيء بهلاك شيء من التركة فليس تعلق الوصية والدين بالمال الموروث سواء، ألا ترى إن الدين لا يسقط منه شيء بذهاب بعض المال بخلاف الوصية فإِنها يسقط منها ما يقابل بعض المال الذاهب ويتعلق من بعد بفعل محذوف تقديره يستحقون ذلك من بعد وصية. وقرىء يوصى بها بكسر الصاد وفتحها وهو مضارع في موضع الماضي وأو هنا كهي في قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين. {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} أي فاقتسموا الميراث على ما بين لكم من يعلم النفع والمصلحة فإِنكم لا تدرون أنتم ذلك. وقال الزجاج: انه تعالى قد فرض الفرائض على ما هو حكمة عنده ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم فتضيعون الأموال على غير حكمة ولهذا اتبعه بقوله: إن الله كان عليماً أي بمصالح خلقه حكيماً فيما فرض. وأيهم أقرب مبتدأ، وخبر علق عنه تدرون لأنه من أفعال القلوب، والجملة في موضع نصب، ويجوز أن يكون أيهم موصولاً مفعولاً بتدرون وهو مبني على الضم إذ قد وجد شرط بنائها وهو إضافتها لما بعدها وحذف صدر صلتها فالمعنى لا تدرون الذين هم أقرب لكم نفعاً. {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} انتصب على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة في قسمة المواريث فوقع فريضة موقع فرضا من الله أو على أنها حال مؤكدة لمضمون الجملة السابقة. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} فيما فرض وقسم من المواريث وغيرها.

الجيلاني

تفسير : ثم لما قدر سبحانه على المتوارثين نصيباً مفروضاً على وجه الإجمال، أراد أن يفصل ويعين أنصباءهم، فقال: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ} أي: يأخذ منكم العهد ويأمركم بمحافظته {فِيۤ} حق {أَوْلَٰدِكُمْ} المستخلفين بعدكم، وهو أن يُقسَّم متروك المتوفى منكم بينهم {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} أي: لأن كل ذكر لا بد له من أنثى أو أكثر ليتزوجها، حتى يتم أمر النظام الإلهي والنكاح المعنوي، ويجب عليه جميع حوائجها، وكذا لكل أنثى لا بد لها من ذكر ينكحها بعين ما ذكر، ويأتي بحوائجها، فاقتضت أيضاً الحكمة الألهية أن يكون نصيبهما بقدر كفافهما واحتياجهما؛ لذلك عينه سبحانه هكذا. {فَإِن كُنَّ} أي: الوارثات {نِسَآءً} خلصاً ليس بينهن ذكور، هن {فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} المتوفى {وَإِن كَانَتْ} الوارثة بنتاً {وَاحِدَةً} فقط {فَلَهَا ٱلنِّصْفُ} مما ترك المتوفى، وإن كانتا بنتين فقط، فقد اختلف فيهما، فقال ابن عباس: حكمهما حكم الواحدة، وقال الباقون: حكمهما حكم ما فوق الاثنين، وعلى هذا يكون لفظة: {فَوْقَ} مقحماً، كما في قوله تعالى: {أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ}تفسير : [الأنفال: 12] وكذا عيَّن سبحانه نصيب الأبوين، فقال: {وَلأَبَوَيْهِ} أي: لأبوي المتوفى {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ} المتوفى {إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} ذكراً أو أنثى {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ} وللأب الباقي، هذا إذا لم يكن له غير الأب والأم وارث. {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} للمتوفى {فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ} أي: تردون الأم من الثلث إلى السدس بخلاف الأب، فإنهم لا يرثون معه هذه القسمة والأنصباء المعينة {مِن بَعْدِ} إخراجه {وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ} من ماله للفقراء {أَوْ} قضاء {دَيْنٍ} كان في ذمته، وهما أيضاً بعد تجهيزه وتكفينه، ثم أشار سبحانه إلى أن أمر الميراث وتعيين الأنصباء أمر تعبدي، ليس لكم أن تتخلفوا عنها؛ لمقتضى ميلكم وظنكم، إلى أن تورثوا بعض الورثة وتحرموا الآخر، بل لكم ألاَّ تفاوتوا بينهم، سواء كانوا {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ}. إذ {لاَ تَدْرُونَ} ولا تعلمون جزماً {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} في الدار الآخرة عند الله فعليكم ألاَّ تتجاوزوا عن قسمة الله، بل انقادوا لها واعتدوها {فَرِيضَةً} مقدرة {مِّنَ} عندن {ٱللَّهِ} صادرة عن محض العلم و الحكمة {إِنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوال عباده {كَانَ عَلِيماً} بمصالحهم {حَكِيماً} [النساء: 11] في ترتيبها وتدبيرها.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه الآيات والآية التي هي آخر السورة هن آيات المواريث المتضمنة لها. فإنها مع حديث عبد الله بن عباس الثابت في صحيح البخاري "ألْحِقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" - مشتملات على جل أحكام الفرائض، بل على جميعها كما سترى ذلك، إلا ميراث الجدات فإنه غير مذكور في ذلك. لكنه قد ثبت في السنن عن المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس، مع إجماع العلماء على ذلك. فقوله تعالى: { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ } أي: أولادكم -يا معشر الوالِدِين- عندكم ودائع قد وصاكم الله عليهم، لتقوموا بمصالحهم الدينية والدنيوية، فتعلمونهم وتؤدبونهم وتكفونهم عن المفاسد، وتأمرونهم بطاعة الله وملازمة التقوى على الدوام كما قال تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } تفسير : فالأولاد عند والديهم موصى بهم، فإما أن يقوموا بتلك الوصية، وإما أن يضيعوها فيستحقوا بذلك الوعيد والعقاب. وهذا مما يدل على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالدين، حيث أوصى الوالدين مع كمال شفقتهم، عليهم. ثم ذكر كيفية إرثهم فقال: { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ } أي: الأولاد للصلب، والأولاد للابن، للذكر مثل حظ الأنثيين، إن لم يكن معهم صاحب فرض، أو ما أبقت الفروض يقتسمونه كذلك، وقد أجمع العلماء على ذلك، وأنه -مع وجود أولاد الصلب- فالميراث لهم. وليس لأولاد الابن شيء، حيث كان أولاد الصلب ذكورًا وإناثا، هذا مع اجتماع الذكور والإناث. وهنا حالتان: انفراد الذكور، وسيأتي حكمها. وانفراد الإناث، وقد ذكره بقوله: { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ } أي: بنات صلب أو بنات ابن، ثلاثا فأكثر { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَة } أي: بنتا أو بنت ابن { فَلَهَا النِّصْفُ } وهذا إجماع. بقي أن يقال: من أين يستفاد أن للابنتين الثنتين الثلثين بعد الإجماع على ذلك؟ فالجواب أنه يستفاد من قوله: { وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ } فمفهوم ذلك أنه إن زادت على الواحدة، انتقل الفرض عن النصف، ولا ثَمَّ بعده إلا الثلثان. وأيضا فقوله: { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ } إذا خلَّف ابنًا وبنتًا، فإن الابن له الثلثان، وقد أخبر الله أنه مثل حظ الأنثيين، فدل ذلك على أن للبنتين الثلثين. وأيضًا فإن البنت إذا أخذت الثلث مع أخيها - وهو أزيد ضررًا عليها من أختها، فأخذها له مع أختها من باب أولى وأحرى. وأيضا فإن قوله تعالى في الأختين: {أية : فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } تفسير : نص في الأختين الثنتين. فإذا كان الأختان الثنتان -مع بُعدهما- يأخذان الثلثين فالابنتان -مع قربهما- من باب أولى وأحرى. وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ابنتي سعد الثلثين كما في الصحيح. بقي أن يقال: فما الفائدة في قوله: { فَوْقَ اثْنَتَيْن } ؟. قيل: الفائدة في ذلك -والله أعلم- أنه ليعلم أن الفرض الذي هو الثلثان لا يزيد بزيادتهن على الثنتين بل من الثنتين فصاعدًا. ودلت الآية الكريمة أنه إذا وجد بنت صلب واحدة، وبنت ابن أو بنات ابن، فإن لبنت الصلب النصف، ويبقى من الثلثين اللذين فرضهما الله للبنات أو بنات الابن السدس، فيعطى بنت الابن، أو بنات الابن، ولهذا يسمى هذا السدس تكملة الثلثين. ومثل ذلك بنت الابن، مع بنات الابن اللاتي أنزل منها. وتدل الآية أنه متى استغرق البنات أو بنات الابن الثلثين، أنه يسقط مَنْ دونهن مِنْ بنات الابن لأن الله لم يفرض لهن إلا الثلثين، وقد تم. فلو لم يسقطن لزم من ذلك أن يفرض لهن أزيَد من الثلثين، وهو خلاف النص. وكل هذه الأحكام مجمع عليها بين العلماء ولله الحمد. ودل قوله: { مِمَّا تَرَكَ } أن الوارثين يرثون كل ما خلف الميت من عقار وأثاث وذهب وفضة وغير ذلك، حتى الدية التي لم تجب إلا بعد موته، وحتى الديون التي في الذمم. ثم ذكر ميراث الأبوين فقال: { وَلأبَوَيْهِ } أي: أبوه وأمه { لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ } أي: ولد صلب أو ولد ابن ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا أو متعددًا. فأما الأم فلا تزيد على السدس مع أحد من الأولاد. وأما الأب فمع الذكور منهم، لا يستحق أزيد من السدس، فإن كان الولد أنثى أو إناثا ولم يبق بعد الفرض شيء -كأبوين وابنتين- لم يبق له تعصيب. وإن بقي بعد فرض البنت أو البنات شيء أخذ الأب السدس فرضًا، والباقي تعصيبًا، لأننا ألحقنا الفروض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر، وهو أولى من الأخ والعم وغيرهما. { فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ } أي: والباقي للأب لأنه أضاف المال إلى الأب والأم إضافة واحدة، ثم قدر نصيب الأم، فدل ذلك على أن الباقي للأب. وعلم من ذلك أن الأب مع عدم الأولاد لا فرض له، بل يرث تعصيبا المال كله، أو ما أبقت الفروض، لكن لو وجد مع الأبوين أحد الزوجين -ويعبر عنهما بالعمريتين- فإن الزوج أو الزوجة يأخذ فرضه، ثم تأخذ الأم ثلث الباقي والأب الباقي. وقد دل على ذلك قوله: { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ } أي: ثلث ما ورثه الأبوان. وهو في هاتين الصورتين إما سدس في زوج وأم وأب، وإما ربع في زوجة وأم وأب. فلم تدل الآية على إرث الأم ثلثَ المال كاملا مع عدم الأولاد حتى يقال: إن هاتين الصورتين قد استثنيتا من هذا. ويوضح ذلك أن الذي يأخذه الزوج أو الزوجة بمنزلة ما يأخذه الغرماء، فيكون من رأس المال، والباقي بين الأبوين. ولأنا لو أعطينا الأم ثلث المال، لزم زيادتها على الأب في مسألة الزوج، أو أخذ الأب في مسألة الزوجة زيادة عنها نصفَ السدس، وهذا لا نظير له، فإن المعهود مساواتها للأب، أو أخذه ضعفَ ما تأخذه الأم. { فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ } أشقاء، أو لأب، أو لأم، ذكورًا كانوا أو إناثًا، وارثين أو محجوبين بالأب أو الجد [لكن قد يقال: ليس ظاهرُ قوله: { فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ } شاملا لغير الوارثين بدليل عدم تناولها للمحجوب بالنصف، فعلى هذا لا يحجبها عن الثلث من الإخوة إلا الإخوة الوارثون. ويؤيده أن الحكمة في حجبهم لها عن الثلث لأجل أن يتوفر لهم شيء من المال، وهو معدوم، والله أعلم] ولكن بشرط كونهم اثنين فأكثر، ويشكل على ذلك إتيان لفظ "الإخوة" بلفظ الجمع. وأجيب عن ذلك بأن المقصود مجرد التعدد، لا الجمع، ويصدق ذلك باثنين. وقد يطلق الجمع ويراد به الاثنان، كما في قوله تعالى عن داود وسليمان {أية : وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ } تفسير : وقال في الإخوة للأم: { وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } . فأطلق لفظ الجمع والمراد به اثنان فأكثر بالإجماع. فعلى هذا لو خلف أمًّا وأبًا وإخوة، كان للأم السدس، والباقي للأب فحجبوها عن الثلث، مع حجب الأب إياهم [إلا على الاحتمال الآخر فإن للأم الثلث والباقي للأب]. ثم قال تعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } أي: هذه الفروض والأنصباء والمواريث إنما ترد وتستحق بعد نزع الديون التي على الميت لله أو للآدميين، وبعد الوصايا التي قد أوصى الميت بها بعد موته، فالباقي عن ذلك هو التركة الذي يستحقه الورثة. وقدم الوصية مع أنها مؤخرة عن الدين للاهتمام بشأنها، لكون إخراجها شاقًّا على الورثة، وإلا فالديون مقدمة عليها، وتكون من رأس المال. وأما الوصية فإنها تصح من الثلث فأقل للأجنبي الذي هو غير وارث. وأما غير ذلك فلا ينفذ إلا بإجازة الورثة، قال تعالى: { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } . فلو ردَّ تقدير الإرث إلى عقولكم واختياركم لحصل من الضرر ما الله به عليم، لنقص العقول وعدم معرفتها بما هو اللائق الأحسن، في كل زمان ومكان. فلا يدرون أَيُّ الأولادِ أو الوالِدين أنفع لهم، وأقرب لحصول مقاصدهم الدينية والدنيوية. { فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } أي: فرضها الله الذي قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحكم ما شرعه وقدَّر ما قدَّره على أحسن تقدير لا تستطيع العقول أن تقترح مثل أحكامه الصالحة الموافقة لكل زمان ومكان وحال. ويدخل في مسمى الولد المشروط وجوده أو عدمه، ولد الصلب أو ولد الابن الذكر والأنثى، الواحد والمتعدد، الذي من الزوج أو من غيره، ويخرج عنه ولد البنات إجماعًا. ثم قال تعالى: { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } أي: من أم، كما هي في بعض القراءات. وأجمع العلماء على أن المراد بالإخوة هنا الإخوة للأم، فإذا كان يورث كلالة أي: ليس للميت والد ولا ولد أي: لا أب ولا جد ولا ابن ولا ابن ابن ولا بنت ولا بنت ابن وإن نزلوا. وهذه هي الكلالة كما فسرها بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد حصل على ذلك الاتفاق ولله الحمد. { فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا } أي: من الأخ والأخت { السُّدُسُ } ، { فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ } أي: من واحد { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } أي: لا يزيدون على الثلث ولو زادوا عن اثنين. ودل قوله: { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } أن ذَكَرهم وأنثاهم سواء، لأن لفظ "التشريك" يقتضي التسوية. ودل لفظ { الْكَلالَةِ } على أن الفروع وإن نزلوا، والأصولَ الذكور وإن علوا، يُسقطون أولاد الأم، لأن الله لم يورثهم إلا في الكلالة، فلو لم يكن يورث كلالة، لم يرثوا منه شيئًا اتفاقًا. ودل قوله: { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } أن الإخوة الأشقاء يَسقُطون في المسألة المسماة بالحمارية. وهى: زوج، وأم، وإخوة لأم، وإخوة أشقاء. للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوة للأم الثلث، ويسقط الأشقاء، لأن الله أضاف الثلث للإخوة من الأم، فلو شاركهم الأشقاء لكان جمعا لما فرَّق الله حكمه. وأيضا فإن الإخوة للأم أصحاب فروض، والأشقاء عصبات. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: - "حديث : ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر" تفسير : - وأهل الفروض هم الذين قدَّر الله أنصباءهم، ففي هذه المسألة لا يبقى بعدهم شيء، فيَسْقُط الأشقاء، وهذا هو الصواب في ذلك. وأما ميراث الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب، فمذكور في قوله: {أية : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ } تفسير : الآية. فالأخت الواحدة شقيقة أو لأب لها النصف، والثنتان لهما الثلثان، والشقيقة الواحدة مع الأخت للأب أو الأخوات تأخذ النصف، والباقي من الثلثين للأخت أو الأخوات لأب وهو السدس تكملة الثلثين. وإذ استغرقت الشقيقات الثلثين سقط الأخوات للأب كما تقدم في البنات وبنات الابن. وإن كان الإخوة رجالا ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين. فإن قيل: فهل يستفاد حكم ميراث القاتل، والرقيق، والمخالف في الدين، والمبعض، والخنثى، والجد مع الإخوة لغير أم، والعول، والرد، وذوي الأرحام، وبقية العصبة، والأخوات لغير أم مع البنات أو بنات الابن من القرآن أم لا؟ قيل: نعم، فيه تنبيهات وإشارات دقيقة يعسر فهمها على غير المتأمل تدل على جميع المذكورات. فأما (القاتل والمخالف في الدين) فيعرف أنهما غير وارثين من بيان الحكمة الإلهية في توزيع المال على الورثة بحسب قربهم ونفعهم الديني والدنيوي. وقد أشار تعالى إلى هذه الحكمة بقوله: { لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } وقد عُلم أن القاتل قد سعى لمورثه بأعظم الضرر، فلا ينتهض ما فيه من موجب الإرث أن يقاوم ضرر القتل الذي هو ضد النفع الذي رتب عليه الإرث. فعُلم من ذلك أن القتل أكبر مانع يمنع الميراث، ويقطع الرحم الذي قال الله فيه: {أية : وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } تفسير : مع أنه قد استقرت القاعدة الشرعية أن "من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه". وبهذا ونحوه يعرف أن المخالف لدين الموروث لا إرث له، وذلك أنه قد تعارض الموجب الذي هو اتصال النسب الموجب للإرث، والمانعُ الذي هو المخالفة في الدين الموجبة للمباينة من كل وجه، فقوي المانع ومنع موجب الإرث الذي هو النسب، فلم يعمل الموجب لقيام المانع. يوضح ذلك أن الله تعالى قد جعل حقوق المسلمين أولى من حقوق الأقارب الكفار الدنيوية، فإذا مات المسلم انتقل ماله إلى من هو أولى وأحق به. فيكون قوله تعالى: {أية : وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } تفسير : إذا اتفقت أديانهم، وأما مع تباينهم فالأخوة الدينية مقدمة على الأخوة النسبية المجردة. قال ابن القيم في "جلاء الأفهام": وتأمل هذا المعنى في آية المواريث، وتعليقه سبحانه التوارث فيها بلفظ الزوجة دون المرأة، كما في قوله تعالى: { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ } إيذانا بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب، والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب، فلا يقع بينهما التوارث. وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين [انتهى]. وأما ( الرقيق ) فإنه لا يرث ولا يورث، أما كونه لا يورث فواضح، لأنه ليس له مال يورث عنه، بل كل ما معه فهو لسيده. وأما كونه لا يرث فلأنه لا يملك، فإنه لو ملك لكان لسيده، وهو أجنبي من الميت فيكون مثل قوله تعالى: { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْن } { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ } { فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ } ونحوها لمن يتأتى منه التملك، وأما الرقيق فلا يتأتى منه ذلك، فعلم أنه لا ميراث له. وأما مَنْ بعضه حر وبعضه رقيق فإنه تتبعض أحكامه. فما فيه من الحرية يستحق بها ما رتبه الله في المواريث، لكون ما فيه من الحرية قابلا للتملك، وما فيه من الرق فليس بقابل لذلك، فإذا يكون المبعض، يرث ويورث، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية. وإذا كان العبد يكون محمودا مذموما، مثابا ومعاقبا، بقدر ما فيه من موجبات ذلك، فهذا كذلك. وأما ( الخنثى ) فلا يخلو إما أن يكون واضحا ذكوريته أو أنوثيته، أو مشكلا. فإن كان واضحا فالأمر فيه واضح. إن كان ذكرا فله حكم الذكور، ويشمله النص الوارد فيهم. وإن كان أنثى فله حكم الإناث، ويشملها النص الوارد فيهن. وإن كان مشكلا فإن كان الذكر والأنثى لا يختلف إرثهما -كالإخوة للأم- فالأمر فيه واضح، وإن كان يختلف إرثه بتقدير ذكوريته وبتقدير أنوثيته، ولم يبق لنا طريق إلى العلم بذلك، لم نعطه أكثر التقديرين، لاحتمال ظلم من معه من الورثة، ولم نعطه الأقل، لاحتمال ظلمنا له. فوجب التوسط بين الأمرين، وسلوكُ أعدل الطريقين، قال تعالى: {أية : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } تفسير : وليس لنا طريق إلى العدل في مثل هذا أكثر من هذا الطريق المذكور. و {أية : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } {أية : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }. تفسير : وأما ( ميراث الجد ) مع الإخوة الأشقاء أو لأب، وهل يرثون معه أم لا؟ فقد دل كتاب الله على قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأن الجد يحجب الإخوة أشقاء أو لأب أو لأم، كما يحجبهم الأب. وبيان ذلك: أن الجد أب في غير موضع من القرآن كقوله تعالى: {أية : إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ } تفسير : الآية. وقال يوسف عليه السلام: {أية : وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ }. تفسير : فسمى الله الجد وجد الأب أبا، فدل ذلك على أن الجد بمنزلة الأب، يرث ما يرثه الأب، ويحجب من يحجبه. وإذا كان العلماء قد أجمعوا على أن الجد حكمه حكم الأب عند عدمه في ميراثه مع الأولاد وغيرهم من بني الإخوة والأعمام وبنيهم، وسائر أحكام المواريث، فينبغي أيضا أن يكون حكمُه حكمَه في حجب الإخوة لغير أم. وإذا كان ابن الابن بمنزلة ابن الصلب فلم لا يكون الجد بمنزلة الأب؟ وإذا كان جد الأب مع ابن الأخ قد اتفق العلماء على أنه يحجبه. فلم لا يحجب جد الميت أخاه؟ فليس مع مَنْ يورِّث الإخوةَ مع الجد، نص ولا إشارة ولا تنبيه ولا قياس صحيح. وأما مسائل (العول) فإنه يستفاد حكمها من القرآن، وذلك أن الله تعالى قد فرض وقدر لأهل المواريث أنصباء، وهم بين حالتين: إما أن يحجب بعضهم بعضًا أو لا. فإن حجب بعضهم بعضا، فالمحجوب ساقط لا يزاحِم ولا يستحق شيئا، وإن لم يحجب بعضهم بعضا فلا يخلو، إما أن لا تستغرق الفروض التركة، أو تستغرقها من غير زيادة ولا نقص، أو تزيد الفروض على التركة، ففي الحالتين الأوليين كل يأخذ فرضه كاملا. وفي الحالة الأخيرة وهي ما إذا زادت الفروض على التركة فلا يخلو من حالين: إما أن ننقص بعضَ الورثة عن فرضه الذي فرضه الله له، ونكمل للباقين منهم فروضهم، وهذا ترجيح بغير مرجح، وليس نقصان أحدهم بأولى من الآخر، فتعينت الحال الثانية، وهي: أننا نعطي كل واحد منهم نصيبه بقدر الإمكان، ونحاصص بينهم كديون الغرماء الزائدة على مال الغريم، ولا طريق موصل إلى ذلك إلا بالعول، فعلم من هذا أن العول في الفرائض قد بينه الله في كتابه. وبعكس هذه الطريقة بعينها يعلم ( الرد ) فإن أهل الفروض إذا لم تستغرق فروضُهم التركةَ وبقي شيء ليس له مستحق من عاصب قريب ولا بعيد، فإن رده على أحدهم ترجيح بغير مرجح، وإعطاؤه غيرَهم ممن ليس بقريب للميت جنف وميل، ومعارضة لقوله: {أية : وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } تفسير : فتعين أن يُرَدَّ على أهل الفروض بقدر فروضهم. ولما كان الزوجان ليسا من القرابة، لم يستحقا زيادة على فرضهم المقدر [هذا عند من لا يورِّث الزوجين بالرد، وهم جمهور القائلين بالرد، فعلى هذا تكون علة الرد كونه صاحب فرض قريبا، وعلى القول الآخر، أن الزوجين كغيرهما من ذوي الفروض يُرَدُّ عليهما؛ فكما ينقصان بالعول فإنهما يزادان بالرد كغيرهما، فالعلة على هذا كونه وارثا صاحب فرض، فهذا هو الظاهر من دلالة الكتاب والسنة، والقياس الصحيح، والله أعلم]. وبهذا يعلم أيضا ( ميراث ذوي الأرحام ) فإن الميت إذا لم يخلف صاحب فرض ولا عاصبا، وبقي الأمر دائرا بين كون ماله يكون لبيت المال لمنافع الأجانب، وبين كون ماله يرجع إلى أقاربه المدلين بالورثة المجمع عليهم، ويدل على ذلك قوله تعالى: {أية : وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } تفسير : فصرفه لغيرهم ترك لمن هو أولى من غيره، فتعين توريث ذوي الأرحام. وإذا تعين توريثهم، فقد علم أنه ليس لهم نصيب مقدر بأعيانهم في كتاب الله. وأن بينهم وبين الميت وسائط، صاروا بسببها من الأقارب. فينزلون منزلة من أدلوا به من تلك الوسائط. والله أعلم. وأما ( ميراث بقية العصبة ) كالبنوة والأخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم إلخ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولي رجل ذكر" تفسير : وقال تعالى: {أية : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ } تفسير : فإذا ألحقنا الفروض بأهلها ولم يبق شيء، لم يستحق العاصب شيئًا، وإن بقي شيء أخذه أولي العصبة، وبحسب جهاتهم ودرجاتهم. فإن جهات العصوبة خمس: البنوة، ثم الأبوة، ثم الأخوة وبنوهم، ثم العمومة وبنوهم، ثم الولاء، فيقدم منهم الأقرب جهة. فإن كانوا في جهة واحدة فالأقرب منزلة، فإن كانوا في منزلة واحدة فالأقوى، وهو الشقيق، فإن تساووا من كل وجه اشتركوا. والله أعلم. وأما كون الأخوات لغير أم مع البنات أو بنات الابن عصبات، يأخذن ما فضل عن فروضهن، فلأنه ليس في القرآن ما يدل على أن الأخوات يسقطن بالبنات. فإذا كان الأمر كذلك، وبقي شيء بعد أخذ البنات فرضهن، فإنه يعطى للأخوات ولا يعدل عنهن إلى عصبة أبعد منهن، كابن الأخ والعم، ومن هو أبعد منهم. والله أعلم.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ} [11] 111- أنا الحسن بن محمد، نا حجاج أدَّاه عن ابن جريج قال: أخبرني ابن المُنكدر، عن جابر قال: حديث : عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة يمشيان، فوجداني لا أَعقِل، فدعا بماء فتوضأ، ثم رشَّ عليَّ منه فأَفقت، فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ فأنزل الله {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} . تفسير : ذيل التفسير قوله تعالى: [{يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ} [11]] 9/ 744- أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا خالد، قال: ثنا شعبة، عن محمد بن المُنكدر، عن جابر بن عبد الله حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاده وهو لا يَعقل فتوضأ فصبَّ عليه من وضوئه فعقل فقلت: يرثُني كلالةً فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض .